Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5916–5934 · переход к 5921.
стр. 5916
﴿الْكَافِرُونَ﴾: ولم يقل الذين كفروا، والكافرون: جملة اسمية تدل على أنّ صفة الكفر ثابتة فيهم، ولو قال الذين كفروا: جملة فعلية تدل على التّجدد والتّكرار.
الخطاب للكافرين عامة في كل زمان ومكان.
سورة الكافرون [١٠٩: ٢]
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾:
﴿لَا﴾: النّافية للجنس تنفي كل الأزمنة الماضي والحال أو الحاضر والمستقبل، و"لا" أوسع نفياً من "لن".
﴿أَعْبُدُ﴾: والعبادة تشمل كل قول وفعل ولا تكون إلا لله وحده، وتعني: الخضوع والطاعة فيما أمر به ونهى عنه، أعبد: فعل مضارع يدل على التّجدد والتّكرار؛ أي: لا أعبد أيَّ صنم أو وثن أو ملك. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) لمزيد من البيان.
﴿مَا﴾: للعاقل وغير العاقل، أو مصدرية؛ أي: لا أعبد ما تعبدون.
﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل مضارع يدل على التّجدد والتّكرار.
وإذا نظرنا إلى الآية (٤) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾ فهي جملة اسمية تدل على الثّبوت.
فإذا جمعنا الآية الثّانية (الجملة الفعلية)، والآية الرّابعة (الجملة الاسمية) فيكون الرّسول ﷺ نفى عن نفسه عبادة ما يعبدون من دون الله بشكل متجدد ومتكرر، وبالشّكل الدّائم؛ أي: لا هذا ولا ذاك؛ أي: نفي لكل الأزمنة.
انتبه إلى تكرار "لا" في أربع آيات؛ يفيد توكيد النّفي نفي العبادة.
стр. 5917
سورة الكافرون [١٠٩: ٣]
﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا النافية؛ أي: أنتم في الحال لستم عابدين ما أعبد؛ أي: الله .
﴿مَا أَعْبُدُ﴾: بمعنى ولا أنتم عابدون الذي أعبد، وهو الله سبحانه.
سورة الكافرون [١٠٩: ٤]
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾:
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ﴾: الواو عاطفة، لا: النافية لكل الأزمنة؛ أي: ما كنت في الماضي ولا في الحال ولا في المستقبل عابداً آلهتكم أو ما تعبدون.
هذه الآية توكيد للآية: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وكما قلنا: تعتبر جملة اسمية جاءت لتدل على ثبوت نفي العبادة في كل الأوقات: نفي العبادة الدّائم أو المتقطع (المتجدد والمتكرر).
سورة الكافرون [١٠٩: ٥]
﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾:
هذه الآية تكرار للآية (٣).
وجاءت في الآيتين بصيغة الجملة الاسمية؛ لتدل على الثّبوت والتّوكيد على عبادة مشركي قريش للأصنام والأوثان، وأنهم لا يعبدون الله وحده.
سورة الكافرون [١٠٩: ٦]
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾:
﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، والكاف للخطاب (يخاطب مشركي قريش).
﴿دِينُكُمْ﴾: سمّى ما يعبدون من دون الله ديناً؛ توبيخاً أو تهكّماً حيث كانوا يزعمون أنّهم على دين آبائهم أو يقلدون آباءهم، وهم ليس لهم دين.
﴿وَلِىَ﴾: اللام لام الاختصاص، لي: المتكلم رسول الله ﷺ .
стр. 5918
﴿دِينِ﴾: هو دين الإسلام، دين التّوحيد وليس هناك إلا دين واحد منذ خلق الله الأرض هو دين الإسلام فقط، أما اليهودية والنّصرانية فهي ديانات أو شرائع، والإسلام للناس كافة وللمسلمين خاصة. ارجع إلى سورة البقرة الآية (١٣٢) لمزيد من البيان في معنى الدين.
