← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 912

شرح مسند الدارمي

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (2 613 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الشرح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين وبعد: فقد بدأت هذا العمل المبارك في المدينة النبوية اليوم الجمعة ١٦/ ١٢/ ١٤٣٨ هـ لأن من أنفس ما تُشغل به الأوقات وتستنفد فيه الأعمار بعد القيام بما فرض الله من العبادات طلب العلم، وإذا أطلق لفظ العلم فالمراد به علم الكتاب والسنة، فهو أشرف العلوم، لما فيه من بيان ما فرض الله على عباده من الطاعات، وصحة الاعتقاد، والمنهج الصحيح لعمارة الدنيا والآخرة، وهو علم الأنبياء والرسل ﵈، ودعوتهم إلى الخير، حتى خُتموا بنبينا محمد ﷺ ، وقد بعثه إلى الثقلين كافة: الإنس، والجن، فما ترك خيرا إلا أرشد أمته إليه إنسهم وجنهم، فآمن به فئام من الثقلين، وهو ﷺ أكثر الأنبياء أتباعا، وأكثر أهل الجنة من أمته ﷺ ، دينه الإسلام خاتمة الأديان، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، ومصدر العلم بالإسلام كتاب الله المنزل على نبينا محمد ﷺ ؛ كتابٌ تكفل الله بحفظه فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو كلام الله منزل على نبينا محمد ﷺ غير مخلوق، والسنة كلام رسول الله ﷺ أو فعله أوتقريره، منهما استلهم العلماء الهداية والتوفيق، وتباروا في خدمة الكتاب العزيز حفظا وتلاوة وتفسيرا، والسنة النبوية تصحيحا وتحسينا وتضعيفا، وبناء على هذا المصدر الموحَّد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أقيمت الأحكام الفقهية إما على النص من الوحيين: الكتاب والسنة، أو من الكتاب وحده، أو من السنة وحدها، أو مما أجمع عليه السلف من الصحابة أو التابعين بعدهم، أو من قياس صحيح، فيسر الله حفظ الكتاب في الصدور،

стр. 2

وهدى إلى جمعه كتابة في السطور، وهذا من الحفظ الذي وعد به سبحانه، وقد يسر الله حفظ سنة نبيه محمد ﷺ بأن خص هذه الأمة بالنَّقَلَة العدول فأخذ الصحابة من فم رسول الله ﷺ ، وعنهم أخذ التابعون، وعنهم أتباع التابعين، وهلم جرا حتى نهاية عصر الرواية، وسمي هذا المنهج الرصين بالسند، رجلا عن رجل منتهاه رسول الله ﷺ ، ولم تقف بركة هذا المنهج عند هذا الحد بل لا زالت مستمرة يتبرك نَقَلَة العلم بالرواية المسندة إلى رسول الله ﷺ ، غير أن ما بعد عصر الرواية لا يقوم عليه تصحيح ولا تضعيف، إنما هو ربط سلسلة السند تبركا، والعمدة في أحكام الجرح والتعديل يقف عند نهاية عصر الرواية، وقد حصل لي الاتصال برسول الله ﷺ في رواية مسند الدارمي هذا بالمكاتبة فبيني وبين رسول الله ﷺ (٢٥) خمسة وعشرون راويا، وهذا ما سعيت له، فأرويه بالإجازة من الشيخ العالم علم الدين محمد بن ياسين بن عيسى الفاداني المكي، أجازني في سنة (١٤٠٤ هـ) كتابة بما في ثبته " الدر النثير في الاتصال بثبت الأمير" عن الشيخ عبد الرحمن كريم بخش الهندي قراءة وإجازة، عن الشيخ العالم حضرت نور الفنجابي الهندي إجازة، عن مؤسس المدرسة الصولتية الشيخ العالم رحمت الله بن خليل الرحمن الهندي المتوفي بمكة في سنة (١٢٨٠ هـ) عن الشيخ العالم الفاضل علي أحمد الهندي، عن محدث الهند الشاه عبد العزيز الدهلوي (١)، عن أبيه الشاه ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي (٢)، عن العلامة عثمان بن حسن الدمياطي، عن العلامة الشيخ محمد بن أحمد الأمير الكبير، عن الأستاذ الحفني، عن شيخه البديري، عن الملا إبراهيم الصَّفي القشاشي، عن الشمس الرملي، عن شيخ الإسلام زكريا، عن مسند الدنيا محمد بن مقبل الحلبي، عن جويرية بنت أحمد الكردي الهكاري، أنا (٣) علي بن عمر الكردي، أنا أبو المنجا عبد الله بن عمر اللتي، أنا الداودي، أنا السرخسي، أنا أبو عمران عيسى بن عمر السمرقندي، أنا الدارمي قال: أنا يزيد بن هارون، أنا حميد، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة لسوقا -

стр. 3

قالوا: وما هو؟ - قال: كثبان (١)، من مسك، يخرجون إليها فيجتمعون، فيها، فيبعث الله عليهم ريحا فتدخلهم بيوتهم، فيقول لهم أهلوهم: لقد ازددتم بعدنا حسنا، ويقولون لأهليهم: مثل ذلك» هذا لفظ الدارمي، ورجاله ثقات، ومن الرواة من وقفه على أنس، ولفظه عند الإمام مسلم ﵀ من رواية ثابت عن أنس مرفوعا «إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنا وجمالا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا» والمراد بالسوق: مكان يجتمع فيه أهل الجنة، لمزيد من إكرام الله لهم، وزيادة في المتعة والأنس، وليس المراد أنه مكان تزاول فيه أعمال كأسواق الدنيا، فالجنة لا عمل فيها ولا عبادة فيها، ولا حزن ولا غِل ولا حسد ولا تنافس، لأن هذا كله من لوازم الحياة الدنيا، وليس في الجنة إلا المتعة والأنس (٢)، وكل ما تشهيه الأنفس من هذا القبيل. يأتونها كل جمعة: الجنة دار خلود لا عَدد فيها بقليل ولا كثير، ولا شمس بها ولا قمر، فليس فيها شيء مما كان في الدنيا إلا مجرد الاسم فقط، مع اختلاف الماهية، إذن المراد بالجمعة هنا المعاودة لزيادة المتعة والحسن والجمال، ولذلك تراهم إذا عادوا إلى أهليهم ازداد الحسن والجمال في الطرفين، فكل يرى الآخر أكثر حسنا وجمالا، وهذا من كمال المتعة والأنس، فلا يرد شيء من الكدر، ولا سبيل لشيء مما كان في الدنيا إلى نفوسهم، بل هم من حسن إلى أحسن، ومن جمال إلى أجمل، ولا يطأون مكانا إلا وهو أكمل وأجمل من سابقه، حتى لو عادوا إلى الموقع الأول لكان أجمل وأحسن مما كان. ريح الشمال: ليس في الجنة جهات الدنيا الأربع، لعدم وجود الليل والنهار، وذُكرت ريح الشمال، لأنها الأحب عند العرب، فهي ريح السحاب والمطر، وقد يقال: قيل لها الشمال: لأنها تأتي من قبل شمائلهم، كائنة بذلك الوصف الجميل، فكونها تلامس وجوههم وثيابهم بما يزيدهم حسنا وجمالا.

