Полный текст (164 стр.). Показаны 141–164 · переход к 146.
стр. 141
منه في العموم، لأنها تدل عليه بالوضع في الأصح كما مرّ، وهو إنما يدل عليه بالقرينة اتفاقا. (والجمع المعرّف) باللام أو الإضافة. (على من وما) غير الشرطيتين كالاستفهاميتين، لأنه أقوى منهما في العموم لامتناع أن يخص إلى الواحد دونهما على الأصح في كل منهما كما مرّ.
(وكلها) أي الجمع المعرف ومن وما (على الجنس المعرف) باللام أو الإضافة لاحتماله العهد بخلاف من وما فلا يحتملانه، وبخلاف الجمع المعرّف فيبعد احتماله له. (وما لم يخص) على ما خص لضعف الثاني بالخلاف في حجيته بخلاف الأول، ولأن الثاني مجاز، والأول حقيقة وهي مقدمة عليه قطعا. وقال الأصل كالصفيّ الهندي، وعندي عكسه لأن ما خص من العام هو الغالب والغالب أولى من غيره. (والأقل تخصيصا) على الأكثر تخصيصا لأن الضعف في الأقل دونه في الأكثر. (والاقتضاء فالإيماء فالإشارة) ، لأن المدلول عليه بالأول مقصود يتوقف عليه الصدق أو الصحة، وبالثاني مقصود لا يتوقف عليه ذلك، وبالثالث غير مقصود كما علم ذلك من محله، فيكون كل منها أقوى دلالة مما بعده، وترجيح الثاني على الثالث من زيادتي. (ويرجحان) أي الإيماء والإشارة (على المفهومين) أي الموافقة والمخالفة، لأن دلالة الأولين في محل النطق بخلاف المفهومين، (وكذا الموافقة على المخالفة) في الأصح لضعف الثاني بالخلاف في حجيته بخلاف الأول، وقيل عكسه لأن الثاني يفيد تأسيسا بخلاف الأول، (و) كذا (الناقل عن الأصل) أي البراءة الأصلية على المقرر له في الأصح، لأن الأول فيه زيادة على الأصل بخلاف الثاني، وقيل عكسه بأن يقدّر تأخر المقرر للأصل ليفيد تأسيسا كما أفاده الناقل فيكون ناسخا له مثال ذلك خبر الترمذي «مَنْ مسّ ذَكَرَهُ فليتوضأ» مع خبره «أنه ﷺ سأله رجل مس ذكره أعليه وضوء قال لا إنما هو بضعة منك» . (و) كذا (المثبت) على النافي (في الأصح) ، لما مرّ، وقيل عكسه، وقيل هما سواء وقيل غير ذلك، (والخبر) المتضمن للتكليف على الإنشاء لأن الطلب به لتحقق وقوع معناه أقوى من الإنشاء، فإن اتفق الدليلان خبرا أو إنشاء (فالحظر) على الإيجاب لأنه لدفع المفسدة والإيجاب لجلب المصلحة والاعتناء بدفع المفسدة أشد، (فالإيجاب) على الكراهة
للاحتياط، (فالكراهة) على الندب لدفع اللوم (فالندب) على الإباحة للاحتياط بالطلب (فالإباحة في الأصح في بعضها) وهو تقديم كل من الحظر والإيجاب والندب على الإباحة، وقيل العكس في الثلاث لاعتضاد الإباحة بالأصل، وقيل هما سواء في الأولى والقياس مجيئه في الباقيتين، ويحتمل خلافه، وذكر الخلاف في الثانية مع تقديم الإيجاب على الكراهة من زيادتي. (و) الخبر (المعقول معناه) على ما لم يعقل معناه لأن الأول أدعى للانقياد وأفيد بالقياس عليه. (وكذا نافي العقوبة) هو أعم من قوله ونافي الحد على الموجب لها في الأصح لما في الأول من اليسر وعدم الحرج الموافق لقوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ ، ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وقيل عكسه لإفادة الموجب التأسيس بخلاف النافي. (و) كذا الحكم (الوضعي) أي مثبته (على) مثبت (التكليفي في الأصح) ، لأن الأول لا يتوقف على الفهم والتمكن من الفعل بخلاف الثاني وقيل عكسه لترتب الثواب على التكليفي دون الوضعي. (و) الدليل (الموافق دليلاً آخر) على ما لم يوافقه، لأن الظن في الموافق أقوى. (وكذا)
стр. 142
الموافق (مرسلاً أو صحابيا أو أهل المدينة أو الأكثر) من العلماء على ما لم يوافق واحد مما ذكر (في الأصح) لذلك. وقيل لا يرجح بواحد من ذلك لأنه ليس بحجة، وقيل إنما يرجح بموافق الصحابي إن كان الصحابي قد ميزه نص فيما فيه الموافقة من أبواب الفقه كزيد في الفرائض، وقيل غير ذلك.
(ويرجح) كما قال الشافعي فيما إذا وافق كل من الدليلين صحابيا، وقد ميز النص أحد الصحابيين فيما ذكر. (موافق زيد في الفرائض فمعاذ) فيها (فعليّ) فيها (ومعاذ في أحكام غير الفرائض فعليّ) في تلك الأحكام، فالمتعارضان في مسألة في الفرائض يرجح منهما الموافق لزيد، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لمعاذ، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لعليّ، والمتعارضان في مسألة في غير الفرائض يرجح منهما الموافق لمعاذ، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لعليّ، وذلك لخبر «أفرضكم زيد، وعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم عليّ» فقوله أفرضكم زيد على عمومه. وقوله وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ يعني في غير الفرائض وكذا قوله وأقضاكم عليّ واللفظ في معاذ أصرح منه في علي فقدم عليه مطلقا. (والإجماع على النص) لأنه يؤمن فيه النسخ بخلاف النص. (وإجماع السابقين) على إجماع غيرهم فيرجح إجماع الصحابة على إجماع من بعدهم من التابعين وغيرهم، وإجماع التابعين على إجماع من بعدهم، وهكذا لشرف السابقين لقربهم من النبي ﷺ ولخبر «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم» . وتعبيري كالبرماوي بالسابقين أعم من تعبير الأصل بالصحابة. (وإجماع الكل) الشامل للعوام) على ما خالف فيه العوام) ، لضعف الثاني بالخلاف في حجيته على ما حكاه الآمدي. (و) الإجماع (المنقرض عصره على غيره) لضعف الثاني بالخلاف في حجتيه. (وكذا ما) أي الإجماع الذي (لم يسبق بخلاف) على غيره (في الأصح) لذلك، وقيل عكسه لزيادة اطلاع المجمعين في الثاني على المآخذ، وقيل هما سواء. (والأصح تساوي المتواترين من كتاب وسنة) . وقيل يرجح الكتاب عليها لأنه أشرف منها، وقيل ترجح السنة عليه لقوله تعالى ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ أما المتواتران من السنة فمتساويان قطعا كالآيتين. (ويرجح القياس) على قياس آخر (بقوّة دليل حكم الأصل) ، كأن يدل في أحد القياسين بالمنطوق، وفي الآخر بالمفهوم، أو
يكون في أحدهما قطعيا، وفي الآخر ظنيا لقوة الظن بقوة الدليل. (وكونه) أي القياس (على سنن القياس أي فرعه من جنس أصله) فيرجح على قياس ليس كذلك، لأن الجنس بالجنس أشبه فقياسنا ما دون أرش الموضحة على أرشها حتى تحمله العاقلة مقدم على قياس الحنفية له على غرامات الأموال حتى لا تتحمله. (وكذا) ترجح علة (ذات أصلين) مثلاً بأن عللا بها. (على ذات أصل) في الأصح، وقيل لا كالخلاف في الترجيح بكثرة الأدلة مثاله وجوب الضمان بيد المستام عللناه بأنه أخذ العين لغرضه بلا استحقاق، كما علل به وجوب الضمان بيد الغاصب ويد المستعير، وعلله الحنفية بأنه أخذها ليتملكها ولم يعلل به نظير ذلك. (و) كذا ترجح علة (ذاتية) للمحل كالطعم والإسكار. (علي) علة (حكمية) ، كالحرمة والنجاسة في الأصح، لأن الذاتية ألزم، وقيل عكسه لأن الحكم بالحكم أشبه. (و) كذا (كونها
стр. 143
أقل أوصافا في الأصح) ، لأن القليلة أسلم وقيل عكسه لأن الكثيرة أكثر شبها. (و) ترجح (المقتضية احتياطا في فرض) ، لأنها أنسب به مما لا تقتضيه، وذكر الفرض لأنه محل الاحتياط، إذ لا يحتاط في الندب وإن احتيط به كما مرّ، هذا مع أن الاحتياط قد يجري في غير الفرض، كما إذا شك هل غسل وجهه في الوضوء ثلاثا أو اثنتين فإنه يسنّ له غسلة أخرى وإن احتمل كونها رابعة احتياطا. (وعامة الأصل) بأن يوجد في جميع جزئياته، لأنها أكثر فائدة مما لا يعم كالطعم الذي هو علة عندنا في باب الربا، فإنه موجود في البر مثلاً قليله وكثيره، بخلاف القوت الذي هو علة عند الحنفية فلا يوجد في قليله، فجوزوا بيع الحفنة منه بالحفنتين. (و) ترجح العلة (المتفق على تعليل أصلها) المأخوذة منه لضعف مقابلها بالخلاف فيه. (و) العلة (الموافقة لأصول) شرعية (على الموافقة لواحد) ، لأن الأولى أقوى بكثرة ما يشهد لها. (وكذا) ترجح العلة (الموافقة لعلة أخرى) في الأصح، وقيل لا كالخلاف في الترجيح بكثرة الأدلة والترجيح من زيادتي (وما) أي
وكذا القياس الذي (ثبتت علته بإجماع فنص قطعيين فظنيين) أي بإجماع قطعي فنص قطعي فإجماع ظني فنص ظني (في الأصح) ، لأن النص يقبل النسخ بخلاف الإجماع وقيل عكسه، لأن النص أصل للإجماع لأن حجيته إنما ثبتت به. (فإيماء فسبر فمناسبة فشبه فدوران وقيل دوران فمناسبة) ، وما قبلها وما بعدها كما مر، فكل من المعطوفات دون ما قبله، ورجحان كل من الإيماء، والمناسبة على ما يليه ظاهر من تعاريفها السابقة، ورجحان السير على المناسبة بما فيه من إبطال ما لا يصلح للعلية والشبه على الدوران بقربه من المناسبة، ومن رجح الدوران عليها قال لأنه يفيد اطراد العلة وانعكاسها بخلاف المناسبة، ورجحان الدوران أو الشبه على بقية المسالك يؤخذ من تعاريفها، وما ذكر هنا يغني عما صرح به الأصل من الترجيح بالقطع بالعلة أو الظن الأغلب، ويكون مسلكها أقوى (و) يرجح (قياس المعنى على) قياس (الدلالة) لاشتمال الأول على المعنى المناسب، والثاني على لازمه أو أثره أو حكمه كما علم ذلك في مبحث الطرد، وفي خاتمة القياس. (وكذا) يرجح (غير المركب عليه) أي على المركب (في الأصح إن قبل) أي المركب لضعفه بالخلاف في قبوله المذكور في مبحث حكم الأصل، وقيل عكسه لقوة المركب باتفاق الخصمين على حكم الأصل فيه. (و) يرجح (الوصف الحقيقي فالعرفي فالشرعي) لأن الحقيقي لا يتوقف على شيء بخلاف العرفي والعرفي متفق عليه بخلاف الشرعي كما مر. (الوجودي) مما ذكر. (فالعدمي قطعا البسيط) منه (فالمركب في الأصح) لضعف العدمي والمركب بالخلاف فيهما، وقيل المركب فالبسيط، وقيل هما سواء وذكر الخلاف من زيادتي.
(
والباعثة على الأمارة) لظهور مناسبة الباعثة و (المطردة المنعكسة) على المطردة فقط لضعف الثانية بالخلاف فيها. (فالمطردة) فقط (على المنعكسة) فقط، لأن ضعف الثانية بعدم الاطراد أشدّ من ضعف الأولى بعدم الانعكاس. (وكذا) ترجح (المتعدية) على القاصرة في الأصح لأنها أفيد بالالحاق بها، وقيل عكسه، لأن الخطأ في القاصرة أقل، وقيل هما سواء لتساويهما فيما ينفردان به من الالحاق في المتعدية وعدمه في القاصرة. (و) كذا يرجح
стр. 144
(الأكثر فروعا) من المتعديتين على الأقل فروعا (في الأصح) . وقيل عكسه كما في المتعدية والقاصرة ولا يأتي التساوي هنا لانتفاء علته، والترجيح في المسألتين من زيادتي. (و) يرجح (من الحدود السمعية) أي الشرعية (الأعرف على الأخفى) منها، لأن الأول أفضى إلى مقصود التعريف من الثاني. (والذاتي على العرضي) ، لأن التعريف بالأول يفيد كنه الحقيقة بخلاف الثاني. (والصريح) من اللفظ على غيره بتجوّز أو اشتراك لتطرق الخلل إلى التعريف بالثاني. (وكذا) يرجح (الأَعم) على الأخصّ مطلقا (في الأصح) ، لأن التعريف بالأعم أفيد لكثرة المسمى فيه، وقيل عكسه أخذا بالمحقق في المحدود، وذكر لخلاف من زيادتي، أما الأعم والأخص من وجه فالظاهر فيهما التساوي. (و) يرجح (موافق نقل السمع واللغة) ، لأن التعريف بما يخالفهما إنما يكون لنق عنهما والأصل عدمه. (و) يرجح (ما) أي الحد الذي (طريق اكتسابه أرجح) من طريق اكتساب حدّ آخر، لأن الظن بصحته أقوى منه بصحة الآخر، إذ الحدود السمعية مأخوذة من النقل وطرق النقل تقبل القوّة والضعف. (والمرجحات لا تنحصر) فيما ذكر هنا (ومثارها غلبة الظنّ) أي قوّته وسبق كثير منها منه تقديم بعض مفاهيم المخالفة على بعض وبعض ما يخل بالفهم على بعض كالمجاز على الاشتراك، وتقديم المعنى الشرعي على العرفي، والعرفي على اللغوي في خطاب الشارع، ومن غيره أرجحية ما يرجح به من التقديم بالتزكية بالحكم بشهادة الراوي على التزكية
بالعمل بروايته، وتقديم من علم أنه عمل برواية نفسه على من علم أنه لم يعمل أو لم يعلم أنه عمل.
