← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9118

مذكراتي السياسية

عبد الحميد الثاني

Полный текст (184 стр.). Показаны 176–184 · переход к 181.

стр. 176

الشخصية أَكثر من مرّة تعرضت للانتقاد بِسَبَب عيشي عيشة انزواء أحسست فِيهَا دَائِما بالرحة ان الانسان ينشأ تَحت تَأْثِير الظروف الَّتِي هُوَ فِيهَا وللتربية والتعليم دور خَاص وعظيم فِي هَذِه النشأة لَعَلَّهُم ينسون الظروف الَّتِى نشأت وترعرعت فِيهَا لقد عَاشَ أخوتي من بَنِينَ وَبَنَات حَيَاة مليئة بالْعَطْف والدلال بَيْنَمَا كَانَ أبي يعاملني مُعَاملَة سَيِّئَة وقاسية لاسباب أجهلها لم يعْطف على سوى أخي مُرَاد الْمِسْكِين كَانَت حَياتِي مُنْذُ بدايتها متسمة بالجدية مَا أَحْبَبْت اللّعب أبدا بدأت أفكر فِي الْكَوْن والوجود وَأَنا فِي مقتبل الْعُمر وَكَانَ حبي للخيال سَببا فِي تعرضي لزجر أساتذتي وتكدير وَالِدي وَقد أدّى عدم تفهم النَّاس لافكاري الى انطوائي على نَفسِي انطواء كَامِلا

стр. 177

وعندما اعتليت كرْسِي الحكم خلفا لاخي وجدت نَفسِي محاطا بأناس يُرِيدُونَ تقييدي بشباك من المؤامرات والدسائس ولكي أحافظ على حَياتِي وعرشي قررت أَن أرد مَكْرهمْ بمكر أدهى وَأمر وَلَقَد عرفت وليتني مَا عرفت طباع النَّاس فِي حبهم المنحرف لملذات الْحَيَاة وارتضائهم الذل فِي سَبِيلهَا كنت أشعر بالقرف من التزلف الذَّلِيل فاذا كَانَ ابتعادي عَن النَّاس صَحِيحا فَذَلِك هُوَ النتيجة الطبيعية لما تعرضت لَهُ فِي هَذِه الْحَيَاة أما الَّذين يعرفونني من قرب فانهم يعْرفُونَ أنني رجل لين طيب الْقلب كَمَا أَن حَياتِي العائلية تثبت بأنني رَحِيم الْقلب ومحتاج للحب والعطف أَرْكَان الْقصر تظن الصحافة الاوربية أننى أحكم الامبراطورية العثمانية تَحت تَأْثِير بعض أَرْكَان الْقصر وتبدي قلقها ازاء هَذَا الْوَضع المزعوم لَا بُد لكل حَاكم من مستشارين وأمناء سر وأمراء أوربا

стр. 178

محاطون بأناس حريصين على كسب الثِّقَة والتأثير بشتى الْوَسَائِل أما أَنا فيمكنني أَن أَقُول بأنني لم أقع تَحت تَأْثِير أى رجل استشرته أنني بطبيعة الْحَال أستشير أحد الْكتاب حينا وَأحد أُمَنَاء السِّرّ حينا آخر وَأحد الوزراء اذا اقْتضى الامر لَكِن الْقَرار دَائِما هُوَ الْقَرار الذى أتخذه بمفردي أعرف جيدا أَن كبار الموظفين فِي (يلدز (أنَاس غيورون وَأَنَّهُمْ لَا ينفكون يدبرون الدسائس لكل من هُوَ محظوظ لدينا أعرف مَا يجب على أَن أقوم بِهِ حِيَال هَؤُلَاءِ المتآمرين أعلم أَن نَاظر البحرية (حسن باشا (رجل يحب أَن يملاء جيوبه بِالْمَالِ ومدرك بِأَن الشّعب ينظر الى (عزت باشا (شزرا لكنه انسان يتَمَيَّز برجاحة عقله واخلاصه أما نَاظر الخارجية (توفيق باشا (فَرجل عفيف وجرىء ومثالي أعجب الديبلوماسيين قاطبة فَلم يُرِيدُونَ منى تَبْدِيل هَؤُلَاءِ بغيرهم كَيفَ يُرِيدُونَ مني أَن أستبدل (توفيق باشا (بِرَجُل لَا يملك الاصالة وَلَا الصفاء تافه لَا يُؤمن إِلَّا بالمكر وَالْخداع أما (عصمت (فَلَا يجانب الصدْق قطّ انه لَيْسَ بذى عقل علمي رياضي لكنه صَاحب رَأْي سليم أستمع اليه وأستفيد من رَأْيه أَجِدهُ محببا الى نَفسِي بصدقه واخلاصه ثمَّ بِكَوْنِهِ أَخا لي فِي الرَّضَاع