ولا تعني هذه الآية الإذن لهم بالشّرك أو الكفر، بل تعني الوعيد والتّهديد. وأمّا تقديم "لكم دينكم" على "ولي دين" راجع لكونهم أكثر عدداً؛ أي: تقديم الأكثر على الأقل.
وحذف الياء من دين ولم يقل من ديني؛ أي: ديني ودين غيري من المسلمين؛ أي: دين ليس خاص به، ودين مستمر إلى يوم القيامة مقارنة بقوله تعالى في سورة يونس آية (١٠٤) ﴿إن كنتم في شك من ديني﴾ فهذا رد على الكافرين أو الشاكين في دين الله في ذلك الزمن وأنهى أمرهم.
стр. 5919
سورة النصر [١١٠: ١]
سورة النصر
ترتيبها في القرآن (١١٠) وترتيبها في النّزول (١١٤) وسميت سورة التّوديع.
معرفة زمن نزول هذه السّورة مهم فقد قيل: إنّها نزلت سنة عشر للهجرة، وروي أن رسول الله ﷺ عاش ﷺ بعدها (٧٠ يوماً) وقيل: نزلت في حجة الوداع وعاش بعدها النّبي ﷺ (٨٠ يوماً) وعندما سمعها رسول الله ﷺ قال ﷺ : نُعيت إليّ نفسي.
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾:
﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تدل على حتمية الحدوث.
﴿جَاءَ﴾: ولم يقل أتى؛ لأن المجيء أكثر صعوبة ومشقة من الإتيان؛ لأنّ نصر الله والفتح يرافقهما صعوبة ومشقة.
﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾: النصر يعني الغلبة المادية أو الغلبة العسكرية الحربية باستعمال القوة والسّلاح، والتحام الفريقين، والنّصر أعم وأشمل يتضمن معنى الفتح.
﴿وَالْفَتْحُ﴾: يتم بدون قتال أو قوة، يحصل بالصلح وبالمفاوضات والبرهان والحجة كما حصل في فتح مكة. إذن هناك فرق بين النصر والفتح.
стр. 5920
وهناك فرق بين النجاة والفوز؛ الفوز يعني: الخلاص من المكروه أو الشدة والوصول إلى الغاية أو المطلوب، فالفوز: النّجاة + الوصول إلى الغاية.
وأما النّجاة: هي الخلاص من المكروه أو الشدة فقط بدون الوصول إلى الغاية.
سورة النصر [١١٠: ٢]
﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾:
﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾: المخاطب هو رسول الله ﷺ وغيره من المؤمنين.
رأيت الناس: رؤية بصرية وفكرية (علمت).
﴿يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ﴾: يدخلون بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدد والتّكرار واستمرار دخول النّاس في هذا الدّين إلى يوم القيامة.
﴿فِى دِينِ اللَّهِ﴾: وهو الإسلام دين الحق. ارجع إلى سورة البقرة الآية (١٣٢) لمزيد من البيان في معنى دين الله.
﴿أَفْوَاجًا﴾: جماعات جماعات، ودخول النّاس في دين الإسلام أفواجاً أفواجاً يدل على أنّك بلّغت الرّسالة ومهمّتك قد تحقّقت، وتقديم: "في دين الله" على: "أفواجاً" للاهتمام.
سورة النصر [١١٠: ٣]
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾:
﴿فَسَبِّحْ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، سبّح: من التّسبيح: وهو تنزيه الله عن كل شريك وولد وعيب ونقص، تنزيه الذّات والصّفات والأسماء. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١) والتّسبيح سببه: تعجباً لدخول النّاس أفواجاً في دين الله، فحين ترى أمراً عجيباً من المفروض أن تسبِّح.
стр. 5921
﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: تسبيح مصحوب بالحمد، والشّكر لله؛ لأنه سبحانه نصر عبده وأعزّ جنده ودينه، وحقّق التّمكين للمؤمنين في الأرض بعد فتح مكة.
﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾: الاستغفار هنا استغفار إنابة وكثرة الرجوع إلى الله، واستغفار النّبي ﷺ أو الطلب منه الاستغفار لا يدل على ذنب، وإنما هو تقرُّب من الله وتواضع وذكر لله تعالى.
أي: رغم الفوز والنّصر ودخول الناس أفواجاً في دين الله على العبد أن يبقى متواضعاً لله تعالى، والاستغفار عبادة قلبية ولو لم يذنب العبد، وانتبه إلى قوله تعالى: "إنّه كان تواباً" ولم يقل إنّه كان غفاراً.
لأنّ غفاراً صيغة مبالغة؛ أي: كثير الغفر والغفران: وهو ستر الذّنب وترك العقوبة عليه والإثابة على الحسنات، وتوّاباً صيغة مبالغة تدل على كثرة قبول التّوبة.
وكلمة تواباً: تتضمن غفاراً؛ لأنّه سبحانه حين يقبل التّوبة يعني قَبِل الاستغفار، فتكون الآية فاستغفره إنّه كان توّاباً (أي: توّاباً وغفاراً) والاستغفار يسبق التّوبة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣].
стр. 5922
سورة المسد [١١١: ١]
سورة المسد
ولها تسميات أخرى منها: تبَّت، أو سورة اللهب.
ترتيبها في القرآن (١١١) وترتيبها في النّزول (٦).
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾:
أسباب النّزول: ثبت في الصّحيحين من حديث ابن عباس ﵄: لما نزلت الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، خرج رسول الله ﷺ حتّى صعد الصّفا وقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقال: يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني عبد مناف، أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذباً، قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبّاً لك ألهذا دعوتنا، ثم قام فنزلت هذه السّورة.
لما قال أبو لهب: تبّاً لك ألهذا دعوتنا، فهو يدعو على رسول الله ﷺ بالهلاك، فردّ الله سبحانه عليه لا بل: تبّت يدا أبي لهب وتبّ، فالله سبحانه هو القادر على التّبّ، وأمّا دعاء أبي لهب لغوٌ ولا قيمة له.
التّبّ: الهلاك والقطع.
وعبّر عن هلاك وبوار أبي لهب بهلاك يديه؛ ويعني ذاته (عبّر عن الجزء والمراد به الكل)؛ لأن أغلب الأعمال تزاول باليدين.
стр. 5923
أبي لهب: اسمه عبد العُزى، وسمي بهذا الاسم؛ لكون وجهه أحمر يشبه اللهب، وهو عم النّبي ﷺ وكان من سدنة الكعبة من بني هاشم.
وتبّ: تعني قد حصل المراد التّبّ (الهلاك) وتحقّق، وتبّ تفيد التوكيد.
سورة المسد [١١١: ٢]
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾:
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾: لن ينفعه مالُهُ يوم القيامة.
﴿وَمَا﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل، أو اسم موصول للمفرد والمثنى والجمع وغير العاقل والعاقل.
﴿كَسَبَ﴾: أي من الولد أو المال الذي ورثه من أبيه، أو الإبل والغنم التي كثر نسلها.
سورة المسد [١١١: ٣]
﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾:
﴿سَيَصْلَى﴾: السّين للاستقبال القريب، يصلى: يدخل النّار، يلتهب ويشوى بها.
سورة المسد [١١١: ٤]
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾:
أي: وستصلى امرأته أيضاً؛ وهي أم جميل بنت أخت أبي سفيان، وهذا إشارة إلى أنّه وزوجته سيموتان على الكفر ولن يسلما.
حمّالة الحطب: لها عدّة معانٍ، وكلها واردة في حقّها:
١ - أنّها كانت تحمل حزم الشّوك والذي فيه الحسك وتنثرها بالليل في طريق رسول الله ﷺ لتؤذيه.