الكتاب السابع في الاجتهاد
المراد عند الإطلاق أعني الاجتهاد في الفروع. (وما معه) من التقليد وأدب الفتيا وعلم الكلام المفتتح بمسألة التقليد في أصول الدين المختتم بما يناسبه من خاتمة التصوّف، (الاجتهاد) لغة افتعال من الجهد بالفتح والضم وهو الطاقة والمشقة واصطلاحا. (استفراغ الفقيه الوسع) ، بأن يبذل تمام طاقته في نظره في الأدلة. (لتحصيل الظنّ بالحكم) أي من حيث إنه فقيه فلا حاجة إلى قول ابن الحاجب شرعي، فخرج استفراغ غير الفقيه واستفراغ الفقيه لتحصيل قطع بحكم عقلي، والفقيه في الحد بمعنى المتهيىء للفقه مجازا شائعا، ويكون بما يحصله فقيها حقيقة، ولذا قلت كالأصل. (والمجتهد الفقيه) ، كما قالوا الفقيه المجتهد لأن ما صدقهما واحد (وهو) أي المجتهد أو الفقيه الصادق به (البالغ) د لأن غيره لم يكمل عقله حتى يعتبر قوله (العاقل) ، لأن غيره لا تمييز له يهتدى به لما يقوله حتى يعتبر (أي ذو ملكة) أي هيئة راسخة في النفس. (يدرك بها المعلوم) أي ما من شأنه أن يعلم. (فالعقل) هو هذه (الملكة في الأصح) . وقيل هو نفس العلم أي الإدراك ضروريا كان أو نطريا، وقيل هو العلم الضروري فقط، وبعضهم عبر ببعض العلوم الضرورية وهو الأولى، لئلا يلزم أن من فقد العلم بمدرك لعدم الإدراك غير عاقل. (فقيه النفس) أي شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام، لأن غيره لا يتأتى منه الاستنباط المقصود بالاجتهاد. (وإن أنكر القياس) ، فلا يخرج بإنكاره عن فقاهة النفس، وقيل يخرج فلا يعتبر قوله، وقيل لا يخرج إلا الجليّ فيخرج بإنكاره لظهور جموده. (العارف بالدليل العقلي) أي البراءة الأصلية والتكليف به في الحجية، كما مر أن استصحاب العدم الأصلي حجة فيتمسك به إلى أن يصرف عنه دليل شرعي (ذو الدرجة الوسطى عربية) من لغة ونحو
وصرف ومعان وبيان، وإن كان أقسام العربية أكثر
стр. 145
من ذلك كما بينتها في حاشية المطوّل أعانني الله على إكمالها. (وأصولاً) للفقه. (ومتعلقا للأحكام) ، بفتح اللام أي ما تتعلق هي به بدلالته عليها. (من كتاب وسنة وإن لم يحفظ) أي المتوسط في هذه العلوم. (متنا لها) . وذلك ليتأتى له الاستنباط المقصود بالاجتهاد، أما علمه بآيات الأحكام وأخبارها أي مواقعها وإن لم يحفظها فلأنها المستنبط منه، وأما علمه بالأصل فلأنه يعرف به كيفية الاستنباط وغيرها مما يحتاج إليه فيه، وأما علمه بالباقي فلأنه لا يفهم المراد من المستنبط منه إلا به، لأنه عربي بليغ، وبالغ التقي السبكي فلم يكتف بالتوسط في تلك العلوم حيث قال كما نقله الأصل عنه المجتهد من هذه العلوم ملكة له، وأحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها بحيث اكتسب قوّة يفهم بها مقصود الشارع. (ويعتبر للاجتهاد) لا ليكون صفة للمجتهد، (كونه خبيرا بمواقع الإجماع) ، وإلا فقد يخرقه بمخالفته وخرقه حرام كما مرّ لا عبرة به، ولا يشترط حفظ مواقعه، بل يكفي أن يعرف أن ما استنبطه ليس مخالفا للإجماع بأن يعلم موافقته لعالم أو يظن أن واقعته حادثة لم يسبق فيها لأحد من العلماء كلام. (والناسخ والمنسوخ) لتقدم الأول على الثاني لأنه إذا لم يكن خبيرا بهما قد يعكس. (وأسباب النزول) ، إذ الخبرة بها ترشد إلى فهم المراد (والمتواتر والآحاد) ، لتقدم الأول على الثاني، لأنه إذا لم يكن خبيرا بهما قد يعكس، وتعبيري بذلك أولى من قوله وشرط المتواتر والآحاد كما بينته في الحاشية. (والصحيح وغيره) من حسن وضعيف ليقدم كلاً من الأولين على ما بعده، لأنه إذا لم يكن خبيرا بذلك قد يعكس. (وحال الرواة) في القبول، والرد ليقدم كلاً من الأولين على ما بعده، لأنه ءذا لم يكن خبيرا بذلك قد يعكس. (وحال الرواة) في اقبلو، والرد ليقدم المقبول على المردود مطلقا، والأكبر والأعلم من الصحابة على غيرهما في متعارضين، لأنه إذا لم يكن
خبيرا بذلك قد يعكس. (ويكفي) في الخبرة بحال الرواة (في زمننا الرجوع لأئمة ذلك) من المحدثين كالإمام أحمد والبخاري ومسلم، فيعتمد عليهم في التعديل والتجريح لتعذرهما في زمننا إلا بواسطة، وهم أولى من غيرهم، والمراد بخبرته بالمذكورات خبرته بها في الواقعة المجتهد فيها لا في جميع الوقائع.
(
ولا يعتبر) لا في الاجتهاد ولا في المجتهد (علم الكلام) لإمكان استنباط من يجزم بعقيدة الإسلام تقليدا كما يعلم مما سيأتي. (و) لا (تفاريع الفقه) ، لأنها إنما تمكن بعد الاجتهاد فكيف تعتبر فيه. (و) لا (الذكورة والحرّية) لجواز أن يكون للنساء قوّة الاجتهاد وإن كنّ ناقصات عقل، وكذا العبيد بأن ينظروا حال التفرغ من خدمة السادة. (وكذا العدالة) لا تعتبر فيه (في الأصح) ، لجواز أن يكون للفاسق قوّة الاجتهاد، وقيل يعتبر ليعتمد على قوله وتعقب بأنه لا تخالف بين القولين إذ اعتبار العدالة لاعتماد. قوله لا ينافي عدم اعتبارها لاجتهاده، إذ الفاسق يعمل باجتهاد نفسه، وإن لم يعتمد قوله اتفاقا، ويجاب بأنها اعتبرت بالنسبة لغيره، أما المفتي فيعتبر فيه العدالة لأنه أخص فشرطه أغلظ. (وليبحث عن المعارض) كالمخصص والمقيد والناسخ، والقرينة الصارفة للفظ عن ظاهره ليسلم ما يستنبطه من تطرق الخدش إليه لو لم يبحث، وهذا أولى لا واجب ليوافق ما مر من أنه يتمسك بالعام قبل البحث عن المخصص على الأصح، ومن أنه يجب اعتقاد الوجوب بصيغة افعل قبل البحث عما يصرفها عنه. وزعم الزركشي ومن تبعه أنه واجب، وأنه لا يخالف ما مر، لأن ذاك في جواز التمسك بالظاهر المجرد عن القرائن، والكلام هنا في اشتراط معرفة المعارض بعد ثبوته عنده بقرينه. (ودونه) أي دون المجتهد المتقدم وهو المجتهد المطلق، (مجتهد المذهب وهو المتمكن من تخريج الوجوه) التي يبديها (على نصوص إمامه) في المسائل، (ودونه) أي دون مجتهد المذهب (مجتهد الفتيا وهو
المتبحر) في مذهب إمامه. (المتمكن من ترجيح قول) له (على آخر) ، أطلقهما. (والأصح جواز تجزى الاجتهاد) بأن يحصل لبعض الناس قوة الاجتهاد (في بعض
стр. 146
الأبواب) ، كالفرائض بأن يعلم أدلته وينظر فيها، وقيل يمتنع لاحتمال أن يكون فيما لم يعلمه من الأدلة معارض لما علمه بخلاف من أحاط بالكل ونظر فيه وردّ بأن هذا الاحتمال فيه بعيد. (و) الأصح (جواز الاجتهاد للنبيّ ﷺ ووقوعه) لقوله تعالى ﴿ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ ، ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ عوتب على استبقاء أسرى بدر بالفداء، وعلى الإذن لمن ظهر نفاقهم في التخالف عن غزوة تبوك، والعتاب لا يكون فيما صدر عن وحي، فيكون عن اجتهاد، وقيل غير جائز له لقدرته على اليقين بالتلقي من الوحي بأن ينتظره، وردّ بأن إنزال الوحي ليس في قدرته، وقيل جائز له وواقع في الآراء والحروب دون غيرهما جمعا بين الأدلة السابقة (و) الأصح (أن اجتهاده) لله (لا يخطىء) تنزيها لمنصب النبوّة عن الخطأ في الاجتهاد، وقيل قد يخطىء لكن ينبه عليه سريعا لما مرّ في الآيتين، ويجاب بأن التنبيه فيهما ليس على خطأ بل على ترك الأولى إذ ذاك. (و) الأصح (أن الاجتهاد جائز في عصره) ﷺ ، وقيل لا للقدرة على اليقين في الحكم بتلقيه منه ﷺ ، وردّ بأنه لو كان عنده وحي في ذلك لبلغه للناس، وقيل جائز بإذنه، وقيل جائز للبعيد عنه دون القريب لسهولة مراجعته، وقيل جائز للولاة حفظا لمنصبهم عن استنقاص الرعية لهم لو لم يجز لهم بأن يراجعوا النبيّ ﷺ ، فيما وقع لهم بخلاف غيرهم (و) الأصح على الجواز (أنه وقع) ، لأنه ﷺ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة فقال تقتل مقاتلتهم وتسبي ذريتهم، فقال ﷺ «لقد حكمت بحكم الله» . رواه الشيخان. وقيل لم يقع للحاضر في قطره ﷺ بخلاف غيره، وقيل بالوقف عن القول
بالوقوع وعدمه.
(مسألة المصيب) من المختلفين (في العقليات واحد) ، وهو من صادف الحق فيها لتعينه في الواقع كحدوث العالم ووجود الباري وصفاته وبعثة الرسل (والمخطىء) فيها (آثم) إجماعا، ولأنه لم يصادف الحق فيها، (بل كافر) أيضا. (إن نفى الإسلام) كله أو بعضه كنافي بعثة محمد ﷺ ، فالقول بأن كل مجتهد في العقليات مصيب أو أن المخطىء غير آثم خارق للإجماع، والتصريرح باعتماد تأثيم المخطىء في غير نفي الإسلام من زيادتي. (والمصيب في نقليات فيها قاطع) من نص أو إجماع، واختلف فيها لعدم الوقوف عليه. (واحد قطعا، وقيل على الخلاف الآتي) فيما لا قاطع فيها (والأصح أنه) أي المصيب في النقليات. (ولا قاطع) فيها (واحد) وقيل كل مجتهد فيها مصيب. (و) الأصح (أن لله فيها حكما معينا قيل الاجتهاد) . وقيل حكم الله تعالى تابع لظن المجتهد فيما ظنه فيها من الحكم، فهو حكم الله في حقه وحق مقلده، وقيل فيها شيء لو حكم الله فيها لم يحكم إلا بذلك الشيء، قيل وهذا حكم على الغيب وربما عبر عن هذا إذا لم يصادف المجتهد ذلك الشيء بأنه أصاب فيه اجتهادا وابتداء وأخطأ فيه حكما وانتهاء. (و) الأصح (أن عليه) أي الحكم (أمارة) أي دليلاً ظنيا، وقيل عليه دليل قطعي، وقيل لا ولا بل هو كدفين يصادفه من شاءه الله. (و) الأصح (أنه) أي المجتهد (مكلف بإصابته) أي الحكم لإمكانها وقيل لا لغموضه (وأن المخطىء) في النقليات بقسميها (لا يأثم بل يؤجر) ، لبذله وسعه في طلبه، وقيل يأثم لعدم إصابته المكلف بها، وذكر الأجر في القسم الأول من زيادتي ويدل لذلك في القسمين خبر «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد» ، (ومتى قصر مجتهد) في اجتهاده (أثم) لتقصيره بتركه الواجب عليه من بذله وسعه فيه.