стр. 4

وقد أورد الترمذي ﵀ رواية ضعيفة عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع، وإلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها» (١)، وقال: هذا حديث غريب، قلت: وهو كذلك ففي سنده أبو شيبة: عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ضعيف، ولو فرضنا صحة هذه الرواية، لنفيها البيع والشراء، فنقول في الصور: إنما جعلت متعة وزينة لمن أحب أن تكون صورته مثلها، ويحلّى بحليتها، ويكون على جمالها وحسنها، فتتشكل صورهم من حسن إلى أحسن، وليس المراد تغيير ذات المنعّم، وهذا لم يكن لهم في الدنيا وأعطوه في الآخرة، كما أعطى الملائكة التشكل في الصور الحسنة، والله أعلم. وهذا الحديث هو أحد ثلاثيات الدارمي، وقد ذكر العلماء أن عدتها خمسة عشر حديثا، وقفت عليها وهي: ج ١ رقم ٦٩ حديث " يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ " عن أبي سلمة ﵁، ورقم ١٢٠ حديث " ينظر فيه العابدون" عن أبي سلمة ﵁، ج ٢ رقم ٧٥٦، حديث (ثم دعا بدلو من ماء) عن أنس ﵁، ورقم ١٤٢٩، حديث (يناجي ربه ..... ) أيضا عن أنس ﵁، ج ٣ رقم ٢٠٩٣، " يَأْكُلُ تَمْراً مُقْعِياً مِنَ الْجُوعِ " رقم ١٧٩٣، حديث (بعث يوم عاشوراء … ) عن سلمة بن الاكوع ﵁، ورقم ١٩٦١، حديث (سعى رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة) عن ابن أبي اوفى ﵁، ورقم ٢٠٩٧، حديث (وظرا من صفرة … ) عن أنس ﵁، ورقم ١٩٦٣، حديث (لبيك بعمرة وحج

стр. 5

) عن أنس ﵁، ورقم ٢٠٩٧، حديث (أولم ولو بشاة … ) عن أنس ﵁، ج ٤ رقم ٢٠٩٧، حديث (قصعة فيها ثريد .... ) عن أنس ﵁، ورقم ٢٦٥٨، حديث (حجمه أبو طيبه … ) عن أنس ﵁، ورقم ٢٧١٨، حديث (كان إذا نزل منزلا … ) أيضا عن انس ﵁، ورقم ٢٧٣٩، حديث (يا أنجشة رويد ..... ) أيضا ﵁، ورقم ٢٨٧٧، حديث (إن في الجنة لسوقا .... ) أيضا عن انس ﵁، ووقفت على ثلاثيات مراسيل، وهي في الحقيقة رباعيات إذا ما عرف رواتها من الصحابة ﵃. أما الدارمي ﵀ صاحب المسند الذي نحن بصدد شرحه نسأل الله أن ييسر لنا ذلك ويعيننا عليه، فهو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الله، أوردت ترجمته كاملة في أول كتابه المسند، المشهور بسنن الدارمي، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا. شرح وتوثيق الروايات الواردة في مسند الإمام الدارمي شرطي في هذا الشرح ما يلي: دراسة رجال السند، والنظر في أقوال النقاد واستخدام ما أراه أعدل الأقوال. أحكم على السند، بنتيجة الدراسة. تخريج الحديث، فما كان في الصحيحين: البخاري ومسلم، أو في أحدهما لا أزيد عليه، لإجماع الأمة على تلقي ما روياه، أو رواه أحدهما بالقبول. أحكم على الرواية بنتيجة التخريج.

стр. 6

أشرح الألفاظ الغريبة، واستدرك ما وقع في النسخة التي حققتها من أخطاء أو تعديل. أذكر المعنى الإجمالي للنص، مالم يكون النص جليا، ويعد شرحه حشوا لا يحسن ذكره. أذكر ما يستفاد من الأحكام كذلك من غير تكلف. وكل حديث أذكره في الشرح مستشهدا به فهو صحيح أو حسن، وأبين ما كان فيه ضعف. وقد رمزت لما انفرد به الدارمي عن الكتب الثمانية التي هو تاسعها، رمزت في الهامش بالحرف " ت " وهو ما تضمنه كتاب القطوف الدانية في ما نفرد به الدارمي عن الثمانية. قال الدارمي رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بدأ الدارمي ﵀ بالبسملة اتّباعا للسنة، وهذا عمل المسلمين، تأسيا بنبينا محمد ﷺ ، فطريق التأسي به ﷺ الافتتاح بالبسملة، والاقتصار عليها، ويؤيده وقوع كتبه ﷺ إلى الملوك، وكتبه في القضايا، مفتتحة بالتسمية (١)، وما روي من آثار في التأنيب من عدم الحمد والشهادة فهي آثار منها المرسل، ومنها الموصول الضعيف، وقد أخرجها أهل العلم ومن ذلك: «كل أمر ذي

стр. 7

بال لا يبدأ فيه بذكر الله أقطع» (١)، فالبسملة من ذكر الله ، وهي من أعظم الذكر، والاقتصار عليها يكفي، ولذلك اقتصر عليها أكثر المتقدمين، ومنهم البخاري، والدارمي؛ لأن القدر الذي يجمع الأمور الثلاثة: البسملة، والحمد، والشهادة، هو ذكر البسملة، ويؤيده أن أول شيء نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٢) لذا فلا نرى ضرورة الإنكار على من لم يُصدّر كتابته بعد البسملة بالحمد، والشهادة، ومن فعل ذلك فلابأس، كذلك لا يتعين النطق بهما بعد البسملة في المواعظ والخطب، عدا خطبة الجمعة فلابد من ذلك كله. بيان قول الدارمي ﵀: " بابٌ (٣) ما كان عليه الناس قبل مبعث النبي ﷺ " لم يهتم الرعيل الأول من الأئمة المؤلفين كثيرا بذكر تصنيف الكتب وما يندرج تحتها من أبواب، ولا الأبواب وما يندرج تحتها من فصول، وكذلك الفصول وما يندرج تحتها من مباحث، وعلى ذلك شوش الدارمي ﵀، فتارة يذكر الباب ويسميه كما هنا، وتارة يذكره منكّرا فيقول: بابٌ، ولا يسميه، وتارة يقول: كتاب، وأخرى: ومن كتاب، ولا أستبعد أن يكون هذا من عمل الرواة عنه، وما بدأ

стр. 8

به هنا منه ما يندرج تحت كتاب علامات النبوة، ومنه ما يكون تحت كتاب الفضائل، ومن الملاحظ أن الدارمي ﵀ أكثر من التكرار طلبا للمزيد من الشيوخ، ولطلب علو الأسناد، وللتقوية أحيانا، ولم يكن له في ذلك منهج مرتب، وقد يكون هذا من فعل النساخ، ولا سيما إذا كان الدارمي حدثهم من حفظه. وقد أحسن الدارمي ﵀ إذ بدأ كتابه بذكر بعض أحوال الجاهلية، وأشدّ ما كان في حياتهم ضررا الجهل المتمثل في الأفعال القبيحة، والضلال المتمثل في عبادة الأصنام. السند إلى الدارمي ﵀ قال أبو يحيى زكريا بن أبي الحسين العلبي: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (١). أخبرنا (٢) الشيخ الأجل الصالح، زكريا بن أبي الحسن بن حسان العلبي، قراءة عليه وأنا أسمع، وذلك بمدرسة السَّلم، في شهر الله المحرم، سنة تسع وعشرين وستمائة (٣)، قال: أخبرنا الشيخ الإمام العالم أبو الوقت عبد الأول

стр. 9

ابن عيسى بن شعيب بن إبراهيم ابن إسحاق السجزي الماليني (١)، قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي (٢)، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حموية السرخسي، قراءة عليه في صفر، سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو عمران عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي قال: ١ - باب مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّاسُ قَبْلَ مَبْعَثِ (٣) النبي ﷺ مِنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالَةِ ١ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُؤَاخَذُ الرَّجُلُ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟، قَالَ: «مَنْ أَحْسَنَ في الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا كَانَ عَمِلَ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ» (٤).

