← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

سورة الزلزلة [٩٩: ١] سورة الزلزلة ترتيبها في القرآن (٩٩) وترتيبها في النّزول (٩٣). ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾: ﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿زُلْزِلَتِ﴾: أصلها زل زل، زل الأولى وزل الثّانية. ﴿زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾: الزّلزلة: زُلْزِلت الأرض؛ أي: الأرض الجديدة وليست الأرض القديمة؛ أي: التي نحيا عليها الآن، هذه الأرض التي ستكون أكبر بكثير من الأرض القديمة وأكبر من السموات والأرض الحاليتين؛ كي تتسع إلى بلايين بلايين البشر من آدم إلى آخر مخلوق، هذه الأرض الجديدة التي ستحوي كل ذرات الأرض القديمة وتحوي بقايانا، وهذه الزلزلة تختلف عن الزلزلة الأولى التي تحدث عند قيام الساعة وانهيار النظام الكوني التي ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ١ - ٢]. والتي تحدث نتيجة تصادم الألواح تحت القارية (تحت البحار) والتي تؤدي إلى البراكين وتسجير البحار وغيرها من الأحداث عند النفخة الأولى. سورة الزلزلة [٩٩: ٢] ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾: أثقالها: أي ما فيها من الموتى؛ أي: الأرض الجديدة أثقالها موتاها.

стр. 5882

سورة الزلزلة [٩٩: ٣] ﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾: ﴿مَا﴾: للاستفهام والتّهويل والتعجّب. ﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ﴾: أي يتساءل الإنسان: ماذا حدث للأرض؟ و (قال) بصيغة الماضي بدلاً من يقول الإنسان بصيغة المستقبل؛ لأنّ الأمر كأنّه حدث وانتهى. سورة الزلزلة [٩٩: ٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: أي: يوم القيامة. ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾: جمع خبر والخبر هو أعم من النبأ. بعد أن يوحي لها خالقها ومدبّرها: حدِّثي أخبارك، وقيل: أخبارها أن تشهد على كلّ عبد أو أمة بما عمل على ظهرها فتقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا. سورة الزلزلة [٩٩: ٥] ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾: ﴿بِأَنَّ﴾: الباء للإلصاق والتّوكيد، أن لزيادة التّوكيد. ﴿أَوْحَى لَهَا﴾: أشار إليها بأن تحدث أخبارها، وكما ذكر في قصة زكريا ﵇: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، أو أذِن لها بأن تحدّث أخبارها؛ أي: تشهد على الناس بما عملوا على ظهرها من خير وشر أو فساد. سورة الزلزلة [٩٩: ٦] ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة أو البعث.

стр. 5883

﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾: يَصُدُرُ: يرجع أو ينصرف الناس من قبورهم إلى أرض المحشر. ﴿أَشْتَاتًا﴾: فرقاً فرقاً؛ أي: جماعات جماعات إلى موقف الحساب. ﴿لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾: أي ما قدّموه من صالح الأعمال أو طالحها وخيرها وشرها في الدنيا؛ ليروا كتب أعمالهم. ومنهم من قال: ليروا أعمالهم: جزاء أعمالهم (الجنة أو النار). سورة الزلزلة [٩٩: ٧] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء عاطفة للتفريع، من: شرطية. ﴿يَعْمَلْ﴾: في الدّنيا. ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾: مثقال ذرة من الخير، ولمعرفة مقدار الذّرّة ارجع إلى سورة النّساء الآية (٤٠) للبيان، الخير: هو العمل أو الشّيء الحسن النّافع، وجاء بصيغة المضارع "يعمل" بدلاً من عمل؛ للدلالة تكرار وتجدد العمل وعلى أهمية ما عملوا وكأنهم يعملونه الآن، وهذا ما يسمى حكاية الحال. ﴿يَرَهُ﴾: يرى جزاءه؛ أي: ثوابه. سورة الزلزلة [٩٩: ٨] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿شَرًّا يَرَهُ﴾: شراً؛ الشر: ضد الخير؛ أي: سوءاً يرى جزاء عمله.

стр. 5884

سورة العاديات [١٠٠: ١] سورة العاديات ترتيبها في القرآن (١٠٠) وترتيبها في النّزول (١٤). ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾: الواو: واو القسم، العاديات: جمع عادية مؤنث العادي اسم فاعل من عدا بمعنى: ركض؛ الخيل التي تخرج مع أصحابها في سبيل الله، هكذا قال ابن عبّاس وعامة المفسرين، من العَدْو: وهو الجري بسرعة. ﴿ضَبْحًا﴾: صوت أنفاس الخيل الذي نسمعه حين تجري مسرعة، والخارج من مناخرها والناتج عن تنفّسها بشدة. سورة العاديات [١٠٠: ٢] ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾: ﴿فَالْمُورِيَاتِ﴾: الفاء عاطفة وتفيد التّرتيب والتّعقيب في الآيات الأربع، الموريات: من أورى: إذا أخرج النّار. ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾: أي الخيل الغازية في سبيل الله وهي تقدح قدحاً بحوافرها فتخرِج الشّرر حين تصدم حوافرها بالحجارة، أو الصخور، والقدح: الضّرب، والقداحة: الآلة المستعملة لإشعال النّار. سورة العاديات [١٠٠: ٣] ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، المغيرات جمع مغيرة؛ أي: الخيل التي تغزو (تغير) على العدوّ وقت الصبّاح، فكانوا إذا أرادوا الغارة سَرَوا ليلاً حين غفلة النّاس ونومهم وباغتوا العدوّ صباحاً والعدوّ على غير استعداد.

стр. 5885

﴿صُبْحًا﴾: وقت دخول الصّباح، طلوع الصّباح، والصّبح أفضل الأوقات للهجوم والقتال والغارة. سورة العاديات [١٠٠: ٤] ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: ﴿فَأَثَرْنَ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، أثرن: هيّجن؛ أي: أثارت الخيل الغازية الغبار بحوافرها في وجه العدوّ فلا يعود يراها. ﴿بِهِ﴾: بالجري. ﴿نَقْعًا﴾: النّقع هو الغبار الدّقيق أو التّراب الحادث من سرعة جري الخيل. سورة العاديات [١٠٠: ٥] ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، وسطن به: فدخلن للقتال وسط جمع العدوّ، به: بالجري. ﴿جَمْعًا﴾: جمع العدوّ. سورة العاديات [١٠٠: ٦] ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾: هذا جواب القسم، والإنسان هنا يعني الكافر. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، واللام في "لكنود" لزيادة التّوكيد. ﴿الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾: لكنود: لكفور كما قال ابن عباس أو لعاصٍ أو قليل الخير أو البخيل: الذي يأكل وحده ويمنع رِفْده؛ أي: يمنع العطاء، وقيل: كنود صيغة مبالغة من: كند النعمة؛ كفر بها أو الجحود بنِعم ربه. وقيل: الكنود من يَعُدَّ المصائب أو يذكرها وينسى النعم ويلوم ربه؛ أي: اللوام، وقيل الأرض الكنود: التي لا تنبت شيئاً، والمعنى يحتمل الكل. سورة العاديات [١٠٠: ٧] ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾: ﴿وَإِنَّهُ﴾: إنه: للتوكيد، والهاء تعود على الإنسان.

