Полный текст (164 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
غاية الوصول في شرح لب الأصول
لشيخ الإسلام زكريا الأنصارى
الكتاب شرح لمختصرالمؤلف المسمى بـ (لب الأصول) الذي اختصر فيه جمع الجوامع
стр. 2
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أظهر بدائع مصنوعاته على أحسن نظام، وخص من بينها من شاء بمزيد الطول والإنعام، ووفقه وهداه إلى دين الإسلام، وأرشده إلى طريق معرفة الاستنباط لقواعد الأحكام، لمباشرة الحلال وتجنب الحرام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المفضل على جميع الأنام، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الغرّ الكرام.
وبعد، فهذا شرح لمختصري المسمى بـ (لب الأصول) الذي اختصرت فيه جمع الجوامع يبين حقائقه، ويوضح دقائقه، ويذلل من اللفظ صعابه، ويكشف عن وجه المعاني نقابه، سالكا فيه غالبا عبارة شيخنا العلامة، المحقق الفهامة الجلال المحلي لسلاستها وحسن تأليفها، وروما لحصول بركة مؤلفها، وسميته «غاية الوصول إلى شرح لب الأصول» . والله أسأل أن ينفع به وهو حسبي ونعم الوكيل.
(بسم الله الرحمن الرحيم) أي أؤلف أو أبتدىء تأليفي، والباء للمصاحبة ليكون ابتداء التأليف مصاحبا لاسم الله تعالى المتبرّك بذكره، وقيل للاستعانة نحو كتبت بالقلم، والاسم من السموّ وهو العلوّ. وقيل من الوسم وهو العلامة، والله علم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع الصفات الجميلة، والرحمن الرحيم صفتان بنيتا للمبالغة من رحم، والرحمن أبلغ من الرحيم، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطع وقطع.
(الحمد لله الذي وفقنا) أي خلق فينا قدرة. (للوصول إلى معرفة الأصول) فيه براعة الاستهلال، والحمد لغة الثناء باللسان على الجميل
стр. 3
الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم، وعرفا فعل ينبىء عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الحامد أو غيره، وابتدأت بالبسملة والحمدلة اقتداء بالكتاب العزيز وعملاً بخبر أبي داود وغيره «كُلُّ أمرٍ ذي بَالٍ لاَ يبدأ فيه ببسْمِ الله الرَّحمن الرَّحيم» وفي رواية «بالحمد لله فَهُو أجْذَمُ» أي مقطوع البركة، وقدَّمت البسملة عملاً بالكتاب والإجماع، والحمد مختص بالله، كما أفادته الجملة سواء جعلت أل فيه للاستغراق أم للجنس أم للعهد، كما بينت ذلك في شرح البهجة وغيره. (ويسَّر لنا سلوك) أي دخول. (مناهج) جمع منهج أي طرق حسنة. (بـ) سبب (قوّة أودعها في العقول) جمع عقل وهو غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات، وقد بسطت الكلام عليه في شرح لآداب البحث. (والصلاة) وهي من الله رحمة ومن الملائكة استغفار، ومن الآدمي تضرّع ودعاء. (والسلام) بمعنى التسليم. (على محمد) نبينا، ومحمد علم منقول من اسم مفعول المضعف تسمَّى به نبينا بإلهام من الله تعالى تفاؤلاً بأنه يكثر حمد الخلق له لكثرة صفاته الجميلة. (وآله) هم مؤمنوا بني هاشم وبني المطلب. (وصحبه) هو عند سيبويه إسم جمع لصحابة بمعنى الصحابي، وهو كما سيأتي من اجتمع مؤمنا بنبينا ﷺ ، وعطف الصحب على الآل الشامل لبعضهم لتشمل الصلاة والسلام باقيهم، وجملتا الحمد والصلاة والسلام على من ذكر خبريتان لفظا إنشائيتان معنى، إذ القصد بالأولى الثناء على الله بأنه مالك لجميع الحمد من الخلق، وبالثانية إيجاد الصلاة والسلام لا الاعلام بذلك، وإن كان هو القصد بهما في الأصل. (الفائزين) أي الناجين والظافرين (من الله) متعلق بقولي (بالقبول) قدّم عليه هنا وفيما يأتي رعاية للسجع، ويجوز تعلقه بما قبله.
(وبعد) يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، وأصلها أما بعد بدليل لزوم الفاء في حيزها غالبا لتضمن أما معنى الشرط والأصل مهما يكن من شيء بعد البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على من ذكر. (فهذا) المؤلف الحاضر ذهنا (مختصر) من الاختصار، وهو تقليل اللفظ وتكثير المعنى. (في الأصلين) عبر به دون الأصولين أي أصول الفقه وأصول الدين، إيثارا للتخفيف والاختصار. (وما معهما) من المقدمات والتقليد وآداب الفتيا وخاتمة التصوّف. (احتضرت فيه جمع الجوامع للعلامة) شيخ الإسلام عبد الوهاب. (التاج)
стр. 4
ابن الإمام شيخ الإسلام تقي الدين. (السبكي ﵀ وتغمده بغفرانه، وكساه حُلِي رضوانه. (وأبدلت منه) أي من جمع الجوامع. (غير المعتمد والواضح بهما) أي بالمعتمد والواضح. (مع زيادات حسنة) ستقف عليها إن شاء الله تعالى. (ونبهت على خلاف المعتزلة) ولو مع غيرهم. (بعندنا و) على خلاف (غيرهم) وحده. (بالأصح غالبا) فيهما. (وسميته لب الأصول راجيا) أي مؤملاً. (من الله) تعالى. (القبول وأسأله النفع به) لمؤلفه وقارئه ومستمعه وسائر المؤمنين. (فإنه خير مأمول) أي مرجوّ. (وينحصر مقصوده) أي لب الأصول. (في مقدمات) بكسر الدال كمقدمة الجيش من قدم اللازم بمعنى تقدم، وبفتحها على قلة كمقدمة الرجل في لغة من قدم المتعدي أي في أمور متقدمة أو مقدمة على المقصود بالذات للانتفاع بها فيه مع توقفه على بعضها، كتعريف الحكم وأقسامه، إذ يثبتها الأصولي تارة وينفيها أخرى كما سيجيء. (وسبعة كتب) في المقصود بالذات، خمسة في مباحث أدلة الفقه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال. والسادس في التعادل والتراجيح. والسابع في الاجتهاد، وما يتبعه من التقليد وأدب الفتيا وما ضم إليه من علم الكلام المفتتح بمسألة التقليد في أصول الدين المختتم بما يناسبه من خاتمة التصوف، وهذا الحصر من حصر الكلي جزائه لا الكلي في جزئياته.
المقدمات
أي مبحثها. افتتحهتا كالأصل بتعريف أصول الفقه ليتصوّره طالبه بما يضبط مسائله الكثيرة، ليكون على بصيرة في تطلبها، إذ لو تطلبها قبل بطلها لم يأمن فوات ما يرجيه وصرف الهمة إلى ما لا يعنيه فقلت (أصول الفقه) أي الفنّ المسمى بهذا اللقب المشعر بمدحه بابتغاء الفقه عليه، إذ الأصل ما يبنى عليه غيره. (أدلة الفقه الإجمالية) أي غير المعينة كمطلق الأمر والإجماع من حيث إنه يبحث عن أوّلهما، بأنه الوجوب حقيقة، وعن ثانيهما بأنه حجة. (وطرق استفادة جزئياتها) التي هي أدلة الفقه التفصيلية المستفاد هو منها، والمراد بالطرق المرجحات الآتي أكثرها في الكتاب السادس. (وحال مستفيدها) أي وصفات مستفيد جزئيات أدلة الفقه الإجمالية، وهو المجتهد لأنه الذي يستفيدها بالمرجحات عند تعارضها دون المقلد، والمراد بصفاته شرائطه الآتية في الكتاب السابع،
стр. 5
ويعبر عنها بشروط الاجتهاد، وخرج بأدلة الفقه غير الأدلة كالفقه، وأدلة غير الفقه كأدلة الكلام وبعض أدلة الفقه وبالإجمالية التفصيلية وإن لم يتغاير إلا بالاعتبار كأقيموا الصلاة ولا تقربوا الزنا، وصلاته ﷺ في الكعبة، فليست أصول الفقه، وإنما يذكر بعضها في كتبه للتمثيل.
(وقيل) أصول الفقه (معرفتها) أي عرفة أدلة الفقه وما عطف عليها، ورجح الأول لأن الأدلة وما عطف عليها إذا لم تعرف لم تخرج عن كونها أصولاً، والأصل قال أصول الفقه دلائل الفقه الإجمالية، وقيل معرفتها، ثم قال والأصولي العارف بها وبطرق استفادتها ومستفيدها مخالفا في ذلك الأصوليين باعترافه، وقرره في منع الموانع بما لا يشفي، وقرره شيخنا العلامة الجلال المحلي بما لا مزيد عليه، واستبعده أيضا شيخه العلامة الشمس البرماوي، وقال لا يعرف في المنسوب زيادة قيد من حيث النسبة على المنسوب إليه، وعدلت عن قوله دلائل إلى قولي أدلة، لأن الموجود هنا جمع قلة لا جمع كثرة، ولما قيل إن فعائل لم يأت جمعا لإسم جنس بوزن فعيل، وإن ردّ بأنه أتى نادرا كوصائد جمع وصيد.
واعلم أن لكل علم مبادىء وموضوعا ومسائل، فمبادئه ما يتوقف عليه المقصود بالذات من تعريفه وتعريف أقسامه، وفائدته وهي هنا العلم بأحكام لله وما يستمد منه، وهو هنا علم الكلام والعربية والأحكام أي تصوّرها. وموضوعه أي ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية كأدلة الفقه هنا. ومسائله ما يطلب نسبة محموله إلى موضوعه في ذلك العلم، كعلمنا هنا بأن الأمر للوجوب حقيقة والنهي للتحريم كذلك.
(والفقه علم بحكم) أي نسبة تامة، فالعلم بها تصديق بتعلقها لا تصوّرها، لأنه من مبادىء أصول الفقه، ولا تصديق بثبوتها لأنه من علم الكلام. (شرعي) أي مأخوذ من الشرع المبعوث به النبي الكريم. (عملي) أي متعلق بكيفية عمل قلبي أو غيره، كالعلم بوجوب النية في الوضوء وبندب الوتر. (مكتسب) ذلك العلم لمكتسبه. (من دليل تفصيلي) للحكم. فالعلم كالجنس، وخرج بالحكم العلم بالذات والصفة والفعل كتصوّر الإنسان والبياض والقيام، وبالشرعي العلم بالحكم العقلي والحسي واللغوي والوضعي، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن النار محرقة، وأن النور الضياء، وأن الفاعل
стр. 6
مرفوع، وبالعملي العلم بالحكم الشرعي العلمي أي الاعتقادي، كالعلم في أصول الفقه بأن الإجماع حجة، والعلم في أصول الدين بأن الله واحد، وبالمكتسب علم الله وجبريل بما ذكر، وكذا علم النبي به الحاصل بوحي، وعلمنا به بالضرورة بأن علم من الدين بالضرورة كإيجاب الصلاة والزكاة والحج وتحريم الزنا والسرقة، وبالدليل التفصيلي العلم بذلك للمقلد، فإنه من المجتهد بواسطة دليل إجمالي، وهو أن هذا الحكم أفتاه به المفتي، وكل ما أفتاه به المفتي، فهو حكم الله في حقه فعلمه مثلاً بوجوب النية في الوضوء كذلك ليس من الفقه، وعبروا عن الفقه هنا بالعلم وإن كان لظنية أدلته ظنا كما عبروا به في كتاب الاجتهاد، لأنه ظن المجتهد الذي هو لقوّته قريب من العلم، ونكرت العلم والحكم وأفردتهما تبعا للعلامة البرماوي، لأن التحديد إنما هو للماهية من غير اعتبار كمية أفرادها، ولأن في تعبيري بحكم لا بالأحكام الذي عبر به الأصل كغيره سلامة من ورود أن العلم بجميع الأحكام ينافي قول كل من أكابر الفقهاء في مسائل سئلوا عنها لا أدري، وإن أجيب عنه بأنهم متهيئون للعلم بأحكامها بمعاودة النظر وإطلاق العلم على مثل هذا التهيوء شائع عرفا. يقال فلان يعلم النحو ولا يراد أن جميع مسائله حاضرة عنده مفصلة، بل إنه متهيىء لذلك.
(والحكم خطاب الله) تعالى أي كلامه النفسي الأزلي المسمى في الأزل خطابا على الأصح كما سيأتي. (المتعلق) إما (بفعل المكلف) أي البالغ العاقل الذي لم يمتنع تكليفه تعلقا معنويا قبل وجوده أو بعد وجوده قبل البعثة، وتنجيزيا بعد وجوده بعد البعثة، إذ لا حكم قبلها كما سيأتي ذلك. (اقتضاء) أي طلبا للفعل وجوبا أو ندبا أو حرمة أو كراهة أو خلاف الأولى. (أو تخييرا) بين الفعل وتركه أي إباحة فيشمل ذلك الفعل القلبي الاعتقادي وغيره. والقولي وغيره والكف والمكلف الواحد كالنبي ﷺ في خصائصه، والأكثر من الواحد، (و) إما (بأعم) من فعل المكلف (وضعا وهو) الخطاب (الوارد) بكون الشيء (سببا وشرطا ومانعا وصحيحا وفاسدا) وسيأتي بيانها، فيشمل ذلك فعل المكلف كالزنا سببا لوجوب الحد، وغير فعله كالزوال
стр. 7
سببا لوجوب الظهر، وإتلاف غير المكلف كالسكران سببا لوجوب الضمان، وخطاب كالجنس وخرج بإضافته إلى الله خطاب غيره، وإنما وجبت طاعة الرسول والسيد مثلاً بإيجاب الله تعالى أياها، وبفعل المكلف خطاب الله تعالى المتعلق بذاته وصفاته وذوات المكلفين والجمادات، كمدلول الله لا إله إلا هو خالق كل شيء ولقد خلقناكم ويوم نسير الجبال، وبالاقتضاء والتخيير والوضع مدلول وما تعملون من قوله ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ فإنه متعلق بفعل المكلف لا باقتضاء ولا تخيير، ولا وضع بل من حيث الإخبار بأنه مخلوق لله، ولا يتعلق الخطاب التكليفي بفعل غير المكلف ووليه مخاطب بأداء ما وجب في ماله منه، كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما أتلفته حيث فرط في حفظها لتنزل فعلها حينئذ منزلة فعله، وصحة عبادة الصبيّ كصلاته المثاب عليها ليس لأنه مأمور بها كما في البالغ، بل ليعتادها فلا يتركها، وبما تقرر علم أن خطاب الوضع حكم شرعي متعارف، وهو ما اختاره ابن الحاجب خلافا لما جرى عليه الأصل، وذلك لأنه لا يعلم إلا بوضع الشرع كالخطاب التكليفي، بل قيل إنه لا حاجة لذكره لأنه داخل في الاقتضاء والتخيير، إذ لا معنى لكون الزوال مثلاً سببا لوجوب الظهر إلا إيجابها عنده، ولا لكون الطهارة شرطا للاقدام على البيع إلا إباحة الاقدام عندها وتحريمه عند فقدها. وقيل إنه ليس بحكم حقيقة لأنه ليس بإنشاء بل خبر عن ترتب آثار هذه الأمور عليها. قال البرماوي وليس لهذا الخلاف كبير فائدة، بل هو خلاف لفظي وإذا ثبت أن الحكم خطاب الله. (فلا يدرك حكم إلا من الله) فلا يدرك العقل شيئا مما يأتي عن المعتزلة المعبر عن بعضه بالحسن والقبح بالمعنى الآتي على الأثر. (وعندنا) أيها الأشاعرة (أن الحسن والقبح) لشيء (بمعنى ترتب) المدح و (الذم حالاً) والثواب (والعقاب مآلاً) كحسن الطاعة وقبح المعصية. (شرعيان) أي لا يحكم بهما إلا الشرع المبعوث به الرسل. أي لا يدرك إلا به ولا يؤخذ إلا منه، أما عند المعتزلة فعقليان. أي يحكم بهما العقل بمعنى أنه طريق إلى العلم بهما يمكن إدراكه به من غير ورود سمع لما في الفعل من مصلحة أو مفسدة يتبعها حسنه أو قبحه عند الله. أي يدرك العقل ذلك إما بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار، أو بالنظر كحسن الكذب النافع وقبح الصدق الضار، وقيل العكس. والشرع يؤكذ ذلك أو بإعانة الشرع فيما خفي على العقل كحسن صوم آخر يوم من رمضان، وقبح صوم أوّل يوم من شوّال وتركت كالأصل المدح والثواب للعلم بهما من ذكر مقابلهما الأنسب بأصول المعتزلة، إذ العقاب عندهم لا يتخلف ولا يقبل الزيادة والثواب يقبلهما، وإن لم يتخلف أيضا، وخرج بمعنى ترتب ما ذكر الحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته كحسن الحلو وقبح المر، وبمعنى صفة الكمال والنقص كحسن العلم وقبح الجهل فعقليان، أي يحكم بهما العقل اتفاقا. (و) عندنا (أن شكر المنعم) وهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق له (واجب بالشرع) لا
بالعقل فمن لم يبلغه دعوة نبي لا يأثم بتركه خلافا للمعتزلة. (و) عندنا (أنه لا حكم) متعلق بفعل تعلقا تنجيزيا
стр. 8
(قبله) أي الشرع أي بعثة أحد من الرسل لانتفاء لازمه حينئذ من ترتب الثواب والعقاب بقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ ف) أي ولا مثيبين فاغتنى عن ذكر الثواب بذكر مقابله الأظهر في تحقق معنى التكليف، والقول بأن الرسول في الآية العقل وتخصيص العذاب فيها بالدنيوي خلاف الظاهر. (بل) انتقالية لا إبطالية. (الأمر) أي الشأن في وجوب الحكم (موقوف إلى وروده) أي الشرع فلا مخالفة بين من عبر منا في الأفعال قبل البعثة بالوقف، ومن نفى منا الحكم فيها. أما عند المعتزلة فالحكم متعلق به تعلقا تنجيزيا قبل البعثة، فإنهم جعلوا العقل حاكما في الأفعال قبل البعثة فما قضى به في شيء منها ضروري كالتنفس في الهواء أو اختياري لخصوصه بأن أدرك فيه مصلحة أو مفسدة، أو انتفاءهما، فأمر قضائه فيه ظاهر، وهو أن الضروري مقطوع بإباحته، والاختياري لخصوصه ينقسم إلى الأقسام الخمسة الحرام وغيره، لأنه إن اشتمل على مفسدة فعله فحرام كالظلم، أو تركه فواجب كالعدل، وإلا فإن اشتمل على مصلحة فعله فمندوب كالإحسان، أو تركه فمكروه،. وإن لم يشتمل على مفسدة ولا مصلحة فمباح، فإن لم يقض العقل في شيء منها لخصوصه بأن لم يدرك فيه شيئا مما مر كأكل الفاكهة فاختلف في قضائه فيه لعموم دليله على ثلاثة أقوال أحدها أنه محظور لأن الفعل تصرف في ملك الله تعالى بغير إذنه إذ العالم كله ملك له تعالى. وثانيها أنه مباح لأن الله تعالى خلق العبد وما ينتفع به، فلو لم يبح له كان خلقهما عبثا أي خاليا عن الحكمة. وثالثها الوقف عنهما أي لا يدري أنه محظور أو مباح مع أنه لا يخلو عن واحد منهما، إما ممنوع منه فمحظور أو لا فمباح، وذلك لتعارض دليلهما، وقد علم بطلان الثلاثة مما مر من قوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ .
تتمة:
لو وقع بعد البعثة صورة لا حكم فيها فثلاثة أقوال الحظر لآية ﴿يسألونك ماذا أحلّ لهم﴾ فإنها تدل على سبق التحريم والإباحة لقوله تعالى ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ والوقف لتعارض الدليلين.