стр. 10

رجال السند: محمد بن يوسف الفريابي، وسفيان بن سعيد الثوري، هو ابن مسروق، إمام ثقة، وسليمان بن مهران الأعمش، وأبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي، هم أئمة ثقات، والصحابي عبد الله بن مسعود ﵁. الشرح: قوله: " قال رجل" جاء في رواية الإمام مسلم: قال أُناس، وفي رواية: قلنا (١)، وهي عند ابن ماجه (٢). قوله: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا كَانَ عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ». بدأ الدارمي ﵀ كتابه بهذا الباب للربط بين ماضي الناس في الجاهلية، وبين حاضرهم بعد أن بُعث إليهم نبي الهدى والرحمة ﷺ ، مراعيا التسلسل التاريخي لمبعثه ﷺ ، مشيرا إلى نهاية الجهل والشرك والظلم، وبداية العلم والتوحيد والعدالة والمساواة، وبيان أن مبعثه ﷺ كان رحمة للعالمين، فمن آمن به ﷺ وأسلم فإن الله وعدهم الخير فقال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣)، وكان أخوف ما يخاف المسلم من قريش ماضيه في الجاهلية، لعلمهم يقينا بالحق الذي جاء به نبينا محمد ﷺ ، وبما كانوا عليه من عظائم الأمور وأشدها الشرك بالله ، ولذلك لما جاء عمرو بن

стр. 11

العاص ﵁ مسلما إلى رسول الله ﷺ ، وأراد أن يبايعه على ذلك قال: «أبسط يمينك فلأبايعنك يا رسول الله، فبسط الرسول ﷺ يمينه، فقبض عمرو يده، فقال رسول الله ﷺ : مالك يا عمرو؟! قال عمرو ﵁: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قال: أن يُغفر لي، فقال ﷺ : «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله» (١) وقد وعد الله من تاب وآمن وعمل صالحا أن يبدل سيئاتهم حسنات، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢). قوله: «وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ». ليس في هذا مخالفة لما أجمع عليه العلماء من أن الإسلام يجب ما قبله، عملا بما تقدم بيانه؛ لأن المراد من أساء في توبته من المآثم بالعودة إليها مرة أو مرات، لم تكن توبته نصوحا، فهذا لم يحقق شروط التوبة، فإن أي توبة كانت من كفر أو مما دونه يشترط لها ثلاثة شروط: الأول: الإقلاع عن الذنب، إن كان كفرا فبالإسلام، وإن كان مما دونه فبتركه مطلقا. والثاني: العزم على عدم العودة إلى ذلك أبدا. والثالث: الندم المستمر على الوقوع فيه فيما مضى، فمن أخلّ وعاد إلى ذنب تاب منه، فإنه إن مات على ذلك، كان مؤاخذا بما عمل قبل التوبة،

стр. 12

وبالعودة إلى الذنب بعد التوبة، وليس هذا معارضا لما في الحديث القدسي «أذنب عبدي ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك» (١)، فليس المراد أن يعمل ما شاء على الإطلاق، بل هذا مقيد بأحاديث عدم قبول التوبة، كأن تكون عند النزع الأخير، إذا بلغت النفس الحلقوم، أو فجأة الموت وهو على معصية، أو عنده معاص لم يتب منها، ومعلوم أن التوبة لا تقبل عند فوات الأوان، وفوات الأوان إذا حضره الموت، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢)، فإن توبة من هذا حاله لا تقبل، ولذلك لم تقبل توبة فرعون فإنه قال لما أدركه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣)، فقال الله : ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ

стр. 13

وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١)، وكذلك إذا طلعت الشمس من مغربها؛ لأن الناس في هذا الوقت كلهم يؤمنون حتى الكفار مهما تنوعت اعتقاداتهم، فإنهم عند طلوع الشمس من مغربها يسلمون ولكن بعد فوات الأوان، وقد قال نبينا محمد ﷺ : «لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (٢) وقال الله : ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٣)؛ لأنه إيمان قهري، بأمر لا مفر منه، وقد فات أوان الإيمان الطوعي، وما يترتب عليه من الأعمال الصالحة. وقد فسرت الإساءة بالكفر، أي: إن أسلم ثم ارتد، فهذا يؤاخذ بالسابق واللاحق (٤)، والأولى في نظري العموم. قوله: «يؤاخذ» المؤاخذة لها صورتان: الأولى: مؤاخذة المسيء على إساءته في الدنيا تكون من قبل الحاكم الشرعي، كمعاقبة من يثبت عليه الزنا مثلا، أو السرقة أو غير ذلك من السيئات، فهذا تتم فيه المؤاخذة على ما يثبت عليه من إساءة وإن تعددت بشرط الثبوت الشرعي، ولولي الأمر أن يتجاوز عن بعض الإساءة، ولكن بشرط أن لا تكون مما يوجب الحد.

стр. 14

الثانية: تكون في الآخرة وهي ما تقدم الكلام عليها، وقد يعجِّل الله العقوبة للعبد في الدنيا، رحمة به كما قال ﷺ : «إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة» (١)، ومن ابتلي فليحاسب نفسه مع الصبر والاحتساب، قال ﷺ : «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (٢)، على أنه قد يُجمع للعاصي بين العقوبتين: عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة قال ﷺ : «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي، وقطيعة الرحم» (٣). ما يستفاد: * أن التائب من الذنب كمن لا ذنب عليه، إذا حقق شروط التوبة، وتفريعا على هذا يحرم تعييره بذب تاب منه. * أنه يجب على التائب عدم العودة إلى الذنب الذي تاب منه. * أن من تاب وأحسن العمل لا يؤاخذ على ذنوبه الماضية، بل تنقلب إلى حسنات، أخذا من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤).