(مسألة لا ينقض الحكم في الاجتهاديات) لا من الحاكم به ولا من غيره، إذ لو جاز نقضه لجاز نقض النقض وهلم، فيفوت مصلحة نصب الحاكم من فصل الخصومات. (فإن خالف) الحكم (نصا أو إجماعا أو قياسا جليا) نقض لمخالفته الدليل المذكور. (أو حكم) حاكم (بخلاف اجتهاده) ، بأن قلد غيره نقض لمخالفته
стр. 147
اجتهاده وامتناع تقليده فيما اجتهد فيه، (أو) حكم حاكم (بخلاف نص إمامه ولم يقلد غيره) من الأئمة. (أو) قلده و (لم يجز) لمقلد إمام تقليد غيره، وسيأتي بيان ذلك (نقض) حكمه لمخالفته نص إمامه الذي هو في حقه لالتزامه تقليده كالدليل في حق المجتهد، فإن قلد في حكمه غير إمامه وجاز له تقليده لم ينقض حكمه، لأنه لعدالته إنما حكم به لرجحانه عنده ونقض الحكم مجاز عن إظهار بطلانه، إذ لا حكم في الحقيقة حتى ينقض. (ولو نكح) امرأة (بغير وليّ) باجتهاد منه أو من مقلده يصحح نكاحه (ثم تغير اجتهاده أو اجتهاد مقلده) إلى بطلانه. (فالأصح تحريمها) عليه لظنه أو ظن إمامه حينئذ البطلان، وقيل لا تحرم إذا حكم حاكم بالصحة لئلا يؤدّي إلى نقض الحكم بالاجتهاد وهو ممتنع، ويردّ بأنه يمتنع إذا نقض من أصله وليس مرادا هنا. (ومن تغير في اجتهاده) بعد إفتائه (أعلم) وجوبا (المستفتى) بتغيره (ليكفّ) عن العمل إن لم يكن عمل (ولا ينقض معموله) إن عمل لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد لما مرّ، (ولا يضمن) المجتهد (المتلف) بإفتائه بإتلافه (إن تغير) اجتهاده إلى عدم إتلافه (لا لقاطع) ، لأنه معذور بخلاف ماذا تغير لقاطع كنص قاطع فإنه ينقض معموله ويضمن متلفه المفتي لتقصيره.
(مسألة المختار أنه يجوز أن يقال) من قبل الله تعالى (لنبيّ أو عالم) على لسان نبيّ. (احكم بما تشاء) في الوقائع من غير دليل، (فهو حق) أي موافق لحكمي بأن يلهمه إياه، إذ لا مانع من هذا الجواز. (ويكون) أي هذا القول (مدركا شرعيا ويسمى التفويض) لدلالته عليه، وقيل لا يجوز ذلك مطلقا. وقيل يجوز للنبيّ دون العالم لأن رتبته لا تبلغ أن يقال له ذلك والمختار بعد جوازه. (أنه لم يقع) . وقيل وقع لخبر الصحيحين «لولا أن أشقّ على أمتي لأمَرْتُهم بالسّواك عند كلا صلاةٍ» . أي لأوجبته عليهم قلنا هذا لا يدل على المدعى لجواز أن يكون خير فيه أي خير في إيجاب السواك وعدمه أو يكون ذلك المقول بوحي لا من تلقاء نفسه. (وأنه يجوز تعليق الأمر باختيار المأمور) . نحو افعل كذا إن شئت أي فعله، وقيل لا يجوز لما بين طلب الفعل والتخيير فيه من التنافي. قلنا لا تنافي إذ التخيير قرينة على أن الطلب غير جازم والترجيح في هذا من زيادتي.
(مسألة التقليد أخذ قول الغير) بمعنى الرأي والاعتقاد الدال عليهما القول اللفظي أو الفعل أو التقرير (من غير معرفة دليله) فخرج أخذ قول لا يختص بالغير كالمعلوم من الدين بالضرورة، وأخذ قول الغير مع معرفة دليله، فليس بتقليد بل هو اجتهاد وافق اجتهاد القائل، لأن معرفة الدليل من الوجه الذي باعتباره يفيد الحكم لا يكون إلا للمجتهد، وعرف ابن الحاجب وغيره التقليد بالعمل بقول الغير من غير حجة، وقد بينت التفاوت بين التعريفين في الحاشية، ومع ذلك فلا مشاحة في الاصطلاح. (ويلزم غير المجتهد) المطلق عاميا كان أو غيره، أي يلزمه بقيد زدته بقولي (في غير العقائد) التقليد للمجتهد (في الأصح) لآية ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ ، وقيل يلزمه بشرط أن يتبين له صحة اجتهاد المجتهد بأن يتبين له مستنده ليسلم من لزوم اتباعه في الخطأ الجائز عليه، وقيل لا يجوز في القواطع، وقيل لا يجوز للعالم أن يقلد لأن له صلاحية أخذ الحكم من الدليل بخلاف العامي، أما التقليد في العقائد فيمتنع على المختار، وإن صح مع الجزم كما سيأتي، وقضية كلام الأصل هنا لزومه فيها أيضا. (ويحرم) أي التقليد (على ظانّ الحكم باجتهاده) لمخالفته به وجوب اتباع اجتهاده (وكذا) يحرم (على المجتهد) أي من هو بصفات الاجتهاد التقليد فيما يقع له. (في الأصح) لتمكنه من الاجتهاد فيه الذي هو أصل للتقليد، ولا يجوز العدول عن الأصل الممكن إلى بدله كما في الوضوء والتيمم، وقيل يجوز له التقليد فيه لعدم علمه به الآن، وقيل يجوز للقاضي لحاجته إلى فصل الخصومة المطلوب نجازه بخلاف غيره، وقيل يجوز تقليد
стр. 148
من هو أعلم منه، وقيل يجوز عند ضيق الوقت لما يسأل عنه، وقيل يجوز له فيما يخصه دون ما يفتي به غيره.
(مسألة الأصح أنه لو تكررت واقعة لمجتهد لم يذكر الدليل) الأول (وجب تجديد النظر) ، سواء أتجدد له ما يقتضي الرجوع عما ظنه فيها أم لا، إذ لو أخذ بالأوّل من غير نظر لكان أخذا بشيء من غير دليل يدل له والدليل الأول لعدم تذكره لا ثقة ببقاء الظن منه، وقيل لا يجب تجديده بناء على قوة الظن السابق، فيعمل به لأن الأصل عدم رجحان غيره أما إذا كان ذاكرا للدليل، فلا يجب تجديد النظر، إذ لا حاجة إليه، (أو) أي والأصح أنه لو تكررت واقعة (لعامي استفتى عالما) فيها (وجب إعادة الاستفتاء) ، لمن أفاد (ولو كان) العالم (مقلد ميت) بناء على جواز تقليد الميت وإفتاء المقلد كما سيأتي، إذ لو أخد بجواب السؤال الأول من غير إعادة لكان أخذا بشيء من غير دليل، وهو في حقه قول المفتي، وقوله الأول لا ثقة ببقائه عليه لاحتمال مخالفته له باطلاعه على ما يخالفه من دليل إن كان مجتهدا، ونص لإمامه إن كان مقلدا، وقيل لا يجب وذكر الخلاف في الصورتين من زيادتي، وقول الأصل في الشق الأول من الأولى قطعا أي عند أصحابنا لا عند الأصوليين، ومحل الخلاف في الثانية إذا عرف أن الجواب عن رأي أو قياس أو شك، والمفتي حي، فإن عرف أنه عن نص أو إجماع، أو مات المفتي فلا حاجة للسؤال ثانيا كما جزم به الرافعي والنووي.
(مسألة المختار جواز تقليد المفضول) من المجتهدين (لمعتقده غير مفضول) ، بأن اعتقده أفضل من غيره أو مساويا له، بخلاف من اعتقده مفضولاً عملاً باعتقاده وجمعا بين الدليلين الآتيين، وقيل يجوز مطلقا. ورجحه ابن الحاجب لوقوعه في زمن الصحابة وغيرهم مشتهرا متكررا من غير إنكار، وقيل لا يجوز مطلقا، لأن أقوال المجتهدين في حق المقلد كالأدلة في حق المجتهد، فكما يجب الأخذ بالراجح من الأدلة يجب الأخذ بالراجح من الأقوال، والراجح منها قول الفاضل، وإذا جاز تقليد المفضول لمن ذكر. (فلا يجب البحث عن الأرجح) من المجتهدين لعدم تعينه بخلاف من لم يجوز مطلقا وبما ذكر علم ما صرح به الأصل من أن العامي إذا اعتقد رجحان واحد منهم تعين لأن يقلده وإن كان مرجوحا في الواقع عملاً باعتقاده (و) المختار (أن الراجح علما) في الاعتقاد (فوق الراجح ورعا) فيه، لأن لزيادة العلم تأثيرا في الاجتهاد بخلاف زيادة الورع، وقيل العكس، لأن لزيادة الورع تأثيرا في التثبت في الاجتهاد وغيره بخلاف زيادة العلم، ويحتمل التساوي لأن لكل مرجحا. (و) المختار جواز (تقليد الميت) لبقاء قوله، كما قال الشافعي ﵁ المذاهب لا تموت بموت أربابها، وقيل لا يجوز لأنه لا بقاء لقول الميت بدليل انعقاد الإجماع بعد موت المخالف، وعورض بحجية الإجماع بعد موت المجمعين، وقيل يجوز أن فقد الحي للحاجة بخلاف ما إذا لم يفقد. (و) المختار جواز (استفتاء من عرفت أهليته) للافتاء باشتهاره بالعلم والعدالة (أو ظنت) بانتصابه والناس مستفتون له. (ولو) كان (قاضيا) ، وقيل القاضي لا يفتي في المعاملات للاستغناء بقضائه فيها عن الافتاء. (فإن جهلت) أهليته علما أو عدالة. (فالمختار الاكتفاء باستفاضة علمه وبظهور عدالته) . وقيل يجب البحث عنهما بأن يسأل الناس عنهما وعليه، فالأصح الاكتفاء بخبر الواحد عنهما، وقيل لا بد من اثنين وما اخترته من الاكتفاء باستفاضة علمه هو ما نقله في
الروضة عن الأصحاب خلاف ما صححه الأصل من وجوب البحث عنه. (وللعامي سؤاله) أي المفتي (عن مأخذه) ، فيما أفتاه به (استرشادا) أي طلبا لإرشاد نفسه بأن يذعن للقبول ببيان المأخذ لا تعنتا. (ثم عليه) أي المفتي ندبا لا وجوبا (بيانه) أي المأخذ لسائله المذكور تحصيلاً لإرشاده (إن لم يخف) عليه، فإن خفي عليه بحيث يقصر فهمه عنه، فلا يبينه له صونا لنفسه عن التعب فيما لا يفيد ويعتذر له بخفاء ذلك عليه.
<ToRem>مسألة
стр. 149
الأصح أنه يجوز لمقلد قادر على الترجيح الإفتاء بمذهب إمامه</ToRem> (مسألة الأصح أنه يجوز لمقلد قادر على الترجيح) وهو مجتهد الفتوى. (الإفتاء بمذهب إمامه) مطلقا لوقوع ذلك في الأعصار متكررا شائعا من غير إنكار بخلاف غيره فقد أنكر عليه، وقيل لا يجوز له لانتفاء وصف الاجتهاد المطلق والتمكن من تخريج الوجوه على نصوص إمامه عنه، وقيل يجوز له عند عدم المجتهد المطلق والمتمكن مما ذكر للحاجة إليه، بخلاف ما إذا وجدا أو أحدهما، وقيل يجوز للمقلد، وإن لم يكن قادرا على الترجيح لأنه ناقل لما يفتى به عن إمامه، وإن لم يصرح بنقله عنه وهذا هو الواقع في الأعصار المتأخرة، أما القادر على التخريج وهو مجتهد المذهب فيجوز له الإفتاء قطعا، كما ذكره الزركشي والبرماوي وغيرهما تبعا للمصنف في شرح المختصر وهو المتجه خلافا لما اقتضاه كلام الآمدي، من أن الخلاف في مجتهد المذهب، إذ قضية ذلك عدم جواز الافتاء لمجتهد الفتوى وهو بعيد جدا مخالف لما أفاده النووي في مجموعه. (و) الأصح (أنه يجوز خلوّ الزمان عن مجتهد) ، بأن لا يبقى فيه مجتهد وقيل لا يجوز مطلقا، وقيل يجوز أن تداعى الزمان بتزلزل القواعد بأن أتت أشراط الساعة الكبرى كطلوع الشمس من مغربها. (و) الأصح بعد جوازه (أنه يقع) لخبر الصحيحين «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» . وفي خبر مسلم «إن بين يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل» ونحوه، خبر البخاري إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم أي يقبض أهله ويثبت الجهل، وقيل لا يقع لخبر الصحيحين أيضا بطرق «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله أي الساعة كما صرح بها في بعض الطرق قال البخاري وهم أهل العلم. وأجيب بأن المراد بالساعة في هذا ما قرب منها جمعا بين الأدلة، والترجيح من زيادتي، وعبارة الأصل والمختار لم يثبت وقوعه وهو متردّد بين
الوقوع وعدمه.
