Полный текст (674 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران (١٠٢)] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا … وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ … عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ النساء (١) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فقد ألف الإمام الأشعري ﵀ مجموعة من الكتب والرسائل التي تعالج قضايا العقيدة، بعضها قد كتب في الفترة التي سبقت تحوله عن الاعتزال، وبعضها قد كتب في الفترة التي أعقبت انتقاله ﵀ إلى منهج أهل السنة والجماعة، ومن بين هذه الكتب الأخيرة كتاب (الإبانة عن أصول الديانة). وقد كانت
стр. 2
هذه الكتب - ولا زالت - موضع دراسة الباحثين المهتمين بالأشعري ومذهب الأشاعرة، وقد أثارت - ولا تزال - تثير الجدل حول نسبتها إلى الأشعري وظهورها التاريخي عما استقر عليه حاله. ومنشأ ذلك الكذب عليه من جهة محبيه، ومن جهة مبغضيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (فالأشعري ابتلي بطائفتين: طائفة تبغضه، وطائفه تحبه، كل منهما يكذب عليه ويقول: إنما صنف هذه الكتب تقية، وإظهاراً لموافقة أهل الحديث والسنة، من الحنابلة وغيرهم. وهذا كذب على الرجل، فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها، ولا نقل أحد من خواص أصحابه، ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي بأنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوى مردودة شرعًا وعقلاً. بل من تدبر كلامه في هذا الباب - في مواضع - تبين له قطعًا أنه كان ينصر ما أظهره، ولكن الذين يحبونه ويخالفون في إثبات الصفات الخبرية يقصدون نفي ذلك عنه، لئلا يقال: إنهم خالفوه مع كون ما ذهبوا إليه من السنة، قد اقتدوا بحجته التي على ذكرها يعولون، وعليها يعتمدون. والفريق الآخر: دافعوا عنه لكونهم رأوا المنتسبين إليه لا يظهرون إلا خلاف هذا القول ولكونهم اتهموه بالتقية (١). ولهذا
_________
(١) انظر مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٠٢.
стр. 3
اخترت بعد استخارة الله - جل وعلا - واستشارة عدد من العلماء وطلبة العلم الكتابة عن الأشعري ﵀ من خلال تحقيق كتابه الإبانة الذي انتسب من خلاله إلى أهل السنة والجماعة وترك الاعتزال وعلم الكلام، وظل الإمام الأشعري _ ﵀ بعد رجوعه إلى الحق يدافع عن دين الله، ويؤلف في الرد على أهل الأهواء والبدع المخالفين لمذهب السلف إلى أن توفاه الله تعالى، فانتشرت كتبه في الآفاق، وتوزع تلامذته بين الأمصار ـ ولكن بعض متأخري الأشاعرة للأسف ـ خالفوا إمامهم في كثير من الأمور، وسلكوا طريقة بن كلاب، والتي بين الأشعري في المقالات أنها ليست على طريقة أهل الحديث (١)، بل سار بعض أتباعه المتأخرين وهم قلة ولله الحمد، على منهج التجهم والاعتزال، والذي نسبوه ظلماً وجوراً لأهل السنة والجماعة، ولكن الحق يرفض ذلك، وكان الأحرى بهم والأولى أن يرجعوا إلى نصوص الوحيين وفهم السلف الصالح لهما، والذي تنبه له إمامهم ﵀ في طوره الأخير، فكان الأحرى بهم إن كانوا حقاً منتسبين إليه أن يقفوا على منهجه، ويستفيدوا من كتبه وخاصة الإبانة، ورسالته إلى أهل الثغر، والمقالات وألا ينسبوا له زوراً وبهتاناً ما لم يقل به، ولتوضيح هذه
_________
(١) انظر المقالات ص ١٣٨، ١٤٢، ١٤٤.
стр. 4
الحقيقة اخترت هذا الكتاب القيم من كتب الإمام الأشعري ليكون موضوعاً لرسالتي وإني أسأل الله أن أكون قد وفقت فيما كتبته، وأن يكتب لهذه الرسالة القبول وأن يجعلها ذخراً لي ولجميع من وقفوا معي، أو استفادوا منها في ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ … سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء].
أهمية البحث:
١ - انتشار المذهب الأشعري قديماً وحديثاً، حتى أصبحت تتبناه بعض الجامعات والمعاهد المنتشرة في العالم الإسلامي.
٢ - أن كتاب الإبانة وثيقة مهمة في تاريخ المذاهب الإسلامية العقدية.
٣ - يمثل كتاب الإبانة العرض النهائي لمذهب الأشعري ﵀ وقد وافق فيه السلف ـ ولله الحمد والمنة ـ فيكون مرجعاً سلفياً.
٤ - إبراز أقوال أهل السنة والجماعة على لسان الإمام الأشعري ﵀ أدعى لقبوله لدى المنتسبين إليه.
٥ - أن كتاب الإبانة فيه رد على متأخري الأشاعرة الذين خالفوا إمامهم مع انتسابهم إليه.
стр. 5
٦ - تحقيق النسخة تحت إشراف جامعة لهامكانتها في العالم الإسلامي ـ وهي جامعة أم القرى بمكة المكرمة ـ يجعل لها انتشاراً وقبولاً بإذن الله، كيف وقد أضيف لها شرف بأن المشرف عليها العلامة عبد الله بن محمد الغنيمان؛ فلا شك بأن القبول لها أكثر بحول الله وقوته.
موضوع البحث:
موضوع البحث له علاقة وطيدة بالعقيدة؛ حيث إنّ كتاب الإبانة مصنف عقدي يتناول مؤلفه من خلاله مسائل الصفات، والقدر، واليوم الآخر وما يتعلق فيه من رؤيا الرب ـ جلا وعلا ـ وإثبات الحوض، والصراط، والميزان، وعذاب القبر واختتم كتابه كما هو في غالب كتب أئمة أهل السنة بالإمامة واثبات صحة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة ﵃ وغيرها من مسائل العقيدة، ويستدل لهذه المسائل بأدلة من الكتاب والسنة والعقل
مشكلة البحث:
يعتبر كتاب الإبانة للأشعري ﵀ من أكثر كتبه مثاراً للجدل في قضايا عديدة منها:
стр. 6
١ - إثبات صحة نسبة الكتاب للأشعري؛ حيث إنه لم يرد ذكر اسم هذا الكتاب في قائمة الأشعري عند بعض المؤرخين. وأثبته البعض الآخر
٢ - إثبات أيهما اللاحق، أهو الإبانة أم اللمع؟
٣ - إثبات آخر الأطوار العقدية عند الأشعري.
أهداف الدراسة:
١ - إعادة تحقيق نص كتاب الإبانة، مع تخريج الأحاديث والآثار، وضبط النص وإخراجه كما أراد مؤلفه ﵀ والتعليق عليه.
٢ - بيان آراء أبي الحسن الأشعري التي توافق أهل السنة في هذا الكتاب، وتخالف ما عليه متأخرو الأشاعرة، وخاصة في مسائل الصفات الخبرية، والعلو، والاستواء.
٣ - إبراز وجوه الارتباط في الاستدلال عند الأشعري بين النقل والعقل.
حدود الدراسة:
الدراسة في هذا البحث ستكون إن شاء الله على النحو التالي:
أولاً: دراسة كتاب الإمام الأشعري ﵀ الإبانة وبيان منهجه ومن قبل بكتابه الإبانة ومن رده.