(والأصح امتناع تكليف الغافل) وهو من لا يدري كالنائم والساهي، لأن مقتضى التكليف بشيء الإتيان به امتثالاً وذلك يتوقف على العلم بالمكلف به والغافل لا يعلم ذلك، ومنه السكران وإن أجرى عليه حكم المكلف تغليظا عليه كما أوضحته في حاشية شرح الأصل وغيرها. (و) امتناع تكليف (الملجأ) وهو من يدري ولا مندوحة له عما ألجىء إليه كالساقط من شاهق على شخص يقتله لا مندوحة له عن الوقوع عليه القاتل له، فيمتنع تكليفه بالملجأ إليه وبنقيضه لعدم قدرته على ذلك، لأن الأوّل واجب الوقوع، والثاني ممتنعه ولا قدرة له على واحد منهما. وقيل يجوز تكليف الغافل والملجأ بناء على جواز التكليف بما لا يطاق كحمل الواحد الصحرة العظيمة، وردّ بأن الفائدة في التكليف بذلك من الاختبار هل يأخذ في المقدمات منتفية في تكليف من ذكر، وظاهر أن من ذكر يمتنع أن يتعلق به خطاب غير وضعي بغير الواجب والحرام أيضا، وإن أوهم التعبير بالتكليف قصوره عليهما. (لا المكره) وهو من لا مندوحة له عما أكره عليه إلا بالصبر على ما أكره به، فلا يمتنع تكليفه بالمكره عليه، وإن خالف داعي الإكراه داعي الشرع ولا بنقيضه، وإن وافقه على الأصح فيهما لإمكان الفعل، لكن لم يقع الأوّل مع المخالفة لخبر «رُفِعَ عَنْ أمَّتي الخَطَأَ والنِّسيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» . ولا الثاني مع الموافقة قياسا على الأوّل، وإنما وقعا مع غير ذلك لقدرته على امتثال ذلك بأن يأتي بالمكره عليه لداعي الشرع كمن أكره على أداء الزكاة فنواها عند أخذها منه، أو بنقيضه صابرا على ما أكره
стр. 9
به، وإن لم يكلف الصبر عليه كمن أكره على شرب خمر فامتنع منه صابرا على العقوبة،
وقيل يمتنع تكليفه بذلك لعدم قدرته على امتثاله، إذ الفعل للإكراه لا يحصل الامتثال به، ولا يمكن الإتيان معه بنقيضه والقول الأوّل للأشاعرة والثاني للمعتزلة وصححه الأصل ورجع عنه إلى الأوّل آخرا وأدرج فيما صححه امتناع تكليف المكره على القتل، فاحتاج إلى الجواب عن إثم القاتل المجمع عليه بأنه ليس
стр. 10
للإكراه، بل لإيثاره نفسه بالبقاء على قتيله، وعلى ما رجحناه لا يحتاج إلى الجواب، ثم ما ذكر في تكليف المكره هو كلام الأصوليين، أما الفقهاء فاضطربت
أجوبتهم فيه بحسب قوة الدليل، فمرة قطعوا بما يوافق عدم تكليفه كعدم صحة عقوده وحلها وكالتلفظ بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومرة قطعوا بما يوافق تكليفه كإكراه الحربي والمرتد على الإسلام ونحوه مما هو إكراه بحق، ومرة رجحوا ما يوافق الأوّل كإكراه الصائم على الفطر وإكراه من حلف على شيء فإنه لا يفطر ولا يحنث بفعل ذلك على الراجح، ومرة رجحوا ما يوافق الثاني كالاكراه على القتل فإه يأثم بالقتل إجماعا ويلزمه الضمان قودا أو مالاً على الراجح. لا يقال التعبير بالتكليف قاصر على الوجوب والحرمة بناء على أن التكليف إلزام ما فيه كلفة لأنا نمنع ذلك، فإن ما عداهما لازم للتكليف، إذ لولا وجوده لم يوجد ما عداهما ألا ترى إلى انتفائه قبل البعثة كانتفاء التكليف. (ويتعلق الخطاب) من أمر أو غيره فهو أعم من قوله ويتعلق الأمر (عندنا) أيها الأشاعرة (بالمعدوم تعلقا معنويا) بمعنى أنه إذا وجد بصفة التكليف يكون مخاطبا بذلك الخطاب النفسي الأزلي لا تعلقا تنجيزيا بأن يكون حال عدمه مخاطبا، أما المعتزلة فنفوا التعلق المعنوي أيضا لنفيهم الكلام النفسي، (فإن اقتضى) أي طلب الخطاب الذي هو كلام الله النفسي (فعلاً غير كف) من المكلف (اقتضاء جازما) بأن لم يجز تركه (فإيجاب) أي فهذا الخطاب يسمى أيجابا (أو) اقتضاء (غير جازم) بأن جوّز تركه (فندب أو) اقتضى (كفا) اقتضاء (جازما) بأن لم يجز فعله. (فتحريم أو) اقتضاء (غير جازم بنهي مقصود) لشيء كالنهي في خير الصحيحين «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (فكراهة) . أي فالخطاب المدلول عليه بالمقصود يسمى كراهة ولا يخرج عن المقصود دليل المكروه إجماعا أو قياسا، لأنه في الحقيقة مستند الإجماع أو دليل المقيس عليه، وذلك من المقصود وقد يعبرون عن الإيجاب والتحريم بالوجوب والحرمة لأنهما أثرهما، وقد يعبرون عن الخمسة بمتعلقاتها من الأفعال كالعكس تجوُّزا فيقولون في الأول الحكم إما واجب أو مندوب الخ. وفي الثاني الفعل إما إيجاب أو ندب الخ. (أو بغير مقصود) وهو النهي عن ترك المندوبات المستفاد من أوامرها، إذ الأمر بشيء يفيد النهي عن تركه. (فخلاف الأولى) أي فالخطاب المدلول عليه بغير المقصود يسمى خلاف الأولى كما يسماه متعلقه فعلاً غير كف كان كفطر مسافر لا يتضرر بالصوم كما
стр. 11
سيأتي، أو كفا كترك صلاة الضحى، والفرق بين قسمي المقصود وغيره أن الطلب في المقصود أشدّ منه في غيره، والقسم الثاني وهو واسطة بين الكراهة والإباحة زاده جماعة من متأخري الفقهاء منهم إمام الحرمين على الأصوليين، وأما المتقدمون فيطلقون المكروه على القسمين، وقد يقولون في الأول مكروه كراهة شديدة، كما يقال في قسم المندوب سنة مؤكدة، وعلى ما عليه الأصوليون يقال أو غير جازم فكراهة. (أو خير) الخطاب بين الفعل المذكور والكف عنه (فإباحة) وتعبيري بخير سالم مما يرد على تعبيره بالتخيير من أنه يقتضي أن في الإباحة اقتضاء وليس كذلك، وإن كان عن الإيراد جواب وزدت غير كف لأسلم من مقابلة الفعل بالكف الذي عبر عنه الأصل بالترك هو لا يقابل به، إذ الكف فعل والترك فعل هو كف كما سيأتي. (و) بما ذكر (عرفت حدودها) أي حدود المذكورات من أقسام خطاب التكليف، فحد الإيجاب مثلاً الخطاب المقتضي لفعل غير كف اقتضاء جازما، وأما حدود أقسام خطاب الوضع فتعرف من حده المشهور الذي قدمته وهو الخطاب الوارد بكون الشيء سببا الخ. فحدّ السببي منه مثلاً الخطاب الوارد بكون الشيء سببا لحكم شيء، وأما حدود السبب وغيره من أقسام متعلق خطاب الوضع فسيأتي، وكذا حد الحد بالجامع المانع الدافع للاعتراض بأنّ ما عرف رسوم لا حدود، لأن المميز فيها خارج عن الماهية. (والأصح ترادف) لفظي (الفرض والواجب) أي مسماهما واحد وهو كما علم من حدّ الإيجاب الفعل غير الكف المطلوب طلبا جازما، ولا ينافي هذا ما ذكره أئمتنا من الفرق بينهما في مسائل، كما قالوا فيمن قال الطلاق واجب عليّ تطلق أو فرض عليّ لا تطلق، إذ ذاك ليس للفرق بين حقيقتيهما، بل لجريان العرف بذلك أو لاصطلاح آخر كما بينته مع زيادة تحقيق في الحاشية. ونفت الحنفية ترادفهما فقالوا هذا الفعل إن ثبت بدليل قطعي كالقرآن فهو الفرض كقراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقوله تعالى ﴿فاقرأوا ما تيسر من القرآن﴾ أو بدليل ظني كخبر الواحد فهو الواجب كقراءة الفاتحة في الصلاة الثابتة بخبر الصحيحين «لا صَلاَةَ لمنْ لَم يقرأ
بفاتِحَةِ الكِتابِ» فيأثم بتركها ولا تفسد به صلاته بخلاف ترك القراءة. (كالمندوب) أي كما أن الأصح ترادف ألفاظ المندوب (والمستحب والتطوّع والسنّة) والحسن والنفل والمرغب فيه أي مسماها واحد وهو كما علم من حد الندب الفعل غير الكف المطلوب طلبا غير جازم، ونفى القاضي حسين وغيره ترادفها فقالوا هذا الفعل إن واظب عليه النبي ﷺ فهو السنّة، إلا كأن فعله مرة أو مرتين فهو المستحب، أو لم يفعله وهو ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد فهو التطوّع، ولم يتعرضوا للبقية لعمومها للأقسام الثلاثة. (والخلف) في المسألتين (لفظي) أي عائد إلى اللفظ والتسمية،
стр. 12
إذ حاصله في الثانية أن كلاًّ من الأقسام الثلاثة كما يسمى باسم من الأسماء الثلاثة كما ذكر هل يسمى بغيره منها. فقال القاضي وغيره لا إذ السنة الطريقة والعادة والمستحب المحبوب والتطوّع الزيادة، والأكثر يعم ويصدق على كل من الأقسام أنه طريقة وعادة في الدين ومحبوب للشارع وزائد على الواجب. وفي الأولى أن ما ثبت بقطعي كما يسمى فرضا هل يسمى واجبا، وما ثبت بظني كما يسمى واجبا هل يسمى فرضا؟ فعند الحنفية لا أخذا للفرض من فرض الشيء حزه أي قطعُ بعضه، وللواجب من وجب الشيء وجبة سقط وما ثبت بظني ساقط من قسم المعلوم، وعندنا نعم أخذا من فرض الشي قدّره ووجب الشيء وجوبا ثبت وكلّ من المقدر والثابت أعم من أن يثبت بقطعي أو ظني ومأخذنا أكثر استعمالاً مع أنهم نقضوا أصلهم في أشياء منها جعلهم مسح ربع الرأس والقعدة في آخر الصلاة والوضوء من الفصد فرضا مع أنها لم تثبت بدليل قطعي، وما مر من أن ترك الفاتحة من الصلاة لا يفسدها عندهم أي دوننا لا يضر في أن الخلف لفظي، لأنه كم فقهي لا دخل له في التسمية.
(و) الأصح (أنه) أي المندوب (لا يجب) بالشروع فيه (إتمامه) لأن المندوب يجوز تركه وترك إتمامه المبطل لما فعل منه ترك له. وقالت الحنفية يجب إتمامه لقوله تعالى ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ حتى يجب بترك الصلاة والصوم منه إعادتهما وعورض في الصوم بخبر «الصائمُ المتطوِّعُ أميرُ نَفْسِه إن شاءَ صامَ وإنْ شَاءَ أفْطَرَ» رواه الترمذي وغيره، وصحح الحاكم إسناده، ويقاس بالصوم الصلاة فلا تشملهما الآية جمعا بين الأدلة.
стр. 13
(ووجب) إتمامه (في النسك) من حج أو عمرة (لأنه كفرضه نية) فإنها في كل منهما قصد الدخول في النسك أي التلبس به (وغيرها) ككفارة فإنها تجب في كل منهما بالوطء المفسد له وكانتفاء الخروج بالفساد، فإن كلاًّ منهما لا يحصل الخروج منه بفساده، بل يجب المضيّ في فاسده وغير النسك ليس نفله كفرضه فيما ذكر، فالنية في نفل الصلاة والصوم غيرهما في فرضهما، والكفارة في فرض الصوم دون نفله ودون الصلاة مطلقا وبفسادهما يحصل الخروج منهما مطلقا، ففارق النسك المندوب غيره من باقي المندوب في وجوب إتمامه، وتعبيري بالنسك أعم من تعبيره بالحج، ثم أخذت في بيان متعلق خطاب الوضع من سبب وغيره فقلت (والسبب) الشرعي هنا (وصف) وجودي أو عدمي (ظاهر منضبط معرف للحكم) الشرعي لا مؤثر فيه بذاته، أو بإذن الله أو باعث عليه كما قال بكل قائل كما سيأتي بيانها في معنى العلة، وهذا التعريف مبين لمفهوم السبب، وبه عرف المصنف في شرح المختصر كالآمدي وعرفه في الأصل بما يبين خاصته، ولذلك عدلت عنه إلى الأوّل والمعبر عنه هنا بالسبب هو المعبر عنه في القياس بالعلة، كالزنا لوجوب الجلد، والزوال لوجوب الظهر، والإسكار لحرمة الخمر، ومن قال لا يسمى الوقت السببي كالزوال علة نظر إلى اشتراط المناسبة في العلة. وسيأتي أنها لا يشترط فيها بناء على أنها المعرّف وهو الحق وخرج بمعرف الحكم المانع وسيأتي.
(والشرط ما يلزم من عدمه العدم) للمشروط (ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم) له خرج القيد الأوّل المانعَ إذ لا يلزم من عدمه شيء، وبالثاني السبب، إذ يلزم من وجوده الوجود وزاد الأصل ككثير في تعريفه لذاته ليدخل الشرط المقارن للسبب، فيلزم الوجود كوجود الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة مع النصاب الذي هو سبب للوجوب، والمقارن للمانع كالدين على القول بأنه مانع من وجوب الزكاة فيلزم العدم فلزوم الوجود والعدم في ذلك لوجود السبب والمانع لا لذات الشرط وحذفه لعدم الاحتياج إليه فيما ذكر، إذ المقتضي للزوم الوجود والعدم إنما هو السبب والمانع لا الشرط، ثم هو عقلي كالحياة للعلم، وشرعي كالطهارة للصلاة، وعادي كنصب السلم لصعود السطح، ولغوي كما في أكرم فلانا إن جاء أي الجائي، وسيأتي في مبحث التخصيص، وتعريفي هنا للشرط بما ذكر وإن شمل اللغوي أنسب من تأخير الأصل له إلى مبحث المخصص (والمانع) المراد عند الاطلاق كما هنا وهو مانع الحكم. (وصف وجودي) لا عدمي (ظاهر) لا خفي (منضبط) لا مضطرب (معرف نقيض الحكم) أي حكم السب (كالقتل في) باب (الإرث) فإنه مانع من وجود الإرث المسبب عن القرابة أو غيرها لحكمة، وهي عدم استعجال الوارث موت مورثه بقتله أما مانع السبب والعلة ولا يذكر إلا مقيدا
стр. 14
بأحدهما، فسيأتي في مبحث العلة (والصحة) الشاملة لصحة العبادة وصحة غيرها من عقد وغيره (موافقة) الفعل (ذي الوجهين) وقوعا (الشرع في الأصح) . والوجهان موافقة الشرع ومخالفته أي الفعل الذي يقع تارة موافقا للشرع، وتارة مخالفا له عبادة كان كصلاة أو غيرها كبيع صحته موافقته الشرع، بخلاف ما لا يقع إلا موافقا له كمعرفة الله تعالى، إذ لو وقعت مخالفة له أيضا لكان الواقع جهلاً لا معرفة فلا يسمى الموافق له صحيحا فصحة العبادة أخذا مما ذكر موافقة العبادة ذات الوجهين وقوعا الشرع، وإن لم يسقط قضاؤها، وهذا منسوب للمتكلمين، وقيل صحتها سقوط قضائها وهذا منسوب للفقهاء فما وافق منها الشرع ولم يسقط القضاء كصلاة من ظن أنه متطهر ثم تبين له حدثه يسمى صحيحا على الأوّل نظرا إلى ظن المكلف دون الثاني نظرا إلى ما في نفس الأمر.
قال ابن دقيق العيد
стр. 15
وفي هذا البناء نظر لأنه إن أريد بموافقة الأمر الأمر الأصلي فلم يسقط، أو الأمر بالعمل بالظن، فقد بان فساد الظن، فيلزم أن لا يكون صحيحا بالتقديرين، واستظهره البرماوي ويجاب بأن تبين فساد الظن وإن اقتضى عدم تسمية ذلك صحيحا بالنظر إلى نفس الأمر لا يمنع تسميته صحيحا بالنظر إلى الظنّ، وللسبكي وغيره هنا كلام ذكرته في الحاشية. (وبصحة العبادة) خبر لقولي (إجزاؤها أي
стр. 16
كفايتها في سقوط التعبد) أي الطلب وإن لم يسقط القضاء (في الأصح) وقيل إجزاؤها سقوط قضائها كصحتها على القول المرجوح، فالصحة منشأ الاجزاء على القول الراجح فيهما ومرادفة له على المرجوح فيهما. (و) بصحة (غيرها) التي هي أخذا مما مر موافقته الشرع (ترتب أثره) أي أثر غيرها وهو ما شرع الغير له كحل الانتفاع في البيع والتمتع في النكاح، فالصحة منشأ الترتب لا نفس الترتب، كما زعمه الآمدي وغيره بمعنى أنه حيثما وجدت فهو ناشىء عنها لا بمعنى أنها حيثما وجدت نشأ عنها حتى يرد البيع قبل انقضاء الخيار، فإنه صحيح ولم يترتب عليه أثره وتعبيري بغيرها أعم من تعبيره بالعقد. (ويختصّ الإجزاء بالمطلوب) من واجب ومندوب لا يتجاوزهما إلى غيرهما من عقد وغيره (في الأصحّ) وقيل يختص بالواجب لا يتجاوزه إلى غيره من المندوب وغيره، ومنشأ الخلاف خبر ابن ماجة وغيره أربع لا تجزىء في الأضحى فاستعمل الأجزاء في الأضحية وهي مندوبة عندنا واجبة عند غيرنا كأبي حنيفة. (ويقابلها) أي الصحة (البطلان) فهو مخالفة الفعل ذي الوجهين الشرع. وقيل في العبادة عدم إسقاطها القضاء (وهو) أي البطلان (الفساد في الأصح) فكل منهما مخالفة ما ذكر الشرع وإن اختلفا في بعض
أبواب الفقه كالخلع والكتابة لاصطلاح آخر، وقالت الحنفية مخالفته الشرع بأن كان منهيا عنه إن كانت لكون النهي عنه لأصله فهي البطلان كما في الصلاة الفاقدة شرط أو ركنا، وكما في بيع الملاقيح لفقد ركن من البيع أو لوصفه فهي الفساد كما في صوم يوم النحر للاعراض بصومه عن ضيافة الله للناس بلحوم الأضاحي التي شرعها فيه، وكما في بيع الدرهم بدرهمين لاشتماله على الزيادة فيأثم به ويفيد بالقبض ملكا خبيثا أي ضعيفا ولو نذر صوم يوم النحر صح نذره، لأن الإثم في فعله دون نذره ويؤمر بفطره وقضائه ليتخلص عن الإثم ويفي بالنذر، ولو صامه وفي بنذره لأنه أدّى الصوم كما التزمه، فقد اعتدّ بالفاسد، أما الباطل فلا يعتد به وضعف ذلك بأن التفرقة إن كانت شرعية فأين دليلها بل يبطلها قوله تعالى ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ حيث سمى الله تعالى ما لم يثبت أصلاً فاسدا وإن كانت عقلية، فالعقل لا يحتج به في مثل ذلك (والخلف لفظي) من زيادتي أي عائد إلى اللفظ والتسمية، إذ حاصله أن مخالفة ما ذكر الشرع
стр. 17
بالنهي عنه لأصله كما تسمى بطلانا هل تسمى فسادا أو لوصفه. كما يسمى فسادا هل تسمى بطلانا، فعندهم لا وعندنا نعم. (والأصح أن الأداء فعل العبادة) صوما أو صلاة أو غيرهما (أو) فعل (ركعة) من الصلاة (في وقتها) مع فعل البقية بعده واجبة كانت أو مندوبة، وتعبيري بالركعة هنا وبدونها في القضاء أولى ن تعبيره بالبعض لما لا يخفى، ولخبر الصحيحين «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» أي مؤداة، وقيل الأداء فعل العبادة في وقتها ففعل بعضها فيه ولو ركعة وبعضها بعده لا يكون أداء حقيقة كما لا يكون قضاء، كذلك، بل يسمى بأحدهما مجازا بتبعية ما في الوقت لما بعده أو بالعكس، وهذا ما عليه الأصوليون، واعتبار الركعة في الأداء ودونها في القضاء كما سيأتي ذكره الفقهاء، وإنما ذكرته هنا تبعا للأصل، والخبر المذكور قد لا يدل على ما ذكروه لاحتمال أنه فيمن زال عذره كجنون وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة فيجب عليه الصلاة. (وهو) أي وقت العبادات المؤدّاة (زمن مقدر لها شرعا) موسعا كان كزمن الصلوات المكتوبة وسننها أو مضيقا كزمن صوم رمضان أو الأيام البيض، فما لم يقدر له زمن شرعا كنذر ونفل مطلقين وغيرهما وإن كان فوريا كالإيمان لا يسمى فعله أداء ولا قضاء اصطلاحا، وإن كان الزمن ضروريا لفعله، ومن ذلك ما وقته العمر كالحج وتسمية بعضهم لوقته موسعا مجاز، إذ الموسع ما يعلم المكلف آخره وآخر العمر لا يعلمه فلا يسمى فعله أداء ولا قضاء اصطلاحا، بل يسماهما مجازا أو لغة كأداء الدين وقضائه نبه على ذلك العلامة البرماوي.
