← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: قيل لهم: القائل هذا؛ مبني للمجهول، ولا يهم من هو! المهم هنا، هي المقولة. ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾: أي: إذا دعوا إلى الإيمان، أو دعا بعضهم بعضاً إلى الإيمان، أنكروا دعوة الداعي، طاعنين في إيمان أصحاب محمّد ﷺ . النّاس. راجع الآية (٢١) من نفس السورة لبيان معنى النّاس. ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾: الهمزة استفهام إنكاري. ﴿كَمَا آمَنَ﴾: الكاف للتشبيه. ﴿السُّفَهَاءُ﴾: كان المنافقون يصفون أصحاب محمّد ﷺ بالسفهاء؛ لكونهم فقراء، ولا يملكون شيئاً. والسفه: يعني: الاضطراب، والخفة في العقل، وضعف الرأي. ﴿أَلَا﴾: للتنبيه. ﴿إِنَّهُمْ﴾: إن: للتوكيد. ﴿هُمُ﴾: ضمير منفصل، يدل على المبالغة؛ أي: إذا كان هناك سفهاء، فهم السفهاء حقاً، وضعاف العقل، أو الجهّال الخرقى. ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: بأنهم هم السفهاء. ما هو الفرق بين: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؟ الآية (١٢) ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ وردت في سياق الفساد في الأرض، والفساد أمر ظاهر، وليس خفياً، وكان المفروض أن يشعروا بعنادهم وفسادهم، ولكنهم لم يشعروا، فقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. الآية (١٣) ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: وردت في سياق الإيمان، وهو عمل قلبي،

стр. 37

ومن الأمور الباطنة؛ يحتاج إلى علم، وليس إلى شعور علم بما يجري في قلوبهم ولا يقدر على ذلك إلَّا العليم الخبير. سورة البقرة [٢: ١٤] ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية، للمستقبل، ﴿لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: لقوا، واللقاء، والملاقاة؛ المواجهة وجهاً لوجه؛ أي: التقى المنافقون بالمؤمنين، وجهاً لوجه. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾: ولم يقولوا: إنا مؤمنون؛ أي: أعلنوا ثبات إيمانهم، وإنما تظاهروا بالإيمان. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾: جملة فعلية، تدل على التجدد، والتكرار، وليس الثبات، كما هو الحال في، ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]. ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾: انصرفوا أو انفردوا، وخلا؛ بمعنى مضى، وذهب، وخلا به، وإليه، أو معه: سأله أن يجتمع به في خلوة. ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: أي: إلى رؤسائهم، وإخوانهم وكبرائهم، في الكفر والفساد. وشياطين؛ جمع شيطان: من شطن، إذا بَعُدَ عن الحق، والشاطن؛ الخبيث. وتعريف الشيطان: هو كل عات، متمرد، من الجن والإنس. كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾: على دينكم، أو معكم، على النصرة، والولاية، و ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾: جملة اسمية؛ تدل على الثبوت، والدوام، على كونهم إخوان الشياطين.

стр. 38

﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾: إنما: كافة مكفوفة، تفيد التّوكيد. ﴿نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾: جمع مستهزئ: والاستهزاء عام، يكون في الأشخاص، وغير الأشخاص. والاستهزاء: الاستخفاف، والخفة، وتصغير قدر الشخص، أو الشيء كما أنّ الاستهزاء؛ غير السخرية. ارجع إلى سورة الزمر آية (٤٨) للبيان. سورة البقرة [٢: ١٥] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾: هذا؛ من علم الغيب. وقد يكون المراد به؛ يجازيهم على استهزائهم، فقوبل اللفظ بمثله لفظاً، وإن خالفه في المعنى. ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: من المد، وأكثر ما يستعمل المد في المكروه، والإمداد في المحبوب. والمد بمعنى الإمهال، يقال: مدَّه في غيه أمهله. ويقال: مدَّ الجيش، وأمده؛ أي: زوده بالعدد والعُدَّة ما يقويه. إذن، يمدهم؛ له معان عدَّة: ١ - يمهلهم؛ ليزدادوا إثماً، أو يُملي لهم. ٢ - يزيدهم في طغيانهم بأن يفتح لهم أبواب كل شيء. ﴿فِى طُغْيَانِهِمْ﴾: الطغيان؛ مجاوزة الحد في ضلالهم، وكفرهم، وظلمهم، وفسادهم، وكبرهم، وعصيانهم، من طغا الماء؛ أي: ارتفع. فهو لا يكتفي بكفره، بل يتجاوز الحد، ويطلب ممن آمن أن يرتد عن

стр. 39

إيمانه، أو يمنع غيره، من الدخول، في الإسلام، أو يحاربون الدِّين، واستعمال (في) الظرفية؛ تدل على كونهم منغمسين، في ضلالهم، وكفرهم، من قبل، ومع ذلك؛ يزداد الانغماس. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون، ويترددون، يعمون عن الرَّشد أو الحق، ممّا يؤدي بهم، إلى الخطأ في الرأي يتحيرون، ويترددون، بين إظهار الكفر، وإخفاء الكفر، أو بين ترك الكفر، أو البقاء عليه. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: من عَمِهَ: إذا تردَّد، وتحير، والعمه؛ يكون في البصيرة، والعمى يكون في البصر، أو العين، فهم الذين، اختاروا العمه، عمى البصيرة، والحيرة، والتردُّد. سورة البقرة [٢: ١٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى البُعد ويشير إلى المفسدين، السفهاء، الّذين لا يشعرون، ولا يعلمون، وكذلك إلى المستهزئين. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول، يفيد الذَّم. ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: اشتروا الضلالة؛ اسم مرة ضلالة واحدة، والضلال اسم جنس يشمل الضلالات كلها، ويعني: عدم تبين الحق والهدى والإيمان؛ أي: بدلاً من أن يشتروا الهداية، أو الهدى الضلالة، وإذا قارنا هذه الآية بالآية (٢٠٧) من نفس السورة وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ نجد أن شرى تعني يبيع، واشترى بمعنى الشراء، وهو دفع الثمن مقابل السلعة. اشتروا الضلالة: قد تكون الكفر، أو النفاق والشك، أو الجهل؛ اشتروا الضلالة فكيف دفعوا ثمنها؟ دفعوا ثمنها، بما عندهم، من الفطرة الإيمانية، فكل

стр. 40

ما عندهم، من فطرة إيمانية، أو إيمان، اشتروا به ضلالة واحدة، فهذا يدل على أن إيمانهم ضعيف جداً. وماذا كانت النتيجة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾: أي: هم لم يربحوا أي شيء، بل خسروا رأس المال أيضاً. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: ما النّافية. ﴿كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: أي: لا يعرفون كيف يتاجرون، لكسب الآخرة والنجاة من النار فليس عندهم علم، أو هدى، أو خبرة بالتجارة؛ لذلك فهم، قد خسروا كل شيء.

стр. 41

سورة البقرة [٢: ١٧] ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾: ﴿مَثَلُهُمْ﴾: بعد أن ذكر صفاتهم، أعقبها بضرب مثلهم لنا، زيادة في البيان. المثل هو النظير، والشبيه، الذي يقرب، ويسهل لنا فهم المعنى، ويعطينا الحكمة، و ﴿مَثَلُهُمْ﴾، تعود على ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾، وهم المنافقون. مثلهم: ﴿كَمَثَلِ﴾: الكاف للتشبيه. ﴿الَّذِى﴾؛ اسم موصول. ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾: ولم يقل: أوقد ناراً؛ أي: بنفسه، وإنما استوقد، أي طلب؛ الألف، والسين، والتاء؛ تعني الطلب من غيره، أن يوقد له ناراً، أو حاول أن يوقد ناراً. استوقد أبلغ من أوقد، وقد تعود على المنافق، أو تعود على رسول الله ﷺ . ﴿نَارًا﴾: تنكير النار هنا للتهويل، وكان العرب قديماً، يوقدون النار في الصحراء؛ لأمرين: لهداية الضال، ودعوة الأضياف. أو يوقدها حتّى يبصر ما حوله، ويستدفئ بها، ويشعر بالأمن، من الحيوانات الضارية، ومن اللصوص. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء؛ للتوكيد، لما: ظرف زماني، بمعنى حين.

