Полный текст (674 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المطلب الثاني: من شككوا بصحة نسبة الكتاب:
ولكن مع وجود هذا الكم الهائل من المثبتين، إلا أنه وجد من شكك في الكتاب من خلال أقوال عدة:
القول الأول: هناك من شكك في المطبوعات وليس في أصل الكتاب، فهو يقر بأن الأشعري ألف الإبانة، ولكن ما طبع من الإبانة فهو محل نظر عنده، ويمثل هذا التيار الكوثري، حيث قال: إن النسخة المطبوعة في الهند نسخة مصحفة محرفة، تلاعبت بها الأيادي الآثمة، فتجب إعادة طبعها من أصل وثيق (١). قلت: وإن كان يقر على وجود بعض الأخطاء والتصحيف في طبعة الهند، أيُوافق على أنها أخطاء، لكنها لا تتعدى تصحيفاً في النقل أو أخطاء مطبعية، لا تصل بحال من الأحوال أن تكون متعمدة من أجل تغيير الموضوع؟ ولعل نشأة التشكيك عنده لأن هذا الكتاب الذي سلك فيه مؤلفه منهج السلف الصالح في الإثبات مخالفاً لما عليه الكوثري في النفي والتعطيل والتأويل والتجهم.
القول الثاني: هناك من شكك في أصل الإبانة، وكان منشأه فهمًا خاطئًا، فأظهر التناقض. ويمثل هذا التيار: عبد الرحمن بدوي، حيث قال: إننا نشكك كثيرا في صحة نسبة الإبانة (٢). ولم يبين سببًا مقنعًا للشك؛ بل إنه أظهر التناقض
_________
(١) انظر تعليقه على تبيين كذب المفتري ص ٣٥ هامش ١.
(٢) انظر ص ٥٣٣، مذاهب الإسلاميين.
стр. 37
العجيب، فهو يقول:
أ- إننا لم نجده في الإثباتات الثلاثة، ويقصد هنا: ما أورده الأشعري في العمد، وما ذكره ابن فورك في أسامي كتب الأشعري، وما استدركه ابن عساكر عليه. ثم أعلن استغرابه عندما ذكر مكانة الكتاب عند الأشاعرة، وأن الصابوني ﵀ ما كان يخرج للدرس إلا والكتاب معه. ثم أزال الإشكال بنفسه عندما قال: إن ابن عساكر يعرف بأن كتاب الإبانة للأشعري، وإن عدم وروده كان بسبب خطأ من الناسخ.
ب- ثم أثار مشكلة ثانية: وهي أن ابن النديم لم يورده في أسامي كتب الأشعري، مع أنه يعلم أن ابن النديم، لم يكن هدفه استقصاء كتب الأشعري، ولذا اكتفى بذكر خمسة كتب، مع أن بدوي ذكر العشرات منها، ولم يذكرها ابن النديم في كتابه، فلماذا انحصر شكه في الإبانة فقط؟! ثم قدم البدوي خدمة جليلة لمثبتي الإبانة من حيث يدري أو لا يدري، عندما قال: إن ابن النديم ذكر من أسماء كتب الأشعري كتاباً بعنوان: التبيين عن أصول الدين. وهو عنوان لم يورده الأشعري في العمد ولا ابن فورك ولا ابن عساكر، فمن المحتمل أن يكون هو نفسه الإبانة عن أصول الديانة خاصة وأن التشابه شبه تام بين العنوانين (٢). وأنا أؤيده في هذا القول لأنه ليس هناك ما يمنع أن يكون ابن النديم عبر عن اسم الكتاب، بمضمونه لا بعنوانه الأصلي. فهذا محتمل قريب جداً.
_________
(٢) انظر مذاهب الإسلاميين ص ٥١٧.
стр. 38
جـ- أعلن بدوي تناقضه التام عندما قال: إن ابن عساكر يقول: إن أصحاب الأشعري جعلوا الإبانة من الحنابلة وقاية (١). فوقع بدوي في خطأين:
الخطأ الأول: أنه أقر بأن الإبانة للأشعري وبأنها من الحنابلة وقاية، فلماذا يشك بعد ذلك بالمطبوع من الإبانة بالهند؟! فلو شك في هدف تأليف الكتاب لكان مقبولاً منه على حسب هذا الفهم الخاطئ، ولكنه شك في أصل الكتاب وهذا تناقض بلا ريب.
الخطأ الثاني: أن عبارة أن الإبانة كان وقاية من الحنابلة قالها الأهوازي، طعناً بالأشعري، وألف ابن عساكر التبيين رداً عليه، إذاً، فقائل العبارة الأهوازي. خصم الأشعري وعدوه. وليس ابن عساكر، ولذا رد ابن عساكر هذه المثلبة فقال راداً على الأهوازي بقوله: «وقوله ـ أي الأهوازي ـ، لا أحسن الله له رعاية: إن أصحاب الأشعري جعلوا الإبانة من الحنابلة وقاية هي من جملة أقواله الفاسدة وتقولاته المستبعدة الباردة، بل هم يعتقدون ما فيها أشد اعتقاد، ويعتمدون عليها أشد اعتماد (٢)، ثم شرع بالثناء عليها - الإبانة - ثم أورد قصة الصابوني بأنه ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري ويظهر الإعجاب به (٣)، فهل ابن عساكر هو القائل؟! أم الأهوازي المفتري؟! فليت بدوي دقق وتأمل قبل أن يتسرع في الحكم!
_________
(١) انظر تبيين كذب المفتري ٣٨٨.
(٢) انظر تبيين كذب المفتري ص ٣٨٨.
(٣) انظر تبيين كذب المفتري ٣٨٩.
стр. 39
القول الثالث: وهناك من أنكر الكتاب بحجة أن ابن فورك لم يذكره والرد على هذا من أوجه:
الوجه الأول: أن ابن فورك ذكر الكتب التي ألفها الأشعري قبل سنة عشرين وثلاث مئة، وهذا الكتاب هو آخر كتبه وقد صنفه في بغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة (١)، ولذا قال ابن فورك: إن الأشعري عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين وثلاث مئة وصنف فيها (٢) كُتباً. ثم قال ابن عساكر بعد ذلك: هذا آخر ما ذكره ابن فورك من تصانيفه، وقد وقع لي أشياء لم يذكرها في تسمية تواليفه (٣). فهنا عدة ملاحظات:
أ- أن ابن فورك لم يُحْصِ كتب الأشعري.
ب- أن ابن فورك لم يذكر إلا الكتب التي صنفها قبل عشرين وثلاث مئة، والإبانة هي آخر كتبه، فيكون صنفها بعد عشرين وثلاث مئة، خاصة وأن ابن فورك قد ذكر أن الأشعري صنف كتباً في هذه الفترة.
ج-أن ابن عساكر قد استدرك على ابن فورك كتباً وقد ذكرها، بل وذكر ابن عساكر الإبانة في أكثر من موطن في كتابه، بل ونقل منها نصوصاً.
الوجه الثاني: قد يكون ابن فورك قد نسيها كما نسي غيرها.
_________
(١) انظر بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤٣.
(٢) انظر التبيين ص ٣٥.
(٣) انظر التبيين ص ١٣٦.