(و) الأصح (أنه لو أفتى مجتهد عاميا في حادثة فله الرجوع عنه فيها إن لم يعمل) بقوله يها. (وثم مقت آخر) ، وقيل يلزمه العمل به بمجرد الافتاء فليه له الرجوع إلى غيره، وقيل يلزمه العمل به بالشروع في العمل به، بخلاف ما إذا لم يشرع، وقيل يلزمه العمل به إن التزمه، وقيل يلزمه العمل به إن وقع في نفسه صحته وخرج بقولي فيها غيرها فله الرجوع عنه فيه مطلقا، وقيل لا، لأنه بسؤال المجتهد وقبول قوله التزم مذهبه، وقيل يجوز في عصر الصحابة والتابعين لا في العصر الذي استقرت فيه المذاهب، وبقولي إن لم يعمل ما إذا عمل فليس له الرجوع جزما، وبقولي وثم مفت آخر ما لو لم يكن ثم مفت آخر فليس له الرجوع والتصريح في هذه بالترجيح بقيده الأخير من زيادتي. (و) الأصح (أنه يلزم المقلد) عاميا كان أو غيره. (التزام مذهب معين) من مذاهب المجتهدين. (ويعتقده أرجح) من غيره (أو مساويا) له، وإن كان في الواقع مرجوحا على المختار السابق. (و) لكن (الأولى) في المساوي (السعي في اعتقاده أرجح) ليحسن اختياره على غيره، وقيل لا يلزمه التزامه فله أن يأخذ فيما يقع له بما شاء من المذاهب، قال النووي هذا كلام الأصحاب والذي يقتضيه الدليل القول بالثاني. (و) الأصح بعد لزوم التزام مذهب معين للمقلد (أن له الخروج عنه) ، فيما لم يعمل به لأن التزام ما لا يلزم غير ملزم. وقيل لا يجوز لأنه التزمه وإن لم يلزم التزامه، وقيل لا يجوز في بعض المسائل، ويجوز في بعض توسطا بين القولين، والترجيح في هذه من زيادتي. (و) الأصح (أنه يمتنع تتبع الرخص) في المذاهب، بأن يأخذ من كل منها الأهون فيما يقع من المسائل سواء الملتزم
стр. 150
وغيره، ويؤخذ منه تقييد الجواز السابق فيهما بما لم يؤد إلى تتبع الرخص، وقيل يجوز بناء على أنه لا يلزم التزام مذهب معين.
(مسألة) تتعلق بأصول الدين (المختار) قول الكثير (إنه يمتنع التقليد في أصول الدين) أي مسائل الاعتقاد كحدوث العالم ووجود الباري، وما يجب له ويمتنع عليه وغير ذلك مما سيأتي، فيجب النظر فيه لأن المطلوب فيه اليقين. قال تعالى لنبيه ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ وقد علم ذلك. وقال للناس ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ ويقاس بالوحدانية غيرها، وقيل يجوز ولا يجب النظر اكتفاء بالعقد الجازم لأنه ﷺ كان يكتفي في الإيمان من الأعراب وليسوا أهلاً للنظر بالتلفظ بكلمتي الشهادة المنبىء عن العقد الجازم ويقاس بالإيمان غيره، وقيل لا يجوز فيحرم النظر فيه، لأنه مظنة الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف الأذهان والأنظار، ودليلا الثاني والثالث مدفوعان بأنا لا نسلم أن الأعراب ليسوا أهلاً للنظر، ولا أن النظر مظنة للوقوع في الشبه والضلال، إذ المعتبر النظر على طريق العامة كما أجاب الأعرابي الأصمعي عن سؤاله بم عرفت ربك؟ فقال البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحر ذو أمواج ألا تدل على اللطيف الخبير؟ ولا يذعن أحد منهم أو من غيرهم للإيمان إلا بعد أن ينظر فيهتدى له. أما النظر على طريق المتكلمين من تحرير الأدلة وتدقيقها ودفع الشكوك والشبه عنها، ففرض كفاية في حق المتأهلين له يكفي قيام بعضهم بها أما غيرهم ممن يخشى عليه من الخوض فيه الوقوع في الشبه والضلال فليس له الخوض فيه، وهذا محمل نهي الشافعي وغيره من السلف عن الاشتغال بعلم الكلام، وهو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية، والترجيح من زيادتي، بل قضية كلامه في مسألة التقليد ترجيح لزومه هنا، ثم محل الخلاف في وجوب النظر في غير معرفة الله تعالى أما النظر فيها فواجب إجماعا.
(و) المختار أنه (يصح) التقليد في ذلك (بجزم) أي معه على كلّ من الأقوال، وإن أثم بترك النظر على الأول فيصحّ إيمان المقلد، وقيل لا يصحّ بل لا بدّ لصحة الإيمان من النظر أما التقليد بلا جزم بأن كان مع احتمال شك أو وهم، فلا يصح قطعا إذ لا إيمان مع أدنى تردد فيه وعلى صحة التقليد الجازم فيما ذكر (فليجزم) أي المكلف (عقده بأن العالم) وهو ما سوى الله تعالى. (حادث) ، لأنه متغير أي يعرض له التغير كما يشاهد وكل متغير حادث (وله محدث) ضرورة أن الحادث لا بدّ له من محدث (وهو الله) أي الذات الواجب الوجود لأن مبدىء الممكنات لا بدّ أن يكون واجبا، إذ لو كان ممكنا لكان من جملة الممكنات فلم يكن مبدئا لها. (الواحد) ، إذ لو جاز كونه اثنين لجاز أن يريد أحدهما شيئا، والآخر ضدّه الذي لا ضدّ له غيره كحركة زيد وسكوته فيمتنع وقوع المرادين وعدم وقوعهما لامتناع ارتفاع الضدّين المذكورين واجتماعهما، فتعين وقوع أحدهما فيكون مريده هو الإله دون الآخر لعجزه، فلا يكون الإله إلا واحدا. (والواحد) الشيء (الذي لا ينقسم) بوجه (أو لا يشبه) بفتح الباء المشدّدة أي به ولا بغيره أي لا يكون بينه وبين غير شبه. (بوجه) وهذان التفسيران معناهما موجود فيه تعالى فتعبيري بأو أولى من تعبيره بالواو لإيهامه أنهما تفسير واحد، وموافق لقول إمام الحرمين في الإرشاد الواحد معناه المتوحد المتعالي عن الانقسام، وقيل معناه الذي لا مثل له فأفاد كلامه أنهما تفسيران لا تفسير واحد وإن تلازم معناهما هنا. (والله تعالى قديم) أي لا ابتداء لوجوده، إذ لو كان حادثا لاحتاج إلى محدث واحتاج محدثه إلى محدث وتسلسل والتسلسل محال، فالحدوث المستلزم له محال. (حقيقته) تعالى (مخالفة لسائر الحقائق. قال المحققون ليست معلومة الآن) أي في الدنيا للناس وقال كثير إنها معلومة لهم الآن لأنهم مكلفون بالعلم بوحدانيته وهو متوقف
стр. 151
على العلم بحقيقته. قلنا لا نسلم أنه متوقف على
العلم به بالحقيقة، وإنما يتوقف على العلم به بوجه وهو بصفاته، كما أجاب موسى ﵊ فرعون السائل عنه تعالى كما قص علينا ذلك بقوله تعالى ﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾ الخ. (والمختار ولا ممكنة) علما (في الآخرة) لأن علمها يقتضي الإحاطة به تعالى وهي ممتنعة، وقيل ممكنة العلم فيها لحصول الرؤية فيها كما سيأتي. قلنا الرؤية لا تفيد الحقيقة والترجيح من زيادتي. (ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض) ، لأنه تعالى منزه عن الحدوث وهذه الثلاثة حادثة لأنها أقسام العالم لأنه إما قائم بنفسه أو بغيره، والثاني العرض الأول ويسمى بالعين، وهو محل الثاني المقوم له إما مركب وهو الجسم أو غير مركب وهو الجوهر وقد يقيد بالفرد. (لم يزل وحده ولا مكان ولا زمان) أي موجود قبلهما فهو منزّه عنهما (ثم أحدث هذا العالم) . المشاهد من السموات والأرض بما فيها (بلا احتياج) إليه (ولو شاء ما أحدثه) فهو فاعل بالاختيار لا بالذات (لم يحدث به) أي بإحداثه (في ذاته حادث) ، فليس كغيره محلاً للحوادث وهو كما قال في كتابه العزيز (فعال لما يريد، ليس كمثله شيء) وهو السميع البصير. (القدر) وهو هنا ما يقع من العبد مما قدّر في الأزل (خيره وشره) كائن (منه) تعالى بخلقه وإرادته، (علمه شامل لكل معلوم) أي ما من شأنه أن يعلم ممكنا كان أو ممتنعا جزئيا أو كليا. قال تعالى ﴿أحاط بكل شيء علما﴾ (وقدرته) شاملة (لكلّ مقدور) أي ما من شأنه أن يقدر عليه، وهو الممكن بخلاف الممتنع والواجب (ما علم أنه يوجد أراده) أي أراد وجوده (وما لا) أي وما علم أنه لا يوجد، (فلا) يريد وجوده فالإرادة تابعة للعلم (بقاؤه) تعالى (غير متناه) أي لا آخر له (لم يزل) تعالى موجودا (بأسمائه) أي بمعانيها، وهي هنا ما دل على الذات باعتبار صفة كالعالم والخالق. (وصفات ذاته) وهي (ما دل عليها فعله) . لتوقفه عليها (من قدرة) وهي صفة تؤثر في الشيء عند تعلقها به. (وعلم) وهو صفة
أزلية تتعلق بالشيء على وجه الإحاطة به على ما هو عليه. (وحياة) وهي صفة تقتضي صحة العلم لموصوفها، (وإرادة) وهي صفة تخصص أحد طرفي الشيء من الفعل والترك بالوقوع. (أو) ما دل عليها (تنزيهه) تعالى (عن النقص من سمع وبصر) وهما صفتان أزليتان قائمتان بذاته تعالى زائدتان على العلم ليستا كسمع الخلق وبصرهم، (وكلام) وهو صفة يعبر عنها بالنظم المعروف المسمى بكلام الله أيضا، ويسميان بالقرآن أيضا. (وبقاء) وهو استمرار الوجود أما صفات الأفعال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة، فليست أزلية خلافا لمتأخري الحنفية، بل هي حادثة لأنها إضافات تعرض للقدرة وهي تعلقاتها بوجودات المقدورات لأوقات وجوداتها، ولا محذور في اتصاف الباري تعالى بالإضافات، ككونه قبل العالم ومعه وبعده وأزلية أسمائه الراجعة إلى صفات الأفعال كما مر في جملة الأسماء من حيث رجوعتها إلى القدرة لا الفعل، فالخالق مثلاً من شأنه الخلق أي هو الذي بالصفة التي بها يصح الخلق وهو القدرة كما يقال السيف في الغمد قاطع أي هو بالصفة التي بها يحصل القطع عند ملاقاته المحل، فإن أريد بالخالق من صدر منه الخلق فليس صدوره أزليا.