стр. 42

﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: الإضاءة أو الضوء: كل إضاءة صادرة عن مصدر مشتعل بحد ذاته أي: مضيء كالشمس والنجوم والنار المشتعلة، وهذا الضوء إذا وقع على جسم معتم كالقمر أو العين انعكس وسمي نوراً، فالضوء يمتاز بنور+ حرارة (دفء). والضوء: هو فرط الإنارة، والضوء حالة من حالات النور، والنور أعم من الضوء، وأشمل، وأوسع، والضياء أقوى من النور، أضاءت ما حوله، من المكان، أو انتفع بها، وأبصر بها، أي: بالنار، وإذا ذهب النور ذهب الضياء أيضاً، وأما إذا ذهب الضياء فلا يعني ذهاب النور كاملاً. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾: نور المنافقين؛ أي: حين اُطفئت النار، وأصبح في ظلام دامس، هو ومن حوله، لا يبصرون، وكذلك حال المنافقين، ولم يقل: ذهب بضوئهم؛ فذلك يعني لا يزال هناك نور للمنافقين، ينتفعون به، فلكي ينفي عنهم كل أنواع الهداية قال تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾؛ أي: لم يبق لهم أمل بالعودة، إلى دين الله، وإذا كان الذي استوقد، هو رسول الله ﷺ ، فالمثل؛ يعني: أنه رسول الله ﷺ ، جاء بالإسلام، وشع نور الإسلام، ورفض هؤلاء المنافقون، الانتفاع بالنور الذي جاء به رسول الله وعادوا إلى ظلمات الكفر والفسق. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل: أذهب عنهم النور، ذهب؛ تعني: عدم العودة؛ ذهاب من دون رجعة، أما أذهب؛ فقد تعني: زوال، أو غير زوال، وتحتمل عودة النور. ﴿وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ﴾: جمع ظلمة، ظلمات عديدة، متراكمة، ظلمات الكفر، والجهل، والشرك، والمعاصي، والنفاق. ارجع إلى الآية (٢٥٧) من نفس السورة لمزيد من البيان في معنى النور والظلمات، ولماذا أفرد النور وجمع الظلمات.

стр. 43

﴿لَا﴾: النّافية؛ لكل الأزمنة. ﴿يُبْصِرُونَ﴾: الإبصار: درك الشيء بالعين، أو رؤية الشيء بالعين؛ أي: نور، أو ضوء، يمكن أن يخرجهم من الظلمات إلى الإيمان بالله، ووحدانيته. مرة أخرى، ويختلف النظر؛ النظر: هو مجرد توجه العين أو الالتفات إلى الشيء بدون رؤيته، وإذا رأته يعني تحول إلى بصر. سورة البقرة [٢: ١٨] ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: ﴿صُمٌّ﴾: أي: لا يستطيعون السمع، وبكم؛ لا يستطيعون النطق والكلام، عُمي لا يبصرون، أو يفهمون، عُمي البصيرة. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾: في آن واحد؛ أي: يتصفون بهذه الصفات الثلاث معاً؛ أي: تعطلت عندهم هذه الحواس؛ لأنهم في ظلمات، لا يبصرون؛ أي: هم كالصم، البكم، العمي، تشبيه بليغ، فآذانهم صم، فهي لا تستمع إلى آية، أو موعظة، أو إنذار، أو وعيد، وألسنتهم لا تنطق بالحق، وهم عمي الأبصار، لا يبصرون طريق الهدى. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٩٧) من سورة الإسراء: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، أو الآية (٣٩) في سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى الظُّلُمَاتِ﴾. نجد أنه أضاف الواو في أية سورة الإسراء؛ الذي يدل على أنّ هذه الآية، تتحدث عن ٣ فئات مختلفة، من النّاس: فئة تحشر عمياً، وفئة تحشر بكماً، وفئة تحشر صماً.

стр. 44

أما آية سورة البقرة؛ فتتحدث عن فئة واحدة، اتصفت بثلاث صفات معاً، وفي آن واحد. ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: الفاء؛ تدل على التّوكيد، هم: تفيد زيادة التّوكيد، لا: النّافية؛ لكل الأزمنة. ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾: عن ضلالتهم، أو عن كفرهم، إلى الإيمان. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٧١) من سورة البقرة، ومثل الّذين كفروا، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع، إلَّا دعاءً ونداءً، صمٌّ، بكمٌ، عمي، فهم لا يعقلون، نجد أنّ الآية (١٨)، جاءت في سياق الهداية، والضّلال، فهم لا يرجعون عن ضلالتهم، أو كفرهم، إلى الإيمان. أما الآية (١٧١)، فقد جاءت في سياق التقليد، تقليد الآباء، الّذين وصفهم بأنهم لا يعقلون، في الآية (١٧٠)، والّذين قلدوهم من أبنائهم، أو غيرهم، هم كذلك؛ صمٌّ بكمٌ عميٌ، فهم لا يعقلون، لا يفكرون ويعقلون من عقل الشيء أي: عرفه بدليله وفهمه حتّى يصل إلى حكم أو نتيجة أنّ الله هو الإله الحق. سورة البقرة [٢: ١٩] ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: ﴿أَوْ﴾: لها معانٍ عدَّة؛ منها: ١ - للتخيير بين المثل الأول، كالذي استوقد ناراً، أو المثل الثّاني، كصيِّب من السماء. ٢ - للتقسيم: أي: بعضهم يشبه الذي استوقد ناراً، وبعضهم يشبه أصحاب الصيب، أو مثلهم كأحد هذين المثلين.

стр. 45

٣ - أو تعني بل؛ أي: بل مثلهم، كمثل صيب من السماء. ﴿كَصَيِّبٍ﴾: الكاف للتشبيه، صيِّب: هو المطر الغزير، من صاب، يصوب، إذا نزل وانحدر بشدة. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: من ابتدائية. ﴿السَّمَاءِ﴾: النازل من السحب الركامية وسمِّيت سماء؛ لأنّ تعريف السماء هو كل ما علاك يسمى سماءً. ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾: جمع ظلمة، ناتجة عن تكاثف السحب، وحجبها لضوء الشمس. ﴿وَرَعْدٌ﴾: هو صوت لانفجار ناتج عن تمدد الغلاف الغازي في منطقة التفريغ الكهربائي بين السحب المختلفة الشحنات الكهربائية، فتحدث أصوات مُدوية رهيبة نتيجة تغيرات في الضغط الجوي والتمدد ودرجات الحرارة. ﴿وَبَرْقٌ﴾: الذي ينشأ عن اصطدام السحب، الركامية، المشحونة بالطاقة الكهربائية، فعندما تقترب من بعضها، يحدث التفريغ الكهربائي بينها؛ مما يؤدي إلى البرق، وتختلف شدة هذه الشحن الكهربائية، بحسب أحجام تلك السحب الركامية، وقد تتلاحق هذه التفريغات، حتّى تصل إلى ٤٠ تفريغاً بالدقيقة؛ ما يؤدي بالناظر إليها بالعمى المؤقت، وهذا تفسير ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣]. ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾: أي: أصحاب الصيب، أو من ينزل عليهم هذا الصيب، المطر، المنهمر، يضعون أصابعهم في آذانهم؛ أي: جميع أصابعهم، أو عدَّة أصابع في آذانهم، وهل يستطيع الإنسان أن يدخل أصابعه، ولا حتّى إصبع واحد، أو حتّى أنملة واحدة، نتيجة شدة الرعد والبرق، وهذا كناية