стр. 5886

﴿عَلَى ذَلِكَ﴾: على كونه لربّه لكنود. ﴿لَشَهِيدٌ﴾: اللام للتوكيد؛ أي: يشهد على نفسه بالجحد والكفر والعصيان؛ أي: أنه كنود كقوله تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، وروي القولان عن ابن عباس، ومنهم من قال هاء الضمير تعود على الله؛ أي: الله سبحانه على كفر الإنسان أو بخله أو جحده شهيد. سورة العاديات [١٠٠: ٨] ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾: ﴿وَإِنَّهُ﴾: وإنه: الواو: عاطفة، إنه: للتوكيد، والهاء: تعود إلى الإنسان، واللام في "لحب" للتوكيد، وتكرار "إنه" لزيادة التوكيد. ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾: المال. ﴿لَشَدِيدٌ﴾: اللام: للتوكيد، حتّى أنّه يمنع دفع زكاته وصدقته، والدّليل على تسمية المال خيراً قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ١٨٠]. سورة العاديات [١٠٠: ٩] ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى الْقُبُورِ﴾: ﴿أَفَلَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، لا النّافية. ﴿يَعْلَمُ إِذَا﴾: يعلمُ: ذلك الإنسان؛ إذا: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿بُعْثِرَ﴾: أُثير وأُخرج أو أُثيرت فجعل أعلاها أسفلها، وهذا يدل على العنف وشدة الأمر، ليخرج منها البشر للحساب والجزاء، وفي هذا تهديد ووعيد بالبعث والحساب.

стр. 5887

سورة العاديات [١٠٠: ١٠] ﴿وَحُصِّلَ مَا فِى الصُّدُورِ﴾: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِى الصُّدُورِ﴾: الصدور: القلوب؛ ما: أوسع شمولاً من الذي، جمع في الصّحف، والتّحصيل: هو إخراج اللب من القشر، ظهر وبان ما استقر في الصُّدور؛ أي: أبرز أو استخرج ما تسره الصدور؛ أي: ظهر مكتوباً في الصّحائف ما فيها من خير وشر، أو استخرج ما فيها من خير وشر أحقاد وأمراض أو جمع ما في القلوب من خير وشر مما يظن أنّه سرٌّ لا يعلمه أحد. سورة العاديات [١٠٠: ١١] ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: واللام في لخبير للتوكيد. ﴿رَبَّهُمْ بِهِمْ﴾: تقديم بهم للدلالة على الأهمية خاصة. ربهم خالقهم ومدبر أمورهم ومحاسبهم. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة أو يوم الحساب والجزاء. ﴿لَّخَبِيرٌ﴾: اللام: للتوكيد، خبير؛ أي: يعلم بواطن أعمالهم ومن يعلم بواطن الأمور يعلم ظواهرها فلا داعي لذكر ذلك، ويعلم ما كسبت كلّ نفس، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ﴾ [غافر: ١٦].

стр. 5888

سورة القارعة [١٠١: ١] سورة القارعة ترتيبها في القرآن (١٠١) وترتيبها في النّزول (٣٠). ﴿الْقَارِعَةُ﴾: اسم من أسماء يوم القيامة الكثيرة ومنها: يوم القيامة، يوم البعث، يوم الخروج، يوم الفصل، يوم الدين، يوم الخروج، الصاخة، الطامة، الواقعة، الحاقة، الأزفة، وقد عدها الغزالي والقرطبي وقيل: بلغت خمسين اسماً، ويقول القرطبي: وكل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكثرت أسماؤه، والقارعة: شيء مبهم لم يطّلع أو يره أحدٌ. مشتقة من القرع؛ وهو: الضرب بشدة كأن تضرب شيئاً صلباً بشيء أصلب وبشدة فتحدِث صوتاً مزعجاً. وسمي بذلك؛ لما يحدث فيه من الأهوال والتّرويع الذي يهزّ ويقرع كلّ سمع وكلّ قلب. ثم يلحق ذلك بسؤال آخر: ما القارعة. سورة القارعة [١٠١: ٢] ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾: ﴿مَا﴾: للاستفهام والتّهويل والتّعظيم والتّرهيب، والأصل: أن يختصر كلّ ذلك: ما هي القارعة؟ ولكنه سبحانه يُسهب في الاستفهام والسؤال.

стр. 5889

سورة القارعة [١٠١: ٣] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾: ثم سِئل للمرة الثالثة، ولا أحد يجيب. ﴿وَمَا﴾: لتوكيد الاستفهام والتّرهيب والتّهويل والتّعظيم والتّعجيز. ﴿أَدْرَاكَ﴾: من درى: وهو العلم بعد الجهل، العلم بشتى الوسائل أو بأيّ وسيلة، وأدرى حالة خاصة من علم. أي: ما أعلمك وأخبرك ما القارعة، والجواب: لا أحد؛ لأنّها أمر غيبي لا يعلمه إلا الله وحده سبحانه، وتبقى مسألة القارعة مبهمة مهولة عظيمة حتّى يجيب الله سبحانه وحده على ذلك فيقول: "يوم يكون النّاس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش". فقوله: "القارعة" فيها إبهام، "ما القارعة" فيها تهويل وتعظيم وتخويف، "وما أدراك ما القارعة" فيها تعجيز؛ لا أحد يعلم الجواب، فيجيب الله سبحانه، والغاية من الإبهام والتّهويل والتّخويف هو الاستعداد لها والتّحذير منها، "وما أدراك ما القارعة": ولم يقل ما يدريك ما القارعة. ما أدراك: نفي للماضي، وما يدريك نفي في الحال والمستقبل، وقد وردت ما أدراك (١٣) مرة في القرآن، وأمّا ما يدريك وردت ثلاث مرات (ثلاث آيات) وتَبينَ حين يستعمل ما أدراك في الماضي (من خصائص القرآن) ينتهي الأمر أو المسألة بأنّ الله سبحانه يطلع ويخبر رسوله على المعنى فلا يبقى غامضاً ويُعرفُ الجواب، أمّا حين يستعمل وما يدريك (في الحال أو المستقبل) تبقى المسألة أو الأمر غامضاً مبهماً ولا يطلعه الله على الجواب. وقد وردت وما يدريك في ثلاث آيات: الآية الأولى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾.