стр. 7
ثانياً: التحقيق والتعليق على كتاب الإبانة.
الصعوبات التي واجهت الباحث:
لابد أن تواجه الباحث إذا أراد إن يكون بحثه بحثاً علمياً جاداً بعض الصعوبات، ومن أهم الصعوبات التي واجهتها في البحث:
١ - صعوبة الحصول على المخطوطات من أماكن وجودها عن طريق المراسلة، فكان لابد من الحضور الشخصي، فسافرت إلى حيدر أباد في الهند، وتمكنت من الحصول على المخطوطة الوحيدة هناك بيسر وسهولة ـ ولله الحمد ـ ووجدت كُل تعاون، وسافرت إلى بيروت ثلاث مرات بقصد الحصول على المخطوطة ولم أتمكن من الدخول إلى الجامعة الأمريكية هناك، مع أنني كررت السفر بنية الحصول عليها، ولكنني لم أوفق لعدم وجود متعاونين في تلك الجامعة، وكانوا يطلبون مني أن أراسلهم ـ وإذا راسلتهم ـ قالوا هو مطبوع ولا حاجة لك بالمخطوطة! وقد أنعم الله عليّ بعد جهد وعناء بأحد الأساتذة هناك، والذي قام بتصوير جزء منها غير يسير يعادل أكثر من النصف، ولم يتمكن من تصوير الباقي وواجهت قريباً من ذلك في مصر، ولكن وفقني الله بتعاون الملحق الثقافي السعودي بمصر الأستاذ محمد العقيل ـ وفقه الله ـ
стр. 8
بإحضار المخطوط من مكتبة جامعة الدول العربية، أما بقية المخطوطات فلم أجد صعوبة في الحصول عليها ولله الحمد والمنة.
٢ - كما أن من الصعوبات التي واجهتها صعوبة قراءة بعض الألفاظ من المخطوطات والتي كانت تستغرق مني جهداً ووقتاً طويلاً.
٣ - صعوبة الحصول على تراجم لبعض من أوردهم المؤلف، وخاصة المعتزلة الذين رد عليهم في كتبه، حيث يورد الإسم بالكنية أو باللقب فقط، وقد عانيت مشقة ووجدت صعوبة في معرفة هؤلاء الأشخاص، واستطعت بحمد الله الترجمة لغالبهم إلا للخالدي الذي لم أستطع تمييزه عن غيره.
٤ - ومن الصعوبات أيضاً تخريج الآثار، حيث إن المؤلف ﵀ لم يعتمد على الكتب المعروفة، ناهيك على أنه يورد في بعض الأحيان الحديث أو الأثر بالمعني، بل قد يعزو أثراً بالمعني للعشرات من الأعلام، دون أن يذكر مصدراً واحداً، وقد أهمل جميع من حققوا الإبانة تخريج هذه الآثار، وقد وفقني الله ـ ولله الحمد ـ بتخريجها جميعاً، ومن أمثلة ذلك: الأعلام الذين قالوا: من قال أن القرآن مخلوق فهو كافر، ولعل هذه أبرز الصعوبات التي واجهتني في تحقيق هذا الكتاب.
стр. 9
إجراءات الدراسة:
الإجراءات التي سوف أسير عليها بإذنه تعالى في هذه الدراسة تتلخص فيما يلي:
١ - ذكر مقدمة تبين أهمية الموضوع وخطة البحث ومنهجي فيه.
٢ - الاعتناء بعزو الآيات القرآنية بذكر اسم السورة ورقم الآية.
٣ - وأما الأحاديث والآثار فخرجتها من مصادرها الأصلية مضيفًا إلى ذلك الحكم عليهما حسب ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم بشيء من الاختصار، وإن كان في ا لصحيحين أو أحدهما. اكتفيت بعزوه إليهما.
٤ - نسبة الأقوال إلى قائليها، وذلك بأخذ الحكم والكلام من مصادره الأصلية المعتمدة تفاديًا لحصول الخطأ وتمسكًا بمنهج البحث السليم فإذا كان الكلام المنقول بعينه وضع بين قوسين وكتب في الهامش المرجع مباشرة، وإذا كان المقصود الإحالة أو مع شيء من الاختصار كتب في الهامش انظر.
٥ - إيضاح الألفاظ الغامضة بالرجوع إلى القواميس التي تعتني بذلك.
٦ - التعريف بالأعلام وعرفت بالبلدان الواردة في أصل الدراسة والمخطوط.
٧ - وكان عملي بالمخطوط يقوم على ما يلي:
стр. 10
أ) اعتماد نسخة خطية ظهر لي أنها أصح النسخ فقمت بنسخها، ومقابلة النسخ الأخرى عليها.
ب) عند وجود سقط في النسخة الأصلية فإنني أجعل الزيادة بين معقوفتين [] ثم أشير في الهامش إلى مصدر الزيادة من النسخ الأخرى، كما أنني أفعل ذلك عند جود تصحيف واضح أو خطأٍ بين مع التنبيه إلى ذلك في الهامش.
ج) عندما يكون السقط من نسخة أخرى فإنني أسلك مسلكين:
المسلك الأول: إذا كان السقط من النسخ الأخرى طويلاً فإنني أضعه بين قوسين هلاليين () مع الإشارة في الهامش إلى المخطوطة التي سقط منها.
المسلك الثاني: إذا كان السقط أو اختلاف اللفظ بين النسخة المعتمدة والنسخ الأخرى يسيراً لا يتجاوز كلمة أو كلمتين، فإنني أضع رقماً على اللفظة في الأصل، ثم أشير في الهامش إلى أنها سقطت من نسخة كذا وكذا، أو أنَّ في نسخة كذا وكذا عبارة كذا وكذا، دون الحاجة إلى أقواس.
د) حرصت على أن أثبت الآيات القرآنية بالرسم العثماني كما أوردها المؤلف وأكتفي بالجزء الذي ذكره من الآية دون إتمامها متابعة للمؤلف في ذلك ـ مع العزو للسورة ورقم الآية في الهامش.
стр. 11
هـ) حرصت على ذكر جميع الفروق بين جميع النسخ حتى ولو كان الفرق ليس جوهرياً، ولا مهماً، ولا أثر له على الكتاب، وفعلت ذلك من باب الأمانة العلمية، كنحو رسول الله، ونبي الله، وعز وجل، وتعالى، ورضي الله عنه، ورضي الله عنهم، والرواية، والروايات، وكالزيادة في اسم العلم كما في بعض النسخ عمر، وبعضها عمر بن الخطاب. وكبعض اصطلاحات المحدثين كلفظة حدثنا، نا، ثنا، كذلك لم أهمل مسألة التقديم والتأخير من باب الأمانة العلمية، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وحرصت ألا يفوتني شيئاً من هذه الفروق إلا ما ند عن البصر، أو شرد عنه الخاطر.
و) قمت بالتعليق على جميع المسائل التي تحتاج إلى تعليق من وجهة نظري.
ز) قمت بنقل الإجماع من مصادر أخرى تؤكد ما ذهب إليه الأشعري في المسائل التي نقل فيها الإجماع.
