Полный текст (5 934 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
﴿إِنْ﴾: إن شرطية، تفيد الاحتمال، جوابها محذوف؛ للتعظيم.
﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: كيف يقول للملائكة: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهل تكذب الملائكة، اعلم أنّ في مقابل كل صدق هناك كذب، وحاشا لله الملائكة أن تكذب، لكن هناك صدق يقابله خطأ، فهم لم يكذبوا، ولكن أخطؤوا في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، أو حين قالوا؛ كما روى ابن عبّاس ﵄: لن يخلق الله خلقاً، أكرم عليه منا، فنحن أحق بالخلافة في الأرض، كما ورد في تفسير ابن كثير (١/ ١٧)، والطبري (١/ ١٧٧).
سورة البقرة [٢: ٣٢]
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾:
بعد أن عجزت الملائكة عن معرفة تلك الأسماء، اعترفوا بقصورهم، وسارعوا إلى تنزيه الله تعالى، عن كل نقص، وعيب، اعترفوا بقصورهم، بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾، نفوا عنهم العلم.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أي: لا نعلم ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾: ضمير منفصل، تفيد التّوكيد.
﴿الْعَلِيمُ﴾: صفة مشتقة مبالغة من علم على وزن فعيل أي كثير العلم؛ أي: أنت، الذي أحاط علمك بكل شيء، بظواهر الأمور، وبواطنها، وأعمال عبادك، خيرها وشرها، ولا يخفى عليك شيء في الأرض، ولا في السماء.
﴿الْحَكِيمُ﴾: بمعنى الحاكم، وبمعنى الحكيم ذي الحكمة، في خلقك، وشرعك، وكونك، لا تخلق شيئاً عبثاً، حكيم من الحكمة المقرونة بالعلم، والقدرة، فأنت أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من نفس السورة لمزيد من البيان. وفي هذه الآية قدم العليم على الحكيم؛ لأن
стр. 72
السياق في العلم حيث ذكر ما يلي: (أعلم، ما لا تعلمون، وعلم آدم، لا علم لنا، إلا ما علمتنا).
سورة البقرة [٢: ٣٣]
﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾:
نادى الله -جل وعلا- آدم ﵇: يا آدم، ﴿أَنبِئْهُم﴾؛ مشتقة من نبأ، على وزن فعل، تحتاج إلى وقت أطول من أنبأهم، على وزن أفعل، التي فيها اختصار للزمن؛ أي: أنبأهم بسرعة، ووردت ﴿أَنبِئْهُم﴾، ومشتاقاتها في (٤٦) آية. وأنبئهم: النبأ: أعظم من الخبر، والخبر عام، والنبأ خاص.
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء؛ للتعقيب، والترتيب.
﴿أَنْبَأَهُمْ﴾: أي: بسرعة، اختصار للزمن، ووردت في القرآن، في (٤) آيات. ارجع إلى سورة التحريم آية (٣) لمزيد من البيان ومعرفة الفرق بين أنبأك ونبئك.
﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾ بأسماء المسميات، ورغم كون هذه المسميات للعاقل، وغير العاقل، فهو قد غلب العاقل على غير العاقل، وقال: بأسمائهم.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: استفهام تقريري.
﴿أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّى﴾: إني: للتوكيد.
﴿أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: أعلم ما غاب، واستتر في السموات، والأرض. ارجع إلى الآية (٣) من نفس السورة.
﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؛ وأعلم على وزن أفعل، صيغة مبالغة، لفعل علم.
стр. 73
﴿تُبْدُونَ﴾: الإبداء: الإظهار؛ تقولون علناً، كقولكم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
﴿وَمَا﴾: تكرار ما، يفيد التّوكيد، وكذلك استقلال كلا الأمرين؛ الإبداء، والإخفاء؛ من القول.
﴿وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: الكتمان: السكوت عن ذكر خبر أو أمر ما، والكتمان يختص بالأسرار والأخبار، وهو حالة من حالات الإخفاء الذي هو أعم من الكتمان، والإخفاء يكون بالأشياء الحسية المادية أو المعنوية حين قالت الملائكة: لن يخلق الله خلقاً، أكرم على الله، ولا أعلم منا، فجاء الرد الإلهي على قولهم بأمرين: الأول: لما قالوا: لا أكرم على الله منا، قال: اسجدوا لآدم، بذلك تبين لهم، أنهم ليسوا أكرم عند الله من آدم.
والأمر الثّاني: لما قالوا: لا أعلم منا، قال تعالى: ﴿أَنبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، إذن كانوا خاطئين، في كلا القولين.
وجاء بصيغة المضارع ﴿تَكْتُمُونَ﴾؛ بدلاً من كتمتم؛ لاستحضار فعل الكتمان، كأنه يحدث الآن، لعظم ما قالوا (وهذا ما يسمى حكاية الحال).
سورة البقرة [٢: ٣٤]
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾:
الواو؛ استئنافية، إذ ظرفية للزمن الماضي، وتعني: واذكر إذ، أو اذكر حين.
﴿قُلْنَا﴾: بصيغة التعظيم، صيغة الجمع، إذ أسند القول سبحانه، لنفسه، ويدل ذلك على تكريم آدم ﵇.
﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: اللام لام الاختصاص، ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾: هذا الأمر، جاء ليشمل الملائكة، الموكلين بآدم، وذريته، ولم يشمل حملة العرش، وغيرهم،
стр. 74
من الملائكة غير الموكلين بآدم وذريته، وأطلق عليهم القرآن العالين، كما جاء في قوله -جل وعلا- في سورة ص آية (٧٥): ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: آدم: يمثل أبو البشر. قيل: اسجدوا سجود تكريم، وطاعة، وتعظيم، وليس سجود عبادة، مثل: سجود إخوة يوسف وأبويه له، سجود تحية، ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، جاء هذا الأمر، قبل أن يعصي آدم ربه، ويأكل من الشجرة، وأمروا بالسجود لآدم فقط، وليس لذريته، ولتعلم أنّ السجود كان معروفاً قبل مجيء رسول الله ﷺ ، أما بعد بعثته ﷺ ، فلا سجود إلَّا لله تعالى.
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]؛ فسجد الملائكة الموكلون بآدم وذرية آدم، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿إِبْلِيسَ﴾: اسم مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس من رحمة الله. والمبلس: الساكت الذي لا حُجة له، وهو اسم أعجمي، لا اشتقاق له.
﴿أَبَى﴾: الإباء: شدة الامتناع؛ امتنع عن السجود.
﴿وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: جمعت هذه الآية الإباء، والاستكبار، والكفر معاً، وإبليس هو أبو الجن، وكما قال ابن عبّاس ﵄: كان ذا منزلة عالية، بين الملائكة، ومطيعاً لله، وكان جليس الملائكة، يجلس معهم، وإبليس كان من الجن، وكان مع الملائكة، حين صدر الأمر الإلهي، بالسجود لآدم، وشمله الأمر، والدليل على شمول الأمر، هو قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، [سورة الأعراف، الآية ١٢]. ارجع إلى تتمة قصة إبليس في السور الأخرى، وانتبه إلى قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، كان؛ هنا، لا تعني الزمن الماضي، وإنما الحاضر، والمستقبل؛ لأنه حتّى تلك اللحظة، كان ذا منزلة عالية، وأصبح من الكافرين، بعد أن أبى أن يسجد، واستكبر، ولم
стр. 75
يتب، وجمعت آية البقرة هذه الصفات الثلاث لإبليس، وما جاء بعد سورة البقرة من سور، ذكرت واحدة أو اثنتين من هذه الصفات؛ أي: جاء الإجمال، في سورة البقرة، والتفصيل في السور الأخرى. فقال في سورة ص آية (٧٤) ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، وفي سورة طه آية (١١٦): ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾.
سورة البقرة [٢: ٣٥]
﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾:
﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ﴾: وقلنا قولاً، فيه تكريم، وتعظيم لآدم، لإسناد القول إليه -جل وعلا-.