(
وما صح في الكتاب والسنة من الصفات نعتقد ظاهر معناه وننزه الله عند سماع مشكله) كما في قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ ، ﴿ويبقى وجه ربك﴾ . ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ . وقوله ﷺ «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف شاء» . رواه مسلم. (ثم اختلف أئمتنا
стр. 152
أنؤوّل) المشكل (أم نفوّض) معناه المراد إليه تعالى. (منزّهين له) عن ظاهره، (مع اتفاقهم على أن جهلنا بتفصيله لا يقدح) في اعتقادنا المراد منه مجملاً، والتفويض مذهب السلف وهو أسلم، والتأويل مذهب الخلف وهو أعلم أي أحوج إلى مزيد علم، وكثيرا ما يقال بدل أعلم أحكم أي أكثر إحكاما أي إتقانا فيؤوّل في الآيات الاستواء بالاستيلاء والوجه بالذات واليد بالقدرة، والحديث من باب التمثيل المذكور في علم البيان نحو أراك تقدّم رجلاً وتؤخر أخرى، يقال للمتردّد في أمر تشبيها له بمن يفعل ذلك لإقدامه وإحجامه، فالمراد منه والظرف فبه خير كالجار والمجرور أن قلوب العباد كلها بالنسبة إلى قدرته تعالى شيء يسير يصرفه كيف شاء، كما يقلب الواحد من عباده اليسير بين أصبعين من أصابعه. (القرآن النفسي) أي القائم بالنفس (غير مخلوق) وهو مع ذلك أيضا (مكتوب في مصاحفنا) ، بأشكال الكتابة وصور الحروف الدالة عليه (محفوظ في صدورنا) بألفاظه المخيلة. (مقروء بألسنتنا) بحروفه الملفوظة المسموعة (على الحقيقة) لا المجاز في الأوصاف الثلاثة أي يصحّ أن يطلق على القرآن حقيقة أنه مكتوب محفوظ مقروء واتصافه بهذه الثلاثة، وبأنه غير مخلوق أي موجود أزلاً وأبدا اتصاف له باعتبار وجودات الموجود الأربعة، فإن لكلّ موجود وجودا في الخارج، ووجودا في الذهن، ووجودا في العبارة، ووجودا في الكتابة فهي تدل على العبارة وهي على ما في الذهن وهو على ما في الخارج، وخرج بالنفسي اللساني فتعبيري به أولى من تعبيره بالكلام، لأنه كالقرآن مشترك بين النفسي واللساني، فلا يخرج
اللساني. (يثيب) الله تعالى عباده المكلفين (على الطاعة) فضلاً (ويعاقبـ) ـهم (إلا أن يعفو يغفر غير الشرك على المعصية) عدلاً لاخباره بذلك قال تعالى ﴿فأما من طغى* وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي المأوي* وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإن الجنة هي المأوي﴾ . ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (وله) تعالى (إثابة العاصي وتعذيب المطيع وإيلام الدواب والأطفال) لأنهم ملكه يتصرف
فيهم كيف يشاء لكن لا يقع منه ذلك لإخباره بإثابة المطيع وتعذيب العاصي كما مرّ ولم يرد إيلام الأخيرين في غير قود والأصل عدمه أما في القود فقال ﷺ «لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» . رواه مسلم. وقال «يقتصّ للخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء وحتى للذرّة من الذرّة» . رواه الإمام أحمد بسند صحيح، وقضية الخبرين أن لا يتوقف القود يوم القيامة على التكليف، فيقع الإيلام بالقود في الأخيرين. (ويستحيل وصفه) تعالى (بالظلم) لأنه مالك الأمور على الإطلاق يفعل ما يشاء فلا ظلم في التعذيب، والإيلام المذكورين لو فرض وقوعهما (يراه) تعالى (المؤمنون في الآخرة) قبل دخول الجنة وبعده، كما ثبت في أخبار الصحيحين الموافقة لقوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ والمخصصة لقوله تعالى ﴿لا تدركه الأبصار﴾ أي لا تراه منها خبر أبي هريرة «أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله ﷺ هل تضارّون في القمر ليلة البدر. قالوا لا يا رسول الله. قال فإنكم ترونه كذلك الخ» . وفيه أن ذلك قبل دخول الجنة، وقوله تضارُّون بتشديد الراء من الضرار وتخفيفها من الضير أي الضرر، وخبر صهيب في مسلم أنه ﷺ قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎ تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار، فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم» . وفي رواية ثم تلا هذه الآية ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ أي فالحسنى الجنة
стр. 153
والزيادة النظر إليه تعالى، بأن ينكشف لنا انكشافا تاما بأن يرى بنور الأعين زائدا على نور العلم، أو بأن يخلق لنا علما به عند توجه الحاسة له عادة منزها عن المقابلة والجهة والمكان، أما الكفار فلا يرونه لقوله تعالى ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ
لمحجوبون﴾ الموافق لقوله ﴿لا تدرحه الأبصار﴾ (والمختار جواز رؤيته) تعالى (في الدنيا) في اليقظة بالعين، وفي المنام بالقلب أما في اليقظة، فلأن موسى ﵊ طلبها بقوله ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ وهو لا يجهل ما يجوز ويمتنع على ربه تعالى، وقيل لا يجوز لأن قومه طلبوها فعوقبوا قال تعالى ﴿فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم﴾ قلنا عقابهم لعنادهم وتعنتهم في طلبها لا لامتناعها، وأما في المنام فنقل القاضي عياض الاتفاق عليه، وقيل لا يجوز إذ المرئي فيه خيال ومثال وذلك على القديم محال. قلنا لا استحالة لذلك في المنام والترجيح من زيادتي، وأما وقوع الرؤية فيها فالجمهور على عدمه في اليقظة لقوله تعالى ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وقوله لموسى ﴿لن تراني﴾ أي في الدنيا بقرينة السياق، وقوله ﷺ «لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت» . رواه مسلم، نعم الصحيح وقوعها للنبي ﷺ ليلة المعراج، وإليه استند القائل بوقوعها لغيره، وأما وقوعها في المنام فهو المختار، فقد ذكر وقوعها فيه لكثير من السلف منهم الإمام أحمد، وعليه المعبرون للرؤيا، وقيل لا لما مرّ في المنع من جوازها. (السعيد من كتب الله) أي علم (في الأزل موته مؤمنا والشقيّ عكسه) أي من كتب الله في الأزل موته كافرا وتعبيري بما ذكر أولى مما عبر به لاشتماله على الدور ظاهرا. (ثم لا يتبدّلان) أي المكتوبان في الأزل، بخلاف المكتوب في غيره كاللوح المحفوظ قال تعالى ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب﴾ أي أصله الذي لا يغير منه شيء كما قاله ابن عباس وغيره، وإطلاق بعضهم أنهما يتبدّلان محمول على هذا التفصيل. (وأبو بكر) ﵁ (ما زال بعين الرضا منه) تعالى، وإن لم يتصف بالإيمان قبل تصديقه النبي ﷺ ، إذ لم يثبت عنه حالة كفر كما ثبت عن غيره ممن آمن. (والمختار أن الرضا والمحبة) من الله (غير المشيئة والإرادة)
منه، إذ معنى الأوّلين المترادفين أخص من معنى الثانيين المترادفين، إذ الرضا الإرادة بلا اعتراض والأخص غير الأعم بدليل قوله تعالى ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ مع وقوعه من بعضهم بمشيئته لقوله ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ وقالت المعتزلة وقوم من الأشاعرة منهم الشيخ أبو إسحاق الرضا والمحبة نفس المشيئة والإرادة وأجابوا عن قوله (ولا يرضى لعباده الكفر) بأنه لا يرضاه دينا وشرعا بل يعاقب عليه وبأن المراد من وفق للإيمان، ولهذا شرفهم بإضافتهم إليه في قوله ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ وقوله ﴿عينا يشرب بها عباد الله﴾ وذكر الخلاف من زيادتي، (هو الرزاق) كما قال تعالى ﴿إن الله هو الرزاق﴾ بمعنى الرازق أي فلا رازق غيره. وقالت المعتزلة من حصل له الرزق بتعب فهو الرازق نفسه أو بغير تعب فالله هو الرازق له. (والرزق) بمعنى المرزوق عندنا. (ما ينتفع به) في التغذي وغيره. (ولو) كان (حراما) ، وقالت المعتزلة لا يكون إلا حلالاً لاستناده إلى الله في الجملة والمسند إليه لانتفاع عباده يقبح أن يكون حراما يعاقبون عليه قلنا لا يقبح بالنسبة إليه تعالى، فإن له أن يفعل ما يشاء وعقابهم على الحرام لسوء مباشرتهم أسبابه ويلزم المعتزلة أن المتعذي بالحرام فقط طول عمره لم يرزقه الله وهو مخالف لقوله تعالى ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ ، لأنه تعالى لا يترك
стр. 154
ما أخبر بأنه عليه. (بيده) تعالى (الهداية والإضلال) وهما (خلق الاهتداء) ، وهو الإيمان (و) خلق (الضلال) وهو الكفر قال تعالى ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء﴾ . ﴿من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ وزعمت المعتزلة أنهما بيد العبد يهدي نفسه ويضلها بناء على قولهم إنه يخلق أفعاله.
(
والمختار أن اللطف خلق قدرة الطاعة) أي قدرة العبد على الطاعة، وقال الأصل إنه ما يقع عنده صلاح العبد آخرة أي في آخر عمره. (و) أن (التوفيق كذلك) أي خلق قدرة الطاعة وقيل خلق الطاعة. (والخذلان ضده) وهو خلق قدرة المعصية وقيل خلق المعصية. (والختم والطبع والأكنة والأقفال) الواردة في القرآن نحو ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ . ﴿طبع الله عليها بكفرهم﴾ ﴿جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾ . ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ عبارات عن معنى واحد وهو (خلق الضلالة في القلب) كالإضلال، وأوّل المعتزلة هذه الألفاظ بما لا يلائم الآيات المشتملة عليها كما بين في المطولات، وذكر الاقفال من زيادتي. (والماهيات) الممكنات أي حقائقها (مجعولة) مطلقا (في الأصح) أي كل ماهية بجعل الجاعل، وقيل لا مطلقا بل كل ماهية متقررة بذاتها، وقيل مجعولة إن كانت مركبة بخلاف البسيطة. (والخلف لفظي) من زيادتي، لأن الأول أراد جعلها متصفة بالوجود لا جعلها ذوات، والثاني أراد أنها في حدّ ذاتها لا يتعلق بها جعل جاعل وتأثير مؤثر، والثالث أراد بالجعل التأليف والمركبة مؤلفة بخلاف البسيطة. (أرسل) الرب (تعالى رسله) مؤيدين منه (بالمعجزات) الباهرات (وخصّ محمدا ﷺ منهم (بأنه خاتم النبيين) كما قال تعالى ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ (المبعوث إلى الخلق كافة) ، كما في خبر مسلم «وأرسلت إلى الخلق كافة» ، وفسر بالإنس والجنّ كما فسر بهما من بلغ في قوله تعالى ﴿وأوحى إليّ هذا القرآن لأنذركم به﴾ ومن بلغ أي بلغه القرآن والعالمين في قوله ﴿نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾ ، وصرح الحليمي والبيهقي بأنه ﷺ لم يرسل إلى الملائكة، وفي تفسيري الإمام الرازي والنسفي حكاية الإجماع على ذلك، لكن نقل بعضهم عن تفسير الرازي أنه أرسل إليهم أيضا، وكأنه أخذه من بعض نسخه فإن نسخه مختلفة. (المفضل عليهم) أي على الخلق كافة من الأنبياء
والملائكة وغيرهم فلا يشركة غيره من الأنبياء فيما ذكر. (ثم) يفضل بعده (الأنبياء ثم خواص الملائكة) عليهم الصلاة والسلام، فخواص الملائكة أفضل من البشر غير الأنبياء، وقولي خواص من زيادتي. (والمعجزة) المؤيد بها الرسل، (أمر خارق للعادة) بأن يظهر على خلافها كإحياء ميت وإعدام جيل وانفجار المياه من بين الأصابع، (مقرون بالتحدّي) منهم أي بطلبهم الاتيان بمثل ما أتوا به ولو بالإشارة كدعواهم الرسالة، (مع عدم المعارضة)
من المرسل إليهم بأن لا يظهر منهم مثل ذلك الخارق فخرج غير الخارق كطلوع الشمس كل يوم والخارق بلا تحدّ والخارق المتقدّم على التحدّي والمتأخر عنه بما يخرجه عن المقارنة العرفية والسحر والشعبذة، فلا شيء منها بمعجزة كما أوضحته مع زيادة في الحاشية. (والإيمان تصديق القلب) بما علم مجيء الرسول به من عند الله ضرورة أي الإذعان والقبول له والتكليف بذلك مع أنه من الكيفيات النفسانية دون الأفعال الاختيارية بالتكليف بأسبابه كإلقاء الذهن وصرف النظر وتوجيه الحواس. (ويعتبر فيه) أي في التصديق المذكور أي في الخروج به عندنا عن عهدة التكليف بالإيمان، (تلفظ القادر) على الشهادتين (بالشهادتين) ، لأنه علامة لنا على التصديق الخفي عنا حتى يكون المنافق مؤمنا عندنا كافرا عند الله تعالى. قال الله تعالى ﴿إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا﴾ حالة كون التلفظ بذلك (شرطا) للإيمان كما عليه جمهور المحققين يعني أنه شرط لإجراء أحكام المؤمنين في الدنيا من توارث ومناكحة
стр. 155
وغيرهما. (لا شطرا) منه كما قيل به فمن صدّق بقلبه ولم يتلفظ بالشهادتين مع تمكنه من التلفظ بهما ومع عدم مطالبته به كان مؤمنا عند الله على الأول دون الثاني، كما ذكره السعد التفتازاني في شرح المقاصد، وهو ظاهر كلام الغزالي تبعا لظاهر كلام شيخه إمام الحرمين، وما نقل عن الجمهور من أنه كافر عند الله كما هو كافر عندنا مفرع على الثاني، وترجيح الشرطية من زيادتي. (والإسلام) هو (التلفظ بذلك) وجرى الأصل على أنه أعمال الجوارح من الطاعات كالتلفظ بذلك والصلاة والزكاة أخذا بظاهر الخبر الآتي المحمول فيه الإسلام عند المحققين على أحكامه المشروعة أو على الإسلام الكامل. (ويعتبر فيه) أي في الإسلام أي في الخروج به عن عهدة التكليف به. (الإيمان) أي التصديق المذكور ولم يحك أحد خلافا في أن الإيمان شرط في الإسلام أو شطر، (والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن
لم تكن تراه فإنه يراك) ، كذا في خبر الصحيحين المشتمل على بيان الإيمان، بأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره وبيان الإسلام بالمعنى السابق بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. (والفسق) بأن يرتكب الكبيرة (لا يزيل الإيمان) خلافا للمعتزلة في زعمهم أنه يزيله بمعنى أنه واسطة بين الإيمان والكفر
لزعمهم أن الأعمال جزء من الإيمان لقوله تعالى ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ إلى قوله ﴿حقا﴾ ولخبر «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» . وأجيب جمعا بين الأدلة بأن المراد بالإيمان في الآية كماله وبالخبر التغليظ والمبالغة في الوعيد وبأنه معارض بخبر «وإن زنى وإن سرق» . (والميت مؤمنا فاسقا) بأن لم يتب (تحت المشيئة) إما (يعاقب) بإدخاله النار لفسقه (ثم يدخل الجنة) لموته مؤمنا (أو يسامح) بأن لا يدخل النار بفضله فقط أو بفضله مع الشفاعة من النبي ﷺ أو ممن يشاؤه الله وزعمت المعتزلة أنه يخلد في النار ولا يجوز العفو عنه ولا الشفاعة فيه لقوله تعالى ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ . قلنا هذا مخصوص بالكفار جمعا بين الأدلة. (وأول شافع وأولاه) يوم القيامة (نبينا محمد ﷺ ، قال ﷺ «أنا أول شافع وأول مشفع» رواه الشيخان، ولأنه أكرم عند الله من جميع العالمين، وله شفاعات أعظمها في تعجيل الحساب والإراحة من طول الوقوف وهي مختصة به الثانية في إدخال قوم الجنة بغير حساب قال النووي وهي مختصة به وتردّد بعضهم في ذلك، الثالثة فيمن استحق النار، كما مر. الرابعة في إخراج من أدخل النار من الموحدين ويشاركه فيهما الأنبياء والملائكة والمؤمنون. الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وجوز النووي اختصاصها به والكلام في العامة يوم القيامة، فلا يرد نحو الشفاعة في تخفيف عذاب القبر ولا الشفاعة في تخفيف العذاب عن أبي طالب. (ولا يموت أحد إلا بأجله) وهو الوقت الذي كتب الله في الأزل انتهاء حياته فيه بقتل أو غيره وذلك بأن الله قد حكم بآجال العباد بلا تردّد، وبأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، وزعم كثير من المعتزلة أن القاتل قطع بقتله أجل المقتول، وأنه لو لم يقتله لعاش أكثر من ذلك لخبر «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ أي يزاد له
«في أثره فليصل رحمه» . قلنا لا نسلم أن الأثر هو الأجل ولو سلم، فالخبر ظني لأنه من الآحاد وهو لا يعارض القطعي، وأيضا الزيادة فيه مؤولة بالبركة في الأوقات بأن يصرف في الطاعات. (والروح) وهي النفس (باقية بعد موت البدن) منعمة أو معذبة. (والأصح أنها لا تفنى أبدا) ، لأن الأصل في بقائها بعد الموت استمراره وقيل تفنى عند النفخة الأولى كغيرها. (كعجب الذنب) بفتح العين وسكون الجيم وموحدة على الأشهر، وهو في أسفل الصلب يشبه في المحل محل أصل الذنب من ذوات الأربع، فلا يفنى في الأصح لخبر الصحيحين «ليس شيء من الإنسان إلا يبلى إلا عظما واحدا
стр. 156
وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة» . وفي رواية لمسلم «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب» وقيل يفنى كغيره. وصححه المزني وتأول الخبر المذكور بأنه لا يبلى بالتراب بل بلا تراب كما يميت الله ملك الموت بلا ملك الموت والترجيح من زيادتي، (وحقيقتها) ؛ أي الروح (لم يتكلم عليها نبينا) محمد ﷺ . وقد سئل عنها لعدم نزول الأمر ببيانها قال تعالى ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ (فنمسك) نحن (عنها) ، ولا يعبر عنها بأكثر من موجود كما قال الجنيد وغيره والخائضون فيها اختلفوا فقال جمهور المتكلمين، ونقله النووي في شرح مسلم عن تصحيح أصحابنا إنها جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر. وقال كثير منهم إنها عرض وهي الحياة التي صار البدن بوجودها حيا. وقال الفلاسفة وكثير من الصوفية إنها ليست بجسم ولا عرض بل جوهر مجرد قائم بنفسه غير متحيز متعلق بالبدن للتدبير والتحريك غير داخل فيه ولا خارج عنه، واحتج للأول بوصفها في الأخبار بالهبوط والعروج والتردُّد في البرزخ.