стр. 46

عن كرههم لسماع آيات الله، وخوفهم، وفزعهم من تسرب، ولو كلمة واحدة إلى آذانهم. ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾: أي: من شدة صوت الرعد، أو الزلزلة، أو النار المحرقة. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: خوفاً من الموت. ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: محيطاً بعلمه، وقدرته بالكافرين، فلا يفوته أحد، ولا يخفى عليه ما يفعلون. وقيل: إن الصيب هو القرآن أو دين الإسلام، الذي تحيا به القلوب، كما تحيا الأرض بالمطر، الذي ينزل كالغيث أما المنافقون؛ حين نزل عليهم هذا القرآن، والدِّين، فقد جعلوا أصابعهم في آذانهم، من خوفهم، وفزعهم، وظنوا أنّ الإسلام فيه ظلمات، ورعد، وبرق، سيخطف أبصارهم ويهلكهم. وكان المنافقون؛ إذا حضروا مجلس النّبي ﷺ ، أعرضوا، وخافوا أن ينزل فيهم شيء من القرآن، ينبئهم بما في قلوبهم، فيقتلوا أو يكشف الله أمرهم. سورة البقرة [٢: ٢٠] ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: سبب النّزول: عن ابن عبّاس وابن مسعود ﵄، وغيرهما، في نزول هذه الآية؛ قالوا: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة، هربا من رسول الله ﷺ إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر، الذي ذكر الله، فيه رعد شديد، وصواعق، وبرق، فكان كلما أضاءت لهما الصواعق، جعلا أصابعهما في آذانهما من الفَرَق (الخوف)، أن تدخل الصواعق في مسامعهما، فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشوا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا، وقاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان: ليتنا قد

стр. 47

أصبحنا، فنأتي محمداً، فنضع أيدينا في يده، فأصبحنا، فأتياه، فأسلما ووضعا أيديهما في يده، وحسن إسلامهما. ﴿يَكَادُ﴾: من أفعال المقارنة. ﴿الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾: أي: يكاد نور القرآن، أو ما نزل عليهم من ربهم، يخطف أبصارهم، من شدة نوره، كما أنّ البرق يخطف بصر الناظر إليه. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَّشَوْا فِيهِ﴾: كلّما؛ ظرفية، زمانية، متضمنة معنى الشرط؛ أي: إذا كان القرآن، أو الدِّين موافقاً لهواهم، ولا يذكرهم بسوء، ويعطيهم، من الغنائم، ولم يفتنوا، ويعصهم من القتل، مشوا فيه، استمروا على إسلامهم. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: وإذا لم يوافق هواهم، وطلب منهم الإنفاق في سبيل الله، والجهاد، أو أصابهم مرض، أو فقر، أو مخمصة في سبيل الله، وقفوا، وضعف إيمانهم، وقالوا: هذا كله بسبب دين محمّد، كالذي يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير، اطمأنّ به، وإن أصابته فتنة، انقلب على وجهه، فخسر الدّنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: لو؛ حرف امتناع لامتناع. ﴿لَذَهَبَ﴾: اللام؛ لام التأكيد. ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: أي: أزالها بلا عودة، بالرعد والبرق، والصواعق، أو أزالها، أو طمسها من دون سبب، أو عطلها، أو محاها، أو بدلها، أو شوهها، والباء؛ ﴿بِسَمْعِهِمْ﴾: للإلصاق، ولكنه سبحانه لم يشأ، وأبقى لهم ذلك، لتكون عليهم حجة، وتشهد عليهم يوم القيامة، بما كانوا يعملون، أو لعلهم يتوبون، ويعودون على رشدهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: إن للتوكيد.

стр. 48

﴿اللَّهَ﴾: اسم الله الأعظم، الذي تفرد به، واختصه لنفسه. راجع الآية (٢٥٥) من هذه السورة للبيان. ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: قدير؛ صيغة مبالغة لقادر. وقادر: أي: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، والقدير: أي: الفعال، لكل ما يشاء. ﴿شَىْءٍ﴾: نكرة؛ مهما كان نوعه، وشكله، وحجمه، ومكانه، ولونه، وصفته، وعظمته. ﴿قَدِيرٌ﴾: أي؛ القوي، القادر، والقدير؛ العظيم الشأن، فيما يقدر عليه، قادر على خلق الشيء، وجعله؛ أي: تصريفه كما يشاء، والقدرة عليه، والعلم به وقدرته، على مقدار قوته، لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء سبحانه، وفي هذه الآية؛ قدير على الذهاب بسمعهم، وأبصارهم. سورة البقرة [٢: ٢١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: بعد أن ذكر الله -جل وعلا-، أصناف النّاس، الثلاث: المتقين، والكفار، والمنافقين، ينادي على النّاس جميعاً في كل زمان ومكان منذ نزول القرآن إلى قيام الساعة. ﴿يَاأَيُّهَا﴾: يا: أداة نداء للبعيد، والهاء: في أيها؛ للتنبيه؛ أي: تنبيه الغافل، والساهي. ﴿النَّاسُ﴾: بشكل عام اسم للجمع من بني آدم واحده إنسان من غير لفظه، وهي من ألفاظ الجموع ليس لها مفرد، وأصلها أناس حذفت الهمزة للتخفيف، وأناس من الإنس، وهو الألفة؛ أي: يأنس بعضهم ببعض، والناس؛ مشتقة من النوس، وهو الحركة، من ناس ينوس؛ أي: تحرك، وكلمة النّاس؛ لا تدل على عدد معين. ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: العبادة في الأصل، هي الخضوع لله والتذلل له بالطاعة،

стр. 49

طاعة العابد للمعبود، فيما أمر به، وفيما نهى عنه، والعبادة لها منهج؛ افعل ولا تفعل، ولها جزاء، ولا تكون إلّا للخالق وحده، ولا تكون إلّا مع المعرفة بالمعبود، وطاعة الرسول؛ من طاعة الله. والعبادة مأخوذة من كلمة التعبيد أي: التذليل، ومنه القول: طريق معبد أي: مذلل للسالكين. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) للبيان المفصل لمعنى العبادة. ﴿رَبَّكُمُ﴾: الرب؛ المتولي أمور الربوبية، فهو الخالق، والهادي، والرازق، والمدير لشؤونكم، وقوله: ﴿رَبَّكُمُ﴾؛ ولم يقل: اعبدوا الرب، فيه تشريف، وتكريم للناس، الّذين يعبدون ربهم. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول، يفيد التعظيم. ﴿خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: الخلق، هو الإيجاد، ابتداءً، بتقدير، وتسوية، وحساب، واصل الخلق، التقدير: خلق الثوب؛ أي: قدر أبعاده، والخلق؛ يكون من العدم (لا شيء) أو من شيء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والّذين قبلكم، من النّاس، وفائدة ذكر، ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، أبلغ في التذكير، وأقطع للجحد، وأقوم في الحجة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: لعل للتعليل؛ أي: اعبدوا ربكم، راجين أن تكونوا من المتقين، إذا عبدتم ربكم، وقدَّمتم الأسباب الأخرى للتقوى، وسألتم الله العون والقبول، فعسى أن تكونوا عندها، من المتقين. سورة البقرة [٢: ٢٢] ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ﴿الَّذِى﴾ اسم موصول تعود على ربكم، الذي جعل لكم الأرض فراشاً. ﴿جَعَلَ﴾: صير، وهيأ، والجعل يأتي بعد الخلق. قال: ﴿جَعَلَ﴾؛ ولم يقل:

стр. 50

جعلنا؛ للدلالة على وحدانيته ﷻ . ولو قال: جعلنا؛ لكانت دلالة على التعظيم، وكمال قدرته -جل وعلا-. ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ﴾: خاصة لكم، أيها النّاس خلق الله تعالى الأرض على مراحل متعددة: ١ - مرحلة الجرم: كانت الأرض والسماء كجرم متناهٍ في المادة والطاقة. ٢ - فجر الله ذلك الجرم فتحول إلى سحابة من الدخان خلق منها أرضاً واحدة وسماء واحدة تسمى الأرض الابتدائية. ٣ - ميز الله تعالى الأرض الابتدائية التي كانت عبارة عن كومة من الرماد بإنزال الحديد (ارجع إلى سورة الحديد) إلى سبع أرضين … ٤ - ثم شكل قشرة الأرض. ﴿فِرَاشًا﴾ يقصد بالأرض هنا قشرة الأرض، فقد بدأت هذه القشرة بتضاريس معقدة بدأت بالحمم البركانية الّتي خرجت على ظهر الماء الذي كان يغمر كتلة الأرض بعد تمايزها بالحديد إلى سبع أرضين. فشكلت هذه البراكين ما يسمى بالحافة في وسط المحيط الذي تطور إلى سبع محيطات ثم امتدت هذه الجزر البركانية فشكلت القارة الأم الّتي تصدعت بشبكة من الصدوع إلى ما يسمى القارات، ثم تباعدت وشكلت لنا القارات السبع الآن، ولا تزال تتحرك، ولكن حركتها بطيئة مقارنة بسرعتها القديمة، وأخرج منها ماءها ومرعاها وألقى فيها الرواسي، وتشكلت الأنهار بعد تشكل الجبال. وسخَّر الله تعالى عوامل التعرية من الرياح والمياه الجارية واختلاف الحرارة وتباين الليل والنهار وشكَّل قشرتها الممهدة في بعض أجزائها، فقد كانت الأرض كتلة ملتهبة من الحمى، وظلت تبرد تدريجياً، بفعل فقدها بخار

