Полный текст (164 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
إلا إذا قام دليل على جواز القياس فيه بنوعه أو شخصه وعلى اشتراط الثاني لا يقاس فيما اختلف في وجود العلة فيه، بل لا بدّ من الاتفاق على ذلك بعد الاتفاق على أن حكم الأصل معلل، وكل منهما مردود بأنه لا دليل عليه.
(الثاني) من أركان القياس (حكم الأصل وشرطه ثبوته بغير قياس ولو إجماعا) إذ لو ثبت بقياس كان القياس الثاني عند اتحاد العلة لغو للاستغناء عنه بقياس الفرع فيه على الأصل في الأول، وعند اختلافها غير منعقد لعدم اشتراك الأصل، والفرع فيه في علة الحكم، فالاتحاد كقياس التفاح على البرّ في الربوية بجامع الطعم ثم قياس السفرجل على التفاح، فيما ذكر. وهو لغو للاستغناء عنه بقياس السفرجل على البر والاختلاف كقياس الرتق، وهو انسداد محل الوطء على جب الذكر في فسخ النكاح بجامع فوات التمتع، ثم قياس الجذام على الرتق فيما ذكر وهو غير منعقد، لأن فوات التمتع غير موجود فيه، وقيل لا يثبت بإجماع أيضا لا أن يعلم أن مستنده نص ليستند القياس إليه، وردّ بأنه لا دليل عليه ولا يضر احتمال أن يكون الإجماع عن قياس، لأن كون حكم الأصل حينئذ عن قياس مانع من القياس، والأصل عدم المانع. (وكونه غير متعبد به بالقطع) أي اليقين (في قول) لأن ما تعبد فيه باليقين إنما يقاس على محله ما يطلب فيه اليقين كالعقائد والقياس لا يفيد اليقين، وردّ بأنه يفيده إذا علم حكم الأصل وما هو العلة فيه ووجودها في الفرع، وزدت في قول ليوافق ما رجحته كالأصل قبل من جواز القياس في العقليات. (وكونه من جنس الحكم الفرع) فيشترط كونه شرعيا إن كان المطلوب إثباته حكما شرعيا وكونه عقليا إن كان المطلوب إثباته حكما عقليا وكونه لغويا إن كان المطلوب إثباته حكما لغويا (وأن لا يعدل) أي حكم الأصل (عن سنن القياس) فما عدل عن سننه أي خرج عن طريقه لا يقاس على محله لتعذر التعدية حينئذ كشهادة خزيمة بن ثابت وحده، فلا يقاس به غيره، وإن فاته رتبة كالصديق ﵁ وقصة شهادته رواها ابن خزيمة، وحاصلها أن النبي ﷺ ابتاع فرسا من أعرابي فجحده البيع، وقال هلم شهيدا يشهد عليّ فشهد عليه خزيمة أي وحده، فقال له النبي ﷺ ما حملك على هذا ولم
تكن حاضرا؟ فقال صدقتك بما جئت به وعلمت أنك لا تقول إلا حقا، فقال ﷺ «من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه» . ورواها أبو داود أيضا وقال فجعل النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين. (و) أن (لا يكون دليله) أي دليل حكم الأصل (شاملاً لحكم الفرع) للاستغناء به حينئذ عن القياس، مع أنه ليس جعل بعض الصور المشمولة أصلاً لبعضها أولى من العكس، كما لو استدل على ربوية البر بخبر مسلم «الطعام بالطعام مثلاً بمثل» ثم قيس عليه الذرة بجامع الطعم فإن الطعام يشمل الذرة كالبر سواء، وسيأتي أنه لا يشترط في العلة أن لا يشمل دليلها حكم الفرع بعمومه أو خصوصه في الأصح، وفارق ما هنا بما فهم من المعية السابقة. (وكونه) أي حكم الأصل (متفقا عليه جزما) ، وإلا احتيج عند منعه إلى إثباته فينتقل إلى مسألة أخرى، وينتشر الكلام ويفوت المقصود، وذلك ممنوع منه إلا أن يروم المستدل إثباته فليس ممنوعا كما يعلم مما يأتي (بين الخصمين فقط في الأصح) لأن البحث لا يعدوهما وقيل بين كل الأمة حتى لا يتأتى المنع أصلاً.
(
والأصح أنه لا يشترط) مع اشتراط اتفاق الخصمين فقط (اختلاف الأمة) غيرهما في الحكم، بل يجوز اتفاقهم عليه كهما، وقيل يشترط اختلافهم فيه ليتأتى للخصم منعه، إذ لا يتأتى له منع المتفق عليه، ويجاب بأنه يتأتى له منعه من حيث العلة كما هو المراد، وإن لم يتأت له منعه من حيث هو (فإن اتفقا عليه مع منع الخصم أن علته كذا) كما في قياس حلى البالغة على حلى الصبية في عدم وجوب الزكاة، فإن عدمه في الأصل متفق عليه بيننا وبين الحنفي، والعلة فيه عندنا كونه حليا مباحا وعنده كونه مال صبية. (و) القياس المشتمل على
стр. 107
الحكم المذكور (مركب الأصل) . سمي به لتركيب الحكم فيه أي بنائه على علتي الأصل بالنظر للخصمين. (أو) اتفقا عليه مع منع الخصم (وجودها في الأصل) كما في قياس إن نكحت فلانة فهي طالق على فلانة التي أنكحها طالق في عدم وقوع الطلاق بعد النكاح، فإن عدمه في الأصل متفق عليه بيننا وبين الحنفي والعلة تعليق الطلاق قبل تملكه، والحنفي يمنع وجودها في الأصل ويقول هو تنجيز. (فـ) القياس المشتمل على الحكم المذكور (مركب الوصف) سمي به لتركيب الحكم فيه أي بنائه على الوصف الذي منع الخصم وجوده في الأصل، وقول الأصل في الأوّل فإن كان متفقا بينهما، ولكن لعلتين، وفي الثاني لعلة يوهم أن الاتفاق لأجل العلتين أو العلة، وليس مرادا فتعبيري بما ذكر سالم من ذلك. (ولا يقبلان) أي القياسان المذكوران (في الأصح) لمنع الخصم وجود العلة في الفرع في الأوّل، وفي الأصل في الثاني، وقيل يقبلان نظر الاتفاق الخصمين على حكم الأصل. (ولو سلم) الخصم (العلة) للمستدل أي سلم أنها ما ذكره) فأثبت المستدل وجودها) حيث اختلفا فيه (أو سلمه) أي سلم وجودها. (الخصم انتهض الدليل) عليه لاعترافه بوجودها في الثاني، وقيام الدليل عليه في الأول. (وإن لم يتفقا) أي الخصمان (عليه و) لا (على علته ورام المستدل إثباته) بدليل. (ثم) إثبات (العلة) بطريق، (فالأصح قبوله) في
ذلك لأن إثباته كاعتراف الخصم به، وقيل لا يقبل بل لا بد من اتفاقهما عليهما صونا للكلام عن الانتشار (والأصح) أنه (لا يشترط) في القياس (الاتفاق) أي الاجماع (على أن حكم الأصل معلل أو النص على العلة) المستلزم لتعليله، إذ لا دليل على اشتراط ذلك بل يكفي إثبات التعليل بدليل، وقيل يشترط ذلك، وقد مر أنه لا يشترط الاتفاق على أن علة حكم الأصل كذا على الأصح، وإنما فرقت كالأصل بين المسألتين لمناسبة المحلين، وإنما لم أستغن بهذه عن تلك مع أنها تستلزمها لبيان المقابل للأصح فيهما لأنها لا تستلزم المقابل في تلك.
(الثالث) من أركان القياس. (الفرع وهو المحل المشبه) بالأصل (في الأصح) . وقيل حكمه ولا يأتي قول كالأصل بأنه دليل الحكم لأن دليله القياس. (والمختار قبول المعارضة فيه) أي في الفرع (بمقتضى نقيض الحكم أو ضده) . وقيل لا يقبل، وإلا لانقلب منصب المناظرة، إذ يصير المعترض مستدلاً وبالعكس، وذلك خروج عما قصد من معرفة صحة نظر المستدل في دليله إلى غيره. قلنا القصد من المعارضة هدم دليل المستدل لا إثبات مقتضاها المؤدي إلى ما مرّ. وصورتها في الفرع أن يقول المعترض للمستدل ما ذكرت من الوصف، وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي نقيضه أو ضده، فالنقيض نحو المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالوجه فيقول المعارض مسح في الوضوء، فلا يسنّ تثليثه كمسح الخف والضد نحو الوتر واظب عليه النبيّ ﷺ ، فجب كالتشهد فيقول المعارض مؤقت بوقت صلاة من الخمس فيسن كالفجر، وخرج بالمقتضى لنقيض الحكم أو ضده المعارضة بالمقتضى لخلاف الحكم، فلا يقدح لعدم منافاتها لدليل المستدل كما يقال اليمين الغموس قول يأثم قائله فلا يوجب الكفارة، كشهادة الزور، فيقول المعارض قول مؤكد للباطل يظن به حقيقته فيوجب التعزير كشهادة الزور. (و) المختار في دفع المعارضة المذكورة زيادة على دفعها بكل ما يعترض به على المستدل ابتداء (دفعها بالترجيح) لوصف المستدل على وصف المعارض بمرجح مما يأتي في محله لتعين العمل بالراجح. وقيل لا تدفع به لأن المعتبر فيها حصول أصل الظن لا مساواته لظن الأصل، وأصل الظن لا يندفع بالترجيح. وردّ بأنه لو صح ذلك لاقتضى منع قبول الترجيح مطلقا وهو خلاف الاجماع. (و) المختار بناء على الأول
стр. 108
(أنه لا يجب الإيماء إليه) أي إلى الترجيح (في الدليل) . ابتداء لأن ترجيح وصف المستدل على وصف معارضه خارج عن الدليل، وقيل يجب لأن الدليل لا يتم بدونه دفع المعارض. قلنا لا معارض حينئذ فلا حاجة إلى دفعه قبل وجوده.
(وشرطه) أي الفرع (وجود تمام العلة) التي في الأصل (فيه) بلا زيادة أو بها كالإسكار في قياس النبيذ بالخمر، والإيذاء في قياس الضرب بالتأفيف فيتعدّى الحكم إلى الفرع. (فإن كانت) أي العلة (قطعية) بأن قطع بكونها علة في الأصل وبوجودها في الفرع كالإسكار والإيذاء فيما مر. (فقطعي) قياسها حتى كأن الفرع فيه شمله دليل الأصل، فإن كان دليله ظنيا فحكم الفرع كذلك. (أو) كانت (ظنية) بأن ظن كونها علة في الأصل، وإن قطع بوجودها في الفرع (فظني وأدون) أي فقياسها ظني وهو قياس الأدون والتصريح بأنه ظني من زيادتي (كتفاح) أي كقياسه (ببرّ) في باب الربا (بجامع الطعم) فإنه العلة عندنا في الأصل مع احتمال ما قيل إنها الفوت أو الكيل، وليس في التفاح إلا الطعم فثبوت الحكم فيه أدون من ثبوته في البر المشتمل على الأوصاف الثلاثة، والأول الذي هو القطعي يشمل قياس الأولى والمساوي. (وأن) أي وشرط الفرع ما ذكر وأن (لا يعارض) أي معارضة لا يتأتى دفعها كما مرّ التلويح به، والتصريح بهذا من زيادتي. (و) أن (لا يقوم القاطع على خلافه) أي خلاف الفرع في الحكم، إذ لا صحة للقياس في شيء مع قيام دليل قاطع على خلافه. (وكذا خبر الواحد) أي وأن لا يقوم خبر الواحد على خلافه (في الأصح) لأنه مقدم على القياس في الأصح كما مرّ في بحث الخبر. (إلا لتجربة) أي تمرين (النظر) من المستدل، فيجوز القياس المخالف لأنه صحيح في نفسه ولم يعمل به لمعارضة ما ذكر له، ويدل لصحته قولهم إذا تعارض النص والقياس قدم النص. (و) أن (يتحد حكمه) أي الفرع (بحكم الأصل) في المعنى، كما أنه يشترط في الفرع وجود تمام العلة فيه كما مرّ، فإن لم يتحد به لم يصح القياس لانتفاء حكم الأصل عن الفرع، وجواب عدم الاتحاد فيما ذكر يكون ببيان الاتحاد فيه كما يعلم مما يأتي في محله كأن يقيس الشافعي ظهار الذمي بظهار المسلم في حرمة وطء الزوجة، فيقول الحنفي الحرمة في المسلم تنتهي
بالكفارة، والكافر ليس من أهلها إذ لا يمكنه الصوم منها لفساد نيته فلا تنتهي الحرمة في حقه، فاختلف الحكم، فلا يصح القياس فيقول الشافعي يمكنه الصوم بأن يسلم ثم يصوم ويصح إعتاقه وإطعامه مع الكفر اتفاقا، فهو من أهل الكفارة، فالحكم متحد، والقياس صحيح.
(
و) أن (لا يتقدم) حكم الفرع (على حكم الأصل) في الظهور للمكلف. (حيث لا دليل له) غير القياس على المختار، كقياس الوضوء بالتيمم في وجوب النية بتقدير أن لا دليل للوضوء غير القياس فإنه تعبد به قبل الهجرة، والتيمم إنما تعبد به بعدها إذ لو جاز تقدم حكم الفرع للزم ثبوته حال تقدمه بلا دليل، وهو ممتنع لأنه تكليف بما لا يعلم، نعم إن ذكر إلزاما للخصم جاز لقول الشافعي للحنفي القائل بوجوب النية في التيمم دون الوضوء طهارتان أنى يفترقان لاتحاد الأصل والفرع في المعنى، فإن كان له دليل آخر جاز تقدمه لانتفاء المحذور السابق، وبناء على جواز تعدّد الدليل، وقيل لا يجوز تقدمه. (لا ثبوته) أي حكم الفرع (بالنص جملة) فلا يشترط على المختار وقيل يشترط ويطلب بالقياس تفصيله، فلولا العلم بورود ميراث الجدّ جملة لما جاز القياس في توريثه مع الإخوة والأخوات، وردّ اشتراط ذلك بأن العلماء قاسوا أنت عليّ حرام بالطلق والظهار والإيلاء بحسب اختلافهم فيه، ولم يوجد فيه نص لا جملة ولا تفصيلاً. (ولا انتفاء نص أو إجماع يوافق) القياس في الحكم، فلا يشترط، بل يجوز القياس مع موافقتهما أو أحدهما له. (على المختار) بناء على جواز تعدّد الدليل، وقيل يشترط انتفاؤهما وإن جاز تعدّد الدليل نظرا إلى أن الحاجة إلى القياس، إنما تدعو جواز تعدّد الدليل، وقيل يشترط انتفاؤهما وإن جاز تعدّد الدليل نظرا إلى أن الحاجة إلى القياس، إنما تدعو عند فقد النص والإجماع،
стр. 109
قلنا أدلة القياس مطلقة عن اشتراط ذلك، وعلى الأول جرى الأصل، لكنه خالفه قبل في النص فجرى فيه على
الثاني.
(الرابع) من أركان القياس (العلة) ويعبر عنها بالوصف الجامع بين الأصل والفرع، وفي معناها شرعا أقوال ينبني عليها مسائل تأتي. (الأصح أنها) أي العلة (المعرف) للحكم. فمعنى كون الإسكار مثلاً علة أنه معرف، أي علامة على حرمة المسكر. وقالت المعتزلة هي المؤثر بذاته في الحكم بناء على قاعدتهم من أنه يتبع المصلحة أو المفسدة، وقيل هي المؤثر فيه بجعله تعالى لا بالذات، وقيل هي الباعث عليه، وردّ بأنه تعالى لا يبعثه شيء ومن عبر من الفقهاء عنها بالباعث أراد كما قال السبكي أنها باعثة للمكلف على الامتثال. (و) الأصح (أن حكم الأصل) على القول بأنها المعرف (ثابت بها) لا بالنص. وقالت الحنفية ثابت بالنص، لأنه المفيد للحكم قلنا لم يفده بقيد كون محله أصلاً يقاس به الذي الكلام فيه، والمفيد له العلة لأنها منشأ التعدية المحققة للقياس، فالمراد بثبوت الحكم بها معرفته لأنها معرفة له. (وقد تكون) العلة (دافعة للحكم) أي لتعلقه كالعدة فإنها تدفع حل النكاح من غير صاحبها ولا ترفعه كأن كانت عن شبهة. (أو رافعة) له كالطلاق فإنه يرفع حل التمتع ولا يدفعه لجواز النكاح بعده. (أو فاعلة لهما) أي الدفع والرفع كالرضاع فإنه يدفع حل النكاح ويرفعه وتكون العلة. (وصفا حقيقيا) وهو ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف أو غيره. (ظاهرا منضبطا) لا خفيا أو مضطربا كالطعم في الربوي. (أو) وصفا (عرفيا مطردا) أي لا يختلف باختلاف الأوقات كالشرف والخسة في الكفاءة. (وكذا) تكون (في الأصح) وصفا (لغويا) كتعليل حرمة النبيذ بتسميته خمرا بناء على ثبوت اللغة بالقياس، وقيل لا يعلل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي (أو حكما شرعيا) سواء أكان المعلول كذلك كتعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه أم أمرا حقيقيا كتعليل حياة الشعر بحرمته بالطلاق وحله بالنكاح كاليد، وقيل لا تكون حكما لأن شأن الحكم أن يكون معلولاً
لا علة، وردّ بأن العلة بمعنى المعرف، ولا يمتنع أن يعرف حكم حكما أو غيره، وقيل لا تكون حكما شرعيا إن كان المعلول أمرا حقيقيا. (أو) وصفا (مركبا) كتعليل وجود القود بالقتل العمد العدوان لمكافىء، وقيل لا يكون علة لأن التعليل بالمركب يؤدي إلى محال إذ بانتفاء جزء منه تنتفي عليته فبانتفاء آخر يلزم تحصيل الحاصل، لأن انتفاء الجزء علة لعدم العلية. قلنا إنما يؤدي إلى ذلك في العلل العقلية لا المعرفات، وكل من الانتفاءات هنا معرف لعدم العلية ولا استحالة في اجتماع معرفات على شيء واحد، وقيل يكون علة ما لم يزد على خمسة أجزاء.
(وشرط للالحاق) بحكم الأصل (بها) أي بسبب العلة (أن تشتمل على حكمة) أي مصلحة مقصودة من شرع الحكم (تبعث) أي تحمل المكلف حيث يطلع عليها (على الامتثال وتصلح شاهدا لإناطة الحكم) بالعلة كحفظ النفوس فإنه حكمة ترتب وجود القود على علته السابقة، فإن من علم أن من قتل اقتص منه انكفّ عن القتل، وقد لا ينكف عنه توطينا لنفسه على تلفها، وهذه الحكمة تبعث المكلف من القاتل وولي الأمر على امتثال الأمر الذي هو إيجاب القود بأن يمكن كل منهما وارث القتيل من القود، ويصلح شاهدا لإناطة وجوب القود بعلته، فيلحق حينئذ القتل بمثقل بالقتل بمحدد في وجوب القود لاشتراكهما في العلة المشتملة على الحكمة المذكورة، فمعنى اشتمالها عليها كونها ضابطا لها كالسفر في حل القصر مثلاً. (ومانعها) أي العلة (وصف وجودي يخل بحكمتها) كالدين على القول بأنه مانع من وجوب الزكاة على المدين، فإنه وصف وجودي يخل بحكمة العلة لوجوب الزكاة المعلل بملك النصاب وهي الاستغناء بملكه، إذ المدين لا يستغني بملكه لاحتياجه إلى وفاء دينه به، ولا يضر خلو المثال عن الإلحاق الذي الكلام فيه، وتعبيري بما ذكر أولى
стр. 110
مما عبر به لما بينته في الحاشية. (ولا يجوز في الأصح كونها الحكمة إن لم تنضبط) كالمشقة في السفر لعدم انضباطها، فإن انضبطت جاز كما رجحه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما لانتفاء المحذور، وقيل يجوز مطلقا لأنها المشروع لها الحكم، وقيل لا يجوز مطلقا. وقضية كلام الأصل ترجيحه، ومحل الخلاف إذا لم تحصل الحكمة من ترتيب الحكم على الوصف يقينا أو ظنا كما سيأتي إيضاحه في مبحث المناسبة. (و) لا يجوز في الأصح وفاقا لابن الحاجب وغيره. (كونها عدمية) ولو بعدمية جزئها أو بإضافتها بأن يتوقف تعقلها على تعقل غيرها كالأبوة (في) الحكم (الثبوتي) ، فلا يجوز حكمت بكذا لعدم كذا أو للأبوة بناء على أن الاضافي عدمي كما سيأتي تصحيحه أواخر الكتاب، وذلك لأن العلة بمعنى العلامة يجب أن
تكون أجلى من المعلل، والعدمي أخفى من الثبوتي، وقيل يجوز لصحة أن يقال ضرب فلان عبده لعدم امتثاله أمره. وأجيب بمنع صحة التعليل بذلك، وإنما يصح بالكف عن امتثاله وهو أمر ثبوتي، والخلاف في العدم المضاف بخلاف العدم المطلق لا يجوز التعليل به قطعا، لأن نسبته إلى جميع المحال على السواء، فلا يعقل كونه علة ويجوز وفاقا تعليل الثبوتي بمثله كتعليل حرمة الخمر بالاسكار والعدمي بمثله، كتعليل عدم صحة التصرف بعدم العقل والعدمي بمثله، كتعليل عدم صحة التصرف بعدم العقل والعدمي بالثبوتي كتعليل ذلك بالإسراف.
(ويجوز التعليل بما لا يطلع على حكمته) كتعليل الربوي بالطعم أو غيره. (ويثبت الحكم فيما يقطع بانتفائها فيه للمظنة في الأصح) لجواز القصر بالسفر لمن ركب سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة بلا مشقة، وقيل لا يثبت، وعليه الجدليون إذ لا عبرة بالمظنة عند تحقق انتفاء المئنة، وعلى الأوّل يجوز الإلحاق للمظنة كإلحاق الفطر بالقصر، فيما ذكر فما مر من أنه يشترط في الإلحاق بالعلة اشتمالها على حكمة شرط في الجملة أو للقطع بجواز الإلحاق، ثم ثبوت الحكم فيما ذكر غير مطرد، بل قد ينتفي كمن قام من النوم متيقنا طهارة يده فلا تثبت كراهة غمسها في ماء قليل قبل غسلها ثلاثا، بل تنتفي خلافا لإمام الحرمين والترجيح من زيادتي. (والأصح جواز التعليل بـ (ـالعلة (القاصرة) وهي التي لا تتعدى محل النص (لكونها محل الحكم أو جزءه) الخاص بأن لا توجد في غيره (أو وصفه الخاص) بأن لا يتصف به غيره، فالأوّل كتعليل حرمة الربا في الذهب بكونه ذهبا وفي الفضة كذلك، والثاني كتعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج منهما، والثالث كتعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما قيم الأشياء. وخرج بالخاص في الصورتين غيره فلا قصور فيه، كتعليل الحنفية النقض فيما ذكر بخروج النجس من البدن الشامل لما ينقض عندهم من الفصد ونحوه، وكتعليل ربوية البر بالطعم، وقيل يمتنع التعليل بالقاصرة مطلقا لعدم فائدتها، وقيل يمتنع إن لم تكن ثابتة بنص أو إجماع لذلك.