стр. 40
الوجه الثالث: ذكر ابن تيمية علة أخرى، وهي أن ابن فورك وذويه، كانوا يميلون إلى النفي في مسألة الاستواء ونحوها، وقد نقل عن ابن كُلاب كلاماً فتصرف في كلامه تصرفاً، لذا كان هواه في النفي يمنعه من تَتَبُّعِ ما جاء في الإثبات من كلام أئمته وغيرهم، ولذا نقل عن الأشعري كلاماً زاد فيه ونقص. وفعله هذا سببه أنه يظن أن هذا هو الحق، وقد رأيت في مصنفات من ينقلون عن الأئمة شيئاً لم ينقله أحد عنهم لاعتقادهم أنه حق، فهذا أصل ينبغي أن يعرف (١). فابن فورك لم يذكر الإبانة لأنها من كتب الإثبات التي تخالف منهجه التأويلي.
الوجه الرابع: ظهر لي بعد تحقيق الإبانة اتفاق عامة النساخ على عامة ما ورد فيها، لا من حيث الترتيب، ولا من حيث الأبواب والمسائل والأجوبة والألفاظ، وإنما الخلاف في الغالب لا يتعدى أمور لا علاقة لها في صلب الموضوع. ومن أمثلة ذلك: أن غالب الفروق لا تعدو أن يصلي الناسخ على رسول الله ﷺ ، وبعضهم يورد النبي من غير الصلاة عليه، وقد يحدث العكس وهو الغالب، وهناك من يصلي عليه في موضع ولا يصلي عليه في موضع آخر، وكذلك الترضي
_________
(١) انظر بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤٥، ١٤٧ باختصار.
стр. 41
على الصحابة رضوان الله عليهم. كما أن من الفروق عند ورود لفظ الجلالة نجد في بعض النسخ لفظ (تعالى) وبعضهم ، أمَّا الخلافات الجوهرية، أو المحيلة للمعنى فإنها من أندر النوادر، إن لم تكن معدومة إلا في موضع لا يتعدى ثلاثة أسطر، انفردت به نسخة عن باقي النسخ الست، مما يؤكد أنها زيادة من الناسخ، وذكرت الأدلة على ذلك في موضعها في الرسالة، وأما ماعدا ذلك فلا فرق يذكر، وهذا التطابق في الألفاظ يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن هذا الكتاب ألفه الإمام الأشعري، وأما دعوى المدعين، بأن أيدٍ آثمة قد عبثت به، أو أنه ليس من تصنيفه، دعوى ليس لها برهان.
الوجه الخامس: مما يؤكد صحة نسبة الكتاب للإمام الأشعري ﵀ أننا نجد نفس الألفاظ والعبارات الموجودة في نسخته الخطية موجودة أيضاً فيما نقله الأئمة الأثبات عنه بحروفها وألفاظها ومعانيها، كالإمام البيهقي، والحافظ ابن عساكر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، الذي أكثر من النقل منه، كذا تلميذه ابن القيم، وكذلك الحافظ الذهبي، سواء في كتابه العلو، أو في كتابه العرش، وما أدري هل عَبَثَتِ الأيدي الآثمة، التي يدعيها الكوثري ومن سار في فلكه في هذه الكتب والمخطوطات أيضاً؟ أم إنها دعوى كغيرها بلا دليل والله المستعان.
الوجه السادس: إن المتأمل لما كتبه الأشعري في الإبانة يجد أنه في غالبه موجود في كتبه الأخرى، كمقالات الإسلاميين، أو رسالته إلى أهل الثغر. فهل اتفاق هذه الكتب
стр. 42
في غالب الأصول وفي عامة الأبواب والمسائل عبثت بها الأيدي الآثمة التي اخترعها الكوثري وتَلَقَّفَهَا عنه محبوه بلا أدنى تثبت، أم إن الدافع الحقيقي نقد الإبانة والمقالات وردهما؛ لأنهما من كتب الإثبات؟ وما فيهما من الإثبات وخاصة الإبانة يناقض ما عليه متأخروا الأشاعرة، ولذا يحاول بعضهم عبثاً، وهم قلة ـ ولله الحمد ـ الطعن بصحة ما في هذه الكتب ونفيها عن الإمام الأشعري، وتأويل ما يستطيعون تأويله، لأن ما فيها كما ذكرت يناقض ما هم عليه من معتقدات مخالفة لمعتقد إمامهم ﵀، لأن ما أثبته في الإبانة موافق لما عليه أهل السنة وما عليه متأخري الأشاعرة من التجهم والاعتزال الشيء الكثير.
والخلاصة، أن عدم إيراد ابن فورك لكتاب الإبانة ليس مسوغ لنفي الكتاب، خاصة وقد ظهر بالأدلة أن ابن فورك لم يستقص كتب الأشعري، وما كان الاستقصاء هدفه، ولو كان هدفه الاستقصاء لكان عدم ذكره لكتاب الإبانة لا يعدوا أن يكون سهوًا أو خطأً، لا أنه دليل على عدم تأليف الإمام الأشعري له خاصة، وابن فورك لم يورده ولم ينفه.
стр. 43
المبحث الثالث
تاريخ تأليفه
لقد سبق وأن مر معنا أن الأشعري مر بثلاثة أطوار، وكان الطور الأخير هو انتماؤه للسلف الصالح، وفي هذا الطور ألف كتاب الإبانة، والتي هي آخر مؤلفاته، وقد سبق ذكرها في مسألة الأطوار وفي مسألة نسبة الكتاب وأذكرها هنا باختصار.
١ - أن ابن فورك لم يذكرها في كتبه التي صنفها قبل العشرين وثلاثمائة، فدل على أنها مما كتبها بعد العشرين والثلاثمائة لاستحالة أنها كتبت بعد الرجوع مباشرة لأنها لو كانت ألفت بعد رجوعه عن الاعتزال مباشرة لأَوْرَدَها الأشعري في كتابه العمد والذي نقل منه ابن فورك، وكذلك لأَوْرَدَتْهَا الرواياتُ التاريخية في كتب التراجم التي ذكرت الكتب التي ألفها بعد الرجوع والتي لم تذكر هذا الكتاب لا باسمه ولا بمعناه.
٢ - أن عدداً من الأعلام قد نَصُّوا على أنها آخر كتبه كابن تيمية وابن القيم، وابن كثير وابن العماد الحنبلي وعدد من الأعلام سبق ذكرهم في مسألة أيهما أسبق: الإبانة أم اللمع؟
٣ ـ نص شيخ الإسلام على أنه صنفه في بغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة (١) فهذا نص صريح من شيخ الإسلام أنه ألَّفه في آخر عمره.
٤ - ومن خلال ما سبق يتبين بأن هذا الكتاب قد ألف ما بين ٣٢٠ - ٣٢٤ والله أعلم.
١ ـ قال ابن عساكر: الأشعري شيخنا وإمامنا ومن عليه معولنا قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم إماماً ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً، فبعد ذلك خرج إلى الجامع، فصعد المنبر» وقال: «معاشر الناس! إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة، لأني نظرت فَتَكَافَأَتْ عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل ولا باطل على حق، فاستهديت الله ﵎، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب «الُّلمَع»
_________
(١) انظر: بيان التلبيس (١/ ١٤٣).
стр. 44
وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب كشف الأسرار وهتك الأستار وغيرهما (١). فأنت تلحظ هنا أن الأشعري قد ألف اللمع في مرحلة ما بعد الاعتزال مباشرة، وهذا دليل على أن الإبانة متأخرة عنه، وقد كتبت بعده لأنها قطعا، ليست من مؤلفاته قبل الاعتزال وما قال أحد بذلك، ولم تكن من الكتب التي دفعها للناس بعد تحوله مباشرة، فدل ذلك على تأخر تأليفها.