﴿اسْكُنْ﴾: من السكينة، والسكن في اللغة؛ البيت، الذي يكون فيه زوجان، فالزوجة سكن لزوجها، وزوجها سكن لها، وفيها معنى الإقامة والاستقرار.
﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: بما أنه خاطب آدم وحده، فالسكن مطلب، وواجب على الرجل، وكلمة زوجك؛ تطلق على الرجل، أو المرأة، ففي اللغة؛ يقال: المرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، والزوجة تعني: المثيل للزوج؛ أي: المماثلة لزوجها، وإذا كانت مخالفة تسمى امرأة؛ ارجع إلى سورة التحريم آية (١٠) للبيان، والفرق بين الزوجة والمرأة.
﴿الْجَنَّةَ﴾: تعريفها: كل بستان ذي شجر كثيف، وفيها من الثمرات، والخيرات الوفيرة. ارجع إلى الآية (٢٥) للبيان.
واختلف المفسرون في هذه الجنة، هل هي جنة في الأرض، أم جنة في السماء، ولو نظرنا في القرآن، لوجدنا ذكر الجنة، قد ورد في سياق سورة الكهف، والقلم، وسبأ، وكلها تشير إلى أنّ الجنة، هي على الأرض، وليس جنة الآخرة، ففي سورة الكهف آية (٣٢): ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾، وفي
стр. 76
سورة القلم، الآية (١٧): ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾، وفي سورة سبأ، الآية (١٥): ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ﴾، ويميل أكثر المفسرين، أنها جنة في الأرض، جنة أرضية، وليس جنة الخلد، أو جنة الآخرة.
﴿وَكُلَا﴾: كل واحد يأكل، وهنا ثنى الفعل، ولم يقل: فكلا بالفاء؛ لأنّ الفاء، تعني: أن يأكل مباشرة، عقب الدخول، والواو أرحب زمناً من الفاء. ﴿رَغَدًا﴾: الرغد هو الرزق، الواسع، الكثير، ﴿رَغَدًا﴾: أكلاً، هنيئاً، لا عناء فيه، ولا حجر عليه.
﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾: ظرف للسكن، والأكل؛ أي: اسكنا ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، وكلا ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾.
﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: لا بالدنو منها، ولا بالأكل من ثمارها، وأما ما نوع هذه الشجرة، فلا يهم، فقد أبهم القرآن تعينها، والنهي بالقرب منها؛ للمبالغة في النهي عن الأكل منها؛ أي: لم يقل سبحانه: ولا تقربا هذه الشجرة، ولا تأكلا منها، وإنما اقتصر على الاقتراب؛ لأنّ الأكل سيحصل بعد الاقتراب، بسبب الشهوة، ولو نهى عن الأكل فقط منها، ولم ينهَ عن الاقتراب، عندها لن يقاوم شهوته.
﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: الظلم؛ هو الجور، والتعدي، والإنسان، قد يظلم نفسه، مثلاً؛ بفعل المعاصي، والذنوب، أو الخروج عن طاعة الله، أو المنهج، أو قد يظلم غيره، بالتعدي على حقوقه، ولا يعطيه حقه مثلاً، وهو الظلم الاجتماعي يضم ظلم الأموال، وظلم الأعراض، وهناك الظلم العقدي؛ أي: الشرك والكفر والنفاق، وقد ورد الظلم ومشتقاته في القرآن في حوالي (٢٨٩ موضعاً).
وهنا ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: من الّذين ظلموا أنفسهم، بمعصية الله، بالأكل من تلك الشجرة.
стр. 77
سورة البقرة [٢: ٣٦]
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾:
﴿الشَّيْطَانُ﴾: كلمة الشيطان، اشتقت من شطن؛ أي: بعُد عن الحق، والخير، وتمادى في الشر، أو شاط: احترق، ومنه؛ شاط الطعام؛ أي: احترق، أو الشاطن؛ أي: الخبيث.
والرجيم: يعني: المرجوم، بالشهب، والمرجوم؛ الملعون، والرجيم؛ المطرود، أو المبعد، عن رحمة الله تعالى.
﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾: الفاء؛ تدل على المباشرة، والسرعة، يقال: أزلت الشيء عن مكانه، إزالة؛ أي: نحيته، وأذهبته عنها، ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾؛ أي: أبعدهما عن الجنة، أو نحاهما عن الجنة، ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾؛ قد تعني أوقعهما في الخطيئة، أو الزلة، والزلة ليست بالضرورة، تكون إلى محل أدنى، بل يمكن أن تكون في المكان نفسه، بعكس التدلية كما في قوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾، لا تكون إلَّا من أعلى إلى أسفل.
﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾: من الجنة، والنعيم، والكرامة، ونسب الإخراج إلى إبليس، الذي تولى إغواء آدم، من أكل من الشجرة، بعد أن تغلبت عليه وساوس الشيطان.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾:
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾: لم يقل: منها، ولا إلى أين، فهذا يشير إلى هبوط مكانة، وليس هبوطاً من مكان، إلى مكان؛ أي: نزول.
﴿اهْبِطُوا﴾: يشمل هبوط آدم، وزوجته، والشيطان. وقيل: آدم وذريته، وإبليس وذريته، أما قوله تعالى: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] تعني: آدم وإبليس، وآدم تعني: آدم وزوجته؛ ارجع إلى سورة طه آية (١٢٣) للبيان.
стр. 78
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: أي: شياطين البشر للبشر عدو، شياطين الجن للبشر عدو، وأولياء الله عدو لأولياء الشيطان، ولم يقل: كلكم، وإنما قال ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
﴿وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾: في: ظرفية مكان، استقرار، وإقامة.
﴿وَمَتَاعٌ﴾: كل ما ينتفع به، وما يُمتع به القليل، أو الكثير من الطعام، والشراب، واللباس، والسلعة، والأداة، والمال.
﴿إِلَى حِينٍ﴾: إلى: حرف يستعمل لكل الغايات (البداية، أو النهاية، أو المنتصف … )، بينما حتّى حرف يستعمل لنهاية الغاية. إلى حين موتكم، أو انقضاء أجلكم، إلى حين، ولم يقل: حتّى حين، وحين تعني: فترة زمنية غير محددة، قد تطول، أو تقصر، سنين، أو شهوراً، أو أياماً، أو ساعاتٍ.
حتّى: تعني: الوصول إلى نهاية الغاية، نهاية الغاية هي الموت، وهو القيامة الصغرى، سواء أكان الموت العادي، أم الموت بأسباب أخرى …
سورة البقرة [٢: ٣٧]
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾:
﴿فَتَلَقَّى﴾: الفاء: تدل على التعقيب، والمباشرة.
﴿كَلِمَاتٍ﴾؛ قيل: هي كلمات التوبة، والاستغفار، والمأثور أنها: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾؛ لأنّ آدم، لم يكن يعرف كيف يتوب، حتّى علمه الله -جل وعلا-، كيف يتوب، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾؛ فهو النبي، الذي يتلقى، وليس زوجه، فالتبليغ؛ أصلاً كان لآدم ﵇.
﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: تقبل منه توبته، مباشرة، فالفاء؛ تدل على التعقيب،
стр. 79
والسرعة، فتاب عليه؛ لا تعني تاب عليه وحده، وإنما عليه، وعلى زوجه، وأصل التوبة؛ الرجوع عن المعصية، وعدم العودة إليها. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٧ - ١٨) للبيان.
﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: إن: للتوكيد. ﴿هُوَ﴾: للحصر.
﴿التَّوَّابُ﴾: صيغة مبالغة؛ أي: كثير قبول التوبة، من عباده، مهما كثرت، أو تكررت، ومهما تنوعت من صغائر وكبائر، ويقبل توبة عباده التائبين، مهما كان عددهم، وعدد توباتهم.
﴿الرَّحِيمُ﴾: لا يرد توبة التائبين، ولا يعجل لهم بالعقوبة، كي يتوبوا، ويغفر لهم.