(و) نحن لا نسلم ذلك بل (من فوائدها معرفة المناسبة) بين الحكم ومحله فيكون أدعى للقبول. (وتقوية النص) الدال على معلولها بأن يكون ظاهرا لا قطعيا. (و) الأصح جواز التعليل (باسم لقب) كتعليل الشافعي نجاسة بول ما يؤكل لحمه بأنه بول كبول الآدمي، وقيل لا يجوز لأنا نعلم بالضرورة أنه لا أثر في حرمة الخمر لتسميته خمرا، بخلاف مسماه من كونه مخامرا للعقل فإنه تعليل بالوصف. (و) الأصح جواز التعليل (بالمشتق) المأخوذ من فعل كالسارق في قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة﴾ الآية أو من صفة كأبيض فإنه مأخوذ من البياض، وقيل يمتنع فيهما. وزعم الأصل الاتفاق على الجواز في الأوّل، والتعليل بالثاني من باب الشبه الصوري كقياس الخيل على البغال في عدم وجوب الزكاة وسيأتي الخلاف فيه. (و) الأصح جواز التعليل شرعا وعقلاً للحكم الواحد الشخصي (بعلل شرعية) اثنتين فأكثر مطلقا، لأنها علامات ولا مانع من اجتماع علامات على شيء واحد. (وهو واقع) كما في اللمس والمس والبول الموجب كل منها للحدث، وقيل
стр. 111
يجوز ذلك في العلل المنصوصة دون المستنبطة لأن الأوصاف المستنبطة الصالح كل منها للعلية يجوز أن يكون مجموعها العلة عند الشارع، فلا يتعين استقلال كل منها بالعلية بخلاف ما نص على استقلاله بها. وأجيب بأنه يتيعن الاستقلال بالاستنباط أيضا وقيل يمتنع شرعا مطلقا، إذ لو جاز شرعا لوقع لكنه لم يقع. قلنا بتقدير تسليم اللزوم لا نسلم عدم وقوعه لما مر من علل الحدث، وقيل يمتنع عقلاً وهو الذي صححه الأصل، وقيل يجوز في التعاقب دون المعية للزوم المحال الآتي لها بخلاف التعاقب، لأن الذي يوجد فيه بالثانية مثلاً مثل الأوّل لا عينه، وعلى منع التعدّد فما يذكره المجيز من التعدّد، إما أن يقال فيه العلة مجمع الأمور أو أحدها لا بعينه، أو يقال فيه الحكم متعدد بمعنى أن الحكم المستند إلى واحد منها غير المستند إلى آخر، وإن اتفقا نوعا كما قيل بكل من ذلك، أما العلل
العقلية فيمتنع تعدّدها مطلقا للزوم المحال منه كالجمع بين النقيضين، فإن الشيء باستناده إلى كل منها يستغني عن الباقي، فيلزم أن يكون مستغنيا عن كل منها وغير مستغن عنه، وذلك جمع بين النيقيضين، ويلزم في التعاقب محال آخر، وهو تحصيل الحاصل حيث يوجد بما عدا الأولى عين ما وجد بها. وفارقت العلل العقلية الشرعية على الأصح بأن المحال المذكور إنما يلزم فيها لإفادتها، وجود المعلول بخلاف الشرعية التي هي معرفات، فإنها إنما تفيد العلم به سواء أفسر المعرف بما يحصل به التعريف، أم بما من شأنه التعريف.
(وعكسه) وهو تعليل أحكام بعلة (جائز وواقع)) جزما بناء على الأصح من تفسير العلة بالمعرف (إثباتا كالسرقة) فإنها علة لوجوب القطع ولوجوب الغرم إن تلف المسروق. (ونفيا كالحيض) ، فإنه علة لعدم جواز الصوم والصلاة وغيرهما، أما على تفسير العلة بالباعث فكذلك على الأصح، وقيل يمتنع تعليلها بعلة بناء على اشتراط المناسبة فيها، لأن مناسبتها لحكم يحصل المقصود منها بترتيب الحكم عليها، فلو ناسبت آخر لزم تحصيل الحاصل. قلنا لا نسلم ذلك لجواز تعدد المقصود كما في السرقة المرتب عليها القطع زجرا عنها والغرم جبرا لما تلف من المال، وقيل يمتنع ذلك إن تضادت الأحكام كالتأبيد لصحة البيع وبطلان الإجارة، لأن الشيء الواحد لا يناسب المتضادات. (و) شرط (للإلحاق) بالعلة (أن لا يكون ثبوتها متأخرا عن ثبوت حكم الأصل في الأصح) سواء أفسرت بالباعث أم بالمعرف، لأن الباعث على الشيء أو المعرف له لا يتأخر عنه، وقيل يجوز تأخر ثبوتها بناء على تفسيرها بالمعرف كما يقال عرق الكلب نجس كلعابه، لأنه مستقذر لأن استقذاره إنما يثبت بعد ثبوت نجاسته. قلنا قوله بناء على تفسيرها بالمعرف إنما يتم بتفسير المعرف بما من شأنه التعريف لا بتفسيره بما يحصل به التعريف الذي هو المراد، لئلا يلزم عليه تعريف المعرف، وعلى تفسيره بالأوّل فتعريف المتأخر للمتقدّم جائز، وواقع إذ الحادث يعرف القديم كالعالم لوجود الصانع تعالى. (و) شرط الإلحاق بالعلة (أن لا تعود على الأصل) الذي استنبطت منه (بالإبطال) لحكمه لأنه منشؤها فإبطالها له إبطال لها كتعليل الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقير، فإنه مجوز لإخراج قيمة الشاة مفض إلى عدم وجوبها عينا بالتخيير بينها وبين قيمتها. (ويجوز عودها) على الأصل (بالتخصيص) له (في الأصح غالبا) . فلا يشترط عدمه كتعليل الحكم في آية ﴿أو لامستم النساء﴾ بأن اللمس مظنة التمتع أي التلذذ، فإنه يخرج من النساء المحارم فلا ينقض
لمسهن الوضوء، وقيل لا يجوز ذلك فيشترط عدم التخصيص، فينقض لمس المحارم الوضوء عملاً بالعموم والتصحيح من زيادتي، وخرج بالتخصيص التعميم فيجوز العود به قطعا كتعليل الحكم في خبر الصحيحين لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان، بتشويش الفكر فإنه يشمل غير الغضب أيضا وبزيادتي غالبا تعليل نحو الحكم في خبر النهي عن بيع اللحم بالحيوان بأنه بيع ربوي بأصله، فإنه يقتضي جواز البيع بغير الجنس من مأكول وغيره كما هو أحد قولي الشافعي،
стр. 112
لكن أظهرهما المنع نظرا للعموم.
(و) شرط للإلحاق بالعلة (أن لا تكون) العلة (المستنبطة معارضة بمناف) لمقتضاها (موجود في الأصل) إذ لا عمل لها مع وجوده إلا بمرجح، ومثل له بقول الحنفي في نفي وجوب التبييت في صوم رمضان صوم عين فيتأدى بالنية قبل الزوال كالنفل فيعارضه الشافعي بأنه صوم فرض فيحتاط فيه بخلاف النفل، وهو مثال للمعارض في الجملة وليس منافيا ولا موجودا في الأصل، وخرج بالأصل الفرع فلا يشترط انتفاء وجود ذلك فيه لصحة العلة، وقيل يشترط أيضا ومثل له بقولنا في مسح الرأس ركن في الوضوء، فيسن تثليثه كغسل الوجه فيعارضه الخصم بقوله مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخفين، وهو مثال للمعارض في الجملة وليس منافيا، وإنما ضعف هذا الشرط، وإن لم يثبت الحكم في الفرع عند انتفائه لأن الكلام في شروط العلة، وهذا شرط لثبوت الحكم في الفرع لا للعلة التي الكلام فيها، وإنما قيد المعارض بالمنافي لأنه قد لا ينافى كما سيأتي فلا يشترط انفاؤه، ويجوز أن يكون هو علة أيضا بناء على جواز التعليل بعلل. (و) شرط للالحاق بالعلة (أن لا تخالف نصا أو إجماعا) لتقدمهما على القياس فمخالفة النص كقول الحنفي المرأة مالكة لبضعها فيصح نكاحها بغير إذن وليها قياسا على بيع سلعتها فإنه مخالف لخبر أبي داود وغيره «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل» . ومخالفة الإجماع كقياس صلاة المسافر على صومه في عدم الوجوب بجامع السفر الشاق فإنه مخالف للإجماع على وجوب أدائها عليه. (و) أن (لا تتضمن) العلة (المستنبطة زيادة عليه) أي على النص أو الإجماع. (منافية مقتضاه) ، بأن يدل النص مثلاً على علية وصف ويزيد الاستنباط قيدا فيه منافيا للنص فلا يعمل بالاستنباط لتقدّم النص عليه والتقييد بالمستنبطة من زيادتي. (و) شرط للإلحاق بالعلة (أن تتعين) في الأصح، فلا تكفي المبهمة لأن العلة منشأ التعدية المحققة للقياس الذي هو الدليل ومن شأن الدليل أن يكون معينا، فكذا منشأ المحقق
له، وقيل يكفي المبهمة من أمرين فأكثر المشتركة بين المقيس والمقيس عليه. (لا أن لا تكون) العلة (وصفا مقدرا) فلا يشترط في الأصح كتعليل جواز التصرف بالملك الذي هو معنى مقدر شرعي في محل التصرف. وقيل يشترط ذلك ورجحه الأصل تبعا للإمام الرازي. (ولا أن لا يشمل دليلها حكم الفرع لعمومه أو خصوصه) فلا يشترط في الأصحّ لجواز تعدد الأدلة، وقيل يشترط ذلك للاستغناء حينئذ عن القياس بذلك الدليل، ورجحه الأصل مثال الدليل في العموم خبر مسلم «الطّعامُ بالطّعامِ مثلاً بمثل» . فإنه دال على علية الطعم، فلا حاجة على هذا اقول في إثبات ربوية التفاح مثلاً إلى قياسه على البر بجامع الطعم للاستغناء عنه بعموم الخبر، ومثاله في الخصوص خبر «من قاء أو رعف فليتوضأ» فإنه دال على علية الخارج النجس في نقض الوضوء فلا حاجة للحنفي إلى قياس القيء أو الرعاف على الخارج من السبيلين في نقض الوضوء بجامع الخارج النجس للاستغناء عنه بخصوص الخبر. (ولا القطع في) صورة العلة (المستنبطة بحكم الأصل) بأن يكون دليله قطعيا من كتاب أو سنة متواترة أو إجماع قطعي. (ولا القطع بوجودها في الفرع ولا انتفاء مخالفتها مذهب الصحابي) فلا تشترط في الأصحّ بل يكفي الظن بذينك لأنه غاية الاجتهاد فيما يقصد به العمل، وقيل يشترط القطع بهما لأن الظن يضعف بكثرة المقدمات فربما يزول، وأما مذهب الصحابي فليس بحجة فلا يشترط انتفاء مخالفة العلة له، وقيل يشترط لأن الظاهر استناده إلى النص الذي استنبطت منه العلة. (ولا انتفاء المعارض لها) في الأصل فلا يشترط. (في الأصح) بناء على جواز تعدد العلل كما هو رأي الجمهور، وقيل يشترط بناء على منع ذلك ولأنه لا عمل للعلة حينئذ إلا بمرجح والتقييد بالمستنبطة في الأربع
стр. 113
من زيادتي.
(
والمعارض هنا) بخلافه فيما مر حيث وصف بالمنافي. (وصف صالح للعلية كصلاحية المعارض) بفتح الراء لها (ومفض للاختلاف) . بين المتناظرين (في الفرع كالطعم مع الكيل في البر) ، فكل منهما صالح للعلية فيه مفض للاختلاف بين المتناظرين (في التفاح) مثلاً فعندنا ربوي كالبر بعلة الطعم وعند الخصم المعارض بأن العلة الكيل ليس بربوي لانتفاء الكيل فيه، وكل منهما يحتاج إلى ترجيح وصفه على وصف الآخر. (والأصح) أنه (لا يلزم المعترض نفي وصفه) أي بيان انتفائه (عن الفرع) مطلقا لحصول مقصوده من هدم ما جعله المستدل العلة بمجرد المعارضة، وقيل يلزمه ذلك مطلقا ليفيد انتفاء الحكم عن الفرع الذي هو المقصود، وقيل يلزمه إن صرح بالفرق بن الأصل والفرع في الحكم فقال مثلاً لا ربا في التفاح بخلاف البر وعارض علية الطعم فيه لأنه بتصريحه بالفرق التزمه. (و) أنه (لا) يلزمه (إبداء أصل) يشهد لوصفه بالاعتبار لما مر، وقيل يلزمه ذلك حتى تقبل معارضته كأن يقول العلة في البرّ الطعم دون القوت بدليل الملح فالتفاح مثلاً ربوي. (وللمستدل الدفع) أي دفع المعارضة بأوجه ثلاثة وإن عدها الأصل أربعة. (بالمنع) أي منع وجوب الوصف المعارض به في الأصل ولو بالقدح، كأن يقول في دفع معارضة الطعم بالكيل في الجوز مثلاً لا نسلم أنه مكيل لأن العبرة بعادة زمن النبي ﷺ ، وكان إذ ذاك موزونا أو معدودا وكأن يقدح في علية الوصف ببيان خفائه أو عدم انضباطه أو غير ذلك من مفسدات العلة. (وببيان استقلال وصفه) أي المستدل (في صورة ولو) كان البيان (بظاهر عام) ، كما يكون بالإجماع أو بالنص القاطع أو بالظاهر الخاص (إن لم يتعرض) أي المستدل (للتعميم) كأن يبين استقلال الطعم المعارض بالكيل في صورة بخبر مسلم الطعام بالطعام مثلاً بمثل والمستقل مقدم على غيره، فإن تعرض للتعميم كقوله فتثبت ربوية كل مطعوم خرج عن إثبات الحكم بالقياس الذي هو بصدد الدفع عنه إلى إثباته
بالنص وتبقى المعارضة سالمة من القدح فلا يتم القياس. (وبالمطالبة) للمعترض (بالتأثير) لوصفه إن كان مناسبا (أو الشبه) إن كان غير مناسب، هذا. (إن لم يكن) دليل المستدل على العلية (سبرا) بأن كان مناسبا أو شبها لتحصل معارضته بمثله، فإن كان سبرا فلا مطالبة له بذلك إذ مجرد الاحتمال قادح فيه. (ولو قال) المستدل للمعترض (ثبت الحكم) في هذه الصورة (مع انتفاء وصفك) الذي عارضت به وصفي عنها، (لم يكف) في الدفع (وإن وجد) ، ولو بفرض المتناظرين (معه) أي مع انتفاء وصف المعترض عنها (وصفه) أي وصف المستدل فيها لاستوائهما في انتفاء وصفيهما إن لم يوجد مع ما ذكر وصف المستدل، وبناء على جواز تعدد العلل مطلقا. وقيل يكفي في الشق الثاني بناء على امتناع تعدد العلل بخلافه في الأول، لا يكفي لاستوائها فيما مرّ، وهذا رجحه الأصل، ثم ذكر في انتفاء وصف المستدلّ زيادة على عدم الاكتفاء مبنية على ما صححه من امتناع التعليل بعلتين.
وحاصلها مع الإيضاح أن المستدل ينقطع بما قاله لاعترافه فيه بإلغاء وصفه حيث ساوى وصف المعترض فيما قدح هو به فيه. (ولو أبدى المعترض) في الصورة التي ألغى وصفه فيها المستدلّ. (ما) أي وصفا (يخلف الملغى سمى) ما أبداه (تعدد الوضع) لتعدد ما وضع أي بنى عليه الحكم عنده من وصف بعد أخر. (وزالت) بما أبداه (فائدة الإلغاء) وهي سلامة وصف المستدل عن القدح فيه. (ما لم يلغ المستدل الخلف بغير دعوى قصوره أو) دعوى (ضعف معنى المظنة) المعلل بها أي ضعف المعنى الذي اعتبرت المظنة له. (وسلم) المستدل (أن الخلف مظنة) وذلك بأن لم يتعرض المستدل لإلغاء الخلف أو تعرض له بدعوى قصوره أو بدعوى
стр. 114
ضعف معنى المظنة فيه وسلم ما ذكر، بخلاف ما إذا ألغاه بغير الدعوتين أو بالثانية ولم يسلم ما ذكر فلا تزول فائدة إلغائه.
(وقيل دعواهما) أي القصور وضعف معنى المظنة مع التسليم (إلغاء) للخلف أيضا ينافي الأولى على امتناع التعليل بالقاصرة، وفي الثانية على تأثير ضعف المعنى في المظنة فلا تزول فيهما فائدة الإلغاء الأول، مثال تعدد الوضع ما يأتي فيما يقال يصح أمان العبد للحربي كالحرّ بجامع الإسلام والتكليف، فإنهما مظنتا إظهار مصلحة الإيمان من بذل الأمان فيعترض الحنفي باعتبار الحرّية معهما فإنها مظنة فراغ القلب للنظر بخلاف الرقبة لاشتغال الرقيق بخدمة سيده فيلغي الشافعي الحرّية بثبوت الأمان بدونها في العبد المأذون له في القتال اتفاقا فيجيب الحنفي بأن الإذن له خلف الحرّية لأنه مظنة بذل وسعه في النظر في مصلحة القتال والإيمان (ولا يكفي) في دفع المعارضة (رجحان وصف المستدل) على وصفها بمرجح، ككونه أنسب أو أشبه من وصفها بناء على جواز تعدد العلل، فيجوز أن يكون كل من الوصفين علة، وقيل يكفي بناء على منع التعدد ورجحه الأصل. (وقد يعترض) على المستدل (باختلاف جنس الحكمة) في الفرع والأصل. (وإن اتحد الجامع) بين الفرع والأصل كما يأتي فيما يقال يحدّ اللائط كالزاني بجامع إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا، فيعترض بأن الحكمة في حرمة اللواط الصيانة عن رذيلته، وفي حرمة الزنا دفع اختلاط الأنساب المؤدي هو إليه وهما مختلفتان، فيجوز أن يختلف حكمهما بأن يقصر الحد على الزنا فيكون خصوصه معتبرا في علة الحد. (فيجاب) عن الاعتراض (بحذف خصوص الأصل عن الاعتبار) في العلة بطريق من طرق إبطالها، فيسلم أن العلة هي القدر المشترك فقط كما مرّ في المثال لا مع خصوص الزنا فيه. (والعلة إذا كانت وجود مانع) من الحكم كأبوّة القاتل المانعة من وجوب قتله بولده، (أو انتفاء شرط) كعدم إحصان الزاني المشترط لوجوب رجمه (لا تستلزم وجود المقتضي في الأصح) . وقيل تستلزمه، وإلا كان انتفاء الحكم لانتفاء المقتضي لا لما فرض من وجود مانع أو انتفاء شرط، قلنا يجوز أن
يكون انتفاؤه لما فرض أيضا لجواز تعدد العلل.
مسالك العلة
أي هذا مبحث الطرق الدالة على علية الشيء.
(الأول الإجماع) كالإجماع على أن العلة في خبر الصحيحين «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» . تشويش الغضب للفكر فيقاس بالغضب غيره مما يشوّش الفكر نحو جوع وشبع مفرطين، وكالإجماع على أن العلة في تقديم الأخ الشقيق في الإرث على الأخ للأب اختلاط النسبين فيه فيقاس به تقديمه عليه في ولاية النكاح، وصلاة الجنازة ونحوهما.
(الثاني) من مسالك العلة (النص الصريح) بأن لا يحتمل غير العلة (كلعلة كذا فلسبب) كذا (فمن أجل) كذا (فنحو كي) التعليلية (وإذن) كقوله تعالى ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾ ، ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ ، ﴿إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ وفيما عطف بالفاء هنا وفيما يأتي إشارة إلى أنه دون ما قبله رتبة بخلاف ما عطف بالواو. (و) النص (الظاهر) بأن يحتمل غير العلية احتمالاً مرجوحا (كاللام ظاهرة) نحو ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور﴾ (فمقدرة) نحو؛ ﴿ولا تطع كل حلاف﴾ إلى قوله ﴿أن كان ذا مال وبنين﴾ أي لأن (فالباء) نحو ﴿فبما رحمة من الله﴾ أي لأجلها لنت لهم. (فالفاء في كلام الشارع) وتكون فيه في الحكم كقوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وفي الوصف كخبر الصحيحين في المحرم الذي وقصته ناقته «لا تمسوه
стр. 115
طيبا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» . (فـ) ـفي كلام (الراوي الفقيه فـ) ـفي كلام الراوي (غيره) أي غير الفقيه، وتكون فيهما في الحكم فقط، وقال بعض المحققين في الوصف فقط، لأن الراوي يحكي ما في الوجود، وذلك كقول عمران بن حصين «سها رسول الله ﷺ فسجد» . رواه أبو داود وغيره وكل من القولين صحيح، وإن كان الأوّل أظهر معنى، والثاني أدق كما بينته في الحاشية. (فإن) المكسورة المشددة كقوله تعالى ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين﴾ الآية. وتعبيري بالفاء في الأخيرة من زيادتي. (وإذ) نحو ضربت العبد إذا أساء أي لإساءته. (وما مرّ في) مبحث (الحروف) ، ما يرد للتعليل غير المذكور هنا وهو بيد وحتى وعلى وفي ومن فلتراجع، وإنما لم تكن المذكورات من الصريح لمجيئها لغير التعليل كالعاقبة في اللام والتعدية في الباء، ومجرد العطف في الفاء ومجرد التأكيد في إنّ والبدل في إذ كما مرّ في مبحث الحروف.
(الثالث) من مسالك العلة (الإيماء وهو) لغة الإشارة الخفية واصطلاحا (اقتران وصف ملفوظ بحكم ولو) كان الحكم (مستنبطا) كما يكون ملفوظا (لو لم يكن للتعليل هو) أي الوصف (أو نظيره) لنظير الحكم حيث يشار بالوصف والحكم إلى نظيرهما أي لو لم يكن ذلك من حيث اقترانه بالحكم لتعليل الحكم به (كان) ذلك الاقتران (بعيدا) من الشارع لا يليق بفصاحته وإتيانه بالألفاظ في محالها والإيماء (كحكمه) أي الشارع (بعد سماع وصف) كما في خبر الأعرابيّ «واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال النبي ﷺ «أعتق رقبة» . إلى آخره. رواه ابن ماجة بمعناه، وأصله في الصحيحين فأمره بالإعتاق عند ذكر الوقاع يدل على أنه علة له، وإلا لخلا السؤال عن الجواب وذلك بعيد فيقدر السؤال في الجواب فكأنه قال واقعت فأعتق. (وذكره في حكم وصفا لو لم يكن علة) له (لم يفد) ذكره كقوله ﷺ «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» . فتقييده المنع من الحكم بحالة الغضب المشوش للفكر يدل على أنه علة له، وإلا لخلا ذكره عن الفائدة وذلك بعيد. (وتفريقه بين حكمين بصفة) إما (مع ذكرهما) كخبر الصحيحين «أنه ﷺ جعل للفرس سهمين وللرجل» . أي صاحبه «سهما» ، فتفريقه بين هذين الحكمين بهاتين الصفتين لو لم يكن لعلية كل منهما لكان بعيدا. (أو) مع (ذكر أحدهما) فقط كخبر الترمذي «القاتل لا يرث» أي بخلاف غيره المعلوم إرثه فالتفريق بين عدم الإرث المذكور والإرث المعلوم بصفة القتل في الأول لو لم يكن لعليته له لكان بعيدا. (أو) تفريقه بين حكمين، إما (بشرط) كخبر مسلم «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبرّ بابرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» . فالتفريق بين منع البيع في هذه الأشياء متفاضلاً وجوازه عند اختلاف الجنس لو لم يكن لعلية الاختلاف للجواز
لكان بعيدا. (أو غاية) كقوله تعالى ﴿ولا تقربوهنّ حتّى يطهرن﴾ أي فإذا تطهرن فلا منع من قربانهنّ كما صرّح به عقبه بقوله ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ فتفريقه بين المنع من قربانهنّ في الحيض وجوازه في الطهر لو لم يكن لعلية الطهر للجواز لكان بعيدا. (أو استثناء) كقوله تعالى ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون﴾ أي الزوجات عن النصف فلا شيء لهن فتفريقه بين ثبوت النصف لهنّ وانتفائه عند عفوهنّ عنه لو لم يكن لعلية العفو للانتفاء لكان بعيدا. (أو استدراك) كقوله تعالى؛ ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ إلى آخره فتفريقه بين عدم المؤاخذة بالإيمان والمؤاخذة بها عند تعقيدها لو لم يكن لعلية التعقيد للمؤاخذة
стр. 116
لكان بعيدا. (وترتيب حكم على وصف) كأكرم العلماء فترتيب الإكرام على العلم لو لم يكن لعلية العلم له لكان بعيدا (ومنعه) أي الشارع (مما قد يفوّت المطلوب) كقوله تعالى ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ فالمنع من البيع وقت نداء الجمعة الذي قد يفوّتها لو لم يكن لمظنة تفويتها لكان بعيدا.