стр. 5924
٢ - أنها كانت تمشي بالنّميمة بين النّاس، وإثارة الفتنة وحث الناس على خصومة رسول الله ﷺ ، فشبّهت النّميمة التي توقدها بالحطب.
٣ - قيل: حمالة الخطايا والأوزار؛ أي: الآثام.
سورة المسد [١١١: ٥]
﴿فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَّسَدٍ﴾:
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿جِيدِهَا﴾: أي في عنقها حبل من مسد، والِجيد: هو العنق الطّويل الجميل المرصّع بالزّينة والحلي.
والمسد: هو الليف الخشن الذي فُتِلَ حتى أصبح حبلاً محكماً.
أي: بدلاً من أن يكون جِيد أمّ جميل مرصّع بالذّهب والمجوهرات واللؤلؤ والمرجان يوم القيامة سيلفّ حوله حبل من مسد، بل سلاسل من النّار، وبدلاً من حمل الشّوك أو الحطب على ظهرها ستحمل الزّقوم والضّريع في بطنها، وفي هذا إذلال وإهانة لهذه المرأة القرشية التي تشارك زوجها في محاربة الله تعالى ورسوله ﷺ ، ووعيد لا يطيقه عقل بشر.
стр. 5925
سورة الإخلاص [١١٢: ١]
سورة الإخلاص
سميت بذلك؛ لأنّها تهدي إلى التّوحيد الخالص لله .
ترتيبها في القرآن (١١٢) وترتيبها في النّزول (٢٢).
فضلها: روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أنّ النّبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، إنّها لَتعدل ثلث القرآن».
وروى مسلم من حديث أبي هريرة أنّ النّبي ﷺ قال: «إنّها تعدل ثلث القرآن».
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾:
أسباب النّزول: أنّ المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : انسب لنا ربّك! فأنزل الله تعالى هذه السّورة، أو أنّ قوماً من أحبار اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: صِف لنا ربّك، فإنّ الله أنزل نفسه في التّوراة، فأخبرنا من أيّ شيء هو، أذهب هو أم نحاس أم فضة؟ وهل هو يأكل ويشرب؟!
وممن ورث الدنيا ومن يورثها؟! فأنزل الله تعالى هذه السورة.
﴿قُلْ﴾: الخطاب إلى رسول الله ﷺ وبالتالي إلى أمته؛ أي: قل يا رسول الله ﷺ لمن سألك عن الله ﵎.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر.
стр. 5926
﴿اللَّهُ﴾: الاسم الدال على واجب الوجود الإله الحق، اسم ذات الله يحمل في طيّاته كل صفات الكمال تفرّد به سبحانه وقدّمه على جميع أسمائه.
﴿أَحَدٌ﴾: لا شبيه له ولا نظير ولا مثيل، ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته وأفعاله، وهناك فرق بين (أحد) و (واحد)؛ الواحد: هو الذي لا يتجزأ؛ أي: ليس له ولد، وغير مركب، وأحد أعم في النفي من واحد فهو نفي للجنس؛ أي: لا أحد ولا اثنان ولا ثلاثة ولا أكثر، ولكن حين تقول لا واحد يجوز أن يكون هناك اثنان أو ثلاثة أو أكثر؛ فالله سبحانه أحد وواحد؛ ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) لمزيد من البيان.
سورة الإخلاص [١١٢: ٢]
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾:
الصَّمد: السَّيد الذي يُصمدُ إليه في الحوائج، والسّيد الذي كمل سؤدده كما روي عن ابن عباس؛ أي: تصمد إليه الأمور ويقصد إليه في كل وجميع الحوائج على الدوام، فإن أصل الصمد: القصد، والمستغني عن كل ما سواه، والصّمد الذي لا جوف له؛ أي: لا يأكل ولا يشرب.
سورة الإخلاص [١١٢: ٣]
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾:
﴿لَمْ﴾: حرف نفي يفيد الاستمرار.