стр. 15

* أن من تاب من ذنب ثم عاد إليه لم تنفعه توبته السابقة، وكأنه لم يتب. * جواز السؤال عما مضى من الذنوب وغيرها للعلم بحكمها. * بيان عفو الله وكرمه ورحمته بعباده فإنه لو يؤاخذ الناس بذنوبهم ما ترك على وجه الأرض أحدا، قال : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (١). واعلم أن الدارمي ﵀ روى في مسنده هذا آثارا كثيرة وأحاديث مرفوعة بلفظ أخبرنا، وفي بعض النسخ بلفظ حدثنا، فسرت على نهجه ولم أفرق بين الأثر والحديث المرفوع في التسمية أخذا بعموم تسمية الأثر حديثا. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢ - (٢) أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ النَّضْرِ الرَّمْلِيُّ، عَنْ مَسَرَّةَ بْنِ مَعْبَدٍ - مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ أَبِى الْحَرَامِ، مِنْ لَخْمٍ - عَنِ الْوَضِينِ: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ وَعِبَادَةِ أَوْثَانٍ، فَكُنَّا نَقْتُلُ الأَوْلَادَ، وَكَانَتْ عِنْدِي بِنْتٌ لِي، فَلَمَّا أَجَابَتْ عِبَادَةَ الأَوْثَانِ، وَكَانَتْ مَسْرُورَةً بِدُعَائِي إِذَا دَعَوْتُهَا، فَدَعَوْتُهَا يَوْماً فَاتَّبَعَتْنِي، فَمَرَرْتُ حَتَّى أَتَيْتُ بِئْراً مِنْ أَهْلِي غَيْرَ بَعِيدٍ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا فَرَدَّيْتُ (٢)، بِهَا فِي الْبِئْرِ، وَكَانَ آخِرَ عَهْدِي بِهَا أَنْ تَقُولَ: يَا أَبَتَاهُ يَا أَبَتَاهُ. فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى وَكَفَ دَمْعُ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَحْزَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ: «كُفَّ،

стр. 16

فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَمَّا أَهَمَّهُ»، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَعِدْ عَلَىَّ حَدِيثَكَ» فَأَعَادَهُ، فَبَكَى حَتَّى وَكَفَ الدَّمْعُ مِنْ عَيْنَيْهِ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَضَعَ عَنِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا عَمِلُوا، فَاسْتَأْنِفْ عَمَلَكَ» (١). رجال السند: الوليد بن النضر أبو العباس الرملي، صدوق لابأس به، ومسرّة بن معبد اللخمي الفلسطيني، شيخ لابأس به، أخطأ من قال: ميسرة (٢)، له عند الدارمي هذا الحديث، وله عند أبي داود حديث واحد هو حديث أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه ﷺ قال: «من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين قبلته أحد فليفعل» الوضين بن عطاء الخزاعي، صدوق سيء الحفظ، ورمي بالقدر، وله عند الدارمي هذا الحديث، وقد أعضله (٣)، ولم يذكر واسطته التي تلقى منها الخبر، وقد تكون الواسطة أكثر من راو. هذا حديث تفرد به الدارمي، ولم أقف عليه في مصدر آخر، وهو مؤيد بالكتاب والسنة، خرجناه في القطوف برقم (١/ ٢). الشرح: قوله: «أن رجلا» هذا لا علاقة له بضبط السند، والإشكال فيما بين الوضين وهذا الرجل من الرواة.

стр. 17

قوله: «إنا كنا أهل جاهلية وعبادة أوثان، فكنا نقتل الأولاد». هكذا ترد الأسئلة عما كان يفعله الناس في الجاهلية، باحثين عن التصحيح، والتحلل من عادات الجاهلية وتبعاتها، روى هذا الصحابي ﵁ أنهم كانوا يقتلون الأولاد، وقد علم أن الإسلام حرّم ذلك، لكن أهمه ما أقدم عليه في الجاهلية، وأراد أن يعلم أمره بعد أن أسلم، ولم يكن القتل في الجاهلية خاصا بالبنات، بل كان منهم من يقتل ولده خشية الفقر، أو من شدة الفقر، وكان ذلك في الإسلام من الكبائر، سئل رسول الله ﷺ أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك» (١)، ونزل القرآن تصديقا لقول رسول الله ﷺ فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (٢)، وأد البنات من عادات الجاهلية، حرمها الإسلام، وكان هذا الذنب عظيما في الإسلام؛ لأن هذا المخلوق تكفّل الله برزقه وهو في بطن أمه، وتكفل برزقه بعد ذلك ما دام حيا، وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣)، فالاعتداء عليه ظلم له، فنهى الله عن ذلك

стр. 18

فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (١)، أما قتل البنات فقد يكون ذلك من الأسباب، ولكن السبب الأقوى أن أهل الجاهلية، كانوا في مواجهات قبلية، وحروب دائمة ولأتفه الأسباب، وكثيرا ما تنتهك الحرمات، ومن ذلك وقوع النساء في السبي، وذلك يُلحق العار الكبير بالآباء والأقربين، بل بالقبيلة كلها، ومن هنا كان واد البنات أكثر فيهم، وقد حرّم الإسلام هذه العادة الظالمة، ونوّه بإنصاف الموؤدة يوم القيامة ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٢). قوله: «وكانت عندي بنت لي، فلما أجابت وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها، دعوتها يوما، فاتّبعتني فمررت حتى أتيت بئرا من من أهلي غير بعيد، فأخذت بيدها فرديت بها (٣)، في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول: يا أبتاه، يا أبتاه». في هذا بيان لما كان عليه الجاهليون من قسوة عظيمة، لم تكن مع الأبعدين فحسب، بل مع أقرب الأقربين، وهذا المشهد المحزن الأليم، لم يكن له أثر على الإطلاق في قلب ذلك الأب الجاهلي، المنزوع الرحمة، وتلك النفس البريئة المنادية بألطف الألفاظ وأعذبها لحنا، لكن قسوة الجهل لم تدع لتلك الكلمات الرنانة سبيلا إلى قلب أبيها، فلما أسلم ﵁ انقلب الأمر رأسا

стр. 19

على عقب، حتى أنه لم يهدأ حتى أتى رسول الله ﷺ قاصّا عليه جريمته، نادما أشد الندم، عاد إلى سمعه ما كان من قول ابنته: يا أبتاه، يا أبتاه، وكأن الحدث اللحظة وقع، غشيته رقة الإسلام، وشفقة المؤمنين. قوله: «فبكى رسول الله ﷺ حتى وكف دمع عينيه فقال: له رجل من جلساء رسول الله ﷺ : أحزنت رسول الله ﷺ ». فيه بيان ما كان عليه نبينا محمد ﷺ من اللطف والرقة والرحمة، تصوّر رسول الله ﷺ وهو يبكي بحرقة ولوعة عند سماع القصة، ولم يشاهد الحدث رأي العين، والعجب أن الأب لم يتأثر وقد باشر الحدث، وذكر من صفات ابنته ما يدعوا إلى الشفقة عليها ورحمتها، ولم يكن منه ما كان من رسول الله ﷺ ، هنا يتأكد لكل عاقل أنه ﷺ حقا الرحمة المهداة إلى هذه الأمة برّها وفاجرها، ويتوب الله على من تاب، إنه أرحم الرحماء، وقد قال ﷺ لما أنكر عليه سعد بن عبادة، وقد فاضت عيناه بالدمع لما رفع ولدا لفاطمة ونفسه تقعقع: قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (١) وصح أنه قال ﷺ : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء" (٢). لم يملك أحد جلساء النبي ﷺ نفسه لما رأى رسول الله ﷺ يبكي فبادر إلى الرجل قائلا: أحزنت رسول الله ﷺ ، والحزن معلوم أنه أشد الألم.