стр. 5890

الثانية: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾. الثالثة: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾. إذن ما يتعلق بعلم السّاعة أو التّزكية (أمر غيبي) لا يعلمه إلا عالم الغيب والشّهادة وحده، وسوف نعلمه عند قيام الساعة وعند البعث والحساب. سورة القارعة [١٠١: ٤] ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾: يوم القيامة يكون النّاس (الثّقلان الإنس والجن): ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: الفراش المتطاير المنتشر على غير انتظام هنا وهناك، أو يشبه الفراش في الكثرة والانتشار والضّعف. وفي آية أخرى يقول: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، لمعرفة الفرق بين الآيتين ارجع إلى سورة القمر للبيان. سورة القارعة [١٠١: ٥] ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾: في الآية السابقة يكون الناس كالفراش المبثوث، وفي هذه الآية الجبال أيضاً تكون كالعهن المنفوش؛ كل ذلك يدل على هول الموقف وشدته. شبّه الجبال بالعهن: الصّوف الملون (المصبوغ بألوان مختلفة)؛ لأنّ الجبال فيها جُدد بِيض وحمر وغرابيب سود، لها ألوان مختلفة. ﴿الْمَنفُوشِ﴾: المندوف بالمندف في تفرّق أجزائها، وتطايرت بعد أن دكّت ونسفت وكانت كثيباً مهيلاً، ثم أصبحت كالعهن المنفوش بعد أن كانت الرواسي والأوتاد. وقد يحتمل المعنى بالإضافة إلى كونها كالعهن المنفوش: فهي ضعيفة خفيفة ضعف وخفّة الصّوف، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٩) في سورة المعارج

стр. 5891

وهي قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾، ويمكن القول أن الجبال تكون في مرحلة تليها تكون في مرحلة من المراحل كالعهن، ثم مرحلة تليها تكون كالعهن المنفوش المتطاير ذو الألوان. سورة القارعة [١٠١: ٦] ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء استئنافية، أمّا: حرف شرط وتفصيل. ﴿مَنْ﴾: ابتدائية استغراقية، تشمل الذّكر والأنثى، وتشمل المفرد والمثنى والجمع. ﴿ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: أي رجحت موازينه بالحسنات بعد أن توزن أعماله، وموازينه جمع ميزان، ومنهم من قال: لكلّ عمل ميزانٌ يوزن به، مثلاً أفعال القلوب لها ميزان، وأفعال الجوارح لها ميزان، ومنهم من قال: الميزان واحد، وإنما جمع لاختلاف الموزونات أو كثرة الموزون، والله أعلم. والأرجح: أن موازين يوم القيامة ليست ميزاناً واحداً؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وهي موازين حقيقية كما رجّح أكثر المفسرين، ومن المفسرين من فسّر الميزان بالعدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧] أي: أمر بالعدل. سورة القارعة [١٠١: ٧] ﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾: ﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ﴾: العيشة تشمل المسكن والمشرب والمأكل والمتاع وغيرها. ﴿رَّاضِيَةٍ﴾: والسؤال هل العيشة التي ترضى أم هو الراضي؟. راضية تعني: صاحبها راض ومسرور. راضية: لا تزول أو تنقطع، سعادة أبدية خالية من أسباب القلق الذي سببه الموت والزّوال، ارجع إلى سورة الحاقة الآيتين (٢٢ - ٢٣) لمزيد من البيان.

стр. 5892

سورة القارعة [١٠١: ٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾: ﴿وَأَمَّا مَنْ﴾: ارجع إلى الآية (٦). ﴿خَفَّتْ﴾: أي خفّت موازينه؛ أي: رجحت سيئاته على حسناته، (وأمّا من تساوت حسناته وسيئاته، يصبح من أصحاب الأعراف) ولم يذكر ذلك؛ لأنّ أصحاب الأعراف في النّهاية هم من أصحاب العيشة الرّاضية. سورة القارعة [١٠١: ٩] ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾: أمه: ليس معناها أمه التي ولدته وإنما عبّر عن المأوى (النار) بالأم، أو شبّه المأوى بالأم التي يأوي إليها حين كان طفلاً كلّما فزع وخاف، وشبّه المأوى (النار) بالأم؛ لأنها تحيط به وتحضنه، أو كإحاطة رحم الأم بولدها، تشبيه يحمل معنى التقريع. وهاوية: لبُعد عمقها أو مقرّها، هاوية فيها إبهام، غير معروفة، ثمّ يسأل من يعلم أو يعرف ما هي. سورة القارعة [١٠١: ١٠] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾: فيها تفخيم وتهويل وتخويف وتعجيز، ارجع إلى الآية (٢) من السّورة نفسها للبيان، ثمّ يبين ما هي فيقول: نار حامية. سورة القارعة [١٠١: ١١] ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾: بالغة الحرارة. أي: فأمه (مأواه) الهاوية، وما الهاوية (نار حامية).

стр. 5893

سورة التكاثر [١٠٢: ١] سورة التكاثر سورة التّكاثر [الآيات ١ - ٨] ترتيبها في القرآن (١٠٢) وترتيبها في النّزول (١٦). ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾: من اللهو، واللهو: ذهول بقصد وإعراض، وهو أن يترك واجباً أو شيئاً مطلوباً أو مهماً، ويشتغل بشيء غير مهم أو مطلوب، ألهاكم: لها معنى أوّل؛ أي: أشغلكم، وألهاكم التكاثر وأشغلكم أبلغ في الذم من شغلكم، والمعنى الثّاني: كلّ واحد يكاثر الآخر؛ أي: يتفاخر ويباهي الآخر بكثرة جمعه. ﴿التَّكَاثُرُ﴾: لم يحدد ما نوع التكاثر ليشمل كل ما يدخل في أنواع التكاثر مثل: في الأموال والأولاد والمساكن والقصور والزّينة والمراكب، والنّساء والّتجارة والتّشاغل بالمعاش واللهو واللعب وغيرها. ألهاكم التّكاثر: أي حب الدّنيا عن تقوى الله وطلب الآخرة والاستعداد ليوم الرّحيل، وهناك من قرأ "ألهاكم" بهمزتين؛ أي: أَأَلهاكم التّكاثر؟ ومنهم من قرأها بهمزة واحدة "ألهاكم التّكاثر" كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠]. سورة التكاثر [١٠٢: ٢] ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾: أي: ظللتم سادرين في هذا اللهو والغفلة حتّى زرتم المقابر؛ أي: متّم ودفنتم في المقابر.

стр. 5894

﴿حَتَّى﴾: يعني نهاية الغاية. ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾: كأنّ الموت ليس هو النّهاية، وإنما هي مرحلة يأتي بعدها البعث والحساب والجزاء وإمّا إلى الجنة وإمّا إلى النّار، وكأنّ الدّفن في القبور (أو حياة البرزخ) عبارة عن زيارة فقط لن تدوم طويلاً، ترجعون بعدها إلى منازلكم في الجنة أو النّار، أو ألهاكم التّكاثر حتى فوجئتم بالموت وأنتم على تلك الحال من الانشغال. سورة التكاثر [١٠٢: ٣] ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر: أي ليس هذا سلوك العاقل، أو كلا إنّ هذا سلوك معيب، كلا لا تكن الدّنيا أكبر همكم ومبلغ علمكم، أو تعني: حقاً سوف تعلمون عاقبة انشغالكم بالتّكاثر إذا دخلتم مقابركم، وعلمتم خطأكم هذا، أو سوف تعلمون عاقبة أمركم هذا حين الموت والاحتضار ونزع أرواحكم. ﴿سَوْفَ﴾: تدل على الاستقبال والتّراخي في الزمن؛ يعني زمن الموت. سورة التكاثر [١٠٢: ٤] ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: تدل على التّراخي في الزّمن والتّرتيب. ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر أو حقاً، والتكرار للتوكيد والتهويل والتعظيم. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: سوف: تدل على التراخي في الزمن، تعلمون: ذكرت للمرة الثانية. تعلمون: العلم الثّاني سيكون في البرزخ (القبر) أو يوم القيامة، والعلم الأوّل كان زمن الاحتضار كما قلنا سابقاً.