стр. 80
سورة البقرة [٢: ٣٨]
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
﴿قُلْنَا﴾: اللفظ، بلفظ التعظيم، ﴿قُلْنَا﴾: لهم، بعد التوبة، وقبولها: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾؛ هذا هو الهبوط الثّاني، وهو هبوط من مكان عال إلى مكان أسفل، والذي يدل على أنه هبوط من مكان عال إلى مكان أسفل، هو استعمال منها، بينما في هبوط المنزلة، لم يستعمل منها، وهذا الهبوط كان بعد التوبة، وهو أخف شدة من الهبوط الأول، الذي حدث بعد المعصية، فالهبوط الأول الذي ذكر في الآية (٣٦)، كان هبوط منزلة، ودرجة، وحدث بعد المعصية، وهو أشد، جاءت الواو للأهمية، مصاحبة لقوله: وقلنا، بينما في هذه الآية جاءت قلنا، من دون واو.
ومن المفسرين؛ من يقول: إن الهبوط الثّاني، هو نفسه الهبوط الأول، وأعيدت كلمة ﴿اهْبِطُوا﴾؛ للتوكيد.
﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾؛ من الجنة، ﴿جَمِيعًا﴾: الخطاب لآدم، وزوجته، وإبليس.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد.
﴿فَإِمَّا﴾: للتفصيل، والتوكيد، أصلها: فإن زائد ما والفاء في فإن؛ تفيد التّوكيد، إن: شرطية، وما: للتوكيد، وأدغمت النون في ما، فأصبحت؛ ﴿فَإِمَّا﴾.
стр. 81
﴿يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى﴾: رسول أبعثه إليكم، أو كتاب أنزله عليكم.
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ﴾: الفاء: للتوكيد.
من: شرطية، ﴿تَبِعَ﴾ أوامري، وتجنب نواهيَّ، ولم يتبع هواه، وخطوات الشيطان.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّافية.
﴿خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: الخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه؛ الحزن: أشد الهم؛ الحَزَن: يكون لأمر مضى؛ أي: فاتك شيء، تحبه وتتمناه، ولم تحصل عليه.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: هم يخافون الله سبحانه في الدنيا ويوم القيامة؛ لأن الكل يخاف الله يوم القيامة، ولا يصح أن يقال لا يخافون؛ فقد قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] فهم يخافون، ولكن الله وعدهم الأمن يوم القيامة بعد أن تبشرهم الملائكة تطمئن قلوبهم، ويذهب عنهم الخوف، وأما غيرهم فلم ينفي عنهم الخوف.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: وقدَّم ﴿هُمْ﴾ على ﴿يَحْزَنُونَ﴾: لنفي الحزن عنهم خاصة، ولأنّ غيرهم من الكفرة، سوف يحزنون، وهناك فرق بين الحَزن: بفتح الحاء، والحُزن بضم الحاء. ارجع إلى سورة فاطر آية (٣٤) للبيان، أو سورة
стр. 82
الأنعام آية (٣٣)، ولا هم يحزنون أما غيرهم من الأبناء والأقارب قد يحزن عليهم بعد موتهم، وجاء بصيغة المضارع يحزنون لنفي الحزن المتجدد عليهم.
قدَّم الخوف على الحزن، وقال: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ لأن الخوف أعم وأهم من الحزن.
وتكرار لا، تفيد التّوكيد، وفصل الخوف عن الحزن؛ أي: لا هذا، ولا ذاك، ولا كلاهما معاً.
وإذا قارنا هذه الآية: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله في سورة طه الآية (١٢٣): ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾:
ففي آية سورة البقرة ﴿تَبِعَ﴾، فيها تخفيف، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وجاءت في سياق الآخرة.
أما في آية سورة طه ﴿اتَّبَعَ﴾، فيها تشديد، ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، جاءت في سياق الدّنيا والآخرة، فيها مبالغة، بالاتباع؛ لأنّ الضّلال؛ لا يحصل إلَّا في الدّنيا، والشقاء؛ يحصل في الدّنيا والآخرة.
ولذلك شدد في آية سورة طه؛ لأنّ الآية تتضمن أمرين: مجاهدة الضّلال، والفوز بالآخرة، ولذلك شدد على اتباع هدي الله أكثر في آية سورة طه.
سورة البقرة [٢: ٣٩]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
كأنّ هذه الآية تتمة للآية السابقة، ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو عاطفة، الذين: اسم موصول، يفيد الذم.
стр. 83
﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: الكفر؛ هو الستر، إنكار وجود الله سبحانه، واجب الوجود، أو الكفر بآيات الله؛ أي: عدم التصديق بها، وإنكارها، والكفر أعم من التكذيب. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمزيد من البيان في معنى الّذين كفروا.
التكذيب: هو حالة جزئية، من الكفر بآياتنا؛ أي: الكونية، أو آيات القرآن، والمعجزات الدالة على النبوة، والكفر أعم من التكذيب، والتكذيب هو عدم التصديق.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد، يشير إلى الّذين كفروا وكذبوا بآياتنا.
﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: سماهم أصحاباً لصحبتهم الدائمة للنار، وكأنهم أصبحوا أصحابها؛ أي: مالكوها؛ كما نقول: صاحب الدار.
﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد، ﴿فِيهَا﴾: في النار.
﴿خَالِدُونَ﴾: من الخلد، وهو البقاء الدائم، الذي لا انقطاع فيه، ويبدأ من زمن دخولهم النار؛ أي: له زمن بدء، وليس له زمن نهاية.
سورة البقرة [٢: ٤٠]
﴿يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ﴾:
﴿يَابَنِى﴾: نداء إلى بني إسرائيل، بياء النداء للبعد.
﴿إِسْرَاءِيلَ﴾: إسرائيل؛ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇، وأبناؤه، وأحفاده، ينادون ببني إسرائيل؛ في زمن يعقوب، وبعد وفاته.
وفي زمن موسى كانوا يسمَّون ببني إسرائيل، وهكذا حتّى توفِّي موسى،
стр. 84
وسُمُّوا باليهود بعد مجيء يهوذا، ولم يكن في منزلة يعقوب ﵇، وأطلق عليهم لقب اليهود عندما عصوا ونقضوا عهودهم. وسُمُّوا بالّذين هادوا؛ أي: الّذين تهودوا، دخلوا في اليهودية. وأفضل الألقاب لقب بني إسرائيل، وذكر (٤٠) مرة في القرآن.
ويطلق عليهم وعلى أتباع عيسى ﵇ بأهل الكتاب، أو بالّذين أوتوا الكتاب، أو نصيباً من الكتاب. ارجع إلى هذه الآيات للبيان.
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، اذكروا من الذكر، وهو الحفظ من النسيان؛ أي: اذكروا، ولا تنسوا نِعَمِي الكثيرة عليكم.
﴿نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: منها: إنزال التّوراة، وإنزال المن، والسلوى، فلق البحر، أنجاؤكم من فرعون، وغيرها من النعم، وحين يخاطب -جل وعلا- بني إسرائيل؛ يقول: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، ولكن حين يخاطب المسلمين؛ يقول: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ لأنّ بني إسرائيل؛ معروف عنهم حبهم للمال، وللدنيا.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِى﴾: لتعريف العهد؛ ارجع إلى الآية (٢٧) من سورة البقرة.
أي: امتثلوا لأوامري، وفرائضي، وخذوا بالتوراة، بقوة، وتمسكوا بها، ولا تكتموها، وأوفوا بما عاهدتموني عليه، من الإيمان والطاعة.
﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: بما عاهدتكم عليه، من حسن الثواب، والجنة، وتكفير السيئات.
﴿وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ﴾: وإياي: تفيد الحصر؛ أي: الرهبة لله وحده؛ الرهبة:
стр. 85
هي الخوف، والحذر معاً؛ أي: خافوني، واحذروني؛ فارهبون فيها حذف لياء المتكلم، قد يكون ذلك لأن المخاطب فئة أو جماعة من الناس.
سورة البقرة [٢: ٤١]
﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِئَايَاتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ﴾:
﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ﴾: يعني: القرآن، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾: من التّوراة الحقيقية، الّتي لا ريب فيها، وفيها صفة النّبي ﷺ .
﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾: لا: الناهية، ولا تكونوا أول كافر به بمحمد، أو بالقرآن؛ لأنّ قريشاً، قد كفرت بمحمد، قبل أهل الكتاب، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لبيان معنى الكفر.