﴿يَلِدْ﴾: أي لا ولد له سواء كان ذكراً أو أنثى، فلا المسيح ابن الله ولا العُزير ولا الملائكة بنات الله، سبحانه وتعالى عما يشركون.
﴿وَلَمْ﴾: تكرار لم يفيد توكيد النّفي.
﴿يُولَدْ﴾: أي ليس بمولود فهو الأول والآخر.
стр. 5927
سورة الإخلاص [١١٢: ٤]
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾:
﴿وَلَمْ﴾: حرف نفي يفيد الاستمرار.
﴿يَكُنْ لَهُ كُفُوًا﴾: الكفء: المثل المكافئ؛ أي: لا شبه له ولا مثل لا من وجه واحد ولا من جميع الوجوه، أو لا شبيه له ولا عدل ولا مثيل ولا نظير، ليس كمثله شيء.
ولم يقل ولم يكن له أحداً كفواً، وقدّم كُفُواً على أحد؛ أي: سبق نفي المكافأة المادة عن ذات الباري؛ لأنها من أهم الأمور.
стр. 5928
سورة الفلق [١١٣: ١]
سورة الفلق
ترتيبها في القرآن (١١٣) وترتيبها في النّزول (٢٠).
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾:
﴿قُلْ﴾: الخطاب إلى رسول الله ﷺ وأمته.
﴿أَعُوذُ﴾: أي أستجير وأعتصم أو ألجأ.
﴿بِرَبِّ﴾: الباء للإلصاق والدّوام، ربّ: الخالق المدبّر.
﴿الْفَلَقِ﴾: لها معانٍ متعددة منها:
١ - الصبح.
٢ - الخلق كلُّه.
٣ - كل ما انفلق.
الفلق: الصبح، كما روي عن ابن عباس وغيره؛ أي: فلق الصبح.
والفلق: تعني الخلق كلَّه.
والفلق: ما انفلق، فهو سبحانه فالق الإصباح وفالق الحبّ والنّوى.
والفلق: إحدى طرق التكاثر وخاصة في النباتات والسُّحب وغيرها.
سورة الفلق [١١٣: ٢]
﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾:
﴿مِنْ﴾: بعضية؛ أي: من شرّ بعض ما خلق؛ لأنّ ما خلق بعضه مفيد وبعضه شر، فنحن نستعيذ من القسم الذي يجلب أو يسبّب الشّر والأذى والألم والمكروه والمرض.
стр. 5929
﴿مَا خَلَقَ﴾: من شرّ؛ أي: إنسان متجبّر طاغ أو جانّ أو حيوان أو جرثوم أو فيروس أو حمى أو نبات أو كوارث طبيعية كرعد وبرق ونار وبرد، والرّيح العقيم والمطر الذي يسبب الفيضانات.
ما: تشمل العاقل وغير العاقل، وتشمل كل شيء في الوجود.
خلق: الخلق، التّقدير والإيجاد.
سورة الفلق [١١٣: ٣]
﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾:
﴿وَمِنْ شَرِّ﴾: الواو: حرف عطف، تكرار من شر أربع مرات يمكن أن يفسر على ذكر الخاص بعد ذكر العام، وكذلك للتأكيد على أهمية هذه المختلفة الشرور الأربع والاستعاذة بالرب منها، والشر ضد الخير.
﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾:
﴿غَاسِقٍ﴾: لها معان عدة:
منها: الليل إذا أظلم أو اشتد ظلامه، إذا وقب: إذا دخل في كل شيء حيث تخرج الهوامّ من أماكنها بالليل والحيوانات المفترسة، وينبعث أهل الشّر والسّرقة والزّنى والقتل لممارسة أعمالهم.
ومنها: الغاسق؛ أي: القمر إذا غاب أو دخل في الكسوف.
ومنها: الغاسق البارد شديد البرودة، الضارّ بالإنسان والحيوان والنبات، كقوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧].