стр. 5895

سوف تعلمون عاقبة عبثكم وانشغالكم في الدّنيا، وما أخبركم به الله سبحانه من وعد ووعيد وثواب وعقاب أنّه الحق. سورة التكاثر [١٠٢: ٥] ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر للمرة الثّالثة. ﴿لَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع. ﴿تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾: علم اليقين: هو العلم الوحيد الذي ليس هناك غيره؛ أي: الحق الثّابت الذي لا يتغير، أو يتبدل والعلم الثّابت القاطع، ولليقين درجات: الأولى علم اليقين، والثّانية عين اليقين، والثّالثة حق اليقين. سورة التكاثر [١٠٢: ٦] ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾: أي لو صدّقتم وآمنتم بما أخبركم الله عن الجحيم في قرآنه وعن طريق رسله، لكنتم كمن رأى الجحيم بأمّ عينيه، وأنتم لا زلتم في الدنيا؛ أي: لترونها قبل الدخول فهذه هي الرؤية الأولى، ولربما منعك ذلك من انشغالكم بالتكاثر، وما أخبركم الله به عن الجحيم يمكن أن يُعدّ كالرؤيا الأولى للجحيم؛ أي: ترون الجحيم وأنتم في الدنيا، والنون في "لترون" للتوكيد. سورة التكاثر [١٠٢: ٧] ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾: هذه هي الرؤية الثانية والتي تسمى رؤية عين اليقين. ثم يوم القيامة (ثم للتراخي في الزمن) واللام في لترونها: للتوكيد؛ أي: لترونها يوم القيامة عين اليقين؛ أي: بأم أعينكم حين تبرز لكم أو ترِدُوها ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. سورة التكاثر [١٠٢: ٨] ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للتباين بين السّؤال عن النّعيم ورؤية الجحيم المروّع.

стр. 5896

﴿لَتُسْئَلُنَّ﴾: اللام والنّون في "تسألن" للتوكيد، والسؤال هنا لماذا نسأل عما أباحه الله تعالى وقال لنا: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وغيرها من الآيات؛ السؤال قد يكون عن الشكر، وعن تأدية الزكاة، والصدقات، والإسراف، والتبذير … وغيرها. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة. مركبة من: يوم أضيف إليه ظرف آخر هو إذ. ﴿عَنِ النَّعِيمِ﴾: من النعمة، والنعمة: تعني نعم الدنيا الظاهرة والباطنة، وهي نعم زائلة، وكلمة النعيم وردت في (١٥) آية معرفة بأل التعريف وكلها تعني نعيم الآخرة؛ أي: الجنة، وفي آية واحدة وردت النعيم التي تعني نعيم الدنيا من مسكن ومطعم ومشرب وملبس وفراغ ومال وجاه؛ أي: لتسألن عن التكاثر الذي ألهاكم، أو عن ذلك النعيم الزائل الذي شغلكم عن ربكم، أو قد تعني نعيم الأخرة نعيم الجنة؛ لأن السياق في الكفار سوف يسألون سؤال تقريع وتأنيب، وفي الآية تهديد ووعيد شديد للكفار.

стр. 5897

سورة العصر [الآيات ١ - ٣] ترتيبها في القرآن (١٠٣) وترتيبها في النزول (١٣). وقيل: هذه السورة القصيرة تمثل دستور حياة المسلم على الأرض، هذا الدستور الحاوي: على أربع مبادئ الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. [١] ﴿وَالْعَصْرِ﴾: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الواو واو القسم، والله سبحانه غني عن القسم، وإذا أقسم الله سبحانه بشيء فيراد بذلك تنبيه الناس إلى أهمية الأمر المقسم به وجواب القسم، يقسم الله بالعصر، العصر: لغة: الدهر أو الزمن، الزمن المطلق أو وقت العصر: ما بين زوال الشمس وغروبها. وقد يعني الكل، لماذا أقسم الله بالعصر؟ قالوا: لأن الدهر شاهد على الإنسان فالله سبحانه خلق الزمان والمكان ليحكم بهما خلقه حتى يبقى سبحانه فوق الزمان والمكان وفوق المادة والطاقة، فالمكان لا يحد الله سبحانه ولا الزمان يحد الله ، والمخلوق لا يحدّ خالقه، فالله هو الذي خلق الزمان والمكان والمادة والطاقة ليحد بهذه الأمور أو الأشياء خلقه ويبقى سبحانه فوق كل ذلك لا يحده زمان ولا مكان، ونحن لا نعلم الزمن الحقيقي أو المطلق

стр. 5898

والله وحده يعلم ذلك، وإنما نعلم الزمن النسبي المقدر، المقدر باليوم والليلة والشهر والسنة والساعة عن طريق الشمس والقمر وما وصل لنا من العلم. [٢] ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾: هذا هو جواب القسم. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، واللام في «لفي» لزيادة التوكيد. ﴿الْإِنسَانَ﴾: اسم جنس يشمل المسلم والكافر والصالح والطالح. ﴿لَفِي﴾: في ظرفية، واللام للتوكيد. ﴿خُسْرٍ﴾: في ضياع دائم أو واقع في الخسر إلا من استثناهم ربهم، ولم يقل لخاسر: يعني في زمن معين أو في تجارة أو عمل معين، لفي خسر: ضياع مطلق قليل أو كثير، أو لفي خسر كل حياته من زمن بلوغه إلى مماته، أي: دائماً في خسر، خسر نكرة؛ للتعظيم ولتشمل كل أنواع الخسر أو الخسارة في الدنيا والآخرة، وأشد أنواع الخسر يكون في الآخرة. [٣] ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، استثناء من الخسر يشمل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: الإيمان هو الشرط الأساسي للنجاة، والإيمان لغة: هو التصديق، وشرعاً: هو اليقين بأركان الإيمان الستة وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره، والإيمان بضع وستون شعبة، ويشمل الإيمان بالغيب بالبعث ويوم القيامة والحساب والجنة والنار والعرض والإيمان لا يكون إلا بما نزل به الوحي فلا يصنع الإنسان إيماناً آخر من صنعه وتفكيره؛ لأن الكون مليء بالغيوب المطلقة التي لا يعلمها إلا الله، فالله

стр. 5899

سبحانه وهب الإنسان إيماناً بالفطرة وأعطاه عقلاً قادراً على الحكمة والتمييز بين الحق والباطل، ثم أرسل رسله إليه وكتبه، وبين له طريق الخير وطريق الشر وتركه يختار أحدهما. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الفرائض والسنن والنوافل وغيرها، والعمل الصالح هو نتيجة الإيمان الصادق وهو شرط لقبول الإيمان، فلا بد من العمل الصالح مع الإيمان، وأن يكون العمل الصالح موافقاً للقرآن والسنة خالصاً لوجه الله تعالى. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: وصى كل الآخر بالحق: وهو الأمر الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل، والحق هو الوحي السماوي الذي لم يتغير أو يتبدل، والحق يحتاج إلى من يدافع عنه سواء كانوا رجالاً أو نساء، ولا يكفي التواصي به ولا بد من الصبر. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: أي: الصبر المطلق يشمل كل أنواع الصبر، يوصي بعضهم بعضاً، أو كل واحد يوصي غيره، والوصية تحمل في طياتها معنى التأكيد والإشفاق والاهتمام وإرادة الخير للموصي له. وقوله: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ولم يقل وتواصوا بالحق وبالصبر؛ كرر تواصوا مرتين، وكرر الباء مرتين ليدل على أعلى درجات الاهتمام والتوصية، ولم يقل أيضاً تواصوا بالحق والصبر.