(و) الأصح (أن القضاء فعلها) أي العبادة (أو) فعلها (إلا دون ركعة بعد وقتها) والفرق بين ذي الركعة وما دونها أنها تشتمل على معظم أفعال الصلاة، إذ معظم الباقي كالتكرير لها فجعل ما بعد الوقت تابعا لها، بخلاف ما دونها، وقيل القضاء فعل العبادة أو بعضها ولو دون ركعة بعد وقتها، وبعض الفقهاء حقق فسمى ما في الوقت أداء وما بعده قضاء. (تداركا) بذلك الفعل (لما سبق لفعله مقتض) وجوبا أو ندبا سواء كان المقتضي من المتدارك كما في قضاء الصلاة المتروكة بلا عذر أم من غيره، كما في قضاء النائم الصلاة والحائض الصوم، فإنه سبق لفعلهما مقتض من غير النائم والحائض لا منهما، وإن انعقد سبب الوجوب أو الندب في حقهما وخرج بالتدارك إعادة الصلاة المؤداة في الوقت بعده. (و) الأصح (أن الإعادة فعلها) أي العبادة (وقتها ثانيا مطلقا) سواء
стр. 18
أكان لعذر من خلل في فعلها أولاً أو حصول فضيلة لم تكن في فعلها أولاً لكون الإمام أعلم أو أورع أو الجمع أكثر أو المكان أشرف، أم لغير عذر ظاهر بأن استوت الجماعتان أو زادت الأولى بفضيلة، وقيل الإعادة مختصة بخلل في الأوّل وعليه الأكثر، وقيل بالعذر الشامل للخلل ولحصول فضيلة لم تكن في الأوّل، وذكر الأول أن زيادتي وهو ما اختاره الأصل في شرح المختصر، ويمكن حمل أول كلامه هنا عليه كما بينته في الحاشية، وبما ذكر علم تعريف المؤدي والمقضي والمعاد بأن يقال على الأصح المؤدي مثلاً ما فعل مما مر في الأداء في وقته، وقس به الآخرين وأن الإعادة قسم من الأداء فهي أخص منه وعليه الأكثر، وقيل قسيم له وعليه مشى البيضاوي حيث قال العبادة إن وقعت في وقتها المعين ولم تسبق بأداء مختلّ فأداء، وإلا فإعادة لكن كلامه في المرصاد يخالفه، وقد ذكرته في الحاشية مع زيادة.
стр. 19
(والحكم) أي الشرعي إذ الكلام فيه (إن تغير) من حيث تعلقه من صعوبة له على المكلف (إلى سهولة) كأن تغير من حرمة شيء إلى حله (لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي) المتخلف عنه للعذر، (فرخصة) أي فالحكم السهل المذكور يسمى رخصة وهي بإسكان الخاء أكثر من ضمها لغة السهولة. (واجبة ومندوبة ومباحة. وخلاف الأولى) هذه الصفات اللازمة بيان لأقسام الرخصة الممثل لها على هذا الترتيب بقولي (كأكل ميتة لمضطر (وقصر) من مسافر بقيد زدته بقولي (بشرطه) بأن كره القصر أو شك في جوازه، وكان سفره يبلغ ثلاث مراحل فأكثر ولم يختلف في جواز قصره كما هو معلوم من محله، (وسلم) وهو بيع موصوف في الذمة بلفظ سلم (وفطر مسافر) في زمن صوم واجب أصالة أو بنذر أو قضاء ما فات بلا تعدّ (لا يضره الصوم) فإن ضره فالفطر أولى، والمعنى أن الرخصة كحل المذكورات من وجوب وندب وإباحة وخلاف الأولى وحكمها الأصلي الحرمة وأسبابها الخبث في الميتة، ودخول وقتي الصلاة والصوم في القصر والنظر لأنه سبب لوجوب الصلاة تامة والصوم والغرر في السلم، وهي قائمة حال الحل وأعذار الحل الاضطرار ومشقة السفر، والحاجة إلى ثمن الغلات قبل إدراكها، وسهولة الوجوب في أكل الميتة لموافقته غرض النفس في بقائها، وقيل إنه عزيمة لصعوبته ومن الرخصة المباحة إباحة ترك الجماعة في الصلاة لمرض أو نحوه، وحكمه الأصلي الكراهة وسببها قائم حال الإباحة، وهو الانفراد فيما يطلب فيه الاجتماع من شعائر الإسلام، وقد بينت في الحاشية كمية أقسام الرخصة الحاصلة بالانتقال من حكم إلى آخر، وقضية ما ذكر أن الرخصة لا تكون محرمة ولا مكروهة، وهو كما قال العراقي ظاهره، خبر «إنَّ اللَّهُ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخصه» . وما قيل من أنها تكون كذلك حيث قيل إن الاستنجاء بذهب أو فضة يجزىء مع أنه حرام، وأن القصر لدون ثلاث مراحل جائز مع أنه مكروه كما قاله الماوردي. أجيب عن أولهما بأن الاستنجاء بما ذكر جائز على
الصحيح أي في غير ما طبع أو هيىء لذلك، أما فيه فيجاب بأن هذه الحرمة ليست لخصوص الاستنجاء حتى تكون رخصة، بل لعموم الاستعمال. وعن ثانيهما بأن الماوردي أراد أنه مكروه كراهة غير شديدة وهي بمعنى خلاف الأولى، ولك أن تقول الرخصة إنما لم توصف بالحرمة لصعوبتها مطلقا، وهذا منتف في الكراهة كخلاف الأولى لأنهما سهلان بالنسبة إلى الحرمة.
(وإلا) أي وإن لم يتغير الحكم كما ذكر بأن لم يتغير كوجوب المكتوبات أو تغير إلى صعوبة كحرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله، أو إلى سهولة لا لعذر كحل ترك الوضوء لصلاة ثانية مثلاً لمن لم يحدث
стр. 20
بعد حرمته بمعنى أنه خلاف الأولى، أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي كإباحة ترك ثبات واحد منا لعشرة من الكفار في القتال بعد حرمته، وسببها قلتنا ولم يبق حال الإباحة لكثرتنا حينئذ، وعذر الإباحة مشقة الثبات المذكور لما كثرنا. (فعزيمة) أي فالحكم غر المتغير أو المتغير إليه الصعب أو السهل المذكور آنفا يسمى عزيمة، وهي لغة القصد المصمم من عزمت على الشيء جزمت به وصممت عليه عزما وعزما وعزيما وعزيمة لأنه عزم أمره أي قطع وحتم وصعب على المكلف أو سهل، وظاهر كلام كثير انقسامها إلى الأحكام الستة، وبه صرح الشمس البرماوي، لكن الإمام الرازي خصها بغير الحرمة، والغزالي والآمدي وغيرهما بالوجوب، والقرافي بالوجوب والندب، واعترض تعريفا الرخصة والعزيمة بوجوب ترك الصلاة والصوم على الحائض، فإنه عزيمة ويصدق به تعريف الرخصة. وأجيب بمنع الصدق فإن الحيض وإن كان عذرا في الترك مانع من الفعل، ومن مانعيته نشأ وجوب الترك وتقسيم الحكم إلى الرخصة والعزيمة كما ذكر أقرب إلى اللغة من تقسيم الإمام الرازي وغيره الفعل الذي هو متعلق الحكم إليهما. (والدليل) لغة المرشد وما به الإرشاد واصطلاحا (ما) أي شيء (يمكن التوصل) أي الوصول بكلفة (بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري)
بأن يكون النظر فيه من الجهة التي من شأنها أن ينتقل الذهن بها إلى ذلك المطلوب المسماة وجه الدلالة بفتح الدال أفصح من كسرها، والخبري ما يخبر به، ومعنى الوصول إليه بما ذكر علمه أو اعتقاده أو ظنه فالنظر هنا الفكر
стр. 21
لا بقيد المؤدّي إلى علم أو ظن كما سيأتي حذرا من التكرار، والفكر حركة النفس في المعقولات بخلافها في المحسوسات، فإنها تخييل لا فكر، وكأنهم ضمنوا الحركة اعتبار قصدها فيخرج الحدس وما يتوارد على النفس في المعقولات بلا قصد كما في النوم والنسيان، ويطلق الفكر أيضا على حركة النفس من المطالب إلى المبادىء، ثم الرجوع منها إليها، وشمل التعريف الدليل القطعي كالعالم لوجود الصانع والظني كالنار لوجود الدخان، وأقيموا الصلاة لوجوبها بناء على طريقة الأصوليين والفقهاء من أن مطلوبهم العمل وهو لا يتوقف على العلم، بخلاف طريقة المتكلمين والحكماء، فإن مطلوبهم العلم ولهذا زادوا لفظة في التعريف، فقالوا إلى العلم بمطلوب خبري فبالنظر الصحيح في الأدلة المذكورة أي بحركة النفس فيما تعقله منها مما من شأنه أن ينتقل به إلى تلك المطلوبات، كالحدوث في الأول، والإحراق في الثاني، والأمر بالصلاة في الثالث يصل إلى تلك المطلوبات بأن ترتب هكذا العالم حادث وكل حادث له صانع فالعالم له صانع. النار شيء محرق وكل محرق له دخان فالنار لها دخان. أقيموا الصلاة أمر بها وكل أمر بشيء لوجوبه حقيقة فأقيموا الصلاة لوجوبها حقيقة، وقالوا يمكن التوصل دون يتوصل لأن الشيء يكون دليلاً، وإن لم يوجد النظر المتوصل به فالدليل مفرد، ويقال له المادة والإمكان يكون قبل الفكر فيه، أما بعده فلا بد من قضيتين صغرى مشتملة على موضوع المطلوب كما رأيت.
وأما الدليل عند المناطقة فقضيتان فأكثر تكون عنهما قضية أخرى فهو عندهم مركب، ويقال له المادة والصورة، وخرج بصحيح النظر فاسده فلا يمكن التوصل به إلى المطلوب لانتفاء وجه الدلالة عنه، وإن أدى إليه بواسطة اعتقاد أو ظن كما إذا نظر في العالم والنار من حيث البساطة، فإنهما ليسا من شأنهما أن ينتقل بهما إلى وجود الصانع والدخان، لكن يؤدّي إلى وجودهما هذان النظران ممن اعتقد أن العالم بسيط وكل بسيط له صانع، وممن ظنّ أن كل مسخن له دخان كذا قيل، وهو ظاهر في المطلوب الاعتقادي والظني لا العلمي لما سيأتي أن العلم لا يقبل النقض، وظاهر أن الحاصل بذلك يقبله إذا تبين فساد النظر. وبالخبري المطلوب التصوري، فيتوصل إليه بالحد بأن يتصور بتصوره كالحيوان الناطق حدا للإنسان، وسيأتي حد الحد الشامل لذلك ولغيره.
(والعلم) بالمطلوب الحاصل (عندنا) أيها الأشاعرة (عقبه) أي عقب صحيح النظر عادة عند الأشعري وغيره فلا يتخلف إلا خرقا للعادة كتخلف الإحراق عن مماسة النار، أو لزوما عند الإمام الرازي وغيره، فلا ينفك أصلاً كوجود الجوهر لوجود العرض. (مكتسب) للناظر (في الأصح) لأن حصوله عن نظره المكتسب له، وقيل لا لأن حصوله اضطراري لا قدرة على دفعه فلا خلاف إلا في التسمية وهي بالمكتسب أنسب والتصحيح من زيادتي، وكالعلم فيما ذكر الظن وإن لم يكن بينه وبين أمر ما ارتباط بحيث يمتنع تخلفه عنه عقلاً أو عادة، لأن النتيجة لازمة للقضيتين وإن كانتا ظنيتين، وزواله بعد حصوله لا يمنع حصوله لزوما أو عادة وخرج بعندنا العتزلة فقالوا النظر يولد العلم كتوليد حركة اليد لحركة المفتاح عندهم، وعلى وزانه يقال الظن الحاصل متولد عن النظر عندهم. (والحد) لغة المنع واصطلاحا عند الأصوليين. (ما يميز الشيء عن غيره) ولا يميز كذلك إلا ما لا يخرج عنه شيء من أفراد المحدود، ولا يدخل فيه شيء من غيرها، والأول وهو من زيادتي مبين لمفهوم الحدّ ولهذا زدته، والثاني لخاصته وهو بمعنى قول القاضي أبي بكر الباقلاني المذكور بقولي (ويقال) الحد (الجامع) أي لأفراد المحدود (المانع) أي من دخول غيرها فيه (و) يقال أيضا الحد (المطرد) أي الذي كلما وجد وجد لمحدود فلا يدخل فيه شيء من غير أفراد المحدود فيكون مانعا. (المنعكس) أي الذي كلما وجد المحدود وجد هو فلا
стр. 22
يخرج عنه شيء من أفراد المحدود فيكون جامعا، فمؤدى العبارتين واحد والأولى أوضح فيصدقان بالحيوان الناطق حدا للإنسان بخلاف حدّه بالحيوان الكاتب بالفعل، فإنه غير جامع وغير منعكس، وبالحيوان الماشي فإنه غير مانع وغير مطرد وتفسير المنعكس، بما ذكر الموافق للعرف واللغة حيث يقال كل إنسان ناطق، وبالعكس وكل إنسان حيوان، ولا عكس أظهر في معنى الجامع من تفسير ابن الحاجب وغيره له، بأنه كلما انتفى الحدّ انتفى
المحدود اللازم لذلك التفسير، وبما ذكر علم أنه قد يكون للشيء حدّان فأكثر، كقولهم الحركة نقلة وزوال وذهاب في جهة وهو المختار، كما نقله الزركشي عن القاضي عبد الوهاب بعد نقله عن غيره خلافه.
(والكلام) النفسي (في الأزل يسمى خطابا) حقيقة في الأصح بتنزيل المعدوم الذي سيوجد منزلة الوجود، وقيل لا يسماه حقيقة لعدم من يخاطب به إذ ذاك، وإنما يسماه حقيقة فيما لا يزال عند وجود من يفهم وإسماعه إياه ما بلفظ كالقرآن، أو بلا لفظ كما وقع لموسى ﵊ خرقا للعادة، وقيل سمعه بلفظ من جميع الجهات لذلك. (و) الكلام النفسي في الأزل (يتنوّع) إلى أمر ونهي وخبر وغيرها. (في الأصح) بالتنزيل السابق، وقيل لا يتنوّع إليها لعدم من تتعلق به هذه الأشياء إذ ذاك، وإنما يتنوّع إليها فيما لا يزال عند وجود من يتعلق به فتكون الأنواع حادثة مع قدم المشترك بينها، وهذا يلزمه محال وهو وجود الجنس مجردا عن أنواعه إلا أن يراد أنها أنواع اعتبارية أي عوارض له يجوز خلوّه عنها تحدث بحسب التعلقات كما أن تنوّعه إليها على الأول بحسب التعلقات أيضا لكونه صفة واحدة كالعلم وغيره من الصفات، فمن حيث تعلقه في الأزل أو فيما لا يزال بشيء على وجه الاقتضاء لفعله يسمى أمرا أو لتركه يسمى نهيا، وعلى هذا القياس، وأخرت كالأصل هاتين المسألتين عن الدليل لأن موضوعهما مدلوله في الجملة والمدلول متأخر عن الدليل، وإنما قدمتا على النظر المتعلق بالدليل أيضا لأن موضوعهما أشدّ ارتباطا منه بالدليل لأنه مقصود من الدليل والنظر من آلات تحصيله. ((والنظر) لغة يقال لمعان منها الاعتبار والرؤية واصطلاحا (فكر) . وتقدم تفسيره (يؤدّي) أي يوصل (إلى علم أو اعتقاد) والتصريح به من زيادتي، (أو ظنّ) بمطلوب خبري فيها أو تصوّري في العلم والاعتقاد، فخرج الفكر غير المؤدّي إلى ذلك كأكثر حديث النفس فليس بنظر وشمل التعريف النظر
الصحيح من قطعي وظني، والفاسد فإنه يؤدّي إلى ذلك بواسطة اعتقاد أو ظن كما مر بيانه، وإن لم يستعمل بعضهم التأدية إلا فيما يؤدّي بنفسه كذا قيل، وظاهر أنه خاص بتأديته إلى الاعتقاد أو الظنّ لا إلى العلم لما مر في تعريف الدليل. (والإدراك) لغة الوصول واصطلاحا وصول النفس إلى تمام المعنى من نسبة أو غيرها (بلا حكم) معه من إدراك وقوع النسبة أو لا وقوعها (تصور) ساذج، ويسمى علما أيضا كما علم مما مر، أما وصول النفس إلى المعنى لا بتمامه فيسمى شعورا. (وبه) أي بالحكم أي والإدراك للنسبة وطرفيها مع الحكم المسبوق بذلك. (تصوّر بتصديق) أي معه كإدراك الإنسان والكاتب وثبوت الكتابة له، وأن النسبة واقعة أولاً في التصديق بأن الإنسان كاتب أو أنه ليس بكاتب الصادقين في الجملة. (وهو) أي التصديق (الحكم) وهذا من زيادتي وهو رأي المحققين، وقيل التصديق التصور مع الحكم، وعليه جرى الأصل، فالتصورات السابقة على الحكم على هذا شطر منه، وعلى الأول شرط له، وتفسيري له بأنه إدراك وقوع النسبة أو لا وقوعها هو رأي متقدمي المناطقة. قال القطب الرازي وغيره من المحققين وهو التحقيق، وأما متأخروهم ففسروه بإيقاع النسبة أو انتزاعها، وقدماؤهم قالوا الإيقاع والانتزاع ونحوهما عبارات وألفاظ أي توهم أن للنفس بعد تصور النسبة وطرفيها فعلاً وليس كذلك، فالحكم عندهم من مقولة الانفعال، وعند متأخريهم من مقولة الفعل.