стр. 20

قوله: «فقال له: كفّ، فإنه يسأل عما أهمه، ثم قال له: أعد عليّ حديثك، فأعاده فبكى حتى وكف (١) الدمع من عينيه على لحيته». نهى عن لومه؛ لأنه الرحمة المهداة لم يُحرم منها ذلك الرجل، إذ بادر رسول الله ﷺ بالدفاع عنه قائلا لمن لامه: «كفّ» وهذه كلمة فيها شيء من الحزم والصرامة، وعلل عدم لومه بقوله ﷺ : «فإنه يسأل عما أهمه» نعم لم يهمه ذلك إذ كان جاهليا، فالشر لا يولد إلا الشر، فلما أسلم صار له شأن آخر، أقلقه ما حدث منه قلقا شديدا، حتى أصبح هما كبيرا يأمل في الخلاص منه بأي ثمن، طلب منه نبينا محمد ﷺ وإعادة القصة لا لعدم استيعاب، فلم يكن بكاؤه ﷺ إلا لشدة وعيه القصة بكل أبعادها، لكن له في ذلك حكمة ﷺ ، لعلها ليدرك الجلساء البعد الجاهلي وما فيه من قسوة وظلم وجبروت، والبعد الإسلامي وما فيه من رحمة وشفقة، وزادته الإعادة ألما وتأثرا، حتى تحدّر دمعه على لحيته، وما ذاك إلا من شدة رحمته وعدله ورقة إحساسه ﷺ . ما يستفاد: *بيان ما كان عليه أهل الجاهلية من الجهل والضلال. * بيان ما كانوا عليه من القسوة وعدم الرحمة حتى بأقرب الأقربين. * بيان شدة تعلق تلك الفتاة بأبيها ومع ذلك لم ينفعها ذلك التعلق. * أن الإنسان قد يسعى في هلكته أقرب الناس إليه.

стр. 21

* بيان رحمة المسلم فإن رسول الله ﷺ حزن لما سمع القصة وبكى رحمة بتلك الطفلة المظلومة. * بيان حب الصحابة لرسول الله ﷺ وشفقتهم عليه إذ قال أحدهم: أحزنت رسول الله ﷺ . * بيان حلم رسول الله ﷺ إذ لم يعنف الرجل ولم يقبح عمله مع أنه يستحق ذلك. * جواز السؤال عما سلف من العمل للعلم بحكمه. *بشارة الرجل بأن إسلامه غسل ما مضى من ذنوبه، وأن عليه أن يستأنف حياته في عمل صالح وتوبة خالصة. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣ - (٣) أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلَايَ (١): أَنَّ أَهْلَهُ بَعَثُوا مَعَهُ بِقَدَحٍ فِيهِ زُبْدٌ وَلَبَنٌ إِلَى آلِهَتِهِمْ، قَالَ: فَمَنَعَنِي أَنْ آكُلَ الزُّبْدَ لِمَخَافَتِهَا (٢)، قَالَ: " فَجَاءَ كَلْبٌ فَأَكَلَ الزُّبْدَ وَشَرِبَ اللَّبَنَ، ثُمَّ بَالَ عَلَى الصَّنَمِ: وَهُوَ " إِسَافٌ وَنَائِلَةُ ".

стр. 22

قَالَ هَارُونُ: " كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا سَافَرَ حَمَلَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ أَحْجَارٍ: ثَلَاثَةٌ لِقِدْرِهِ، وَالرَّابِعُ يَعْبُدُهُ، وَيُرَبِّى كَلْبَهُ، وَيَقْتُلُ وَلَدَهُ " (١). رجال السند: هارون بن معاوية الأشعري، صدوق، وإبراهيم بن سليمان أبو إسماعيل الأردني المؤدب، صدوق يغرب، ومجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي ثقة، وصيفي بن عائذ، يقال له: السائب بن أبي السائب، كان شريكا للنبي ﷺ في الجاهلية، وهو مولى مجاهد من أعلى، قال مجاهد: كنت أقود بالسائب فيقول لي:: يا مجاهد أدلكت الشمس؟ " فإذا قلت: نعم صلى الظهر، ويقول: " هكذا كان رسول الله ﷺ يفعل" (٢)، وهذا سند حسن. قال: ولي حَجَرٌ أنا نحتّه بيدي أعبده من دون الله ﵎ فأجيء باللبن الخاثر الذي أنفسه على نفسي فأصبه عليه فيجيئ الكب فيلحسه ثم يشغر فيبول، أخرجه أحمد حديث (١٥٤٨٤). الشرح: هذا الحديث يصور لنا مشهدا آخر من مشاهد الجاهلية، وما تربوا عليه من الحمق والضلال، فالرجل منهم يذهب بالزبد واللبن إلى أصنام لا تأكل ولا تشرب، جماد لا تنفع ولا تضر، وقد يكون بحاجة إلى شيء من ذلك، فيمتنع مخافة أن تدركه الأصنام بسوء، وقد ظهر لهذا الرجل عيانا أن الحيوان قد يكون أجسر على ذلك، ولعله اعتبر والله أعلم من ذلك الحدث، حيث أكل

стр. 23

الكلب الزبد، وشرب اللبن، وزاد أن بال على الصنم إساف ونائلة، وقد هدي هذا إلى الإسلام وحدّث مجاهدا بما وقع له في الجاهلية، ومن هذا وأشباهه يعلم المسلم نعمة الله على البشرية إذ بعث نبينا محمدا ﷺ ، فأنقذها من ظلمات الجهل والضلال، إلى نور الإسلام وعلم اليقين بأنه لا إله يعبد بحق إلا الله وحده لا شريك له. قوله «قال هارون: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر حمل معه أربعة أحجار، ثلاثة لقدره (١)، والرابع يعبده، ويربي كلبه، ويقتل ولده». وهارون هو شيخ الدارمي المتقدم ذكره، وكان أبوه من وزراء المهدي، وهو يحكي مشهدا آخر مما كان في الجاهلية، وكان من عادتهم في السفر أن يأخذ المسافر معه ما يمكن حمله أربعة أحجار، ثلاثة منها يستخدمها إذا نزل وأراد أن يعد طعامه، وهي ما تعرف بالأثافي، توضع على شكل مثلث وتوقد النار بينها، ثم يوضع القدر على الأثافي، ولعل هذا لكونهم يجوبون الصحراء، وهي ذات رمال يندر أن يحد بها الحجر المناسب، أما الحجر الرابع فيعبده من دون الله ، وهذا هو الشرك الأكبر، وكان من عادة الجاهلية تربية الكلاب والعناية بها، ويسمونها الحوامي؛ لأنها تحمي بيوتهم ومواشيهم، وكان من عادتهم قتل الأولاد إما خشية أن يطعم معه، أو خشية العار من وقْع البنات في السبي، وتقدم بيانه، ومعلوم أن تربية الكلاب لا تجوز في الإسلام إلا لواحدة من ثلاث: أن يقتنى للصيد وهو المعلم كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا

стр. 24

أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١)، أو لحراسة الماشية وحمايتها، كحماية الغنم من الذئب مثلا، أو يدرّب لأغراض تتعلق بها، أو لحراسة زرع وما تلزم حراسته، وما عدا ذلك فلا، فمن اقتنى كلبا لغير ما ذكر فإنه آثم، قال ﷺ : «من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا، ولا ضرعا، نقص كل يوم من عمله قيراط» (٢)، وذكر الماشية في رواية أخرى (٣). نجاسة الكلاب: أخذ العلماء من قوله ﷺ : «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب» (٤)، دلالةً على نجاسة الكلب؛ لأنه إذا كان لعابه نجسا، وهو عرق فمه ففمه نجس، ويستلزم نجاسة سائر بدنه، وذلك؛ لأن لعابه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه، فبقية بدنه أولى بالنجاسة، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وقال عكرمة ومالك في رواية عنه: إنه طاهر، ودليلهم قول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٥)، ولا يخلو الصيد من التلوث بريق الكلاب، ولم نؤمر بالغسل، وأجيب عن ذلك بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجس من الصيد، وعدم الأمر للاكتفاء بما في أدلة تطهير