стр. 5900

سورة الهمزة [١٠٤: ١] سورة الهمزة ترتيبها في القرآن (١٠٤) وترتيبها في النّزول (٣٢). ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾: ﴿وَيْلٌ﴾: وعيد بالعذاب، والويل قد يعني: الهلاك أو وادٍ في جهنم، ويلٌ بالرّفع والتّنوين تدل على جملة اسمية وتدل على الثّبوت، ثبوت العذاب؛ أي: هو عذاب دائم لا ينقطع، وأمّا لو قال: ويلاً بالنّصب، فذلك يدل على جملة فعلية تدل على أنّ العذاب غير دائم ومتجدد ومتكرر. ﴿لِكُلِّ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿هُمَزَةٍ﴾: هو الذي يعيب النّاس أو يطعن في النّاس أو يظهر عيوبهم في أخلاقهم أو وضعهم الاجتماعي في حالة غيابهم، والتاء المربوطة تدل على المبالغة، وأصلها هُمز، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١١) في سورة القلم وهي قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾: نجد هماز هي أيضاً صيغة مبالغة لكثير الهمز، ولكن هناك فرق بين (هماز) و (همزة)؛ هماز: تدل على الفاعل الذي يفعل أو يقوم بالهمز، وهمزة: تدل على ما فعله؛ أي: محصلة فعله، وما ارتكبه يسمى هو الهمزة، وعاقبة ذلك الويل له. ﴿لُمَزَةٍ﴾: هو الذي يعيب أو يطعن فيهم ويظهر عيوبهم في حالة حضورهم،

стр. 5901

يغتاب في الوجه وقد يستعمل الحاجب أو العين أو اليد أو الرأس، وهناك من قال الهمزة: الذي يعيب الناس في غيابهم، واللمزة: الذي يعيب الناس في حضورهم. سورة الهمزة [١٠٤: ٢] ﴿الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾: هذا وصف آخر للهمزة اللمزة. ﴿الَّذِى جَمَعَ مَالًا﴾: سواء كان حلالاً أو حراماً. ﴿وَعَدَّدَهُ﴾: عدّه مرة بعد الأخرى حباً في المال؛ أي: أحصاه وحافظ عليه أو حرص عليه. سورة الهمزة [١٠٤: ٣] ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾: ﴿يَحْسَبُ﴾: من حسب؛ أي: اعتقد؛ أي: ظن ظناً راجحاً أو أقام حسابه على حساب قلبيّ وتجربة ونظر، وهنا تعني: يحسب لجهله وعدم الفقه في الدّين أن ماله أخلده. ﴿أَنَّ﴾: للتوكيد. ﴿مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾: الخلد يعني البقاء والدّوام، يحسب أن ماله يمنعه من الموت أو يُطيل في عمره، أو يعمل عمل من يظن أنه لا يموت ويخلد في الدنيا. سورة الهمزة [١٠٤: ٤] ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِى الْحُطَمَةِ﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر، كلا ليس الأمر كما يحسبه فماله لن يخلده في الدنيا مهما طال أجله، ولن يمنعه من أن ينبذ في الحطمة. ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِى الْحُطَمَةِ﴾: اللام والنّون في كلمة "لينبذن" للتوكيد. لينبذن: من النّبذ وهو الطّرح والقذف مع الكراهية؛ أي: بلا اهتمام؛ أي: ليطرحن بذلٍّ وإهانة وغير اهتمام به.

стр. 5902

﴿فِى الْحُطَمَةِ﴾: (نار الله الموقدة)، وقيل: الحطمة دركة من دركاتها، والحطمة مشتقة من الحطم: وهو الكسر؛ أي: تحطم عظام كل من يُلقى فيها. سورة الهمزة [١٠٤: ٥] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾: ﴿وَمَا﴾: للاستفهام والتّعظيم والتّهويل، وتكرار (ما) للتوكيد. ﴿أَدْرَاكَ﴾: أعلمك، أيّ شيء أخبرك ما الحطمة؟ أي: أنت لا علم لك بعظمتها ومهما تصوّرتها فهي أعظم من ذلك. ارجع إلى سورة القارعة آيتين (٢ - ٣) لبيان معنى وما أدراك وما يدريك. ﴿مَا الْحُطَمَةُ﴾: الحطمة: اسم علم للنار، وهناك من قال: إنها دركة من دركات النار. سورة الهمزة [١٠٤: ٦] ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾: أي: الحطمة نار الله الموقدة المشتعلة، وتسميتها بنار الله للتعظيم والترهيب. ﴿الْمُوقَدَةُ﴾: الشّديدة اللهب أو المستعِرة المتأجّجة، وسماها نار الله وما دام قال: "نار الله" فلا يمكن أن تضاهيها نار أخرى، وفي هذا إنذار ووعيد لكل همزة ولمزة. سورة الهمزة [١٠٤: ٧] ﴿الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾: ﴿تَطَّلِعُ﴾: تبلغ أو تصل الأفئدة؛ أي: التي تعرف كيف تصل إلى القلوب أو تطلعُ عليها؛ أي: تغشاها. ﴿الْأَفْئِدَةِ﴾: القلوب؛ جمع فؤاد وهو جزء من القلب الذي يختص بالذاكرة

стр. 5903

والأحاسيس؛ أي: تحرق كل طبقات الجلد وما تحته حتى تصل إلى القلب ذاته، واختيرت القلوب؛ لأنّها محل العقائد الباطلة والنّوايا والكفر والنفاق والبدع. سورة الهمزة [١٠٤: ٨] ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾: إن: للتوكيد والهاء تعود على "نار الله الموقدة". مطبقة من أصدت الباب؛ أي: أغلقته فلا يستطيعون الخروج منها والنّجاة، وتعني: ليس هناك متسع أو مسافة فوق رؤوسهم أو بين بعضهم بعضاً كأنّها جاءت من أعلى لتطبق عليهم. ﴿عَلَيْهِم﴾: على: تدل على المشقة والصعوبة والدوام. سورة الهمزة [١٠٤: ٩] ﴿فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾: موثقين: أي مربوطين ومشدودين إلى أعمدة في داخل النّار بالسّلاسل والأغلال. ﴿عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾: ارجع إلى سورة البلد، آية (٢٠) لمزيد من البيان.