стр. 51

الماء المندفع من بين شقوها، وفوهات البراكين، وبعد فترة طويلة قدرت بمليار عام، أصبحت حرارتها مناسبة، وتصلبت قشرتها، أمسكت بمائها في بحيرات صغيرة وكبيرة، وغدت الأرض كوكباً، من محيط مائي ذاب من معادنها، ما ذاب، وظهرت عناصر الحياة عليها، الّتي تسمى اليوم بالطحالب الزرقاء، ثم ظهرت النباتات العشبية، ثم السرخسيات، ثم ظهرت النباتات المزهرة، والثمار، وهكذا. وبفضل قانون الجاذبية استقر الإنسان على ظهرها ومع كونها تدور حول نفسها بسرعة (٢٦ كم/ بالدقيقة)، وتدور حول الشمس في مدار طوله (٩٥٠ مليون كم بسرعة ٣٠ كم/ بالثانية)، فالإنسان لا يشعر بهذا الدوران؛ لأنه يدور مع دوران الأرض، وهذا التفسير جزء من الحقيقة العلمية. وفي آية أخرى قال سبحانه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف: ١٠]: ﴿مَهْدًا﴾: صالحة للحياة. ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾: تعريف السماء لغة: هي كل ما علاك، فأظلك، وتعني: السموات السبع الطباقَ؛ أي: السبع كرات الّتي تحيط كل واحدة بالأخرى. ﴿بِنَاءً﴾: أي: مبنية، بناء محكماً، مترابطاً، وليس فراغاً، كما كان يظن النّاس، يملؤه غازات مختلفة، وتحكمه قوى الجاذبية، بين مليارات المجرات، والكواكب، والنجوم التي تزيد على (٢٠٠ مليار نجم) في المجرة الأرضية وحدها، فكل كتلة تجذب أختها، وتجعلها مستقرة ﴿كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٣]؛ حسب نظام إلهي، عجيب، بناء كالسقف ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، كما سنرى في سورة الأنبياء. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾: ﴿وَأَنْزَلَ﴾: للدلالة على التوحيد، مقام توحيد، ولم يقل: (وأنزلنا)؛ للدلالة

стр. 52

على التعظيم، وأنزل سبحانه ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: أي: من السحب ماء؛ أي: ماء المطر. ويقصد بهذه الآية دورة الماء حول الأرض. ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾: الفاء السببية، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾: بهذه الماء، ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، من: ابتدائية، وتفيد التبعيض؛ أي: من بعض الثمرات، ليكون رزقاً لكم، لم يجعل الرزق كله من الثمرات. ﴿رِزْقًا لَّكُمْ﴾: والرزق؛ هو كل ما ينتفع به، وليس حراماً؛ أي: لا يكون الرزق إلَّا حلالاً. ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ﴿فَلَا﴾: الفاء؛ للتوكيد، لا: الناهية. ﴿أَندَادًا﴾: جمع ند، والند هو النظير، أو الشبيه المثيل، أو الضد، أو الشريك، وناددت الرجل: خالفته، ونافرته، وأصله: من ند البعير؛ أي: نفر، وذهب على وجهه شارداً، إذن، فيها معنى التشابه، والتضاد، والتنافر، والمراد هنا؛ الشريك لله، في عبادته، فلا تجعلوا لله أمثالاً، ونظراء تعبدونها، وتسمونها آلهة، وتجعلون لها ما لله من حقوق. ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أنّ الله وحده المستحق للعبادة، وأنّ هذه الأنداد لا تجلب لكم نفعاً ولا ضراً. سورة البقرة [٢: ٢٣] ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: شرطية، تستعمل في حالات الشك، والندرة، الوقوع، بعكس إذا المستعملة في الأمور الواقعة، لا محالة، أو الكثيرة الحدوث.

стр. 53

﴿كُنتُمْ فِى رَيْبٍ﴾: الرَّيب؛ هو الشك مع التهمة، تشكون إن القرآن ليس منزل من عند الله، وتتهمون الرسول ﷺ بأنه افتراه، أو أنه أساطير الأولين اكتتبها فأتوا بسورة من مثله. ﴿مِمَّا﴾: من؛ ابتدائية، ما؛ للتوكيد. ﴿نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾: من القرآن، على عبدنا محمّد ﷺ ، و ﴿نَزَّلْنَا﴾ تعني: منجَّماً على دفعات، وليس جملة واحدة. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِّثْلِهِ﴾: لها عدة معان: ١ - ليس له مثيل، ولا وجود لمثله، فأتوا بسورة مثله، وبما أنه لا مثيل له، ولا يفترض وجود مثيل له، إذن هو غير مفترى، ولا يكون مفترى إلَّا إذا كان له مثيل. ٢ - ﴿مِنْ﴾: ابتدائية، استغراقية، تعني: فأتوا بمثل أي سورة، من سور القرآن كلها (١١٤ سورة)، فالتحدي في هذه الآية واقع على جميع سور القرآن من الفاتحة إلى سورة النّاس أياً كانت، أو تعني: التحدي على الآيتان بشيء يماثل القرآن؛ أي: أقل مرتبة ممن المماثلة التامة، وبما أن سورة البقرة كانت آخر سور التحدي فهو تحداهم ليس بمثله وإنما من مثله على احتمال أن هناك ما يماثله، ولو نظرنا إلى سورة يونس آية (٣٨) وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: نجده حذف (من)؛ لأن التحدي كان على سورة مثله، فالتحدي الأول: كان في سورة الإسراء بالإتيان بمثل هذا القرآن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، التحدي الثاني: كان تحدي على الإتيان بسورة مثل سور القرآن، ثم تحداهم التحدي الثالث: بعشر سور كما ورد في سورة هود آية (١٣) فقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ

стр. 54

مُفْتَرَيَاتٍ﴾، ثم تحداهم التحدي الرابع: بالإتيان من مثله فهم عجزوا عن الإتيان في كل المراحل. ٣ - ﴿مِنْ مِّثْلِهِ﴾: هناك من قال: إنه تعني: من مثل محمّد ﷺ ، الأمي، الذي لا يكتب. ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾: جمع شهيد، بمعنى حاضر، أو يقوم بالشهادة؛ أي: يشهد لكم، أنكم أتيتم بسورة، ﴿مِنْ مِّثْلِهِ﴾؛ أي: من القرآن، ولم يقل: ﴿وَادْعُوا﴾ الشهداء، وإنما قال: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾؛ أي: ولو كانوا متحيزين لكم، ومن أنصاركم. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله، أو سواه. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن شرطية، تفيد الاحتمال، أو القلة، أو الندرة؛ أي: لستم بصادقين، ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أنّ هذا القرآن منزل، من عند غير الله، أو أنّ محمداً افتراه، وإذا قارنا هذه الآية، ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾؛ إن كنتم صادقين، مع الآية (٣٨)، من سورة يونس: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: ادعوا أياً من كان، من الإنس، أو الجن، أو الآلهة، و ﴿مَنِ﴾ استغراقية؛ فالتحدي في سورة يونس أشد، وأقوى من سورة البقرة، ادعوا أي رجل، أو فئة، أو طائفة، بينما في سورة البقرة؛ ادعوا من دون الله فئة معينة، خاصة ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾. سورة البقرة [٢: ٢٤] ﴿فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء؛ للترتيب، والتعقيب، إن؛ شرطية، تفيد الاحتمال، أو القلة. ﴿لَّمْ تَفْعَلُوا﴾: لم؛ حرف نفي، لم تفعلوا في الحاضر، على الإتيان بمثل هذا القرآن أو الإتيان بالشهداء.