стр. 25

النجس من العموم، ولو سلم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه، واستدلوا أيضا بما ثبت من حديث ابن عمر بلفظ: «كانت الكلاب تقبل وتدبر في زمان رسول الله ﷺ في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك» (١)، وهذا مردود بأن مجرد الإقبال والإدبار لا يدلان على الطهارة، والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها، وجعل الأبواب عليها، واستدلوا على الطهارة أيضا بالترخيص في كلب الصيد والماشية والزرع، وأجيب بأنه لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة، وغاية الأمر أنه تكليف شاق وهو لا ينافي التعبد به (٢)، وعلى هذا نرى عدم جواز تربية الكلاب واقتنائها، إلا لحاجة ماسة، وفائدة ظاهرة لا يستغنى عنها، فلابأسحينئذ كما هو الحال من التطور في تعليم الكلاب مهارات نافعة، كالكشف عن السرقات والممنوعات، والحراسات وغير ذلك من المنافع، وما كان استثناء الصيد والماشية والزرع، إلا لبيان الجواز في المنافع ولو تعددت، وليس المراد الحصر، مع لزوم القول بنجاستها تعبدا، وعدم مخالطتها واحتضانها إلا لضرورة ويجب التطهر، ولا يجوز تدريبها على تعذيب الناس، وامتهان كرامة الإنسان، مهما كانت جريمته، ومن فعل ذلك فقد تعدى وظلم. ما يستفاد: * بيان ما كان عليه أهل الجاهلية من عادات في عبادتهم.

стр. 26

* بيان سخف عقول الجاهليين كان الرجل منهم يعتني بكلبه ويربيه، ويهمل ولده أو يقتله خشية الفقر أو العار. * وضوح الشبه بين كفار قريش، والكفار في هذا الزمان من الاهتمام الكبير بالكلاب والقطط وغيرها من الحيوانات، وضياع حقوق الآباء والأمهات، والأبناء والبنات، وكافة الأقارب، فقد يوصي الرجل منهم بثروته قلّت أو كثرت لما يخلّف من حيوان، ويحرم ذوي قرابته، فليس له حظ في مواساة قريب ولا بعيد. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٤ - (٤) حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا رَيْحَانُ - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ السَّامِيُّ- حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ - عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَصَبْنَا حَجَراً حَسَناً عَبَدْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ نُصِبْ حَجَراً جَمَعْنَا كُثْبَةً مِنْ رَمْلٍ ثُمَّ جِئْنَا بِالنَّاقَةِ الصَّفِيِّ، فَتَفَاجُّ عَلَيْهِ (١) فَنَحْلِبُهَا عَلَى الْكُثْبَةِ حَتَّى نَرْوِيَهَا (٢)، ثُمَّ نَعْبُدُ تِلْكَ الْكُثْبَةَ (٣) مَا أَقَمْنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ (٤).

стр. 27

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الصَّفي: الْكَثِيرَةُ الأَلْبَانِ (١). رجال السند: مجاهد بن موسى أبو علي الخوارزمي الختلي، ثقة ليس له في البخاري رواية، وريحان بن سعيد بن المثنى، أبو عصمة السامي الناجي البصري، صدوق ربما أخطأ، وكان إمام مسجد شيخه عباد بن منصور، وعباد بن منصور أبو سلمة الناجي، كان قاضيا على البصرة، لكنه ضعّف في الرواية، وعدّ في المدلسين، وعدّه ابن حجر في مرتبة صدوق رمي بالقدر، وعمران ابن ملحان التميمي، أبو رجاء البصري، تابعي ثقة مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وليست له رؤية، أدرك النبي قبل البعثة، ولما بعث هرب مع أهله، فقيل لهم: إنما سبيل هذا الرجل شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فمن أقرّ بها أمن على دمه وماله، قال: فرجعنا فدخلنا في الإسلام (٢)، فالحديث فيه ضعف عباد بن منصور، وعنعنته، وتغيّر بأخرة، لكن يحتمل منه مثل هذا. الشرح: هذا الحديث فيه ضعف عباد بن منصور، وعنعنته، وتغيّره، لكن يحتمل منه مثل هذا، وهو حكاية بعض ما كان عليه الجاهليون، وأخرجه أبو نعيم

стр. 28

بسند حسن (١)، وهو شاهد لما سبق من عادات الجاهلية في عبادتهم، وفيه نوع آخر من أنواع الأصنام التي يعبدونها عند فقدهم الأحجار، وذلك أنهم يجمعون كومة من الرمل يحلبون عليها تبركا بها، ويعبدونها مدة إقامتهم، ومن سخف عقولهم لم يتنبهوا إلى صناعتهم إياها، وحلبهم عليها، ثم تركها أو هدمها عند الرحيل، لم يعوا أن عملهم مجرد بله وحمق في آن واحد، وهذا من شواهد ما تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢ _ بابٌ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكُتُبِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ٥ - (١) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قَالَ كَعْبٌ: نَجِدُ مَكْتُوباً: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا صَخَّابٌ بِالأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ (٢)، وَيَحْمَدُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، يَتَأَزَّرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّئُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِى فِي جَوِّ السَّمَاءِ، صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ في الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِىٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجِرُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ (٣).

стр. 29

رجال السند: الحسن بن الربيع البجلي، أبو على القسري، ثقة من كبار شيوخ مسلم، وأبو الأحوص سلام بن سليم، ثقة، والأعمش سليمان بن مهران إمام، وأبو صالح ذكوان بن عبد الله السمان، مولى جويرية أم المؤمنين، ثقة، وكعب بن ماتع الحميري اليماني، يعرف بكعب الأحبار، أدرك حياة النبي ﷺ ولم تكن له رؤية، وهو إمام عالم، خبير بكتب اليهود. الشرح: عقّب المصنف رحمه الله تعالى بذكر ما ورد في الكتب المنزلة، وكأنه ﵀ يتوخى التسلسل التاريخي، وذكر الكتب السابقة وما ورد فيها من ذكر النبي الخاتم ﷺ وصفاته وصفات أصحابه فيه علامة قوية على صدق نبوة نبينا محمد ﷺ ، وهذا مهم في سياق الأحداث، وتقرير الحق، وإقامة الحجة، وللتدرج في ذلك أثر في أحوال المخاطبين، وخاصة من كتب الله له هداية التوفيق، والخبررجاله ثقات، وهو من رواية كعب الأحبار، وهو تابعي، أدرك حياة النبي ولم يره، وهو عالم بكتب اليهود، أسلم وحسن إسلامه، قص ما وجد في التوراة والإنجيل، من صفات نبينا محمد ﷺ ، وذكر منها أنه لا فظ ولا غليظ، وقد تأكدت فيه ﷺ بالممارسة الفعلية مع أصحابه إذ كان بهم رحيما، وبقول الله مثنيا عليه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ

стр. 30

لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وقوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣)، وذكر منها أنه ﷺ . قوله: «لا صخّاب بالأسواق». المراد أن من صفاته ﷺ أنه لا يعتاد الأسواق ويرفع صوته فيها مجادلا ومماريا بالبيع والشراء، وما يقع فيه من الجدل، وسوء الأخلاق، فالأسواق ليست للأنبياء؛ لأنها من أسوأ الأعمال في الدنيا إلا لمن مارسها بحقها، من الحذر وتحري الصدق والعدل والبعد عن المماحكة والجدل، والأيمان المنفقة للسلع، ولذلك قال ﷺ : «شر البقاع الأسواق» (٤)، فلم يكن مرتادا لها، ولا صخابا فيها. قوله: «أنه لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر» هذا من صفاته ﷺ ، وكان ذلك صفة ملازمة له ﷺ منذ الصغر، لم يذكر بسوء على الإطلاق، صبر على أذى قريش؛ لأنه بعث رحمة ليس لهم فحسب بل للعالمين كافة، فلم ينتقم لنفسه ولا مرة واحدة، خرج يدعو الناس ويصبر على أذاهم حتى وصل الطائف، فأوذي أشد الأذى، وأدميت عقباه ﷺ ،

стр. 31

فلجأ إلى من بعثه رحمة للعالمين مناجيا، قائلا: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك» (١)، هذا الدعاء العظيم، مناجاة العبد الضعيف لربه القوي العظيم، من هو على كل شيء قدير، ولذلك لم يحْذر نبينا محمد ﷺ غضب الناس أجمعين، وإنما استعاذ من غضب ربه، ولم يتعرض لظالميه بشيء من الدعاء، بل إن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت له ﷺ : هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على بن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليّ، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا

стр. 32

يشرك به» (١)، أيُّ عفو أعظم من هذا؟ وأي جزاء سيئة بحسنة كهذه؟ ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فالعفو خلقة، والإحسان طبيعته -صلى الله علي ٥ هـ وسلم-، كان فتحُ مكة نصرا كبيرا لرسول الله ﷺ والمؤمنين ﵃، وقد أمكنه الله من قريش الذين كذبوه وآذوه وأصحابه، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، أمكنه الله منهم يوم الفتح، فقال لهم حين اجتمعوا في المسجد: «ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٢)، عفو شامل لأمة أخرجته طريدا، وآذته أشد الأذى. قوله: الحمادون: هذه صفة المؤمنين به من أمته فذكر من صفاتهم أنهم الحمادون، أي: كثيروا الحمد لله والثناء عليه تعالى في السراء والضراء، وهذا عام في كل الأحوال، وقد تجلت هذه الصفة في أكمل صورها في حياة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ولذلك قال ﷺ : «خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (٣)، ولقد أقام الله سبحانه في القرون الثلاثة الأولى الخيرة: رجالا تلقوا هذا الدين بفهم وبصيرة، وحب وولاء، وإعزاز وتكريم، فآثروه على أنفسهم، وأهليهم وأولادهم وديارهم (٤)، وذكر من صفاتهم أنهم يكبرون على كل نجد، المراد أنهم يكبرون الله في كل الأحوال، وأشار بقوله: على كل نجد، ما يكون من التلبية والتكبير في الطريق إلى الحج، وفي التنقل بين المشاعر، وكذلك في حالات الفتح و

стр. 33

الجهاد لنشر الدين الحنيف، وهو ما حدث فعلا، وما يتخلل أوقات حياتهم من الذكر والتعبد، ولا زال يحدث إلى أن تقوم الساعة، وكذلك ما حدث من الرحلة في طلب العلم، وقد هاجروا في سبيل تحصيله، وضبطه وتلقيه وتبليغه، وهجروا الراحة والأوطان، وطافوا القرى والبلدان، لتحصيل الحديث النبوي الواحد، وما يتصل به آثار السلف الصالح، فبلغوا الغاية وأتوا على النهاية، وكانوا بحق (١)، ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢)، ثم ذكر من صفاتهم تقيدهم بما شرع لهم في كل الأحوال، ومن ذلك اللباس، فإنهم يأتزرون على أنصافهم، فلا يجاوز لباس الرجل كعبيه، وقد كان ذلك عملا بما صح من قول رسول الله ﷺ : «موضع الإزار إلى أنصاف الساقين والعضلة، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فمن وراء الساق، ولا حق للكعبين في الإزار» (٣)، ولا يجوز تجاوز الكعبين في لباس الرجل، عملا بما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه سمع من الرسول ﷺ قوله: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه ما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من الكعبين في النار، يقول ثلاثا: لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا» (٤)، وقد قال بعض العلماء: إن الزيادة على الكعبين في لباس الرجل من الكبائر؛ لأن الله توعد عليها بالنار، ومن تعمد ذلك فقد عصى الله ورسوله؛ لأنه

стр. 34

متعبد بذلك، أما المرأة فالواجب في لبسها الزيادة حتى يغطي القدمين، عملا بما صح عن أم سلمة ﵂: أنها سألته ﷺ فقال: «ترخي شبرا، قالت: إذن تنكشف، قال: فذراعا لا يزدن عليه» (١)، وقد انعكس الأمر في هذا العصر المليء بالمفارقات، أطال الرجال ثيابهم حتى جروها على الأرض، ولم يكشف بعض النساء القدمين المنهي عن كشفهما فحسب، بل زدن على ذلك بما قارب الركبتين أو زاد عنها، فأصبحن كاسيات عاريات، وزدن الطين بلّة كما يقال: بلباس السراويل" البنطلونات " الضيقة جدا المحجّمة لمفاتنهن دون مراعاة لدين ولا خلق، فمن كان هذا حاله من الرجال والنساء، لم يكن داخلا في ذلك الوصف لأمته ﷺ ، نعم هم من الأمة في الظاهر، ولكن إذا لم يتوبوا من المخالفات الشرعية قبل فوات الأوان، فإنهم ممن سيقول لهم رسول الله ﷺ يوم القيامة: سحقا سحقا، كما ورد أنه قال ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم» وفي رواية قال: «إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي» (٢)، فإنه يعرفهم بعلامات الوضوء؛ لأنهم غرّ محجّلون، ويعرفونه بوقوفه على حوضه، ومع كونهم محجّلين من آثار الوضوء إلا أنهم أبعدوا عن حوضه لمخالفتهم هديه ﷺ في أمور أخر، ولا ريب أن من استبدل القيم الإسلامية بالعادات الغربية، فهو ممن