стр. 5904

سورة الفيل [١٠٥: ١] سورة الفيل ترتيبها في القرآن (١٠٥) وترتيبها في النّزول (١٩). ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير والتّعجب، لم: حرف نفي. ﴿تَرَ﴾: الرّؤية هنا فكرية عقلية؛ لأنّ حادثة الفيل وقعت قبل ميلاد رسول الله ﷺ . ألم تر: تعني: ألم تعلم علم دراية، أو ألم ينتهِ علمك إلى ما فعل ربك سبحانه بأصحاب الفيل، واعلم علماً مؤكّداً أو يقيناً أن ما يخبرك الله تعالى به هو أصدق مما لو رأته عيناك. ﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام والتّحذير والتّعجب. ﴿فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾: هم أبرهة بن الأشرم والي اليمن وجيشه ومعهم (١٣) فيلاً ومن بينها فيلٌ يدعى محموداً وهو أكبر الفيلة، جاؤوا لهدم الكعبة (البيت الحرام). وخلاصة القصة: أنّ أبرهة بن الصّباح الأشرم والي اليمن رأى أن يبني كنيسته في صنعاء وسمّاها القُليس تضاهي البيت الحرام، ويدعو العرب لزيارتها

стр. 5905

بدلاً من الحج إلى مكة؛ قاصداً من وراء ذلك تحويل بعض التّجارة إلى اليمن أو غيرها من النّوايا. ولما قام بذلك وبنى الكنيسة قيل: جاء رجل من قريش ونجسها، وقيل في بعض الرّوايات: أحرقت، فغضب أبرهة وجهّز جيشه وجاء لهدم الكعبة وغزو مكة. ارجع إلى كتب السّيرة لمزيد من البيان وما حدث بين أبرهة وعبد المطلب. سورة الفيل [١٠٥: ٢] ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ﴾: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام التّقريري. ﴿يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾: كيدهم من الكيد: وهو التّدبير الخفي لتخريب وهدم الكعبة، والكيد أقوى من المكر. ارجع إلى سورة يوسف آية (٥) لمزيد من البيان. ﴿فِى تَضْلِيلٍ﴾: في ضياع وخسارة؛ أي: لم يجدِ مكرهم أو كيدهم، أو لم ينفعهم أو يفضِ إلى نتيجة فقد أهلكوا جميعاً. سورة الفيل [١٠٥: ٣] ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾: أبابيل: جماعات جماعات متتابعة بعضها في أثر بعض، أبابيل: اسم جمع لا مفرد له. سورة الفيل [١٠٥: ٤] ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾: تشبه الحجارة التي أمطرت على قوم لوط. ارجع إلى سورة هود آية (٨٢) والحجر آية (٧٤) للبيان.

стр. 5906

سورة الفيل [١٠٥: ٥] ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾: الفاء للمباشرة والتّرتيب؛ أي: جعل أبرهة وجيشه. ﴿كَعَصْفٍ﴾: العصف: قشر حب القمح أو التبن؛ أي: أخذ ما فيه من الحب وبقي القشر. ﴿مَّأْكُولٍ﴾: أي شبّه تقطُّع أوصالهم وتطايرها بالعصف الذي أكلته البهائم. المأكول: الذي وقع فيه الأُكال؛ أي: الأكل، أو فضلات الدواب التي أكلت العصف، ولا يزال يُرى بعضه المأكول في فضلاتها.

стр. 5907

سورة قريش [١٠٦: ١] سورة قريش ترتيبها في القرآن (١٠٦)، ترتيبها في النّزول (٢٩). ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾: من المفسرين من قال: هذه السورة تتمة للسورة السابقة سورة الفيل، فربط بينهما بالقول فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش. ﴿لِإِيلَافِ﴾: اللام لام الاختصاص أو لام التّعليل، إيلاف: مصدر ألِف الشّيء إذا اعتاده وألِفه، والإيلاف: الالتئام والتّجمع والمحبة كقوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: كانت حماية الله للكعبة (البيت الحرام) بجعل أبرهة وجيشه كعصف مأكول تكريماً للبيت الحرام وحرمته، ودوامه، وسبباً لدوام قريش على التآلف والمحبة بين القبائل والتّجمع حول الكعبة، وعدم النّفور والتّفرق، وكذلك سبباً لدوام رحلتي الشّتاء والصّيف اللتين هما مصدر العيش لقريش في هذه الصّحراء، فأبقى الله لهم رحلة الشّتاء إلى اليمن لجلب السلع أو المتاع الواردة من الهند والخليج، ورحلة الصّيف إلى الشّام لجلب أو شراء الحبوب والمواد الزّراعية والغذائية، حيث كانت مكة تعيش على التّجارة وعلى القيام بخدمة البيت الحرام الذي كان مصدر فخرهم ومجدهم، أو قد تعني لإيلاف قريش: من أجل إيلاف قريش لتعبد قريش رب هذا البيت.

стр. 5908

﴿قُرَيْشٍ﴾: مجموعة من القبائل من ولد النضر بن كنانة، وقيل: قريش لقب الجد وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، أو قريش هو النضر بن كنانة، وسمّوا بقريش من التقريش؛ أي: الاكتساب أو التجمع والالتئام. فقد جمعهم قصي بن كلاب في مكة في الحرم بعد تفرّقهم، أو قيل: الاسم مشتق من سمكة القرش، أو شبّهوا بسمكة القرش الخطيرة فكانوا يعلون ولا يُعلى عليهم. سورة قريش [١٠٦: ٢] ﴿إِلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾: ﴿إِلَافِهِمْ﴾: توكيد الإيلاف ـ وقدّم إيلافهم تذكيراً بالنّعمة ـ وقد تكون إيلاف الأولى للبقاء على الألفة والمحبة والتّجمع حول الكعبة في وادٍ غير ذي زرع. وأمّا الإيلاف الثّانية فهي البقاء والعكوف على ممارسة رحلتي الشّتاء والصّيف وجلب الأرزاق لهذه المنطقة، وجعل أفئدة النّاس تهوي إليهم. سورة قريش [١٠٦: ٣] ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾: الفاء للتوكيد، واللام لزيادة التّوكيد أو الأمر أو للتعليل. أي: أهلك الله أبرهة وجيشه وفعل ما فعل بإرسال طير الأبابيل للمحافظة على ائتلاف قبائل قريش وبقائها مجتمعة حول الكعبة البيت الحرام، وخدمة الحجيج وتولّي سدنة الكعبة وسقاية الحاج، والمحافظة على رحلتي الشّتاء والصّيف مصدر الرّزق الوحيد (أي التّجارة) لقريش. فهاتان النّعمتان: نعمة الائتلاف ونعمة الرّحلتين (الرّزق) وغيرها من النّعم مثل الأمن وعدم الخوف وعدم الجوع كلٌّ منها يوجب أو يستحق عبادة الله تعالى.

стр. 5909

سورة قريش [١٠٦: ٤] ﴿الَّذِى أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِّنْ خَوْفٍ﴾: ﴿الَّذِى﴾: يفيد التّعظيم، تعود إلى "رب هذا البيت". ﴿أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ﴾: أي كانوا جائعين فأطعمهم، والجوع: هو الشعور أو الإحساس الناجم عن خلو المعدة من الطعام. ﴿وَآمَنَهُمْ مِّنْ خَوْفٍ﴾: من ابتدائية، خوف نكرة تشمل كل أنواع الخوف، فأزال عنهم كل أنواع الخوف، وكما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقدّم الجوع على الخوف؛ لأنّ الجوع الشّديد قد يؤدي إلى السّرقة والقتل أحياناً، وبالتّالي انتشار الخوف وعدم الأمن. وقد يكون المعنى: أطعمهم من جوع وآمنهم من خوفٍ؛ أي: من أجل البيت الحرام. ومنهم من قال: هي استجابة لدعوة إبراهيم ﵇ حين دعا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦].