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِئَايَاتِى ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: تكرار لا؛ تفيد التّوكيد، ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِئَايَاتِى﴾: أي: تبيعوا آياتي بأن تبدلوها، أو تحرفوها، أو تحذفوها، أو بالزيادة أو النقص، وتأخذوا ثمنها، مهما كبُر الثمن وعظُم فهو ثمن قليل؛ لأنّ ثمنها أكبر وأعظم عند الله من ذلك بكثير، ولا يقدر ثمنها إلَّا الله سبحانه.
﴿وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ﴾: وإياي: تفيد الحصر؛ حصر التقوى لله وحده، ولا تخافوا أحداً إلَّا أياي ﴿فَاتَّقُونِ﴾: أي: امتثلوا أوامري، وتجنبوا نواهيَّ؛ لكي تنجوا من النار، ومن سخطي وغضبي. واتقون: حذفت فيها ياء المتكلم قد يكون ذلك لأن المخاطب فئة من الناس أو جماعة هم بني إسرائيل وليس الكل وقد تعني التقوى ما استطعتم.
стр. 86
سورة البقرة [٢: ٤٢]
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
تلبسوا الحق؛ تخلطوا الحق بالباطل من: لبس عليه الأمر: خلطه، واللبس؛ هو التغطية أو التعمية، والحق في هذه الآية، هو ما جاء في أمر النّبي ﷺ ، ونعته، أو تحرِّفوا التّوراة، والإنجيل ولمزيد من البيان في معنى الحق ارجع إلى الآية (١١٩) في نفس السورة، وتكتموا البشارة بمجيء رسول الله ﷺ ، وقمة الإلباس هو عدم الإيمان برسول الله ﷺ ، وأنتم تعلمون أنه النّبي المرسل المنتظر.
سورة البقرة [٢: ٤٣]
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾:
﴿وَأَقِيمُوا﴾: ارجع إلى آية (٣) من سورة البقرة.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: أدوا الزكاة؛ والزكاة: شرعاً: نصيب مقدر في مال معين، يصرف لطائفة مخصوصة، والزكاة؛ لغةً: مشتقة من الزكاء، وهو النمو، والزيادة، فالزكاة تعني: الزّيادة، والنماء، وزكا الزّرع: نما، وكثر، وقيل: تزكى؛ أي: تطهر، فالزكاة، تحمل معنيين: تطهير للمال، وتنمية له.
ولنعلم أنّ الزكاة فرضت في مكة، وأما تقدير نصابها كان في المدينة.
﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: الركوع: يعني: الصلاة، ذكر الجزء وأراد الكل، كما يُعبر عن الصّلاة بالسجود؛ أي: صلوا مع المصلين؛ أي: صلوا مع محمّد ﷺ ، وأصحابه؛ صلاة الجماعة، وذكر الركوع؛ لأنّ صلاة اليهود، ليس فيها ركوع، ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ ليست خاصة باليهود، وإنما هي لكافة المسلمين، والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: فيها حث على صلاة الجماعة.
стр. 87
سورة البقرة [٢: ٤٤]
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
﴿أَتَأْمُرُونَ﴾: الهمزة: همزة استفهام، توبيخ، وتحذير، وتعجب.
﴿النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾: هو الخير، الواصل إلى الغير، مع القصد والنية، إلى ذلك، وضده العقوق؛ ويشمل: العمل الصالح، والطاعة، وكل ما يتقرب به إلى الله من أخلاق ومعاملات واعتقادات. وقيل: نزلت هذه الآية في بعض اليهود، الّذين كانوا يقولون لبعض أقاربهم من المسلمين في السر: اثبتوا على ما أنتم عليه، فإنه حق، وهم لا يقومون بذلك.
وقيل: البر؛ هنا، يعني: التمسك بالتوراة، فمنهم من كان يأمر أتباعه باتباع التّوراة، وهم أنفسهم لا يقومون بذلك. وقيل: هو الصدقة؛ كانوا يأمرون بها غيرهم، وهم لا يتصدقون.
النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمعرفة معنى النّاس.
﴿بِالْبِرِّ﴾: الباء؛ للإلصاق.
﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾: تنسون على وزن تفعون فيها مبالغة في النسيان.
تأمرون غيركم بالبر، ولا تأمرون أنفسكم، بالطاعة وتقديم الأعمال الصالحة، فهذا ليس منهج الدعاة، والقدوة الصالحة.
﴿وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: أي: التّوراة، ﴿تَتْلُونَ﴾؛ فعل مضارع، يدل على تجدد وتكرار تلاوة التّوراة الّتي فيها نعت محمّد ﷺ ، والأحكام الربانية.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة؛ استفهام إنكاري، توبيخ على النسيان، ألا؛ أداة تنبيه، وحضٍّ، وتحمل معنى الأمر، والفاء للتوكيد.
стр. 88
﴿تَعْقِلُونَ﴾: تتفكرون، وتعودوا إلى الصواب، والحق، وفيها؛ توبيخ شديد، لكونه ينفي العقل عنهم، والفهم عندما يأمرون النّاس بالبر، وينسون أنفسهم، والقيام به. تعقلون من عقل الشيء؛ أي: عرفه بدليله، ووصل إلى الحقيقة بعد الموازنة والاستنباط.
سورة البقرة [٢: ٤٥]
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾: الاستعانة؛ الألف، والسين، والتاء، تعني الطلب؛ اطلبوا العون، بالصبر، والصلاة.
﴿بِالصَّبْرِ﴾: الباء؛ للإلصاق؛ أي: المداومة على الصبر، والأصل في الصبر، الحبس، فالصابر حابس نفسه عن الجزع، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾، على أداء الفرائض، وترك المعاصي، وأنواع البلاء.
﴿وَالصَّلَاةِ﴾: استعينوا كذلك بالصلاة، فقد كان ﵇ إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة؛ أي: نزل به هم أو غم، كما ورد في الحديث الذي أخرجه الطبري، وأبو داود، وأحمد.
وقدَّم الصبر على الصلاة؛ لأنّ الصّلاة تحتاج إلى صبر، وكل عبادة تحتاج إلى صبر، فذكر أحدهما يكفي، أو متضمن الآخر.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿الْخَاشِعِينَ﴾: جمع خاشع، والخشوع هو الخضوع مع التعظيم والخوف لله وحده، والخشوع في اللغة معناه: الذل، والسكون، والخضوع. قيل: هو اللين، والانقياد.
стр. 89
والخشوع يظهر على الجوارح، أو يخص الجوارح، مثل البصر، ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣]، والصوت؛ ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ﴾ [طه: ١٠٢]. والخضوع يخص البدن.
سورة البقرة [٢: ٤٦]
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾؛ أي: يوقنون؛ لأنّ الظن هنا؛ جاء بمعنى اليقين.
﴿أَنَّهُمْ﴾ أنّ للتوكيد، وأنّ في القرآن؛ إذا قرن الظن بها، أفادت اليقين؛ أي: يتبدل الظن إلى علم، ويقين.
اليقين: العلم التام، الذي ليس هناك غيره، وهو العلم بالحق الثابت الذي لا يتغير.
وأما الشك؛ عندما يتساوى طرفا النفي والإثبات.
والظن؛ عندما يكون طرف الإثبات، أو الإدراك يفوق طرف النفي.
﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: أي: بالبعث؛ أي: يوقنون بالبعث، والعرض على ربهم يوم الحساب.
﴿وَأَنَّهُمْ﴾: للتوكيد، ﴿إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: إليه وحده لا إلى غيره، راجعون إليه في الآخرة؛ لنيل الثواب والأجر.
سورة البقرة [٢: ٤٧]
﴿يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾:
﴿يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: نداء جديد آخر إلى بني إسرائيل. ارجع إلى الآية (٤٠).
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: لم يبين في هذه الآية النعمة، الّتي أنعمها
стр. 90
عليهم، والنعمة الواحدة تمثل النعم التي لا تعد ولا تحصى، ولكن سبحانه بينها في آيات أخر، فقال: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩].