بعد أن وصّى بالاستعاذة من شرّ جميع ما خلق، عاد ليؤكّد على ثلاثة أنواع من الشّرور وهي: الغاسق إذا وقب، والسّحر والحسد.
سورة الفلق [١١٣: ٤]
﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِى الْعُقَدِ﴾:
﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾: النّساء السّاحرات اللاتي يقمن بالنّفث: وهو التفل، النّفخ من الفم الذي يخرج معه شيء من الرّيق القليل، فقد كانوا يستعينون
стр. 5930
على أعمال السّحر بنفث أنفاسهم الخبيثة، أو ينفثن في عُقد الخيوط حيث السّواحر كنَّ يعقدن العُقد في الخيوط.
﴿فِى الْعُقَدِ﴾: جمع عُقدة، فالسِّحر قد يؤذي الإنسان ولكن بإذن الله تعالى.
والتّفسير العلمي للعقد: قيل هي العقد الدماغية (التي تتشكل من الخلايا الدّماغية والنورونات المتشابكة المترابطة بإحكام) التي تقدر بالملايين والتي تتأثر بالوساوس والأفكار والعوامل الدّاخلية والخارجية، وسواء كانت نفسية أو عضوية، وتدل على عظمة الخالق وقدرته.
سورة الفلق [١١٣: ٥]
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾:
﴿وَمِنْ﴾: ابتدائية.
﴿شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾: الحسد هو تمنّي زوال النّعمة عن الغير لتحصل له؛ أي: تكون له أو لا تكون.
والحسد: حقيقة واقعة لا يجوز إنكارها وهو من الكبائر.
أي قل: أعوذ بالله من شر السّاحر إذا سحر، وأعوذ بالله من شر الحاسد إذا حسد.
وإذا نظرنا إلى هذه الشّرور الأربعة المذكورة في سورة الفلق، نجدها شروراً خارجية تصيب الإنسان وتؤثر في البدن وسلامة النّفس، ويجب أن نستعيذ بالله من هذ الشرور الأربعة.
وإذا نظرنا إلى سورة الناس التالية لسورة الفلق، نجدها تتحدث عن شر واحد هو شر الشيطان الوسواس الخناس، والوسوسة: أمر داخلي، ويجب أن نستعيذ من هذا الشر العظيم.
стр. 5931
سورة الناس [١١٤: ١]
سورة الناس
ترتيبها في القرآن (١١٤) وترتيبها في النّزول (٢١).
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾:
﴿قُلْ﴾: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وأمته من بعده.
﴿أَعُوذُ﴾: أي أستجير وأعتصم وألجأ.
﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾، ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾:
بربّ: الباء للإلصاق والدّوام، ثلاث صفات لله تعالى من صفات العظمة والكمال، والقدرة والعلم، تشمل الربوبية والألوهية والملكية التي يجب الاستعاذة بها.
وبدأ بالاستعاذة «بربّ الناس»: أي ألجأ وأعتصم بالرّب بالخالق والمربّي والمدبّر والرّزاق، والمحيي والمميت والحفيظ والشّافي والسّلام، فالرّبوبية تستوجب العبادة: عبادة الله وحده وعدم الإشراك به.
بربّ النّاس: اختار أو خص الناس ولم يقل بربّ العالمين، أو رب كل شيء ربّ عالم الملائكة وعالم الإنس، وعالم الجن وعالم الحيوان والنبات والجماد؛ لأنّ ربّ النّاس خاصة؛ لأنهم المتميزون بحمل التكاليف والعبادة والحساب والجزاء كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
стр. 5932
سورة الناس [١١٤: ٢]
﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾:
الحاكم والمالك؛ أي: ألتجأ وأعتصم وأستجير بملك الناس: أي الحاكم والمالك.
﴿النَّاسِ﴾: اسم يشير إلى بني آدم أو البشر. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٠) لمزيد من البيان.
سورة الناس [١١٤: ٣]
﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾:
أي: الإله المعبود الحق: أي ألتجئ وأعتصم بهذا الإله الحق الذي يستحق العبادة وحده.