стр. 23
(وجازمه) أي الحكم أي والحكم الجازم (إن لم يقبل تغيرا) بأن كان لموجب من حس ولو باطنا أو عقل أو عادة، فيكون مطابقا للواقع. (فعلم) كالحكم بأن به جوعا أو عطشا أو بأن زيدا متحرك ممن رآه متحركا أو بأن العالم حادث، أو بأن الجبل من حجر. (وإلا) أي وإن قبل التغير بأن لم يكن لموجب مما ذكر طابق الواقع أو لا. إذ يتغير الأول بالتشكيك والثاني به أو بالاطلاع على ما في نفس الأمر. (فاعتقاد) وهو اعتقاد (صحيح إن طابق) الواقع كاعتقاد المقلد سنية الضحى، (وإلا) أي وإن لم يطابق الواقع (ففاسد) كاعتقاد الفلسفي قدم العالم، (و) الحكم (غير الجازم ظن ووهم وشك لأنه) أي غير الجازم إما (راجح) لرجحان المحكوم به على نقيضه فالظن، أو مرجوح) لمرجوحية المحكوم به لنقيضه فالوهم، أو مساو) لمساواة المحكوم به من كل من النقيضين على البدل للآخر فالشك فهو بخلاف ما قبله حكمان، كما قال إمام الحرمين والغزالي وغيرهما الشك اعتقادان يتقاوم سببهما. وقال بعض المحققين ليس الوهم والشك من التصديق أي بل من التصور، إذ الوهم ملاحظة الطرف المرجوح والشك التردّد في الوقوع واللاوقوع، فما أريد مما مر من أن العقل يحكم بالمرجوح أو المساوي عنده ممنوع على هذا، وقد أوضحت ذلك في الحاشية، وقد يطلق العلم على الظن كعكسه مجازا، فالأول كقوله تعالى ﴿فإن علمتموهنّ مؤمنات﴾ أي ظننتموهن والثاني كقوله تعالى ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ أي يعلمون ويطلق الشك مجازا كما يطلق لغة على مطلق التردّد الشامل للظن والوهم، ومن ذلك قول الفقهاء من تيقن طهرا أو حدثا وشك في ضدّه عمل بيقينه.
(فالعلم) أي القسم المسمى بالعلم التصديقي من حيث تصوره بحقيقته بقرينة السياق (حكم جازم لا يقبل تغيرا فهو نظري يحد في الأصح) . واختار الإمام الرازي أنه ضروري أي يحصل بمجرد التفات النفس إليه من غير نظر واكتساب، لأن علم كل أحد بأنه عالم بأنه موجود مثلاً ضروري بجميع أجزائه، ومنها تصور العلم بأنه موجود بالحقيقة وهو علم تصديقي خاص، فيكون تصور مطلق العلم التصديقي بالحقيقة ضروريا وهو المدعي. وأجيب بمنع أنه يتعين أن يكون من أجزاء ذلك تصور العلم المذكور بالحقيقة، بل يكفي تصوره بوجه، فالضروري تصور مطلق العلم التصديقي بالوجه لا بالحقيقة الذي النزاع فيه، وعلى ما اختاره فلا يحدّ، إذ لا فائدة، في حدّ الضروري لحصوله بغير حدّ قال نعم قد يحدّ الضروري لإفادة العبارة عنه أي فيكون حدّه حينئذ حدّا لفظيا لا حقيقيا. وقال إمام الحرمين هو نظري لكنه عسر أي لا يحصل إلا بنظر دقيق لخفائه ومال إليه الأصل حيث قال فالرأي الإمساك عن تعريفه أي المسبوق بذلك التصور العسر صونا للنفس عن مشقة الخوض في العسر. قال الإمام ويميز عن غيره من أقسام الاعتقاد بأنه اعتقاد جازم مطابق ثابت فليس هذا حقيقته عنده، والترجيح من زيادتي.
(قال المحققون ولا يتفاوت) العلم (إلا بكثرة المتعلقات) أي لا يتفاوت في جزئياته فليس بعضها ولو ضروريا أقوى من بعضها ولو نظريا، وإنما يتفاوت بكثرة المتعلقات في بعض جزئياته دون بعض فيتفاوت فيها كما في العلم بثلاثة أشياء والعلم بشيئين، بناء على اتحاد العلم مع تعدّد المعلوم، كما هو قول بعض الأشاعرة قياسا على علم الله تعالى، والأشعري وكثير من المعتزلة على تعدد العلم بتعدد المعلوم، وأجابوا عن القياس بأنه خال عن الجامع، وعلى هذا لا يقال يتفاوت بما ذكر، وقيل يتفاوت العلم في جزئياته، إذ العلم مثلاً بأن الواحد نصف الاثنين أقوى في الجزم من العلم بأن العالم حادث. وأجيب بأن التفاوت في ذلك
стр. 24
ونحوه ليس من حيث الجزم، بل من حيث غيره كإلف النفس بأحد المعلومين دون الآخر.
(والجهل انتفاء العلم بالمقصود في الأصح) أي بما من شأنه أن يقصد ليعلم بأن لم يدرك ويسمى الجهل البسيط أو أدرك على خلاف هيئته في الواقع، ويسمى الجهل المركب لتركبه من جهلين جهل المدرك بما في الواقع، وجهله بأنه جاهل به كاعتقاد الفلسفي أن العالم قديم، وقيل الجهل إدراك العلوم على خلاف هيئته، فالجهل البسيط على الأول ليس جهلاً على هذا، واستغنى بانتفاء العلم عن التقييد في قول بعضهم عدم العلم عما من شأنه العلم لإخراج الجماد والبهيمة عن الاتصاف بالجهل لأن انتفاء العلم إنما يقال فيما من شأنه العلم بخلاف عدم العلم، وخرج بالمقصود غيره كأسفل الأرض وما فيه فلا يسمى انتفاء العلم به جهلاً اصطلاحا، والتعبير به أحسن كما قال البرماوي من تعبير بعضهم بالشيء، لأن الشيء لا يطلق على المعدوم بخلاف المقصود، ولأنه يشمل غير المقصود.
(والسهو الغفلة عن المعلوم) الحاصل فيتنبه له بأدنى تنبيه بخلاف النسيان، فهو زوال المعلوم فيستأنف تحصيله، وعرّفه الكرماني وغيره بزوال المعلوم عن القوّة الحافظة والمدركة والسهو بزواله عن الحافظة فقط، وذلك قريب مما ذكر، وجعلهما البرماوي من أقسام الجهل البسيط حيث قسمه إليهما وإلى غيرهما، ثم فرق بينهما بأنه إن قصر زمن الزوال سمي سهوا وإلا فنسيانا. قال وهذا أحسن ما فرق بيه بينهما.
مسألة هي إثبات عرض ذاتي للموضوع . (الأصح أن الحسن ما) أي فعل (يمدح) أي يؤمر بالمدح (عليه) . وهو الواجب والمندوب وفعل الله تعالى. (والقبيح ما يذم عليه) وهو الحرام. (فما لا) يمدح (ولا) يذم عليه من المكروه الشامل لخلاف الأولى والمباح. (واسطة) بين الحسن والقبيح، وهذا ما قاله
стр. 25
إمام الحرمين في المكروه صريحا وفي المباح، وفعل غير المكلف لزوما، ورجحه الأصل في شرح المختصر في المكروه، وتبعه البرماوي فيه، وألحق به المباح بحثا، وقيل الحسن فعل المكلف المأذون فيه من واجب ومندوب ومباح، والقبيح ما نهى عنه شرعا ولو كان منهيا عنه بعموم النهي المستفاد من أوامر الندب كما مرّ، فيشمل الحرام والمكروه، وخلاف الأولى وهذا ما رجحه الأصل هنا فيهما ولأصحابنا فيهما عبارات أخرى. وللمعتزلة فيهما بناء على تحكيمهم العقل عبارات أيضا منها أن الحسن ما للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله والقبيح بخلافه فيدخل فيه الحرام فقط، وفي الحسن ما سواه. ومنها أن الحسن هو الواقع على صفة توجب المدح والقبيح هو الواقع على صفة توجب الذم، فيدخل فيه الحرام فقط أيضا. وفي الحسن الواجب والمندوب، فالمكروه والمباح واسطة بين الحسن والقبيح.
(و) والأصح (أن جائز الترك) سواء كان جائز الفعل أيضا أم لا. (ليس بواجب) وإلا لامتنع تركه والفرض أنه جائز. وقال بعض الفقهاء يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر مع جواز تركهم له لقوله تعالى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهم شهدوه ولوجوب القضاء عليهم بقدر ما فاتهم فكان المأتيّ به بدلاً عن الفائت. وأجيب بأن شهود الشهر موجب عند انتفاء العذر لا مطلقا، وبأن وجوب القضاء إنما يتوقف على سبب الوجوب هو هنا شهود الشهر، وقد وجد لا على وجوب الأداء وإلا لما وجب قضاء الظهر مثلاً على من نام جميع وقتها. وقيل يجب الصوم على المسافر دون الحائض والمريض لقدرته عليه دونهما. وقيل يجب عليه دونهما أحد الشهرين الحاضر أو آخر بعده. (والخلف لفظي) أي راجع إلى اللفظ دون المعنى لأن ترك الصوم حال العذر جائز اتفاقا والقضاء بعد زواله واجب اتفاقا. (و) الأصح (أن المندوب مأمور به) أي مسمى به حقيقة كما نص عليه الشافعي وغيره، وقيل لا. والخلاف مبني على أن أم ر حقيقة في الإيجاب كصيغة افعل أو في القدر المشترك بينه وبين الندب أي طلب الفعل، والترجيح من زيادته، وعليه جرى الآمدي، أما إنه مأمور به بمعنى أنه متعلق الأمر أي صيغة افعل فلا نزاع فيه، سواء أقلنا إنها مجاز في الندب أم حقيقة فيه كالإيجاب خلاف يأتي. (و) الأصح (أنه) أي المندوب (ليس مكلفا به كالمكروه) فالأصح أنه ليس مكلفا به، وقيل مكلف بهما كالواجب والحرام ورجحوا الأول. (بناء على أن التكليف) اصطلاحا (إلزام ما فيه كلفة) أي مشقة من فعل أو ترك. (لا طلبه) وبه فسر القاضي أبو بكر الباقلاني أي لا طلب ما فيه كلفة على وجه الإلزام أو لا. فعلى تفسير التكليف بالأوّل يدخل الواجب والحرام فقط، وعلى تفسيره بالثاني يدخل جميع الأحكام إلا المباح، لكن أدخله الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني من حيث وجوب اعتقاد إباحته تتميما للأقسام، وإلا فغيره مثله في ذلك وإلحاقي المكروه بالمندوب هو
الوجه لا إلحاق المباح به كما سلكه الأصل، إذ لا إلزام فيه ولا طلب فلا يتأتى فيه القول بأنه مكلف به إلا على ما سلكه الأستاذ. (و) الأصح (أن المباح ليس بجنس للواجب) بل هما نوعان لجنس وهو فعل المكلف الذي تعلق به حكم شرعي، وقيل إنه جنس له لأنه مأذون في فعله وتحته أنواع الواجب والمندوب والمخير فيه والمكروه الشامل لخلاف الأولى، واختص الواجب بفصل المنع من الترك، قلنا واختص المباح أيضا بفصل الإذن في الترك على السواء والخلف لفظي، إذ المباح بالمعنى الأول أي المأذون فيه جنس للواجب اتفاقا وبالمعنى الثاني أي المخير فيه وهو المشهور غير جنس له اتفاقا. (و) الأصح (أنه) أي المباح (في ذاته غير مأمور به) فليس بواجب ولا مندوب. وقال الكعبي إنه مأمور به أي واجب إذ ما من مباح إلا ويتحقق به ترك حرام ما، فيتحقق بالسكوت ترك القذف، وبالسكون ترك القتل، وما يتحقق بالشيء لا يتم إلا به وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به واجب كما سيجيء، فالمباح واجب ويأتي ذلك في غيره
стр. 26
كالمكروه والخلف لفظي، فإن الكعبي قائل بأنه غير مأمور به من حيث ذاته ومأمور به من حيث ما عرض له من تحقق ترك الحرام به وغيره لا يخالفه فيهما، فقولي في ذاته قيد للقول بأن المباح غير مأمور به لا لمحل الخلاف، وسيأتي ماله بذلك تعلق. (و) الأصح (أن الإباحة حكم شرعي) لأنها التخيير بين الفعل والترك المتوقف وجوده كبقية الأحكام على الشرع كما مر. وقال بعض المعتزلة لا لأنها انتفاء الحرج عن الفعل والترك وهو ثابت قبل ورود الشرع مستمر بعده. (والخلف) في المسائل الثلاث (لفظي) أي راجع إلى اللفظ دون المعنى. أما في الأوليين فلما مر، وأما في الثالثة فلأن الدليلين لم يتواردا على محل واحد، فتأخيري لهذا عن الثلاث أولى من تقديم الأصل له على الأخيرة.
واعلم أن ما سلكته في مسألة الكعبي تبعت فيه هنا الأكثر، وأولى منه ما ملكته في الحاشية أخذا من كلام بعض المحققين من تحريم الكلام فيها بوجه آخر، ومن رد دليل الكعبي بما يقتضي أن الخلاف معنوي وإن خالف ذلك ظاهر كلام الكعبي. (و) الأصحّ (أن الوجوب) لشيء (إذا نسخ) كأن قال الشارع نسخت وجوبه أو حرمة تركه (بقي الجواز) له الذي كان في ضمن وجوبه من الإذن في الفعل بما يقوّمه من الإذن في الترك. وقال الغزالي لا يبقى لأن نسخ الوجوب يجعله كأن لم يكن ويرجع الأمر إلى ما كان قبله من تحريم أو إباحة أو براءة أصلية فالخلف معنوي. (وهو) أي الجواز المذكور (عدم الحرج) في الفعل والترك من الإباحة أو الندب أو الكراهة بالمعنى الشامل لخلاف الأولى. (في الأصح) إذ لا دليل على تعيين أحدها، وقيل هو الإباحة فقط، إذ بارتفاع الوجوب ينتفي الطلب فيثبت التخيير، وقيل هو الندب فقط، إذ المتحقق بارتفاع الوجوب انتفاء الطلب الجازم فيثبت الطلب غير الجازم. والحاصل أنه يعتبر في الجواز المذكور رفع الحرج عن الفعل والترك في الأقوال الثلاثة، لكنه مطلق في الأول منها ومقيد باستواء الطرفين في الثاني، وبترجح الفعل في الثالث فالخلف معنويّ هكذا أفهم.
مسألة في الواجب الحرام المخيرين (الأمر بأحد أشياء) معينة كما في كفارة اليمين. (يوجبه) أي الأحد (مبهما عندنا) وهو القدر المشترك بينها في ضمن أيّ معين منها لأنه المأمور به، وقيل يوجبه معينا عند الله تعالى، فإن فعل المكلف المعين فذاك أو فعل غيره منها سقط بفعله الواجب، وقيل يوجبه كذلك، وهو ما يختاره المكلف بأن علم الله منه أنه لا يختار سواه، وإن اختلف باختيار المكلفين. وقيل يوجب الكل فيثاب بفعلها ثواب واجبات، ويعاقب بتركها عقاب ترك واجبات، ويسقط الكل الواجب بواحد منها، لأن الأمر تعلق بكل منها بخصوصه على وجه الاكتفاء بواحد منها. قلنا إن سلم ذلك لا يلزم منه وجوب الكل المرتب عليه ذلك والقول الأخير والثاني للمعتزلة، فهم متفقون على نفي أيجاب واحد منهم كنفيهم تحريمه كما سيجيء لما قالوا من أن إيجاب الشيء أو تحريمه لما في تركه، أو فعله من المفسدة التي يدركها العقل، وإنما يدركها في المعين، والثالث يسمى قول التراجم، لأن كلاًّ من الأشاعرة والمعتزلة تنسبه إلى الأخرى فاتفق الفريقان على بطلانه. (فـ) ـعلى الأصح (إن فعلها) كلها (فالمختار) أنه (إن فعلها مرتبة فالواجب) أي
стр. 27
المثاب عليه ثواب الواجب الذي هو كثواب سبعين مندوبا (أولها) وإن تفاوتت لتأدّى الواجب به من حيث إنه مبهم. (أو) فعلها كلها (معا فأعلاها) ثوابا الواجب لأنه لو اقتصر لأثيب عليه ثواب الواجب الأكمل فضمّ غيره إليه لا ينقصه عن ذلك. (وإن تركها) كلها (عوقب بأدناها) عقابا إن عوقب، لأنه لو فعله فقط من حيث إنه مبهم لم يعاقب، فإن تساوت وفعلت معا أو تركت فثواب الواجب والعقاب على واحد منها. وقيل الواجب فيما إذا تفاوتت أعلاها ثوابا، وفيما إذا تساوت أحدها وإن فعلت مرتبة فيهما لما مر، فإن تركت فحكمه موافق للمختار ويثاب ثواب المندوب في كل قول على غير ما ذكر لثواب الواجب، وذكر حكم التساوي في المرتبة مع الترجيح في البقية من زيادتي المقتضية من حيث الترجيح لإبدال قوله في المرتبة أعلاها بقولي أولها، وبما قررته علم أن محل ثواب الواجب والعقاب أحدها مبهما لا من حيث خصوصه، حتى إن الواجب ثوابا في المرتبة أولها من حيث إنه مبهم لا من حيث خصوصه، وكذا يقال في كل من الزائد على ما يتأدّى به الواجب، منها أنه يثاب عليه ثواب المندوب من حيث إنه مبهم لا من حيث خصوصه. (ويجوز تحريم واحد مبهم) من أشياء معينة (عندنا) نحو لا تتناول السمك أو اللبن أو البيض، فعلى المكلف تركه في أي معين منها، وله فعله في غيره، إذ لا مانع من ذلك ومنعه المعتزلة كمنعهم إيجابه لما مر عنهم فيهما. وزعمت طائفة منهم أنه لم ترد به اللغة، وهذا (كـ) ـالواجب (المخير) فيما مر فيه فالنهي عن واحد مبهم مما ذكر يحرّمه مبهما. وقيل يحرمه معينا عند الله تعالى ويسقط تركه الواجب بتركه أو ترك غيره منها. فالتارك لبعضها إن صادف المحرم فذاك، وإلا فقد ترك بدله، وقيل يحرمه كذلك وهو ما يختاره المكلف، وقيل يحرمها كلها فيعاقب بفعلها عقاب فعل محرمات ويثاب بتركها امتثالاً ثواب ترك محرمات، ويسقط تركها الواجب بترك واحد منها، فعلى الأول إن تركها كلها امتثالاً وتفاوتت، فالمختار أنه يثاب على ترك أشدها عقابا وإن فعلها مرتبة عوقب على آخرها، وإن تفاوتت لارتكابه المحرم به أو فعلها معا عوقب على أخفها عقابا،
стр. 28
فإن تساوت وفعلت معا أو تركت فالمعتبر أحدها. وقيل المحرم فيما إذا فعلت ولو مرتبة أخفها عقابا.
تنبيه:
المندوب كالواجب والمكروه كالحرام فيما ذكر.
(مسألة فرض الكفاية) المنقسم إليه وإلى فرض العين مطلق الفرض السابق حده (مهم يقصد) شرعا (جزما) من زيادتي (حصوله من غير نظر بالذات لفاعله) وإنما ينظر إليه بالتبع للفعل ضرورة أنه لا يحصل بدون فاعل وشمل الحد الديني كصلاة الجنازة والأمر بالمعروف والدنيوي كالحرف والصنائع، وخرج عنه السنة إذ لم يجزم بقصد حصولها، وفرض العين فإنه منظور بالذات لفاعله حيث قصد حصوله من كل عين أي واحد من المكلفين أو من عين مخصوصة كالنبي ﷺ فيما خص به. (والأصح أنه دون فرض العين) أي فرض العين أفضل منه كما نقله الشهاب ابن العماد عن الشافعي ﵁. قال ونقله عنه القاضي أبو الطيب، وذلك لشدة اعتناء الشارع به بقصد حصوله من كل مكلف في الأغلب، ويدل له تعليل الأصحاب تبعا للإمام الشافعي كراهة قطع طواف الفرض لصلاة الجنازة بأنه لا يحسن ترك فرض العين لفرض الكفاية. وقال إمام الحرمين وغيره فرض الكفاية أفضل لأنه يصان بقيام البعض به جميع المكلفين عن إثمهم المترتب على تركهم له، وفرض العين إنما يصان بالقيام به عن الإثم الفاعل فقط وترجيح الأول من زيادتي. (و) الأصح (أنه) أي فرض الكفاية (على الكل) لإثمهم بتركه كما في فرض العين، ولقوله تعالى ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ وهذا ما عليه الجمهور ونص عليه الشافعي في الأم. (ويسقط) الفرض (بفعل البعض) لأن المقصود كما مر حصول الفعل لا ابتلاء كل مكلف به ولا بعد في سقوط الفرض عن الشخص بفعل غيره كسقوط الدّين عنه بأداء غيره عنه، وقيل فرض الكفاية على البعض لا الكل ورجحه الأصل وفاقا بزعمه للإمام الرازي للاكتفاء بحصوله
стр. 29
من البعض ولآية ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ وأجيب عن الأول بما مر من أن المقصود حصول الفعل لا ابتلاء كل مكلف به، وعن الثاني بأنه في السقوط بفعل البعض جمعا بين الأدلة، وعلى القول الثاني فالمختار كما في الأصل البعض مبهم فمن قام به سقط الفرض بفعله،
وقيل معين عند الله تعالى يسقط الفرض بفعله وبفعل غيره كسقوط الدين فيما مر، وقيل معين كذلك وهو من قام به لسقوطه بفعله ثم مداره على الظن، فعلى قول الكل من ظن أن غيره فعله أو يفعله سقط عنه، ومن لا فلا، وعلى قول البعض من ظن أن غيره لم يفعله ولا يفعله وجب عليه ومن لا فلا.