ط) نقلت تعليقات شيخ الإسلام ابن تيمية على الإبانة من جميع كتبه، فما تركت موطناً علق فيه على الإبانة إلا ونقلته ووجدت ـ
стр. 12
ولله الحمد ـ أنه مؤيدٌ لجميع ما ذكره الأشعري فحليت به الكتاب وطرزته.
ظ) عندما يكون الفرق بين النسخ بسبب اختلاف الرسم الإملائي فإنني لا أعتد بهذا الفرق وإنما اعتمدت الإملائية الحديثة في كتابة المخطوط.
ي) وضعت أرقاماً وحروفاً أبجدية في المخطوط للتفريق بين المسائل، وجميع الأرقام والرموز التي في المخطوط من صنعي من اجل تسهيل قراءة الكتاب على القارئ.
تقسيم هذه الرسالة إلى قسمين:
القسم الأول: قسم الدراسة، ويشمل المقدمة والتمهيد وستة فصول.
المقدمة:
التمهيد ويشمل:
١ - أهمية البحث.
٢ - موضوع البحث.
٣ - مشكلة البحث.
٤ - أهداف الدراسة.
٥ - حدود الدراسة.
стр. 13
٦ - الصعوبات التي واجهها الباحث.
٧ - إجراءات الدراسة.
قسم الدراسة، ويحتوي على ستة فصول:
الفصل الأول: حياة أبي الحسن الأشعري وفيه مباحث:
المبحث الأول: اسمه ونسبه.
المبحث الثاني: كنيته ولقبه.
المبحث الثالث: ولادته تاريخها ومكانها.
المبحث الرابع: ثناء العلماء عليه.
المبحث الخامس: مذهبه الفقهي.
المبحث السادس: شيوخه.
المبحث السابع: تلاميذه.
المبحث الثامن: وفاته.
الفصل الثاني: عصره، وفيه مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.
المبحث الثالث: الناحية العلمية.
الفصل الثالث: تطوّر حياته العقدية والفكرية، وفيه مباحث:
المبحث الأول: طور الاعتزال.
المبحث الثاني: أسباب رجوعه عن الاعتزال.
المبحث الثالث: ما بعد مرحلة الاعتزال.
الفصل الرابع: مؤلفاته، وفيه مباحث:
المبحث الأول: المصنفات التي وصلت إلينا وبعضها مطبوع الآن.
المبحث الثاني: النسخ المخطوطه.
المبحث الثالث: المؤلفات التي لم تصل إلينا ونسبها بعض الباحثين للأشعري.
المبحث الرابع: الكتب التي ألفها من سنة ٣٢٠ إلى وفاته سنة ٣٢٤.
الفصل الخامس: كتاب الإبانة عن أصول الديانة وفيه مباحث:
المبحث الأول: عنوان الكتاب.
المبحث الثاني: توثيق نسبته لمؤلفه.
المبحث الثالث: تاريخ تأليفه.
المبحث الرابع: منهجه في الكتاب.
المبحث الخامس: مصادره في الكتاب.
المبحث السادس: منزلة الكتاب.
المبحث السابع: نقد الكتاب.
الفصل السادس: أثر الإبانة على الأشاعرة، وفيه مباحث:
المبحث الأول: من لم تؤثر عليهم الإبانة.
المبحث الثاني: من أثرت فيهم الإبانة.
القسم الثاني: التحقيق، ويشمل:
١ ـ الطبعات السابقة للكتاب.
стр. 14
٢ ـ وصف النسخ الخطية للكتاب.
٣ ـ النص المحقّق.
تم تذييل البحث بالفهارس التالية:
- فهرس الآيات القرآنية.
- فهرس الأحاديث النبوية.
- فهرس الآثار.
- فهرس الأعلام المترجم لهم في الحاشية.
فهرس الفرق والطوائف والملل.
فهرس الأماكن والبلدان.
- فهرس المراجع.
- فهرس محتويات البحث.
الفصل الأول: حياة أبي الحسن الاشعري وفيه ثمان مباحث
المبحث الأول: اسمه ونسبه.
المبحث الثاني: كنيته ولقبه.
المبحث الثالث: ولادته تاريخها ومكانها.
المبحث الرابع: ثناء العلماء عليه.
المبحث الخامس: مذهبه الفقهي.
المبحث السادس: شيوخه.
المبحث السابع: تلاميذه.
المبحث الثامن: وفاته.
الفصل الأول: حياة أبي الحسن الأشعري، وفيه مباحث:
стр. 15
شكر وتقدير
وأخيرًا فإنني أحمد الله حمدًا كثيرًا على ما أنعم به عليّ من إتمام هذه الرسالة، ومن باب قوله ﷺ : "من لا يشكر الناس، لا يشكر الله " (١)، ومن هذا التوجيه النبوي الكريم أشكر جامعة أم القرى بمكة المكرمة التي وافقت مشكورة على أن أنال شرف الدراسة بها في كلية الدعوة وأصول الدين (قسم العقيدة)، كما أشكر كل من وقف معي أو قدم لي مساعدة في بحثي هذا، وأخص بالشكر والدعاء فضيلة شيخي ووالدي شيخنا العلامة عبدالله بن محمد الغنيمان، الذي شرفني بموافقته على الإشراف على هذه الرسالة، فكان نعم الشيخ والمشرف والوالد والمربي، فلقد أفدت منه - ولله الحمد - كثيرًا من علمه وخلقه وتواضعه، وقد فتح لي - أنزله الله الفردوس الأعلى - قلبه وبيته ومكتبته، بل كنت إذا احتجت كتابًا أو مصدرًا، بحث عنه بنفسه بكل تواضع، وكان هذا يحرجني كثيرًا، وكان - حفظه الله - لا يتضجر من زياراتي والتي قد أفاجأه بها؛ لأنني في الرياض وهو في القصيم، فكان يستقبلني في كل وقت، يصبر علي الساعات الطوال،
_________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم ١١٧٠٣ والبخاري في الأدب المفرد برقم ٣٣ وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد برقم ٤١٦ وقال شعيب صحيح لغيره. انظر الموسوعة الحديثة لمسند الإمام أحمد ١٣/ ٢٣٣.
стр. 16
فينفعني بعلمه ويسددني بنصحه، ويصحح لي ما جهلته، ويصوب لي ما أخطأت به، فجزاه الله عني خير ما جزي به عالمًا عن تلميذه، ووالدًا عن ولده، كما أشكر جميع أساتذتي ومشايخي الذين درسوني في مرحلة دراسة الدكتوراة، وأخص بالذكر منهم شيخي الكريم فضيلة الشيخ الدكتور/ على بن نفيع العلياني، فكان يحثني على سرعة إنهاء الرسالة، كما أشكر شيخيَّ الكريمين الدكتورين الفاضلين المناقشين لهذه الرسالة، فضيلة الشيخ الدكتور / محمود مزروعة، وفضيلة الشيخ الدكتور / محمد الوهيبي، على ما بذلا من جهد في قراءتها، وعلى ما أسدياه من نصح عند مناقشتها، كما أشكر جميع من وقف معي من أهلي وزملائي وأصدقائي ومشايخي.