ثالثًا: أن الأشعري، لما ذكر مؤلفاته في كتابه العمد لم يذكر منها الإبانة، مع أن ابن فورك قد بين أن هذه المؤلفات التي أوردها في العمد ألفها إلى سنة عشرين وثلاثمائة. فلو كانت من ضمنها لذكرها، ولما أضاف ابن فورك ما ألفه بعد ذلك لم يذكر من ضمنها الإبانة. وابن عساكر قد نقل نصوصا من الإبانة، وإن لم يذكرها ضمن ما استدركه على ابن فورك بسبب أنه نقل نصوصا منها فرآها كافية لإثباتها ولبيان معرفته بها، بل النقل منها أقوى من مجرد ذكر عنوان الكتاب بأسلوب السرد الخالي من التفصيل.
رابعًا: أن من المؤكدات القوية أيضًا على تأخر تأليف كتاب الإبانة قصة الأشعري مع البربهاري (٢) شيخ الحنابلة، وذلك أن الأشعري، لما
_________
(١) انظر التبيين ص ٣٩.
(٢) هو شيخ الحنابلة القدوة الإمام الحسن بن علي ابن خلف البربهاري، قال عنه ابن كثير: هو العالم الزاهد الفقيه، الحنبلي الواعظ وقد بلغ من زهده وورعه أنه تنزه عن ميراث أبيه وكان سبعين ألفا لأمر كرهه. وكان شديدة على أهل البدع والمعاصي. صحب المروزي وسهلا التستري، توفي ﵀ سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. انظر المنتظم ١٤/ ١٤ والبداية والنهاية ١٥/ ١٣٧، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٩٠.
стр. 45
قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري، فجعل يقول: - رددت على الجبائي، رددت على المجوس، وعلى النصارى. فقال أبو محمد: لا أدري ما تقول! ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد. فخرج وصنف الإبانة، فلم يقبل منه (١). وهذه القصة دليل على تأخر كتاب الإبانة.
خامسًا: نجد في الإبانة إثبات الصفات الخبرية والعقلية الاستواء، بل ونجد فيها الاعتماد على الوحيين ونبذ التأويل، ولا يتحدث فيها الأشعري عن القضايا الكلامية التي ذكرها في اللمع، وهذا دليل على تدرجه بالتخلي عن علم الكلام؛ لأن معرفته في هذه المرحلة لعلم الكلام أكثر من معرفته لمنهج أهل الحديث، لذا كان اللمع أقرب لمنهج المتكلمة من منهج أهل الحديث كحال مؤلفه في تلك الفترة.
_________
(١) انظر سير أعلام النبلاء ٩٠/ ١٥ وطبقات الحنابلة ٢/ ١٨، والوافي ١٢/ ٢٤٦، وتبيين كذب المفتري ٣٩٠، ٣٩١. وقد ضعف ابن عساكر هذه القصة حيث قال: وأدل دليل على بطلانها قوله: أنه لم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها، وهو بعد إذ صار إليها لم يفارقها ولا رحل عنها فإن بها كانت منيته وفيها قبره وتربته انظر التبيين ص ٣٩١ وقال الشيخ المحمود: إن ابن عساكر أنكر القصة ولم ينكر تأخر الإبانة انظر موقف ابن تيمية ١/ ٣٨٢. قلت: وهو الظاهر من كلامه والله أعلم.
стр. 46
سادسًا: عددًا من الأعلام قالوا: بأن الإبانة هي آخر مؤلفاته، ومنهم:
١ - شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث قال في بيان التلبيس: وهذا الكتاب - يعني الإبانة - هو من أشهر تأليف الأشعري وآخرها" (١).
وقال في موضع آخر: قال أبو الحسن في كتابه الذي سماه الإبانة: وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه) (٢) وقال في موطن آخر: الإبانة صنفها الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك (٣). وقال في موطن آخر: هذا آخر كتبه وقد صفه في بغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة (٤).
٢ - ابن درباس (٥):- حيث قال ﵀ في رسالته في الذب عن الأشعري: أما بعد، فاعلموا معاشر الإخوان، وفقنا الله وإياكم للدين القويم، وهدانا أجمعين، للصراط المستقيم بأن كتاب الإبانة عن أصول
_________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٣٦.
(٢) مجموع الفتاوي ٥/ ٩٣.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥٩.
(٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٤٣).
(٥) هو قاضي الديار المصرية، الإمام الأوحد صدر الدين، عبد الملك بن عيسى بن درباس الكردي الشافعي. ولد بالموصل سنة عشرة وخمسمائة. سمع من الحافظ، ابن عساكر، وروى عنه الحافظ المنذري، توفي ﵀ في سنة خمس وستمائة، انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٧٤.، والنجوم الزاهرة ٦/ ١٧٥.
стр. 47
الديانة الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، هو الذي استقرَّ عليه أمره فيما كان يعتقده (١).
٣ - ابن العماد الحنبلي، حيث قال: الإبانة في أصول الديانة وهو آخر كتاب صنفه وعليه يعتمد أصحابه، في الذب عنه، عند من يطعن عليه (٢).
٤ - الحافظ بن كثير، حيث قال: وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا (٣).
٥ - نعمان الألوسي (٤)، حيث قال: - تحت عنوان عقيدة الأشعري، "روي غير واحد من المصنفين عن الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه قال في كتابه الإبانة في أصول الديانة" وهو آخر كتاب صنفه (٥).
_________
(١) انظر رسالته في الذب عن أبي الحسن الأشعري، ص ١١٥.
(٢) انظر طبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير ١/ ١٩٩، إتحاف السادة المتقين ٢/ ٦.
(٣) انظر شذرات الذهب ٤/ ١٣١.
(٤) هو: نعمان بن محمود بن عبد الله الألوسي، أبو البركات خير الدين، ولد ببغداد سنة ١٢٥٢ م، وكان فقيها، ولي القضاء في العديد من البلدان، من آثاره: كتاب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، وغاية المواعظ. توفي سنة ١٣١٧ هـ. انظر: معجم المؤلفين
١٣/ ١٠٧، ومقدمة تحقيق جلاء العينين ٣/ ٦.
(٥) انظر جلاء العينين ص ٤٦٢.
стр. 48
٦ - خالد النقشبندي (١)، حيث قال: نري كتب الأشعري في العقائد مشحونة بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة، والخوض في كثير من التأويلات والتدقيقات، ثم اعتذر في كتابة الإبانة عن أصول الديانة، الذي هو آخر مؤلفاته، وعليها التأويل في مذهب الأشعري (٢).
٧ - حافظ حكمي، حيث قال: وأما أبو الحسن الأشعري ﵀ فالذي قرره في كتابه الإبانة الذي هو من آخر ما صنف (٣).
٨ - محب الدين الخطيب، حيث قال: وكتب بذلك كتبه الأخيرة، ومنها في أيدي الناس كتاب الإبانة وقد نص مترجموه على أنها آخر
كتبه (٤).
٩ - الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود، حيث قال: هذه خلاصة أدلة الذين يقولون بتأخر الإبانة عن اللمع، وهي كما يلاحظ أدلة علمية
_________
(١) هو خالد بن أحمد بن حسين أبو البهاء، ضياء الدين النقشبندي، ولد في سنة ١١٩٠ هاجر في صباه إلى بغداد، ورحل إلى الشام حيث توفي بدمشق في الطاعون عام ١٢٤٢ هـ له العديد من المؤلفات منها شرح العقائد العضدية ورسالة في إثبات مسألة الإرادة الجزئية، واسمها العقد الجوهري في الفرق بين كسب الماتريدي والأشعري انظر الأعلام ٢/ ٢٩٤، ومعجم المؤلفين
٤/ ٩٥.