واعلم أن الكل لو فعلوه معا وقع فعل كل منهم فرضا أو مرتبا، فكذلك، وإن سقط الحرج بالأولين. نعم إن حصل المقصود بتمامه كغسل الميت لم يقع غير الأوّل فرضا. (و) الأصح (أنه) أي فرض الكفاية (لا يتعين بالشروع) فيه لأن القصد به حصوله في الجملة فلا يتعين حصوله ممن شرع فيه. (إلا جهادا وصلاة جنازة وحجا وعمرة) فتتعين بالشروع فيها لشدة شبهها بالعيني، ولما في عدم التعيين في الأول من كسر قلوب الجند، وفي الثاني من هتك حرمة الميت، وهذا تبعت فيه الغزالي وغيره، وقيل يتعين فرض الكفاية بالشروع فيه أي يصير به كفرض العين في وجوب إتمامه بجامع الفرضية، وهذا ما صححه الأصل تبعا لابن الرفعة وهو بعيد، إذ أكثر فروض الكفايات لا تتعين بالشروع فيها كالحرف والصنائع وصلاة الجماعة. (وسنتها) أي سنة الكفاية المنقسم إليها وإلى سنة العين مطلق السنة السابق حده. (كفرضها) فيما مر لكن (بإبدال جزما بضده) فيصدق ذلك بأنها مهمّ يقصد بلا جزم حصوله من غير نظر بالذات لفاعله كابتداء السلام والتسمية للأكل من جهة جماعة، وبأنها دون سنة العين، وبأنها مطلوبة من الكل، وبأنها لا تتعين بالشروع فيها أي لا تصير به كسنة العين في تأكد طلب إتمامها على الأصح في الثلاث الأخيرة.
(مسألة: الأصح أن وقت) الصلاة (المكتوبة) كالظهر (جوازا وقت لأدائها) ففي أي جزء منه أوقعت، فقد أوقعت في وقت أدائها الذي يسعها وغيرها، ولهذا يعرف بالواجب الموسع، وقولي جوازا راجع إلى الوقت لبيان أن الكلام في وقت الجواز لا في الزائد عليه أيضا من وقتي الضرورة والحرمة، وإن كان الفعل فيهما أداء بشرطه. وقيل وقت أدائها أول الوقت فإن أخرت عنه فقضاء وإن فعل في الوقت حتى يأثم بالتأخير عن أوله، وقيل هو آخر الوقت فإن قدمت عليه فتقديمها تعجيل، وقيل هو الجزء الذي وقعت فيه من الوقت وإن لم تقع فيه فوقت أدائها الجزء الأخير من الوقت، وقيل إن قدمت على آخر الوقت وقعت واجبة بشرط بقاء الفاعل مكلفا إلى آخر الوقت فإن لم يبق كذلك وقعت نفلاً. وهذه الأقوال الأربعة منكرة للواجب الموسع. (و) الأصح (أنه) أي الشأن (يجب على المؤخر) أي مريد التأخير عن أول الوقت الذي هو سبب الوجوب (العزم) فيه على الفعل في الوقت كما صححه النووي في مجموعه، ونقله غيره عن أصحابنا ليتميز به التأخير الجائز عن غيره وتأخير الواجب الموسع عن المندوب في جواز التأخير عن أول الوقت، وقيل لا يجب اكتفاء بالفعل، ورجحه الأصل وزعم أن الأول لا يعرف إلا عن القاضي أبي بكر الباقلاني ومن تبعه، وأنه من هفوات القاضي ومن العظائم في الدين.
فإن قلت يلزم على الأول تعدد البدل والمبدل واحد. قلنا ممنوع إذ لا يجب إعادة العزم، بل ينسحب على آخر الوقت كانسحاب النية على أجزاء العبادة
стр. 30
الطويلة كما قاله إمام الحرمين وغيره.
فإن قلت العزم لا يصلح بدلاً عن الفعل إذ بدل الشيء يقوم مقامه والعزم ليس كذلك. قلت لا يخفى أن المراد بكونه بدلاً عنه أنه بدل عن إيقاعه في أول وقته لا عن إيقاعه مطلقا والعزم قائم مقامه في ذلك.
(ومن أخر) الواجب الموسع بأن لم يشتغل به أول الوقت مثلاً (مع ظن فوته) بموت أو حيض أو نحوهما. وهذا أعم من قوله مع ظن الموت. (عصى) لظنه فوت الواجب بالتأخير (و) الأصح (أنه إن بان خلافه) بأن تبين خلاف ظنه (وفعله) في الوقت (فأداء) فعله لأنه في الوقت المقدر له شرعا وقيل فعله قضاء لأنه بعد الوقت الذي تضيق بظنه وإن بان خطؤه، ويظهر أثر الخلاف في نية الأداء أو القضاء وفي أنه لو فرض ذلك في الجمعة تصلى في الوقت على الأول وتقضى ظهرا لا جمعة على الثاني. (و) الأصح (أن من أخر) الواجب المذكور (مع ظن خلافه) أي عدم فوته فبان خلاف ظنه ومات مثلاً في الوقت قبل الفعل. (لم يعص) لأن التأخير جائز له والفوت ليس باختياره، وقيل يعصى وجواز التأخير مشروط بسلامة العاقبة، هذا إن لم يكن عزم على الفعل، وإن عصى بتركه العزم وإلا فلا يعصى قطعا قاله الآمدي. (بخلاف ما) أي الواجب الذي (وقته العمر كحج) فإن من أخره بعد أن أمكنه فعله مع ظن عدم فوته كأن ظن سلامته من الموت إلى مضيّ وقت يمكنه فعله فيه ومات قبل فعله يعصى على الأصح، وإلا لم يتحقق الوجوب، وقيل لا يعصى لجواز التأخير له وعصيانه في الحج من آخر سني الإمكان على الأصح لجواز التأخير إليها، وقيل من أولها لاستقرار الوجوب حينئذ، وقيل غير مستند إلى سنة بعينها. (مسألة) الفعل (المقدور) للمكلف (الذي لا يتم) أي يوجد عنده (الواجب المطلق إلا به واجب) بوجوب الواجب (في الأصح) سببا كان أو شرطا إذ لو لم يجب لجاز ترك الواجب المتوقف عليه، وقيل لا يجب بوجوبه لأن الدال على الواجب ساكت عنه، وقيل يجب إن كان سببا كالنار للإحراق بخلاف الشرط كالوضوء للصلاة لأن السبب أشد ارتباطا بالمسبب من الشرط بالمشروط، وقيل يجب إن كان شرطا شرعيا كالوضوء للصلاة لا عقليا كترك ضد الواجب ولا عاديا كغسل جزء من الرأس بغسل الوجه ولا إن كان سببا شرعيا كصيغة الاعتاق له أو عقليا كالنظر للعلم عند الإمام
وغيره أو عاديا كحز الرقبة للقتل، إذ لا وجود لمشروطه عقلاً أو عادة ولا لمسببه مطلقا بدونه، فلا يقصدهما الشارع بالطلب بخلاف الشرط الشرعي، فإنه لولا اعتبار الشرع لوجد مشروطه بدونه وخرج بالمقدور غيره كقدر الله وإرادته، إذ الإتيان بالفعل يتوقف عليهما وهما غير مقدورين للمكلف، وبالمطلق المقيد وجوبه بما يتوقف عليه كالزكاة وجوبها متوقف على ملك النصاب، فلا يجب تحصيله فالمطلق ما لا يكون مقيدا بما يتوقف عليه وجوده وإن كان مقيدا بغيره كقوله تعالى ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ فإن وجوبها مقيد بالدلوك لا بالوضوء والتوجه للقبلة ونحوهما. (فلو تعذر ترك محرم إلا بترك غيره) من الجائز قيل كماء قليل وقع فيه بول.
стр. 31
(وجب) ترك ذلك الغير لتوقف ترك المحرم الذي هو واجب عليه. (أو اشتبهت حليلة) لرجل من زوجة أو أمة فتعبيري بذلك أولى وأعم من قوله أو اختلطت منكوحة (بأجنبية) منه (حرمتا) أي حرم قربانهما عليه، أما الأجنبية فأصالة، وأما الحليلة فلأنه لا يعلم الكف عن الأجنبية إلا بالكف عنها (وكما لو طلق معينة) من زوجتيه مثلاً (ثم نسيها) فإنهما يحرمان عليه لما مرّ. وقد يظهر الحال في هذه والتي قبلها فترجع الحليلة وغير المطلقة إلى ما كانتا عليه من الحل فلم يتعذر فيهما ترك المحرم وحده فلم يشملهما ما قبلهما ولو شملهما لكان الأولى إبدال أو بكان ليكونا مثالين له.
(مسألة مطلق الأمر)
بما بعض جزئياته مكروهة كراهة تحريم أو تنزيه (لا يتناول المكروه) منها الذي له جهة أو جهتان بينهما لزوم (في الأصح) . وقيل يتناوله، وعزى للحنفية لنا لو تناوله لكان الشيء الواحد مطلوب الفعل والترك من جهة واحدة وذلك تناقض (فلا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة) أي التي كرهت فيها صلاة النفل المطلق بشرطه كعند طلوع الشمس حتى ترتفع كرمح وعند اصفرارها حتى تغرب. (ولو) قلنا إن كراهتها فيها (كراهة تنزيه في الأصح)
стр. 32
(ومنه) أي القرآن (البسملة أول كل سورة في الأصح) لأنها مكتوبة كذلك بخط السور في مصاحف الصحابة مع مبالغتهم في أن لا يكتب فيها ما ليس منه، وقيل ليست منه مطلقا عند غيرنا وفي غير الفاتحة عندنا، وإنما هي في الفاتحة لابتداء الكتاب على عادة الله تعالى في كتبه، وفي غيرها للفصل بين السور وهي منه في أثناء سورة النمل إجماعا. (غير) أول سورة (براءة) أما أولها فليست البسملة من القرآن فيه جزما لنزولها بالقتال الذي لا تناسبه البسملة المناسبة للرحمة والرفق، وحيث قلنا إنها أول السور من القرآن فهي على الصحيح قرآن حكما لا قطعا بمعنى أن السورة لا تتم إلا بقراءتها أوّلها حتى لا تصح الصلاة بتركها أول الفاتحة، وإنما لم نكفر جاحدها للخلاف فيها. (لا الشاذ) وهو ما نقل قرآنا آحادا ولم يصل إلى رتبة القراءة الصحيحة الآتي بيانها كأيمانهما في قراءة والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما، فإنه ليس من القرآن. (في الأصح) لأنه لم يتواتر ولا هو في معنى المتواتر، وقيل إنه منه حملاً على أنه كان متواترا في العصر الأول لعدالة ناقله. (و) القراءات (السبع) المروية عن القراء السبعة أبي عمرو ونافع وابني كثير وعامر وعاصم وحمزة والكسائي (متواترة) من النبي إلينا نقلها عنه جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب لمثلهم وهلم، والمراد كما قال الإمامان أبو شامة وابن الجزري التواتر فيما اتفقت الطرق على نقله عن السبعة دون ما اختلفت فيه بمعنى أنه نفيت نسبته إليهم في بعض الطرق (ولو فيما هو من قبيل الأداء) بأن كان هيئة للفظ يتحقق بدونها (كالمد) الزائد على المدّ الطبيعي المعروف أنواعه في محله، وكالإمالة محضة كانت أو بين بين وكتخفيف الهمزة بنقل أو إبدال أو تسهيل أو إسقاط وكالمشدّد في نحو ﴿إياك نعبد﴾ بزيادة على أقل التشديد من مبالغة أو توسط خلافا لابن الحاجب في إنكاره تواتر ما هو من قبيل الأداء، فقد قال عمدة القراء والمحدثين الشمس ابن الجزري
لا نعلم أحدا تقدم ابن الحاجب في ذلك. قال وقد نص أئمة الأصول على تواتر ذلك كله، وكلام الأصل يميل إليه لكنه وافق في منع الموانع ابن الحاجب على عدم تواتر المدّ أي مطلقه، وتردد في تواتر الإمالة وجزم بتواتر تخفيف الهمزة واستظهره في غير ذلك مما هو من قبيل الأداء أيضا كالمشدد في نحو ﴿إياك نعبد﴾ بما مرّ.
(وتحرم القراءة بالشاذ) في الصلاة وخارجها لأنه ليس بقرآن على الأصح كما مرّ، وتبطل الصلاة به إن غير معنى أو زاد حرفا أو نقصه وكان عامدا عالما بالتحريم، كما قاله النووي. (والأصح) وفاقا للقراء وجماعة من الفقهاء ومنهم البغوي (أنه) أي الشاذ (ما وراء العشر) أي السبع السابقة وقراءات يعقوب وأبي جعفر وخلف، وقيل ما وراء السبع وهو ما عليه الأصوليون وجماعة من الفقهاء، ومنهم النووي فالثلاثة الزائدة على هذا تحرم القراءة بها، وعلى الأوّل هي كالسبع يجوز القراءة بها لصدق تعريف القراءة الصحيحة الآتي عليها، ولأنها متواترة على ما قاله في منع الموانع ووافقه تلميذه الإمام ابن الجزري في موضع، وقال في آخر المقروء به عن القراء العشرة قسمان متواتر وصحيح مستفيض متلقى بالقبول، والقطع حاصل بهما إذ العدل الضابط إذا انفرد بشيء تحتمله العربية والرسم واستفاض وتلقى بالقبول قطع به وحصل به العلم، وعلى هذا فالقراءة متواترة وصحيحة وشاذة، وقد بينها ابن الجزري بأبسط مما مرّ فقال فالمتواترة ما وافقت العربية ورسم أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا وتواتر نقلها، ومعنى ولو تقديرا ما يحتمله الرسم كمالك يوم الدين فإنه رسم بلا ألف في جميع المصاحف فيحتمل حذف ألفه اختصارا كما فعل في مثله من اسم الفاعل كقادم وصالح، فهو موافق للرسم تقديرا، والصحيحة ما صح سنده بنقل عدل ضابط عن مثله إلى منتهاه، ووافق العربية والرسم واستفاض نقله وتلقته الأئمة بالقبول وإن لم يتواتر، فهذه كالمتواترة في جواز
القراءة والصلاة بها والقطع بأن المقروء بها قرآن، وإن لم يبلغ مبلغها والشاذة ما وراء العشرة وهو ما نقل قرآنا ولم تتلقه الأئمة بالقبول ولم يستفض أو لم يوافق الرسم، فهذا لا تجوز القراءة ولا الصلاة به، وإن صحّ سنده عن أبي الدرداء وابن مسعود وغيرهما، وقراءة بعض الصحابة بها فيما صحّ سنده كانت قبل إجماع من يعتدّ به على المنع من القراءة بالشاذ مطلقا انتهى ملخصا وعليه فظاهر أن مراده بالصحيحة قراءة الثلاثة الزائدة على السبع.
(و) الأصح (أنه) أي الشاذ (يجري مجرى) الأخبار (الآحاد) في الاحتجاج، لأنه منقول عن النبيّ ولا يلزم من انتفاء خصوص قرآنيته انتفاء عموم خبريته، وقيل لا يحتج به لأنه إنما نقل قرآنا ولم تثبت قرآنيته، وعلى الأول احتجاج كثير من أئمتنا على قطع يمين السارق بقراءة أيمانهما، وإنما لم يوجبوا التتابع في صوم كفارة اليمين بقراءة متتابعات لما صحح الدارقطني إسناده عن عائشة ﵂ نزلت ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ متتابعات فسقطت متتابعات أي نسخت تلاوة وحكما، ولأن الشاذ إنما يحتج به إذا ورد لبيان حكم كما في أيمانهما بخلاف ما إذا ورد لابتداء الحكم لا يحتج به كما في متتابعات على أنه قيل إنها لم تثبت عن ابن مسعود. (و) الأصح (أنه لا يجوز ورود ما) أي لفظ (لا معنى له في الكتاب والسنة) لأنه كالهذيان فلا يليق بعاقل فكيف بالله وبرسوله، وقالت الحشوية يجوز وروده في الكتاب لوجوده فيه كالحروف المقطعة أوائل السور كطه ونون، وفي السنة بالقياس على الكتاب. وأجيب بأن الحروف المذكورة لها معان. منها أنها أسماء للسور والأكثرون على جواز أن يقال في الكتاب والسنة زائد كفوق في قوله تعالى ﴿فإن كنّ نساء فوق اثنتين﴾ وقوله ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ بناء على تفسير الزائد بما لا يختلّ الكلام بدونه لا بما لا معنى له أصلاً. (و) الأصح أنه (لا) يجوز أن يرد فيهما (ما يعني به غير ظاهره) أي معناه الخفي لأنه بالنسبة إليه كالمهمل (إلا بدليل) يبين المراد منه كما في العام المخصوص، وقالت المرجئة يجوز وروده فيهما من غير دليل حيث قالوا المراد بالآيات والأخبار الظاهرة في عقاب عصاة المؤمنين الترهيب فقط بناء على معتقدهم أن المعصية لا تضرّ مع الإيمان كما أن الكفر لا تنفع معه طاعة (و) الأصح (أنه لا يبقى) فيهما (مجمل كلف بالعمل به) بناء على الأصح الآتي من وقوعه فيهما (غير مبين) أي باقيا على إجماله بأن لم يتضح المراد منه إلى وفاته صلى الله
عليه وسلّم للحاجة إلى بيانه حذرا من التكليف بما لا يطاق، بخلاف غير المكلف بالعمل به، وقيل لا يبقى كذلك مطلقا لأن الله أكمل الدين قبل وفاته لقوله ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وقيل يبقى كذلك مطلقا قال تعالى في متشابه الكتاب ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ إذ الوقف هنا كما عليه جمهور العلماء، وإذا ثبت في الكتاب ثبت في السنة إذ لا قائل بالفرق. (و) الأصح (أن الأدلة النقلية قد تفيد اليقين بانضمام غيرها) من تواتر ومشاهدة كما في أدلة وجوب الصلاة، فإن الصحابة علموا معانيها المرادة بالقرائن المشاهدة، ونحن علمناها بواسطة نقل القرائن إلينا تواترا، وقيل تفيده مطلقا وعزي للحشوية، وقيل لا تفيده مطلقا لانتفاء العلم بالمراد منها قلنا يعلم بما ذكر آنفا.