стр. 55

﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾: لن؛ حرف نفي، أقوى من لا، تنفي المستقبل القريب، والمستقبل البعيد، إذن لم تفعلوا في الحاضر ولن تفعلوا في المستقبل، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾؛ جملة اعتراضية، تعطينا النتيجة مباشرة، ولا داعي للانتظار للإتيان، ولا تضيعوا وقتكم، وجهدكم؛ لأنكم لن تقدروا. ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾: أي: قوا أنفسكم النار؛ أي: اجعلوا بينكم وبينها ستراً واقياً، بامتثال أوامر الله جلال جلاله، واجتناب نواهيه. ﴿الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: ﴿النَّاسُ﴾؛ أي: الكفرة، الّذين ماتوا وهم كفار، ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾؛ أي: الأصنام، والآلة الّتي عبدوها. ارجع إلى الآية (٢٢) من نفس السورة لمزيد من البيان. ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾: هيئت، واللام في الكافرين، لام الاختصاص؛ أي: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ الإعداد لا يقتصر على أمر واحد، وإنما يعني العذاب بأنواعه المختلفة والطعام والشراب والمثوى والسلاسل والأغلال والدركات … وغيرها؛ ارجع إلى الآية (٦) في نفس السورة لمزيد من البيان في معنى الكافرين.

стр. 56

سورة البقرة [٢: ٢٥] ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ﴿وَبَشِّرِ﴾: من البشارة، وهي الإخبار بشيء سار، قادم لم يأت بعد. وسميت بشارة؛ لما يظهر على الوجه، والبشرة، من آثار السرور، بسبب الخبر، السار، المفرح. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: صدقوا بالله، وما أنزل إليهم. وأخلصوا دينهم لله وحده، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أي: صدقوا بإيمانهم بأعمالهم الصالحة، والصالحات جمع صالحة، والصالحة: كل عمل يصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة، وعلى رأسها الفرائض والنوافل. ﴿أَنَّ﴾: للتوكيد. ﴿لَهُمْ﴾: اللام؛ لام الاختصاص. ﴿جَنَّاتٍ﴾: جمع جنة، والجنة؛ هي كل بستان، ذي شجر كثيف، يُظلل ما تحته، ويستره. فكلمة الجنة والجن والجنون والجنين مأخوذة من فعل جنَّ:

стр. 57

المقدمة الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد المرسلين، وخاتم النبيِّين، ورحمة العالمين. تبقى أسرارُ القرآن الكريم حبلَ الله ونورَه في السموات والأرض فوق كلِّ تفسير، وأكبرَ من أن يحيط بها علمٌ، أو يصل إلى حقيقتها عقل بشر، أو يعلم منتهاها إلا الذي أنزلها سبحانه؛ فقد حارت عقول علماء الفقه والتفسير، وعلماء اللغة والنحو والبيان، وعلماء الكون في عظمة كلام الله وإعجازه. فالكلُّ يُقرُّ ويعترف بأنهم مهما بلغوا من العلم في تفسير كتاب الله ما بلغوا إلا قليلاً، ولم يدركوا من أسراره ومعانيه إلا يسيراً، أو ما سواه إلا نقيراً، أو فتيلاً، أو قطميراً، أو حبةً من خردل، أو ذرَّة، أو دون ذلك، أو قطرة من بحر يمدُّه من بعده سبعة أبحر. هذا الكتاب الذي نزَّله على عبده، ولم يجعل له عوجاً؛ ليكون للعالمين نذيراً، ويبشِّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً. والكلُّ يعلم أن هذا القرآن لا يزال يُفسَّر طوال (١٤) قرناً، وفي كلِّ زمن تظهر بعض المعاني والأسرار الجديدة، وكما قيل: لا تنقضي عجائبه. ولقد استغرقتُ أكثر من (٢٥) عاماً في كتابة هذا التفسير مستنداً إلى مصادر علمية موثوقة تطرَّق إليها الباحثون، وتفسير القرآن بالقرآن، والدراسات في علوم القرآن والأشباه والنظائر، والتفسير الموضوعي، وعلوم اللغة والبيان والنحو والبلاغة.

стр. 58

﴿وَلَهُمْ﴾: اللام؛ لام الاختصاص، والضمير يعود على الّذين آمنوا، وعملوا الصالحات، ﴿فِيهَا﴾ في الجنات. ﴿أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾: أزواج؛ جمع زوج، ويطلق على الذكر والأنثى، مطهرة في الخلق والخُلق. وأزواج تعني: المماثلة والمجانسة في الأخلاق والعادات. ﴿مُّطَهَّرَةٌ﴾؛ من الحيض، والأقذار؛ كالبول، والغائط، مطهرة من الحقد، والكراهية، والحسد، والعيوب، والسوء … وغيرها؛ أي: الطهارة بنوعيها الحسية والمعنوية كطهارة الملائكة؛ ارجع إلى سورة التوبة آية (١٠٨) لمزيد من البيان. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير منفصل، للتأكيد. ﴿فِيهَا﴾: في الجنات، ظرف مكاني. ﴿خَالِدُونَ﴾: من الخلد؛ وهو البقاء، الدائم، الذي لا انقطاع فيه، ويبدأ من زمن معين محدد، وهو زمن دخولهم الجنة إلى ما لا نهاية. سورة البقرة [٢: ٢٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْىِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: سبب النّزول: نزلت هذه الآية؛ بعد أن تكلم بعض المشركين واليهود، وطعنوا في الأمثال الّتي ضربها الله للناس في القرآن، وأنكروها، وقالوا: ما هذه الأمثال، الّتي يذكرها الله، عن الذباب، والعنكبوت، وغيرها، وبعضهم قال: الله أجل وأعلى أن يضرب مثل هذه الأمثال، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣].

стр. 59

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]. فنزلت هذه الآية؛ رداً على أقوالهم وافتراءاتهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن؛ للتوكيد. ﴿لَا يَسْتَحْىِ﴾: لا؛ النّافية. ﴿يَسْتَحْىِ﴾، من الحياء؛ وهو ما يعتري الإنسان، من تغير، وخجل، وحرج، حين يُعاب على أمر ما، أو يُذم به؛ أي: إن الله لا يخشى أن يضرب مثلاً، أياً كان ذلك المثل. وليس الحياء بمانع لله تعالى، من ضرب الأمثال، بهذه المخلوقات الصغيرة؛ كالبعوضة، ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: فوق؛ في اللغة، تجمع أمرين، ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾؛ في الحجم؛ أي: أكبر منها حجماً، أو زيادة في الوصف، زيادة؛ أي: في صفاتها التكوينية والقدرات. وضرب الأمثال؛ عادةً لتوضيح الأحكام، أو تبيان قدرة الله العظيمة، وعجائب خلقه، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]؛ أي: لا يتدبرها إلَّا الراسخون في العلم. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ﴾: أما: للتفصيل؛ أياً كان ذلك المثل؛ بعوضة أو غيرها، فالمؤمنون يصدقون به، سواء أدركوا الحكمة، من كبرها، أو صغرها، وصفاته أم لا؛ لأنّ ذلك هو الحق من ربهم. ارجع إلى الآية (١١٩) في نفس السورة لبيان معنى الحق. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾:

стр. 60

فهم يستهزئون بتلك الأمثال، ويقولون متعجبين: ماذا أراد الله بضرب أمثال هذه الأشياء؛ بعوضة، عنكبوت، ذبابة، فهم في حيرة من أمرهم، لكونهم لم يدرسوا، ويعرفوا دقائق خلقها، وعجائب صنعها بعد، ولو درسوا ذلك لعرفوا الحق، ولما سألوا ذلك. فالبعوضة تبين من الدراسات العلمية أنّ لها (٣) قلوب وعينين، كل عين مزودة بأكثر من (١٠٠) عدسة، وأسنان تقدَّر بـ (٤٧) سنّاً … وغيرها. ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيرًا﴾: ثم يرد الله على هؤلاء المتسائلين، بأنّ ضرب هذه الأمثال، قد يكون سبباً في زيادة ضلال كثير من الكافرين، أو زيادة هداية الكثير من النّاس. ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: جمع فاسق، الفاسقون؛ أي: الخارجون عن طاعة الله، والفسق؛ لغةً: هو الخروج عن طاعة الله، أو الدِّين. يقال: فسقت الرطبة عن قشرتها، إذا خرجت؛ أي: أصبحت الثمرة غير ملتصقة بالقشرة، والفاسق هو الخارج عن فطرته، والفسوق؛ هو الخروج عن طاعة الله ورسوله إلى المعصية، فالكافر يعد فاسقاً، والمشرك يعد فاسقاً، والتارك لدينه تعالى يعدُّ فاسقاً، وفسق؛ يعني خرج عن أمر ربه؛ أي: منهج الدِّين، ولا يعني الخروج من الملَّة، والفسوق؛ عام، يشمل الكثير من الأمور، مثل: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].