قاله وكتبه د/ صالح بن مقبل العصيمي التيمي
المملكة العربية السعودية الرياض - ص. ب ١٢٠٩٦٩ الرمز ١١٦٨٩
فاكس وهاتف: ٢٤١٤٠٨٠ الجوال ٠٥٥٥٥٤٩٢٩١
@ gmail.com ٥٥٥٠٤٩٢٩١ S
стр. 17
الفصل الأول: حياة أبي الحسن الأشعري
وفيه مبحثان
المبحث الأول: اسمه ونسبه
المبحث الثاني: ولادته ووفاته
стр. 18
المبحث الأول: اسمه ونسبه
هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن صاحب رسول الله ﷺ ، أبو موسى عبد الله بن قيس بن حضار الأشعري اليماني الأصل البصري المولد. أما والده، فهو أبو إسماعيل بن إسحاق كان من أهل السنة والجماعة، كما كان محدثاً، ويدل على ذلك أن والده لما حضرته الوفاة، وكان ابنه علي صغيراً، أوصى به إلى أحد أئمة الحديث، وهو الإمام زكريا بن يحيى الساجي (١). ولاشك بأن هذا يؤكد أن والده كان من أهل السنة والجماعة حيث قال ابن عساكر (٢): ذكر الإمام أبو بكر بن فورك (٣): أن أباه أبو بشر
_________
(١) هو أبو يحيى زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي، الشافعي، كان من أئمة الحديث؛ له كتاب (اختلاف العلماء وكتاب علل الحديث) قال عنه الذهبي: الإمام الثبت الحافظ، محدث البصرة وشيخها ومفتيها، أخذ عنه أبو الحسن الأِشعري مقالة السلف في الصفات، توفي سنة (٣٠٧) بالبصرة، انظر سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٩٧) باختصار.
(٢) أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر الشافعي. ولد سنة (٤٩٩ هـ) وكان من أئمة أهل الحديث في زمانه. توفي سنة (٥٧٠) هـ في دمشق. انظر مقدمة تهذيب تاريخ دمشق (١/ ٧) وانظر شذرات الذهب ٦/ ٣٩٥ والسير ٢٠/ ٥٥٤.
(٣) هو محمد بن الحسن بن فُوَركِ، أبو بكر الأنصاري، الأصبهاني. قال عنه الذهبي: الإمام العلامة الصالح، شيخ المتكلمين، حدث عنه أبو بكر البيهقي، وصنف التصانيف الكثيرة كان أشعرياً، رأساً في فن الكلام، روى عنه الحاكم حديثاً، وقال عنه ابن عساكر: قال عنه عبد الغفار بن إسماعيل: محمد بن الحسن بن فُوَرك أبو بكر، بلغت تصانيفه في أصول الدين، وأصول الفقه، ومعاني القرآن، قريباً من المئة، توفي سنة (٤٠٦) هـ. انظر سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢١٤). و تبيين كذب المفتري ص ٢٣٢.
стр. 19
إسماعيل بن إسحاق، كان سنيًا، جماعيًا، حديثيًا حيث أوصى به أبو الحسن عند وفاته إلى زكريا بن يحيى الساجي ﵀ وهو إمام في الفقه والحديث، وله كتب منها: كتاب اختلاف الفقهاء، وكان يذهب مذهب الشافعي، وقد روى عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب التفسير أحاديث كثيرة ـ يعني الساجي ـ (١) ونسبه ينتهي إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري ﵁ (٢).
_________
(١) انظر تبيين كذب المفتري ص ٣٥
(٢) هو الصحابي الجليل عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، التقى بجعفر بن أبي طالب في الحبشة ثم خرج معه إلى المدينة مسلماً. استعمله النبي ﷺ على زبيد، وعدن، وساحل اليمن، واستعمله عمر على الكوفة والبصرة؛ وكان من أحسن أصحاب النبي ﷺ صوتاً، وروى له الجماعة ومناقبه وفضائله كثيرة جداً توفي ﵁ سنة (٤٢) وقيل: سنة (٥٠) وقيل: (٥١) وقيل: (٥٢) وقيل: (٥٣) في مكة وهو ابن ٦٣ سنة. انظر: تهذيب الكمال (١٥/ ٤٤٦) وطبقات ابن سعد (٢/ ٣٤٤) وسير أعلام النبلاء (٢/ ٣٨٠).
стр. 20
المبحث الثاني ولادته ووفاته
اختلف المترجمون للأشعري في تحديد سنة ولادته، فقيل ولد سنة [٢٦٠] هـ وقد انتصر لهذا القول ابن عساكر حتى قال: لا أعلم لقائل هذا القول في تاريخ مولده مخالفاً (١٦). في حين ذكر ابن خلكان بأن هناك قولاً بأن ولادته سنة [٢٧٠] هـ (١٧). وأما المقريزي (١٨) فقد ذكر بأن ولادته سنة [٢٦٦] هـ (١٩). ولعل الأقرب في تاريخ ولادته هو ما ذكره ابن عساكر، بل وعليه أغلب المصادر القديمة. وقال الزبيدي (٢٠): قيل: ولد
_________
(١٦) انظر تبيين كذب المفترى صـ (١٤٦)، والمنتظم لابن الجوزي ١٤/ ٢٩.
(١٧) انظر وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٤).
(١٨) وهو تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر العبيدي المقريزي قال عنه ابن العباد: الإمام العالم البارع، عمدة المؤرخين وعين المحدثين. ولد سنة [٧٦١] هـ في القاهرة، وكان يميل إلى المذهب الظاهري. له العديد من المؤلفات ومن أبرزها (الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية) (والسلوك في معرفة دول الملوك) توفي بالقاهرة عام [٨٤٥] هـ انظر شذرات الذهب (٩/ ٣٧٠).
(١٩) الخطط ٣/ ٣١٤.
(٢٠) محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي، أبو الفيض، الملقب والمعروف بمرتضى، علامة باللغة والحديث والرجال والأنساب، من كبار المصنفين. أصله من واسط في - العراق - ولد في بلجرام إحدى مدن الهند عام ١١٤٥ ونشأ في زبيد - إحدى مدن اليمن - رحل إلى الحجاز وأقام في مصر - من أهم كتبه - تاج العروس في شرح القاموس طبع في عشرة مجلدات، وكذلك كتاب إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين، وأسانيد الكتب الستة، وله عدة مؤلفات قيمة. توفي في مصر عام ١٢٠٥. انظر: الأعلام للزركلي ٧/ ٧٠.
стр. 21
سنة ستين ومائتين. وقيل: سنة سبعين، والأول أشهر (١). أما مكان ولادته ففي مدينة البصرة (٢) ولم أجد في ذلك مخالفاً بأنها كانت في البصرة.
أما وفاته فهي محل خلاف من حيث التاريخ، والراجح أنها سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وأما مكانها فكان في بغداد بلا خلاف (٣) (٤).
_________
(١) انظر إتحاف السادة المتقين ٢/ ٤.
(٢) هي مدينة في العراق، أنشئت في أيام عمر ﵁ سنة سبع للهجرة ـ وقد اشتق اسمها من الحجارة السوداء، وسرعان ما اتسعت هذه المدينة فإذا هي والكوفة تصبحان من عواصم العراق الجديدة، وقد اشتهرت في كل الأزمنة بأنهارها، وتشتهر الآن بصناعة الحديد والصلب واستخراج البترول وتكريره. انظر بلدان الخلافة الشرقية ص ٦٤ ـ ٦٧، وموسوعة المدن العربية ص ٢٣٣.
(٣) انظر التبيين ص ١٧٤، والبداية والنهاية ١٥/ ١٠١.