وهذه الأمثلة أسلم ما اتفق على أنه إيماء وهو أن يكون الوصف والحكم ملفوظين وخرج بالملفوظ أي فعلاً أو قوّة الوصف المستنبط فليس اقترانه بالحكم إيماء قطعا إن كان الحكم مستنبطا أيضا، وإلا فليس بإيماء في الأصح بخلاف عكسه وهو الوصف الملفوظ والحكم المستنبط له فإنه كما علم إيماء في الأصحّ تنزيلاً للمستنبط منزلة الملفوظ، وفارق ما قبله باستلزام الوصف الحكم فيه بخلاف ما قبله لجواز كون الوصف أعم مثاله قوله تعالى ﴿وأحلّ الله البيع﴾ فحله مستلزم لصحته. ومثال ما قبله تعليل حكم الربويات بالطعم أو غيره والنزاع كما قال العضد لفظي مبني على تفسير الإيماء، وأما مثال النظير فكخبر الصحيحين أن امرأة قالت يا رسول الله. إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ فقال «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدّى ذلك عنها» ؟ قالت نعم. قال «فصومي عن أمك» أي فإنه يؤدّى عنها سألته عن دين الله على الميت وجواز قضائه عنه فذكر لها دين الآدمي عليه، وأقرها على جواز قضائه عنه وهما نظيران، فلو لم يكن جواز القضاء فيهما لعلية الدين له لكان بعيدا. (ولا تشترط) في الإيماء (مناسبة) الوصف (المومي إليه) للحكم (في الأصحّ) بناء على أن العلة بمعنى المعرف، وقيل تشترط بناء على أنها بمعنى الباعث، وقيل وهو مختار ابن الحاجب تشترط إن فهم التعليل منها كقوله ﷺ «لا يقضي القاضي وهو غضبان» . لأن عدم المناسبة فيما شرط فيه لمناسبة تناقض، بخلاف ما إذا لم يفهم منها لأن التعليل يفهم من غيرها. قال المصنف في شرح المختصر تبعا للعضد والمراد من المناسبة ظهورها، وأما نفسها فلا بد منها في العلة الباعثة دون الأمارة المجردة ومرادهما بالعلة الباعثة العلة المشتملة على حكمه تبعث على الامتثال.
(الرابع) من مسالك العلة (السبر) وهو لغة الاختبار (والتقسيم) وهو إظهار الشيء الواحد على وجوه مختلفة. (وهو) أي ما ذكر من السبر والتقسيم اصطلاحا (حصر أوصاف الأصل) المقيس عليه (وإبطال ما لا يصلح) منها للعلية (فيتعين الباقي) لها كأن يحصر أوصاف البرّ في قياس الذرة عليه في الطعم وغيره ويبطل ما عدا الطعم بطريقة فيتعين الطعم للعلية (ويكفي) في دفع منع المعترض حصر الأوصاف التي ذكرها المستدل. (قول المستدل) في المناظرة في حصرها (بحثت فلم أجد) غيرها لعدالته مع أهلية النظر. (والأصل عدم غيرها) فيندفع عنه بذلك منع الحصر وتعبيري بأو كما في مختصر ابن الحاجب وبعض نسخ الأصل أولى من تعبيره في أكثرها بالواو. (والناظر) لنفسه (يرجع) في حصر الأوصاف (إلى ظنه) ، فيأخذ به ولا يكابر نفسه. (فإن كان الحصر والإبطال) أي كل منهما (قطعيا فـ) ـهذا المسلك (قطعي وإلا) بأن كان كل منهما ظنيا أو أحدهما قطعيا والآخر ظنيا. (فظني وهو) أي الظني (حجة) للناظر لنفسه والمناظر غيره (في الأصحّ) لوجوب العمل بالظن، وقيل ليس بحجة مطلقا لجواز بطلان الباقي، وقيل حجة لهما إن أجمع على تعليل ذلك الحكم في الأصل حذرا من أداء بطلان الباقي إلى خطأ المجمعين، وقيل حجة للناظر دون المناظر لأن ظنه لا يقوم حجة على خصمه، (فإن أبدى المعترض) على الحصر الظني (وصفا زائدا) على الأوصاف (لم يكلف ببيان صلاحيته للتعليل) لأن بطلان الحصر بإبدائه كاف في الاعتراض فعلى المستدل دفعه بإبطال التعليل به. (ولا ينقطع المستدل) بإبدائه (حتى يعجز عن إبطاله
стр. 117
في الأصح) لأنه لم يدّع القطع في الحصر فغاية إبداء الوصف منع المقدمة من الدليل والمستدل لا ينقطع بالمنع لكن يلزمه دفعه ليتم دليله فيلزمه إبطال الوصف المبدى عن أن يكون علة، فإن عجز عن إبطاله انقطع، وقيل ينقطع بإبدائه لأنه ادعى حصرا، وقد أظهر المعترض بطلانه. قلنا لا يظهر إلا بالعجز عن دفعه وذكر الخلاف من زيادتي.
(فإن اتفقا) أي المتناظران (على إبطال غير وصفين) من أوصاف لأصل واختلفا في أيهما العلة. (كفاه) أي المستدل (الترديد بينهما) من غير احتياج إلى ضم غيرهما إليهما في الترديد لاتفاقهما على إبطاله فيقول العلة إما هذا أو ذاك لا جائز أن تكون ذاك لكذا فتعين أن تكون هذا.
(ومن طرق الإبطال) لعلية الوصف. (بيان أن الوصف طردي) أي من جنس ما علم من الشارع إلغاؤه إما مطلقا (كالطول) والقصر في الأشخاص، فإنهما لم يعتبرا في شيء من الأحكام فلا يعلل بهما حكم. (و) إما مقيدا بذلك الحكم (كالذكورة) والأنوثة (في العتق) ، فإنهما لم يعتبرا فيه فلا يعلل بهما شيء من أحكامه الدنيوية، وإن اعتبرا في الشهادة والقضاء والإرث وغهرها. وفي العتق بالنظر لأحكامه الأخروية فقد روى الترمذي «من أعتق عبدا مسلما أعتقه الله من النار، ومن أعتق أمتين مسلمتين أعتقه الله من النار» . وتعبيري هنا وفيما يأتي في السادس بالطردي أولى من تعبيره فيهما بالطرد، لأن الطرد من مسالك العلة على رأي كما سيأتي. (و) من طرق الإبطال (أن لا تظهر مناسبة) الوصف (المحذوف) أي الذي حذفه المستدلّ عن الاعتبار للحكم بعد بحثه عنها لانتفاء مثبت العلية بخلافه في الإيماء. (ويكفي) في عدم ظهور مناسبته. (قول المستدل بحثت فلم أجد) فيه (موهم مناسبة) أي ما يوهم مناسبته لعدالته مع أهلية النظر، (فإن ادّعى المعترض أن) الوصف (المبقى) أي الذي بقاه المستدل (كذلك) أي لم تظهر مناسبته. (فليس للمستدل بيان مناسبته) لأنه انتقال من طريق السبر إلى طريق المناسبة، وذلك يؤدّي إلى الانتشار المحذور. (لكن له ترجيح سبره) على سبر المعترض النافي لعلية المبقي كغيره. (بموافقة التعدية) لسبره حيث يكون المبقى متعديا إذ تعدية الحكم محله أفيد من قصوره عليه.
(الخامس) من مسالك العلة (المناسبة) . وهي لغة الملايمة واصطلاحا ملاءمة الوصف المعين للحكم أو ما يعلم من تعريف المناسب الآتي، ويسمى هذا المسلك بالإحالة أيضا، كما ذكره الأصل سمي بها ذلك لأن بمناسبته الوصف يخال أي يظن أن الوصف علة ويسمى بالمصلحة وبالاستدلال وبرعاية المقاصد أيضا. (ويسمى استخراجها) أي العلة المناسبة (تخريج المناط) لأنه إبداء ما نيط به الحكم، فالمناط من النوط وهو التعليق أما تنقيح المناط وتحقيقه فسيأتيان. (وهو) أي تخريج المناط (تعيين العلة بإبداء) أي إظهار
стр. 118
(مناسبة) بين العلة المعينة والحكم (مع الاقتران بينهما كالاسكار) في خبر مسلم «كل مسكر حرام» ، فهو لإزالته العقل المطلوب حفظه مناسب للحرمة، وقد اقترن بها وخرج بإبداء المناسبة ترتيب الحكم على الوصف الذي هو من أقسام الإيماء وغير ذلك كالمطرد والشبه وبالاقتران إبداء المناسبة في المستبقي في السبر. (ويحقق) بالبناء للمفعول (استقلال الوصف) المناسب في العلية (بعدم غيره) من الأوصاف (بالسبر) لا بقول المستدل بحثت فلم أجد غيره، والأصل عدمه بخلافه في السبر لأنه لا طريق له ثم سواه، ولأن المقصود هنا إثبات استقلال وصف صالح للعلية وثم نفي ما لا يصلح لها. (والمناسب) المأخوذ من المناسبة المتقدمة (وصف) ولو حكمة (ظاهر منضبط يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح كونه مقصودا للشارع) في شرعية ذلك الحكم. (من حصول مصلحة أو دفع مفسدة) . والوصف فيه شامل للعلة إذا كانت حكما شرعيا لأنه وصف للفعل القائم هو به وشامل للحكمة، فيكون للحكمة إذا علل بها حكمة كحفظ النفس، فإنه حكمة للانزجار الذي هو حكمة لترتب وجوب القصاص على القتل عدوانا، وإن جاز أن يكونا حكمتين له وخرج بيحصل الخ، الوصف المبقي في السير، والمدار في الدوران وغيرهما من الأوصاف التي تصلح للعلية ولا يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليها ما ذكر، وقيل هو الملائم لأفعال العقلاء عادة، واختاره
الأصل، وقيل هو ما يجلب نفعا أو يدفع ضررا، وقيل هو ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول. وهذه الأقوال مقاربة للأوّل، وإنما اخترته على ما اختاره الأصل لأنه قول المحققين، ولأنه أنسب بقولي كغيري. (فإن كان الوصف خفيا أو غير منضبط اعتبر ملازمه) الذي هو ظاهر منضبط، (وهو المظنة) له فيكون هو العلة كالوطء مظنة لشغل الرحم المرتب عليه وجوب العدّة في الأصل حفظا للنسب، لكنه لما خفي نيط وجوبها بمظنته وكالسفر مظنة للمشقة المرتب عليها الترخص في الأصل، لكنها لما لم تنضبط نيط الترخص بمظنتها. (وحصول المقصود من شرع الحكم قد يكون يقينا كالملك في البيع) لأنه المقصود من شرع البيع ويحصل منه يقينا. (و) قد يكون (ظنا كالانزجار في القصاص) لأنه المقصود من شرع القصاص ويحصل منه ظنا، فإن الممتنعين عنه أكثر من المقدمين عليه. (و) قد يكون (محتملاً) كاحتمال انتفائه إما (سواء كالانزجار في حد الخمر) على تناولها لأنه المقصود من شرع الحد عليه وحصول الانزجار منه وانتفاؤه متساويان بتساوي الممتنعين عن تناولها والمقدمين عليه فيما يظهر لنا. (أو مرجوحا) لأرجحية انتفائه. (كالتوالد في نكاح الأمة) لأنه هو المقصود من شرع النكاح وانتفاؤه في نكاحها أرجح من حصوله. (والأصح جواز التعليل بالأخيرين) من الأربعة أي بالمقصود المتساوي الحصول والانتفاء والمقصود المرجوح الحصول نظرا إلى حصولهما في الجملة وقياسا على السفر في جواز القصر للمترفه في سفره المنتفي فيه المشقة التي هي حكمة الترخص نظرا إلى حصولها في الجملة، وقيل لا يجوز التعليل بهما، لأن أولهما مشكوك الحصول، وثانيهما مرجوحه. أما أوّل الأربعة، وثانيها فيجوز التعليل بهما قطعا.
(فإن فات) المقصود من شرع الحكم (قطعا) في بعض الصور (فالأصح) أنه (لا يعتبر) فيه المقصود للقطع بانتفائه. وقالت الحنفية يعتبر حتى يثبت فيه الحكم وما يترتب عليه كما سيظهر. (سواء) في الاعتبار وعدمه (ما) أي الحكم الذي (فيه تعبد كاستبراء أمة اشتراها بائعها) لرجل منه (في المجلس) أي مجلس البيع فالمقصود من استبراء الأمة المشتراة من رجل وهو معرفة براءة رحمها منه المسبوقة بالجهل بها ثابت قطعا في هذه الصورة لانتفاء الجهل فيها قطعا، وقد اعتبره الحنفية فيها تقديرا حتى يثبت فيها الاستبراء وغيرهم لم يعتبره. وقال بالاستبراء
стр. 119
فيها تعبدا كما في المشتراة من امرأة، لأن الاستبراء فيه نوع تعبد كما علم في محله. (وما) أي والحكم الذي (لا) تعبد فيه (كلحوق نسب ولد المغربية بالمشرقي) عند الحنفية حيث قالوا من تزوج بالمشرق امرأة وهي بالمغرب، فأتت بولد يلحقه فالمقصود من التزويج وهو حصول النطفة في الرحم ليحصل العلوق فيلحق النسب فائت قطعا في هذه الصورة للقطع عادة بعدم تلاقي الزوجين، وقد اعتبره الحنفية فيها لوجود مظنته وهو التزويج حتى يثبت اللحوق وغيرهم لم يعتبره. وقال لا عبرة بمظنته مع القطع بانتفائه وعدم التعبد فيه فلا لحوق. (والمناسب) من حيث شرع الحكم له ثلاثة أقسام (ضروري فحاجي فتحسيني) قطعا مع ما يأتي في أقسام الضروري بالفاء ليفيد أن كلاً منها دون ما قبله في الرتبة. (والضروري) وهو ما تصل الحاجة إليه إلى حد الضرورة. (حفظ الدين) المشروع له قتل الكفار. (فالنفس) أي حفظها المشروع له القود، (فالعقل) أي حفظه المشروع له حد السكر، (فالنسب) أي حفظه المشروع له حد الزنا. (فالمال) أي حفظه المشروع له حد السرقة وحد قطع الطريق. (فالعرض) أي حفظه المشروع له عقوبة القذف والسب، وهذا زاده الأصل كالطوفي على الخمسة السابقة المسماة بالمقاصد والكليات التي قالوا فيها إنها لم تبح في ملة من الملل، والمراد مجموعها، وإلا
فالخمر أبيحت في صدر الإسلام، وعطفي للعرض بالفاء أولى من عطف الأصل كالطوفي له بالواو. (ومثله) أي الضروري (مكمله) ، فيكون في رتبته (كالحدّ بـ) ـتناول (قليل المسكر) ، إذ قليله يدعو إلى كثيره المفوّت لحفظ العقل فبولغ في حفظه بالمنع من القليل والحدّ عليه كالكثير، وكعقوبة الداعين إلى البدع لأنها تدعو إلى الكفر المفوت لحفظ الدين، وكالقود في الأطراف، لأن أزالتها تدعو إلى القتل المفوت لحفظ النفس. (والحاجي) وهو ما يحتاج إليه ولا يصل إلى حد الضرورة. (كالبيع فالاجارة) المشروعين للملك المحتاج إليه ولا يفوت بفواته لو لم يشرعا شيء من الضروريات السابقة، وعطفت الاجارة بالفاء لأن الحاجة إليها دون الحاجة إلى البيع. (وقد يكون) الحاجي (ضروريا) في بعض صوره (كالاجارة لتربية الطفل) ، فإن ملك المنفعة فيها وهي تربيته يفوت بفواته لو لم تشرع الاجارة حفظ نفس الطفل. (و) مثل الحاجي (مكمله كخيار البيع) المشروع للتروي كمل به البيع ليسلم عن الغبن. (والتحسيني) وهو ما استحسن عادة من غير احتياج إليه قسمان (معارض للقواعد) الشرعية. أي لشيء منها (كالكتابة) فإنها غير محتاج إليها إذ لو منعت ما ضر لكنها مستحسنة عادة للتوسل بها إلى فك الرقبة من الرق، وهي خارمة لقاعدة امتناع بيع الشخص بعض ماله ببعض آخر إذ ما يحصله المكاتب في قوة ملك السيد له بتعجيزه نفسه. (وغيره) أي وغير المعارض لشيء من القواعد. (كسلب العبد أهلية الشهادة) ، فإنه غير محتاج إليه إذ لو ثبت للعبد الأهلية ما ضر لكنه مستحسن عادة لنقص الرقيق عن هذا المنصب الشريف الملزم للحقوق بخلاف الرواية.
(ثم المناسب) من حيث اعتباره وجودا وعدما أربعة أقسام مؤثر وملائم وغريب ومرسل، لأنه (إن اعتبر عينه في عين الحكم بنص أو إجماع فالمؤثر) . لظهور تأثيره بما اعتبر به، والمراد بالعين النوع لا الشخص منه فالاعتبار بالنص كتعليل نقض الوضوء بمس الذكر، فإنه مستفاد من خبر الترمذي وغيره «من مس ذكره فليتوضأ» . والاعتبار بالاجماع كتعليل ولاية المال على الصغير بالصغر فإنه مجمع عليه. (أو) اعتبر عينه في عين الحكم (بترتيب الحكم على وقفه) حيث ثبت الحكم معه بأن أورده الشرع على وقفه، لا بأن نص على العلة أو أومىء إليها وإلا لم تكن العلة مستفادة من المناسبة. (فإن اعتبر) بنص أو إجماع (العين في الجنس أو عكسه أو الجنس في الجنس) وكل منهما أعلى مما بعده. (فالملائم) لملايمته للحكم
стр. 120
(وإلا) أي وإن لم يعتبر بما ذكر شيء من ذلك. (فالغريب) . وهذا من زيادتي تبعا لابن الحاجب، ومثل له بتعليل توريث المبتوتة في مرض الموت بالفعل المحرم لغرض فاسد وهو الطلاق البائن لغرض عدم الإرث قياسا على قاتل مورثه حيث لم يرثه بجامع ارتكاب فعل محرم، وفي ترتيب الحكم عليه تحصيل مصلحة وهو نهيهما عن الفعل الحرام، لكن لم يشهد له أصل بالاعتبار بنص أو إجماع، ومثال الأول من أقسام الملائم تعليل ولاية النكاح بالصغر حيث تثبت معه، وإن اختلف في أنها له أو للبكارة أو لهما، وقد اعتبر في جنس الولاية حيث اعتبر في ولاية المال بالإجماع كما مر، ومثال الثاني تعليل جواز الجمع حالة المطر في الحضر بالحرج حيث اعتبر معه، وقد اعتبر جنسه في جوازه في السفر بالنص إذ الحرج جامع لحرج السفر والمطر، ومثال الثالث تعليل القود في القتل بمثقل بالقتل العمد العدوان حيث ثبت معه، وقد اعتبر جنسه في جنس القود حيث اعتبر في القتل بمحدد بالإجماع إذ القتل العمد العدوان جامع للقتل بمثقل، وبمحدد والقود جامع للقود بالمثقل وبالمحدد، (وإن لم يعتبر) أي المناسب (فإن دل دليل على إلغائه) ،
فهو ملغى (فلا يعلل به) قطعا كما في جماع ملك نهار رمضان، فإن حاله يناسب التكفير ابتداء بالصوم ليرتدع به دون الإعتاق، إذ يسهل عليه بذل المال في شهوة الفرج، وقد أفتى يحيى بن يحيى بن كثير الليثي المغربي المالكي ملكا بالمغرب جامع في نهار رمضان بصوم شهرين متتابعين نظرا إلى ذلك لكن الشارع ألغاه بإيجابه الإعتاق ابتداء من غير تفرقة بين ملك وغيره، وفي الحاشية زيادة على ذلك، ويسمى هذا القسم بالغريب لبعده عن الاعتبار. (وإلا) أي وإن لم يدل دليل على إلغائه كما لم يدل على اعتباره (فالمرسل) لإرساله أي إطلاقه عما يدل على اعتباره أو إلغائه، ويعبر عنه بالمصالح المرسلة وبالاستصلاح وبالمناسب المرسل (وردّه الأكثر) من العلماء مطلقا لعدم ما يدل على اعتباره وقبله الإمام مالك مطلقا رعاية للمصلحة حتى جوّز ضرب المتهم بالسرقة ليقرّ، وعورض بأنه قد يكون بريئا وترك الضرب لمذنب أهون من ضرب بريء، وردّه قوم في العبادات إذ لا نظر فيها للمصلحة، بخلاف غيرها كالبيع والنكاح والحد، ومحل الخلاف المذكور إذا علم اعتبار العين في الجنس أو عكسه أو الجنس في الجنس، وإلا فهو مردود قطعا كما ذكره العضد تبعا لابن الحاجب. (وليس منه) أي من المناسب الرسل. (مصلحة ضرورية كلية) أي متعلقة بكل الأمة (قطعية أو ظنية قريبة منها) لدلالة الدليل على اعتبارها، (فهي حق كلي قطعا) واشترطها الغزالي للقطع بالقول بالمناسب المرسل، لا لأصل القول به فجعلها منه مع القطع بقبولها مثالها رمي الكفار المتترسين بأسرانا في الحرب المؤدي إلى قتل الترس معهم إذا قطع أو ظن ظنا قريبا من القطع بأنهم إن لم يرموا استأصلونا بالقتل الترس وغيره، وبأنهم إن رموا سلم غير الترس فيجوز رميهم لحفظ باقي الأمة بخلاف رمي أهل قلعة تترسوا بمسلمين، لأن فتحها ليس ضروريا ورمى بعضنا من سفينة في بحر لنجاة الباقين، لأن نجاتهم ليست كليا ورمى المتترسين في الحرب إذا لم يقطع أو لم يظن
ظنا قريبا من القطع باستئصالهم لنا، فلا يجوز الرمي في شيء من الثلاث، وإن أقرع في الثانية لأن القرعة لا أصل لها شرعا في ذلك. (والمناسبة تنخرم) أي تبطل (بمفسدة تلزم) الحكم (راجحة) على مصلحته (أو مساوية لها في الأصح) ، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقال الإمام الرازي ومتابعوه لا تنخرم بها مع موافقتهم على انتفاء الحكم فهو عندهم لوجود المانع وعلى الأول لانتفاء المقتضى فالخلف لفظي.