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧].
وإنزال التّوراة، وجعل فيكم أنبياء، وجعلكم ملوكاً، وأتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين، وغيرها من النعم الكثيرة.
﴿نِعْمَتِىَ﴾: أضاف الله سبحانه النعمة إليه، فقال: ﴿نِعْمَتِىَ﴾؛ للتشريف، وبيان عظمها، وكما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، وشكر النعمة يكون بذكر النعمة، يكون بذكر المنعم، وطاعته، والحديث عنها، وشكره عليها.
﴿الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: خاصة بكم، لم أنعمها، على غيركم.
﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: عالمي زمانهم ذاك، ولا يعني تفضيلاً إلى الأبد، والدليل على ذلك؛ قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
فضلهم على عالمين، ذلك الزمان، فكلمة عالمين كلمة لا تشمل كل العالمين في كل زمان، وإنما الموجودون فقط، في زمن واحد معين، ففي لحظة اختيارهم في ذلك الزمن، كانوا هم أفضل النّاس، على غيرهم، مقارنة بغيرهم، وليس الآن، وهذا ما يظنه خطأ بعض اليهود أنفسهم أنهم شعب الله المختار، أنهم أفضل النّاس.
стр. 91
سورة البقرة [٢: ٤٨]
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾: الواو عاطفة، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾: عذاب يوم، والتنكير هنا؛ للتهويل، تهويل العذاب، وتهويل اليوم، وهو يوم القيامة، ولم يقل: لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئاً؛ لأنّ الجزاء والحساب ليس منحصراً في ذلك اليوم، وهو قد يستمر سنين طويلة؛ كقوله: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾؛ لأنّ الرجوع محصور في ذلك اليوم.
﴿لَا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَّفْسٍ شَيْئًا﴾: لا: النّافية، لا ينفع الإنسان فيه إلَّا عمله، أو لا تزر وازرة وزر أخرى، وأنّ ليس للإنسان إلَّا ما سعى.
فالآية هذه؛ تتحدث عن نفسين: النفس الأولى، الّتي تقدِّم الشفاعة لنفس الثانية (المشفوع لها) فلا يُقبل منها شفاعة؛ أي: من النفس الأولى الشافعة، وعندها تحاول النفس الأولى، الشافعة، أن تدفع مال، (عدل)، يساوي الفدية، يساوي ما يعادل الذنب والجرم، لتفدي النفس المشفوع لها، أو الآثمة، فلا يؤخذ منها.
ولو قارنا هذه الآية بالآية (١٢٣): ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾.
فالآية (١٢٣): تتحدث عن النفس المشفوع لها، تحاول أن تدفع لتفدي نفسها بنفسها، فلا يقبل منها عدل، ثم حين لا يقبل العدل، تحاول أن تأتي
стр. 92
بالشفيع، أو تبحث عن شفيع، فلا تجد، أو لا تنفعها شفاعة. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: لا: النّافية.
﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل، للتوكيد.
﴿يُنْصَرُونَ﴾: أي: لا يستطيع أحد، أن ينصرهم، أو يوقف عنهم العذاب، أو يخففه.
ويمكن تيسُّر فهم الآية (٤٨) والآية (١٢٣) بالقول أنّ هناك نفساً أولى شافعة، ونفس ثانية مشفوع لها.
ففي الآية (٤٨) تحاول النفس الأولى الشافعة أن تشفع للنفس الثانية، فلا يسمح لها أن تشفع، بعدها تلجأ إلى دفع فدية (أو عدل)، فلا يسمح لها أيضاً.
وأما في الآية (١٢٣): تحاول النفس المشفوع لها أن تدفع فدية، أو عدل بذاتها، فلا يسمح لها بعدها تحاول أن تجد من يشفع لها فلا تجد أحداً.
стр. 93
سورة البقرة [٢: ٤٩]
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِى ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي؛ أي: واذكر إذ، أو اذكر حين نجيناكم من آل فرعون.
الفرق بين نجيناكم وأنجيناكم.
﴿نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: نجيناكم، تعني النجاة، تمت ببطء بعد زمن طويل؛ أي: بقوا في العذاب زمناً طويلاً، ثم نجوا بسهولة.
بينما أنجيناكم؛ تعني النجاة تمت بسرعة، وزمن قصير، وقوة عظيمة؛ أي: جهد أكبر، وصعوبة أشد، كما حدث؛ حين أنجاهم من الغرق.
﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: أصل الآل؛ أهل الرجل، وأعوانه، وأتباعه.
﴿فِرْعَوْنَ﴾: ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون، أهو رمسيس الثاني، أم ابنه منفتاح؛ أي: فرعون المربي، أم فرعون الخروج؟ وآل فرعون يعني: آل فرعون الأب، وفرعون الابن.
﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: يسومونكم من السؤم، وسام السلعة؛ أي: طلبها وابتغاها.
إذن، يسومونكم، يبغونكم.
стр. 94
وقيل: سام خصمه؛ أي: أذله، وأعنته، وأرهقه، وسام الماشية: تركها ترعى، فكلمة يسومونكم، جمعت كل تلك المعاني معاً، ففرعون ابتغى لهم العذاب، وأذلهم، وأعنتهم، وتركهم فيه زمناً طويلاً.
﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾: والسوء؛ هو كل ما يغم الإنسان، من أمر دنيوي، أو أخروي، أو يسوء إلى النفس.
﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾: أشده، وأفظعه، وأقبحه، وما نوع سوء العذاب؟؟ فقد بينه، ووضح ذلك في قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، ولو اكتفى بقوله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾، لربما يظن ظان، أنه ضرب، أو شتم، أو غيره، لا يصل إلى درجة الذبح، أو الاستحياء، والذبح؛ نوع واحد من أنواع القتل، والأبناء؛ تطلق على الذكور فقط، أما أولادكم؛ فتشمل: الذكور، والإناث، وكان الذبح يصيب الأبناء؛ أي: الذكور فقط، ولا يصيب البنات، وفي سورة إبراهيم آية (٦) قال تعالى: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ بإضافة الواو، بينما في هذه الآية حذف الواو. حذف الواو دل على أن التذبيح هو سوء العذاب، وإضافة الواو دل على أن التذبيح غير سوء العذاب، وهذا من كلام موسى الذي كان يعدد على بني إسرائيل المحن، أما آية البقرة (بحذف الواو): هو كلام الله سبحانه، وليس في تعديد المحن، بل كان يعدد لهم النعم. ارجع إلى سورة القصص آية (٤) للبيان المفصل.
يذبحون، جاءت بصيغة المضارع؛ لاستحضار الفعل؛ ليدل على بشاعته.
﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: من استحيا؛ أي: أبقاه على قيد الحياة، أو طلب له البقاء حياً؛ أي: يتركون نساءكم أحياء، للخدمة، وللمتعة، وللذل، ولم يقل: يستحيون بناتكم؛ لأنّ النّساء أقوم للخدمة، والمتعة، والتنكيل. ارجع إلى سورة
стр. 95
الأعراف آية (١١٤) وسورة القصص آية (٤)، وسورة إبراهيم آية (٦) للمقارنة ومزيد من البيان.
﴿وَفِى ذَلِكُمْ﴾: في؛ ظرفية، ذلكم: اسم إشارة للبعد، ويشير إلى ﴿سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، ولم يقل: وفي ذلك لأنّ ذلكم؛ تفيد التّوكيد، والتعدد، والذبح، والاستحياء، وسوء العذاب إلى أهمية هذه الأمور.
﴿بَلَاءٌ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: البلاء؛ قيل: هو الاختبار، والفتنة، والابتلاء، يكون في الخير، والشر، وفيه؛ معنى تحمل المشاق والمكاره.
فقد قال تعالى: ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، والابتلاء غايته إظهار طاعة الله تعالى، أو معصية، أو الاختبار يجري لمعرفة العلم بكنه الشيء المختبر، والابتلاء أصله الاختبار؛ تختبره بالضر، لكي ترى ما عنده من الصبر، أو بالنعمة، لكي ترى إن كان شاكراً، أو جاحداً، والبلاء لبني إسرائيل، كان بنوعيه الشر، ﴿سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، وبالخير ﴿نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، ومن الغرق في البحر.