(٤) قد فصلت القول في حياة الإمام الأشعري في مجلد كامل بعنوان: الإمام الأشعري: حياته وأطواره العقدية.
стр. 22
الفصل الثاني كتاب الإبانة عن أصول الديانة
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: عنوان الكتاب.
المبحث الثاني: توثيق نسبته للمؤلف.
المبحث الثالث: تاريخ تأليفه.
المبحث الرابع: مصادره في الكتاب.
المبحث الخامس: منهجه في الكتاب.
المبحث السادس: منزلة الكتاب.
المبحث السابع: نقد الكتاب.
стр. 23
الفصل الثاني
كتاب الإبانة عن أصول الديانة
لقد أحدث كتاب الإبانة صراعاً قوياً حول معرفة منهج الإمام الأشعري، لأن كتاب الإبانة علامة فاصلة، تضفي بظلالها على شخصية الإمام الأشعري، فمن أثبته وجعله آخر مؤلفاته سلم بانتماء الأشعري لمنهج أهل الحديث، ومن سلم به ولكنه جعله من بواكير مؤلفاته بعد الاعتزال حكم بأن الأشعري تَخَلَّى عن مذهب السلف بعد أن عرفه، وسوف أحاول بحول الله ـ تعالى ـ أن أتوصل إلى ما يزيل هذه الإيهامات من خلال المباحث الآتية:
стр. 24
المبحث الأول
عنوان الكتاب
وجدت أن لهذا الكتاب ـ الإبانة ـ ثلاثة عناوين:
الأول: التوحيد، حيث وضع على بعض النسخ الخطية عنوان التوحيد، وهذا موجود في مخطوطة في بلدية الأسكندرية ونفس المخطوطة موجودة في الجامعة الأمريكية في بيروت. وفي جامعة الدول العربية بمصر.
الثاني: الإبانة في أصول الديانة.
الثالث: الإبانة عن أصول الديانة.
والعنوانان الثاني والثالث متشابهان. ولا يُوَجدُ بينهما تَغَايُرٌ إلا من جهة حرف الجر. وهذا لا يقتضي أن يكون هناك خلافٌ في مُسِمَّى الكتاب، وعنوانه واضح على المخطوطات بأنه الإبانة عن أصول الديانة. لكن يظل هناك خلاف في العنوان، والخلاف محصور بين عنوانين:
الأول: كتاب التوحيد. فهذا العنوان كأنه من وضع أحد النُّسَّاخ بعد الشيخ ﵀ وكأنه أراد اختصار عبارة: «عن أصول الديانة» في أصلها الأصيل، وهو: «التوحيد» وبذلك يكون قد اختصر العنوان من جهة، وجعله مباشراً أو أكثر تحديداً من جهة أخرى.
الثاني: كتاب الإبانة عن أصول الديانة: فليس من شك ـ عندي ـ أنه من وضع الشيخ ﵀ فبصمة الشيخ وطريقته في اختيار العناوين
стр. 25
لمؤلفاته ـ وبخاصة المهم منها ـ واضحة على العنوان. ثم إن في العنوان الثاني تعريضاً بالمخالفين من معتزلة وغيرهم، حيث يفيد العنوان بأنهم قد انحرفوا عن أصول الديانة، فجاء الكتاب يُبين لهم عن هذه الأصول، كما أن تواتر أقوال العلماء على تسميته بهذا العنوان شاهد إثبات أكيد.
стр. 26
المبحث الثاني
توثيق نسبته لمؤلفه ﵀ ـ
المطلب الأول: من أثبتوا الكتاب.
لم أجد كتاباً تضافرت الأقوال على نسبته لمؤلفه كما تضافرت الأقوال على نسبة كتاب الإبانة، فلقد شهد العشرات من العلماء على أن الإمام الأشعري قد ألف كتابه الإبانة. وإنما تساءل بعض الناس: لماذا خلت منه قائمة ابن فورك؟! وسوف أجيب على هذا بإذن الله، كما تساءل البعض: لماذا لم يذكره ابن عساكر. فيما استدركه على ابن فورك؟! وهؤلاء إما جهلوا وإما تناسوا أن ابن عساكر لم يستدركه على ابن فورك فقط، بل فعل ما هو أعظم، وهو أنه نقل عبارات منه، وهذا أعظم من الذكر المجرد والسرد المجمل، بل ولم يجد عندما أراد مدح الأشعري أفضل من كتابه الإبانة. وقد تواتر الأئمة الأعلام على نسبة كتاب الإبانة للأشعري. فنسبته إليه مشهورة، فضلاً عن نسخه الخطية، وسوف أورد هنا نماذج من العلماء الذين أثبتوا صحة نسبة الكتاب.
١ - الحافظ ابن عساكر: وابتدأت بذكره، لأنه لا يشك في معرفته الكاملة للأشعري وانتمائه له، بل ألف كتاباً في بيان مناقبه والذب عنه،
стр. 27
فقد ذكر في كتابه التبيين كتاب الإبانة في أكثر من موضع، فمرة ذكر منظومة لأحد الأشاعرة جاء فيها:
لو لم يصنف عمره … غير الإبانة واللمع (١)
وقال في موضع آخر مثنياً على هذا الكتاب فقال: فليعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة فاسمع ما ذكره في أول كتابه الذي سماه بالإبانة. ثم بدأ سرد نص من الإبانة (٢). فهنا نسب الحافظ ابن عساكر في كتابه التبيين الذي يعول عليه في معرفة كتب الأشعري كتاب الإبانة لأبي الحسن، بل وجعل هذا الكتاب من دلالة حسن عقيدته، وأما عدم ذكره له فيما استدركه على ابن فورك، فلعل السبب أنه ذكره ضمن كتابه هذا، فاكتفى بأنه ذكره ونقل منه، فلم يرَ فائدة من تكرار ذكره.
٢ - نصر الدين السجزي حيث ذكر شيخ الإسلام أن نصر الدين المقدسي، له تآليف في الأصول، نقل منه فصولاً من كتاب الإبانة. هذا وكان في وقفه به نسخة (٣).
٣ - شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكره في مواضع عدة من كتبه، حيث
_________
(١) التبيين ص ١٧١.
(٢) انظر التبيين ص ١٥٢، ص ٣٨٩.
(٣) انظر بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤١ ـ ١٤٢، وانظر رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري لابن درباس ص ١١٥.
стр. 28
قال: وهو من أشهر تآليف الأشعري وآخرها (١).
٤ - الإمام ابن القيم، حيث ذكر في مواطن عدة من كتبه الإبانة. فمثلاً ذكر في اجتماع الجيوش أن الأشعري، قد انتسب إلى الإمام أحمد، وذكر ذلك في الإبانة (٢)، وذكر في النونية:
وكذا على الأشعري فإنه … في كتبه قد جاء بالتبيان
من موجز وإبانة ومقالة … ورسائل للثغر ذات بيان (٣)
٥ - أبو بكر البيهقي (٤)، حيث قال في كتابه الاعتقاد بعدما ذكر قول الشافعي: وبمعناه ذكره أيضاً علي بن إسماعيل في كتابه الإبانة (٥).
٦ - الإمام الصابوني (٦)، الذي ذكر عنه ابن عساكر أنه ما كان يخرج
_________
(١) انظر بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٣٦، والفتاوى ٦/ ٣٥٩، ٥/ ٩٣، ودرء التعارض ٢/ ١٦.