المنطوق والمفهوم
أي هذا مبحثهما. (المنطوق ما) أي معنى (دلّ عليه اللفظ في محل النطق) حكما كان كتحريم التأفيف للوالدين بقوله تعالى ﴿فلا تقل لهما أفّ﴾ أو حكم كزيد في نحو جاء زيد بخلاف المفهوم فإن دلالة اللفظ عليه في محل السكوت لا في محل النطق كما سيأتي. (وهو) أي اللفظ الدال في محل النطق (إن أفاد ما) أي معنى (لا يحتمل) أي اللفظ (غيره) أي غير ذلك المعنى (كزيد) في نحو جاء زيد فإنه مفيد للذات المشخصة من غير احتمال لغيرها. (فنص) أي يسمى به (أو) أفاد (ما يحتمل بدله) معنى (مرجوحا كالأسد) في نحو رأيت اليوم الأسد، فإنه مفيد للحيوان المفترس محتمل للرجل الشجاع وهو معنى مرجوح لأنه معنى مجازى والأول حقيقي. (فظاهر) أي يسمى به أما المحتمل لمعنى مساوٍ للآخر كالجون في نحو ثوب زيد جون فإنه محتمل لمعنييه أي الأسود والأبيض على السواء فيسمى مجملاً وسيأتي.
واعلم أن النص يقال لما لا يحتمل تأويلاً كما هنا ولما يحتمله احتمالاً مرجوحا وهو بمعنى الظاهر، ولما دلّ على معنى كيف كان، ولدليل من كتاب أو سنة كما سيأتي في القياس. (ثم) اللفظ ينقسم باعتبار آخر إلى مركب ومفرد لأنه (إن دلّ جزؤه) الذي به تركيبه (على جزء معناه فمركب) تركيبا إسناديا كزيد قائم، أو إضافيا كغلام زيد، أو تقييديا كالحيوان الناطق. (وإلا) أي وإن لم يدل جزؤه على جزء معناه بأن لا يكون له جزء كهمزة الاستفهام أو يكون له جزء غير دال على معنى كزيد أو دال على معنى غير جزء معناه كعبد الله علما. (فمفرد) وقدم على تعريفه تعريف المركب لأن التقابل بينهما تقابل العدم والملكة والاعدام إنما تعرف بملكاتها. (ودلالته) أي اللفظ (على معناه مطابقة) وتسمى دلالة مطابقة لمطابقة أي موافقة الدال للمدلول. (وعلى جزئه) أي جزء معناه (تضمن) وتسمى دلالة تضمن لتضمن المعنى لجزئه المدلول. (و) على (لازمه) أي لازم معناه (الذهني) سواء ألزمه في الخارج أيضا أم لا (التزام) وتسمى دلالة التزام لالتزام المعنى أي استلزامه للمدلول كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق في الأول، وعلى الحيوان أو الناطق في الثاني، وعلى قابل العلم في الثالث اللازم خارجا أيضا، وكدلالة العمى أي عدم البصر عما من شأنه البصر على البصر اللازم للعمى ذهنا المنافي له خارجا لوجود كل منهما فيه بدون الآخر، ودلالة العام على بعض أفراده كجاء عبيدي مطابقة لأنه في قوّة قضايا بعدد أفراده، كما سيأتي ذلك في مبحث العلم فسقط ما قيل إنها خارجة عن الدلالات الثلاث، وقد أوضحت ذلك في شرح إيساغوجي، والدلالة كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بآخر وخرج بإضافتها للفظ الدلالة الفعلية كدلالة الخط والإشارة بزيادتي الوضعية دلالة اللفظ العقلية غير الالتزامية كدلالته على حياة لافظه والطبيعية كدلالة الأنين على الوجع.
(والأوليان) أي دلالتا المطابقة والتضمن (لفظيتان) لأنهما بمحض اللفظ ولا تغاير بينهما بالذات بل بالاعتبار، إذ الفهم فيهما واحد إن اعتبر بالنسبة إلى مجموع جزأي المركب سميت الدلالة مطابقة أو إلى كل جزء من الجزأين سميت تضمنا. (والأخيرة) أي دلالة الالتزام (عقلية) لتوقفها على انتقال الذهن من المعنى إلى لازمه وفارقت التضمينية بما مر، وبأن المدلول في التضمني داخل فيما وضع له اللفظ بخلافه في الالتزامية، وهذا ما عليه الآمد ي وابن الحاجب وغيرهما من المحققين، وجرى عليه شيخنا الكمال ابن الهمام، والأصل تبع صاحب المحصول وغيره في أن المطابقة لفظية والأخريان عقليتان وتبعتهم في شرح ايساغوجي، وما هنا أقعدوا أكثر المناطقة على أن الثلاث لفظيات (ثم هي) أي الأخيرة (إن توقف صدق المنطوق أو صحته) عقلاً أو شرعا (على إضمار) أي تقدير فيما دل عليه، (فدلالة اقتضاء) أي فدلالة اللفظ الالتزامية على معنى المضمر المقصود تسمى دلالة اقتضاء في الأحوال الثلاثة، فالأول كما في الحديث الآتي في مبحث المجمل «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» أي المؤاخذة بهما لتوقف صدقه على ذلك لوقوعهما والثاني كما في قوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ أي أهلها إذ القرية وهي الأبنية المجتمعة لا يصح سؤالها عقلاً، والثالث كما في قولك لمالك عبد أعتق عبدك عني، ففعل فإنه يصح عنك بتقدير ملكه لي فأعتقه عني لتوقف صحة العتق شرعا على الملك. (وإلا) أي وإن لم يتوقف صدق المنطوق ولا الصحة له على إضمار، (فإن دل) اللفظ المفيد له (على ما لم يقصد) به (فدلاله إشارة) أي فدلالة اللفظ على ما لم يقصد به تسمى دلالة إشارة كدلالة قوله تعالى ﴿أحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ على صحة صوم من أصبح جنبا للزومها للمقصود به من جواز جماعهنَّ بالليل الصادق بآخر جزء منه. (وإلا) بأن دلّ اللفظ على ما قصد به ولم يتوقف على إضمار (فدلالة إيماء) أي فدلالة اللفظ على ذلك تسمى
دلالة إيماء وتسمى تنبيها، وسيأتي بيانه مع مثاله في القياس في الملك الثالث من مسالك العلة وذكره هنا من زيادتي وعلم من تعبيري بهي دون تعبيره بالمنطوق أن هذه الدلالات الثلاث من قسم دلالة الالتزام، إذ المنطوق ينقسم إلى صريح وغيره فالصريح دلالتا المطابقة والتضمن وغيره دلالة الالتزام وهي تنقسم إلى الدلالات الثلاث.
فإن قلت دلالة الإنسان على قابل العلم مثلاً من أي الدلالات؟ قلت من دلالة الإشارة فيما يظهر.
(والمفهوم ما) أي معنى (دل عليه اللفظ لا في محل النطق) من حكم ومحله معا كتحريم كذا كما سيأتي (فإن وافق) المفهوم (المنطوق) به (فموافقة) ويسمى مفهوم موافقة (ولو) كان (مساويا) للمنطوق (في الأصح ثم) هو (فحوى الخطاب) أي يسمى به (إن كان أولى) من المنطوق (ولحنه) أي لحن الخطاب (إن كان مساويا) للمنطوق والمفهوم الأولى كتحريم ضرب الوالدين الدال عليه نظرا للمعنى قوله تعالى ﴿فلا تقل لهما أف﴾ فهو أولى من تحريم التأفيف المنطوق لكونه أشد منه في الإيذاء والمساوي كتحريم إحراق مال اليتيم الدال عليه نظرا لمعنى آية ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ فهو مساوٍ لتحريم الأكل لمساواة الإحراق للأكل في الإتلاف، وقيل لا يسمى المساوي بالموافقة وإن كان مثل الأولى في الاحتجاج به، وعليه فمفهوم الموافق هو الأولى ويسمى الأولى بفحوى الخطاب وبلحن الخطاب، وفحوى الكلام ما يفهم منه قطعا ولحنه معناه، ومما يطلق فيه المفهوم على محل الحكم كالمنطوق قولهم المفهوم، إما أولى من المنطوق بالحكم أو مساوٍ له فيه ومن المعنى المعلوم به موافقة المسكوت للمنطوق نشأ خلاف في أن الدلالة على الموافقة مفهومية أو قياسية أو لفظية وقد بينتها بقولي (فالدلالة) على الموافقة (مفهومية) أي بطريق الفهم من اللفظ لا في محل النطق، (على الأصح) والتصريح بهذا القول من زيادتي، وقيل قياسية أي بطريق القياس الأولى أو المساوى المسمى ذلك بالقياس الجلي كما سيأتي لصدق تعريف القياس عليه، والعلة في المثال الأول الإيذاء، وفي الثاني الإتلاف، وقيل الدلالة عليه لفظية لفهمه من اللفظ من غير اعتبار قياس، لكن لا بمجرد اللفظ بل مع السياق والقرائن فتكون الدلالة عليه مجازية من إطلاق الأخص على الأعم، فالمراد من منع التأفيف منع ازيذاء ومن منع أكل مال اليتيم منع إتلافه، وقيل لفظية لكن ينقل اللفظ عرفا إلى الأعم، فتكون الدلالة عليه حقيقة عرفية، وعلى هذين القولين تحريم
ضرب الوالدين وتحريم إحراق مال اليتيم من المنطوق، وإن كانا بقرينة على الأول منهما. (وإن خالفه) أي المفهوم أي المنطوق به (فمخالفة) ويسمى مفهوم مخالفة ودليل خطاب قيل ولحن خطاب. (وشرطه) أي مفهوم المخالفة ليتحقق (أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي حكم غيره) أي حكم السكوت. (كأم خرج) المذكور (للغالب في الأصح) كما في قوله تعالى ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ إذ الغالب كون الربائب في حجور الأزواج أي تربيتهم، وقيل لا يشترط انتفاء موافقة الغالب لأن المفهوم من مقتضيات اللفظ فلا يسقطه موافقة الغالب وهو مندفع بما يأتي. (أو لخوف تهمة) من ذكر المسكوت كقول قريب عهد بالإسلام لعبده بحضور المسلمين تصدق بهذا على المسلمين، ويريد وغيرهم وتركه خوفا من تهمته بالنفاق. (أو لموافقة الواقع) ، كما في قوله تعالى؛ ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ نزل في قوم من المؤمنين والو اليهود دون المؤمنين. (أو) لجواب (سؤال) عن المذكور. (أو لـ) ـبيان حكم (حادثة) تتعلق به، (أو لجهل بخكمه) دون حكم المسكوت، (أو عكسه) أي أو لجهل بحكم المسكوت دون حكم المنطوق، وذلك كما لو سئل رسول الله ﷺ هل في النعم السائمة زكاة، أو قبل بحضرته لفلان غنم سائمة أو خاطب من جهل حكم الغنم السائمة دون المعلوفة، أو كان هو عالما بحكم السائمة دون المعلوفة، فقال «في الغنم السمائمة زكاة» . وإنما لم يجعلوا جواب المسؤول والحادثة صارفين للعام عن عمومه كنظيره هنا لقوة اللفظ فيه بالنسبة إلى مفهوم المخالفة حتى عزى إلى الشافعي والحنفية أن دلالة العام على كل فرد من أفراده قطعية، وإنما اشترطوا للمفهوم انتفاء المذكورات لأنها فوائد ظاهرة وهو فائدة خفية فأخر عنها، وبذلك اندفع توجيه الوجه السابق والمقصود مما مر أنه لا مفهوم للمذكور في الأمثلة المذكورة ونحوها، ويعلم حكم المسكوت فيها من خارج بالمخالفة كما في الغنم
المعلوفة لما سيأتي، أو بالموافقة كما في آية الربيبة للمعنى، وهو أن الربيبة حرمت لئلا يقع بينها وبين أمها التباغض لو أبيحت نظرا للعادة في مثل ذلك، سواء أكانت في حجر اتلزوج أم لا وتقدّم خلاف في أن الدلالة في مفهوم الموافقة على حكم المسكوت قياسية أو لا. وقد حكيته هنا مع ما يترتب عليه بقولي (ولا يمنع) ما يقتضي تخصيص المذكور بالذكر (قياس المسكوت بالمنطوق) ، بأن كان بينهما علة جامعة لعدم معارضته له، (فلا يعمه) أي المسكوت المشتمل عى العلة (لمعروض) للمذكور من صفة أو غيرها لوجود العارض، وإنما يلحق به قياسا. (وقيل يعمه) إذ عارضه بالنسبة إلى المسكوت كأنه لم يذكر فيمتنع القياس، وإنما عبرت كالأصل بالمعروض أي اللفظ دون الموصوف لئلا يتوهم، كما قال في منع المانع اختصاص ذلك بمفهوم الصفة وليس كذلك. (وهو) أي مفهوم المخالفة بمعنى محل الحكم (صفة) أي مفهوم صفة والمراد بها لفظ مقيد لآخر وليس بشرط ولا استثناء ولا غاية لا النعت فقط (كالغنم السائمة وسائمة الغنم) أي الصفة كالسائمة في الأوّل من في الغنم السائمة زكاة، وفي الثاني من في سائمة الغنم زكاة قدم من تأخير وكل منهما يروى حديثا. (وكالسائمة) من في السائمة زكاة (في الأصح) المعز، وللجمهور لدلالته على السوم الزائد على الذات بخلاف اللقب، وقيل ليس من الصفة، ورجحه الأصل لاختلال الكلام بدونه كاللقب ودفع بما مرّ آنفا. (والمنفي) عن محلية الزكاة (في) المثالين (الأولين معلوفة الغنم على المختار) فيهما، وهو ما رجحه الإمام الرازي وغيره.
(وفي) المثال (الثالث معلوفة النعم) من إبل وبقر وغنم، وقيل المنفي في الأولين معلوفة النعم ولم يرجح الأصل منهما شيئا، بل قال وهل المنفي غير سائمتها أو غير مطلق السوائم؟ قولان. فالترجيح في المنفي في الأوّلين مع ذكره في الثالث من زيادتي، وقد بينت ما في الثالث وما ذكرته من الجمع بين الأوّلين كالأصل هنا أولى من فرقه في منع الموانع بينهما بأن الخلاف خاص بأولهما، وبأن المنفي في الثاني سائمة غير الغنم لا غير السائمة بناء على أن الصفة فيه لفظ الغنم على وزان «مطل الغني ظلم» .
(ومنها) أي من الصفة بالمعنى السابق (العلة) نحو أعط السائل لحاجته أي المحتاج دون غيره. (والظرف) زمانا أو مكانا نحو سافر غدا أي لا في غيره، واجلس أمام فلان أي لا في غيره من بقية جهائه. (والحال) نحو أحسن إلى العبد مطيعا أي لا عاصيا. (والشرط) نحو ﴿وإن كنّ أولات حمل فأنفقوا عليهنّ﴾ أي فغيرهنّ لا يجب الإنفاق عليهنّ. (وكذا الغاية) في الأصح نحو ﴿فإن طلقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ أي فإذا نكحته تحل للأول بشرطه، وقيل الغاية منطوق أي بالإشارة لتبادره إلى الأذهان، وأجاب الأول بأنه لا يلزم من ذلك أن يكون منطوقا. (وتقديم المعمول) بقيد زدته بقولي (غالبا) في الأصح نحو ﴿إياك نعبد﴾ أي لا غيرك، وقيل لا يفيد الحصر، وإنما أفاده في ﴿إياك نعبد﴾ للقرينة، وهي العلم بأن قائليه أي المؤمنين لا يعبدون غير ذلك. (والعدد) في الأصح نحو ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ أي لا أكثر ولا أقل، وهذا ما نقله الشيخ أبو حامد وغيره عن الشافعي وإمام الحرمين عنه وعن الجمهور، وقيل ليس منها. وعزاه النووي إلى جماهير الأصوليين، لكن تعقبه ابن الرفعة وتعجب منه مع أن ما نقله معارض بما مر عن الإمام.
(ويفيد الحصر إنما بالكسر في الأصح) لاشتمالها على نفي واستثناء تقديرا نحو ﴿إنما إلهكم الله﴾ أي لا غيره والإله المعبود بحق ونحو إنما زيد قائم أي لا قاعد مثلاً، وقيل ليست للحصر لأنها إنّ المؤكدة وما الزائدة الكافة فلا نفي فيها، وقيل للحصر منطوقا أي بالإشارة أما أنما بالفتح نحو ﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة﴾ الآية فليست لحصر بناء على بقاء أن فيها على مصدريتها مع كفها بما، والمعنى اعلموا حقارة الدنيا فلا تؤثروها على الآخرة الجليلة، فبقاء أن في الآية على المصدرية كاف في حصول المقصود بها من تحقير الدنيا، وقيل للحصر كأصلها إنما بالكسر، والمراد أن الدنيا ليست إلا هذه الأمور المحقرات أي لا القرب فإنها من أمور الآخرة لظهور ثمرتها فيها بقولي من زيادتي في الأصح راجع إلى المسائل الأربع (و) نحو (ضمير الفصل) نحو فالله هو الوليّ أي فغيره ليس بوليّ أي ناصر. (و) نحو (لا وإلا الاستثنائية) نحو لا عالم إلا زيد، وما قام إلا زيد منطوقهما نفي العلم والقيام عن غير زيد ومفهومهما إثبات العلم، والقيام لزيد، ومما يفيد الحصر نحو العالم زيد وصديقي زيد، وذلك مفاد من زيادتي نحو وقد يفاد أيضا من قولي كالأصل، ومنها ورتبته قبل الشرط. (وهو) أي الأخير وهو نحو لا وإلا الاستثنائية (أعلاها) أي أنواع مفهوم المخالفة إذ قيل إنه منطوق أي صراحة لسرعة تبادره إلى الأذهان، وبه يعلم أن في كون هذا من الصفة خلافا أيضا. (فما قيل) فيه إنه (منطوق) أي إشارة كنعت وحال وظرف وعلة مناسبات (كالغاية وإنما) والعدد (فالشرط) إذ لم يقل أحد إنه منطوق. (فصفة أخرى مناسبة) للحكم لأن بعض القائلين بالشرط خالف في الصفة. (و) صفة (غير مناسبة) كالمذكورات الغير المناسبة فهو سواء. (فالعدد) لإنكار كثير له دون ما قبله كما. (فتقديم المعمول) آخر المفاهيم لأنه لا يفيد الحصر في كل صورة كما مرّ. (والمفاهيم) المخالفة (حجة لغة في الأصح) ،
لقول كثير من أئمة اللغة بها، فقال جمع منهم في خبر «مطل الغنيّ المسكوت» ظلم» إنه يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم وهم إنما يقولون في مثل ذلك ما يعرفونه من لسان العرب، وقيل حجة شرعا لمعرفة ذلك من موارد كلام الشارع، وقيل حجة معنى وهو أنه لو لم ينف المذكور الحكم عن المسكوت لم يكن لذكره فائدة، وأنكر بعضهم مفاهيم المخالفة كلها مطلقا، وإن قال في المسكوت بخلاف حكم المنطوق فلأمر آخر كما في انتفاء الزكاة عن المعلوفة قال الأصل عدم الزكاة وردت في السائمة فبقيت المعلوفة على الأصل، وأنكرها بعضهم في الخبر نحو في الشام الغنم السائمة، فلا ينفي المعلوفة عنها لأن الخبر له خارجي يجوز الإخبار ببعضه فلا يتعين القيد فيه للنفي بخلاف الإنشاء نحو زكوا عن الغنم السائمة، وما في معناه مما مرّ فلا خارجي له فلا فائدة للقيد فيه إلا النفي، وأنكرها بعضهم في غير الشرع من كلام المؤلفين والواقفين لغلبة الذهول عليهم بخلافه في الشرع من كلام الله تعالى ورسوله. واعتمده السبكي والبرماوي قال وهو ظاهر المذهب وأنكر بعضهم صفة لا تناسب الحكم، كأن يقول الشارع في الغنم العفر الزكاة فهي كاللقب بخلاف المناسبة كالسوم لخفة مؤنة السائمة فهي كالعلة، وظاهر أن محل العمل بمفهومات المذكورات إذا لم يعارضه معارض أقوى وإلا قدم الأقوى كخبري «إنما الربا في النسيئة» و «إنما الولاء لمن أعتق» فإنهما معارضان بالإجماع، أما مفهوم الموافقة فاتفقوا على حجيته وإن اختلفوا في طريق الدلالة عليه كما مرّ. (وليس منها) أي من المفاهيم المخالفة (اللقب) علما كان أو اسم جنس أو اسم جمع (في الأصح) كما قال به جماهير الأصوليين، وقيل منها نحو على زيد حج، أي لا على غيره، إذ لا فائدة لذكره إلا نفي الحكم عن غيره. وأجيب بأن نفي الحكم عن غيره إنما كان للقرينة وبأن فائدة ذكره استقامة الكلام، إذ بإسقاطه تختل الصفة.