﴿عَظِيمٌ﴾: لعظم ما فيه، من الآلام، والعذاب، كماً، وكيفاً.
سورة البقرة [٢: ٥٠]
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
﴿وَإِذْ﴾: الواو حرف عطف، إذ، تقدَّم شرحها في الآية السابقة، واذكروا إذ.
﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾: ﴿فَرَقْنَا﴾: بفتح الراء، وليس بسكونها، كما في فرقنا، والفرق؛ هو الفصل، والتمييز بين شيئين، أو أكثر.
стр. 96
فرْق: بسكون الراء تستعمل لتفريق الأشياء المخلوطة غير المتجانسة، مثل: تفاح، وبرتقال، وعنب؛ أي: فصل بين كل شيء على حدة.
فَرَق: بفتح الراء، تستعمل للأشياء المتداخلة، أو الشيء الواحد، مثل تفريق عصير التفاح، والبرتقال، والعنب، الممزوجة معاً، كلاً على حدة، وهذا صعب، ومستحيل، أحياناً.
وفَرَق: تستعمل للماء ـ أو الدِّين، مثال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾.
﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]؛ أي: فصلنا البحر، وأصبح كل جزء منه، كالجبل، والبحر، قيل: هو البحر الأحمر.
﴿فَأَنجَيْنَاكُمْ﴾: من الغرق، ومن فرعون، وجنوده، ﴿فَأَنجَيْنَاكُمْ﴾، تعني: بسرعة، وزمن قليل، وقوة شديدة.
﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: تشاهدونهم، يغرقون جميعاً، حتّى لا يدخل الشك في قلوبكم بعد ذلك، أنّ بعضهم نجى. فرعون هذا هو الابن المسمَّى منفتاح (فرعون الخروج) وليس الأب رمسيس الثاني مربي موسى ﵇. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) للبيان.
سورة البقرة [٢: ٥١]
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: أي: واذكر، إذ: ظرفية زمانية، للماضي؛ أي: واذكر إذ واعدنا موسى، أو وذكر حين واعدنا، على وزن فاعلنا، وتشير إلى مشاركة (مفاعلة)، من طرفين؛ أي: الله سبحانه، وعد موسى، وموسى قبل الوعد.
﴿مُوسَى﴾: اسم أعجمي، أصله بالعبرانية موشا.
стр. 97
مو: هو الماء، وشا: هو الشجر، وسمي بذلك؛ لأنّ موسى ﵇، التقط في مكان، فيه ماء، وشجر (اليم وقصر فرعون).
هو موسى بن عمران، من ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇.
﴿وَاعَدْنَا مُوسَى﴾: بعد نجاة موسى، وقومه من آل فرعون، ومن الغرق، ووصلوا سيناء.
﴿وَاعَدْنَا﴾: جاءت بصيغة التعظيم، ﴿وَاعَدْنَا مُوسَى﴾: لاستلام التّوراة، والألواح، وضرب له ميقاتاً مكاناً جانب الطور الأيمن.
وزمناً ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾: كان الوعد ثلاثين ليلة، ثم أتمها الحق سبحانه بعشر أخرى، كما قال تعالى في سورة الأعراف الآية (١٤٢): ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ففي آية البقرة إجمال للزمن، وفي آية الأعراف تفصيل للزمن، وتفصيل لكثير من الأحداث التي لمت ببني إسرائيل.
قال سبحانه: أربعين ليلة، ولم يقل نهاراً؛ لأنّ القمر، هو المعتمد عليه في تحديد الشهور.
﴿لَيْلَةً﴾: مؤنث ليل، من مغرب الشمس، إلى طلوع الفجر.
واليوم في القرآن؛ يعني: النهار، وزمنه؛ من طلوع الفجر، إلى مغرب الشمس؛ أي: ما يعادل (١٢ ساعة)، وليس (٢٤ ساعة).
﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾؛ في قول أكثر المفسرين: كانت ثلاثين ليلة، من ذي القعدة، وعشر من ذي الحجة.
стр. 98
﴿ثُمَّ﴾: لمجرد الترتيب، في الذكر.
﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾: صيرتم، أو حولتم العجل إلى إلهٍ؛ أي: العجل الذي صنعه لهم السامري، واتخذ من الأفعال الّتي تأخذ مفعولين؛ أي: اتخذتم العجل إلهاً، فالعجل؛ هو المفعول الأول، وأما المفعول الثّاني إلهاً، محذوف في جميع القرآن، وذلك تحقيراً وتوبيخاً؛ لما فعلوه من قمة الفساد، فلا يستحق الذكر.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد ما جاء موسى لميقاتنا.
﴿وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾: أنتم: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد.
﴿ظَالِمُونَ﴾: من الظلم، وهو الشرك، ﴿وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾: بإشراككم، باتخاذكم العجل، ﴿ظَالِمُونَ﴾: جملة اسمية، تدل على الثبوت، بثبوت صفة الظلم لهم، انظر إلى التفاصيل في سورتي الأعراف، آية (١٤٨)، وطه، آية (٨٧ - ٨٨).
سورة البقرة [٢: ٥٢]
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: لمجرد الترتيب في الذكر.
﴿عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾: حين تبتم.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: من: ابتدائية، بعد ظرف زماني.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، اللام للبعد، ويشير إلى اتخاذهم العجل.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل: للترجي، أو التعليل، وهنا تفيد التعليل.
стр. 99
﴿تَشْكُرُونَ﴾: تشكرون النعمة؛ الشكر يكون دائماً على النعمة الحاصلة لكم، والنعمة هنا: هي العفو عنكم بعد التوبة؛ انظر الآية (٥٤) من نفس السورة، وارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠) لمزيد من البيان في معنى الشكر.
سورة البقرة [٢: ٥٣]
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: أي: واذكروا حين ﴿آتَيْنَا﴾: من الإيتاء، وهو العطاء، ولكن الإيتاء ليس فيه تملك، كما في العطاء، فيمكن استرداد الشيء المعطي، والإيتاء أعم من العطاء، يشمل: الأشياء الحسية، والمعنوية، والعطاء لا يكون إلَّا للأمور المادية الحسية.
﴿مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾: التّوراة، والفرقان: إما نعت للتوراة، أو عطف على الكتاب.
فالكتاب: هو التّوراة، والذي يُبين المنهج، والفرقان: الذي يفرق بين الحق والباطل.
﴿وَالْفُرْقَانَ﴾: تطلق على التّوراة، وعلى غيره من الكتب المنزلة كالقرآن، والإنجيل، فالتوراة؛ يجمع بين كونه كتاباً منزلاً، وفرقاناً، يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام.
وقيل: هذا من قبيل عطف الخاص على العام، الخاص هو الفرقان، والعام هو التّوراة.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل: للتعليل، تهتدون إلى الحق.
سورة البقرة [٢: ٥٤]
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ
стр. 100
فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: الواو عاطفة؛ إذ: ظرف للزمن الماضي، وتعني: واذكروا إذ، أو وذكروا حين قال موسى لقومه.
﴿يَاقَوْمِ﴾: نداء به شعور الحنان، والعطف على قومه.
﴿يَاقَوْمِ﴾: القوم: جماعة كثيرة، وقيل: هم الرجال فقط، أو الرجال، والنّساء معاً.
﴿إِنَّكُمْ﴾: إن: للتوكيد، والكاف: للخطاب.
﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: من معاني ظلم النفس؛ أي: نقصان حقها من التزكية، بدلاً من تزكيتها، يظلمها، ويدسيها كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]، فيوردها موارد التهلكة والعذاب، ويحرمها من النعيم الأبدي، بالظلم الذي من معانيه الشرك والصد عن سبيل الله، وظلم الآخرين، وجحد نعم الله.
﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾: الفاء؛ للتوكيد، ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾: التوبة؛ تعني: الندم على الذنب، والإقلاع عنه، وعدم العودة إليه، والإكثار من العمل الصالح.