стр. 5910

سورة الماعون [١٠٧: ١] سورة الماعون ترتيبها في القرآن (١٠٧) وترتيبها في النّزول (١٧). ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾: ﴿أَرَءَيْتَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير والتّعجب والتّشويق، رأيت: الرّؤية هنا رؤية بصرية أو فكرية بمعنى العلم. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول للمفرد المذكر (للعاقل الحقيقي وغيره)، وقيل: الآية نزلت في الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل أو أبي جهل أو غيرهم، والمهم عموم اللفظ وليس خصوص السّبب. ﴿يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾: يكذب: لا يصدّق ويجحد، بالدين: الباء للإلصاق والدّوام، بالدّين: بالحساب والجزاء، أو الدّين الذي جاء به رسول الله (دين الإسلام) والآخرة والبعث، ثم ذكر صفات الذي يكذّب بالدّين فقال: سورة الماعون [١٠٧: ٢] ﴿فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾: ﴿فَذَلِكَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط المقدّر هو: إن سألت عن الذي يكذّب بالدّين، فذلك: اسم إشارة واللام للبعد، ويفيد الذّم. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الذّم.

стр. 5911

﴿يَدُعُّ﴾: الدّع: هو الدّفع الشّديد، أو يدفع اليتيم عن حقه وماله، أو يظلمه أو يأكل ماله أو يمنعه من ميراثه. ﴿الْيَتِيمَ﴾: من فقد أباه قبل سن البلوغ. سورة الماعون [١٠٧: ٣] ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: ﴿وَلَا﴾: النّافية. ﴿يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: ولا يطعم المسكين أو الفقير أو لا يتصدّق عليهم، ولا يحثّ غيره من أولي السَّعة على إطعام المسكين أو الإنفاق على المسكين. سورة الماعون [١٠٧: ٤] ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾: أي: المنافقين، وقيل: إن هذه الآيات نزلت في المنافقين بالمدينة. ﴿فَوَيْلٌ﴾: الفاء للتوكيد، ويل: العذاب أو الهلاك، أو وعيد بالعذاب أو الخزي أو الفضيحة. ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾: اللام لام الاختصاص أو الاستحقاق. المصلين: قيل المنافقين الذين يصلون أمام الناس ولا يصلون في الغيب، أو التاركون للصلاة عمداً، أو يؤخروها عمداً. سورة الماعون [١٠٧: ٥] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذّم. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد. ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: "عن" تفيد المباعدة والمجاوزة؛ أي: لا يصلّون أبداً (تاركو الصلاة عمداً).

стр. 5912

ولم يقل في صلاتهم ساهون؛ لأنّ ما منّا إلا يسهو في صلاته بغير عمد أو قصد، وهذا يمكن أن يتجاوز عنه بالاستغفار والتوبة. ومن المفسرين من قال: لا تعني تركها كاملاً وإلا لكانوا كفاراً، ولم يصِفهم بالمصلين، وقد تعني المنافقين، الذين لا يحافظون على صلاتهم ويراءون الناس، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وقد تضمّ من يؤخّرونها عن أوقاتها عمداً، والآية تحمل في معناها شدة التحذير والإنذار والوعيد من ترك الصلاة مهما كان السبب. سورة الماعون [١٠٧: ٦] ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾: ﴿هُمْ يُرَاءُونَ﴾: للتوكيد. ﴿يُرَاءُونَ﴾: من المراءاة: هي فعل العبادة لغير وجه الله أو مرضاته، وإنما للشهرة أو السمعة ومرضاة النّاس. سورة الماعون [١٠٧: ٧] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾: ﴿وَيَمْنَعُونَ﴾: بالزجر أو الحثّ أو التحريض أو الوصية كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]. ﴿الْمَاعُونَ﴾: اسم للحاجة ينتفع بها في البيت ولو كانت قليلة القيمة، أو تعني عدم مساعدة الآخرين المحتاجين. مشتقة من المَعْن: وهو الشيء القليل. وقيل: الماعون: الزكاة أو الصدقة. أو لا يساعدون الفقير أو المحتاج بسبب الشحِّ والبخل.

стр. 5913

سورة الكوثر [١٠٨: ١] سورة الكوثر ترتيبها في القرآن (١٠٨) ترتيبها في النّزول (١٥). ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾: ولم يقل آتيناك؛ العطاء فيه تملّك، والإيتاء عطاء ليس فيه تملك؛ أي: يمكن استرداده متى شاء، والإيتاء أعمّ من العطاء يشمل الأمور المادية والمعنوية، ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) للبيان. ﴿الْكَوْثَرَ﴾: نهر من أنهار الجنة أعطاه الله سبحانه لرسوله ﷺ كما روى البخاري ومسلم، وقيل: الكوثر الخير الكثير مثل النّبوة والعلم والحكمة وغيرها وقد تعني الكل. سورة الكوثر [١٠٨: ٢] ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾: ﴿فَصَلِّ﴾: الفاء للتوكيد. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾: الصّلوات المفروضة والنّوافل، واللام: لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿وَانْحَرْ﴾: اذبح يوم النّحر كما قال ابن عباس، ومن العلماء من استدل من هذه الآية على وجوب تقديم صلاة العيد على النّحر.

стр. 5914

سورة الكوثر [١٠٨: ٣] ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾: العداوة لها درجات: تبدأ بالبغض ثم القِلى ثم الشَّنآن ثم المقت. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿شَانِئَكَ﴾: من الشنآن: وهو البغض الشديد والتجنب؛ الشّانئ المبغض أو العدوّ. ﴿هُوَ﴾: تفيد التّوكيد. ﴿الْأَبْتَرُ﴾: قد تعني: الذي لا ولد له من الرّجال، أو المنقطع ذكره عن الخير. وكما قال ابن عباس: إنّ العاص بن وائل السّهمي وصف رسول الله ﷺ بالأبتر بعد أن توفي عبد الله ابن رسول الله ﷺ وكانوا يسمّون من ليس له ابن أبتراً، فأنزل الله هذه الآية ردّاً على العاص بأنّه هو الأبتر وليس رسول الله ﷺ . وقيل: ليس العاص بن وائل وإنما أبو جهل وأبو لهب، أو عقبة بن أبي معيط، والمهم عموم اللفظ وليس خصوص السبب.

стр. 5915

سورة الكافرون [١٠٩: ١] سورة الكافرون وتسمى سورة الإخلاص الثّانية وقل هو الله أحد سورة الإخلاص الأولى. ترتيبها في القرآن (١٠٩) ترتيبها في النّزول (١٨). ومما يلفت الانتباه أنّ الزّمن الفاصل بينها وبين سورة النّصر التي تليها ما يزيد عن (١٥ عاماً). رغم أن سورة النصر تلي سورة الكافرون في القرآن. ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾: أسباب النّزول: كما ذكر الواحديّ: أنّها نزلت في رهط من قريش قالوا: يا محمّد، هلمَّ اتّبع ديننا ونتّبع دينك، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيراً مما في أيدينا، قد شركناك فيه وأخذنا بحظّنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما في يدك تكون قد شاركت في أمرنا وأخذت بحظّك. فقال: معاذ الله أن أشرك به! فأنزل الله تعالى هذه السّورة. فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام وفيه ملأ من قريش، فقرأها عليهم فيئسوا منه عند ذلك. ﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ ، يا: أداة نداء للبعد. ﴿يَاأَيُّهَا﴾: الهاء للتنبيه.