(٢) انظر اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٦٧.
(٣) انظر نونية ابن القيم ص ٦٩، ٧٠، والصواعق المرسلة ١/ ٢٦٠.
(٤) هو الحافظ العلامة، أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي، ابن عبد الله بن موسى، البيهقي الخراساني، ولد في قرية من قرى بيهق، من نواحي نيسابور في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، تلقى العلم على يد عدد من الأعلام، وعلى رأسهم أبي عبد الله الحاكم، صنف ﵀ التصانيف النافعة مثل السنن الكبرى والتي تعد من أعظم التصانيف في الإسلام، وكتاب الأسماء والصفات، وكتاب البعث، ومناقب الإمام أحمد توفي ﵀ سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. انظر في ترجمته سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٦٣، وانظر في مقدمة كتاب الاعتقاد فهناك ترجمة وافية له ص ٧٤، ص ٩٨.
(٥) انظر: الاعتقاد ص ٢٠٤ كما ذكر الإبانة في ص ٢٠٥ عندما قال: وقال أبو الحسن في كتابه، ثم ذكر جزءاً من كتاب الإبانة.
(٦) هو شيخ الإسلام، أبو عثمان، إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد، بن إسماعيل، بن إبراهيم، الصابوني، كان ﵀ فقيهاً محدثاً، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، كان يقول عنه البيهقي إمام المسلمين حقاً وشيخ الإسلام صدقاً أبو عثمان الصابوني. ألف العديد من الكتب ومن أهمها: الاعتقاد والبداية إلى سبيل الرشاد. انظر: في ترجمته سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٠ وطبقات الشافعية ٤/ ٢٧١.
стр. 29
إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب الإبانة (١). كما نقل عنه أيضاً ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢).
٧ - أبو بكر السمعاني، (٣) حيث نقل شيخ الإسلام أن الحافظ أبو بكر السمعاني قد اعتمد كتاب الإبانة، بل ونقل عنه، ولم يذكر من تأليفه سواه (٤).
٨ - أحمد بن ثابت الطرقي (٥)، حيث ذكر ابن تيمية أن الحافظ
_________
(١) انظر: تبيين كذب المفتري ٣٨٩.
(٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٣٩.
(٣) هو الإمام الحافظ، أبو بكر مفتي خراسان، المعروف بأبي المظفر، منصور بن محمد التميمي السمعاني الخراساني المروزي. ولد بمرو سنة ست وخمسمائة، تلقى العلم على يد عدد من الأعلام، وألف العديد من الكتب، منها: التحبير في معجمه الكبير وكتاب الأنساب، توفي ﵀ سنة اثنتين وستين وخمسمائة بمرو، ووهم ابن كثير فجعل سنة ولادته هي سنة وفاته. انظر سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٤٥٦، والبداية والنهاية ١٦/ ٢١٨، وشذرات الذهب ٦/ ٣٤٠. مرآة الجنان ٣/ ٢٠٠.
(٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٣٦.
(٥) هو الحافظ أبو العباس، أحمد بن ثابت، بن محمد الأصفهاني، الطرقي، وطرق من قُرى أصبهان، كان حافظاً متقناً، من الحديث مكثراً، سمع من عبد الوهاب بن منده وطبقته، توفي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، انظر سير أعلام النبلاء ١٩/ ٥٢٨ والأنساب ٤/ ٤٢. وميزان الاعتدال ١/ ٨٦.
стр. 30
الطرقي، صاحب كتاب اللوامع في الجمع بين الصحاح والجوامع أنه قال: إن الجهمية نسبت التعطيل لأبي الحسن، ولكني قرأت في كتابه الإبانة عن أصول الديانة ما فيه الإثبات (١).
٩ - أبو المعالي مجلي (٢)، حيث ذكر شيخ الإسلام أن أبا المعالي، قد اعتمد الكتاب، وذكر نُقُولاً بأنه كان يقول: لله من صنفه (٣).
١٠ ـ ابن الطباخ (٤)، حيث ذكر شيخ الإسلام، أنه نقل من كتاب الإبانة ـ للأشعري ـ في كتاب له اسمه الإبانة (٥).
١١ - الإمام النووي، حيث ذكر الذهبي أن النووي نسخه بخطه (٦).
_________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤٠ ـ ١٤١، بتصرف واختصار يسير. كما نقل ذلك الحافظ الذهبي في العلو ٢/ ١٢٤٩. وفي كتابه العرش ٢/ ٢٩٦ ـ ٢٩٧.
(٢) هو شيخ الشافعية في مصر، أبو المعالي مجلي بن جميع بن رجاء القرشي، تولى القضاء بمصر، له كتاب الذخائر، وهو من كتب المذاهب المعتبرة، توفي سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وقيل خمسين وخمسمائة. انظر سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٣٢٥ ووفيات الأعيان ٤/ ١٥٤.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤٢.
(٤) هو أبو محمد بن الطباخ المبارك بن علي بن حسين البغدادي، نزيل مكة، وإمام الحنابلة بالحرم، كان محدثاً حافظاً، صالحاً ديناً ثقة توفي في سنة خمس وسبعين وخمسمائة. انظر شذرات الذهب ٦/ ٤١٨ والبداية والنهاية ١٦/ ٥٤٢. وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧٦.
(٥) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤٢.
(٦) انظر: كتاب العلو ٢/ ١٢٤٨.
стр. 31
١٢ ـ القاضي الباقلاني، وقام بشرحها (١).
١٣ - ابن درباس، حيث أثبت نسبة الإبانة للأشعري (٢).
١٤ - الحافظ الذهبي، في كتابه العلو، حيث قال: وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن (٣). وفي كتابه العرش نقل جزءاً من الإبانة (٤).
١٥ - الحافظ ابن كثير، حيث ذكر الأطوار التي مر بها الأشعري، وذكر بأن طريقته الأخيرة هي التي ألف فيها الإبانة (٥).
١٦ - الحافظ المقريزي، حيث عد مصنفات الأشعري وذكر منها الإبانة (٦).
١٧ - الحافظ ابن حجر، حيث قال عندما ترجم لعبدالله بن سعيد بن كُلاب: وعلى طريقته مشي الأشعري في كتاب الإبانة (٧).
١٨ - ابن العماد الحنبلي، حيث قال في ترجمة الأشعري: إن
_________
(١) انظر: طبقات الفقهاء الشافعيين ١/ ١٩٩.
(٢) انظر رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري ص ١٣١.
(٣) انظر العلو ٢/ ١٢٤٨.
(٤) انظر كتاب العرش ٢/ ٢٩٤، ٢/ ٢٩٨.
(٥) انظر طبقات الفقهاء الشافعيين ١/ ١٩٩.
(٦) انظر كتاب المواعظ والاعتبار ٤/ ١٩٤.
(٧) انظر لسان الميزان ١/ ٣٥٤.
стр. 32
الأشعري قال في كتابه الإبانة في أصول الديانة وهو آخر كتاب صنفه (١).
١٩ - الزبيدي، حيث ذكر في ترجمة الأشعري بأنه ألف كتباً وذكر منها كتاب الإبانة (٢).
٢٠ - خالد النقشبندي، حيث ذكر الألوسي بأن شيخ مشايخه خالد النقشبندي قال: إن الأشعري كتب الإبانة وهي آخر مؤلفاته، وعليها التعويل في مذهب الأشعري (٣).