(٢) انظر جلاء العينين ص ١٥٧، حيث نقل الألوسي كلام النقشبندي وقال: وقال العلامة شيخ مشايخنا الشيخ خالد النقشبندي. (٣) انظر: معارج القبول ص ٣١٠.
(٤) انظر المنتقي ص ٤٤ هامش ٢.
стр. 49
تعتمد على نقل العلماء وأقوالهم. أما أدلة القول الأول فليس في واحد منها ما يَنُصُّ على تأخر اللمع وتقدم الإبانة؛ فعبارة ابن خلكان مجملة، وجميع الذين يميلون إلى المذهب الأشعري يقولون: إن كتبه كلها تسير على طريقة الفقهاء والمحدثين، لا يفرقون بين الإبانة واللمع، أما الدليل النفسي وأن الإنسان عند انتقاله يكون متحمسا فيقابله دليل نفسي آخر وهو التدرج الذي ورد في أدلة القول الآخر، أما مسألة النضج، ففي الإبانة مناقشات للمعتزلة لا تقل قوة عما في اللمع، فيتبين بذلك أن الإبانة آخر مؤلفات الأشعري (١).
١٠ - عبد الفتاح أحمد (٢)، حيث ذكر الخلاف حول أيهما الذي صنفه الأشعري بعد طور الاعتزال، وذكر أنه يرجح أن كتاب اللمع هو الذي ألفه الأشعري في تلك الفترة لأنه هاجم المعتزلة هجوما شديدا، لكنه لم يتحول دفعة واحدة إلى مذهب السلف، فلم يذكر في اللمع الإمام أحمد، وإنما كان هذا الطور بمثابة مرحلة و طى بين علماء السلف وبين المتكلمين المناصرين للسنة، خاصة ابن كلاب (٣).
_________
(١) موقف ابن تيمية ١/ ٣٨٤، ٣٨٥.
(٢) الدكتور عبد الفتاح أحمد فؤاد أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم العلوم الاجتماعية بكلية التربية بجامعة الإسكندرية بمصر - وبحثت عن ترجمة له فلم أجد والسبب في ذلك أنه معاصر وغالب المعاصرين لا توجد لهم تراجم.
(٣) الفرق الإسلامية وأصولها الإيمانية ١/ ١٣٢ باختصار.
стр. 50
١١ - أحمد بن حجر آل بوطامي، حيث قال: فإن قال قائل بأي دليل تُرَجِّحُون قولكم: إن الإبانة متأخر عن كتابه اللمع وأمثاله. فالجواب:
أ- أنه اللائق بإمامته وجلالة قدره.
ب - إن الذين كتبوا عنه من المؤرخين ذكروا عنه هذا المعتقد الصحيح، ثم قال: فلو كان الإمام استقرت عقيدته على التأويل في آخر الأمور، لذكر ابن عساكر وغيره من المؤرخين (١).
١٢ - راجح الكردي، حيث قال: ولكن الواقع أن الرأي الذي انتهى إليه هو اعتبارها صفات، وخاصة في كتابه الأخير كتاب الإبانة عن أصول الديانة (٢). وهذا القول قال به عدد كبير من الباحثين أيضًا (٣).
ومن خلال ما سبق يتبين بأن هذا الكتاب قد ألف ما بين ٣٢٠ - ٣٢٤، لذا فهو يعد آخر كتب الإمام الأشعري ﵀ وذلك أن الأشعري، لما قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري، فجعل يقول: -
_________
(١) انظر العقائد السلفية ١٥٧ - ١٥٨ باختصار.
(٢) انظر علاقة صفات الله بذاته ص ١٢٨.
(٣) ومنهم الشيخ إبراهيم الحلبي في كتابه اللمعة في تحقيق مباحث الوجود والحدوث والقدر وأفعال العباد ص ٥٧ والشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني كما في القول الجلي ص ٣٦، ومحمد أحمد محمود في كتابه الحنابلة في بغداد ص ١٦٨ ورضا نعمان في علاقات الإثبات والتفويض ص ٤١، ٤٤، نقلًا عن موقف شيخ الإسلام ١/ ٣٨٤.
стр. 51
رددت على الجبائي، رددت على المجوس، وعلى النصارى. فقال أبومحمد: لا أدري ما تقول! ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد. فخرج وصنف الإبانة، فلم يقبل منه (١). والله اعلم.
_________
(١) انظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ٩٠ وطبقات الحنابلة ٢/ ١٨، والوافي ١٢/ ٢٤٦، وتبيين كذب المفتري ٣٩٠، ٣٩١. وقد ضعف ابن عساكر هذه القصة حيث قال: وأدل دليل على بطلانها قوله: أنه لم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها، وهو بعد إذ صار إليها لم يفارقها ولا رحل عنها فإن بها كانت منيته وفيها قبره وتربته انظر التبيين ص ٣٩١ وقال الشيخ المحمود: إن ابن عساكر أنكر القصة، ولم ينكر تأخر الإبانة، انظر: موقف ابن تيمية ١/ ٣٨٢. قلت: وهو الظاهر من كلامه والله أعلم.
стр. 52
المبحث الرابع
مصادر الأشعري في كتابه
من أهم الأمور التي تلفت النظر، والتي تميز بها الإمام الأشعري في كتابه الإبانة قلة المصادر التي يستقي منها، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن المؤلف يؤسس لِمَنْهَجٍ عَقَدِيٍّ يناقش من خلاله المعتزلة والجهمية أصحاب المذهب العقلي الفاسد، فحرص على مقارعة الحجة بالحجة، ومع تميزه عنهم بسلامة منهج الاستدلال العقلي عنده؛ لأنه استقى ذلك من الكتاب والسنة. ومن هنا أستطيع القول: أن مصادر الإمام الأشعري هي:
أولاً: القرآن الكريم: حيث يلحظ القارئ أن الأشعري قد اعتمد على المئات من الآيات القرآنية في الاستدلال؛ محتجاً بها على خصومه.
ثانياً: السنة المطهرة: كما أن من مصادره التي اعتمد عليها السنة النبوية، حيث أورد العشرات من الأحاديث، وإن كان لم يعتمد على المصادر الأساسية في غالب نقوله. فلم ينقل من صحيحي البخاري ومسلم، ولا من بقية الكتب الستة. وإن كانت غالب الأحاديث التي اعتمد عليها أصولها في الصحيحين وبقية الكتب الستة. ولعلي هنا أذكر
стр. 53
المصادر التي اعتمد عليها من كتب السنة مع عدم عزوه إليها، وهي:
أ - موطأ الإمام مالك ﵀، حيث نقل منه في موطن واحد بسند مالك. حيث قال: وروى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، ثم أورد الحديث. وذلك عند كلامه عند ذكر الروايات في القدر، ولم يذكر الموطأ باسمه.
ب - وروى عن الإمام أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه حديثاً واحداً، وذكره بسنده كما عند ابن أبي شيبة في المصنف دون أن يذكر اسم المصنف صراحة، حيث قال: وروى أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ولم ينقل عنه إلا في هذا الموطن.
ج - أما بقية كتب السنة فلم ينقل عنها، بل ينقل بكثرة عن معاوية ابن عمر، وموسى بن عمرو، وعفان بن مسلم، وليست لهم كتب معروفة، ولعل العلة في ذلك قلة اطلاعه على كتب السنة.