(
وكرامات الأولياء) وهم العارفون بالله تعالى المواظبون على الطاعات المجتنبون للمعاصي المعرضون عن الانهماك في اللذات والشهوات (حق) أي جائزة وواقعة له ولو باختيارهم وطلبهم كجريان النيل بكتاب عمر، ورؤيته وهو على المنبر بالمدينة جيشه بنهاوند حتى قال لأمير الجيش يا سارية الجبل الجبل محذرا له من وراء الجبل لمكر العدوّ ثم، وسماع سارية كلامه مع بعد المسافة وكالمشي على الماء وفي الهواء وغير ذلك مما وقع للصحابة وغيرهم، (ولا تختص) الكرامات (بغير نحو ولد بلا والد) مما شمله قولهم ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي. (خلافا للقشيري) وإن تبعه الأصل وغيره، فالجمهور على خلافه، وأنكروا على قائله حتى ولده أبو النصر في كتابه المرشد، بل قال النووي إنه غلط من قائله وإنكار للحس، بل الصواب جريانها بقلب الأعيان ونحوه، وقد بسطت الكلام على ذلك في الحاشية، وقيل تختص بغير الخوارق كإجابة دعاء وموافاة ماء بمحل لا تتوقع فيه المياه، (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة) ببدعته كمنكري صفات الله وخلقه أفعال عباده وجواز رؤيته يوم القيامة، (على المختار) وكفرهم بعض، وردّ بأن إنكار الصفة ليس إنكارا للموصوف أما من خرج ببدعته عن أهل القبلة كمنكري حدوث العالم والبعث والحشر للأجسام والعلم بالجزئيات، فلا نزاع في كفرهم لإنكارهم بعض ما علم مجيء الرسول به ضرورة وذكر الخلاف من زيادتي. (ونرى) أي نعتقد (أن عذاب القبر) وهو للكافر والفاسق المراد تعذيبه بأن يردّ الروح إلى الجسد أو ما بقي منه حق لخبري الصحيحين «عذاب القبر حق» ، وأنه ﷺ مرّ على قبرين فقال «إنهما ليعذبان» . (و) أن (سؤال الملكين) منكر ونكير للمقبور بعد ردّ روحه إليه عن ربه ودينه ونبيه، فيجيبهما بما يوافق ما مات عليه من إيمان أو كفر حق لخبر الصحيحين «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في
هذا النبي محمد؟ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله، وأما الكافر أو المنافق فيقول لا أدري الخ. وفي رواية لأبي داود وغيره فيقولان له من ربك وما دينك وما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول المؤمن ربي الله وديني الإسلام والرجل المبعوث رسول الله، ويقول الكافر في الثلاث لا أدري. وفي رواية البيهقي فيأتيه منكر ونكير. (و) أن (المعاد الجسماني) حق قال تعالى (وهو الذي يبدأ الخلق
стр. 157
ثم يعيده) ، ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ وأنكرت الفلاسفة إعادة الأجسام قالوا وإنما تعاد الأرواح بمعنى أنها بعد موت البدن تعاد إلى ما كانت عليه من التجرّد متلذذة بالكمال أو متألمة بالنقصان. (وهو) أي المعاد الجسماني (إيجاد) لأجزاء الجسم الأصلية ولعوارضه (بعد فناء) لها (أو جمع بعد تفرّق) لها مع إعادة الأرواح إليها فهما قولان. (والحق التوقف) إذ لم يدل قاطع سمعي على تعين أحدهما، وإن كان كلام الأصل يميل إلى تصحيح الأول، وصرّح به شارحه الجلال المحلي، وقد بسطت الكلام على ذلك في الحاشية. (و) أن (الحشر) للخلق بأن يجمعهم الله للعرض والحساب بعد إحيائهم المسبوق بفنائهم حق ففي الصحيحين أخبار «يحشر الناس حفاة مشاة عراة غرلاً» أي غير مختتنين. (و) أن (الصراط) وهو جسر ممدود على ظهر جهنم أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف يمرّ عليه جيع الخلائق فيجوزه أهل الجنة وتزلّ به أقدام أهل النار حق ففي الصحيحين أخبار «يضرب الصراط بين ظهري جهنم ومرور المؤمنين عليه متفاوتين وأنه مزلة» . أي تزلّ به أقدام أهل النار فيها. (و) أن (الميزان) وهو جسم محسوس ذو لسان وكفتين يعرف به مقادير الأعمال بأن توزن به صحفها أو هي بعد تجسمها. (حق) لخبر البيهقي «يؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان الخ» . (والجنة والنار مخلوقتان الآن) . يعني قبل يوم الجزاء للنصوص الواردة في ذلك نحو (أعدّت للمتقين) (أعدت للكافرين) وقصة آدم وحوّاء في إسكانهما الجنة وإخراجهما
منها، وزعم أكثر المعتزلة أنهما يخلقان يوم الجزاء لقوله تعالى ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادا﴾ قلنا نجعلها بمعنى نعطيها لا بمعنى تخلقها مع أنه يحتمل الحال والاستمرار. (ويجب على الناس نصب إمام) يقوم بمصالحهم كسدّ الثغور وتجهيز الجيوش وقهر المتغلبة والمتلصصة لإجماع الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ على نصبه حتى جعلوه أهم الواجبات، وقدّموه على دفنه ﷺ ولم يزل الناس في كل عصر على ذلك. (ولو) كان من ينصب (مفضولاً) ، فإن نصبه يكفي في الخروج عن عهدة النصب، وقيل لا بل يتعين نصب الفاضل وزعمت الخوارج أنه لا يجب نصب إمام وبعضهم وجوبه عند ظهور الفتن دون وقت الأمن وبعضهم عكسه والإمامية وجوبه على الله تعالى. (ولا نجوّز) نحن أيها الأشاعرة. (الخروج عليه) أي على الإمام وجوّزت المعتزلة الخروج على الجائر لانعزاله بالجور عندهم. (ولا يجب على الله) تعالى (شيء) لأنه خالق الخلق، فكيف يجب لهم عليه شيء، ولأنه لو وجب عليه شيء لكان لموجب ولا موجب غير الله، ولا يجوز أن يكون بإيجابه على نفسه لأنه غير معقول وأما نحو ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ فليس من باب الإيجاب والإلزام بل من باب التفضل والإحسان. وقالت المعتزلة يجب عليه أشياء منها الجزاء على الطاعة والعقاب على المعصية ومنها اللطف بأن يفعل في عباده ما يقرّبهم إلى الطاعة ويبعدهم عن المعصية بحيث لا ينتهون إلى حدّ الإلجاء، ومنها الأصلح لهم في الدنيا من حيث الحكمة والتدبير.
(
ونرى) أن نعتقد (أن خير البشر بعد الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أبو بكر) خليفة نبينا (فعمر فعثمان فعليّ) أمراء المؤمنين ﵃ لإطباق السلف على خيرتهم عند الله بهذا الترتيب، وقالت الشيعة، وكثير من المعتزلة الأفضل بعد الأنبياء عليّ، وذكر خيرية الأربعة على أمم غير نبينا من زيادتي. (و) نرى (براءة عائشة) ﵂ من كل ما قذفت به لنزول القرآن ببراءتها قال تعالى ﴿إن الذين جاءوا بالإفك﴾
стр. 158
الآيات. (ونمسك عما جرى بين الصحابة) من المنازعات والمحاربات التي قتل بسببها كثير منهم، فتلك دماء طهر الله منها أيدينا فلا نلوث بها ألسنتنا، ولأنه ﷺ مدحهم وحذر عن التكلم فيما جرى بينهم فقال «إياكم وما شجر بين أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» . (ونراهم مأجورين) في ذلك، لأنه مبني على الاجتهاد في مسألة ظنية للمصيب فيها أجران على اجتهاده وإصابته وللمخطىء أجر على اجتهاده كما في خبر الصحيحين «إن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» . (و) نرى (أن أئمة المذاهب) الأربعة (وسائر أئمة المسلمين) أي باقيهم (كالسفيانين) الثوري وابن عيينة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وداود الظاهري. (على هدى من ربهم) ، في العقائد وغيرها ولا التفات لمن تكلم فيهم بما هو بريئون منه. (و) نرى (أن) أبا الحسن (الأشعري) وهو من ذرّية أب موسى الأشعري الصحابي (إمام في السة) أي الطريقة المعتقدة (مقدّم) فيها على غيره ولا النفات لمن تكلم فيه بما هو برءي منه. (و) نرى (أن طريق) الشيخ أبي القاسم (الجنيد) سيد الصوفية علما وعملاً (طريق مقوّم) أي مسدّد لأنه خال من البدع دائر على التسليم والتفويض والتبرّي من النفس، ومن كلامه الطريق إلى الله تعالى مسدود على خلقه لا على المقتفين، آثار رسول الله ﷺ ، وكان يتستر بالفقه، ويفتي على مذهب شيخه أبي ثور ولا التفات
لمن رماه وأتباعه بالزندقة عند الخليفة السلطان أبي الفضل جعفر المقتدر. (ومما لا يضرّ جهله) في العقيدة بخلاف ما قبله في الجملة، (وتنفع معرفته) فيها ما يذكر إلى الخاتمة، وهو (الأصح أن وجود الشيء) في الخارج واجبا كان أو ممكنا. (عينه) أي ليس زائدا عليه وقيل غيره أي زائدا عليه بأن يقوم به من حيث هو أي من غير اعتبار الوجود والعدم وإن لم يخل عنهما وقيل عينه في الواجب وغيره في الممكن، وعلى الأصح. (فالمعدوم) الممكن الوجود (ليس) في الخارج (بشيء ولا ذات ولا ثابت) أي لا حقيقة له في الخارج، وإنما يتحقق بوجوده فيه (و) الأصح (أنه) أي المعدوم المذكور (كذلك) أي ليس في الخارج بشيء ولا ذات ولا ثابت (على المرجوح) . وقالت طائفة من المعتزلة إنه شيء أي حقيقة متقرّرة. (و) الأصح (أن الاسم) هو (المسمى) ، وقيل غيره كما هو المتبادر فلفظ النار مثلاً غيرها، والمراد بالأول المنقول عن الأشعري في اسم الله وعن غيره مطلقا أن الاسم المدلول والمسمى في الجامد الذات من حيث هي، وفي المشتق عند الأشعري الذات باعتبار الصفة وعند غيره هما معا، فالإسلام في الجامد عند الأشعري وغيره هو المسمى، فلا يفهم من اسم الله مثلاً سواه، وفي المشتق عنده غيره إن كان صفة فعل كالخالق ولا عينه ولا غيره إن كان صفة ذات كالعالم وعند غيره هو المسمى كما في الجامد، ولا يخفى أن الخلاف فيما ذكر لفظي. (و) الأصح (أن أسماء الله توقيفية)
стр. 159
أي لا يطلق عليه اسم إلا بتوقيف من المشرّع. وقالت المعتزلة ومن وافقهم يجوز أن يطلق عليه الأسماء الائق معناها به، وإن لم يرد بها الشرع.