فحينما يستعيذ بالربوبية والملكية والإلوهية؛ فهو يستعيذ بثلاث: برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر واحد وهو: الوسوسة، بينما في سورة الفلق استعاذ برب الفلق منه أربع شرور؛ فيكون قد أقرّ بنفسه بالوحدانية: وحدانية الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ويكون قد وصل إلى الغاية الكبرى والنّهاية العظمى في التصديق والإيمان، ونلاحظ ذكر كلمة الناس خمس مرات في سورة الناس. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢١) لبيان معنى الناس، ونلاحظ أيضاً أنه لم يأت بواو العطف في أي آية في هذه السورة.
سورة الناس [١١٤: ٤]
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾:
﴿مِنْ﴾: لابتداء الغاية.
﴿شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾: الوسواس: هو الشيطان الذي هو من الجن. شرّ: أذى الشيطان ذي الوساوس، الذي يوسوس؛ أي: له خاصة الوسوسة.
يقال: وسوس إليه الشّيطان: كلّمه كلاماً خفياً، وهو عبارة عن الأفكار
стр. 5933
والخواطر وحديث النّفس والخيالات التي تمرّ أو تعصر بفكر الإنسان، وقد تؤدّي إلى المعصية والابتعاد عن الحق.
﴿الْخَنَّاسِ﴾: اسم فاعل من الفعل الثلاثي خنس؛ أي: توارى واختفى من الخنس وهو الاستخفاء والتّستر؛ أي: الشّيطان المختفي عن الأبصار؛ أي: لا تراه وهو يراك، أو إذا ذكر الله. خنس؛ أي: استتر، أو كف شره؛ فإذا غفل العبد عن ذكر ربه عاد يوسوس إليه.
سورة الناس [١١٤: ٥]
﴿الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ﴾:
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الذّم.
﴿يُوَسْوِسُ﴾: في صدور الناس: في قلوبهم؛ أي: عقولهم، ولم يقل يوسوس إلى صدور النّاس، بل قال: "يوسوس في صدور النّاس"؛ أي: في داخلها.
يوسوس فعل مضارع يفيد التّجدد والتّكرار والاستمرار.
النّاس: من ألفاظ الجموع التي ليس لها مفرد، وكلمة الناس مشتقة من النوس: وهو الحركة، والناس قد يكون من الإنس ومن الجن، وأصله أناس حذفت الهمزة للتخفيف.
ولا يكتفي الشّيطان بالوسوسة بل له أساليب أخرى كما بيّنت الآيات الأخرى منها: التّزيين حيث يزيّن له الشّبهات والمنكرات، ويجعل المعروف منكراً والمنكر معروفاً، ومنها الأزُّ: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] أي: تثيره على فعل المعصية وتهيّجه فلا يفكر إلا بها، فيشتد غليانه لفعلها، ومنها مرحلة النّزغ كأنّ الشّيطان بآلة حادة بحربة ويركضه برجله؛ ليسرع به على ارتكاب المعصية، ثم تأتي مرحلة المسِّ المباشرة بالمعصية.
стр. 5934
سورة الناس [١١٤: ٦]
﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾:
لها معنيان: الأول: يوسوس في صدور الجن والإنس، والمعنى الثاني:
﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾: أي الذي يوسوس: هو شيطان من الجنة؛ أي: من شياطين الجنّ، وكما قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
﴿وَالنَّاسِ﴾: أو هو شيطان من النّاس (الإنس) وهو أشدُّ ضرراً من شيطان الجنّ.
وهل شيطان الإنس قادر على الوسوسة في الصّدور؟
الجواب: لا، ولكنهم يقومون بالوسوسة علانية حين يقومون بالفساد، وحين يزينون للناس الشر والقبيح والمعاصي، ويثيرون الشبهات، ولذلك يجب الاستعاذة من شياطين الإنس والجن.