стр. 54
ثالثاً: كتب التفسير، حيث نقل من كتب التفسير من كتاب واحد، وهو من تفسير سنيد بن داود المصيصي. حيث نقل عنه قول قتادة. في أن القرآن غير مخلوق، ولم يذكره باسمه، وتفسير سنيد مفقود.
رابعاً: العقل، حيث تجلى في هذا الكتاب منهج الاستدلال العقلي السليم وأثره في قمع الحجج الباطلة بالحجج العقلية مع أولئك الذين ما قدروا الله حق قدره، وما جعلوا لنصوص الوحيين قدراً أمام عقولهم الفاسدة، فحاكموا النصوص على عقولهم.
خامساً: ديوان امرئ القيس: ونقل منه بيتاً واحداً.
سادساً: ديوان الخنساء: ونقل منه بيتاً واحداً. فهذه هي أهم المصادر التي اعتمد عليها الإمام الأشعري في كتابه الإبانة فيما ظهر لي.
стр. 55
المبحث الخامس
منهجه في الكتاب
يتبين القارئ لهذا الكتاب من الوهلة الأولى أن الإمام الأشعري في كتابه هذا يسلك مسلك أهل السنة والجماعة، وأنه سائر على نهجهم مقتفٍ لأثرهم، ولعل أبرز سمات منهجه ما يلي:
١ - اعتماده على القرآن الكريم كمصدر أول يستقي منه الحجيج ويرد به على الخصوم، وذلك في معرض إثباته للصفات فهو يعطي للنص القرآني الأولوية ولا تجده يخالفه أو يعارضه بأدلة عقلية، فجعله المصدر الأول له في تقرير العقيدة، وهذا هو منهج السلف عليهم رحمة الله.
٢ - كما اعتمد الأشعري ﵀ على السنة كمصدر ثانٍ بإيراد حجج الإثبات ورد شبه النفاة.
٣ - اعتمد الأشعري على منهج وفهم السلف أئمة الحديث للوحيين، الكتاب والسنة، كالإمام أحمد وابن المبارك وغيرهما، وعلى ما أجمعوا عليه كمصدر ثالثٍ يعتمد عليه في الإثبات ونفي التعطيل، ويلاحظ أيضاً إيراده للعديد من المسائل التي أجمع عليها السلف، مما يدل على اتباعه لهم.
٤ - ومن السمات البارزة في كتابه أيضاً اعتماد الأشعري على مسائل
стр. 56
الإجماع ودقة نقله لهذه المسائل، بل لم أجده نقل الإجماع في مسألة ولم يصح، أو وجد له مخالف من أهل السنة. مما يدل على دقته وتحريه للنقل في مثل هذه المسائل.
٥ - استخدم الأشعري منهج الاستدلال العقلي الذي لا يتعارض مع الوحيين، بل يكون مؤيداً لهما عند جداله ومناقشته للخصوم، ولقد برزت قدرته على استخدام الدليل العقلي في الاستدلال بقوة واضحة، وقد يكون ذلك عائداً لمعرفته المسبقة بمنهج المعتزلة، وَسَبْرِه لأغوارهم، ومعرفته لمناهجهم.
٦ - وسلك في الكتاب مسلك الاعتماد على آثار الصحابة والتابعين، وحفظه للكثير من الآثار التي نقل عنهم في معرض استدلاله وإثباتاته دليل على اتباعه لهم.
٧ - كما كان منهجه في هذا الكتاب قائماً على إيراد أصول مسائل الاعتقاد، حيث أورد في كتابه مسألة رؤية الله بالإبصار في الآخرة. وهي من أهم المسائل التي خالف فيها المعتزلة والجهمية الحق- وتطرق لمسألة أن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وأطال فيها النفس، لأنها من أهم مسائل العقيدة التي خالف فيها أهل الأهواء، والتي امتحن بسببها الإمام أحمد، فأجاد ﵀ وأفاد، وحشد العشرات من الأدلة للرد على خصومه في هذه المسألة، كما تطرق في كتابه لعلو الله على خلقه واستوائه
стр. 57
على عرشه، ورد على حجج أولئك الذين فسروا الاستواء بالاستيلاء بحجج عقلية ونقلية، كما رد في هذا الباب على المعتزلة والجهمية، ومن سلك منهجهم الفاسد، بأن الله في كل مكان وأثبت في هذا الباب أيضاً مسألة النزول الإلهي إلى السماء الدنيا كما تطرق الأشعري ﵀ في كتابه على إثبات صفات الوجه والعينين واليدين، والسمع والبصر، واستخدم في هذه المسألة أيضاً منهجه القويم بالاعتماد على الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح لهما، وكان منهجه العقلي في هذا الباب ظاهراً بوضوح. كما أثبت أيضاً صفة العلم لله، وصفة القدرة، وصفة الإرادة. كما تطرق إلى خلق الله لأفعال العباد ورد على المخالفين في ذلك، وذكر العديد من الروايات الثابتة في القدر، وتطرق لمسألة الشفاعة، وخروج العصاة، وأهل الكبائر من النار، ورد على حجج أهل الأهواء الذين رأوا خلودهم في النار، كالخوارج والمعتزلة. وتطرق لمسألة إثبات عذاب القبر وإثبات الحوض، واختتم كتابه كما هو منهج السلف في الكلام عن إمامة الصديق ﵁ وبقية الخلفاء - رضوان الله عليهم - مبيناً أفضليتهم على الترتيب، وأثنى على العشرة، وعلى بقية الصحابة مُتَرَضِّياً عليهم جميعاً متبعاً لمنهج السلف الصالح في هذه المسألة ومخالفاً لمناهج أهل الأهواء، الذين طعنوا في الصحابة، كالخوارج والرافضة
стр. 58
ومن سار على مناهجهم الضالة، فأنت تلحظ أن منهجه في هذا الكتاب، مع حرصه على عدم الإطالة. قد قام على احتواء أهم هذه المسائل، والتي يحتاج إليها الناس في كل زمان ومكان، ورد على الفرق المخالفة كالجهمية والخوارج والمعتزلة والرافضة.
٨ - ابتعد في هذا الكتاب عن أساليب الكلامية والألفاظ المنطقية، فلا يوجد له في هذا الكتاب من ألفاظ المنطقيين إلا عبارات يسيرة.
٩ - صاغ كتابه هذا على سبيل المناظرات في ردوده.
١٠ - لقد وافق منهج الأشعري في هذا الكتاب هدفه الذي قصده من تأليف هذا الكتاب، حيث وافق عنوان الكتاب مضمونه. حيث أبان منهج السلف الصالح الذي سَلَكَهُ في هذا الكتاب.
стр. 59
المبحث السادس
منزلة الكتاب عند العلماء
لهذا الكتاب قيمة علمية كبرى، وذلك لأمور.
أولاً: أن الذي ألفه إمام ينتسب إليه عدد كبير، في معظم البلاد الإسلامية، فمثل هذه الشخصية إذا صنفت أو ألفت، فإن الناس يقبلون على تصانيفهم.
ثانياً: أن مصنفه قد صنفه بعد مرحلة نضج واستقرار، وقد ألف قبله العشرات من الكتب فلا بد أن يكون هذا الكتاب خلاصة تجربة وثمرة حياة، وهو لابد قد حرص على أن يتلافى فيه الأخطاء التي وقع فيها في مؤلفاته السابقة. فكان كما أراد، كتاب أبان فيه منهج السلف الصالح.