(و) الأصح (أن للمرء أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله) وإن اشتمل على التعليق خوفا من سوء الخاتمة المجهولة وهو الموت على الكفر والعياذ بالله تعالى، ودفعا لتزكية النفس أو تبركا بذكر الله تعالى، أو تأدّبا وإحالة للأمور على مشيئة الله تعالى، فهو أعم من قوله يقول أنا مؤمن إن شاء الله خوفا من سوء الخاتمة. (لا شكا في الحال) في الإيمان، فإنه في الحال متحقق له جازم باستمراره عليه إلى الخاتمة التي يرجو حسنها ومنع أبو حنيفة وغيره أن يقول ذلك لإيهامه الشك المذكور، ويردّ بأن إيهام الشك لا يقتضي منع ذلك وإنما يقتضي أنه خلاف الأولى وهو كذلك، إذ الأولى الجزم كما جزم به السعد التفتازاني كغايره أما إذا قاله شكا في إيمانه فهو كافر. (و) الأصح (أن تمتيع الكافر) أي تمتيع الله له بمتاع الدنيا. (استدراج) من الله له حيث يمتعه مع علمه بإصراره على الكفر إلى الموت فهو نقمة عليه يزداد بها عذابه كالعسل المسموم. وقالت المعتزلة إنه نعمة يترتب عليها الشكر وتعبيري بتمتيع أولى من تعبيره بملاذ لسلامته من التجوز في إطلاق الاستدراج على الملاذ لأنه معنى وهي أعيان، (و) الأصح (أن المشار إليه بأنا الهيكل المخصوص) المشتمل على النفس، لأن كل عاقل إذا قيل له ما الإنسان يشير إلى هذه البنية المخصوصة، ولأن الخطاب متوجه إليها. وقال أكثر المعتزلة وغيرهم هو النفس لأنها المدبرة، وقيل مجموع الهيكل والنفس كما أن الكلام اسم لمجموع اللفظ والمعنى، (و) الأصح (أن الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ ثابت) في الخارج، وإن لم ير عادة إلا بانضمامه إلى غيره ونفاه الحكماء (و) الأصح (أنه لا حال أي لا واسطة بين الموجود والمعدوم) ، وقيل إنها ثابتة كالعالمية واللونية للسواد مثلاً، وعلى الأول ذلك ونحوه من المعدوم، لأنه أمر اعتباري والقائل بالثاني عرفها بأنها صفة لموجود لا توصف بوجود ولا عدم، أي أنها غير موجودة في الأعيان ولا معدومة في
الأذهان. (و) الأصح (أن النسب والإضافات أمور اعتبارية) يعتبرها العقل لا وجود لها في الخارج كما هو عند أكثر المتكلمين قالوا إلا الأين فموجود وسموه كونا وجعلوا أنواعه أربعة الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وقال أقلهم والحكماء الأعراض النسبية موجودة في الخارج وهي سبعة الأين وهو حصول الجسم في المكان والمتى وهو حصول الجسم في الزمان، والوضع وهو هيئة تعرض للجسم باعتبار نسبة أجزائه بعضها إلى بعض ونسبتها إلى الأمور الخارجة عنه كالقيام والانتكاس والملك وهو هيئة تعرض للجسم باعتبار ما يحيط به، وينتقل بانتقاله كالتقمص والتعمم، وأن انفعل وهو تأثير الشيء في غيره ما دام يؤثر، وأن ينفعل وهو تأثر الشيء عن غيره ما دام يتأثر كحال المسخن ما دام يسخن والمتسخن ما دام يتسخن، والإضافة وهي نسبة تعرض للشيء بالقياس إلى نسبة أخرى كالأبوة والبنوة وهذه السبعة من جملة المقولات العشرة والثلاثة الباقية الجوهر والكم والكيف وهي معروفة في الكتب الكلامية، وبما تقرر علم أن قولي كغيري والإضافات من عطف الخاص على العام، وإنما لم أعبر عنها بالنسب لأن فيها كلاما مر. وأحيل على ذكرها هنا. (و) الأصح (أن العرض لا يقوم بعرض)
стр. 160
وإنما يقوم بالجوهر الفرد أو المركب. أي الجسم كما مر وجوز الحكماء قيامه بالعرض، إلا أنه بالآخرة تنتهي سلسلة الأعراض إلى جوهر أي جوزوا اختصاص العرض بالعرض اختصاص النعت بالمنعوت كالسرعة والبطء للحركة، وعلى الأول هما عارضان للجسم وليسا بعرضين زائدين على الحركة، لأنها أمر ممتد يتخلله سكنات أقل أو أكثر باعتبارها تسمى الحركة سريعة وبطيئة.
(و) الأصح أن العرض (لا يبقى زمانين) بل ينقضي ويتجدّد مثله بإرادته تعالى في الزمان الثاني، وهكذا على التوالي حتى يتوهم من حيث المشاهدة أنه مستمر باق. وقال الحكماء إنه يبقى إلا الحركة والزمان والأصوات. (و) الأصح أن العرض (لا يحل محلين) وإلا لأمكن حلول الجسم الواحد في مكانين في حالة واحدة وهو محال، وقال قدماء الفلاسفة القرب ونحوه مما يتعلق بطرفين يحل محلين، وعلى الأول قرب أحد الطرفين مخالف لقرب الآخر بالشخص وإن تشاركا في الحقيقة. (و) الأصح (أن) العرضين (المثلين) بأن يكونا من نوع (لا يجتمعان) في محل واحد إذ لو قبلهما المحل لقبل الضدين، إذ القابل لشيء لا يخلو عنه أو عن مثله أو عن ضده واللازم باطل وجوزت المعتزلة اجتماعهما محتجين بأن الجسم المغموس في الصبغ ليسودّ يعرض له سواد، ثم آخر فآخر إلى أن يبلغ غاية السواد بالمكث. قلنا عروض السواد آت له ليس على وجه الاجتماع بل على وجه البدل فيزول الأول ويخلفه الثاني، وهكذا بناء على أن العرض لا يبقى زمانين كما مر، (كالضدين) . فإنهما لا يجتمعان كالسواد والبياض لا كالبياض والخضرة لأنهما ليسا في غاية الخلاف (بخلاف الخلافين) ، وهما أعم من الضدين فإنهما يجتمعان كالسواد والحلاوة، وفي كل من الأقسام يجوز ارتفاع الشيئين نعم يمتنع في ضدّين لا ثالث لهما. (والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان) كالقيام وعدمه، ودليل الحصر فيما ذكر أن المعلومين إن أمكن اجتماعهما فالخلافان والافان لم يمكن ارتفاعهما فالنقيضان أو الضدان اللذان لا ثالث لهما، وإلا فإن اختلفت حقيقتهما فالضدان اللذان لهما ثالث وإلا فالمثلان، وفائدته أنه لا يخرج عن الأربعة شيء إلا ما تفرد الله به لأنه تعالى ليس ضدًّا لشيء ولا نقيضا ولا خلافا ولا مثلاً.
(و) الأصح (أن أحد طرفي الممكن) وهما الوجود والعدم (ليس أولى به) من الآخر، بل هما بالنظر إلى ذاته جوهرا كان أو عرضا على السواء، وقيل العدم أولى به مطلقا لأنه أسهل وقوعا في الوجود لتحققه بانتفاء شيء من أجزاء العلة التامة للوجود المفتقر في تحققه إلى تحقق جميعها، وقيل أولى به في الأعراض السيالة كالحركة والزمان والصوت دون غيرها وقيل الوجود أولى به عند وجود العلة وانتفاء الشرط لوجود العلة وإن لم يوجد هو لانتفاء الشرط. (و) الأصح (أن) الممكن (الباقي محتاج) في بقائه، (إلى مؤثر) ، كما يحتاج إليه في ابتداء وجوده، وقيل لا كما لا يحتاج بقاء البناء بعد بنائه إلى فاعل. (سواء) على الأول (قلنا إن علة احتياج الأثر) أي الممكن في وجوده (إلى المؤثر) أي العلة التي لاحظها العقل في ذلك، (الإمكان) أي استواء الطرفين بالنظر إلى الذات) (أو الحدوث) أي الخروج من العدم إلى الوجود، (أو هما) على أنهما (جزآ علة أو الإمكان بشرط الحدوث) وهي (أقوال) فيحتاج الممكن في بقائه إلى مؤثر على الأول، لأن الإمكان لا ينفك عنه، وعلى جميع بقيتها، لأن شرط بقاء الجوهر العرض والعرض لا يبقى زمانين فيحتاج في كل زمان إلى المؤثر. (و) الأصح (أن المكان) الذي لا خفاء في أن الجسم ينتقل عنه، وإليه ويسكن فيه فيلاقيه بالمماسة أو النفوذ كما سيأتي معناه اصطلاحا. (بعد مفروض) أي مقدر (ينفذ فيه بعد الجسم وهو) أي هذا البعد. (الخلاء والخلاء جائز عندنا والمراد به كون الجسمين لا يتماسان ولا) يكون (بينهما ما يماسهما) ، فهذا الكون الجائز هو الخلاء الذي هو معنى
стр. 161
البعد المفروض الذي هو معنى المكان فيكون خاليا عن الشاغل، وقيل المكان السطح الباطن للحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوى كالسطح الباطن للكوز المماس للسطح الظاهر من الماء الكائن فيه، وقيل هو بعد موجود ينفذ فيه بعد الجسم بحيث ينطبق عليه، وخرج بقيد النفوذ فيه بعد الجسم، والترجيح من زيادتي،
وعلى ما رجحته جمهور المتكلمين والقولان بعده للحكماء أوّلهما لأرسطو وأتباعه، وعليه بعض المتكلمين، وثانيهما لشيخه أفلاطون وأتباعه، وخرج بزيادتي عند الحكماء فمنعوا الخلاء أي خلوّ المكان بمعناه عندهم عن الشاغل إلا بعض قائلي الثاني فجوزوه، واحتج مجوزه بأنه لو لم يكن في العالم خلاء، بل كان العالم كله ملأ لزم من تحرك بقة تدافع العالم بأسره وهو باطل، واحتج مانعه بأن الماء إذا صبّ في إناء مشبك أعلاه، فإن الهواء يخرج عند صبّ الماء لمزاحمة الهواء له حتى يسمع لهما صوت عند تزاحمهما، أما معنى المكان لغة، فقال ابن جني ما حاصله ما وجد فيه سكون أو حركة.
(و) الأصح (أن الزمان) معناه اصطلاحا (مقارنة متجدّد موهوم لمتجدد معلوم) إزالة للإبهام من الأول بمقارنته للثاني كما في آتيك عند طلوع الشمس، وقيل هو جوهر ليس بجسم ولا جسماني.، أي داخل في الجسم فهو قائم بنفسه مجرد عن المادة، وقيل فلك معدّل النهار وهو جسم سميت دائرته أي منطقة البروج منه بمعدل النهار لتعادل الليل والنهار في جميع البقاع عند كون الشمس عليها، وقيل عرض فقيل حركة معدل النهار، وقيل مقدارها، والقول الأصح قول المتكلمين والأقوال بعده للحكماء، أما معناه لغة فالمدة من ليل أو نهار. (ويمتنع تداخل الجواهر) هو أعم من قوله تداخل الأجسام أي دخول بعضها في بعض على وجه النفوذ فيه من غير زيادة في الحجم لما فيه من مساواة الكل للجزء في العظم. (و) يمتنع (خلوّ الجوهر) مفردا كان أو مركبا (عن كل الأعراض) بأن لا يقوم به واحد منها بل يجب أن يقوم به عند وجوده شيء منها لأنه لا يوجد بدون التشخص والتشخص، إنما هو بالأعراض (والجسم غير مركب منها) لأنه يقوم بنفسه بخلافها. (وأبعاده) أي الجسم من طول وعرض وعمق (متناهية) أي لها حدود تنتهي إليها وزعم بعضهم أن لها حدودا لا نهاية لها، وتعبيري بالجسم أولى من تعبيره بالجوهر، (والمعلول يعقب علته رتبة) اتفاقا.