стр. 61

﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ثم ذكر ثلاث صفات للفاسقين: سورة البقرة [٢: ٢٧] ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول تفيد الذم؛ ذم هؤلاء الذين ينقضون العهد؛ العهد: هو عبارة عن تكليف، أو وصية، أو أمر، والعهد التزام يلتزم به الإنسان مع الله، أو مع إنسان آخر، أو مع نفسه، والعهد يضم العقود، والوعود، والمعاهدات، والميثاق هو عهد، ويضم الميثاق العادي فالميثاق الغليظ هو عهد مؤكد بيمين، ونقضه؛ أي: فسخه وإبطاله، أو الإعراض عن القيام به، أو حل العهد مشتق من نقض الحبل في اللغة؛ يعني: حل ما كنت أبرمته، ونقض العهد يعتبر نوع من الفساد في الأرض، ويعتبر النقض من بعد توكيده (أي: الميثاق) أعظم وأبلغ من القطع. ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: من بعد: تفيد الزمان؛ ميثاقه: تفيد التوكيد. ولا ننسى العهد الفطري، الذي أخذه الله على عباده، وهو أن يؤمنوا به، ويشهدوا أنه ربهم، ولا يشركوا به، ولا يتخذوا من دونه آلهة، أو أولياء، كما ورد في سورة الأعراف الآية (١٧٢). ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾. وكذلك عهد الله؛ هو ما أوجبه الله على النّاس، في القرآن، على لسان

стр. 62

الرسل، وبما يُلزم المؤمن نفسه، بما ليس في الشرع، كالنذر، فهم نقضوا عهدهم مع الله، ومع الآخرين، ومع أنفسهم، ولم يلتزموا بعقودهم ومعاهداتهم. وجاء بصيغة المضارع ينقضون بدلاً من نقضوا بصيغة الماضي؛ للدلالة على تجدد، وتكرار نقضهم. ثانياً: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: و ﴿مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: هو صلة الرحم، صلة الجار، وموالاة المؤمنين. ثالثاً: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ﴾: بالسرقة، وقطع الطريق، والقتل، والحرابة، إهلاك الحرث والنّسل. الفساد؛ تعريفه: هو الخروج عن الاعتدال، الاستقامة، ويضاده الصلاح، وأفسد الشيء غيره إلى أسوأ. وأوجه الفساد في الأرض؛ عديدة؛ نذكر منها: الكفر، والشرك، والنفاق، والفتن، وإثارة الشبهات، والبدع، والمعاصي. ارجع إلى الآية (٢٥١) في نفس السورة لمزيد من البيان في معنى الفساد. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: اسم إشارة للبعد تشير إلى الّذين ينقضون، ويقطعون، ويفسدون. خسروا أنفسهم؛ لأنهم باعوا حياة الآخرة، بدنياهم. ﴿هُمُ﴾: توكيد؛ أي: إذا كان هناك خاسرون، فهم الخاسرون حقاً، لا غيرهم، وجملة (خاسرون): جملة اسمية، تدل على الثبوت، ثبوت الخسران، فهو خسران أبدي، وليس خسراناً مؤقتاً.

стр. 63

وإذا قارنا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، مع آية (٢٢) في سورة هود، يقول الله -جل وعلا-: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾، فالأخسرون؛ أشد خسراناً من الخاسرون. ارجع إلى سورة النّساء آية (١١٩) لمزيد من البيان. وجاءت هذه؛ في سياق الّذين صدوا عن سبيل الله، وصدوا غيرهم، ضلوا، وأضلوا غيرهم. سورة البقرة [٢: ٢٨] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿كَيْفَ﴾: استفهام؛ فيه تعجب؛ أي: ما أعجب كفركم بالله!، ألا ترون كيف كنتم أمواتاً، وما هي حالكم الآن، وما سيحدث لكم بعد ذلك. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمعرفة معنى تكفرون. ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾: أموات: جمع مَيْت: بسكون الياء؛ أي: مات وانقضى أجله، وأما مَيِّت: بكسر الياء وتشديدها لمن لم يمت بعد ولم تفارقه روحه بعد، كما نرى في مرحلة الوفاة التي تسبق الموت، أو مرحلة الاحتضار، وكنتم أموتاً: قد تعني: نطفاً في أصلاب الآباء والأمهات، أو تراباً، لأنكم من آدم، وآدم من تراب. ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾: بنفخ الروح فيكم، وأنتم في أرحام أمهاتكم. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: ثم؛ تفيد الترتيب، والتراخي الزمني، عند انتهاء آجالكم. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾: عند البعث، والنفخ في الصور مرة ثانية. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي: بعد البعث، ترجعون إليه، للحساب، والجزاء.

стр. 64

وقدَّم ﴿إِلَيْهِ﴾: للحصر؛ أي: إليه وحده ترجعون، ولم يقل: ثم تُرجعون إليه؛ أي: إليه، وإلى غيره ترجعون. ولو قال: تَرجعون بفتح التاء؛ أي: ترجعون إليه بالرضا ومن دون قهر، وجبر. أما تُرجَعون: بضم التاء فتعني: قهراً وليس بإرادتكم ورضاكم. سورة البقرة [٢: ٢٩] ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: وكيف تكفرون بالله، الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل، يفيد الحصر، والتوكيد، الذي: اسم موصول، يفيد التعظيم. ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ﴾: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾: اللام للاختصاص. ﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد، الآية تشير إلى الكون بدأ كجرم صغير متناهي في الصغر؛ أي: الحجم، ومتناهي في عظم الطاقة والمادة، ثم فجر الله سبحانه هذا الجرم فتحول إلى سحابة من الدخان، خلق الله سبحانه من هذا الدخان أرضاً واحدة، وسماء واحدة في زمن واحد، لحظة واحدة، ثم شاء الله أن يمايز الأرض إلى سبع أرضين بإنزال الحديد من السماء، فتشكلت الأرضين السبع، ثم للترتيب والتراخي بعد أن تمايزت الأرض استوى إلى السماء الّتي كانت سماء واحدة ليميزها إلى سبع سموات، إذن ميز السماء بعد أن ميز الأرض فسواهن سبع سموات.

стр. 65

﴿ثُمَّ﴾: قد تعني: الترتيب، والتراخي في الزمن، أو قد تعني: ترتيب الأخبار فقط. ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بمعنى عمد، أو قصد إليها، بإرادته ومشيئته، التسوية: غير الخلق. الخلق: بالنسبة إلى الله الخلق هو الإيجاد من العدم على غير مثال سابق. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: أي: السماء كانت موجودة عبارة عن دخان، والتسوية تعني إعادة تشكيل، أو التسوية: مرحلة تالية للخلق، فسواهن سبع سموات؛ أي: ميزهن، صيرهن، أو قسمهن، أو جعل السماء الواحدة الّتي كانت دخان إلى سبع سموات طباقاً، سبع كرات، يغلف كل منها الآخر، وجعل سبحانه مركز الأرض مركزاً لهذه السموات السبع، فبذلك شكل سبع سموات تحيط بسبع أرضين، فالكون يتشكل من (١٤) كرة، سبع كرات تمثل السموات السبع، فهو ميز السماء إلى سبع سموات بعد أن ميز الأرض إلى سبع أرضين ونحن نعلم كيف ميز الأرض إلى سبع أرضين؛ بإنزال الحديد. ارجع إلى الآية (٢٢) السابقة. لكن كيف ميَّز الله السماء إلى سبع سموات؟ لا يدري العلماء، وكل هذا من أنباء الغيب لم يطلع الله عباده عليها، ونحن كبشر لا نعلم إلَّا الشيء، أو الجزء الضئيل جداً عن السماء الدّنيا، الّتي زينها الله بالنجوم، والكواكب، وباقي السموات غيب لا يعلمه إلَّا الله سبحانه. ارجع إلى بقية آيات خلق السموات والأرض في القرآن سورة فصلت آية (٩)، وسورة الأعراف آية (٥٤) لمزيد من البيان. التسوية؛ تعني خلق، وبناء، وتزيين.