стр. 35

بدّل واستعاض عن هدي نبينا محمد ﷺ بما روّجه غير المسلمين، وهذا حبّ لهم، والمرء مع من أحب، وذكر من صفاتهم أنهم يتوضؤون على أطرافهم، وكان هذا من خصائص هذه الأمة، وهو التطهر للصلاة، والطواف وتلاوة القرآن، وذلك بغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس والأذنين، وغسل الرجلين إلى الكعبين، وقد جعل الله هذا علامة فارقة لهم يوم القيامة، قال نبينا محمد ﷺ : «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء» (١)، ومن صفاتهم أن مناديهم ينادي في جو السماء، والمراد الأذان للصلاة، المتحقق فيما بعد، فلم تكن لهم طريقة اليهود ولا النصارى، وذكر أن صفّهم في الصلاة واحد، وهو كذلك فالصلاة إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يكون المسلمون فيها ضفوفا متراصّة، وكان ذلك حالهم في القتال، حتى تبدل الحال بما جدّ من وسائل الفتك والدمار، ومن صفاتهم أن لهم بالليل دويا كدوي النحل، وقد تحقق هذا بقراءة القرآن في كل الأحوال، في الصلاة فرضا ونفلا، وفي التلقي لفظا، ومراجعة ودرسا، وفي التعبد تلاوة وتدبرا، ولا زال المسلمون على هذا، وذكر أن مولده ﷺ بمكة، وهو ما كان فعلا، فقد ولد بها في عام الفيل (٥٧٠ م) على الصحيح يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وذكر أن مهاجره بطابة، وهذا اسم من أسماء المدينة، ومنها: طيبة والمحبوبة، وذكر أن ملكه بالشام، والمراد ما آل إليه أمر أمته، إذ كانت الشام عاصمة الإسلام في عهد الأمويين،

стр. 36

وكذلك العراق عاصمة الإسلام في عهد العباسيين، أما عهد الرسول ﷺ فنبوة وليس ملكا، وكانت طابة عاصمة الإسلام الأولى في عهد النبوة، والخلافة الراشدة، ولم تدم خلافة علي ﵁ في الكوفة، هذا ما تحدثت به كتب أهل الكتاب، الذين غاضهم أن يكون النبي ﷺ من العرب فلم يؤمنوا به، وناصبوه العداء، فهم أعداؤه وأعداء دينه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وزماننا هذا حافل بعداوة اليهود والنصارى للإسلام، ولا يزعم غير هذا إلا من سلب التوفيق إلى قول الحق. الشرح: ورود صفة نبينا محمد ﷺ وأمته في الكتب السابقة، ويؤيد ذلك ما حكى الله في كتابه العزيز عن عيسى ﵇، إذ حكى قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١). ما يستفاد: * بلوغ النبي ﷺ الكمال في الصفات الحسنة، ومكارم الأخلاق. * أن أمته كثيروا الحمد والتكبير في كل الأحوال. * أن أمته يلتزمون الشرع في عبادتهم ولباسهم وسائر أعمالهم. * أنهم الغر المحجلون من آثار الوضوء، وذلك صفة خاصة بهم. * أنهم دائموا التلاوة لكتاب الله . * أن صفتهم في صلاتهم وقتال العدو واحدة، وفيها إشارة إلى الوحدة والتلاحم، ولاسيما في الذود عن العقيدة والمقدسات، وقد ظهر ذلك في هذا

стр. 37

الزمان عندما سخر العدو من نبينا محمد ﷺ بتلك الرسوم المشينة، هبّ المسلمون في كل مكان متوحدين ومناصرين نبيهم ﷺ ، فياليت قادة الأمة يعون أهمية العودة إلى الحكم بالكتاب والسنة، ويعيدون للأمة عزها، على نحو ما كان في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وما تلاها من قوة الإسلام وعدالته. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٦ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِى اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي هِلَالٍ - عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّا لَنَجِدُ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدا، وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَحِرْزاً لِلأُمِّيِّينَ (١)، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُهُ (٢) الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سخَّابٍ (٣) بِالأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِى بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَتَجَاوَزُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْمِلَّةَ الْمُتَعَوِّجَةَ (٤)، بِأَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يَفْتَحُ بِهِ أَعْيُناً عُمْياً، وَآذَاناً صُمًّا،

стр. 38

وَقُلُوباً غُلْفاً (١). رجال السند: عبد الله بن صالح الجهني مولاهم، أبو صالح المصري، المشهور بكاتب الليث، الصحيح أن حديثه حسن، وشيخه الليث بن سعد أبو الحارث الفهمي، ثقة إمام الديار المصرية ومفتيها، وخالد بن يزيد الجمحي، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة إمام، وسعيد بن أبي هلال الليثي، أبو العلاء وثقه العلماء، ولا اعتبار لقول ابن حزم: ليس بالقوي، وقال ابن حجر: صدوق لم أر لابن جزم سلفا في تضعيفه، إلا ما حكاه الساجي عن أحمد أنه اختلط، وهلال بن علي بن أسامة المدني، ويقال: هلال بن أبي ميمونة، ثقة روى عن أنس ﵁، وعن كبار التابعين، وعطاء بن يسار الهلالي، مولى ميمونة أم المؤمنين، فقيه عالم، وإخوته: سليمان وعبد الله وعبد الملك فقهاء، كان كثير الملازمة للمسجد النبوي، وعبد الله بن سلام ﵁، صحابي من أهل الكتاب، من ولد يوسف بن يعقوب، شهد له نبينا محمد ﷺ بالجنة. الشرح: هذا حديث حسن على الصحيح، بدايته عند البخاري من حديث عبد الله

стр. 39

ابن عمرو ابن العاص ﵁ (١)، وهو شاهد للرواية السابقة، وفيه: " إنا أرسلناك شاهدا ونذيرا "، نص ما جاء ذلك في كتاب الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢)، فهو شاهد على الناس كافة، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣)، وهو مبشر بالجنة والفلاح للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤)، وهو نذير للناس كافة، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٥)، وأفهم من هذه الآية أن أم القرى محور الأرض كما ثبت علميا، وأن ما حولها جميع الأمة، ما كان منهم في حياته ﷺ ، وما كان من بلاغ الفتوحات الإسلامية، وما كان من شيوع الإسلام وشهرته، ولا زال الإسلام ينذر القاصي والداني إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تنقله الطائفة المنصورة، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ . قوله: «أنت عبدي ورسولي» فيه بيان أنه ﷺ لا يخرج بنبوته عن كونه عبدا لله

стр. 40

تعالى، أرسله إلى الناس كافة، وفيه رد على الغالين في شخصه ﷺ ، فهو بشر كغيره من الناس، وليس في هذا معارضة لقوله ﷺ : «لست كهيئتكم إني أظل أطعم وأسقى " (١)، وذلك في الصيام لمّا واصل، بادر الصحابة إلى صوم الوصال، فبين لهم الرسول ﷺ أنه مخصوص من ربه بمزيد العناية، منها هذه، وانفراده عنهم بصفة الوحي إليه، وكمال في البنية والقوة، وخصائصه معروفة دوّنها العلماء ومنها: كتاب الخصائص للنسائي، وكل ذلك لا ينافي كونه بشرا، وقد أمره الله أن يؤكد ذلك للناس فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٢)، ولذلك نهى عن المبالغة بالثناء عليه ﷺ إلى حد يخرجه عن كونه بشرا، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣)، والإطراء هو الإفراط في المدح ومجاوزة الحد فيه، وهو المدح بالباطل والكذب فيه، وأي باطل وكذب أعظم من زعْم النصارى أن عيسى ابن الله، وأنه إلاه؟!!، ومن يجاوز الحد في مدح رسول الله ﷺ ، ويصفه بما ليس فيه، ويعطه ما لم يعطه الله، فقد عصى الله وكذب عليه، ومن كان كذلك فالرسول خصمه، لمخالفته أمر الله ، وفي نفس الأمر هو عاص لرسول الله ﷺ ، وإن زعم محبته، والله خصمه لمخالفته أمر رسوله، كمن كذب
следующие страницы →