(
السادس) من مسالك العلة، (الشبه وهو مشابهة وصف للمناسب والطردي) وهذا التفسير من زيادتي. (ويسمى الوصف بالشبه أيضا وهو منزلة) أي ذو منزلة (بين منزلتيهما) أي منزلتي المناسب والطردي.
стр. 121
(في الأصح) لأنه يشبه الطردي من حيث إنه غير مناسب بالذات، ويشبه المناسب بالذات من حيث التفات الشرع إليه في الجملة كالذكورة والأنوثة في القضاء والشهادة، وقيل هو المناسب بالتبع كالطهارة لاشتراط النية، فإنها إنما تناسبه بواسطة أنها عبادة بخلاف المناسب بالذات كالإسكار لحرمة الخمر. (ولا يصار إليه) بأن يصار إلى قياسه، (إن أمكن قياس العلة) المشتمل على المناسب بالذات. (وإلا) بأن تعذرت العلة بتعذر المناسب بالذات بأن لم يوجد غير قياس الشبه. (فهو حجة في غير) الشبه (الصوري في الأصح) ، نظرا لشبهه بالمناسب وقد احتج به الشافعي في مواضع منها. قوله في إيجاب النية في الوضوء كالتيمم طهارتان أنى تفترقان، وقيل مردود نظرا لشبهه بالطردي. (وأعلاه) أي قياس الشبه (قياس ما) أي شبه (له أصل واحد) كأن يقول في إزالة الخبث هي طهارة للصلاة فيتعين الماء كطهارة الحدث، فطهارة الخبث تشبه الطردي من حيث ظهور المناسبة بينها وبين تعين الماء، وتشبه المناسب بالذات من حيث إن الشرع اعتبر طهارة الحدث بالماء في الصلاة وغيرها. (فـ) ـقياس (غلبة الأشباه في الحكم والصفة) وهو إلحاق فرع متردد بين أصلين بأحدهما الغالب شبهه به في الحكم والصفة على شبهه بالآخر فيهما، كإلحاق العبد بالماء في إيجاب القيمة بقتله بالغة ما بلغت، لأن شبهه بالمال في الحكم والصفة أكثر من شبهه بالحرّ فيهما، أما الحكم فلكونه يباع ويؤجر ويعار ويودع ويثبت عليه اليد. وأما الصفة فلتفاوت قيمته بحسب تفاوت أوصافه جودة ورادءة وتعلق الزكاة بقيمته إذا اتجر فيه. (فـ) ـقياس غلبة الأشباه في (الحكم فـ) ـقياس غلبتها في (الصفة) . وهذان مع الأول ومع الترجيح والتقييد بغير الصوري من زيادتي، أما
الصوري كقياس الخيل على البغال والحمير في عدم وجوب الزكاة للشبه الصوري بينهما، فليس بحجة في الأصح.
(السابع) من مسالك العلة (الدوران بأن يوجد الحكم) أي تعلقه. (عند وجود وصف ويعدم) هو أولى من قوله وينعدم. (عند عدمه) والوصف يسمى مدارا والحكم دائرا. (وهو) أي الدوران (يفيد) العلية (ظنا في الأصح) . وقيل لا يفيدها لجواز أن يكون الوصف ملازما لها لا نفسها كرائحة المسكر المخصوصة، فإنها دائرة مع الإسكار وجودا وعدما بأن يصير المسكر خلاً وليست علة، وقيل يفيدها قطعا وكأن قائل ذلك قاله عند مناسبة الوصف كالإسكار لحرمة الخمر. (ولا يلزم المستدل به بيان انتفاء ما هو أولى منه) بإفادة العلية بل يصح الاستدلال به مع إمكان الاستدلال بما هو أولى منه بخلاف ما مرّ في الشبه. (ويترجح جانبه) أي المستدل (بالتعدية) لوصفه على جانب المعترض حيث يكون وصفه قاصرا (إن أبدى المعترض وصفا آخر) أي غير المدار. (والأصح) أنه (إن تعدّى وصفه) أي المعترض (إلى الفرع) المتنازع فيه بقيد زدته بقولي (واتحد مقتضى وصفيهما) أي المستدل والمعترض، (أو إلى فرع آخر لم يطلب ترجيح) بناء على جواز تعدد العلل، وقيل يطلب الترجيح بناء على منعه، وبه جزم الأصل في الثاني بناء على ما رجحه من منع تعدد العلل، أما إذا اختلف مقتضى وصفيهما كأن اقتضى أحدهما الحل والآخر الحرمة فيطلب الترجيح.
(الثامن) من مسلك العلة (الطرد بأن يقارن الحكم الوصف بلا مناسبة) لا بالذات ولا بالتبع كقول بعضهم في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تزال به النجاسة كالدهن أي بخلاف الماء فبناء القنطرة وعدمه لا مناسبة فيهما للحكم، وإن كان مطردا لا نقض عليه، وقولي بلا مناسبة من زيادتي وخرج به بقية المسالك (وردّه الأكثر) من العلماء لانتفاء المناسبة عنه. قال علماؤنا قياس المعنى مناسب لاشتماله على الوصف المناسب، وقياس الشبه تقريب، وقياس الطرد تحكم فلا يفيد، وقيل يفيد المناظر دون الناظر لنفسه
стр. 122
لأن الأول دافع، والثاني مثبت. وقيل إن قارنه فيما عدا صورة النزاع أفاد العلية فيفيد الحكم في صورة النزاع، وقيل تكفي مقارنته له في صورة واحدة غير صورة النزاع.
(التاسع) من مسالك العلة (تنقيح المناط بأن يدل نص ظاهر على التعليل) لحكم (بوصف فيحذف خصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد ويناط) الحكم (بالأعم) ، كما حذف أبو حنيفة ومالك من خبر الأعرابيّ الذي واقع زوجته في نهار رمضان خصوص الوقاع عن الاعتبار، وأناطا الكفارة بمطلق الإفطار. (أو) بأن (تكون) في محل الحكم (أوصاف فيحذف بعضها) عن الاعتبار بالاجتهاد (ويناط) الحكم (بباقيها) ، كما حذف الشافعي في الخبر المذكور غير الوقاع من أوصاف المحل ككون الواطىء أعرابيا، وكون الموطوءة زوجة، وكون الوطء في القبل عن الاعتبار، وأناط الكفارة بالوقاع، ولا ينافي التمثيل بالخبر لما هنا التمثيل به فيما مرّ للإيماء، لاختلاف الجهة، إذ التمثيل للإيماء بالنظر لاقتران الوصف بالحكم، ولما هنا بالنظر للاجتهاد في الحذف. (وتحقيق المناط إثبات العلة في صورة) خفى وجودها فيها. (كإثبات أن النباش) وهو من ينبش القبور ويأخذ الأكفان. (سارق) بأنه وجد منه أخذ المال خفية من حرز مثله وهو السرقة فيقطع خلافا للحنفية. (وتخريجه) أي المناط (مرّ) بيانه في مبحث المناسبة وقرنت كالأصل بين الثلاثة كعادة الجدليين ويعرف من تعاريفها الفرق بينها.
(العاشر) من مسالك العلة (إلغاء الفارق) بأن يبين عدم تأثيره في الفرق بين الأصل والفرع، فيثبت الحكم لما اشتركا فيه سواء أكان الإلغاء قطعيا كإلحاق صبّ البول في الماء الراكد بالبول فيه في الكراهة الثابتة بخبر «لا يبولنّ أحدكم في الماء الراكد» . أم ظنيا (كإلحاق الأمة بالعبد في السراية) الثابتة بخبر «من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوّم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق» . فالفارق في الأول الصب من غير فرج، وفي الثاني الأنوثة، ولا تأثير لهما في منع الكراهة والسراية فتثبتان لما يشارك فيه الأصل والفرع، وإنما كان الثاني ظنيا لأنه قد يتخيل فيه احتمال اعتبار الشارع في عتق العبد استقلاله في جهاد وجمعة وغيرهما مما لا دخل للأنثى فيه، وقوله في الخبر ثمن العبد أي ثمن ما لا يملكه العتق منه. (وهو) أي إلغاء الفارق (والدوران والطرد) على القول به (ترجع) ثلاثتها (إلى ضرب شبه) للعلة لا علة حقيقة لأنها تحصل الظنّ في الجملة. ولا تعين جهة المصلحة المقصودة من شرع الحكم، لأنها لا تدرك بواحد منها بخلاف بقية المسالك.
(خاتمة) في نفي مسلكين ضعيفين . (ليس تأتي القياس بعلية وصف ولا العجز عن إفساده دليلها في الأصحّ) فيهما. وقيل نعم فيهما، أما الأول فلأن القياس مأمور به بقوله تعالى ﴿فاعتبروا﴾ وبتقدير علية الوصف يخرج بقياسه عن عهدة الأمر فيكون الوصف علة. قلنا إنما يتعين عليته لو لم يخرج عن عهدة الأمر إلا بقياسه وليس كذلك، وأما الثاني فكما في المعجزة فإنها إنما دلت على صدق الرسول للعجز عن معارضتها. قلنا الفرق أن العجز ثم من الخلق وهنا من الخصم.
القوادح
أي هذا مبحثها وهي ما يقدح في الدليل علة كان الدليل أو غيرها. (منها تخلف الحكم عن العلة المستنبطة) إن كان التخلف (بلا مانع أو فقد شرط في الأصح) ، بأن وجدت في بعض صور بدون الحكم لأنها لو كانت علة للحكم لثبت حينئذ بخلاف المنصوصة، إذ لا نقض معها كما بينته في الحاشية، وبخلاف ما إذا كان التخلف لمانع أو فقد شرط، لأن العلة عند التخلف تجامع كلاً منهما. وهذا ما اختاره ابن الحاجب وغيره من المحققين، وعليه يحمل إطلاق الشافعي القدح بالتخلف، وقيل يقدح مطلقا، ورجحه الأصل إذ لو صحت العلية مع التخلف للزم الحكم في صورة التخلف ضرورة استلزام العلة لمعلولها، وقيل لا يقدح مطلقا. وقال به أكثر الحنفية وسموه
стр. 123
تخصيص العلة، وقيل يقدح في العلة المستنبطة دون المنصوصة، وقيل عكسه، وقيل يقدح إلا أن يكون لمانع أو فقد شرط وعليه أكثر فقهائنا وقيل غير ذلك. (والخلف) في القدح (معنوي) خلافا لابن الحاجب ومن تبعه في قولهم إنه لفظي مبني على تفسير العلة إن فسرت بالمؤثر وهو ما يستلزم وجوده وجود الحكم، فالتخلف قادح أو بالباعث أو بالمعرف فلا.
(ومن فروعه) أي فروع أن الخلف معنوي (الانقطاع) للمستدل فيحصل إن قدح التخلف، وإلا فلا يحصل ويسمع قوله أردت العلية في غير ما حصل فيه التخلف، (وانخرام المناسبة بمفسدة) فيحصل إن قدح التخلف وإلا فلا، لكن ينتفي الحكم لوجود المانع (وغيرهما) بالرفع أي غير المذكورين كتخصيص العلة فيمتنع إن قدح التخلف وإلا فلا. (وجوابه) أي التخلف على القول بأنه قادح (منع وجود العلة) فيما اعترض به. (أو) منع (انتفاء الحكم) في ذلك (إن لم يكن انتفاؤه مذهب المستدل) . وإلا فلا يتأتى الجواب، (أو بيان المانع أو) بيان (فقد الشرط) مثال ذلك يجب القود بالقتل بمثقل كالقتل بمحدد، فإن نقض بقتل الأصل فرعه حيث تخلف الحكم فيه عن العلة فجوابه منع وجود العلة في ذلك، إذ يعتبر فيها عدم أصلية القاتل أو أن التخلف لمانع، وهو أن الأصل كان سببا لإيجاد فرعه، فلا يكون هو سببا لإعدام أصله. (وليس للمعترض) بالتخلف (استدلال على وجود العلة) فيما اعترض به. (عند الأكثر) من النظار، ولو بعد منع المستدل وجودها. (لانتقاله) من الاعتراض إلى الاستدلال المؤدي إلى الانتشار، وقيل له ذلك ليتم مطلوبه من إبطال العلة. وقيل له ذلك إن لم يكن ثم دليل أولى من التخلف بالقدح، وإلا فلا. وقيل له ذلك ما لم تكن العلة حكما شرعيا. (ولو دل) المستدل (على وجودها) أي العلة فيما علل حكمه بها (بـ) ـدليل (موجود في محل النقض ثم منع وجودها) في ذلك المحل، (فقال) له المعترض (ينتقض دليلك) الذي أقمته على وجودها حيث وجد في محل النقض دونها على مقتضى منعك وجودها فيه. (لم يسمع) قول المعترض (لانتقاله من نقضها إلى ناقض دليلها) ، والانتقال ممتنع، قال ابن الحاجب وفيه نظر لأن القدح في الدليل قدح في المدلول بمعنى أن القدح فيه يحوج إلى الانتقال إلى إثبات المدلول بدليل آخر، وإلا كان قولاً بلا دليل فلا يمتنع الانتقال إليه، فإن ردّد بين الأمرين فقال يلزمك انتقاض العلة أو انتقاض دليلها الدال على وجودها في الفرع فلا تثبت علتك سمع قوله اتفاقا، إذ لا انتقال (وليس له) أي للمعترض (استدلال على تخلف الحكم) فيما اعترض به ولو بعد منع المستدل تخلفه (في الأصح) ، لما مر من الانتقال من الاعتراض إلى الاستدلال المؤدي إلى الانتشار، وقيل له ذلك ليتم مطلوبه من إبطال العلة، وقيل له ذلك إن لم يكن ثم طريق أولى من التخلف بالقدح وإلا فلا. (ويجب الاحتراز منه) أي من التخلف بأن يذكر في الدليل ما يخرج محله ليسلم من الاعتراض، (على المناظر مطلقا) عن الاستثناء الآتي، (وعلى الناظر) لنفسه (إلا فيما اشتهر من المستثنيات) ، كالعرايا لأنه لشهرته كالمذكور، فلا يجب الاحتراز منه، وقيل يجب عليه ذلك مطلقا وغير المذكور ليس كالمذكور، وقيل يجب عليه ذلك إلا في المستثنيات ولو كانت غير مشهورة، فلا يجب ذلك للعلم بأنها غير مرادة، وقيل لا يجب مطلقا. واختاره ابن الحاجب وغيره (وإثبات صورة) معينة أو مبهمة (أو نفيها ينتقض بالنفي أو الإثبات العامين) يعني السالبة والموجبة الكليتين. (وبالعكس) أي النفي العام أو الإثبات العام ينتقض بإثبات صورة معينة أو مبهمة أو بنفيها فنحو زيد كاتب أو إنسان ما كاتب يناقضه لا شيء من الإنسان بكاتب ونحو زيد ليس بكاتب، أو إنسان ما ليس بكاتب يناقضه كل إنسان كاتب، أما الأولى بشقيها فلتحقق المناقضة بين الموجبة الجزئية والسالبة الكلية، وأما الثانية كذلك فلتحقق المناقضة بين السالبة الجزئية
стр. 124
والموجبة الكلية.
(
ومنها) أي من القوادح (الكسر) فإنه قادح (في الأصحّ) لما يعلم من تعريفه الآتي، وقيل ليس بقادح، (وهو) أي الكسر ويسمى بنقض المعنى أي المعلل به. (إلغاء بعض العلة) بوجود الحكم عند انتفائه إما (مع إبداله) أي البعض بغيره (أو لا) مع إبداله (ونقض باقيها) أي العلة والتصريح بأو لا الخ من زيادتي (كما يقال في) إثبات صلاة (الخوف) هي (صلاة يجب قضاؤها) لو لم تفعل. (فيجب أداؤها كالأمن) فإن الصلاة فيه كما يجب قضاؤها لو لم تفعل يجب أداؤها. (فيعترض) بأن خصوص الصلاة ملغى بأن يقال الحج يجب أداؤه لقضائه. (فليبدل) خصوص الصلاة (بالعبادة) ليندفع الاعتراض، وكأنه قيل عبادة الخ. (ثم ينقض) هذا القول (بصوم الحائض) فإنه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها بل يحرم (أو لا يبدل) خصوص الصلاة. (فلا يبقى) للمستدل علة (إلا) قوله (يجب قضاؤها) فيجب أداؤها كالأمن. (ثم ينقض بما مر) ، بأن يقال ليس كل ما يجب قضاؤه يؤدي بدليل صوم الحائض، فإنه يجب عليها قضاؤه دون أدائه. وعبر ابن الحاجب عن هذا القادح بالنقض المكسور وعرف الكسر قبيله بما لزم منه أن الراجح أنه لا يقدح، وفي محل آخر بما يقتضي أنه تخلف الحكم عن العلة، فعنده أن الكسر مشترك لفظي، وبما تقرر أوّلاً علم أن الكسر لا يكون إلا في العلة المركبة، وأن مفاده تخلف الحكم عن العلة فهو قسم من أقسام القادح السابق.
(ومنها) أي من القوادح (عدم العكس) بأن يوجد الحكم بدون العلة وإنما يقدح. (عند مانع تعدد العلل) بخلاف مجوّزه لجواز أن يكون وجود الحكم لعلة أخرى ومثاله يعلم من القادح الآتي. (والعكس انتفاء الحكم) لا بمعنى انتفائه نفسه، بل (بمعنى انتفاء العلم أو الظن به لانتفاء العلة) ، وإنما عنى ذلك لأنه لا يلزم من عدم الدليل الذي من جملته العلة عدم المدلول للقطع بأن الله تعالى لو لم يخلق العالم الدال على وجوده لم ينتف وجوده، وإنما ينتفي العلم به. (فإن ثبت مقابله) أي مقابل العكس وهو الطرد أي ثبوت الحكم لثبوت العلة أبدا، (فأبلغ) في العكسية مما لم يثبت مقابله بأن يثبت الحكم مع انتفاء العلة في بعض الصور، لأنه في الأوّل عكس لجميع الصور وفي الثاني لبعضها. (وشاهده) أي العكس في صحة الاستدلال بانتفاء العلة فيه على انتفاء الحكم (قوله ﷺ لبعض أصحابه في خبر مسلم لما عدد وجوه البر بقوله وفي بضع أحدكم صدقة الخ. (أرأيتم لو وضعها) أي الشهوة (في حرام أكان عليه وزر) فكأنهم قالوا نعم، فقال (فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر في جواب) قولهم (أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر) استنتج من ثبوت الحكم أي الوزر في الوطء الحرام انتفاءه في الوطء الحلال الصادق بحصول الأجر حيث عدل بوضع الشهوة عن الحرام إلى الحلال لتعاكس حكميهما في العلة، وهو كون هذا مباحا وذاك حراما، وهذا الاستنتاج يسمى قياس العكس الآتي في الكتاب الخامس، وإنما ذكر هنا مع العكس، وإن كان المبحث في القدح بعدمه أما العكس فلتوقف معرفة عدمه على معرفته، وأما قياسه فلكونه شاهدا له.
(ومنها) أي من القوادح (عدم التأثير أي نفي مناسبة الوصف) الذاتية للحكم (فيختص) القدح به (بقياس معنى علته مستنبطة مختلف فيها) لاشتماله على المناسب بخلاف غيره كالشبه، وقياس المعنى الذي علته منصوصة أو مستنبطة مجمع عليها فلا يأتي فيه ذلك، (وهو) أقسام (أربعة) القسم الأوّل عدم التأثير (في الوصف بكونه طرديا أو شبها) . والمعنى عدم تأثيره أصلاً كقول الحنفية في الصبح صلاة لا تقصر فلا يقدم أذانها كالمغرب فعدم القصر بالنسبة لعدم تقديم الأذان طردي لا مناسبة فيه ولا شبه، وعدم التقييد موجود فيما يقصر، وكقول المستدل بقياس المعنى في الوضوء طهارة تفتقر إلى النية
стр. 125
كالتيمم فالطهارة بالنسبة لافتقار الوضوء إلى النية شبه المناسبة فيه بالذات، إذ المناسبة الذاتية له كون الوضوء عبادة. وحاصل هذا القسم طلب مناسبة علية الوصف وقولي أو شبهه من زيادتي (و) الثاني عدم التأثير (في الأصل) بإبداء علة لحكمه (على مرجوح) وهو منع تعدد العلل (مثل) أن يقال في بيع الغائب (مبيع غير مرئيّ فلا يصح كالطير في الهواء فيقول) المعترض (لا أثر لكونه غير مرئيّ) في الأصل. (إذ العجز عن التسليم) فيه (كاف) في عدم الصحة وعدمها موجود مع الرؤية. وحاصله معارضته في الأصل بإبداء غير ما علل به وزدت على مرجوح ليوافق ما اعتمدته من جواز تعدّد العلل. (و) الثالث عدم التأثير (في الحكم وهو أضرب) ثلاثة أحدها (ما) أي وصف اشتملت عليه العلة (لا فائدة لذكره كقولهم) أي الخصوم الحنفية (في المرتدين) المتلفين مالنا بدار الحرب حيث استدلوا على نفي الضمان عنهم في ذلك (مشركون أتلفوا مالاً بدار الحرب فلا ضمان) عليهم (كالحربيّ) المتلف مالنا (فدار الحرب عندهم) أي الخصوم كما هو عندنا وصف (طرديّ فلا فائدة لذكره) لأن من نفي الضمان في إتلاف المرتد مال المسلم كالحنفية نفاه، وإن لم يكن الإتلاف بدار الحرب ومن أثبته كالشافعية أثبته، وإن لم يكن الإتلاف بدار الحرب
(فيرجع) الاعتراض في ذلك (للأوّل) من الأقسام لأن المعترض يطالب المستدل بتأثير كون الإتلاف بدار الحرب لا بغيرها. (و) الضرب الثاني (ما) أي وصف اشتملت عليه العلة (له) أي لذكره (على الأصح فائدة ضرورية كقول معتبر العدد في الاستجمار) بالأحجار (عبادة متعلقة بالأحجار لم يتقدمها معصية فاعتبر فيها العدد كالجمار) أي كرميها (فقوله لم يتقدمها معصية عديم التأثير) في حكم الأصل والفرع (لكنه) أي معتبر العدد (مضطر لذكره لئلا ينتقض ما علل به) لو لم يذكر فيه (بالرجم) للمحصن فإنه عبادة متعلقة بالأحجار ولم يعتبر فيها العدد والضرب الثالث ما ذكرته بقولي (أو غير ضرورية) أي أو ماله على الأصح فائدة غير ضرورية (مثل) أن يقال (الجمعة صلاة مفروضة فلم تفتقر) في إقامتها (إلى أذن الإمام) الأعظم (كالظهر، فإن) قولهم (مفروضة حشو إذ لو حذف) مما علل به (لم ينتقض) أي الباقي منه بشيء إذ النفل كالفرض في ذلك. (لكنه ذكر لتقريب الفرع) وهو الجمعة (من الأصل) وهو الظهر (بتقوية الشبهة بينهما إذ الفرض بالفرض أشبه) به من غيره، وقيل عدم التأثير لا يكون قادحا فيما له فائدة بقسميها، وقيل يكون قادحا في ثانيهما دون أولهما. (و) القسم الرابع عدم التأثير (في الفرع) على مرجوح يعلم من قولي بعد في الفرض والأصح جوازه، (مثل) أن يقال في تزويج المرأة نفسها (زوجت نفسها غير كفء فلا يصح) التزويج (كما لو زوجت) بالبناء للمفعول أي زوّجها وليها له. (وهو) أي الرابع (كالثاني) في أنه إبداء علة وهي في هذا المثال تزويج المرأة نفسها لا تزويجها من غير كفء، (إذ لا أثر فيه للتقييد بغير الكفء) فإنه وإن ناسب البطلان لكنه غير مطرد في جميع صور المدعي وهو أن تزويجها نفسها لا يصح مطلقا كما لا أثر للتقييد في مثال الثاني بكونه غير مرئي، وإن كان نفي الأثر هنا بالنسبة إلى الفرع وثم بالنسبة إلى الأصل. (ويرجع) هذا القسم (إلى المناقشة في الفرض وهو) أي الفرض
(تخصيص بعض صور النزاع بالحجاج) كما فعل في المثال، إذ المدعى فيه منع تزويجها نفسها مطلقا والاحتجاج على منعه من غير كفء. (والأصح جوازه) أي الفرض مطلقا فقد لا يساعده الدليل في كل الصور أو لا يقدر على دفع الاعتراض في بعضها فيستفيد بالفرض غرضا صحيحا،
стр. 126
وقيل لا يجوز لأن جوازه لا يدفع اعتراض الخصم، وقيل يجوز بشرط بناء غير محل الفرض على محله كأن يقاس عليه بجامع بينهما، أو يقال ثبت الحكم في بعض الصور فليثبت في باقيها، إذ لا قائل بالفرق، وقد قال به الحنفية في المثال حيث جوّزوا تزويجها نفسها من غير كفء.