٢١ - الألوسي، في محاكمة الأحمدين: حيث ذكر أن الأشعري، رجع في كتاب الإبانة إلى مذهب الإمام أحمد (٤).
٢٢ ـ الإمام عبد العزيز بن باز، وكتب مقدمة لهذا الكتاب (٥).
٢٣ - محب الدين الخطيب: حيث ذكر في تحقيقه للمنتقى، أن الأشعري انتقل إلى مذهب السلف عندما ألف كتابه الإبانة (٦).
٢٤ - الشيخ محمد بن صالح العثيمين، حيث ذكر بالقواعد المثلى: أن الأشعري قد ألف الإبانة في آخر أطواره. وهي من آخر كتبه أو
_________
(١) انظر شذرات الذهب ٤/ ١٣١.
(٢) انظر إتحاف السادة المتقين ٢/ ٤.
(٣) انظر جلاء العينين ١٥٧.
(٤) انظر جلاء العينين ٢٤٧.
(٥) انظر الإبانة ص ٤٣.
(٦) انظر المنتقى ٤٦.
стр. 33
آخرها (١).
٢٥ - محمد زاهد الكوثري: (٢).
٢٦ - حموده غرابه: حيث ذكر أن الأشعري أَلَّفَ الإبانة في طوره الثاني (٣).
٢٧ - جلال موسى، حيث قال: الأشعري كان واسع الأفق، دقيق النظر. يجيد التأليف، ويشهد بذلك كتابه الإبانة (٤).
٢٨ - صالح الفوزان، حيث قال: نسب هذا الكتاب إلى أبي الحسن كثير من الأئمة، بحيث لا يبقى مجال للشك في صِحَّةِ تلك النسبة (٥).
٢٩ - إسماعيل الأنصاري، وقد كتب تقريظاً لهذا الكتاب، وبين بأن مقولة أنه دس على الأشعري خطر عظيم (٦).
٣٠ - حافظ حكمي (٧)، حيث أثبت الإبانة، فقال: إن الذي
_________
(١) القواعد المثلى ٨٠ ـ ٨١.
(٢) انظر تعليقه على التبيين ص ٣٥.
(٣) انظر أبو الحسن الأشعري ص ٦٦، وفي مقدمته للمع ص ٧.
(٤) انظر نشأة الأشعري وتطورها ص ١٧٠.
(٥) انظر الإبانة عن أصول الديانة ص ٤.
(٦) انظر الإبانة ص ٤٥.
(٧) هو حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، ولد سنة ١٣٤٢ هـ، تلقى العلم على يد الشيخ عبد الله القرعاوي وكان أعجوبة من أعاجيب الزمان في العلم في عصره عين مديراً للمعهد العلمي في (صامته) له العديد من المؤلفات، منها: معارج القبول والجوهرة الفريدة، توفي ﵀ سنة ١٣٧٧ هـ وعمره ٣٥ سنة. انظر: موسوعة أسبار ١/ ٢١٥.
стр. 34
قرره الأشعري في آخر مصنفاته الإبانة هو قول أهل الحديث (١).
٣١ - حماد الأنصاري (٢)، حيث قال بعدما ذكر أقوال أهل العلم حول كتاب الإبانة: «قلت هذه نقول الأئمة الأعلام التي تضمنت بالصراحة التي لا يتناطح عليها عنزان أن كتاب الإبانة ليس مدسوساً على أبي الحسن الأشعري كما زعمه الأغمار من المقلدة، بل هو من تواليفه التي ألفها أخيراً واستقر أمره على ما فيها من عقيدة السلف التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية (٣).
٣٢ - عبد الرحمن المحمود، حيث ذكر بأنه من أهم كتب
_________
(١) انظر معارج القبول ص ٣١٠.
(٢) هو حماد بن محمد بن محمد الأنصاري، ولد في مدينة تاد مكة (أفريقيا الغربية) عام ١٣٤٤ هـ. تلقى العلم على عدد من أهل العلم، وعلى رأسهم العلامة محمد بن إبراهيم، والعلامة عبد العزيز بن باز، عمل مدرساً في المعهد العلمي بالرياض ثم تدرج في السلم الجامعي حتى انتقل إلى المدينة المنورة فعمل مدرساً بالجامعة الإسلامية، ثم أصبح رئيساً لقسم السنة والعقيدة فيها، وله العديد من المؤلفات، منها: بلغة القاصي والداني، والبت في الطواغيت الست. توفي ﵀ عام ١٤١٨ هـ. انظر: موسوعة أسبار ١/ ٢٤٤، ٢٤٥.
(٣) انظر: الإبانة عن أصول الديانة، ص: ١٨.
стр. 35
الأشعري (١).
٣٣ - فاروق الدسوقي، حيث ذكر: أن الأشعري ألف الإبانة عن أصول الديانة ككتاب مُوَجَّهٍ للباحثين عن الحق (٢).
٣٤ - فوقية حسين، حيث قامت بتحقيقه.
٣٥ - محمد إبراهيم الفيومي، حيث قال: بدأ الأشعري كتابه الإبانة في أصول الديانة ثم شرع في الحديث عنها (٣). وفي الجملة فقد أثبته عدد من الأعلام (٤) ولو استمررت في سردهم لطال البحث.
_________
(١) موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٤٨.
(٢) انظر القضاء والقدر ٢/ ٣٢٣.
(٣) انظر تاريخ الفرق الإسلامية السياسي والديني ص ٣٩
(٤) منهم راجح الكردي في كتابه علاقة صفات الله ـ تعالى ـ بذاته ص ١٤١، والشيخ أحمد بن حجر آل أبو طامي، العقائد السلفية ١٥٧ ومصطفى حلمي في كتاب ابن تيمية والتصوف ص ٣٣.
стр. 36
المطلب الثاني: من شككوا بصحة نسبة الكتاب:
ولكن مع وجود هذا الكم الهائل من المثبتين، إلا أنه وجد من شكك في الكتاب من خلال أقوال عدة:
القول الأول: هناك من شكك في المطبوعات وليس في أصل الكتاب، فهو يقر بأن الأشعري ألف الإبانة، ولكن ما طبع من الإبانة فهو محل نظر عنده، ويمثل هذا التيار الكوثري، حيث قال: إن النسخة المطبوعة في الهند نسخة مصحفة محرفة، تلاعبت بها الأيادي الآثمة، فتجب إعادة طبعها من أصل وثيق (١). قلت: وإن كان يقر على وجود بعض الأخطاء والتصحيف في طبعة الهند، أيُوافق على أنها أخطاء، لكنها لا تتعدى تصحيفاً في النقل أو أخطاء مطبعية، لا تصل بحال من الأحوال أن تكون متعمدة من أجل تغيير الموضوع؟ ولعل نشأة التشكيك عنده لأن هذا الكتاب الذي سلك فيه مؤلفه منهج السلف الصالح في الإثبات مخالفاً لما عليه الكوثري في النفي والتعطيل والتأويل والتجهم.
القول الثاني: هناك من شكك في أصل الإبانة، وكان منشأه فهمًا خاطئًا، فأظهر التناقض. ويمثل هذا التيار: عبد الرحمن بدوي، حيث قال: إننا نشكك كثيرا في صحة نسبة الإبانة (٢). ولم يبين سببًا مقنعًا للشك؛ بل إنه أظهر التناقض
_________
(١) انظر تعليقه على تبيين كذب المفتري ص ٣٥ هامش ١.