(مسألة من الألطاف) جمع لطف بمعنى ملطوف أي من الأمور الملطوف بالناس بها. (حدوث الموضوعات اللغوية) بإحداث لله تعالى، وإن قيل واضعها غيره من العباد لأنه الخالق لأفعالهم وفائدتها أن يصبر كل أحد من الناس عما في نفسه مما يحتاجه لغيره ليعاونه عليه لعدم استقلاله به. (وهي) في الدلالة على ما في النفس (أفيد من الإشارة والمثال) أي الشكل لأنها تعم الموجود والمعدوم، وهما يخصان الموجود المحسوس. (وأيسر) منهما أيضا لموافقتها للأمر الطبيعي دونهما لأنها كيفيات تعرض للنفس الضروري (وهي ألفاظ) ، ولو مقدّرة أو مركبة ولو تركيبا إسناديا (دالة على معان) خرج بالألفاظ الدوال الأربع، وهي الخطوط والعقود والإشارات والنصب، وبما بعدها الألفاظ المهملة. (و) إنما (تعرف بالنقل) تواترا كالسماء والأرض والحر والبرد لمعانيها المعروفة أو آحادا كالقرء للحيض وللطهر. (وباستنباط العقل منه) أي من النقل نحو الجمع المعرف باللام عام، فإن العقل يستنبطه مما نقل أن هذا الجمع يصح الاستثناء منه بأن يضم إليه، وكل ما صح الاستثناء منه مما لا حصر فيه فهو عام للزوم تناوله للمستثنى، فعلم أنها لا تعرف بمجرد العقل، إذ لا مجال له في ذلك (ومدلول اللفظ) إما (معنى جزئي أو كلي) لأنه إن منع تصوّره من الشركة فيه كمدلول زيد فجزئي، وإن لم يمنع منها كمدلول الإنسان فكلي، (أو لفظ مفرد) إما مستعمل كمدلول الكلمة بمعنى ما صدقها كرجل وضرب وهل، أو مهمل كمدلول أسماء حروف الهجاء كحروف جلس أي جه له سه. (أو) لفظ (مركب) إما مستعمل كمدلول لفظ الخبر أي ما صدقه كقام زيد أو مهمل كمدلول لفظ الهذيان، وسيأتي ذلك في مبحث الأخبار مع زيادة وإطلاق المدلول على الماصدق كما هنا شائع، والأصل إطلاقه على المفهوم وهو ما وضع له اللفظ. (والوضع) الشامل للغوي والعرفي والشرعي (جعل اللفظ دليل المعنى) فيفهمه منه العارف لوضعه له. (وإن لم يناسبه في الأصح) لأن اللفظ علامة للمعنى
بطريق الوضع، ولأن الموضوع للضدين كالجون للأسود والأبيض لا يناسبهما، واشترط عباد الصيمري من المعتزلة مناسبته له، قال وإلا فلم اختص به، وعليه فقيل أراد أنها حاملة على الوضع على وفقها فيحتاج إليه، وقيل أراد أنها كافية في دلالة اللفظ على المعنى، فلا يحتاج إلى الوضع يدرك ذلك من خصه الله به كما في القافة ويعرفه غيره منه.
حكي أن بعضهم كان يدعي أنه يعلم المسميات من الأسماء فقيل له ما مسمى آدغاغ وهو من لغة البربر؟ فقال أجد فيه يبسا شديدا وأراه اسم الحجر وهو كذلك. قال الأصفهاني والثاني هو الصحيح عن عباد. (واللفظ) الدال على معنى ذهني خارجي أي له وجود في الذهن بالإدراك، ووجود في الخارج بالتحقق كالإنسان بخلاف المعدوم لا وجود له في الخارج كبحر من زئبق. (موضوع للمعنى الذهني على المختار) وفاقا للإمام الرازي وغيره، لأنا إذا رأينا جسما من بعيد وظنناه صخرة سميناه بها، فإذا دنونا منه وعرفنا أنه حيوان وظنناه طيرا سميناه به، فإذا دنونا منه عرفنا أنه إنسان سميناه به، فاختلف الاسم لاختلاف المعنى الذهني، وذلك يدل على أن الوضع له والجواب بأن اختلاف الاسم لذلك الظن أنه في الخارج كذلك، فالموضوع له ما في الخارج والتعبير عنه تابع لإدراك الذهن له حسبما أدركه مردود بأنه لا يلزم من كون الاختلاف لظن ما ذكر أن يكون اللفظ موضوعا للمعنى الخارجي. وقيل موضوع للمعنى الخارجي لأن به تستقرّ الأحكام ورجحه الأصل، وقيل موضوع للمعنى من حيث هو من غير تقييد بذهني أو خارجي، واختاره السبكي. قال ابنه في منع الموانع والخلاف في اسم الجنس أي في النكرة إذ المعرفة منه ما وضع للخارجي، ومنه ما وضع للذهني كما سيأتي. وهذا التقييد يؤيد ما اخترته إذ النكرة موضوعة لفرد شائع من الحقيقة وهو كلي لا يوجد مستقلاً إلا في الذهن كما أوضحته في الحاشية.
(ولا يجب) هو أولى من قوله وليس (لكل معنى لفظ بل) إنما يجب (لمعنى محتاج للفظ) إذ أنواع الروائح مع كثرتها ليس لها ألفاظ لعدم انضباطها، ويدل عليها بالتقييد كرائحة كذا، فليست محتاجة إلى الألفاظ وبل هنا انتقالية لا إبطالية. (والمحكم) من اللفظ (المتضح العنى) من نصّ أو ظاهر (والمتشابه) منه (غيره) أي غير المتضح المعنى ولو للراسخ في العلم. (في الأصح) بناء على أن الوقف في الآية المشار إليها بعد على إلا الله. (وقد يوضحه الله لبعض أصفيائه) معجزة أو كرامة، وقيل هو غير متضح المعنى لغير الراسخ في العلم بناء على أن الوقف في الآية على ﴿والراسخون في العلم﴾ والاصطلاح المذكور مأخوذ من قوله تعالى ﴿منه آيات محكمات﴾ إلى آخره. وذكر الخلاف من زيادتي وتعريفي للمتشابه بما ذكر أولى من قوله والمتشابه ما استأثر الله بعلمه لأن ذاك تعريف بالملزوم. (واللفظ الشائع) بين الخواص والعوام. (لا يجوز وضعه لمعنى خفي على العوام) لامتناع تخاطبهم بما هو خفيّ عليهم لا يدركونه وإن أدركه الخواص. (كقول مثبتي الحال) أي الواسطة بين الموجود والمعدوم كما سيأتي أواخر الكتاب. (الحركة معنى يوجب تحرك الذات) أي الجسم، فإن هذا المعنى خفيّ التعقل على العوام، فلا يكون معنى الحركة الشائعة بين الجميع ومعناها الظاهر تحرك الذات أو انتقالها.
(مسألة المختار) ما عليه الجمهور. (أن اللغات توقيفية) أي وضعها الله تعالى فعبروا عن وضعه لها بالتوقيف لإدراكه به. (علمها الله) عباده (بالوحي) إلى بعض أنبيائه وهو الظاهر لأنه المعتاد في تعليم الله. (أو بخلق أصوات) في أجسام بأن تدلّ من يسمعها من العباد عليها. (أو) خلق (علم ضروري) في بعض العباد بها واحتج للقول بالتوقيف بقوله تعالى ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ أي الألفاظ الشاملة للأسماء والأفعال والحروف، لأن كلاً منها اسم أي عال بمسماه إلى الذهن أو علامة عليه، وتخصيص الاسم ببعضها عرف طرأ وتعليمه تعالى دالّ على أنه الواضع دون البشر، وقيل هي اصطلاحية لا توقيفية أي وضعها البشر واحد أو أكثر وحصل عرفانها منه لغيره بالإشارة والقرينة، كالطفل، أذ يعرف لغة أبويه بهما، واحتج لهذا القول بقوله تعالى ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ أي بلغتهم فهي سابقة على البعثة ولو كانت توقيفية والتعليم بالوحي لتأخرت عنها، وقيل القدر المحتاج إليه في التعريف بها للغير توقيفي لدعاء الحاجة إليه وغيره محتمل، وقيل القدر المحتاج إليه في التعريف اصطلاحي وغير محتمل، والحاجة إلى الأول تندفع بالاصطلاح، وتوقف كثير من العلماء عن القول بواحد من هذه الأقوال لتعارض أدلتها.
(و) المختار (أن التوقيف مظنون) لظهور دليله دون دليل الاصطلاح،
стр. 33
إذ لا يلزم من تقدم اللغة على البعثة أن تكون اصطلاحية لجواز أن تكون توقيفية ويتوسط تعليمها بالوحي بين النبوّة والرسالة. (وأن اللغة لا تثبت قياسا) أي به بقيد زدته بقولي (فيما في معناه وصف) فإذا اشتمل معنى اسم على وصف مناسب للتسمية كالخمر أي المسكر من ماء العنب لتخميره أي تغطيته للعقل ووجد ذلك الوصف في معنى اسم آخر كالنبيذ أي المسكر من غير ماء العنب لم يثبت له بالقياس ذلك الاسم لغة، فلا يسمى النبيذ خمرا، إذ ما من شيء إلا وله اسم لغة فلا يثبت له اسم آخر قياسا، كما إذا ثبت لشيء حكم بنص لم يثبت له حكم آخر قياسا، وقيل يثبت به فيسمى النبيذ خمرا فيجب اجتنابه بآية ﴿إنما الخمر والميسر﴾ لا بالقياس على الخمر، فإن قلت ينبغي ترجيحه فقد قال به الشافعي حيث قاس النباش بالسارق فأوجب القطع وقاس النبيذ بالخمر فأوجب الحدّ. قلنا قاس شرعا لا لغة إذ زوال العقل وأخذ مال الغير خفية وصف مناسب للحكم لا أنه قاس وصف النباش ووصف النبيذ بوصف السارق ووصف الخمر، وقيل تثبت به الحقيقة دون المجاز لأنه أخفض رتبة منها، وقيل غير ذلك والترجيح من زيادتي وبما تقرر علم أن محل الخلاف في غير الأعلام، وفيما لم يثبت تعميمه باستقراء، فالأعلام لا قياس فيها اتفاقا، وما ثبت تعميمه باستقراء كرفع الفاعل ونصب المفعول لا حاجة في ثبوت ما لم يسمع منه إلى قياس حتى يختلف في ثبوته، مع أنه لا يتحقق في جزئياته أصل وفرع، لأن بعضها ليس أولى من بعض بذلك، وخرج بما في معناه وصف غيره فلا قياس فيه اتفاقا لا لانتفاء الجامع.
(مسألة اللفظ) المفرد (والمعنى إن اتحدا) بأن كان كل منهما واحدا (فإن منع تصوّر معناه) أي معنى اللفظ المذكور (الشركة) فيه من اثنين مثلاً (فجزئي) أي فذلك اللفظ يسمى جزئيا حقيقيا كزيد. (وإلا) أي وإن لم يمنع تصوّر معناه الشركة فيه (فكلي) سواء امتنع وجود معناه كالجمع بين الضدين أم أمكن ولم يوجد منه كبحر زئبيق أو وجد وامتنع غيره كالإله أي المعبود بحق، أو أمكن ولم يوجد كالشمس أي الكوكب النهاري المضيء، أو وجد كالإنسان أي الحيوان الناطق، وما مر من تسمية المدلول جزئيا وكليا هو الحقيقة، وما هنا مجاز من تسمية الدال باسم المدلول. (متواطىء) ذلك الكلي. (إن استوى) معناه في أفراده كالإنسان فإنه متساوي المعنى في أفراده من زيد وعمرو وغيرهما سمي متواطئا من التواطؤ أي التوافق لتوافق أفراد معناه فيه. (وإلا) فإن تفاوت معناه في إفراده بالشدة أو التقدم كالبياض، فإن معناه في الثلج أشد منه في العاج، وكالوجود فإن معناه في الواجب قبله في الممكن، (فمشكك) سمي به لتشكيكه الناظر فيه في أنه متواطىء نظرا إلى جهة اشتراك الأفراد في أصل المعنى أو غير متواطىء نظرا إلى جهة الاختلاف. (وإن تعددا) أي اللفظ والمعنى كالإنسان والفرس. (فمباين) أي كل من اللفظين للآخر مباينا له لمباينة معنى كل منهما لمعنى الآخر. (أو) تعدد (اللفظ فقط) أي دون المعنى كالإنسان والبشر. (فمرادف) كل من اللفظين للآخر سمى مرادفا له لمرادفته له أي موافقته له في معناه. (وعكسه) وهو أن يتعدد المعنى دون اللفظ كأن يكون للفظ معنيان.
стр. 34
(إن كان) أي اللفظ (حقيقة فيهما) أي في المعنيين كالقرء للحيض والطهر. (فمشترك) لاشتراك المعنيين فيه. (وإلا فحقيقة ومجاز) كالأسد للحيوان المفترس وللرجل الشجاع، وإنما لم يقولوا أو مجازان أيضا، مع أنه يجوز أن يتجوّز في اللفظ من غير أن يكون له معنى حقيقي كما هو الأصح الآتي، كأنه، لأن هذا القسم لم يثبت وجوده.
(والعلم ما) أي لفظ (عين مسماه) خرج النكرة (بوضع) خرج بقية المعارف فإن كلاً منها لم يعين مسماه بالوضع بل بأمر آخر، فأنت مثلاً إنما يعين مسماه بقرينة الخطاب لا بوضعه، فإنه إنما وضع لما يستعمل فيه من أي جزئي وما ذكرته أولى من قوله ما وضع لمعنى لا يتناول غيره. (فإن كان تعيينه) أي المسمى (خارجيا فعلم شخص) فهو ما عين مسماه في الخارج بوضع، فلا يخرج العلم العارض الاشتراك كزيد سمي به كل من جماعة. (وإلا) بأن كان تعيينه ذهنيا، (فعلم جنس) . فهو ما عين مسماه في الذهن بوضع بأن يلاحظ وجوده فيه كأسامة علم للسبع أي لماهيته الحاضرة في الذهن. وأما اسم الجنس ويسمى المطلق، فهو عند جمع من المحققين ما وضع لشائع في جنسه، وسيأتي إيضاحه في بحث المطلق وعند الأصل تبعا لجمع وهو المختار ما وضع للماهية المطلقة أي من غير أن تعين في الخارج أو في الذهن كأسد اسم لماهية السبع واستعماله فيها كأن يقال أسد أجرأ من ثعلب، كما يقال أسامة أجرأ من ثعالة، ويدل على اعتبار التعيين في علم الجنس إجراء الأحكام اللفظية لعلم الشخص عليه كمنع الصرف مع تاء التأنيث، وإيقاع الحال منه نحو هذا أسامة مقبلاً، واستعمال علم الجنس أو اسم الجنس على القول الثاني معرفا أو منكرا في الفرد المعين أو المبهم من حيث اشتماله على الماهية حقيقي نحو هذا أسامة أو
стр. 35
الأسد أو أسد
أو إن رأيت أسامة أو الأسد أو أسدا ففر منه.
(مسألة الاشتقاق) هو لغة الاقطاع، واصطلاحا من حيث قيامه بالفاعل. (رد لفظ إلى) لفظ (آخر) . وإن كان الآخر مجازا (لمناسبة بينهما في المعنى) بأن يكون معنى الثاني في الأول. (و) في (الحروف الأصلية) بأن تكون فيهما على ترتيب واحد كما في الناطق من النطق بمعنى التكلم حقيقة، وبمعنى الدلالة مجازا كما في قولك الحال ناطقة بكذا أي دالة عليه، وقد لا يشتق من المجاز كما في الأمر بمعنى الفعل مجازا كما سيأتي،
وقضية الرد ما صرح به الأصل أنه لا بد في تحقيق الاشتراك من تغيير بين اللفظين تحقيقا كما في ضرب من الضرب، أو تقديرا كما في طلب من الطلب وحلب من الحلب. فتقدر فتحة اللام في الفعل غيرها في المصدر كما قدروا ضم النون في جنب جمعا غيرها فيه مفردا، ثم ما ذكر تعريف للاشتقاق المراد عند الإطلاق وهو الصغير، أما الكبير فليس فيه الترتيب كما في الجبذ والجذب، والأكبر ليس فيه جميع الأصول كما في الثلم والثلب، ويقال فيها أيضا أصغر وصغير وكبير وأصغر وأوسط وأكبر. (وقد يطرد) المشتق كاسم (الفاعل) نحو ضارب لكل من وقع منه الضرب (وقد يختص) بشيء (كالقارورة) من القرار للزجاجة المعروفة دون غيرها مما هو مقر للمائع ككوز. (ومن لم يقم) أي يتعلق (به) من الأشياء (وصف لم يشتقّ منه) أي من الوصف أي لفظه. (اسم عندنا) خلافا للمعتزلة في تجويزهم ذلك حيث نفوا عن الله تعالى صفاته الذاتية المجموعة في قول القائل
حياة وعلم قدرة وإرادة
وسمع وأبصار كلام مع البقا
ووافقوا على أنه عالم قادر مريد مثلاً، لكن قالوا بذاته لا بصفات زائدة عليها متكلم، لكن بمعنى أنه خالق الكلام في جسم كالشجرة التي سمع منها موسى ﵇ بناء على أن الكلام عندهم ليس إلا بالحروف والأصوات الممتنع اتصافه تعالى بها، ففي الحقيقة لم يخالفوا فيها هنا، لأن صفة الكلام بمعنى خلقه ثابتة له تعالى، وكذا بقية الصفات الذاتية، وإنما ينفون زيادتها على الذات ويزعمون أنها نفس الذات فرارا بذلك من تعدد القدماء على أن تعددها، إنما هو محذور في ذوات لا في ذات وصفات، وبنوا على تجويزهم المذكور ما ذكره الأصل هنا وغيره في المسألة النسخ قبل الفعل من اتفاقهم على أن إبراهيم ذبح ابنه إسماعيل ﵊، حيث أمرّ عندهم آلة الذبح على محله منه، واختلافهم هل إسماعيل مذبوح أو لا؟ فقيل نعم والتأم ما قطع منه، وقيل لا. فالقائل بهذا أطلق الذابح على من لم يقم به الذبح، لكن بمعنى أنه ممر آلته على محله فما خالف في الحقيقة، وعندنا لم يمرها عليه لنسخ الذبح قبل التمكن منه لقوله تعالى ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ .
(فإن قام به) أي بالشيء (ما) أي وصف (له اسم جواب) . الاشتقاق لغة من ذلك الاسم لمن قام به الوصف كاشتقاق العالم من العلم لمن قام به معناه. (وإلا) أي وإن لم يقم به ذلك بأن قام به ما ليس له اسم كأنواع الروائح إذ لم يوضع لها أسماء استغناء عنها بالتقييد كرائحة كذا كما مرّ. (لم يجز) أي الاشتقاق لاستحالته وهذا أولى من قوله لم يجب. (والأصح أنه يشترط بقاء) معنى (المشتق منه) في المحل (في كون المشتق) المطلق عليه (حقيقة إن أمكن) بقاء ذلك المعنى كالقيام. (وإلا فآخر جزء)
стр. 36
أي وإن لم يمكن بقاؤه كالتكلم، لأنه بأصوات تنقضي شيئا فشيئا، فالمشترط بقاء آخر جزء منه، فإذا لم يبق المعنى أو جزؤه الأخير في المحل يكون المشتق المطلق عليه مجازا كالمطلق قبل وجود المعنى نحو ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ وقيل لا يشترط ما ذكر فيكون المشتق المطلق بعد انقضائه حقيقة استصحابا للإطلاق، وقيل بالوقف عن الاشتراط وعدمه لتعارض دليلهما، وإنما عبرت كالأصل بالبقاء الذي هو استمرار الوجود الكافي في الاشتراط ليتأتى حكاية مقابله، وإنما اعتبر في الشق الني آخر جزء لتمام المعنى به وفي التعبير فيه بالبقاء تسمح احتمل لما مرّ، وقيل ما حاصله محل الخلاف إذا لم يطرأ على المحل وصف يضاد الأول، فإن طرأ عليه ذلك كالسواد بعد البياض والقيام بعد القعود لم يسم المحل بالأول حقيقة إجماعا، وهذا القول مأخوذ من كلام الآمدي في ردّه دليل القول بعدم اشتراط البقاء الذي لا يلتزم الراد فيه مذهبنا، والأصح جريان الخلاف، وقد بينت ما في كلام الآمدي في الحاشية، وعلى اشتراط ما ذكر بل وعلى عدمه أيضا.