(
ومنها) أي من القوادح (القلب) وهو نوعان خاص بالقياس وعرفوه بأن يربط المعترض خلاف قول المستدل على علته إلحاقا بالأصل الذي جعله مقيسا عليه وعام يعترض به على القياس وغيره من الأدلة، (وهو في الأصح دعوى) المعترض (أن ما استدلّ به) المستدل، (وصح) دليل (عليه) أي على المستدل وإن دل له باعتبار آخر فتعبيري بذلك أولى من قوله عليه لا له. (في المسألة) المتنازع فيها لا في مسألة أخرى، وقول الأصل على ذلك الوجه لا حاجة إليه كما بينته في الحاشية، وتقديمي عليه على ما بعده أولى من تأخير الأصل له عنه، (فـ) ـبسبب التقييد بصحة ما استدل به (يمكن معه) أي مع القلب (تسليم صحته) ، وقيل القلب تسليم صحته مطلقا سواء أكان ما استدل به صحيحا أم لا. وقيل هو إفساد له مطلقا لأن الغالب من حيث جعله على المستدل مسلم لصحته، وإن لم يكن صحيحا ومن حيث لم يجعله له مفسد له، وإن كان صحيحا، وعلى كلا القولين لا يذكر في الحد قيد للصحة، وإنما ذكر في الأول لأن عدم ذكره فيه يخل بموضوعه إما مصححا لمذهب المعترض أو مبطلاً لمذهب المستدل كما سيأتي، فهو قيد للاحتراز عن الفاسد، إذ لا يحصل به شيء من ذلك، وعلى الأصح من إمكان التسليم مع القلب. (فهو) أي القلب (مقبول في الأصح) وهو إما (معارضة عند التسليم) لصحة دليل المستدل، فلا يكون القلب حينئذ قادحا، بل يجاب عنه بالترجيح وإما اعتراض. (قادح عند عدمه) أي عدم تسليم الصحة، وقيل هو شاهد زور يشهد على الغالب وله حيث سلم فيه الدليل، واستدل به على خلاف دعوى المستدل فلا يقبل. (وهو) أي القلب باعتبار آخر (قسمان) .
القسم (الأول) القلب (لتصحيح مذهب المعترض) في المسألة (وإبطال مذهب المستدل) فيها سواء أكان مذهب المستدل مصرحا به في الاستدلال أم لا، فالأول (كما يقال) من جانب المستدل كالشافعي في بيع الفضولي (عقد بلا ولاية) عليه. (فلا يصح كالشراء) أي كشراء الفضولي فلا يصح لمن سماه. (فيقال) من جانب المعترض كالحنفي (عقد فيصح كالشراء) أي كشراء الفضولي فيصح له ويلغو تسميته لغيره وهو أحد وجهين عندنا، إذا لم يشتر بعين مال من عقد له ولم يضف العقد إلى ذمته. (و) الثاني (مثل) أن يقول الحنفي المشترط للصوم في الاعتكاف (لبث فلا يكون بنفسه قربة كوقوف عرفة) ، فإنه قربة بضميمة الإحرام فكذا الاعتكاف يكون قربة بضميمة عبادة إليه وهي الصوم لأنه المتنازع فيه. (فيقال) من جانب المعترض كالشافعي الاعتكاف. (لبث فلا يشترط فيه الصوم كعرفة) لا يشترط الصوم في وقوفها، ففي هذا إبطال لمذهب الخصم الذي هو اشتراط الصوم ولم يصرح به في الدليل.
القسم (الثاني) القلب (لإبطال مذهب المستدل) وإبطاله إما (بصراحة) كأن يقول الحنفي في مسح الرأس، (عضو وضوء فلا يكفي) في مسحه (أقل ما ينطلق عليه الاسم كالوجه) لا يكفي في غسله ذلك. (فيقال) من جانب المعترض كالشافعي عضو ضوء. (فلا يقدر بالربع كالوجه) لا يقدر غسله بالربع (أو بالتزام) ، كأن يقول النفي في بيع الغائب (عقد معاوضة فيصح مع الجهل بالمعوّض كالنكاح) يصح مع الجهل بالزوجة أي عدم رؤيتها. (فيقال) من جانب المعترض كالشافعي، (فلا يثبت) فيه (خيار الرؤية كالنكاح) فنفي الثبوت يلزمه نفي الصحة إذ القائل بها قائل بالثبوت، وقولي فلا يثبت أولى من قوله فلا يشترط لأن اللازم
стр. 127
للصحة عند القائل بها ثبوت ما ذكر لا اشتراطه، (ومنه) أي من القلب لإبطال مذهب المستدل بالالتزام. (قلب المساواة فيقبل في الأصح) وهو أن يكون في جهة الأصل حكمان أحدهما منتف عن جهة الفرع باتفاق الخصمين، والآخر متنازع فيه بينهما فإذا أثبته المستدل في الفرع قياسا على الأصل يقول المعترض فيجب التسوية بين الحكمين في جهة الفرع كما في جهة الأصل (مثل) قول الحنفي في الوضوء والغسل كل منهما (طهر بمائع فلا تجب فيه النية كالنجاسة) أي إزالتها لا يجب فيها النية بخلاف التيمم يجب فيه النية. (فيقال) من جانب المعترض كالشافعي (يستوي جامده ومائعه) أي الطهر (كالنجاسة) يستوي جامد طهرها ومائعه في جميع أحكامها. وقد وجبت النية في التيمم، فتجب في الوضوء والغسل، وقيل لا يقبل قلب المساواة، لأن التسوية في جهة الفرع غيرها، في جهة الأصل، وأجاب الأكثر بأن هذا الاختلاف لا يضر في القياس، لأنه غير مناف لأصل الاستواء في الوصف الذي جعل جامعا وهو الطهارة.
(ومنها) أي من القوادح (القول بالموجب) بفتح الجيم أي بما اقتضاه الدليل ولا يختص بالقياس وشاهده قوله تعالى ﴿ولله العزة ولرسوله﴾ في جواب ليخرجنّ الأعز منها الأذل، المحكي عن المنافقين أي صحيح ذلك لكنهم الأذل والله ورسوله الأعز وقد أخرجهم الله ورسوله. (وهو تسليم) مقتضي (الدليل مع بقاء النزاع) ، بأن يظهر عدم استلزام الدليل لمحل النزاع وورد ذلك على ثلاثة أنواع. أحدها أن يستنتج المستدل من دليله ما يتوهم أنه محل النزاع أو ملازم له ولا يكون كذلك. والثاني أن يستنتج منه إبطال أمر يتوهم أنه مأخذ مذهب الخصم والخصم يمنع أنه مأخذه. والثالث أن يسكت عن مقدمة صغرى غير مشهورة. فالأول (ما يقال في) القود بقتل (المثقل) من جانب المستدل كالشافعي (قتل بما يقتل غالبا فلا ينافي القود كالإحراق) بالنار لا ينافي القود، (فيقال) من جانب المعترض كالحنفي (سلمنا عدم المنافاة) بين القتل بالمثقل وبين القود، (لكن لم قلت) إن القتل بالمثقل (يقتضيه) أي القود وذلك محل النزاع ولم يستلزمه الدليل. (و) الثاني (كما يقال) في القود بالقتل بالمثقل أيضا (التفاوت في الوسيلة) من آلات القتل وغيره (لا يمنع القود كالتوسل إليه) من قتل وقطع وغيرهما لا يمنع تفاوته القود (فيقال) من جانب المعترض (مسلم) أن التفاوت في الوسيلة لا يمنع القود فلا يكون مانعا منه، (لكن لا يلزم من إبطال مانع انتفاء الموانع ووجود الشرائط والمقتضي) وثبوت القود متوقف عل جميعها، (والمختار تصديق المعترض في قوله) للمستدل (ليس هذا) الذي عنيته باستدلالك تعريضا بي من منع التفاوت في الوسيلة للقود (مأخذي) في نفي القود، لأن عدالته تمنعه من الكذب في ذلك لأنه أعلم بمذهبه، وقيل لا يصدق إلا ببيان مأخذ آخر لأنه قد يعاند بما قاله. والثالث ما ذكرته بقولي (وربما سكت المستدل عن مقدمة غير مشهورة مخافة المنع) لها لو صرح بها (فيرد) بسكوته عنها (القول بالموجب) كما يقال في
اشتراط النية في الوضوء والغسل ما هو قربة يشترط فيه النية كالصلاة ويسكت عن الصغرى وهي الوضوء والغسل قربة، فيقول المعترض مسلم أن ما هو قربة يشترط فيه النية، لكن لا يلزم اشتراطها في الوضوء والغسل، فإن صرح المستدل بأنهما قربة ورد عليه منع ذلك وخرج عن القول بالموجب أما المشهورة فكالمذكورة فلا يتأتى فيها القول بالموجب.
(ومنها) أي من القوادح (القدح في المناسبة) الوصف المعلل به الحكم. (وفي صلاحية إفضاء الحكم إلى المقصود) من شرعه (وفي الانضباط) للوصف المذكور، (وفي الظهور) له بأن ينفي كلاً من الأربعة بأن يبدي في أوّلها مفسدة راجحة أو مساوية لما مر من أنها تنخرم بذلك، ويبين في ثانيها عدم الصلاحية للافضاء، وفي ثالثها عدم الانضباط، وفي رابعها عدم الظهور.
стр. 128
(وجوابه) أي القدح بشيء منها (بالبيان) له. الأول بيان رجحان المصلحة على المفسدة، كأن يقال التخلي للعبادة أفضل من النكاح لما فيه من تزكية النفس فيعترض بأن تلك المصلحة تفوّت أضعافها كإيجاد الولد وكف النظر وكسر الشهوة، فيجاب بأن تلك المصلحة أرجح مما ذكر لأنها لحفظ الدين وما ذكر لحفظ النسل، والثاني ببيان إفضاء الحكم إلى المقصود كأن يقال تحريم المحرم بالمصاهرة مؤبدا صالح، لأن يفضي إلى عدم الفجور بها المقصود من شرع التحريم فيعترض بأنه ليس صالحا لذلك، بل للافضاء إلى الفجور لأن النفس مائلة إلى الممنوع. فيجاب بأن تحريمها المؤبد لسد باب الطمع فيها بحيث تصير غير مشتهاة كالأم، والثالث ببيان انضباط الوصف بنفسه أو بوصف معه يضبطه كالسفر للمشقة، والرابع ببيان ظهوره بأن يبينه بصفة ظاهرة كأن يعلل في القود بالرضا فيعترض بأن الرضا أمر خفي فلا يعلل به، فيجاب ببيان ظهوره بصفة ظاهرة تدل عليه وهي الصيغة.
(ومنها) أي من القوادح (الفرق) بين الأصل والفرع (والأصح أنه معارضة بإبداء قيد في علية) حكم (الأصل أو) إبداء (مانع في الفرع) يمنع من ثبوت حكم الأصل فيه (أو بهما) أي بالابداءين معا. وقيل هو الثالث فقط مثاله على الشق الأول أن يقول الشافعي تجب النية في الوضوء كالتيمم بجامع الطهارة عن حدث، فيعترض الحنفي بأن العلة في الأصل الطهارة بالتراب، وعلى الثاني أن يقول الحنفي يقاد المسلم بالذميّ كغير المسلم بجامع القتل العمد العدوان فيعترض الشافعي بأن الإسلام في الفرع مانع من القود، وعلى الثالث أن يعارض بالابداءين وما عرفت به الفرق أولى من تعريف الأصل له بأنه راجع إلى المعارضة في الأصل، أو الفرع وقيل إليهما لأنه أحاله على ما لم يذكره مع إيهام أن المعارضة بالابداءين ليست فرقا مطلقا وليس كذلك. (و) الأصح (أنه) أي الفرق (قادح) وإن قيل إنه بالثالث أو بالضعيف سؤالان. أو قلنا بجواز تعدّد العلل لأنه يؤثر في جميع المستدل، ولأنه لو لم يقدح لم يمتنع التحكم واللازم باطل وقيل ليس بقادح، وقيل كذلك على القول بأنه بالثالث سؤالان لا سؤال واحد، إذ جمع الأسئلة المختلفة غير مقبول ومعنى كونه سؤالاً واحدا اتحاد المقصود منه وهو قطع الجمع، ومعنى كونه سؤالين اشتماله على معارضة علة الأصل بعلة وعلى معارضة الفرع بأخرى مستنبطة. (وجوابه) أي الفرق (بالمنع) كأن يمنع كون المبدى في الأصل جزءا من العلة وفي الفرع مانعا من الحكم وهذا من زيادتي (و) الأصح (أنه يجوز تعدد الأصول) لفرع واحد بأن يقاس عليها لقوّة الظن به، وصححه ابن الحاجب وغيره وهو الموافق لجواز تعدد العلل وقيل يمتنع تعددها، وإن جوز تعدد العلل لانتشار البحث في ذلك مع إمكان حصول المقصود بواحد منها وصححه الأصل. (فلو فرق بين الفرع وأصل منها كفى) في القدح فيها (في الأصح) لأنه يبطل جمعها المقصود، وقيل لا يكفي لاستقلال كل منها وقيل يكفي إن قصد الإلحاق بمجموعها، لأنه
يبطله بخلاف ما إذا قصد بكل منها (في اقتصار المستدل على جواب أصل) واحد منها، وقد فرق المعترض بين جميعها. (قولان) أحدهما يكفي لحصول المقصود بالدفع عن واحد منها، والثاني لا يكفي لأنه التزم الجميع فلزمه الدفع عنه، وهذا هو الأوجه الموافق للأصح قبله.
(ومنها) أي من القوادح، (فساد الوضع بأن لا يكون الدليل صالحا لترتيب الحكم) عليه كأن يكون صالحا لضد ذلك الحكم أو نقيضه (كتلقي) أي استنتاج (التخفيف من التغليظ والتوسيع من التضييق والإثبات من النفي) . وعكسه (وثبوت اعتبار الجامع) في قياس المستدل (بنص أو إجماع في نقيض الحكم) ، أو ضده في ذلك القياس، فالأول كقول الحنفية القتل عمدا جناية عظيمة لا يجب له كفارة كالردة فعظم الجناية يناسب تغليظ الحكم لا تخفيفه بعدم وجوب الكفارة، والثاني كقولهم الزكاة وجبت على وجه الارتفاق لدفع الحاجة، فكانت على التراخي كالدية
стр. 129
على العاقلة، فالتراخي الموسع لا يناسب دفع الحاجة المضيق، والثالث كأن يقال في المعاطاة في غير المحقر لم يوجد فيها مع الرضا صيغة، فينعقد بها البيع كما في المحقر على القول بانعقاده بها فيه، فعدم الصيغة يناسب عدم الانعقاد لا الانعقاد، والرابع كأن يقال في المعاطاة في المحقر وجد فيها الرضا فقط، فلا ينعقد بها بيع كغير المحقر، فالرضا الذي هو مناط البيع يناسب الانعقاد لا عدمه. والخامس في الجامع ذي النص قول الحنفية الهرة سبع ذو ناب فسؤره نجس كالكلب، فيقال السبعية اعتبرها الشارع علة للطهارة حيث دعي إلى دار فيها كلب فامتنع وإلى أخرى فيها سنور فأجاب فقيل له فقال السنور سبع. رواه الإمام أحمد وغيره، وفي الجامع ذي الاجماع قول الشافعية في مسح الرأس في الوضوء مسح فيسن تكراره كالاستجمار حيث يسن الإيتار فيه فيقال المسح في الخف لا يسن تكراره إجماعا فيما قيل. (وجوابه) أي فساد الوضع (بتقرير نفيه) عن الدليل بأن يقرر كونه صالحا لترتيب الحكم عليه كأن يكون له جهتان يناسب بإحداهما التوسيع وبالأخرى التضييق فينظر المستدل فيه من إحداهما، والمعترض من الأخرى كالارتفاق ودفع الحاجة في مسألة الزكاة، ويجاب على الكفارة في القتل بأنه غلظ فيه بالقود فلا يغلظ فيه بالكفارة، وعن المعاطاة في الثالث بأن الانعقاد بها مرتب على الرضا لا على عدم الصيغة، وعن المعاطاة في الرابع بأن عدم الانعقاد بها مرتب على عدم الصيغة لا على الرضا، وعن ثبوت اعتبار الجامع بقسميه في نقيض الحكم بثبوت اعتباره في ذلك الحكم، ويكون تخلفه عنه بأن وجد مع نقيضه لمانع في أصل المعترض كما في مسح الخف فإن تكراره يفسده كغسله.
(ومنها) أي من القوادح (فساد الاعتبار بأن يخالف) الدليل (نصا) من كتاب أو سنة، (أو إجماعا) كأن يقال في أداء الصوم الواجب صوم واجب، فلا يصح نيته من النهار كقضائه، فيعترض بأنه مخالف لقوله تعالى ﴿والصائمين والصائمات﴾ الخ فإنه رتب فيه الأجر العظيم على الصوم كغيره من غير تعرض للتبييت فيه، وذلك مستلزم لصحته بدونه، وكأن يقال لا يصح قرض الحيوان لعدم انضباطه كالمختلطات، فيعترض بأنه مخالف لخبر مسلم عن أبي رافع أنه ﷺ استسلف بكرا وردّ رباعيا. وقال «إن خيار الناس أحسنهم قضاء» والبكر بفتح الباء الصغير من الإبل، والرباعي بفتح الراء ما دخل في السنة السابعة، وكأن يقال لا يجوز للرجل أن يغسل زوجته الميتة لحرمة النظر إليها كالأجنبية، فيعترض بأنه مخالف للإجماع السكوتي في تغسيل عليّ فاطمة ﵄، (وهو) أي فساد الاعتبار (أعم من فساد الوضع) من وجه لصدقه فقط بأن يكون الدليل صالحا لترتيب الحكم عليه وصدق فساد الوضع فقط بأن لا يكون الدليل كذلك، ولا يعارضه نص ولا إجماع وصدقهما معا بأن لا يكون الدليل كذلك مع معارضة نص أو إجماع له (وله) أي للمعترض بفساد الاعتبار (تقديمه على المنوعات) في المقدمات (وتأخيره عنها) لمجامعته لها من غير مانع من تقديمه وتأخيره (وجوابه كالطعن في سنده) أي سند النص أو الإجماع بإرسال أو غيره (والمعارضة) للنص بنص آخر فيتساقطان ويسلم دليل المستدل. (ومنع اظهور) له في مقصد المعترض (والتأويل) له بدليل وزدت الكاف لدفع توهم حصر الجواب فيما ذكر، فإنه لا ينحصر فيه إذ منه غيره كالقول بالموجب كما بينته في الحاشية.
(ومنها) أي من القوادح (منع علية الوصف) أي منع كونه العلة (وتسمى المطالبة) أي بتصحيح العلة المتبادر عند إطلاق المطالبة. (والأصح قبوله) وإلا لأدى الحال إلى تمسك المستدل بما شاء من الأوصاف لأمنه المنع، وقيل لا يقبل لأدائه إلى الانتشار بمنع كل ما يدعي عليته. (وجوابه بإثباتها) أي العلية بمسلك من مسالك العلة المتقدمة. (ومن المنع) المطلق (منع وصف العلة) أي منع اعتباره فيها وهو مقبول جزما. (كقولنا في
стр. 130
إفساد الصوم بغير جماع) كأكل من غير كفارة (الكفارة) شرعت (للزجر عن الجماع المحذور في الصوم فوجب اختصاصها به كالحد) . فإنه شرع للزجر عن الجماع زنا وهو مختص بذلك. (فيقال) لا نسلم أنها شرعت للزجر عن الجماع بخصوصه، (بل عن الإفطار المحذور فيه) أي في الصوم بجماع أو غيره. (وجوابه ببيان اعتبار الخصوصية) أي خصوصية الوصف في العلة كأن يبين اعتبار الجماع في الكفارة بأن الشارع رتبها عليه حيث أجاب بها من سأله عن جماعه كما مرّ. (كأن المعترض) بهذا الاعتراض (ينقح المناط) بحذف خصوص الوصف عن اعتباره في العلة (والمستدل يحققه) ببيان اعتبار خصوصية الوصف فيقدم لرجحان تحقيق المناط فإنه يرفع النزاع. (و) من المنع المطلق (منع حكم الأصل، والأصح أنه مسموع) كمنع وصل العلة كأن يقول الحنفي الإجارة عقد على منفعة، فتبطل بالموت كالنكاح فيقال له لا نسلم حكم الأصل، إذ النكاح لا يبطل بالموت بل ينتهي به، وقيل غير مسموع لأن لم يعترض المقصود (و) الأصح (أن المستدل لا ينقطع به) أي بمنع الحكم لأنه منع مقدمة من مقدمات القياس، فله إثباته كسائر المقدمات. وقيل ينقطع للانتقال عن إثبات حكم الفرع الذي هو بصدده إلى غيره، وقيل ينقطع به إن كان ظاهرا يعرفه أكثر الفقهاء، ولم يقل المستدل في استدلاله إن سلمت حكم الأصل وإلا نقلت الكلام إليه بخلاف ما لا يعرفه إلا خواصهم، أو قال المستدل ذلك، وقيل غير ذلك. (و) الأصح (أنه) أي المستدل (إن
دل) أي استدل (عليه) أي على حكم الأصل بدليل (لم ينقطع المعترض) بمجرد ذلك، (بل له أن يعترض) ثانيا الدليل، لأنه قد لا يكون صحيحا، وقيل ينقطع فليس له أن يعترض لخروجه باعتراضه عن المقصود، (وقد يقال) من طرف المعترض في الاتيان بمنوع مترتبة (لا نسلم حكم الأصل سلمنا) . (ولا نسلم أنه مما يقاس فيه) لجواز كونه مما اختلف في جواز القياس فيه والمستدل لا يراه. (سلمنا) ذلك (ولا نسلم أنه معلل) لجواز كونه تعبديا. (سلمنا) ذلك، (ولا نسلم أن هذا الوصف علته) لجواز كونها غيره. (سلمنا) ذلك، (ولا نسلم وجود فيه) أي وجود الوصف في الأصل. (سلمنا) ذلك (ولا نسلم أنه) أي الوصف (متعد) لجاز كونه قاصرا. (سلمنا) ذلك، (ولا نسلم وجوده بالفرع) ؛ فهذه سبعة منوع تتعلق الثلاثة الأولى منها بحكم الأصل، والأربعة الباقية بالعلة مع الأصل، والفرع في بعضها. وقد بينت ذلك في الحاشية. (فيجاب) عنها (بالدفع) لها على ترتيبها السابق (بما عرف من الطرق) المذكورة في دفعها إن أريد ذلك، وإلا فيكفي الاقتصار على دفع الأخير منها، (فـ) ـبسبب جواز تعدد المنوع (يجوز إيراد اعتراضات) هو أولى من قوله معارضات (من نوع) ، كالنقوض أو المعارضات في الأصل أو الفرع لأنها كسؤال واحد مترتبة كانت أو لا، (وكذا) يجوز إيراد اعتراضات (من أنواع في الأصح) ، كالنقض وعدم التأثير والمعارضة، (وإن كانت مترتبة) أي يستدعي تاليها تسليم متلوه، وذلك لأن تسليمه تقديري لا تحقيقي، وقيل لا يجوز من أنواع للانتشار، وقيل يجوز في غير المترتبة دون المترتبة، لأن ما قبل الأخير في المترتبة مسلم فذكره ضائع، وردّ بأن تسليمه تقديريّ لا تحقيقي كما مرّ، مثال النوع في الاعتراضات المترتبة أن يقال ما ذكر أنه علة منقوض بكذا ومنقوض بكذا، ولئن سلم فهو منقوض بكذا، ومثاله في غير المترتبة أن يقال ما ذكر أنه علة منقوض بكذا ومنقوض بكذا ومثال الأنواع مترتبة أن يقال ما ذكر من الوصف غير موجود في
الأصل، ولئن سلم فهو معارض بكذا، ومثالها غير مترتبة أن يقال هذا الوصف منقوض بكذا أو غير مؤثر لكذا.