(والأصح) ما قاله الأكثر وصححه النووي في أصل الروضة (أنه يقارنها زمانا) عقلية كانت كحركة المفتاح بحركة اليد أو وضعية بوضع الشارع أو غيره كقولك لعبدك إن دخلت الدار فأنت حرّ، وكقول النحاة الفاعلية علة للرفع، وقيل يعقبها مطلقا، واختاره الأصل تبعا لوالده، لأنه لو قال لغير موطوءة إذا طلقتك فأنت طالق، ثم قال لها أنت طالق وقعت المنجزة دون المعلقة فلو قارن المعلول علته لوقعت المعلقة أيضا، وقد يردّ بأن عدم وقوعها لتقدم المنجزة رتبة فلم يكن المحل قابلاً للطلاق، وقيل يعقبها إن كانت وضعية لا عقلية. (و) الأصح (أن اللذة) الدنيوية من حيث تعيين مسماها، وإن كانت في نفسها بديهية. (ارتياح) أي نشاط للنفس. (عند إدراك) لما يلائم الارتياح. (فالإدراك ملزومها) أي ملزم اللذة لا نفسها، وقيل هي الخلاص من الألم بأن تدفعه، وردّ بأنه قد يلتذ بشيء من غير سبق ألم بضده كمن وقف على مسألة علم أو كنز مال فجأة ومن غير خطورهما بالبال وألم الشوق إليهما، وقيل هي إدراك الملائم فإدراك الحلاوة لذة تدرك بالذائقة، وإدراك الجمال لذة تدرك بالباصرة، وإدراك حسن الصوت لذة تدرك بالسامعة. وقال الإمام الرازي هي في الحقيقة ما يحصل بإدراك المعارف العقلية. قال وما يتوهم من لذة حسية كقضاء شهوتي البطن والفرج أو خيالية كحب الاستعلاء والرياسة فهو في الحقيقة دفع آلام بلذة الأكل والشرب والجماع دفع ألم الجوع والعطش ودغدغة المنيّ لأوعيته، ولذة الاستعلاء والرياسة دفع ألم القهر والغلبة. (ويقابلها) أي اللذة (الألم) فهو
стр. 162
على الأول انقباض عند إدراك ما لا يلائم، وعلى الثاني ما يحصل ما يؤلم، وعلى الثالث إدراك غير الملائم، وعلى الرابع ما يحصل عند عدم إدراك المعارف. (وما تصوّره العقل إما واجب أو ممتنع أو ممكن) لأن ذات المتصوّر إما أن تقتضي وجوده في الخارج أو عدمه أو لا تقتضي شيئا منهما بأن يوجد تارة، ويعدم أخرى. والأول الواجب، والثاني
الممتنع، والثالث الممكن، وكل منهما لا ينقلب إلى غيره لأن مقتضى الذات لازم لها لا يعقل انفكاكه عنها.
خاتمة فيما يذكر من مبادىء التصوّف
وهو تجريد القلب لله واحتقار ما سواه أي بالنسبة إلى عظمته تعالى، ويقال ترك الاختيار، ويقال الجد في السلوك إلى ملك الملوك، ويقال غير ذلك كما هو مذكور في شرحي لرسالة الإمام العارف بالله تعالى أبي القاسم القشيري، وكل منها ناظر إلى مقام قائله بحسب ما غلب عليه، فرآه الركن الأعظم فاقتصر عليه كما في خبر «الحج عرفة» . ولما كان مرجح التصوّف عمل القلب والجوارح افتتحت كالأصل بأسّ العمل فقلت
(أوّل الواجبات المعرفة) أي معرفة الله تعالى. (في الأصح) ، لأنها مبنى سائر الواجبات، إذ لا يصح بدونها واجب، بل ولا مندوب، وقيل أوّلهاالنظر المؤدي إلى المعرفة لأنه مقدمتها، وقيل أوّلها أول النظر لتوقف النظر على أوّل أجزائه، وقيل أولها القصد إلى النظر لتوقف النظر على قصده، والكل صحيح، ورجح الأول لأن المعرفة أول مقصود وما سواها مما ذكر أول وسيلة. (ومن عرف ربه) بما يعرف به من صفاته (تصوّر تبعيده) لعبده بإضلاله (وتقريبه) له بهدايته، (فخاف) من تبعيده عقابه (ورجا) بتقريبه ثوابه، (فأصغى) حينئذ (إلى الأمر والنهي) منه تعالى، (فارتكب) مأموره. (واجتنب) منهيه (فأحبه) حينئذ (مولاه فكان) ، مولاه (سمعه وبصره ويده واتخذه وليا إن سأله أعطاه وإن استعاذ به أعاذه) هذا مأخوذ من خبر البخاري «وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، وإن استعاذ بي لأعيذنه» . والمراد أنه تعالى يتولى محبوبه في جميع أحواله فحركاته وسكناته به تعالى، كما أن أبوي الطفل لمحبتهما له يتوليان جيع أحواله، فلا يأكل إلا بيد أحدهما ولا يمشي إلا برجله إلى غير ذلك. (وعليّ الهمة) بطلبه العلوّ الأُخروي (يرفع نفسه) بالمجاهدة (عن سفساف الأمور) أي دنيئها من الأخلاق المذمومة كالكبر والغضب والحقد والحسد وسوء الخلق وقلة الاحتمال. (إلى معاليها) من الأخلاق المحمودة كالتواضع والصبر وسلامة الباطن والزهد وحسن الخلق وكثرة الاحتمال، وهذا مأخوذ من خبر البيهقي والطبراني «إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها» . (ودنيء الهمة) بأن لا يرفع نفسه بالمجاهدة عن سفساف الأمور، (لا يبالي) بما تدعوه نفسه إليه من المهلكات، (فيجهل) أمر دينه (ويمرق من الدين فدونك) أيها المخاطب بعد أن عرفت حال عليّ الهمة ودنيئها، (صلاحا) لك بعملك الصالح (أو
فسادا) لك بعملك السيىء. أو سعادة) لك برضا اصلى الله عليه وسلّم عليك بإخلاصك.
стр. 163
(واعرض) على نفسك (التوبة) حيث ذكرت الموت وخفت مقت ربك وذكرت سعة رحمته لتتوب عما فعلت فتقبل ويعفى عنك فضلاً منه تعالى. (وهي الندم) على الذنب من حيث إنه ذنب، فالندم على شرب الخمر لإضراره بالبدن ليس بتوبة، ولا يجب استدامة الندم كل وقت، بل يكفي استصحابه حكما بأن لا يقع ما ينافيه. (وتتحقق) التوبة (بالإقلاع) عن الذنب (وعزم أن لا يعود) إليه (وتدارك ما يمكن تداركه) من حق نشأ عن الذنب كحق القذف فيتداركه بتمكين مستحقه من المقذوف أو وارثه ليستوفيه أو يبرئه منه، فإن لم يمكن تداركه كأن لم يكن مستحقه موجودا سقط هذا الشرط كما يسقط في توبة ذنب لا ينشأ عنه حق الآدمي، وكذا يسقط الإقلاع في توبة ذنب بعد الفراغ منه كشرب خمر، فالمراد بتحقق التوبة بهذه الشروط أنها لا تخرج فيما تتحقق به عنها لا أنه لا بد منها في كل توبة. (والأصح صحتها) أي التوبة (عن ذنب ولو نقضت) بأن عاود التائب ذنبا تاب منه فهذه المعاودة لا تبطل التوبة السابقة، بل هي ذنب آخر يوجب التوبة، وقيل لا تصح التوبة السابقة (أو) كانت التوبة (مع الإصرار على) ذنب (كبير) ، وقيل لا تصح (و) الأصح (وجوبها عن) ذنب (صغير) ، وقيل لا تجب لتكفيره باجتناب الكبائر، قال تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ .
(وإن شككت في الخاطر أمأمور) به (أم منهي) عنه (فأمسك) عنه حذرا من الوقوع في المنهى عنه. (ففي متوضىء يشك) في (أن ما يغسله) غسلة (ثالثة) فتكون مأمورا بها. (أو رابعة) فتكون منهيا عنها. (قيل) أي قال الشيخ أبو محمد الجويني. (لا يغسل) خوف الوقوع في المنهي عنه، والأصح أنه يغسل لأن التثليث مأمور به ولم يتحقق قبل هذه الغسلة ويأتى بها. (وكل واقع) في الوجود ومنه الخاطر وفعله وتركه كائن. (بقدرة الله وإرادته فهو) تعالى (خالق كسب العبد) أي فعله الذي هو كاسبه لا خالقه بأن (قدّر) الله (له قدرة) هي استطاعته (تصلح للكسب لا للإيجاد) ، بخلاف قدرة الله فإنها للإيجاد لا للكسب، (فالله) تعالى (خالق لا مكتسب والعبد بعكسه) أي مكتسب لا خالق فيثاب ويعاقب على مكتسبه الذي يخلقه الله عقب قصده له، وهذا أي كون فعل العبد مكتسبا له مخلوقا لله توسط بين قول المعتزلة إن العبد خالق لفعله لأنه يثاب ويعاقب عليه، وقول الجبرية إنه لا فعل للعبد أصلاً، وهو آلة محضة كالسكين بيد القاطع، وقد يقع في كلام بعض العارفين ما يوهم الخبر من نفيهم الاختيار، والفعل عن أنفسهم، ومرادهم عدم الملاحظة لذلك لاستغراقهم في النظر إلى ما منه تعالى لا إلى ما منهم.
(والأصح أن قدرته) أي العبد وهي صفة يخلقها الله عقب قصد الفعل بعد سلامة الأسباب والآلات. (مع الفعل) ، لأنها عرض فلا تتقدم عليه وإلا لزم وقوعه بلا قدرة لامتناع بقاء الأعراض، وقيل قبله لأن التكليف قبله فلو لم تكن القدرة قبله لزم تكليف العاجز، وردّ بأن صحة التكليف تعتمد القدرة بمعنى سلامة الأسباب والآلات لا بالمعنى السابق، وهذا من زيادتي. وإذا كان العبد مكتسبا لا خالقا لكون قدرته للكسب لا للإيجاد وكانت قدرته مع الفعل، (فـ) ـنقول (هي) أي القدرة من العبد. (لا تصلح للضدين) أي التعلق بهما، وإنما تصلح للتعلق بأحدهما وهو ما يقصده العبد، إذ لو صلحت للتعلق بهما لزم اجتماعهما لوجوب مقارنتهما للقدرة المتعلقة، بل قالوا إن القدرة الواحدة لا تتعلق بمقدورين مطلقا سواء أكانا متضادين أم متماثلين
стр. 164
أم مختلفين لا معا ولا على البدل، والقول بأنها تصلح للتعلق بالضدين على البدل فتتعلق بهذا بدلاً عن تعلقها بالآخر، وبالعكس إنما يستقيم تفريعه على أنها قبل الفعل لا معه الذي الكلام فيه، أما على القول بأن العبد خالق لفعله فقدرته كقدرة الله تعالى، فتوجد قبل الفعل وتصلح للتعلق بالضدين على البدل لا على الجمع لأن القدرة إنما تتعلق بالممكن واجتماع الضدين ممتنع.
(و) الأصح (أن العجز) من العبد (صفة وجودية تقابل القدرة تقابل الضدين) . وقيل هو عدم القدرة عما من شأنه القدرة فالتقابل بينهما تقابل العدم والملكة كما أن الأمر كذلك على القول، بأن العبد خالق لفعله، فعلى الأول في الزمن معنى لا يوجد في الممنوع من الفعل مع اشتراكهما في عدم التمكن من الفعل، وعلى الثاني لا بل الزمن ليس بقادر والممنوع قادر أي من شأنه القدرة بطريق جري العادة. (و) الأصح (أن التفضيل بين التوكل والاكتساب يختلف باختلاف الناس) فمن يكون في توكله لا يتسخط عند ضيق الرزق عليه، ولا يتطلع لسؤال أحد من الخلق، فالتوكل في حقه أفضل لما فيه من الصبر والمجاهدة للنفس، ومن يكون في توكله بخلاف ما ذكر، فالاكتساب في حقه أفضل حذرا من التسخط والتطلع، وقيل الأفضل التوكل، وهو هنا الكف عن الاكتساب والإعراض عن الأسباب اعتمادا للقلب على الله تعالى، وقيل الأفضل الاكتساب وإذا اختلف التفضيل بينهما باختلاف الناس، (فإرادة التجريد) عما يشغل عن الله تعالى. (مع داعية الأسباب) من الله في مريد ذلك (شهوة خفية) من المريد، (وسلوك الأسباب) الشاغلة عن الله (مع داعية التجريد) من الله في سالك ذلك. (انحطاط) له (عن الرتبة العلية) إلى الرتبة الدنية، فالأصلح لمن قدر الله فيه داعية الأسباب سلوكها دون التجريد ولمن قدر الله فيه داعية التجريد سلوكه دون الأسباب. (وقد يأتي الشيطان) للإنسان (باطراح جانب الله تعالى في صورة الأسباب أو بالكسل في صورة التوكل) ، كيدا منه، كأن يقول لسالك التجريد الذي سلوكه له أصلح من تركه له إلى متى تترك الأسباب، ألم تعلم أن تركها يطمع القلوب لما في أيدي الناس، فاسلكها لتسلم من ذلك، وينتظر غيرك منك ما كنت تنتظره من غيرك ويقول لسالك الأسباب الذي سلوكه لها أصلح من تركه لها لو تركتها وسلكت التجريد، فتوكلت على الله لصفا قلبك، وأتاك ما يكفيك من عند الله فاتركها ليحصل لك ذلك. فيؤدّي تركها الذي هو
غير أصلح له إلى الطلب من الخلق والاهتمام بالرزق.
(والموفق يبحث عنهما) أي عن هذين الأمرين اللذين يأتي بهما الشيطان في صورة غيرهما لعله أن يسلم منهما، (ويعلم) مع بحثه عنهما، (أنه لا يكون إلا ما يريد) الله كونه أي وجوده منهما أو من غيرهما.
(وقد تمّ الكتاب) أي لبّ الأصول، (بحمد الله وعونه جعلنا الله به) ، لما أملناه من كثرة الانتفاع به، (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين﴾ أي أفاضل أصحاب النبيين لمبالغتهم في الصدق والتصديق، (والشهداء) أي القتلى في سبيل الله، (والصالحين) غير من ذكر، (وحسن أولئك رفيقا) أي رفقاء في الجنة بأن نستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كان مقرهم في درجات عالية بالنسبة إلى غيرهم، ومن فضل الله تعالى على غيرهم أنه قد رزق الرضا بحاله، وذهب عنه اعتقاد أنه مفضول انتفاء للحسرة في الجنة التي تختلف المراتب فيها على قدر الأعمال، وعلى قدر فضل الله على من يشاء من عباده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.