стр. 66

﴿وَهُوَ﴾: الواو؛ للتأكيد، هو: ضمير منفصل، يفيد الحصر، ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: عليم؛ صيغة مبالغة لعالم، على وزن فعيل، كثير العلم. ﴿عَلِيمٌ﴾: بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، لهذه السموات، والأرض، عليم بما خلق؛ أي: أحاط علمه -جل وعلا-، بجميع خلقه، بما فيها السموات والأرض، وما فيهن، وما خلق من دابة.

стр. 67

سورة البقرة [٢: ٣٠] ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: الواو استئنافية. إذ: ظرف للزمن الماضي، تعني: واذكر؛ فالمعنى: واذكر حين قال ربك للملائكة. ﴿قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: أبلغهم ذلك، قبل خلق آدم وذريته. ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: كل الملائكة، أم قسم من الملائكة، المرجح؛ والله أعلم: أنهم قسم من الملائكة، وهم الموكلون ببني آدم. ﴿جَاعِلٌ﴾: بالتنوين، الذي يدل على الحال، والاستقبال، أما (جَاعِلُ) بالضم: فيدل على الماضي؛ أي: ما جعله حدث في الماضي. ﴿فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: في: ظرفية مكانية أو زمانية. خليفة: أي يخلف غيره ويقوم مقامه، يخلفه زماناً أو يخلفه مكاناً، وقيل: خليفته أصلها خليف، ودخلت الهاء للمبالغة؛ أي: يخلف بعضه بعضاً لكي يعمروا الأرض ويقوموا بما وكل إليهم؛ لأن كل خليقة (كل إنسان) سيموت ويخلفه غيره، وهذه الخلافة قد تكون محدودة أو مقيدة أو مطلقة، وهي خلافة

стр. 68

متفاوتة مختلفة بالتفاضل وهذا أيضاً ابتلاء من الله تعالى، وفي نفس الوقت هي خلافة تكامل كلٌّ يكمل الآخر؛ ارجع إلى سورة الأنعام آية (١٦٥) لمزيد من البيان. وقول الله سبحانه للملائكة: ﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: فقط للإعلام، وليس قول استشارة، يستشير فيها الملائكة. ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾: ﴿أَتَجْعَلُ﴾: الهمزة، همزة استفهام، وتعجب، وليست همزة استفهام إنكاري، أو اعتراضاً على حكم الله سبحانه، وليس استفهاماً عن الجعل نفسه، أو الاستخلاف، وإياك أن تظن أنّ الملائكة، يعترضون على أمر الله، وقد يكون سؤالهم لمعرفة الحكمة، من وراء خلق هذا الخليفة، وما شأنه، ووظيفته. ﴿فِيهَا﴾: في الأرض، ﴿مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾: من ابتدائية. ﴿يُفْسِدُ فِيهَا﴾: من الفساد، وتعريف الفساد: ارجع إلى الآية (١١) من سورة البقرة. ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾: السفك؛ هو الصب، والإهراق، الدماء، وسفك الدماء؛ من الإفساد في الأرض، والقتل الجماعي، والمجازر. ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾: بدلاً من يقتل، للدلالة على بشاعة الفعل. قد يسأل سائل: كيف علمت الملائكة، بأنه سيفسد في الأرض، ويسفك الدماء، وآدم لم يخلق بعد، ولا ذريته؟ للعلماء أكثر من قول، في الرد على هذا السّؤال:

стр. 69

١ - كونهم اطّلعوا على ما كتب في اللوح المحفوظ، من أفعال الخلق (البشر)، ولا يعني أنهم يعلمون الغيب. ٢ - رأوا ما يفعله الجن في الأرض، من فساد، وتخريب، فظنوا أنّ الإنس ستفعل مثل ما فعله الجن؛ أي: قاسوا أحد الثقلين على الآخر. ٣ - عرفوه بإخبار الله -جل وعلا- لهم. ٤ - ظنوا أنهم وحدهم، هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا معصومين. ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: التسبيح؛ هو تنزيه الله، عما لا يليق به، التنزيه الكامل؛ ذاتاً، وصفاتٍ، وأفعالاً، تنزيه من الند، والشبيه، والولد، والصاحب، والشريك، والعجز، والنقص، ومن الأغيار، تسبيحاً، مصاحباً، للحمد؛ أي: نسبحك، ونحمدك، على نعمك علينا. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: من التقديس، وهو التطهير، مأخوذ من القدس، وهو الدلو، المستعمل لإخراج الماء، الذي كانوا يتطهرون به، وتعني نعظمك ونكبرك. والقدوس: أي: الطاهر، من كل الأحداث والأغيار. ﴿لَكَ﴾: أي: وحدك، ولا نقدس غيرك، وهناك فرق بين التسبيح والتقديس، فالتقديس أعم من التسبيح. ﴿قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: رداً على الملائكة، ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أعلم أنّ سيكون من ذلك الخليفة أنبياء، ورسل، وصدّيقين، وشهداء،

стр. 70

وصالحين، ومن سيسبح، ويقدس، ويحمد بإرادتهم، ومشيئتهم، وأني أعلم غيب السموات والأرض، وأعلم ما لا تعلمون. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد، أعلم ما لا تعلمون من الغيب، وما يُصلح الأرض، وما يفسدها، ثم خلق الله سبحانه آدم، بعد ذلك وعلمه الأسماء. سورة البقرة [٢: ٣١] ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: وهل علمه كل الأسماء، منذ تلك الساعة إلى قيام الساعة. ﴿كُلَّهَا﴾: تفيد التّوكيد. وما هذه الأسماء، التي علمها الله تعالى لآدم، وبأي لغة تعلم آدم. وكيفية التعليم، أو آلية التعليم، وكيف استغرق الزمن … الله أعلم. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾: ثم لتباين الدرجة بين التعليم والعرض … ﴿عَرَضَهُمْ﴾: أي: عرض مسميات الأسماء على الملائكة. ولم يقل: عرضها؛ لأنها؛ أي: الأسماء تحوي العاقل، وغير العاقل، والتغليب، يبدو هنا للعاقل، أو التغليب، يكون للعاقل عند الإطلاق، فقال عرضهم. ﴿فَقَالَ﴾: الفاء؛ للتعقيب، والمباشرة. ﴿أَنبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾: ﴿أَنبِئُونِى﴾: أخبروني. ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾: هؤلاء؛ أصلها أولاء، ودخلت عليها هاء التنبيه، فأصبحت هؤلاء، وتشمل العاقل، وغير العاقل، ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾: تعني: مسميات الأسماء.