(
ومنها) أي من القوادح (اختلاف ضابطي الأصل والفرع) ؛ أي اختلاف علتي حكمهما بدعوى المعترض، وإنما
стр. 131
كان اختلافهما قادحا لعدم الثقة فيه بالجامع وجودا ومساواة، كأن يقال في شهود الزور بالقتل تسببوا في القتل، فعليهم القود كالمكره غيره على القتل، فيعترض بأن الضابط في الأصل الإكراه، وفي الفرع الشهادة، فأين الجامع بينهما وإن اشتركا في الإفضاء إلى المقصود. فأين مساواة ضابط الفرع لضابط الأصل في ذلك؟ (وجوابه) أي جواب الاعتراض باختلاف الضابط (بأنه) أي الجامع بينهما. (القدر المشترك) بين الضابطين كالتسبب في القتل فيما مر، وهو منضبط عرفا. (أو بأن الإفضاء) أي إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود (سواء) أي مساوٍ لإفضاء الضابط في الأصل إلى المقصود، كحفظ النفس فيما مر، وكالمساوي لذلك الأرجح منه كما فهم بالأولى. (لا بإلغاء التفاوت) بين الضابطين بأن يقال التفاوت بينهما ملغى في الحكم، فلا يحل الجواب به لأن التفاوت قد يلغى كما في العالم يقتل بالجاهل، وقد لا يلغى كما في الحرّ لا يقتل بالعبد.
(ومنها) أي من القوادح (التقسيم) هو راجع للاستفسار مع منع المعترض أن أحد احتمالي اللفظ العلة، (وهو ترديد اللفظ) المورد في الدليل (بين أمرين) مثلاً على السواء. (أحدهما ممنوع) دون الآخر المراد مثاله أن يقال في مثال الاستفسار للإجمال فيما يأتي الوضوء النظافة أو الأفعال المخصوصة الأول ممنوع أنه قربة، والثاني مسلم أنه قربة، لكنه لا يفيد الغرض من وجوب النية. (والمختار قبوله) لعدم تمام الدليل معه وقيل لا لأنه لم يعترض المراد. (وجوابه أن اللفظ موضوع) في المراد (ولو عرفا) كما يكون لغة. (أو) أنه (ظاهر) ولو بقرينة (في المراد) ، كما يكون ظاهرا بغيرها ويبين الوضع والظهور. (والاعتراضات) كلها (راجعة إلى المنع) قال كثير أو المعارضة، لأن غرض المستدل من إثبات مدعاه بدليله صحة مقدّماته ليصلح للشهادة له وسلامته من المعارض لتنفذ شهادته وغرض المعترض من هدم ذلك القدح في صحة الدليل بمنع مقدمة منه أو معارضته بما يقاومه، والأصل كبعضهم رأى أن المعارضة منع للعلة عن الجريان فاقتصر عليه وتبعته فيه. (ومقدمها) بكسر الدال، ويجوز فتحها كما مر أي المتقدم أو المقدم على الاعتراضات. (الاستفسار) فهو طليعة لها كطليعة الجيش. (وهو طلب ذكر معنى اللفظ لغرابة أو إجمال) فيه (وبيانهما) أي الغرابة والاجمال (على المعترض في الأصح) لأن الأصل عدمهما وقيل
على المستدل بيان عدمهما ليظهر دليله. (ولا يكلف) المعترض بالإجمال (بيان تساوي المحامل) المحقق للإجمال لعسر ذلك عليه. (ويكفيه) في بيان ذلك إن أراد التبرع به أن يقول (الأصل) بمعنى الراجح (عدم تفاوتها) أي المحامل وإن عارضه المستدل بأن الأصل عدم الاجمال. (فيبين المستدل عدمهما) أي عدم الغرابة والاجمال حيث تمّ الاعتراض عليه بهما بأن يبين ظهور اللفظ في مقصوده بنقل عن لغة أو عرف شرعي أو غيره أو بقرينة، كما إذا اعترض عليه في قوله الوضوء قربة، فلتجب فيه النية بأن الوضوء يطلق على النظافة، وعلى الأفعال المخصوصة فيقول حقيقته الشرعية الثاني. (أو يفسر اللفظ بمحتمل) منه بفتح الميم الثانية. (قيل وبغيره) أي بغير محتمل منه، إذ غاية الأمر أنه ناطق بلغة جديدة ولا محذور في ذلك بناء على أن اللغة اصطلاحية، وردّ بأن فيه فتح باب لا يستد. (والمختار) أنه (لا يقبل) من المستدل إذا وفق المعترض بإجمال اللفظ على عدم ظهوره في غير مقصده، (دعواه الظهور) له (في مقصده) بكسر الصاد
стр. 132
(بلا نقل) عن لغة أو عرف، (أو قرينة) كأن يقول يلزم ظهوره في مقصدي لأنه غير ظاهر في الآخر اتفاقا، فلو لم يكن ظاهرا في مقصدي لزم الاجمال، وإنما لم تقبل لأنه لا أثر لها بعد بيان المعترض الإجمال، وقيل تقبل دفعا للاجمال الذي هو خلاف الأصل، ومحله إذا لم يشتهر اللفظ بالاجمال، فإن اشتهر به كالعين والقرء لم يقبل ذلك جزما، وترجيح عدم القبول من زيادتي، وهو ما اعتمده شيخنا الكمال ابن الهمام وغيره، وقولي بلا نقل أو قرينة أظهر في المراد من قوله دفعا للإجمال. (ثم المنع) أي الاعتراض بمنع أو غيره (لا يأتي في الحكاية) أي حكاية المستدل للأقوال في السمألة المبحوث فيها حتى يختار منها قولاً ويستدل عليه. (بل) يأتي (في الدليل) إما (قبل تمامه) ، وإنما يأتي في مقدمة معينة منه. (أو بعده) أي بعد تمامه. (والأول) وهو المنع قبل التمام (إما) منع (مجرد أو) منع
(مع السند) ، وهو ما يبنى عليه المنع والمنع مع السند. (كلا نسلم كذا ولم لا يكون) الأمر (كذا أو) لا يسلم كذا و (إنما يلزم كذا لو كان) الأمر (كذا وهو) أي الأول بقسميه من المنع المجرد والمنع مع السند. (المناقضة) أي يسمى بها ويسمى بالنقض التفصيلي (فإن احتج) المانع (لانتفاء المقدمة) التي منعها (فغصب) أي فاحتجاجه لذلك يسمى غصبا لأنه غصب لمنصب المستدل (لا يسمعه المحققون) من النظار لاستلزامه الخبط فلا يستحق جوابا، وقيل يسمع فيستحقه. (والثاني) وهو المنع بعد تمام الدليل (إما بمنع الدليل) بمنع مقدمة معينة أو مبهمة (لتخلف حكمه فالنقض التفصيلي) أي يسمى به إن كان المنع لمعينة كما يسمى مناقضة. (أو) النقض (الإجمالي) أن يسمى به إن كان لمبهمة أو لجملة الدليل كأن يقال في صورته ما ذكر من الدليل غير صحيح لتخلف الحكم عنه في كذا، ووصف بالإجمالي لأن جهة المنع فيه غير معينة بخلاف التفصيلي، وذكر التفصيلي في الثاني من زيادتي. (أو بتسليمه) أي الدليل (مع) منع المدلول و (الاستدلال بما ينافي ثبوت المدلول فالمعارضة) أي يسمى بها (فيقول) في صورتها المعترض للمستدل. (ما ذكرت) من الدليل (وإن دل) على ما ذكرته (فعندي ما ينفيه) أي ما ذكرته ويذكره (وينقل) المعترض بها (مستدلاً) والمستدل معترضا، أما لو منع الدليل لا للتخلف أو المدلول، ولم يستدل بما ينافي ثبوته فالمنع مكابرة. (وعلى المستدل الدفع) لما اعترض به عليه. (بدليل) ليسلم دليله الأصلي ولا يكفيه المنع (فإن منع) أي الدليل الثاني بأن منعه المعترض (فكما مرّ) من المنع قبل تمام الدليل، وبعد تمامه الخ. (وهكذا) أي المنع ثالثا ورابعا مع الدفع وهلم، (إلى إفحامه) أي المستدل بأن انقطع بالمنوع. (أو إلزام المانع) بأن انتهى إلى ضروري أو يقيني مشهور من جانب المستدل.
(
خاتمة) الكتاب القياس (الأصح أن القياس من الدين) لأنه مأمور به لقوله تعالى ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ وقيل ليس منه لأن اسم الدين إنما يقع على ما هو ثابت مستمر، والقياس ليس كذلك، لأنه قد لا يحتاج إليه، وقيل منه إن تعين بأن لم يكن للمسألة دليل غيره، بخلاف ما إذا لم يتعين لعدم الحاجة إليه. (و) الأصح (أنه) أي القياس (من أصول الفقه) ، كما عرف من حده وقيل ليس منه وإنما يبين في كتبه لتوقف غرض الأصولي من إثبات حجيته المتوقف عليها الفقه على بيانه. (وحكم المقيس يقال) فيه (إنه دين الله) وشرعه (لا) يقال فيه (قاله الله ولا نبيه) لأنه مستنبط لا منصوص وقولي ولا نبيه من زيادتي، (ثم القياس فرض كفاية) على المجتهدين. (ويتعين) أي يصير فرض عين (على مجتهد احتاج إليه) بأن لم يجد غيره في واقعة. (وهو) أي القياس بالنظر إلى قوّته وضعفه قسمان (جلي) وهو (ما قطع فيه بنفي الفارق) أي بإلغائه (أو) ما (قرب
стр. 133
منه) بإن كان ثبوت الفارق أي تأثيره فيه ضعيفا بعيدا كل البعد كقياس الأمة على العبد في تقويم حصة الشريك على شريكه المعتق الموسر وعتقها عليه كما مرّ، وكقياس العمياء على العوراء في المنع من التضحية الثابت بخبرّ «أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها الخ. (وخفي) وهو (بخلافه) أي بخلاف الجلي فهو ما كان احتمال تأثير الفارق فيه إما قويا واحتمال نفي الفارق أقوى منه، وإما ضعيفا وليس بعيدا كل البعد كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في وجوب القود، وقد قال أبو حنيفة بعدم وجوبه في المثقل. (وقيل فيهما) أي الجلي والخفي (غير ذلك) قيل الجلي ما ذكر في تعريفه، والخفي بالشبه، والواضح بينهما. وقيل الجلي القياس الأولى كقياس الضرب على التأفيف في التحريم والواضح المساوي كقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم، والخفي الأدون كقياس التفاح علي البر في الربا ثم الجلي على الأولين يصدق بالأولى كالمساوي. (و) ينقسم القياس
باعتبار علته ثلاثة أقسام (قياس العلة) وهو (ما صرح فيه بها) بأن كان الجامع فيه نفسها كأن يقال يحرم النبيذ كالخمر للاسكار. (وقياس الدلالة) وهو (ما جمع فيه بلازمها فأثرها فحكمها) الضمائر للعلة، وكل من الثلاثة يدل عليها، وكل من الأخيرين منها دون ما قبله بدلالة الفاء فالأول كأن يقال النبيذ حرام كالخمر بجامع الرائحة المشتدة وهي لازمة للاسكار. والثاني كأن يقال القتل بمثقل يوجب القود كالقتل بمحدد بجامع الإثم وهو أثر العلة وهي القتل العمد العدوان. والثالث كأن يقال يقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم بذلك حيث كان غير عمد، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في المقيس والقتل منهم في المقيس عليه. وحاصل ذلك استدلال بأحد موجبي الجناية من القود والدية الفارق بينهما العمد على الآخر. (والقياس في معنى الأصل) . وهو (الجمع بنفي الفارق) ، ويسمى بالجلي كما مر، وبإلغاء الفارق وبتنقيح المناط كقياس البول في إناء وصبه في الماء الراكد على البول فيه في المنع بجامع أن لا فارق بينهما في مقصود المنع الثابت بخبر مسلم عن جابر «نهى النبي ﷺ عن أن يبال في الماء الراكد.
الكتاب الخامس في الاستدلال
(وهو دليل ليس بنص) من كتاب أو سنة. (ولا إجماع ولا قياس شرعي) . وقد تقدمت فلا يقال التعريف المشتمل عليها تعريف بالمجهول. (فدخل) فيه (قطعا) القياس (الاقتراني و) القياس (الاستثنائي) وهما نوعا القياس المنطقي وهو قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر وهو النتيجة فإن كان اللازم أو نقيضه مذكورا فيه بالفعل فهو الاستثنائي وإلا فالاقتراني فالاستثنائي نحو إن كان النبيذ مسكرا فهو حرام، لكنه مسكر ينتج فهو حرام، أو إن كان النبيذ مباحا فهو ليس بمسكر لكنه مسكر ينتج فهو ليس بمباح، والافتراني نحو كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام، ينتج كل نبيذ حرام وهو مذكور فيه بالقوة لا بالفعل وسمي القياس استثنائيا لاشتماله على حرف الاستثناء لغة وهو لكن واقترانيا لاقتران أجزائه. (و) دخل فيه قطعا (قولهم) أي العلماء (الدليل يقتضي أن لا يكون) الأمر (كذا خولف) الدليل (في كذا) أي في صورة مثلاً، (لمعنى مفقود في صورة النزاع فتبقى) هي (على الأصل) الذي اقتضاه الدليل كأن يقال الدليل يقتضي امتناع تزويج المرأة مطلقا وهو ما فيه من إذلالها بالوطء وغيره الذي تأباه الإنسانية لشرفها، خولف هذا الدليل في تزويج الولي لها فجاز لكمال عقله وهذا المعنى مفقود فيها، فيبقى تزويجها نفسها الذي هو محل النزاع على ما اقتضاه الدليل من الامتناع. (و) دخل فيه (في الأصح قياس العكس) وهو إثبات عكس حكم شيء لمثله لتعاكسهما في العلة كما مر في خبر أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان
стр. 134
عليه وزر» وقيل ليس بدليل كما حكي عن أصحابنا، وذكر الخلاف في هذا من زيادتي. (و) دخل فيه في الأصح (عدم وجدان دليل الحكم) هو أولى من قوله انتفاء الحكم لانتفاء مدركه، وذلك بأن لم يجد الدليل المجتهد بعد الفحص الشديد، فهو دليل على انتفاء الحكم، وقيل ليس بدليل، إذ لا يلزم من عدم وجدان الدليل عدمه، وذلك (كقولنا) للخصم في إبطال الحكم
الذي ذكره في مسألة (الحكم يستدعي دليلاً وإلا لزم تكليف الغافل) حيث وجد الحكم بدون دليل مفيد له، (ولا دليل) على حكمك (بالسبر) فإنا سبرنا الأدلة فلم نجد ما يدل عليه. (أو الأصل) فإن الأصل المستصحب عدم الدليل عليه فينتفي هو أيضا، ودخل فيه الاستقراء والاستصحاب والاستحسان، وقول الصحابي والالهام الآتية، وإنما أفرد كل منها بالترجمة بمسألة لما فيه من التفصيل وقوة الخلاف مع طول بعضه. (لا لقولهم) أي الفقهاء (وجد المقتضي أو المانع أو فقد الشرط) ، فلا يدخل في الاستدلال حالة كونه (مجملاً) في الأصح، ولا يكون دليلاً بل دعوى دليل، وإنما يكون دليلاً إذا عين المقتضى والمانع والشرط. وبين وجود الأولين ولا حاجة إلى بيان فقد الثالث لأنه على وفق الأصل، وقيل يدخل في الاستدلال، ورجحه الأصل فيكون دليلاً على وجود الحكم بالنسبة إلى المقتضي وعلى انتفائه بالنسبة إلى الآخرين، وقيل دليل وليس باستدلال إن ثبت بنص أو إجماع أو قياس، وإلا فهو استدلال. وقد بينت ما فيه في الحاشية. وخرج بزيادتي مجملاً ما لو كان معينا فيكون استدلالاً ودليلاً كما علم مما مر.
(مسألة الاستقراء بالجزئي على الكلي) بأن يتتبع جزئيات كلي ليثبت حكمها له (إن كان تاما) بأن كان بكل الجزئيات إلا صورة النزاع (فـ) ـهو دليل (قطعي) في إثبات الحكم في صورة النزاع. (عند الأكثر) من العلماء، وقال الأقل منهم ليس بقطعي لاحتمال مخالفة تلك الصورة لغيرها على بعد. قلنا هو منزل منزلة العدم، (أو) كان (ناقصا) بأن كان بأكثر الجزئيات الخالي عن صورة النزاع (فظني) فيها لا قطعي لاحتمال مخالفتها للمستقرإ. (ويسمى) هذا عند الفقهاء (إلحاق الفرد) النادر (بالأغلب) الأعم، ويختلف فيه الظنّ باختلاف الجزئيات، فكلما كان الاستقراء فيها أكثر كان أقوى ظنا.
(مسألة) في الاستصحاب وقد اشتهر أنه حجة عندنا دون الحنفية بأقسامه الآتية على خلاف عندنا في الأخير منها، وعند غيرنا في الأولين أيضا. (الأصح أن استصحاب العدم الأصلي) وهو نفي ما نفاه العقل ولم يثبته الشرع كوجوب صوم رجب. (و) استصحاب (العموم أو النص و) استصحاب (ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه) ، كثبوت الملك بالشراء (إلى ورود المغير) لها من إثبات الشرع ما نفاه العقل، ومن مخصص أو ناسخ أو سبب عدم ما دل الشرع على ثبوته أي كل من المذكورات (حجة) مطلقا فيعمل به إلى ورود المغير، وقل ليس بحجة مطلقا، وقيل الأخير منها حجة في الدفع به عما ثبت دون الرفع به لما ثبت كاستصحاب حياة المفقود قبل الحكم بموته، فإنه دافع للإرث منه وليس برافع لعدم الإرث من غيره للشك في حياته فلا يثبت استصحابها له ملكا جديدا، إذ الأصل عدمه، وقيل هو حجة إن يعارضه ظاهر وإلا قدم الظاهر، وقيل فيه غير ذلك. والأصح الأول فيقدم الأصل على الظاهر. (إلا إن عارضه ظاهر غالب ذو سبب ظن أنه أقوى) من الأصل، (فيقدم) عليه (كبول وقع في ماء كثير فوجد متغيرا، واحتمل تغيره به) وتغيره بغيره مما لا يضر كطول المكث. (وقرب العهد) بعدم تغيره فإن استصحاب طهارته التي هي الأصل عارضته نجاسته الظاهرة الغالبة ذات السبب التي ظنّ أنها أقوى، فقدمت على الطهارة عملاً بالظاهر، بخلاف ما لم يظن أنه أقوى بأن بعد العهد في المثال بعدم التغير قبل وقوع البول أو لم يكن عهد، وتأخيري الغاية عن المذكورات أولى من تقديمه لها على الأخير، وذكر الخلاف في الأوّلين مع التصريح بقولي ظنّ أنه أقوى من زيادتي.
стр. 135
(و) الأصح أنه (لا يحتج باستصحاب حال الاجماع في محل الخلاف) أي إذا أجمع على حكم في حال ثم اختلف فيه في حال آخر، ففلا يحتج باستصحاب ذلك الحال في هذا الحال، وقيل يحتج مثاله الخارج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء عندنا استحصابا لما قبل الخروج من بقائه المجمع عليه.
(فالاستصحاب) الشامل للأنواع السابقة وينصرف الاسم إليه، (ثبوت أمر في) الزمن (الثاني لثبوته في الأول لفقد ما يصلح للتغيير) من الأول إلى الثاني، فلا زكاة عندنا فيما حال عليه الحول من عشرين دينارا ناقصة تروج رواج الكاملة بالاستصحاب (أما ثبوته) أي الأمر (في الأول) لثبوته في الثاني (فـ) ـاستصحاب (مقلوب) كأن يقال في المكيال الموجود الآن كان على عهده ﷺ باستصحاب الحال في الماضي، إذ الأصل موافقة الماضي للحال والاستدلال به خفيّ حتى قال السبكي إنه لم يقل به الأصحاب إلا فيمن اشترى شيئا فادعاه غيره وأخذه بحجة مطلقة فيثبت له الرجوع بالثمن على البائع عملاً باستصحاب الملك الذي ثبت الآن فيما قبل ذلك، لأن البينة لا توجد الملك، بل تظهره، فيجب أن يكون سابقا على إقامتها ويقدر له لحظة لطيفة، ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي، ولكنهم استصحبوا مقلوبا وهو عدم الانتقال منه على أن في هذه الصورة وجها مشهورا بعدم الرجوع، واعتمده البلقيني وقال إنه الصواب المتعين، والمذهب الذي لا يجوز غيره. (وقد يقال فيه) أي في الاستصحاب المقلوب ليظهر الاستدلال به لرجوعه في المعنى إلى الاستصحاب المستقيم (لو لم يكن الثابت اليوم ثابتا أمس لكان غير ثابت) أمس، إذ لا واسطة بين الثبوت وعدمه (فيقضي استصحاب أمس) الخالي عن الثبوت فيه، (بأنه اليوم غير ثابت وليس كذلك) ، لأنه مفروض الثبوت اليوم (فدل) ذلك (علىأنه ثابت) أمس أيضا.