стр. 179

الموسيقا وصلتني فِي أحد الايام ثَلَاث نوطات موسيقية أعدت لشرفي لقد زَاد الامر عَن حَده فَبلغ عدد الملحنين الَّذين أهدوني قطعات موسيقية الالفين من أُمَم وقوميات مُخْتَلفَة فَكيف نكافىء هَذَا الْعدَد الضخم من النَّاس على سفرائنا أَن يَكُونُوا أَكثر يقظة كي أستريح من عناء هَؤُلَاءِ السَّادة الملحنين لم نعامل هَؤُلَاءِ كَمَا يعاملهم غَيرنَا من الْحُكَّام بل قلدناهم أوسمة وَأَرْسَلْنَا اليهم كتب ثَنَاء فاصبحنا تَحت ضغط عدد هائل من المؤلفات الشعرية والموسيقية وَلَو اكتفينا بتوجيه رسائل شكر دون الْهَدَايَا لكادوا يتميزون من الغيظ انه لم يحث أَن قَامَ امبراطور ألمانيا وَلَا غَيره بتكريم من أهداه أثرا من آثاره الا مَا ندر فَهَل من الضَّرُورِيّ أَن أقدم الْهَدِيَّة لكل من تمكن من الْوُصُول الى استانبول وَدخل الْقصر مَعَ سفير بِلَاده ليدفع الينا أثرا من آثاره ناهيك عَن أنني لَا أتذوق موسيقاهم الاصيلة لَا شكّ أَن هَذِه المؤلفات تتطلب جهدا عَظِيما لكني أحب الموسيقا الهادئة دون مَا يكد الذِّهْن مِنْهَا وَلست من عشاق الموسيقا كي أحب الموسيقا الكلاسيكية ان لِابْني برهَان الدّين اسْتِعْدَادًا قَوِيا للموسيقى والمقطوعات الَّتِي ألفها تسر سامعيها وَأَنا أطرب عِنْد سَمَاعي لمؤلفاته وَقد علمت أَن الامير الشَّاعِر نيكيتا مونتزغو اهتز طَربا عِنْد سَمَاعه الاحدى المقطوعات الَّتِى ألفها ابْني برهَان الدّين

стр. 180

(عبد الحميد الشحيح ( أعلم أَن بعض النَّاس ينعتونني بالشح فَلَا أحتد لهَذَا النَّعْت بل أعتبره مدحا لي أعرف كَيفَ أنظم حساباتي وَلَا أحب أَن ألقِي مَالِي هُنَا وَهُنَاكَ اسرافا تعلمت الارقام وَأَنا فِي السنوات الاولي من عمري شهِدت حَيَاة البذخ الَّتِى كَانَ يعيشها عمي وشاهدت عَن قرب النتائج المؤسفة لهَذَا التبذير أَلَيْسَ الاسراف هُوَ الَّذِي أوصل امبراطوريتنا الى مَا وَرَاء الافلاس لم يحدث أَن صرفت أَمْوَالًا على لَهو أَو على أُمُور يُمكن أَن تجر الْبِلَاد الى ضائقة مَالِيَّة كَمَا حدث عِنْد كثير من الْحُكَّام انني مَدين بحالتي المادية الجيدة للمحاسبة الدقيقة والاستثمار الْمَعْقُول الْحَقِيقَة أَن تكاليف الْقصر كَبِيرَة لَكِن الْبَعْض يُبَالغ كثيرا فِي هَذِه التكاليف اننا اذا أَخذنَا فِي اعْتِبَارا كثيرا من العوائل الَّتِي تعيش على حسابنا لامكننا أَن نقُول بأنني أعيش بمبالغ أقل بِكَثِير من مُعظم حكام هَذَا الْعَصْر يتهمني أعدائي بِجمع ثروة طائلة والحقيقة أنني جمعت

стр. 181

٧٧ - مبلغا كَبِيرا بِفضل الاستثمار الْجيد وَوَضَعته فِي الْخَارِج فِي مَكَان أَمِين جدا وأعتقد أَن هَذَا التَّصَرُّف صَحِيح اذ لَيْسَ فِي استانبول مصرف يُمكن الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ حاليا وَلَا دَاعِي للاستغراب فَكل حَاكم يعْمل مَا عملته فاذا احْتَاجَت خزينة الدولة الى دعم كَمَا حدث أَيَّام الْحَرْب مَعَ اليونان سحبت هَذِه الاموال من الْخَارِج ودعمت بِهِ الخزينة القيل والقال فِي الشرق لَيْسَ على وَجه الارض قيل وَقَالَ أَكثر مِمَّا فِي استانبول فالمحافل النسائية والحمامات هِيَ أعشاش الْكَلَام الفارغ وان أَكثر الْحَوَادِث تتعاظم وتكبر فِي (بك أوغلي (ثمَّ يتلقفها صناع الْكَذِب من الارمن وَالروم فيضيفون اليها قصصا وحكايات لَا تصدق لتصير حوادث خيالية واني لاعلم بِأَن شخصيتي مَوْضُوع خصب لهَذِهِ الْقَصَص والحوادث المزعومة وَفِي الفترة الاخيرة حاول صحفي فرنسي الاستفادة من قصَّة خيالية قديمَة تَقول بأنني خشيت من سفن المنشقين أَن تضرب الْقصر الذى كنت أقيم فِيهِ فانتقلت الى قصر يلدز انها أكذوبة فاضحة لَا يقبل بِصِحَّتِهَا أَي عَاقل ان السفن