(٢) انظر ص ٥٣٣، مذاهب الإسلاميين.
стр. 37
العجيب، فهو يقول:
أ- إننا لم نجده في الإثباتات الثلاثة، ويقصد هنا: ما أورده الأشعري في العمد، وما ذكره ابن فورك في أسامي كتب الأشعري، وما استدركه ابن عساكر عليه. ثم أعلن استغرابه عندما ذكر مكانة الكتاب عند الأشاعرة، وأن الصابوني ﵀ ما كان يخرج للدرس إلا والكتاب معه. ثم أزال الإشكال بنفسه عندما قال: إن ابن عساكر يعرف بأن كتاب الإبانة للأشعري، وإن عدم وروده كان بسبب خطأ من الناسخ.
ب- ثم أثار مشكلة ثانية: وهي أن ابن النديم لم يورده في أسامي كتب الأشعري، مع أنه يعلم أن ابن النديم، لم يكن هدفه استقصاء كتب الأشعري، ولذا اكتفى بذكر خمسة كتب، مع أن بدوي ذكر العشرات منها، ولم يذكرها ابن النديم في كتابه، فلماذا انحصر شكه في الإبانة فقط؟! ثم قدم البدوي خدمة جليلة لمثبتي الإبانة من حيث يدري أو لا يدري، عندما قال: إن ابن النديم ذكر من أسماء كتب الأشعري كتاباً بعنوان: التبيين عن أصول الدين. وهو عنوان لم يورده الأشعري في العمد ولا ابن فورك ولا ابن عساكر، فمن المحتمل أن يكون هو نفسه الإبانة عن أصول الديانة خاصة وأن التشابه شبه تام بين العنوانين (٢). وأنا أؤيده في هذا القول لأنه ليس هناك ما يمنع أن يكون ابن النديم عبر عن اسم الكتاب، بمضمونه لا بعنوانه الأصلي. فهذا محتمل قريب جداً.
_________
(٢) انظر مذاهب الإسلاميين ص ٥١٧.
стр. 38
جـ- أعلن بدوي تناقضه التام عندما قال: إن ابن عساكر يقول: إن أصحاب الأشعري جعلوا الإبانة من الحنابلة وقاية (١). فوقع بدوي في خطأين:
الخطأ الأول: أنه أقر بأن الإبانة للأشعري وبأنها من الحنابلة وقاية، فلماذا يشك بعد ذلك بالمطبوع من الإبانة بالهند؟! فلو شك في هدف تأليف الكتاب لكان مقبولاً منه على حسب هذا الفهم الخاطئ، ولكنه شك في أصل الكتاب وهذا تناقض بلا ريب.
الخطأ الثاني: أن عبارة أن الإبانة كان وقاية من الحنابلة قالها الأهوازي، طعناً بالأشعري، وألف ابن عساكر التبيين رداً عليه، إذاً، فقائل العبارة الأهوازي. خصم الأشعري وعدوه. وليس ابن عساكر، ولذا رد ابن عساكر هذه المثلبة فقال راداً على الأهوازي بقوله: «وقوله ـ أي الأهوازي ـ، لا أحسن الله له رعاية: إن أصحاب الأشعري جعلوا الإبانة من الحنابلة وقاية هي من جملة أقواله الفاسدة وتقولاته المستبعدة الباردة، بل هم يعتقدون ما فيها أشد اعتقاد، ويعتمدون عليها أشد اعتماد (٢)، ثم شرع بالثناء عليها - الإبانة - ثم أورد قصة الصابوني بأنه ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري ويظهر الإعجاب به (٣)، فهل ابن عساكر هو القائل؟! أم الأهوازي المفتري؟! فليت بدوي دقق وتأمل قبل أن يتسرع في الحكم!
_________
(١) انظر تبيين كذب المفتري ٣٨٨.
(٢) انظر تبيين كذب المفتري ص ٣٨٨.
(٣) انظر تبيين كذب المفتري ٣٨٩.
стр. 39
القول الثالث: وهناك من أنكر الكتاب بحجة أن ابن فورك لم يذكره والرد على هذا من أوجه:
الوجه الأول: أن ابن فورك ذكر الكتب التي ألفها الأشعري قبل سنة عشرين وثلاث مئة، وهذا الكتاب هو آخر كتبه وقد صنفه في بغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة (١)، ولذا قال ابن فورك: إن الأشعري عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين وثلاث مئة وصنف فيها (٢) كُتباً. ثم قال ابن عساكر بعد ذلك: هذا آخر ما ذكره ابن فورك من تصانيفه، وقد وقع لي أشياء لم يذكرها في تسمية تواليفه (٣). فهنا عدة ملاحظات:
أ- أن ابن فورك لم يُحْصِ كتب الأشعري.
ب- أن ابن فورك لم يذكر إلا الكتب التي صنفها قبل عشرين وثلاث مئة، والإبانة هي آخر كتبه، فيكون صنفها بعد عشرين وثلاث مئة، خاصة وأن ابن فورك قد ذكر أن الأشعري صنف كتباً في هذه الفترة.
ج-أن ابن عساكر قد استدرك على ابن فورك كتباً وقد ذكرها، بل وذكر ابن عساكر الإبانة في أكثر من موطن في كتابه، بل ونقل منها نصوصاً.
الوجه الثاني: قد يكون ابن فورك قد نسيها كما نسي غيرها.
_________
(١) انظر بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤٣.
(٢) انظر التبيين ص ٣٥.
(٣) انظر التبيين ص ١٣٦.
стр. 40
الوجه الثالث: ذكر ابن تيمية علة أخرى، وهي أن ابن فورك وذويه، كانوا يميلون إلى النفي في مسألة الاستواء ونحوها، وقد نقل عن ابن كُلاب كلاماً فتصرف في كلامه تصرفاً، لذا كان هواه في النفي يمنعه من تَتَبُّعِ ما جاء في الإثبات من كلام أئمته وغيرهم، ولذا نقل عن الأشعري كلاماً زاد فيه ونقص. وفعله هذا سببه أنه يظن أن هذا هو الحق، وقد رأيت في مصنفات من ينقلون عن الأئمة شيئاً لم ينقله أحد عنهم لاعتقادهم أنه حق، فهذا أصل ينبغي أن يعرف (١). فابن فورك لم يذكر الإبانة لأنها من كتب الإثبات التي تخالف منهجه التأويلي.
الوجه الرابع: ظهر لي بعد تحقيق الإبانة اتفاق عامة النساخ على عامة ما ورد فيها، لا من حيث الترتيب، ولا من حيث الأبواب والمسائل والأجوبة والألفاظ، وإنما الخلاف في الغالب لا يتعدى أمور لا علاقة لها في صلب الموضوع. ومن أمثلة ذلك: أن غالب الفروق لا تعدو أن يصلي الناسخ على رسول الله ﷺ ، وبعضهم يورد النبي من غير الصلاة عليه، وقد يحدث العكس وهو الغالب، وهناك من يصلي عليه في موضع ولا يصلي عليه في موضع آخر، وكذلك الترضي
_________
(١) انظر بيان تلبيس الجهمية ١/ ١٤٥، ١٤٧ باختصار.
следующие страницы →