(
مسألة المختار أن النافي) لشيء (يطالب بدليل) على انتفاء (إن لم يعلم النفي) أي انتفاء الشيء (ضرورة) بأن علم نظرا أو ظن لأن غير الضروري قد يشتبه فيطلب دليله لينظر فيه، وقيل لا يطالب به، وقيل يطالب به في العقليات لا الشرعيات. (وإلا) أي وإن علم انتفاؤه ضرورة، (فلا) يطالب بدليل على انتفائه لأن الضروريّ لا يشتبه حتى يطلب دليله لينظر فيه، وتعبيري بما ذكر أولى مما عبر به كما بينته في الحاشية. (و) المختار (أنه لا يجب الأخذ بالأخف ولا بالأثقل) في شيء، بل يجوز كل منهما لأن الأصل عدم الوجوب، وقيل يجب الأخذ بالأخف لقوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ وقيل يجب الأخذ بالأثقل لأنه أكثر ثوابا وأحوط، والترجيح من زيادتي، وتقدم في الإجماع ما يؤخذ منه أنه يجب الأخذ بأقل ما قيل.
(مسألة المختار) كماقال ابن الحاجب وغيره (أنه ﷺ كان متعبدا) بفتح الباء وكسرها أي مكلفا ومكلفا نفسه بالعبادة. (قبل البعثة بشرع) ، لما في الأخبار من أنه كان يتعبد كان يصلي كان يطوف. وتلك أعمال شرعية يعلم ممن مارسها قصد موافقة أمر الشرع، ولا يتصوّر من غير تعبد فإن العقل بمجرده لا يحسنه، وقيل لم يكن متعبدا وقيل بالوقف وهو ما اختاره الأصل، (و) المختار (الوقف عن تعيينه) أي تعيين الشرع بتعيين من نسب إليه، وقيل هو آدم، وقيل نوح، وقيل إبراهيم، وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل ما ثبت أنه شرع من غير تعيين لنبيّ. (و) المختار (بعدها) أي بعد البعثة (المنع) من تعبده بشرع من قبله، لأن له شرعا يخصه، وقيل تعبد بما لم ينسخ من شرع من قبله أي ولم يرد فيه وحي له استصحابا لتعبده به قبل البعثة. (و) المختار بعد البعثة (أن أصل المنافع الحل المضارّ التحريم) قال تعالى ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ ذكره في معرض الامتنان ولا يمتنّ إلا بالجائر. وقال ﷺ «لا ضَرَرَ ولا ضِرَار» . رواه ابن ماجة وغيره، وزاد الطبراني «في الإسلام» وقيل الأصل في الأشياء الحل، وقيل الأصل فيها التحريم، أما حكم المنافع والمضارّ قبل البعثة فتقدم أوائل
стр. 136
الكتاب حيث قيل لا حكم قبل الشرع بل الأمر موقوف إلى وروده.
(مسألة المختار أن الاستحسان ليس دليلاً) إذ لا دليل يدل عليه وقيل هو دليل لقوله تعالى ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم﴾ قلنا المراد بالأحسن الأظهر والأولى لا الاستحسان. (وفسر بدليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته وردّ بأنه) أي هذا الدليل (إن تحقق) بفتح التاء عند المجتهد (فمعتبر) ، ولا يضرّ قصور عبارته عنه قطعا، وإن لم يتحقق عنده فمردود قطعا. (و) فسر أيضا (بعدول عن قياس إلى) قياس (أقوى) منه، (ولا خلاف فيه) بهذا المعنى، إذ أقوى القياسين مقدم على الآخر قطعا. (أو) بعدول (عن الدليل إلى العادة) لمصلحة، كدخول الحمام بلا تعيين أجرة وزمن مكث فيه وقدر ماء وكشرب الماء من السقاء بلا تعيين قدره مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء. (وردّ بأنه إن ثبت أنها) أي العادة (حق) لجريانها في زمنه ﷺ ، أو بعده بلا إنكار ولا من الأئمة. (فقد قام دليلها) من السنة أو الإجماع فيعمل بها قطعا. (وإلا) أي وإن لم يثبت حقيتها (ردّت) قطعا فلم يتحقق بما ذكر استحسان مختلف فيه. (فإن تحقق استحسان مختلف فيه فمن قال به فقد شرع) ، بالتخفيف. وقيل بالتشديد أي وضع شرعا من قتل نفسه وليس له ذلك لأنه كفر أو كبيرة. (وليس منه) أي من الاستحسان المختلف فيه أن تحقق (استحسان الشافعي التحليف بالمصحف والخط في الكتابة) لشيء من نجومها. (ونحوهما) كاستحسانه في المتعة ثلاثين درهما، وإنما قال ذلك لأدلة فقهية مبينة في محالها، ولا ينكر التعبير به عن حكم ثبت بدليل.
(مسألة قول الصحابي) المجتهد (غير حجة على) صحابي (آخر وفاقا و) على (غيره) وكتابعي (في الأصح) ، لأن قول الصحابي ليس حجة في نفسه، والاحتجاج به في الحكم التعبدي من حيث إنه من قبيل المرفوع لظهور أن مستنده فيه التوقيف لا من حيث إنه قول صحابي، وقيل قوله على غير الصحابي حجة فوق القياس حتى يقدم عليه عند التعارض، وقيل حجة دون القياس فيقدم القياس عليه، وقيل حجة إن انتشر من غير ظهور مخالف له، لكنه حينئذ إجماع سكوتي، فاحتجاج الفقهاء به من حيث إنه إجماع سكوتي لا من حيث إنه قول صحابي، كما لو وقع من مجتهد غير صحابي قول باجتهاد وسكت عليه الباقون، وقيل حجة إن خالف القياس، وقيل قول الشيخين أبي بكر وعمر حجة بخلاف غيرهما، وقيل غير ذلك. وعلى القول بأنه حجة لو اختلف صحابيان في مسألة فقولاهما كدليلين فيرجح أحدهما بمرجح. (والأصح) ما عليه المحققون (أنه) أي الصحابي (لا يقلد) بفتح اللام أي ليس لغيره أن يقلده لأنه لا يوثق بمذهبه، إذ لم يدوّن بخلاف مذهب غيره من الأئمة الأربعة وقيل يقلد بناء على جواز الانتقال في المذاهب والتصريح بالترجيح من زيادتي. (أما وفاق الشافعي زيدا في الفرائض) حتى تردد حيث تردّد (فلدليل لا تقليدا) لزيد بأن وافق اجتهاده اجتهاده.
(مسألة الأصح أن الإلهام وهو) لغة إيقاع شيء في القلب (يطمئن له الصدر يخص به الله) تعالى (بعض أصفيائه غير حجة) إن ظهر (من غير معصوم) ، لعدم الثقة بخواطره لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان فيها. وقيل هو حجة في حقه فقط وقيل لأدلة لا تجدي، أما من المعصوم كالنبيّ ﷺ فهو حجة في حقه وحق غيره إذا تعلق بهم كالوحي.
خاتمة للاستدلال
(مبنى الفقه على) أربعة أمور، وإن لم يرجع أكثره إليها إلا بتكلف. (أن اليقين لا يرفع) من حيث استصحاب حكمه (بالشك) ، بمعنى مطلق التردد، ومن مسائله من تيقن الطهر وشك في الحدث يأخذ بالطهر، (و) أن (الضرر يزال) وجوبا، ومن مسائله وجوب ردّ المغصوب وضمانه بالتلف. (و) أن (المشقة تجلب التيسير) ، ومن مسائله جواز القصر والجمع والفطر في السفر بشرطه. (و) أن (العادة محكمة) بفتح الكاف المشددة، أي المعمول بها
стр. 137
شرعا، ومن مسائله أقل الحيض وأكثره، وزاد بعضهم على الأربعة أن الأمور بمقاصدها، ومن مسائله وجوب النية في الطهر، ورجعه صاحب الأصل في قواعده إلى الأول، فإن الشيء إذا لم يقصد اليقين عدم حصوله.
الكتاب السادس في التعادل والتراجيح
بين الأدلة عند تعارضها وسيأتي بيانهما، (يمتنع تعادل قاطعين) أي تقابلهما بأن يدل كل منهما على منافي ما يدل عليه الآخر إذ لو جاز ذلك لثبت مدلولهما، فيجتمع المتنافيات فلا وجود لقاطعين متنافيين عقليين أو نقليين أو عقلي ونقلي، والكلام في النقليين حيث لا نسخ كما يعلم مما سيأتي. (لا) تعادل (قطعي وظني نقليين) . فلا يمتنع لبقاء دلالتيهما، وإن انتفى الظن عند القطع بالنقيض لتقدم القطعي حينئذ، وخرج بالنقليين غيرهما، كأن ظن أن زيدا في الدار لكون مركبه وخدمه ببابها ثم شوهد خارجها، فيمتنع تعادلهما لانتفاء دلالة الظني حينئذ، وعليه يحمل قول ابن الحاجب لا تعارض بين قطعي وظني. (وكذا أمارتان) لا يمتنع تعادلهما ولو بلا مرجح لإحداهما. (في الواقع في الأصح) إذ لو امتنع لكان لدليل والأصل عدمه، وهذا ما عليه ابن الحاجب تبعا للجمهور، وإن لم يصرحوا بقيد الواقع، وقيل يمتنع بلا مرجح ورجحه الأصل حذرا من التعارض في كلام الشارع، وأجاب الأول بأنه لا محذور في ذلك، أما تعارضهما في ذهن المجتهد فواقع قطعا وهو منشأ تردّده، وعلى الأول (فإن تعادلتا) ولا مرجح (فالمختار التساقط) ، كما في تعارض البينتين، وقيل يخير بينهما في العمل، وقيل يوقف عن العمل بواحدة منهما، وقيل يخير بينهما في الواجبات ويتساقطان في غيرها، والترجيح من زيادتي. (وإن نقل عن مجتهد قولان فإن تعاقبا فالمتأخر) منهما (قوله) المستمر والمتقدم مرجوع عنه. (وإلا) أي وإن لم يتعاقبا بأن قالهما معا، (فما) أي فقوله المستمر منهما ما (ذكر فيه) المجتهد (مشعرا بترجيحه) على الآخر كقوله هذا أشبه وكتفريعه عليه، (وإلا) أي وإن لم يذكر ذلك (فهو متردّد) بينهما فلا ينسب إليه ترجيح أحدهما، وفي معنى ذلك ما لو جهل تعاقبهما أو علم وجهل المتأخر أو نسي. (ووقع) هذا التردد (للشافعي) ﵁ (في بضعة عشر مكانا) ستة عشر أو سبعة عشر، كما تردد فيه القاضي أبو حامد المروروذي.
(ثم قيل) أي قال الشيخ أبو حامد الاسفرايني في ترجيح أحد قولي الشافعي المتردد بينهما. (مخالف أبي حنيفة) منهما (أرجح من موافقة) ، فإن الشافعي إما خالفه لدليل. (وقيل عكسه) أي موافقه أرجح وهو قول القفال، وصححه النووي لقوّته بتعدد قائله، وردّ بأن القوة إنما تنشأ من الدليل فلذلك قلت كالأصل. (والأصح الترجيح بالنظر) فما اقتضى ترجيحه منهما فهو الراجح، (فإن وقف) عن الترجيح (فالوقف) عن الحكم برجحان واحد منهما، (وإن لم يعرف للمجتهد قول في مسألة لكن) يعرف له قول (في نظيرها فهو) أي قوله في نظيرها. (قوله المخرج فيها في الأصحّ) أي خرجه الأصحاب فيها إلحاقا لها بنظيرها، وقيل ليس قولاً له فيها لاحتمال أن يذكر فرقا بين المسألتين لو روجع في ذلك. (والأصح) على الأول (لا ينسب) القول فيها (إليه مطلقا بل) ينسب إليه (مقيدا) بأنه مخرج حتى لا يلتبس بالمنصوص، وقيل لا حاجة إلى تقييده لأنه جعل قوله (ومن معارضة نصّ آخر للنظير) أي لنصّ في نظير المسألة (تنشأ الطرق) وهي اختلاف
стр. 138
الأصحاب في نقل المذهب في المسألتين، فمنهم من يقرّر النصين فيهما، ويفرق بينهما، ومنهم من يخرج نص كل منهما في الأخرى فيحكي في كل قولين منصوصا ومخرجا، وعلى هذا فتارة يرجح في كل منهما نصها ويفرق بينهما، وتارة يرجح في أحدهما نصها، وفي الأخرى المخرج، ويذكر ما يرجحه على نصها.
(والترجيح تقوية أحد الدليلين) بوجه من وجه الترجيح الآتي بعضها، فيكون راجحا وتعبيري بالدليلين أولى من تعبيره بالطريقين. (والعمل بالراجح واجب) . وبالمرجوح ممتنع سواء أكان الرجحان قطعيا أم ظنيا (في الأصح) . وقيل لا يجب إن كان الرجحان ظنيا فلا يعمل بواحد منهما لفقد المرجح القطعي، وقيل يخير بينهما في العمل إن كان الرجحان ظنيا. (ولا ترجيح في القطعيات) . إذ لا تعارض بينها، وإلا لاجتمع المتنافيان كما مر، وكذا لا ترجيح في القطعي مع الظني غير النقليين أخذا مما مر (والمتأخر) من النصين المتعارضين (ناسخ) للمتقدم منهما إن قبلا النسخ آيتين كانا أو خبرين أو آية وخبرا. (وإن نقل) المتأخر (بالآحاد) ، فإنه ناسخ فيعمل به لأن دوامه بأن لا يعارض مظنون، ولبعضهم احتمال بالمنع، لأن الجواز يؤدي إلى إسقاط المتواتر بالآحاد في بعض الصور. (والأصحّ أن العمل بالمتعارضين ولو من وجه) أو كان أحدهما سنة والآخر كتابا. (أولى من إلغاء أحدهما) بترجيح الآخر عليه، وقيل لا فيصار إلى الترجيح مثاله خبر «أيما إهاب دبغ فقد طهر» مع خبر «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» الشامل للإهاب المدبوغ وغيره، فحملناه على غير المدبوغ الخاص به عند كثير جمعا بين الدليلين، وتقدم بيان بسط الحمل في آخر مبحث التخصيص (و) الأصح (أنه لا يقدم) في ذلك (الكتاب على السنة ولا عكسه) أي ولا السنة على الكتاب، وقيل يقدم الكتاب لخبر معاذ المشتمل على أنه يقضي كتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله ورضى رسول الله بذلك، وقيل يقدم السنة لقوله تعالى ﴿لتبين للناس﴾ مثاله قوله ﷺ في البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» مع قوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرما﴾ إلى قوله ﴿أو لحم خنزير﴾ وكل منهما يشمل خنزير البحر، فحملنا الآية على خنزير البر المتبادر إلى الأذهان جمعا بين الدليلين. (فإن تعذر العمل) بالمتعارضين بأن لم يمكن بينهما جمع، (فإن
علم المتأخر) منهما في الواقع ولم ينس (فناسخ) للمتقدم منهما، (وإلا) أي وإن لم يعلم ذلك بأن تقارنا أو جهل التأخر أو المتأخر أو علم ونسي. (رجع إلى مرجح فإن تعذر فإن لم يتقارنا وقبلا النسخ طلب) الناظر (غيرهما) لتعذر العمل بواحد منهما، فإن لم يجد غيرهما توقف، (وإلا) بأن تقارنا ولم يقبلا النسخ (يخير) الناظر بينهما في العمل (إن تعذر الترجيح) ، فإن لم يتعذر طلب مرجحا والتقييد بقبول النسخ في صورتي جهل المتأخر ونسيانه من زيادتي.
(مسألة يرجح
стр. 139
بكثرة الأدلة و) بكثرة (الرواة في الأصح) ، لأن كثرة كل منهما تفيد القوة، وقيل لا كالبينتين، وفرق بأن مقصود الشهادة فصل الخصومة لئلا تطول فضبطت بنصاب خاص بخلاف الدليل، فإن مقصوده ظن الحكم والمجتهد في مهلة النظر، وكلما كان الظن أقوى كان اعتباره أولى. (وبعلو الإسناد) في الاخبار أي قلة الوسائط بين الراوي للمجتهد، وبين النبيّ ﷺ (وفقه الراوي ولغته ونحوه) لقلة احتمال الخطأ مع واحد من الأربعة بالنسبة إلى مقابلاتها. (وورعه وضبطه وفطنته وإن روى) الخبر (المرجوح باللفظ) والراجح بواحد مما ذكر بالمعنى (ويقظته وعدم بدعته وشهرة عدالته) لشدة الوثوق به مع واحد من الستة بالنسبة إلى مقابلاتها. (وكونه مزكى بالاختبار) من المجتهد، فيرجح على المزكى عنده بالاخبار لأن العيان أقوى من الخبر. (أو) كونه (أكثر مزكين ومعروف النسب قيل ومشهوره) لشدة الوثوق به والشهرة زيادة في المعرفة. والأصح لا ترجيح بها. وقال الزركشي الأقوى الأول لأن من ليس مشهور النسب قد يشاركه ضعيف في الاسم، (وصريح التزكية على الحكم بشهادته والعمل بروايته) ، فيرجح خبر من صرّح بتزكيته على خبر من حكم بشهادته، وخبر من عمل بروايته في الجملة، لأن الحكم والعمل قد يبنيان على الظاهر بلا تزكية. (وحفظ المروي) فيرحجح مروي الحافظ له على مروي غيره الراوي له بنحو تلقين لاعتناء الأول بمرويه. (وذكر السبب) فيرجح الخبر المشتمل على سببه على ما لم يشتمل عليه لاهتمام راوي الأول به، ومحله في الخاصين بقرينة ما يأتي في العامين. (والتعويل على الحفظ دون الكتابة) ، فيرجح خبر المعوّل على الحفظ فيما يرويه على خبر المعوّل على الكتابة لاحتمال أن يزاد في كتابه أو ينص منه، واحتمال النسيان والاشتباه في الحافظ كالعدم. (وظهور طريق روايته) ، كالسماع بالنسبة إلى الإجازة، فيرجح المسموع على المجاز، وقد مرّ بيان طرق الرواية ومراتبها آخر الكتاب
الثاني. (وسماعه بلا حجاب) ويرجح المسموع بلا حجاب على المسموع من وراء حجاب لأمن الأول من تطرق الخلل في الثاني. (وكونه ذكرا وحرا في الأصح) فيهما فيرجح خبر كل منهما على خبر غيره، لأن الذكر أضبط من غيره في الجملة والحر لشرف منصبه يحترز عما لا يحترز عنه غيره، وقيل يرجح خبر الذكر في غير أحكام النساء بخلاف أحكامهنّ، لأنهنّ أضبط فيها، وقيل لا ترجيح بالذكورية ولا بالحرية، وصوّبه الزركشي في الأولى والبرماوي فيهما. ونقلاه عن ابن السمعاني فيهما، ونقلا عن غيره الاتفاق عليه في الأولى وذكر الخلاف في الثانية من زيادتي. (و) كونه (من أكابر الصحابة) أي رؤسائهم فيرجح خبر أحدهم على خبر غيره لشدة ديانتهم وقربهم مجلسا من النبيّصلى الله عليه وسلّم، (و) كونه (متأخر الإسلام) فيرجح خبره على خبر متقدم الإسلام، (في الأصح) لظهور تأخر خبره، وقيل عكسه لأن متقدم الإسلام لأصالته فيه أشد تحرزا من متأخره. (و) كونه (متحملاً بعد التكليف) . ولو حال الكفر لأنه أضبط من المتحمل قبل التكليف. (وغير مدلس) ، لأن الوثوق به أقوى منه بالمدلس المقبول، وتقدم بيانه في الكتاب الثاني. (وغير ذي اسمين) لأن صاحبهما يتطرق إليه الخلل بأن يشاركه ضعيف في أحدهما. (ومباشرا) لمرويه (وصاحب الواقعة) المروية، لأن كلاً منهما أعرف بالحال من غيره، فالأوّل كخبر الترمذي عن أبي رافع «أنه ﷺ تزوج ميمونة حلالاً قال وكنت الرسول بينهما» مع خبر الصحيحين عن ابن عباس «أنه ﷺ تزوّج ميمونة وهو محرم» . والثاني كخبر أبي داود «عن ميمونة تزوّجني النبيّ ﷺ ونحن حلالان بسرف» مع خبر ابن عباس المذكور. (وراويا باللفظ) لسلامة المروي باللفظ من
стр. 140
تطرق الخلل في المروي بالمعنى، (و) كون الخبر (لم ينكره) الراوي (الأصل) ، فيرجح خبر الفرع الذي لم ينكره أصله بأن قال ما رويته لأن الظن الحاصل من الأول أقوى، وتعبيري بما
ذكر أوضح من قوله ولم ينكره راوي الأصل.
(
و) كونه (في الصحيحين) أو في أحدهما، لأنه أقوى من الصحيح في غيرهما، وإن كان على شرطهما لتلقي الأمة لهما بالقبول. (والقول فالفعل فالتقرير) فيرجح الخبر الناقل، لقول النبي على الناقل لفعله والناقل لفعله على الناقل لتقريره، لأن القول أقوى في الدلالة على التشريع من الفعل لأن الفعل محتمل للتخصيص به ﷺ ، وهو أقوى من التقرير لأنه وجودي محض، والتقرير محتمل لما لا يحتمله الفعل. (ويرجح الفصيح) على غيره لتطرق الخلل إلى غيره باحتمال أن يكون مرويا بالمعنى، (وكذا زائد الفصاحة) على الفصيح (في قول) مرجوح، لأنه ﷺ أفصح العرب فيبعد نطقه بغير الأفصح فيكون مرويا بالمعنى فيتطرق إليه الخلل، والأصح لا لأنه ﷺ ينطق بالأفصح والفصيح، لا سيما إذا خاطب به من لا يعرف غيره، وقد كان يخاطب العرب بلغاتهم. (و) يرجح (المشتمل على زيادة) على غيره (في الأصح) لما فيه من زيادة العلم، وقيل يرجح الأقل، وبه أخذ الحنفية لاتفاق الدليلين عليه كخبر التكبير في العيد سبعا مع خبر التكبير فيه أربعا رواهما أبو داود. والأولىمنه عندهم للافتتاح وذكر الخلاف في هذه من زيادتي. (والوارد بلغة قريش) لأن الوارد بغيرها يحتمل أن يكون مرويا بالمعنى فيتطرق إليه الخلل. (والمدني) على المكي لتأخره عنه، والمدني ما ورد بعد الهجرة والمكي قبلها، وهذا أولى من القول بأن المدني ما نزل بالمدينة، والمكي ما نزل بمكة. (والمشعر بعلوّ شأن النبي ﷺ لتأخره عما لم يشعر بذلك. (وما) ذكر (فيه الحكم مع العلة) على ما فيه الحكم فقط، لأن الأول أقوى في الاهتمام بالحكم من الثاني كخبر البخاري «من بدّل دينه فاقتلوه» مع خبر الصحيحين «أنه ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان» . نيط الحكم في الأول بوصف الردّة
المناسب ولا وصف في الثاني، لحملنا النساء فيه على الحربيات.