стр. 182

يُمكنهَا أَن تضرب قصر يلدز بِكُل سهولة لقد كَانَ الْقصر السَّابِق مليئا بذكريات عمي عبد الْعَزِيز وَأخي مُرَاد السىء الْحَظ فَمَا الذى يجبرني على الاقامة فِي ذَلِك الْقصر خَاصَّة وَأَن هَذِه الذكريات تَكْفِي لَان تكون مصدر حزن دَائِم للانسان ثمَّ ان مضيق البوسفور مَلِيء بالضباب أما الْمَكَان الْمُرْتَفع فَفِيهِ الْهَوَاء النقي الصحي لهَذِهِ الاسباب أخترت قصر يلدز أنعم فِيهِ الْآن بالشمس والهواء والضوء وَالْجمال وَمَعْلُوم أَن قسما من حديقة الْقصر شيد بِأَمْر من وَالِدي ﵀ انني أكن لهَذَا الْمَكَان الْجَمِيل حبا خَاصّا من عهد شَبَابِي الجاسوسية مَعْلُوم أَن التَّجَسُّس أَمر معيب وَكَذَلِكَ التقارير التجسسية الَّتِي نشرتها الصُّحُف لكننا لَا نستطيع الاستغاء عَنهُ لَا أَظن أَن فِي أَي بقْعَة من بقاع الارض دسائس ومؤامرات مثل الَّتِي تحاك فِي بِلَادنَا الا أنني أعرف التَّمْيِيز بَين التقارير الصَّحِيحَة والتقارير الكاذبة لقد تعرضت للاغتيال مرَّتَيْنِ واني مَدين بنجاتي من هَاتين المحاولتين الى يقظة بعض رجالي المخلصين ان كثيرا من الضباط والموظفين الكسالى هم سَبَب تعاستنا هَؤُلَاءِ لَا يعجبهم

стр. 183

الرِّجَال الَّذين جِئْت بهم واخترتهم ليسدوا الى الوطن بعض الخدمات أَو الَّذين أنشأتهم كي يَكُونُوا رجال الْمُسْتَقْبل ويعتبرونهم بلهاء ويظنون أَن لَيْسَ سواهُم من يُمكنهُ انقاذ الْبِلَاد والعباد وَلذَلِك قَامُوا بالتجسس وتدبير كل أَنْوَاع الدسائس والمؤامرات فَإِذا فشلوا عَمدُوا الى الاساءة والافتراء على خَليفَة الْمُسلمين المطبوعات تخلصت من كابوس حَقِيقِيّ بعد أَن فهمت تفاهة الابتزاز الَّذِي كنت ضحيته ان قدرَة المطبوعات الاوربية لَا غُبَار عَلَيْهَا لَكِن (سعيد باشا الصَّغِير (بَالغ فِي تقديرها لقد سلكنا فِي تعاملنا مَعَ الصحافة الاوربية مسلكا خاطئا فاعطينا للمقالات الَّتِي نشرتها عَنَّا وَعَن سياستنا قيمَة أَكثر مِمَّا تسْتَحقّ كَمَا كلفتنا الصحافة الفرنسية غاليا فالصحفي اليوناني (نيكولايدس (الَّذِي يعِيش فِي باريس يقبض منا كل عَام مبالغ طائلة كي يصدر جريدته (نوتر أورغان ( لقد كَانَ علينا أَن نفهم فِي أَوَانه ضَرُورَة عدم الاكتراث بالقيل والقال وَكَانَ حريا بالاوسمة الَّتِي وزعناها وَكَأَنَّهَا أدوات زِينَة أَن توزع على بعض الصحفيين كي يقفوا الى جانبنا فانهم اذا حازوا على هَذِه الاوسمة كانو اصوتنا

стр. 184

المسموع فِي كل مَكَان وَلَكِن فَاتَ الاوان وأصبحت آلَاف الصُّحُف فِي الصَّفّ المعادي وأملنا أَن تحل هَذِه الصُّحُف بعد فَتْرَة فنصرف النّظر عَن تهجمها من الْغَرِيب أَن يكون عدد الصُّحُف الَّتِي تلتزم جَانب الْحق والصدق فِي مقالاتها وأخبارها قَلِيلا والحقيقة أَن حُصُول المراسلين على أَخْبَار صحيحية ودقيقة من خلف الاستار والكواليس أَمر صَعب المنال لذَلِك يعمد هَؤُلَاءِ الى سوق الاكاذيب فيجدون فِيهَا مبتغاهم من وَاجِب كل عثماني أَن يسعي الى الْحَيْلُولَة دون اطلَاع الاجانب على الثغرات الْخفية لدولتنا لقد آن الاوان لَان نَعْرِف بِأَن الاجانب غير مستعدين لتفهم مواقفنا تمّ الْكتاب وَالْحَمْد الله رب الْعَالمين