стр. 5916

﴿الْكَافِرُونَ﴾: ولم يقل الذين كفروا، والكافرون: جملة اسمية تدل على أنّ صفة الكفر ثابتة فيهم، ولو قال الذين كفروا: جملة فعلية تدل على التّجدد والتّكرار. الخطاب للكافرين عامة في كل زمان ومكان. سورة الكافرون [١٠٩: ٢] ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾: ﴿لَا﴾: النّافية للجنس تنفي كل الأزمنة الماضي والحال أو الحاضر والمستقبل، و"لا" أوسع نفياً من "لن". ﴿أَعْبُدُ﴾: والعبادة تشمل كل قول وفعل ولا تكون إلا لله وحده، وتعني: الخضوع والطاعة فيما أمر به ونهى عنه، أعبد: فعل مضارع يدل على التّجدد والتّكرار؛ أي: لا أعبد أيَّ صنم أو وثن أو ملك. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) لمزيد من البيان. ﴿مَا﴾: للعاقل وغير العاقل، أو مصدرية؛ أي: لا أعبد ما تعبدون. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل مضارع يدل على التّجدد والتّكرار. وإذا نظرنا إلى الآية (٤) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾ فهي جملة اسمية تدل على الثّبوت. فإذا جمعنا الآية الثّانية (الجملة الفعلية)، والآية الرّابعة (الجملة الاسمية) فيكون الرّسول ﷺ نفى عن نفسه عبادة ما يعبدون من دون الله بشكل متجدد ومتكرر، وبالشّكل الدّائم؛ أي: لا هذا ولا ذاك؛ أي: نفي لكل الأزمنة. انتبه إلى تكرار "لا" في أربع آيات؛ يفيد توكيد النّفي نفي العبادة.

стр. 5917

سورة الكافرون [١٠٩: ٣] ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا النافية؛ أي: أنتم في الحال لستم عابدين ما أعبد؛ أي: الله . ﴿مَا أَعْبُدُ﴾: بمعنى ولا أنتم عابدون الذي أعبد، وهو الله سبحانه. سورة الكافرون [١٠٩: ٤] ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ﴾: الواو عاطفة، لا: النافية لكل الأزمنة؛ أي: ما كنت في الماضي ولا في الحال ولا في المستقبل عابداً آلهتكم أو ما تعبدون. هذه الآية توكيد للآية: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وكما قلنا: تعتبر جملة اسمية جاءت لتدل على ثبوت نفي العبادة في كل الأوقات: نفي العبادة الدّائم أو المتقطع (المتجدد والمتكرر). سورة الكافرون [١٠٩: ٥] ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾: هذه الآية تكرار للآية (٣). وجاءت في الآيتين بصيغة الجملة الاسمية؛ لتدل على الثّبوت والتّوكيد على عبادة مشركي قريش للأصنام والأوثان، وأنهم لا يعبدون الله وحده. سورة الكافرون [١٠٩: ٦] ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾: ﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، والكاف للخطاب (يخاطب مشركي قريش). ﴿دِينُكُمْ﴾: سمّى ما يعبدون من دون الله ديناً؛ توبيخاً أو تهكّماً حيث كانوا يزعمون أنّهم على دين آبائهم أو يقلدون آباءهم، وهم ليس لهم دين. ﴿وَلِىَ﴾: اللام لام الاختصاص، لي: المتكلم رسول الله ﷺ .

стр. 5918

﴿دِينِ﴾: هو دين الإسلام، دين التّوحيد وليس هناك إلا دين واحد منذ خلق الله الأرض هو دين الإسلام فقط، أما اليهودية والنّصرانية فهي ديانات أو شرائع، والإسلام للناس كافة وللمسلمين خاصة. ارجع إلى سورة البقرة الآية (١٣٢) لمزيد من البيان في معنى الدين. ولا تعني هذه الآية الإذن لهم بالشّرك أو الكفر، بل تعني الوعيد والتّهديد. وأمّا تقديم "لكم دينكم" على "ولي دين" راجع لكونهم أكثر عدداً؛ أي: تقديم الأكثر على الأقل. وحذف الياء من دين ولم يقل من ديني؛ أي: ديني ودين غيري من المسلمين؛ أي: دين ليس خاص به، ودين مستمر إلى يوم القيامة مقارنة بقوله تعالى في سورة يونس آية (١٠٤) ﴿إن كنتم في شك من ديني﴾ فهذا رد على الكافرين أو الشاكين في دين الله في ذلك الزمن وأنهى أمرهم.

стр. 5919

سورة النصر [١١٠: ١] سورة النصر ترتيبها في القرآن (١١٠) وترتيبها في النّزول (١١٤) وسميت سورة التّوديع. معرفة زمن نزول هذه السّورة مهم فقد قيل: إنّها نزلت سنة عشر للهجرة، وروي أن رسول الله ﷺ عاش ﷺ بعدها (٧٠ يوماً) وقيل: نزلت في حجة الوداع وعاش بعدها النّبي ﷺ (٨٠ يوماً) وعندما سمعها رسول الله ﷺ قال ﷺ : نُعيت إليّ نفسي. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾: ﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تدل على حتمية الحدوث. ﴿جَاءَ﴾: ولم يقل أتى؛ لأن المجيء أكثر صعوبة ومشقة من الإتيان؛ لأنّ نصر الله والفتح يرافقهما صعوبة ومشقة. ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾: النصر يعني الغلبة المادية أو الغلبة العسكرية الحربية باستعمال القوة والسّلاح، والتحام الفريقين، والنّصر أعم وأشمل يتضمن معنى الفتح. ﴿وَالْفَتْحُ﴾: يتم بدون قتال أو قوة، يحصل بالصلح وبالمفاوضات والبرهان والحجة كما حصل في فتح مكة. إذن هناك فرق بين النصر والفتح.

стр. 5920

وهناك فرق بين النجاة والفوز؛ الفوز يعني: الخلاص من المكروه أو الشدة والوصول إلى الغاية أو المطلوب، فالفوز: النّجاة + الوصول إلى الغاية. وأما النّجاة: هي الخلاص من المكروه أو الشدة فقط بدون الوصول إلى الغاية. سورة النصر [١١٠: ٢] ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾: المخاطب هو رسول الله ﷺ وغيره من المؤمنين. رأيت الناس: رؤية بصرية وفكرية (علمت). ﴿يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ﴾: يدخلون بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدد والتّكرار واستمرار دخول النّاس في هذا الدّين إلى يوم القيامة. ﴿فِى دِينِ اللَّهِ﴾: وهو الإسلام دين الحق. ارجع إلى سورة البقرة الآية (١٣٢) لمزيد من البيان في معنى دين الله. ﴿أَفْوَاجًا﴾: جماعات جماعات، ودخول النّاس في دين الإسلام أفواجاً أفواجاً يدل على أنّك بلّغت الرّسالة ومهمّتك قد تحقّقت، وتقديم: "في دين الله" على: "أفواجاً" للاهتمام. سورة النصر [١١٠: ٣] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾: ﴿فَسَبِّحْ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، سبّح: من التّسبيح: وهو تنزيه الله عن كل شريك وولد وعيب ونقص، تنزيه الذّات والصّفات والأسماء. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١) والتّسبيح سببه: تعجباً لدخول النّاس أفواجاً في دين الله، فحين ترى أمراً عجيباً من المفروض أن تسبِّح.
следующие страницы →