ثالثاً: أن القضية التي يناقشها هذا الكتاب هي أهم القضايا في حياة المسلم، كيف لا وهي في قضية عقدية في أصول الدين، ذكر من خلالها. مجمل اعتقادات أهل السنة والجماعة، كمسألة رؤيا الرب جل وعلا، والاستواء على العرش، وإثبات الصفات الذاتية، إلى غيرها من المواضع العقدية الهامة.
رابعاً: أن هذا الكتاب، فصل بين أطوار مر بها المؤلف فانتقل بهذا الكتاب من منهج المعتزلة، وموافقة الكُلابية، إلى منهج السلف الصالح فَبتَأْلِيفِهِ هذا المصنف، اعتبر الأشعري سلفياً، ولذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن من قال من الأشعرية بكتاب الإبانة الذي صنفه
стр. 60
الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة (١). فشيخ الإسلام هنا، لم يشهد للأشعري فقط أنه من أهل السنة، بل شهد لجميع من تابعه من الأشاعرة الذين يعتقدون بما في الإبانة. وهذا يدل على مكانة الكتاب العلمية والتاريخية.
خامساً: أن عدداً من الأعلام قد أثنوا على هذا الكتاب، ومنهم:
١ ـ ابن عساكر، عندما ألف كتابه التبيين وأثنى فيه على الأشعري ورد على شانئيه، لم يجد خيراً من الإبانة دليلاً له على ذلك، فقال: فإذا كان أبو الحسن ﵀ كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد، مستوصب المذهب عند أهل المعرفة بالعلم والانتقاد، يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد، فلا بد أن نحكي عنه معتقده وجهه بالأمانة، ونجتنب أن نزيد فيه، أو ننقص منه، تركاً للخيانة، ليعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة، فاسمع ما ذكره في أول كتابه الذي سماه بالإبانة فإنه قال: ثم شرع في نقل نصوص من الإبانة تجاوزت العشر صفحات ثم قال بعدها: «فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام العالم الذي شرحه وبينه وانظروا سهولة لفظه فما أوضحه وأحسنه!» (٢).
_________
(١) انظر مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥٩.
(٢) انظر التبيين ١٥٢ - ١٦٣ والعلو للذهبي ٢/ ١٢٥٣.
стр. 61
٢ ـ الصابوني، حيث ذكر ابن عساكر أن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني النيسابوري ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري، ويظهر الإعجاب به ويقول ما الذي يُنْكَر على من هذا الكتاب شرح مذهبه؟ فهذا قول الإمام أبي عثمان، وهو من أعيان أهل الأثر بخراسان (١).
٣ ـ الحافظ بن الطباخ، حيث نقل شيخ الإسلام ابن تيمية، أنه كان يعتمد على كتاب الإبانة، وكان يقول: هذا مذهبي وإليه أذهب، وكان يقول لله من صفة (٢).
٤ ـ الحافظ أبو بكر السمعاني، حيث اعتمد كتاب الإبانة وحكى عنه في مواضع من كتابه الاعتقاد (٣).
٥ ـ نصر الدين المقدسي، حيث أَلَّفَ كتاباً في الأصول نقل فيه فصولاً من كتاب الإبانة (٤).
٦ ـ أبو العباس الطرقي، حيث ذكر ابن تيمية عنه: أنه استفاد من
_________
(١) انظر تبيين كذب المفتري ٣٨٩ وبيان تلبيس الجهمية ١/ ١٣٩.
(٢) انظر بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤٢.
(٣) انظر بيان تلبيس الجهمية السابق ١/ ١٣٦.
(٤) انظر بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤١.
стр. 62
كتاب الإبانة في مسألة إثبات الاستواء، في الرد على الجهمية (١).
٧ ـ الإمام النووي، حيث نسخه بخطه نقل ذلك عنه الذهبي (٢).
٨ ـ شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث نقل من هذا الكتاب في العديد من كتبه، بل نقل عنه في بيان تلبيس الجهمية العديد من الصفحات تجاوزت العشرات، وكذلك نقل منه في الدرء والتسعينية، والحموية، وهذا يدل على مكانة الكتاب عنده ﵀ (٣).
٩ ـ الإمام ابن القيم، حيث نقل منه في كتبه، ومن ذلك ما نقله عنه في (اجتماع الجيوش الإسلامية) حيث نقل منه عدة صفحات (٤).
١٠ ـ الإمام الذهبي، حيث قال: وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف
_________
(١) انظر: بيان التلبيس ١/ ١٤٠.
(٢) انظر العلو ٢/ ١٢٤٨.
(٣) وما يدل على مكانة الكتاب عنده أنه نقل منه في العديد من كتبه ومن ذلك الدرء. انظر: ٥/ ٦، ٦/ ٢٩٧ - ٢٠١ - ٢٠٤، ٢٠٥، ٧/ ٣٠١، ٢١٩، والتسعينية ١/ ٢٦٦، ٢/ ٤٥٤، ٣/ ١٠٠٧، ١٠٠٨، ١٠٣٧، والمنهاج ٢/ ٢٢٨ وشرح الأصبهانية ٣٢٧، والفتاوى ٣/ ٢٢٤، ٢٢٦، ٥/ ١٤٤، ١٨٨، وبيان تلبيس الجهمية ١/ ٦٥، ١٠٣، ١٣١، ١٣٣، ١٣٥ و ٢/ ١٥٦، ٥٨٦ ـ ٦٠٤، ٣/ ٣١٠، ٣٥٤، ٣٧٧، ٣٧٨، ٤٧٧، ٤٧٩، ٧٤١، ٧٤٨ و ٤/ ٤٨٦ و ٥/ ٧٤ ـ ٧٧، ٢٨٣، ٣٦٥، ٣٦٦، ٥١٦ و ٥/ ٧٤ ـ ٧٧، ٢٨٣، ٣٦٥، ٣٦٦، ٥١٦ و ٨/ ٢٠ ـ ٢٨، ١٢٠، ١٤٧ ـ ١٤٩، ١٨٢ ـ ١٨٧، ١٨٩.
(٤) انظر اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٦٨ - ١٧٤ ..
стр. 63
أبي الحسن ثم قال: فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن هذه ولزموها لأحسنوا (١). بل ونقل منه نصوصاً.
١١ - الشيخ العلامة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، حيث قال: … (هذا المرجع النفيس الذى يتضمن أصول العقيدة السلفية التى كان عليها الإمام أبوالحسن الأشعرى ﵀ وهي عقيدة أهل السنة والجماعة. مقدمة الإبانة ص ٣.
١٢ - جلال موسى، حيث قال: إن الأشعري فعلاً كان واسع الأفق دقيق النظر، يجيد التأليف، ويشهد بذلك كتابه الإبانة (٢).
١٣ ـ الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود: حيث ذكر بأنه من أهم كتب الأشعري، وأكثرها إثارة للجدل، لأنه يحوي جوانب من العقيدة، تخالف ما عليه مُتَأَخِّرُو الأشعرية، خاصة في مسائل الصفات الخبرية والعلو والاستواء (٣).
١٤ ـ وبالجملة إن هذا الكتاب نال منزلة واسعة وقيمة عالية، وهو يستحق أن يشرح ويدرس، ومما يدل على أهميته أيضاً أن ثلاث جامعات
_________
(١) العلو ٢/ ١٢٤٨ و ١٢٥٥. وانظر كتابه العرش ٢/ ٢٩٤.
(٢) انظر نشأة الأشاعرة وتطورها ص ١٧٠.