(فاسم الفاعل) من جملة المشتق (حقيقة في حال التلبس) بالمعنى أو جزئه الأخير مطلقا. (لا) حال (النطق) بالمشتق أيضا فقط خلافا للقرافي حيث قال بالثاني، وبنى عليه سؤاله في آيات ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾ ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ونحوها أنها إنما تتناول من اتصف بالمعنى بعد نزولها الذي هو حال النطق مجازا، والأصل عدم المجاز قال والإجماع على تناولها له حقيقة، وأجاب بأن المسألة محلها في المشتق المحكوم به نحو زيد ضارب، فإن كان محكوما عليه كما في هذه الآيات فحقيقة مطلقا. وقال السبكي وتبعه ابنه في دفع السؤال إن المعنيّ بالحال حال التلبس بالمعنى، وإن تأخر عن النطق بالمشتق لا حال النطق به الذي هو حال التلبس بالمعنى أيضا فقط. أي فالإجماع إنما هو في التناول لمن ذكره حال التلبس لا حال النطق، فاسم الفاعل مثلاً حقيقة في من هو متصف بالمعنى حين قيامه به حاضرا عند النطق أو مستقبلاً ومجاز في من سيتصف به، وكذا فيمن اتصف به فيما مضى على الصحيح. (ولا إشعار للمشتق بخصوصية الذات) التي دل هو عليها من كونها جسما أو غيره، لأن قولك مثلاً الأسود جسم صحيح ولو أشعر الأسود فيه بالجسمية لكان قولك الجسم ذو السواد جسم وهو غير صحيح لعدم إفادته.
(مسألة الأصح أن) اللفظ (المرادف) لآخر (واقع) في الكلام جوازا مطلقا كليث وأسد، وقيل لا. وما يظن مرادفا كالإنسان والبشر فمباين بالصفة الأول باعتبار النسيان وأنه يأنس، والثاني باعتبار أنه بادي البشرة أي ظاهر الجلد، وقيل لا في الأسماء الشرعية لأنه ثبت على خلاف الأصل للحاجة إليه في نحو النظم والسجع، وذلك منتف في كلام الشارع. (و) الأصح (أن الحد والمحدود) كالحيوان الناطق والإنسان (ونحو حسن بسن) أي الاسم وتابعه كعطشان نطشان، (ليسا منه) أي من المرادف أما الأول فلأن الحد يدل على أجزاء الماهية تفصيلاً والمحدود يدل عليها إجمالاً فهما متغايران، ولأن الترادف من عوارض المفردات، وقيل منه بقطع النظر عن الإجمال والتفصيل، وأما الثاني فلأن التابع لا يفيد المعنى بدون متبوعه وقيل منه وقائله يمنع ذلك. (والتابع) على الأول (يفيد التقوية) للمتبوع وإلا لم يكن لذكره فائدة (و) الأصح (أن كلاً من المرادفين) ولو من لغتين (يقع) جوازا (مكان الآخر) في الكلام مطلقا، إذ لا مانع من ذلك، وقيل لا، إذ لو أتي بكلمة فارسية مكان كلمة عربية في كلام لم يستقم لغة الكلام، لأن ضم لغة إلى أخرى كضم مهمل ومستعمل، وإذا عقل ذلك في لغتين عقل مثله
стр. 37
في لغة، وقيل لا إن كانا من لغتين لما مرّ، وعلى الأصح إنما امتنع ذلك فيما تعبد بلفظه كتكبيرة الإحرام عندنا للقادر عليها العارض شرعي، والبحث إنما هو لغوي فلا حاجة إلى التقييد بذلك وإن قيد به الأصل.
(مسألة الأصح أن المشترك) بين معنيين مثلاً (واقع) في الكلام (جوازا) كالقراء للطهر والحيض وعسعس لأقبل وأدبر والباء للتبعيض والاستعانة وغيرهما. وقيل لا، وما يظنّ مشتركا فهو إما حقيقة أو مجاز أو متواطىء كالعين حقيقة في الباصرة مجاز في غيرها كالذهب لصفائه، وكالقرء موضوع للقدر المشترك بين الطهر والحيض، وهو المع من قرأت الماء في الحوض أي جمعته فيه، والدم يجتمع في زمن الطهر في الجسد وفي زمن الحيض في الرحم، وقيل لا في القرآن والحديث لأنه ولو وقع فيهما لوقع إما مبينا فيطول بلا فائدة أو غير مبين فلا يفيد، والقرآن والحديث ينزهان عن ذلك. وأجيب باختيار الثاني ويفيد إرادة أحد معنييه الذي سيبين وإن لم يبين حمل على معنييه كما سيأتي. وقيل يجب وقوعه لأن المعاني أكثر من الألفاظ الدالة عليها. وأجيب بمنع ذلك إذ ما من مشترك إلا ولكل من معنييه مثلاً لفظ يدل عليه، وقيل هو ممتنع لإخلاله بفهم المراد المقصود من الوضع. وأجيب بأنه يفهم بالقرينة، والمقصود من الوضع الفهم التفصيلي أو الإجمالي المبين بالقرينة. فإن انتفت حمل على المعنيين، وقيل ممتنع من النقيضين فقط إذ لو وضع لهما لفظ لم يفد سماعه غير التردد بينهما وهو حاصل في العقل. وأجيب بأنه قد يعقل عنهما فيستحضرهما بسماعه ثم يبحث عن المراد منهما.
(و) الأصح (أنه) أي المشترك. (يصح لغة إطلاقه على معنييه) مثلاً (معا) بأن يراد به من متكلم واحد في وقت واحد كقولك عندي عين وتريد الباصرة والجارية مثلاً. وقرأت هند وتريد طهرت وحاضت. (مجازا) لأنه لم يوضع لهما معا بل لكل منهما منفردا بأن تعدد الواضع أو وضع الواحد نسيانا للأوّل. وعن الشافعي أنه حقيقة نظرا لوضعه لكل منهما وأنه ظاهر فيهما عند التجرد عن القرائن، وعن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه حقيقة، وأنه مجمل لكن يحمل عليهما احتياطا. وقيل يصح أن يراد به المعنيان عقلاً لا لغة، وقيل يصح ذلك في النفي نحو لا عين عندي، ويراد به الباصرة والذهب مثلاً دون الإثبات نحو عندي عين لأن زيادة النفي على الإثبات معهودة، وردّ بأن النفي لا يرفع إلا ما يقتضيه الإثبات والخلاف فيما إذا أمكن الجمع بينهما، فإن امتنع كما في استعمال صيغة أفعل في طلب الفعل والتهديد عليه على القول الآتي إنها مشتركة بينهما فلا يصح قطعا. (و) الأصح (أن جمعه باعتبارهما) أي معنييه بناء على جواز جمعه، وهو ما رجحه ابن مالك كقولك عندي عيون وتريد مثلاً باصرتين وجارية أو باصرة وجارية وذهبا. (مبني عليه) أي على ما ذكر من صحة إطلاق اللفظ المشترك المفرد عليهما معا كما أن المنع مبني على المنع، وقيل لا يبنى عليه فقط بل يأتي على القول بالمنع أيضا، لأن الجمع في قوّة تكرير المفردات بالعطف. (و) الأصح (أن ذلك) أي ما ذكر من صحة إطلاق اللفظ على معنييه معا مجاز إلى آخره. (آت في الحقيقة والمجاز) كما في قولك رأيت الأسد وتريد الحيوان المفترس والرجل الشجاع، فيكون مجازا. وقيل حقيقة ومجازا. ومنع القاضي ذلك على ما نقله عنه الأصل لما فيه من الجمع بين متنافيين حيث أريد باللفظ الموضوع له أو لا وغيره معا. وأجيب بمنع التنافي. (و) آت (في المجازين) كقولك والله لا أشتري وتريد السوم والشراء بالتوكيل فيه، وقيل لا يأتي فيهما لما مرّ، وإذا علم صحة
إطلاق اللفظ على حقيقته ومجازه. (فنحو افعلوا الخير يعم الواجب والمندوب) حملاً لصيغة افعل على الحقيقة والمجاز من الوجوب والندب بقرينة كون متعلقهما كالخير شاملاً للواجب والمندوب، وقيل يختص بالواجب بناء على أنه لا يراد المجاز مع الحقيقة. وقيل هو للقدر المشترك بين الواجب والمندوب أي مطلوب الفعل بناء على القول الآتي أن الصيغة
стр. 38
حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب أي طلب الفعل وإطلاق الحقيقة والمجاز على المعنى كما هنا مجازي من إطلاق اسم الدال على المدلول.
(الحقيقة لفظ مستعمل) خرج اللفظ المهمل وما وضع ولم يستعمل. (فيما وضع له) خرج الغلط كقولك خذ هذا القوس مشيرا إلى حمار. (أو لا) خرج المجاز. (وهي لغوية) بأن وضعها أهل اللغة بتوقيف أو اصطلاح كالأسد للحيوان المفترس (وعرفية) بأن وضعها أهل العرف العام كالدابة لذات الحوافر كالحمار، وهي لغة لكل ما يدبّ على الأرض أو الخاص كالفاعل للاسم المعروف عند النحاة. (ووقعتا) أي اللغوية والعرفية خلافا لقوم في العامة. (وشرعية) بأن وضعها الشارع كالصلاة للعبادة المخصوصة فالشرعي ما لم يستفد وضعه إلا من الشرع. (والمختار وقوع الفرعية منها) أي من الشرعية كالصلاة. (لا الدينية) أي المتعلقة بأصول الدين فإنها في الشرع مستعملة في معناها اللغوي كالإيمان فإنه كذلك، ومعناه اللغوي تصديق القلب، وإن اعتبر الشارع في الاعتداد به التلفظ بالشهادتين من القادر كما سيأتي. ونفي قوم إمكان الشرعية بناء على أن بين اللفظ والمعنى مناسبة مانعة من نقله إلى غيره، وقوم وقوعها محتجين بأن لفظ الصلاة مثلاً مستعمل في الشرع في معناه اللغوي أي الدعاء بخير، لكن اعتبر الشارع في الاعتداد به أمورا كالركوع وغيره، وقال قوم وقعت مطلقا، وقوم وقعت إلا الإيمان فإنه في الشرع مستعمل في معناه اللغوي كما مر. (والمجاز) في الإفراد وهو المراد عند الإطلاق (لفظ مستعمل) فيما وضع له لغة أو عرفا أو شرعا (بوضع) خرج المهمل وما لم يستعمل والغلط. (ثان) خرج الحقيقة (لعلاقة) بفتح العين وكسرها أي علقة بين ما وضع له أولاً وما وضع له ثانيا بحيث ينتقل إليه الذهن بواسطتها خرج العلم المنقول كالفضل، وفي تقييد الوضع دون الاستعمال بالثاني إشارة إلى وجوب تقدم الوضع دون الاستعمال وهو ما ذكرته مع زيادة بقولي (فيجب سبق الوضع) للمعنى الأول. (جزما لا) سبق (الاستعمال) فيه فلا يجب في تحقيق المجاز. (في الأصح) . إذ لا مانع من أن يتجوز في اللفظ قبل استعماله فيما وضع له
أولاً. فلا يستلزم المجاز للحقيقة كعكسه، وقيل يجب سبق الاستعمال في ذلك، وإلا لعري الوضع الأول عن الفائدة. وأجيب بحصولها باستعماله فيما وضع له ثانيا، وصحح الأصل من عندياته أنه لا يجب ذلك إلا في مصدر المجاز بمعنى أنه لا يتحقق في المشتق مجاز إلا إذا سبق استعمال مصدره حقيقة، وإن لم يستعمل المشتق حقيقة كالرحمن لم يستعمل إلا في الله تعالى، وفي صحة ما صححه وقفة بينتها في الحاشية.
(وهو) أي المجاز (واقع) في الكلام مطلقا (في الأصح) ونفى قوم وقوعه مطلقا قالوا وما يظنّ مجازا نحو رأيت أسدا يرمى فحقيقة، ونفي قوم وقوعه في الكتاب والسنة قالوا لأنه بحسب الظاهر كذب نحو قولك في البليد هذا حمار، وكلام الله ورسوله منزه عن الكذب. وأجيب بأنه لا كذب مع اعتبار العلاقة وهي في ذلك المشابهة في الصفة الظاهرة أي عدم الفهم. (و) إنما (يعدل إليه) عن الحقيقة التي هي الأصل (لثقل الحقيقة) على اللسان كالخنفقيق للداهية يعدل عنه إلى الموت مثلاً. (أو بشاعتها) كالخرأة بكسر الخاء يعدل عنها إلى الغائط وحقيقته المكان المطمئن (أو جهلها) للمتكلم أو المخاطب دون المجاز. (أو بلاغته) نحو زيد أسد فإنه أبلغ من شجاع. (أو شهرته) دون الحقيقة. (أو غير ذلك) كإخفاء المراد عن غير المتخاطبين الجاهل بالمجاز دون الحقيقة وكإقامة وزن وقافية وسجع به دون الحقيقة. (والأصح أنه) أي المجاز (ليس غالبا على الحقيقة) في اللغات،
стр. 39
وقيل غالب عليها في كل لغة لأنك تقول مثلاً رأيت زيدا والمرئي بعضه، وهذا لا يدل على المدعي كما بينته في الحاشية. (ولا) أي وأنه ليس (معتمدا) عليه (حيث تستحيل) الحقيقة بل لا بد من قرينة تدل له وخالف أبو حينفة حيث قال فيمن قال لعبده الذي لا يولد مثله لمثله هذا ابني أنه يعتق عليه وإن لم ينو العتق اللازم للبنوّة صونا للكلام عن الإلغاء. قلنا لا ضرورة إلى تصحيحه بذلك، وفارق هذا ما مر من أن الحقيقة إذا جهلت يعدل إلى المجاز بأن ذاك في الاستعمال، وهذا في الحمل، وبأن ذلك بالنظر لتعدد اللفظ واتحاد المعنى، وهذا بالعكس أما إذا كان مثله يولد لمثله فيعتق عليه اتفاقا إن لم يكن معروف النسب من غيره، وإلا فكذلك على الأصح مؤاخذة له باللازم وإن لم يثبت اللزوم. (وهو) أي المجاز (والنقل) المعلوم من ذكر كل من الحقيقة الشرعية العرفية. (خلاف الأصل) الراجح فإذا احتمل لفظ معناه الحقيقي والمجازي أو المنقول عنه،
وإليه فالأصل حمله على الحقيقي لعدم الحاجة فيه إلى قرينة أو على المنقول عنه استصحابا للموضوع له أوّلاً مثالهما رأيت أسدا وصليت أي حيوانا مفترسا ودعوت بخير أي سلامة منه، ويحتمل الرجل الشجاع والصلاة الشرعية. (و) المجاز والنقل (أولى من الاشتراك) فإذا احتمل لفظ هو حقيقة في معنى أن يكون في آخر حقيقة ومجازا أو حقيقة ومنقولاً فحمله على المجاز أو المنقول أولى من حمله على الحقيقة المؤدي إلى الاشتراك، لأن المجاز أغلب من المشترك والمنقول لا يمتنع العمل به لإفراد مدلوله قبل النقل وبعده، بخلاف المشترك لا يعمل به إلا بقرينة تعين أحد معنييه مثلاً إلا إذا قيل بحمله عليهما، فالأول كالنكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وقيل العكس، وقيل مشترك بينهما فهو حقيقة في أحدهما محتمل للحقيقة والمجاز في الآخر، والثاني كالزكاة حقيقة في النماء أي الزيادة محتمل فيما يخرج من المال للحقيقة والنقل. (والتخصيص أولى منهما) أي من المجاز والنقل، فإذا احتمل الكلام تخصيصا ومجازا أو تخصيصا ونقلاً فحمله على التخصيص أولى، أما الأول فلتعين الباقي من العام بعد التخصيص بخلاف المجاز قد لا يتعين بأن يتعدد ولا قرينة تعين، وأما الثاني فلسلامة التخصيص من نسخ المعنى الأول بخلاف النقل، فالأول كقوله تعالى ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ فقال الحنفي أي مما لم يتلفظ بالبسملة عند ذبحه وخص منه ناسيها فتحل ذبيحته وقال غيره أي مما لم يذبح تعبيرا عن الذبح بما يقارنه غالبا من التسمية، فلا تحل ذبيحة المتعمد لتركها على الأول دون الثاني، وفي الآية تأويل آخر ذكرته في الحاشية، والثاني كقوله تعالى ﴿وأحل الله البيع﴾ فقيل هو
стр. 40
المبادلة مطلقا وخص منه الفاسد، وقيل نقل شرعا إلى المستجمع لشروط الصحة، وهما قولان للشافعي، فما شك في استجماعه لها يحل ويصح على الأول، لأن الأصل عدم فساده دون الثاني، لأن الأصل عدم استجماعه لها.
(
والأصح أن الاضمار أولى من النقل) لسلامته من نسخ المعنى الأول، وقيل عكسه لعدم احتياج النقل إلى قرينة كقوله تعالى ﴿وحرم الربا﴾ فقال الحنفي أخذه وهو الزيادة في بيع درهم بدرهمين مثلاً، فإذا أسقطت صح البيع وارتفع الإثم، وقال غيره نقل الربا شرعا إلى العقد فهو فاسد، وإن أسقطت الزيادة في ذلك والإثم فيه باق، وترجيح هذا عندنا لا للنقل بل لمرجح خاص هو تنظير الربا بالبيع في قوله تعالى حكاية عن الكفار ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ فإنه ظاهر في العقد كما أوضحته في الحاشية، وما ذكرته من الخلاف هو ما في الأصل مع أنه لم يصرح فيه ولا فيما يأتي أثره بترجيح، لكن قال الزركشي والعراقي المعروف تقديم الإضمار. (و) الأصح (أن المجاز مساوٍ للإضمار) وقيل أولى منه لكثرته، وقيل عكسه لأن قرينة الإضمار متصلة كقوله لعبده الذي يولد مثله لمثله أو المشهور النسب من غيره هذا ابني أي عتيق تعبيرا عن اللازم بالملزوم فيعتق، أو مثل ابني في الشفقة عليه فلا يعتق، وتقدّم ترجيح الأول وترجيحه لا للمجاز بل لأمر آخر هنا وهو تشوّف الشارع إلى العتق على أن المختار في الروضة أنه لا بد في العتق من نية ويؤخذ مما مرّ من أن التخصيص أولى من المجاز الأولى من الاشتراك، والمساوي للإضمار الأولى من النقل أن التخصيص أولى من الاشتراك والإضمار، وأن الإضمار أولى من الاشتراك، وأن المجاز أولى من النقل، والكل صحيح، ووجه الأخير سلامة المجاز من نسخ المعنى الأول بخلاف النقل، وقد تقدم بهذه الأربعة العشرة التي ذكروها في تعارض ما يخل بالفهم أي اليقين لا الظنّ، وقد أوضحت ذلك مع زيادة في الحاشية.
(ويكون) المجاز من حيث العلاقة (بشكل) كالفرس لصورته المنقوشة (وصفة ظاهرة) كالأسد للرجل الشجاع دون الأبخر لظهور الشجاعة دون البخر للأسد المفترس. (واعتبار ما يكون) في المستقبل (قطعا) نحو ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ (أو ظنا) كالخمر للعصير بخلاف ما يكون احتمالاً مرجوحا أو مساويا كالحرّ للعبد لا يجوز أما باعتبار ما كان كالعبد لمن عتق فتقدم في الاشتقاق. (ومضادة) كالمفازة للبرّية
следующие страницы →