(وما قدم فيه ذكرها عليه) أي ذكر العلة على الحكم على عكسه (في الأصح) ، لأنه أدل على ارتباط الحكم بالعلة من عكسه، وقيل عكسه لأن الحكم إذا تقدم تطلب نفس السامع العلة، فإذا سمعتها ركنت ولم تطلب غيرها، والوصف إذا تقدم تطلب النفس الحكم فإذا سمعته قد تكتفي في علته بالوصف المتقدم إذا كان شديد المناسبة كما في ﴿والسارق﴾ الآية. وقد لا تكتفي به بل تطلب علة غيره كما في ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ الآية. فيقال تعظيما للمعبود. (وما فيه تهديد أو تأكيد) على الخالي عن ذلك، فالأول كخبر البخاري عن عمار «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ » . فيرجح على الأخبار المرغبة في صوم النفل والثاني كخبر أبي داود «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل» مع خبر مسلم «الأيم أحق بنفسها من وليها» . (والعام) عموما (مطلقا على) العام (ذي السبب إلا في السبب) ، لأن الثاني باحتمال إرادة قصره على السبب كما قيل بذلك دون المطلق في القوّة إلا في صورة السبب فهو فيها أقوى لأنها قطعية الدخول على الأصح كما مر. (والعام الشرطيّ) كمن وما الشرطيتين (على النكرة المنفية في الأصح) ، لإفادته التعليل دونها، وقيل العكس لبعد التخصيص فيها بقوّة عمومها دونه، ويؤخذ من ذلك ترجيح النكرة الواقعة في سياق الشرط على الواقعة في سياق النفي. (وهي على الباقي) من صيغ العموم كالمعرّف باللام أو الإضافة لأنها أقوى
стр. 141
منه في العموم، لأنها تدل عليه بالوضع في الأصح كما مرّ، وهو إنما يدل عليه بالقرينة اتفاقا. (والجمع المعرّف) باللام أو الإضافة. (على من وما) غير الشرطيتين كالاستفهاميتين، لأنه أقوى منهما في العموم لامتناع أن يخص إلى الواحد دونهما على الأصح في كل منهما كما مرّ.
(وكلها) أي الجمع المعرف ومن وما (على الجنس المعرف) باللام أو الإضافة لاحتماله العهد بخلاف من وما فلا يحتملانه، وبخلاف الجمع المعرّف فيبعد احتماله له. (وما لم يخص) على ما خص لضعف الثاني بالخلاف في حجيته بخلاف الأول، ولأن الثاني مجاز، والأول حقيقة وهي مقدمة عليه قطعا. وقال الأصل كالصفيّ الهندي، وعندي عكسه لأن ما خص من العام هو الغالب والغالب أولى من غيره. (والأقل تخصيصا) على الأكثر تخصيصا لأن الضعف في الأقل دونه في الأكثر. (والاقتضاء فالإيماء فالإشارة) ، لأن المدلول عليه بالأول مقصود يتوقف عليه الصدق أو الصحة، وبالثاني مقصود لا يتوقف عليه ذلك، وبالثالث غير مقصود كما علم ذلك من محله، فيكون كل منها أقوى دلالة مما بعده، وترجيح الثاني على الثالث من زيادتي. (ويرجحان) أي الإيماء والإشارة (على المفهومين) أي الموافقة والمخالفة، لأن دلالة الأولين في محل النطق بخلاف المفهومين، (وكذا الموافقة على المخالفة) في الأصح لضعف الثاني بالخلاف في حجيته بخلاف الأول، وقيل عكسه لأن الثاني يفيد تأسيسا بخلاف الأول، (و) كذا (الناقل عن الأصل) أي البراءة الأصلية على المقرر له في الأصح، لأن الأول فيه زيادة على الأصل بخلاف الثاني، وقيل عكسه بأن يقدّر تأخر المقرر للأصل ليفيد تأسيسا كما أفاده الناقل فيكون ناسخا له مثال ذلك خبر الترمذي «مَنْ مسّ ذَكَرَهُ فليتوضأ» مع خبره «أنه ﷺ سأله رجل مس ذكره أعليه وضوء قال لا إنما هو بضعة منك» . (و) كذا (المثبت) على النافي (في الأصح) ، لما مرّ، وقيل عكسه، وقيل هما سواء وقيل غير ذلك، (والخبر) المتضمن للتكليف على الإنشاء لأن الطلب به لتحقق وقوع معناه أقوى من الإنشاء، فإن اتفق الدليلان خبرا أو إنشاء (فالحظر) على الإيجاب لأنه لدفع المفسدة والإيجاب لجلب المصلحة والاعتناء بدفع المفسدة أشد، (فالإيجاب) على الكراهة
للاحتياط، (فالكراهة) على الندب لدفع اللوم (فالندب) على الإباحة للاحتياط بالطلب (فالإباحة في الأصح في بعضها) وهو تقديم كل من الحظر والإيجاب والندب على الإباحة، وقيل العكس في الثلاث لاعتضاد الإباحة بالأصل، وقيل هما سواء في الأولى والقياس مجيئه في الباقيتين، ويحتمل خلافه، وذكر الخلاف في الثانية مع تقديم الإيجاب على الكراهة من زيادتي. (و) الخبر (المعقول معناه) على ما لم يعقل معناه لأن الأول أدعى للانقياد وأفيد بالقياس عليه. (وكذا نافي العقوبة) هو أعم من قوله ونافي الحد على الموجب لها في الأصح لما في الأول من اليسر وعدم الحرج الموافق لقوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ ، ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وقيل عكسه لإفادة الموجب التأسيس بخلاف النافي. (و) كذا الحكم (الوضعي) أي مثبته (على) مثبت (التكليفي في الأصح) ، لأن الأول لا يتوقف على الفهم والتمكن من الفعل بخلاف الثاني وقيل عكسه لترتب الثواب على التكليفي دون الوضعي. (و) الدليل (الموافق دليلاً آخر) على ما لم يوافقه، لأن الظن في الموافق أقوى. (وكذا)
стр. 142
الموافق (مرسلاً أو صحابيا أو أهل المدينة أو الأكثر) من العلماء على ما لم يوافق واحد مما ذكر (في الأصح) لذلك. وقيل لا يرجح بواحد من ذلك لأنه ليس بحجة، وقيل إنما يرجح بموافق الصحابي إن كان الصحابي قد ميزه نص فيما فيه الموافقة من أبواب الفقه كزيد في الفرائض، وقيل غير ذلك.
(ويرجح) كما قال الشافعي فيما إذا وافق كل من الدليلين صحابيا، وقد ميز النص أحد الصحابيين فيما ذكر. (موافق زيد في الفرائض فمعاذ) فيها (فعليّ) فيها (ومعاذ في أحكام غير الفرائض فعليّ) في تلك الأحكام، فالمتعارضان في مسألة في الفرائض يرجح منهما الموافق لزيد، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لمعاذ، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لعليّ، والمتعارضان في مسألة في غير الفرائض يرجح منهما الموافق لمعاذ، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لعليّ، وذلك لخبر «أفرضكم زيد، وعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم عليّ» فقوله أفرضكم زيد على عمومه. وقوله وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ يعني في غير الفرائض وكذا قوله وأقضاكم عليّ واللفظ في معاذ أصرح منه في علي فقدم عليه مطلقا. (والإجماع على النص) لأنه يؤمن فيه النسخ بخلاف النص. (وإجماع السابقين) على إجماع غيرهم فيرجح إجماع الصحابة على إجماع من بعدهم من التابعين وغيرهم، وإجماع التابعين على إجماع من بعدهم، وهكذا لشرف السابقين لقربهم من النبي ﷺ ولخبر «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم» . وتعبيري كالبرماوي بالسابقين أعم من تعبير الأصل بالصحابة. (وإجماع الكل) الشامل للعوام) على ما خالف فيه العوام) ، لضعف الثاني بالخلاف في حجيته على ما حكاه الآمدي. (و) الإجماع (المنقرض عصره على غيره) لضعف الثاني بالخلاف في حجتيه. (وكذا ما) أي الإجماع الذي (لم يسبق بخلاف) على غيره (في الأصح) لذلك، وقيل عكسه لزيادة اطلاع المجمعين في الثاني على المآخذ، وقيل هما سواء. (والأصح تساوي المتواترين من كتاب وسنة) . وقيل يرجح الكتاب عليها لأنه أشرف منها، وقيل ترجح السنة عليه لقوله تعالى ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ أما المتواتران من السنة فمتساويان قطعا كالآيتين. (ويرجح القياس) على قياس آخر (بقوّة دليل حكم الأصل) ، كأن يدل في أحد القياسين بالمنطوق، وفي الآخر بالمفهوم، أو
يكون في أحدهما قطعيا، وفي الآخر ظنيا لقوة الظن بقوة الدليل. (وكونه) أي القياس (على سنن القياس أي فرعه من جنس أصله) فيرجح على قياس ليس كذلك، لأن الجنس بالجنس أشبه فقياسنا ما دون أرش الموضحة على أرشها حتى تحمله العاقلة مقدم على قياس الحنفية له على غرامات الأموال حتى لا تتحمله. (وكذا) ترجح علة (ذات أصلين) مثلاً بأن عللا بها. (على ذات أصل) في الأصح، وقيل لا كالخلاف في الترجيح بكثرة الأدلة مثاله وجوب الضمان بيد المستام عللناه بأنه أخذ العين لغرضه بلا استحقاق، كما علل به وجوب الضمان بيد الغاصب ويد المستعير، وعلله الحنفية بأنه أخذها ليتملكها ولم يعلل به نظير ذلك. (و) كذا ترجح علة (ذاتية) للمحل كالطعم والإسكار. (علي) علة (حكمية) ، كالحرمة والنجاسة في الأصح، لأن الذاتية ألزم، وقيل عكسه لأن الحكم بالحكم أشبه. (و) كذا (كونها
стр. 143
أقل أوصافا في الأصح) ، لأن القليلة أسلم وقيل عكسه لأن الكثيرة أكثر شبها. (و) ترجح (المقتضية احتياطا في فرض) ، لأنها أنسب به مما لا تقتضيه، وذكر الفرض لأنه محل الاحتياط، إذ لا يحتاط في الندب وإن احتيط به كما مرّ، هذا مع أن الاحتياط قد يجري في غير الفرض، كما إذا شك هل غسل وجهه في الوضوء ثلاثا أو اثنتين فإنه يسنّ له غسلة أخرى وإن احتمل كونها رابعة احتياطا. (وعامة الأصل) بأن يوجد في جميع جزئياته، لأنها أكثر فائدة مما لا يعم كالطعم الذي هو علة عندنا في باب الربا، فإنه موجود في البر مثلاً قليله وكثيره، بخلاف القوت الذي هو علة عند الحنفية فلا يوجد في قليله، فجوزوا بيع الحفنة منه بالحفنتين. (و) ترجح العلة (المتفق على تعليل أصلها) المأخوذة منه لضعف مقابلها بالخلاف فيه. (و) العلة (الموافقة لأصول) شرعية (على الموافقة لواحد) ، لأن الأولى أقوى بكثرة ما يشهد لها. (وكذا) ترجح العلة (الموافقة لعلة أخرى) في الأصح، وقيل لا كالخلاف في الترجيح بكثرة الأدلة والترجيح من زيادتي (وما) أي
وكذا القياس الذي (ثبتت علته بإجماع فنص قطعيين فظنيين) أي بإجماع قطعي فنص قطعي فإجماع ظني فنص ظني (في الأصح) ، لأن النص يقبل النسخ بخلاف الإجماع وقيل عكسه، لأن النص أصل للإجماع لأن حجيته إنما ثبتت به. (فإيماء فسبر فمناسبة فشبه فدوران وقيل دوران فمناسبة) ، وما قبلها وما بعدها كما مر، فكل من المعطوفات دون ما قبله، ورجحان كل من الإيماء، والمناسبة على ما يليه ظاهر من تعاريفها السابقة، ورجحان السير على المناسبة بما فيه من إبطال ما لا يصلح للعلية والشبه على الدوران بقربه من المناسبة، ومن رجح الدوران عليها قال لأنه يفيد اطراد العلة وانعكاسها بخلاف المناسبة، ورجحان الدوران أو الشبه على بقية المسالك يؤخذ من تعاريفها، وما ذكر هنا يغني عما صرح به الأصل من الترجيح بالقطع بالعلة أو الظن الأغلب، ويكون مسلكها أقوى (و) يرجح (قياس المعنى على) قياس (الدلالة) لاشتمال الأول على المعنى المناسب، والثاني على لازمه أو أثره أو حكمه كما علم ذلك في مبحث الطرد، وفي خاتمة القياس. (وكذا) يرجح (غير المركب عليه) أي على المركب (في الأصح إن قبل) أي المركب لضعفه بالخلاف في قبوله المذكور في مبحث حكم الأصل، وقيل عكسه لقوة المركب باتفاق الخصمين على حكم الأصل فيه. (و) يرجح (الوصف الحقيقي فالعرفي فالشرعي) لأن الحقيقي لا يتوقف على شيء بخلاف العرفي والعرفي متفق عليه بخلاف الشرعي كما مر. (الوجودي) مما ذكر. (فالعدمي قطعا البسيط) منه (فالمركب في الأصح) لضعف العدمي والمركب بالخلاف فيهما، وقيل المركب فالبسيط، وقيل هما سواء وذكر الخلاف من زيادتي.
(
والباعثة على الأمارة) لظهور مناسبة الباعثة و (المطردة المنعكسة) على المطردة فقط لضعف الثانية بالخلاف فيها. (فالمطردة) فقط (على المنعكسة) فقط، لأن ضعف الثانية بعدم الاطراد أشدّ من ضعف الأولى بعدم الانعكاس. (وكذا) ترجح (المتعدية) على القاصرة في الأصح لأنها أفيد بالالحاق بها، وقيل عكسه، لأن الخطأ في القاصرة أقل، وقيل هما سواء لتساويهما فيما ينفردان به من الالحاق في المتعدية وعدمه في القاصرة. (و) كذا يرجح
стр. 144
(الأكثر فروعا) من المتعديتين على الأقل فروعا (في الأصح) . وقيل عكسه كما في المتعدية والقاصرة ولا يأتي التساوي هنا لانتفاء علته، والترجيح في المسألتين من زيادتي. (و) يرجح (من الحدود السمعية) أي الشرعية (الأعرف على الأخفى) منها، لأن الأول أفضى إلى مقصود التعريف من الثاني. (والذاتي على العرضي) ، لأن التعريف بالأول يفيد كنه الحقيقة بخلاف الثاني. (والصريح) من اللفظ على غيره بتجوّز أو اشتراك لتطرق الخلل إلى التعريف بالثاني. (وكذا) يرجح (الأَعم) على الأخصّ مطلقا (في الأصح) ، لأن التعريف بالأعم أفيد لكثرة المسمى فيه، وقيل عكسه أخذا بالمحقق في المحدود، وذكر لخلاف من زيادتي، أما الأعم والأخص من وجه فالظاهر فيهما التساوي. (و) يرجح (موافق نقل السمع واللغة) ، لأن التعريف بما يخالفهما إنما يكون لنق عنهما والأصل عدمه. (و) يرجح (ما) أي الحد الذي (طريق اكتسابه أرجح) من طريق اكتساب حدّ آخر، لأن الظن بصحته أقوى منه بصحة الآخر، إذ الحدود السمعية مأخوذة من النقل وطرق النقل تقبل القوّة والضعف. (والمرجحات لا تنحصر) فيما ذكر هنا (ومثارها غلبة الظنّ) أي قوّته وسبق كثير منها منه تقديم بعض مفاهيم المخالفة على بعض وبعض ما يخل بالفهم على بعض كالمجاز على الاشتراك، وتقديم المعنى الشرعي على العرفي، والعرفي على اللغوي في خطاب الشارع، ومن غيره أرجحية ما يرجح به من التقديم بالتزكية بالحكم بشهادة الراوي على التزكية
بالعمل بروايته، وتقديم من علم أنه عمل برواية نفسه على من علم أنه لم يعمل أو لم يعلم أنه عمل.
الكتاب السابع في الاجتهاد
المراد عند الإطلاق أعني الاجتهاد في الفروع. (وما معه) من التقليد وأدب الفتيا وعلم الكلام المفتتح بمسألة التقليد في أصول الدين المختتم بما يناسبه من خاتمة التصوّف، (الاجتهاد) لغة افتعال من الجهد بالفتح والضم وهو الطاقة والمشقة واصطلاحا. (استفراغ الفقيه الوسع) ، بأن يبذل تمام طاقته في نظره في الأدلة. (لتحصيل الظنّ بالحكم) أي من حيث إنه فقيه فلا حاجة إلى قول ابن الحاجب شرعي، فخرج استفراغ غير الفقيه واستفراغ الفقيه لتحصيل قطع بحكم عقلي، والفقيه في الحد بمعنى المتهيىء للفقه مجازا شائعا، ويكون بما يحصله فقيها حقيقة، ولذا قلت كالأصل. (والمجتهد الفقيه) ، كما قالوا الفقيه المجتهد لأن ما صدقهما واحد (وهو) أي المجتهد أو الفقيه الصادق به (البالغ) د لأن غيره لم يكمل عقله حتى يعتبر قوله (العاقل) ، لأن غيره لا تمييز له يهتدى به لما يقوله حتى يعتبر (أي ذو ملكة) أي هيئة راسخة في النفس. (يدرك بها المعلوم) أي ما من شأنه أن يعلم. (فالعقل) هو هذه (الملكة في الأصح) . وقيل هو نفس العلم أي الإدراك ضروريا كان أو نطريا، وقيل هو العلم الضروري فقط، وبعضهم عبر ببعض العلوم الضرورية وهو الأولى، لئلا يلزم أن من فقد العلم بمدرك لعدم الإدراك غير عاقل. (فقيه النفس) أي شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام، لأن غيره لا يتأتى منه الاستنباط المقصود بالاجتهاد. (وإن أنكر القياس) ، فلا يخرج بإنكاره عن فقاهة النفس، وقيل يخرج فلا يعتبر قوله، وقيل لا يخرج إلا الجليّ فيخرج بإنكاره لظهور جموده. (العارف بالدليل العقلي) أي البراءة الأصلية والتكليف به في الحجية، كما مر أن استصحاب العدم الأصلي حجة فيتمسك به إلى أن يصرف عنه دليل شرعي (ذو الدرجة الوسطى عربية) من لغة ونحو
وصرف ومعان وبيان، وإن كان أقسام العربية أكثر
стр. 145
من ذلك كما بينتها في حاشية المطوّل أعانني الله على إكمالها. (وأصولاً) للفقه. (ومتعلقا للأحكام) ، بفتح اللام أي ما تتعلق هي به بدلالته عليها. (من كتاب وسنة وإن لم يحفظ) أي المتوسط في هذه العلوم. (متنا لها) . وذلك ليتأتى له الاستنباط المقصود بالاجتهاد، أما علمه بآيات الأحكام وأخبارها أي مواقعها وإن لم يحفظها فلأنها المستنبط منه، وأما علمه بالأصل فلأنه يعرف به كيفية الاستنباط وغيرها مما يحتاج إليه فيه، وأما علمه بالباقي فلأنه لا يفهم المراد من المستنبط منه إلا به، لأنه عربي بليغ، وبالغ التقي السبكي فلم يكتف بالتوسط في تلك العلوم حيث قال كما نقله الأصل عنه المجتهد من هذه العلوم ملكة له، وأحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها بحيث اكتسب قوّة يفهم بها مقصود الشارع. (ويعتبر للاجتهاد) لا ليكون صفة للمجتهد، (كونه خبيرا بمواقع الإجماع) ، وإلا فقد يخرقه بمخالفته وخرقه حرام كما مرّ لا عبرة به، ولا يشترط حفظ مواقعه، بل يكفي أن يعرف أن ما استنبطه ليس مخالفا للإجماع بأن يعلم موافقته لعالم أو يظن أن واقعته حادثة لم يسبق فيها لأحد من العلماء كلام. (والناسخ والمنسوخ) لتقدم الأول على الثاني لأنه إذا لم يكن خبيرا بهما قد يعكس. (وأسباب النزول) ، إذ الخبرة بها ترشد إلى فهم المراد (والمتواتر والآحاد) ، لتقدم الأول على الثاني، لأنه إذا لم يكن خبيرا بهما قد يعكس، وتعبيري بذلك أولى من قوله وشرط المتواتر والآحاد كما بينته في الحاشية. (والصحيح وغيره) من حسن وضعيف ليقدم كلاً من الأولين على ما بعده، لأنه إذا لم يكن خبيرا بذلك قد يعكس. (وحال الرواة) في القبول، والرد ليقدم كلاً من الأولين على ما بعده، لأنه ءذا لم يكن خبيرا بذلك قد يعكس. (وحال الرواة) في اقبلو، والرد ليقدم المقبول على المردود مطلقا، والأكبر والأعلم من الصحابة على غيرهما في متعارضين، لأنه إذا لم يكن
خبيرا بذلك قد يعكس. (ويكفي) في الخبرة بحال الرواة (في زمننا الرجوع لأئمة ذلك) من المحدثين كالإمام أحمد والبخاري ومسلم، فيعتمد عليهم في التعديل والتجريح لتعذرهما في زمننا إلا بواسطة، وهم أولى من غيرهم، والمراد بخبرته بالمذكورات خبرته بها في الواقعة المجتهد فيها لا في جميع الوقائع.
(
ولا يعتبر) لا في الاجتهاد ولا في المجتهد (علم الكلام) لإمكان استنباط من يجزم بعقيدة الإسلام تقليدا كما يعلم مما سيأتي. (و) لا (تفاريع الفقه) ، لأنها إنما تمكن بعد الاجتهاد فكيف تعتبر فيه. (و) لا (الذكورة والحرّية) لجواز أن يكون للنساء قوّة الاجتهاد وإن كنّ ناقصات عقل، وكذا العبيد بأن ينظروا حال التفرغ من خدمة السادة. (وكذا العدالة) لا تعتبر فيه (في الأصح) ، لجواز أن يكون للفاسق قوّة الاجتهاد، وقيل يعتبر ليعتمد على قوله وتعقب بأنه لا تخالف بين القولين إذ اعتبار العدالة لاعتماد. قوله لا ينافي عدم اعتبارها لاجتهاده، إذ الفاسق يعمل باجتهاد نفسه، وإن لم يعتمد قوله اتفاقا، ويجاب بأنها اعتبرت بالنسبة لغيره، أما المفتي فيعتبر فيه العدالة لأنه أخص فشرطه أغلظ. (وليبحث عن المعارض) كالمخصص والمقيد والناسخ، والقرينة الصارفة للفظ عن ظاهره ليسلم ما يستنبطه من تطرق الخدش إليه لو لم يبحث، وهذا أولى لا واجب ليوافق ما مر من أنه يتمسك بالعام قبل البحث عن المخصص على الأصح، ومن أنه يجب اعتقاد الوجوب بصيغة افعل قبل البحث عما يصرفها عنه. وزعم الزركشي ومن تبعه أنه واجب، وأنه لا يخالف ما مر، لأن ذاك في جواز التمسك بالظاهر المجرد عن القرائن، والكلام هنا في اشتراط معرفة المعارض بعد ثبوته عنده بقرينه. (ودونه) أي دون المجتهد المتقدم وهو المجتهد المطلق، (مجتهد المذهب وهو المتمكن من تخريج الوجوه) التي يبديها (على نصوص إمامه) في المسائل، (ودونه) أي دون مجتهد المذهب (مجتهد الفتيا وهو
المتبحر) في مذهب إمامه. (المتمكن من ترجيح قول) له (على آخر) ، أطلقهما. (والأصح جواز تجزى الاجتهاد) بأن يحصل لبعض الناس قوة الاجتهاد (في بعض
следующие страницы →