(٣) انظر موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٤٨.
стр. 64
قد عنيت بهذا الكتاب، فجامعتا الإمام والجامعة الإسلامية في المدينة، قامتا بإعادة طباعته ولكن من دون تحقيق علمي، كذلك قامت جامعة الأزهر بتحقيق هذا الكتاب عن طريق أستاذ من أساتذته. وهذه أدلة قوية، عن مَدَى القيمة العلمية التي استحقَّها هذا الكتاب. وهو من الكتب القيمة التي يُنْصَح بشرحها وتوزيعها.
стр. 65
المبحث السابع
نقد الكتاب
لا تخلو كتب البشر مهما بلغوا من نقص فالكمال ليس لهم، وإنما لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ الصحيحة الثابتة عنه، وليس معنى الإقدام على نقد كتاب لأحد من العلماء يعد تقليلاً من قدره، أو تنقيصاً لمكانته أو قدر كتابه، بل، ولا يدل هذا على أن الناقد أعلى منه وأرفع، بل قد يكون ما يراه الناقد خطأً هو الصواب، لأن هذه لا تعدو أن تكون ملاحظات يجتهد فيها الإنسان وتختلف فيها الأفهام، وإن من أعظم مزايا أهل السنة والجماعة أنهم لا يرون العصمة لأحد سوى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولذا كان من منهجهم عرض الأقوال على الكتاب والسنة، وما كان من صواب قبلوه، وما كان من خطأ ردوه وأوضحوا الحق وبينوه، وبذلوا الجهد والغاية في الاعتذار للمخطئ متى ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، من غير تكلف، بل هم من أسس منهج الجرح والتعديل، وطالما أكدوا على قاعدتي العدل والورع، وإذا انخرمت هذه القاعدة نتج عنها فساد عريض من الجهل والظلم، وعندما أذكر بعض الملاحظات على هذا الكتاب فهي لا تعدو أن تكون ملاحظات يسيرة بالنسبة لتلك الحسنات العظيمة التي بذلها في كتابه هذا، ولعل أبرز
стр. 66
الملاحظات التي سأذكرها (١)، وهي كالآتي:
١ - لم يكن الإمام ﵀ صريحاً في قضايا إثبات بعض الصفات. فهو مثلاً عندما يثبت صفة النزول والمجيء، أو صفة الكلام، فإنه يورد هذه الصفات ويستدل بها، ولكنه لا يصرح التصريح الذي يزيل اللبس، خاصة عند من قرأ كُتبه السابقة، مع أنه في هذا الكتاب من المثبتة، ولكن الخلفية السابقة عنه قد تدفع بعض نفاة الصفات على حملها على أفهامهم بناءً على ما أسسه في كتبه السابقة على هذا الكتاب، كذلك قد نَدْفَعُ بعض المثبتة على مثل هذا، فيظن به التأويل والتعطيل.
٢ - استعماله لبعض الألفاظ التي قد تحتمل معنىً غير مقصده بل قد يفسرها البعض على حسب فهمه. فمثلاً: في مسألة الصورة قال: وليست له صورة تقال. وهذا لفظ مبهم، فيحمله المثبت على نفي الكيفية، ويحملها المعطل على نفي الصفة، كذلك قوله: (إذا لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفاً، استحال أن يكن لم يزل بخلاف الكلام موصوفاً)، فإثباته لصفة الكلام كإثباته لصفة العلم.
_________
(١) وليست مبنية في ترتيبها على الأهم فالأهم.
стр. 67
قد يفهم منه أن الكلام أزلي كالعلم. فهذا الكلام حَمَّالُ أوجه، فقد يفهم منه من جعله من المثبتة أنه يحتج على المعتزلة بحجة عقلية فيما سبق، وهي: أنه طالما أثبت صفة العلم، فعليكم أن تثبتوا صفة الكلام، ولا يقصدُ من خلاله أن الصفتين سواء بسواء، كما قد يحمله من لا يراه من المثبتة أنه يقصد أن صفة الكلام قديمة كصفة العلم، وبأن الله غير متكلم متى شاء. فهذا الكلام الموهم منه ﵀ تكرر في غير موطن في كتابه الإبانة.
٣ - كما أن من الملاحظات أنه نفى صفة السكوت عن الله مع ثبوتها حيث قال ﵀ في معرض كلام عن الكلام: ( … لأن خلاف الكلام الذي لا يكون كلام إنما سكوت أو آفة) وصفة السكوت ثابت لله . كما صح في السنة النبوية الصحيحة؛ بل هي محل إجماع (١). وهذه قد تحمل على نفيه السكوت الدائم رداً على من نفوا أنه ـ عزل وجل ـ متكلم، وقد تحمل على المعنى المخالف لإجماع أهل السُنة، وهو نفي صفة السكوت، فعبارته حمّالة أوجه.
٤ - لم يسلك الإمام الأشعري في كتابه هذا ما سلكه علماء
_________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٦/ ١٧٩.
стр. 68
عصره. من إيراد الأحاديث بالأسانيد، فلا تجد له في هذا الكتاب حديثاً مسنداً، وهذا مخالف لما سلكه مصنفو زمانه، وقد يعزى هذا؛ لأنه عاش مع المعتزلة غالب حياته، مما حرمه من الاستفادة من علماء الحديث. فخلى كتابه هذا وكتبه الأخرى المتداولة بيننا من هذه المزية.
٥ - اعتمد الأشعري في كتابه هذا على الأحاديث والآثار، وبعضها مصادرها ضعيفة، مع أن أصلها في الصحيحين، وإنك لتعجب من عدم نقله أو عزوه للصحيحين مع أن الأمة تلقتهما بالقبول في زمنه، بل إن الإمام مسلم ﵀ قد مات وعمر الأشعري سنة، وكتابه مع كتاب البخاري قد تلقاهما الناس بالقبول فلم ينقل منهما، وكان غالب نقله من كتب غير معروفة، بل لم ينقل من الكتب المعروفة إلا من كتابي الموطأ ومصنف بن أبي شيبة، أما الكتب الستة ومسند الإمام أحمد فلم ينقل منهما قط - مع توافرهما في زمنه، وإن كان غالب الأحاديث التي أوردها في كتابه هذا موجودة أصولها في هذه الكتب كما سبق أن بينت. ولعل في ذلك كالعلة التي قبلها، بأن ذلك عائد لعدم اتصاله بأهل الحديث، وعدم معرفته بدواوينه. ولعل هذه أبرز الملاحظات التي وجدتها،
стр. 69
وهي كما ذكرت ملاحظات لم تأخذ حيزاً مقارنة بحسنات الكتاب العظيمة. فقد غمرت هذه الملاحظات في بحر الحسنات.
стр. 70
الفصل الثالث أثر الإبانة على الأشاعرة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: من لم تؤثر عليهم الإبانة.
المبحث الثاني: من أثرت فيهم الإبانة.
стр. 71
الفصل الثالث أثر الإبانة على الأشاعرة
إن من الأمور المهمة، معرفة موقف الأشاعرة من الإبانة، ومدى تأثيره عليهم، ومدى الصِّلة بين الأشعري والأشاعرة الذين انتسبوا إليه، وبيان صدق هذه النسبة من زيفها. لأن مواقفهم من هذا الكتاب مختلفة ومتباينة وسوف أورد بعض هذه المواقف حتى يتم التوصل إلى نتيجة، وهي مدى تأثير كتاب الإبانة عليهم، من خلال ذكر بعض مواقفهم من الكتاب من خلال المباحث الآتية:
стр. 72
المبحث الأول: من لم تؤثر عليهم الإبانة.