стр. 71

﴿إِنْ﴾: إن شرطية، تفيد الاحتمال، جوابها محذوف؛ للتعظيم. ﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: كيف يقول للملائكة: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهل تكذب الملائكة، اعلم أنّ في مقابل كل صدق هناك كذب، وحاشا لله الملائكة أن تكذب، لكن هناك صدق يقابله خطأ، فهم لم يكذبوا، ولكن أخطؤوا في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، أو حين قالوا؛ كما روى ابن عبّاس ﵄: لن يخلق الله خلقاً، أكرم عليه منا، فنحن أحق بالخلافة في الأرض، كما ورد في تفسير ابن كثير (١/ ١٧)، والطبري (١/ ١٧٧). سورة البقرة [٢: ٣٢] ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾: بعد أن عجزت الملائكة عن معرفة تلك الأسماء، اعترفوا بقصورهم، وسارعوا إلى تنزيه الله تعالى، عن كل نقص، وعيب، اعترفوا بقصورهم، بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾، نفوا عنهم العلم. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أي: لا نعلم ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾: ضمير منفصل، تفيد التّوكيد. ﴿الْعَلِيمُ﴾: صفة مشتقة مبالغة من علم على وزن فعيل أي كثير العلم؛ أي: أنت، الذي أحاط علمك بكل شيء، بظواهر الأمور، وبواطنها، وأعمال عبادك، خيرها وشرها، ولا يخفى عليك شيء في الأرض، ولا في السماء. ﴿الْحَكِيمُ﴾: بمعنى الحاكم، وبمعنى الحكيم ذي الحكمة، في خلقك، وشرعك، وكونك، لا تخلق شيئاً عبثاً، حكيم من الحكمة المقرونة بالعلم، والقدرة، فأنت أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من نفس السورة لمزيد من البيان. وفي هذه الآية قدم العليم على الحكيم؛ لأن

стр. 72

السياق في العلم حيث ذكر ما يلي: (أعلم، ما لا تعلمون، وعلم آدم، لا علم لنا، إلا ما علمتنا). سورة البقرة [٢: ٣٣] ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: نادى الله -جل وعلا- آدم ﵇: يا آدم، ﴿أَنبِئْهُم﴾؛ مشتقة من نبأ، على وزن فعل، تحتاج إلى وقت أطول من أنبأهم، على وزن أفعل، التي فيها اختصار للزمن؛ أي: أنبأهم بسرعة، ووردت ﴿أَنبِئْهُم﴾، ومشتاقاتها في (٤٦) آية. وأنبئهم: النبأ: أعظم من الخبر، والخبر عام، والنبأ خاص. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء؛ للتعقيب، والترتيب. ﴿أَنْبَأَهُمْ﴾: أي: بسرعة، اختصار للزمن، ووردت في القرآن، في (٤) آيات. ارجع إلى سورة التحريم آية (٣) لمزيد من البيان ومعرفة الفرق بين أنبأك ونبئك. ﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾ بأسماء المسميات، ورغم كون هذه المسميات للعاقل، وغير العاقل، فهو قد غلب العاقل على غير العاقل، وقال: بأسمائهم. قال تعالى: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: استفهام تقريري. ﴿أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّى﴾: إني: للتوكيد. ﴿أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: أعلم ما غاب، واستتر في السموات، والأرض. ارجع إلى الآية (٣) من نفس السورة. ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؛ وأعلم على وزن أفعل، صيغة مبالغة، لفعل علم.

стр. 73

﴿تُبْدُونَ﴾: الإبداء: الإظهار؛ تقولون علناً، كقولكم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. ﴿وَمَا﴾: تكرار ما، يفيد التّوكيد، وكذلك استقلال كلا الأمرين؛ الإبداء، والإخفاء؛ من القول. ﴿وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: الكتمان: السكوت عن ذكر خبر أو أمر ما، والكتمان يختص بالأسرار والأخبار، وهو حالة من حالات الإخفاء الذي هو أعم من الكتمان، والإخفاء يكون بالأشياء الحسية المادية أو المعنوية حين قالت الملائكة: لن يخلق الله خلقاً، أكرم على الله، ولا أعلم منا، فجاء الرد الإلهي على قولهم بأمرين: الأول: لما قالوا: لا أكرم على الله منا، قال: اسجدوا لآدم، بذلك تبين لهم، أنهم ليسوا أكرم عند الله من آدم. والأمر الثّاني: لما قالوا: لا أعلم منا، قال تعالى: ﴿أَنبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، إذن كانوا خاطئين، في كلا القولين. وجاء بصيغة المضارع ﴿تَكْتُمُونَ﴾؛ بدلاً من كتمتم؛ لاستحضار فعل الكتمان، كأنه يحدث الآن، لعظم ما قالوا (وهذا ما يسمى حكاية الحال). سورة البقرة [٢: ٣٤] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: الواو؛ استئنافية، إذ ظرفية للزمن الماضي، وتعني: واذكر إذ، أو اذكر حين. ﴿قُلْنَا﴾: بصيغة التعظيم، صيغة الجمع، إذ أسند القول سبحانه، لنفسه، ويدل ذلك على تكريم آدم ﵇. ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: اللام لام الاختصاص، ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾: هذا الأمر، جاء ليشمل الملائكة، الموكلين بآدم، وذريته، ولم يشمل حملة العرش، وغيرهم،

стр. 74

من الملائكة غير الموكلين بآدم وذريته، وأطلق عليهم القرآن العالين، كما جاء في قوله -جل وعلا- في سورة ص آية (٧٥): ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: آدم: يمثل أبو البشر. قيل: اسجدوا سجود تكريم، وطاعة، وتعظيم، وليس سجود عبادة، مثل: سجود إخوة يوسف وأبويه له، سجود تحية، ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، جاء هذا الأمر، قبل أن يعصي آدم ربه، ويأكل من الشجرة، وأمروا بالسجود لآدم فقط، وليس لذريته، ولتعلم أنّ السجود كان معروفاً قبل مجيء رسول الله ﷺ ، أما بعد بعثته ﷺ ، فلا سجود إلَّا لله تعالى. ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]؛ فسجد الملائكة الموكلون بآدم وذرية آدم، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿إِبْلِيسَ﴾: اسم مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس من رحمة الله. والمبلس: الساكت الذي لا حُجة له، وهو اسم أعجمي، لا اشتقاق له. ﴿أَبَى﴾: الإباء: شدة الامتناع؛ امتنع عن السجود. ﴿وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: جمعت هذه الآية الإباء، والاستكبار، والكفر معاً، وإبليس هو أبو الجن، وكما قال ابن عبّاس ﵄: كان ذا منزلة عالية، بين الملائكة، ومطيعاً لله، وكان جليس الملائكة، يجلس معهم، وإبليس كان من الجن، وكان مع الملائكة، حين صدر الأمر الإلهي، بالسجود لآدم، وشمله الأمر، والدليل على شمول الأمر، هو قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، [سورة الأعراف، الآية ١٢]. ارجع إلى تتمة قصة إبليس في السور الأخرى، وانتبه إلى قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، كان؛ هنا، لا تعني الزمن الماضي، وإنما الحاضر، والمستقبل؛ لأنه حتّى تلك اللحظة، كان ذا منزلة عالية، وأصبح من الكافرين، بعد أن أبى أن يسجد، واستكبر، ولم

стр. 75

يتب، وجمعت آية البقرة هذه الصفات الثلاث لإبليس، وما جاء بعد سورة البقرة من سور، ذكرت واحدة أو اثنتين من هذه الصفات؛ أي: جاء الإجمال، في سورة البقرة، والتفصيل في السور الأخرى. فقال في سورة ص آية (٧٤) ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، وفي سورة طه آية (١١٦): ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾. سورة البقرة [٢: ٣٥] ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ﴾: وقلنا قولاً، فيه تكريم، وتعظيم لآدم، لإسناد القول إليه -جل وعلا-. ﴿اسْكُنْ﴾: من السكينة، والسكن في اللغة؛ البيت، الذي يكون فيه زوجان، فالزوجة سكن لزوجها، وزوجها سكن لها، وفيها معنى الإقامة والاستقرار. ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: بما أنه خاطب آدم وحده، فالسكن مطلب، وواجب على الرجل، وكلمة زوجك؛ تطلق على الرجل، أو المرأة، ففي اللغة؛ يقال: المرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، والزوجة تعني: المثيل للزوج؛ أي: المماثلة لزوجها، وإذا كانت مخالفة تسمى امرأة؛ ارجع إلى سورة التحريم آية (١٠) للبيان، والفرق بين الزوجة والمرأة. ﴿الْجَنَّةَ﴾: تعريفها: كل بستان ذي شجر كثيف، وفيها من الثمرات، والخيرات الوفيرة. ارجع إلى الآية (٢٥) للبيان. واختلف المفسرون في هذه الجنة، هل هي جنة في الأرض، أم جنة في السماء، ولو نظرنا في القرآن، لوجدنا ذكر الجنة، قد ورد في سياق سورة الكهف، والقلم، وسبأ، وكلها تشير إلى أنّ الجنة، هي على الأرض، وليس جنة الآخرة، ففي سورة الكهف آية (٣٢): ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾، وفي
следующие страницы →