﴿بَارِئِكُمْ﴾: البارئ؛ اسم من أسماء الله تعالى الحسنى، ذكر مرتين في القرآن في هذه الآية، وفي سورة الحشر، آية (٢٤).
البارئ: اشتق من برأ الخلق؛ أي: خلق الخلق، متميزاً، بعضه عن بعض، بالأشكال المختلفة، والصور المتباينة، فأعطى لكل مخلوق صورة مختلفة عن الآخر، وقد تعني يبرئ المخلوق من الآفات، والأمراض؛ أي: الشافي.
стр. 101
﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾: الفاء: للتوكيد والتعقيب، والتشريع الإلهي كان بقتل كل من اتخذ العجل إلهاً كفارة لذنبه، وهو أقسى أنواع الكفارة، وذلك بأن يقتل الّذين اتخذوا العجل بعضهم بعضاً، أو أن يقتل الّذين لم يتخذوا العجل الّذين اتخذوا العجل، أو أن يقتل من اتخذ العجل نفسه بنفسه.
﴿ذَلِكُمْ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف للخطاب، و ﴿ذَلِكُمْ﴾: تشير إلى أهمية، وعظم التوبة، والقتل معاً، ولم يستعمل ذلك، بدلاً من ذلكم؛ لهذا السبب.
﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: لكم خاصة، وليس لغيركم، وهذه التوبة؛ هي أصدق أنواع التوبة، وهي خير لكم؛ لأنها تنجيكم من عذاب الآخرة.
﴿عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾: ارجع إلى مطلع الآية للبيان.
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: الفاء؛ للتوكيد، تاب: بصيغة الماضي؛ أي: هداهم كيف يتوبون، فتابوا، فتقبل منهم توبتهم مباشرة، من دون تأخير.
﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: إنه: للتوكيد، هو: للحصر.
﴿التَّوَّابُ﴾: أي: يقبل توبة عباده التائبين، مهما كان عددهم، وعدد توباتهم، ومهما كانت ذنوبهم كبيرة، أو صغيرة.
﴿الرَّحِيمُ﴾: لأنه لا يرد توبة تائب. ارجع إلى الآية (٣٧)، من نفس السورة لمزيد من البيان.
стр. 102
سورة البقرة [٢: ٥٥]
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: أي: واذكروا إذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك.
القائلون: ﴿لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ﴾: هم السبعون رجلاً، الّذين اختارهم موسى ﵇ ﴿لِّمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ممن لم يتخذوا العجل، ذهب بهم موسى إلى جبل الطور، ليعتذروا إلى ربهم -جل وعلا-، من اتخاذ إخوانهم العجل، فلما وصلوا الطور قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ﴾؛ أي: لن نصدقك، ولن: حرف نفي للمستقبل القريب، أو البعيد.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، نهاية الغاية.
﴿نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾: علانية أو عياناً، وجهرة من الجهر، واصل الجهر الظهور؛ أي: رؤية واضحة بالبصر.
﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: الفاء؛ تدل على الترتيب، والتعقيب؛ أي: بسرعة أخذتهم الصاعقة، وهي الرجفة، الّتي ذكرها الله سبحانه، في سورة الأعراف آية (١٥٥)، ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، والصاعقة: قد تكون ناتجة عن الشرر الكهربائية كالبرق الّتي تحمل في طياتها آلاف الكيلوواتات، فأهلكتهم واحداً تلو الآخر، وهم ينظرون. ارجع إلى سورة فصلت، آية (١٣) لمزيد من البيان.
عندها قال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِنْ قَبْلُ وَإِيَّاىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
﴿وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أنتم: للتوكيد، ﴿تَنْظُرُونَ﴾: ما يحل بكم، من العذاب،
стр. 103
ومن الصعق، وقد تعني: يرى كل منهم الآخر ما يحدث له، من الاختلاجات، وأعراض الصعق.
سورة البقرة [٢: ٥٦]
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب في الذكر، أو الأحداث.
﴿بَعَثْنَاكُم﴾: من البعث؛ أي: الأحياء؛ أي: أحييناكم.
﴿مِنْ بَعْدِ﴾: من تعني مباشرة، من دون فاصل زمني، طويل.
﴿مَوْتِكُمْ﴾: أي: موت حقيقي، وليس إغماءً فقط، كما يظن البعض. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٥٥).
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: لعل: للتعليل.
﴿تَشْكُرُونَ﴾: اللهَ على بعثكم أحياء من بعد موتكم، وعلى نعمه الأخرى الّتي لا تعد ولا تحصى. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠) لمزيد من البيان عن الشكر.
سورة البقرة [٢: ٥٧]
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾:
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ﴾: في التيه، الغمام؛ سمي غماماً؛ لأنه يغم السماء؛ أي: يسترها، وكان يوصف الغمام بأنه سحاب، رقيق، أبيض، للوقاية من حر الشمس المحرقة.
﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾: في التيه، والمن؛ هو شيء كالصمغ، أو عصارة سكرية تخرج من سيقان جذوع بعض الأشجار، ثم تجف وهي حلوة
стр. 104
كالعسل، وتمثل الكربوهيدرات، وكانت تخرج من طلوع الفجر إلى بزوع الشمس، وكانت تشاهد على جذوع الشجر، وأوراق الشجر، لها طعم الحلوى المغذية، سهلة الهضم.
﴿وَالسَّلْوَى﴾: طير؛ يقال: إنه السمان، أو يشبه السماني، أو الحجل كان يأتيهم في جماعات كبيرة، ومن الطيور المهاجرة، ويبقى على وجه الأرض، حتّى يمسكوا به، ويذبحوه، ويأكلوه، ويمثل البروتينات. فالمن والسلوى غذاء كامل للإنسان.
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: أي: قلنا لهم: ﴿كُلُوا مِنْ﴾: من ابتدائية، وللتبعيض.
﴿طَيِّبَاتِ﴾: جمع طيب، وهو الحلال الطاهر، فكل حلال طيب، وليس كل طيب حلالاً، مثل: المن، والسلوى.
﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الذي رزقناكم.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: الواو: عاطفة، ما: النّافية.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾: حين كفروا بتلك النعم، ولم يشكروا المنعم، والله سبحانه وتتعالى أعز أن يظلِم، ولا يستطيع أحدٌ أن يظلم الله سبحانه، ولو كفر أهل الأرض جميعاً، ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك، وتوكيد.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ﴾: حين جحدوا نعم الله تعالى، وظلم النفس؛ يعني: نقصان حقها، فبدلاً من تزكيتها، ظلمها وأنقصها حقها، فأوردها موارد التهلكة، والعذاب، وحرموا أنفسهم من النعيم الأبدي بالظلم.
стр. 105
وقول ﴿أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بدلاً من قوله: ويظلمون أنفسهم؛ إذ قدَّم المفعول به على الفاعل؛ للتأكيد على ظلمهم أنفسهم، بما ارتكبوه.
ولا بد من مقارنة قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧].
فقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: جاءت في سياق الحديث عن الأقوام، الماضية، البائدة، واستعمل كلمة ﴿كَانُوا﴾ الدالة على الزمن الماضي.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: جاءت في سياق الحديث عن الزمن الحاضر، أو الحال؛ أي: في الأقوام الّذين لا زالوا على قيد الحياة، وليس في الأقوام الماضية.
стр. 106
سورة البقرة [٢: ٥٨]
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾:
قبل البدء بتفسير هذه الآية لنعلم أن هذه الآية جاءت في سياق تعداد النعم على بني إسرائيل لقوله تعالى لما افتتح ذكر بني إسرائيل قال تعالى: ﴿يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧].
﴿وَإِذْ﴾: أي: واذكروا؛ إذ قلنا.
﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾: أسند القول إليه سبحانه؛ اهتماماً بهم؛ الخطاب المباشر من اله سبحانه لبني إسرائيل. وفي سورة الأعراف آية (١٦١) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ ارجع إلى سورة الأعراف: آية (١٦١) لبيان الاختلاف.
﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: قيل: هي بيت المقدس، أو أريحا، أو غيرها، أمروا بدخولها، بعد التيه. وفي سورة الأعراف آية (١٦١) قال تعالى: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦١) لبيان الاختلاف.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾: الفاء؛ هنا، للتعقيب، والسرعة؛ أي: كلوا؛ بمجرد دخولكم، وكأنّ الطعام مهيئ لهم، كما نفعل في حالة إقراء الضيف.
﴿حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾: هذه الآية؛ تدل على أنّ هناك أصناف كثيرة من الطعام، ﴿رَغَدًا﴾: كلوا هنيئاً، لا عناء فيه، وتأخير كلمة ﴿رَغَدًا﴾؛ في هذه الآية بدلاً فكلوا منها رغداً حيث شئتم؛ لكونها في سياق الدّنيا، بينما في الحديث، عن الجنة، وآدم، قدَّم ﴿رَغَدًا﴾؛ فقال: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥]. وفي سورة
стр. 107
الأعراف آية (١٦١) حذف رغداً وقال تعالى: (وكلوا حيث شئتم)؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦١) لبيان الاختلاف.
وهذا التأخير، والتقديم في الرغد؛ لكون الجنة والدنيا، لا تتساويان في لذة العيش، فرغد الجنة مقدَّم على رغد الدّنيا.
﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: وادخلوا الباب؛ باب القرية، الّتي ذكرت في مطلع الآية. وفي سورة الأعراف آية (١٦١) قدم (حطة) وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦١) لبيان الاختلاف.
﴿سُجَّدًا﴾: ولم يقل سجوداً؛ سجداً: تدل على المبالغة في السجود؛ أي: في منتهى الخضوع، والتواضع، واسجدوا عند الانتهاء، إلى الباب؛ شكراً لله، وتواضعاً، سجود الشكر، وقدَّم السجود على القول، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾؛ لأنّ السجود أعظم، وأشرف من الدعاء، (القول)، وأقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد.
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: حطة؛ من الحط، بمعنى: الوضع، والإنزال، وأصله إنزال الشيء، من علو، واستحطه؛ أي: سأله أن يحطه عنه؛ أي: حط، عنا ذنوبنا يا ربنا، واغفر لنا، (ويمثل الاستغفار).
﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: الغفر، هو الستر، والمغفرة؛ هي ستر الذنب، وأما العفو؛ فهو ترك العقوبة.
﴿لَكُمْ﴾: أي: نغفر لهؤلاء، الّذين قاموا، بما أُمروا به.
﴿خَطَايَاكُمْ﴾: جمع خطيئة جمع كثرة، مقارنة بخطيئاتكم في الأعراف آية (١٦١) (جمع قلة)، والخطايا تشمل كل الذنوب.
стр. 108
﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾: مهما كثرت، أو تنوعت، سواء أكانت في العبادات، أو غيرها، ولم يقل من خطاياكم؛ من: البعضية؛ أي: بعض خطاياكم.
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: الواو؛ هنا، تدل على الاهتمام والتأكيد. وفي سورة الأعراف آية (١٦١) قال تعالى: ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بدون الواو؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦١) لبيان الاختلاف.
وماذا بعد الغفران؛ قيل لهم: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، ولمعرفة معنى الإحسان، ارجع إلى الآية (٨٢) من سورة البقرة، وارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦١) للمقارنة والمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ٥٩]
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾:
﴿فَبَدَّلَ﴾: أي: الّذين ظلموا أوامر الله، ولم يتبعوها، فقد أمروا بالاستغفار، والتوبة، والسجود، فخالفوا ذلك، ولم يفعلوها، وقالوا ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾، وقيل: إنهم بدلوا قول الحطة، بالحنطة، ولم يدخلوا ساجدين، ولم يتمثلوا أوامر الله ﵎.
وفي آية سورة الأعراف (١٦٢): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، تدل على التخصيص؛ أي: هناك من ظلم نفسه، وهناك من لم يظلم، واتبع أوامر الله، ارجع إلى الآية (١٦٢) من سورة الأعراف، وفي آية سورة البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ ولم يقل: منهم؛ كأنه لا يريد أن يصرح من هم الظالمون، ولكنه أعاد ذكرهم في آخر الآية؛ فقال: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وفي هذا تقبيح، وتهويل لظلمهم.
﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾:
الرجز: بكسر الراء يعني: العذاب كما روي عن ابن عباس وغيره؛ وأصل
стр. 109
الرجز هو الاضطراب، ومنه ناقة رجزاء، إذا تقارب خطوُها، واضطرب؛ لضعف فيها، وسمي العذاب رجزاً؛ لما فيه، من الفزع والاضطراب.
وأما قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]؛ تعني: الأصنام كما قال ابن عباس، أو المعصية كما قال آخرون، وأما قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١]؛ تعني: وسوسته وشك الشيطان.
فالرجز: تعني العذاب، أو الأصنام، أو وسوسة الشيطان وكيده، ووردت الرجز في عشر مواضع بهذه المعاني الثلاثة، وأما الرَّجْزَ: بفتح الراء والتشديد تعني: الذنب أو العذاب وعبادة الأوثان؛ أي: الشرك.
وأما الرجس: فهي أوسع معنى من الرجز؛ تعني: الشيء أو الأمر المستقبح القذر النجس، وتعني العذاب؛ فالرجس أعم من الرجز؛ أي: الرجس تشمل العذاب وغيره من القبيح والقذر من عبادة الأوثان والشرك.
﴿فَأَنزَلْنَا﴾: الفاء؛ تدل على المباشرة، والتعقيب.
الإنزال؛ يعني: مرة، أو عدَّة مرات، أما الإرسال؛ فيعني: التواصل، والاستمرار، والشدة في الإنزال كما قال تعالى في الآية (١٦٢) في سورة الأعراف: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.
أمثلة على آيات الإرسال: في سورة الحجر الآية (٢٢): ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾؛ وتلقيح الأزهار، والثمار، يكون بشكل مستمر.
في سورة طه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾؛ لأنه؛ أراد لهم الغرق، والطوفان يحتاج إلى استمرار هطول المطر، وكذلك قوله على لسان هود في سورة هود الآية (٥٢): ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾، من هذه الآيات؛ نلاحظ الإنزال، يكون مرة أو مرتين، والإرسال يكون بشكل متواصل، مسترسل.
стр. 110
﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾: عذاباً، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ قيل: هو الطاعون، أو غيره؛ من أنواع العذاب.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق السببية، أو المقابلة.
﴿كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: لتعريف الفسق؛ ارجع إلى الآية (٥٩) من سورة البقرة، وفي الآية (١٦٢) في سورة الأعراف قال تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
ويجب معرفة أنّ هناك فرقاً بين كلمة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ و ﴿يَفْسُقُونَ﴾.
فالظلم: أشد من الفسق، والفسق: يسبق الظلم، وكل ظالم فاسق، وليس كل فاسق ظالم، وانظر في آية البقرة كيف جاءت كلمة (يفسقون) مع كلمة (الإنزال)، وفي آية الأعراف كيف جاءت كلمة (يظلمون) مع كلمة (الإرسال)، والإرسال أشد من الإنزال، والظلم أشد من الفسق.
سورة البقرة [٢: ٦٠]
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾:
﴿وَإِذِ﴾: أي: واذكر إذ أوحينا.
﴿اسْتَسْقَى مُوسَى﴾: طلب السقيا؛ أي: المطر، وكان ذلك في التيه؛ بعد أن قل الماء وعطشوا عندها طلب موسى السقيا لقومه.
وقوله: ﴿لِقَوْمِهِ﴾: فالله سبحانه يقي أنبياءه، وعباده الصالحين، من الشكوى، أو التذمر في حالة الشدة، بل يصبرون، وكأنّ موسى ﵇، هنا؛ لم يكن ظمآن، أو كان صابراً، واستسقى لقومه فقط، ولم يدعُ موسى لنفسه.
﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾؛ والحق -جل وعلا- كان قادراً على أن ينزل عليهم مطراً من السماء مباشرة، وينتهي الأمر، ولكن الله -جل وعلا-؛ أراد أن يُريهم
следующие страницы →