المطلب الأول: هناك من أنكر نسبة الإبانة للأشعري. ومثل هذا لا يشك في أنه لن يكون للكتاب أي أثر عليه.
أ- ما ذكره ابن درباس في كتابه رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري: - أن كتاب الإبانة قد عُرض على عظيم من عظماء الجهمية، المنتمين افتراءً إلى أبي الحسن الأشعري ـ ببيت المقدس ـ فأنكرها وجحده وقال: ما سمعنا به قط ولا هي من تصنيفه، واجتهد آخر في إعمال رؤيته ليزيل الشبهة بفطنته، فقال بعد تحريك لحيته «لعله ألفها لما كان حشوياً»، فما دريت من أي أمريه أعجب؟ أمن جهله بالكتاب مع شهرته وكثرة من ذكره في التصانيف من العلماء؟ أم من جهله بحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه واشتهاره قبل توبته بالاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها (١). فهذا أنكر كتاب الإبانة، أو على الأقل أنكر أن يكون آخر أطواره، ومن ثم فلن يكون للكتاب تأثيرٌ عليه.
ب- وهناك من الأشاعرة من أنكر بعض ما جاء في الإبانة بحجة أن فيها إضافات ليست من قول الإمام الأشعري. وهذه الإضافات هي نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة، ومن هؤلاء مثلاً عناية علي حيدر
_________
(١) انظر رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري ص ١٣١.
стр. 73
الأبادي (١) وبين بأن في إيراد هذا القول ونسبته للإمام أبي حنيفة كافياً لرد هذه الزيادات واستدل على قوله بما يلي:
الشبهة الأولى: أن العلماء الأحناف مُتَّفِقُون على عدم خلق القرآن وعلى تكفير القائمين بخلقه (٢).
قلت: ولا شك بأن هذا هو المعروف عن الأئمة الأحناف والمشهور عنهم، وقد تتابع العلماء على نقل ذلك عنهم. فمثلاً: الإمام الطحاوي ﵀ أثبت في عقيدته بأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق ككلام البرية (٣). وهو من أئمة الأحناف، كذلك قال أبو يوسف (٤). حيث قال: من قال: القرآن مخلوق ففرض منابذته (٥)، كذلك نقل هذا القول عن محمد بن
_________
(١) بحثت عن ترجمته فلم أجد، ولكن الأقرب ما ذكر في معجم المؤلفين بأنه حيدر بن علي بن محمد الفيض أبادي، الهندي الحنفي المتكلم فقيه، من آثاره (منتهى الكلام) في الرد على الشيعة في مجلدين ضخمين، توفي سنة ١٢٥٠ هـ. انظر معجم المؤلفين ٤/ ٩٢.
(٢) انظر الضميمة ص ٤.
(٣) انظر شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٢٥٤.
(٤) هو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري المعروف بأبي يوسف صاحب أبي حنيفة ولي القضاء لثلاثة خلفاء: المهدي ـ والهادي ـ والرشيد، قال عنه الإمام أحمد والإمام يحيى بن معين: ثقة. توفي ﵀ في بغداد سنة ١٨٢ هـ ـ وقيل ١٨١ هـ. انظر الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٣/ ٦١٢، ووفيات الأعيان ٦/ ٣٨٧، والنجوم الزاهرة ٢/ ١٠٧.
(٥) أخرجه اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٧٩، والخطيب في تاريخه ١٤/ ٢٥٣، كما أورده الذهبي في العلو ٢/ ١٠٠٢.
стр. 74
الحسن (١)، حيث قال: القرآن كلام الله، وليس من الله شيء مخلوق، وروي عنه أنه قال: من قال أن القرآن مخلوق فلا تُصَلُّوا خَلْفَه (٢)، وأقوال علماء الأحناف ـ ولله الحمد ـ لا تختلف عن بقية علماء أهل السنة. ولا يعني إيراده آثار ضعيفة أنه يؤيدها بل قد يكون مقصده التنبيه إليها كى لا يعتمد عليها أحد، وهذا مسلك معروف عند أهل العلم عندما يوردون الروايات بأسانيد ضعيفة.
الشبهة الثانية: أن الإمام البيهقي في كتابه (الأسماء والصفات) أورد آثاراً يبين من خلالها أن الإمام أبا حنيفة ما كان يقول بخلق القرآن، حيث قال: بأن أبا يوسف سئل أكان أبو حنيفة يقول: القرآن مخلوق؟ قال: معاذ الله، ولا أنا أقوله فقلت: أكان يرى رأي جهم؟ قال: لا. ولا أنا أقوله (٣). كذلك أورد قول أبي يوسف: كلمت أبا حنيفة سنة في أن
_________
(١) هو العلامة فقيه العراق محمد بن الحسن بن فرقد أبو عبد الله الشيباني الكوفي صاحب أبي حنيفة ولد بواسط، تلقى العلم على يد أبي حنيفة ثم تمم ذلك على يد أبي يوسف، ولي القضاء للرشيد بعد أبي يوسف. قال الشافعي: ما ناظرت سميناً أذكى منه، قال ابن معين كتبت عنه الجامع الصغير، توفي ﵀ سنة ١٨٧ وله من العمر ٥٨ سنة. انظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ١٣٤ والجواهر المضية ٣/ ١٢٢.
(٢) انظر أصول الاعتقاد للالكائي ١/ ٢٧٠ ـ ٢٧١ الأثر رقم ٤٧٥ والعلو للذهبي ٢/ ١٠٥. وقال محققه الدكتور/ عبدالله البراك: إسناده صحيح.
(٣) أخرجه البيهقي في الاعتقاد ٢٠٣، والأسماء والصفات ١/ ٦١١ وقال عنه رواته ثقات، كذلك أخرجه اللالكائي ٢/ ٢٦٩، حديث ٤٧١. وقال محققه الدكتور أحمد سعد حمدان عقب تخريجه: وهذا يناقض ما رمى به أبو حنيفة ﵀ من أنه كان يقول بخلق القرآن.
стр. 75
القرآن مخلوق أم لا، فاتفق رأيه ورأي على أن من قال: أن القرآن مخلوق فهو كافر (١) فقال الحيدري بعد ذلك: يثبت من هذه الروايات للبيهقي أمران:
الأمر الأول: أن تلك الروايات تدل بألفاظها وعباراتها على أن هذه العقيدة القبيحة ما خطرت في قلب الإمام ولا في قلوب أصحابه.
الأمر الثاني: أننا إذا صرفنا النظر عن تلك الدلالة للروايات ورفعناها من البين فوقوعه في ذلك المقام يؤيد المقصد تأييداً بليغاً. بيانه: أن تلك الروايات في باب هو موضوع لسرد الروايات عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في كون القرآن غير مخلوق ـ لأن مقصود البيهقي إثبات المطلب والاحتجاج على المقصد الذي هو عدم كون القرآن مخلوقاً ـ لأن من روى عنه البيهقي في هذا الباب يكون من أئمة المسلمين ومحال أن يكون الكافر من أئمة المسلمين ـ فإن كان أبو حنيفة قائلاً بهذا القول يقتضي كفره ـ، ولكن هذه الروايات تنفي نسبة هذه العقيدة القبيحة إلى الإمام.
_________
(١) انظر الأسماء والصفات، قال البيهقي: وقال أبو عبد الله ـ يعنى الحاكم ـ: رواته كلهم ثقات ١/ ٦١١.
следующие страницы →