وكذلك العراق عاصمة الإسلام في عهد العباسيين، أما عهد الرسول ﷺ فنبوة وليس ملكا، وكانت طابة عاصمة الإسلام الأولى في عهد النبوة، والخلافة الراشدة، ولم تدم خلافة علي ﵁ في الكوفة، هذا ما تحدثت به كتب أهل الكتاب، الذين غاضهم أن يكون النبي ﷺ من العرب فلم يؤمنوا به، وناصبوه العداء، فهم أعداؤه وأعداء دينه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وزماننا هذا حافل بعداوة اليهود والنصارى للإسلام، ولا يزعم غير هذا إلا من سلب التوفيق إلى قول الحق.
الشرح:
ورود صفة نبينا محمد ﷺ وأمته في الكتب السابقة، ويؤيد ذلك ما حكى الله في كتابه العزيز عن عيسى ﵇، إذ حكى قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١).
ما يستفاد:
* بلوغ النبي ﷺ الكمال في الصفات الحسنة، ومكارم الأخلاق.
* أن أمته كثيروا الحمد والتكبير في كل الأحوال.
* أن أمته يلتزمون الشرع في عبادتهم ولباسهم وسائر أعمالهم.
* أنهم الغر المحجلون من آثار الوضوء، وذلك صفة خاصة بهم.
* أنهم دائموا التلاوة لكتاب الله .
* أن صفتهم في صلاتهم وقتال العدو واحدة، وفيها إشارة إلى الوحدة والتلاحم، ولاسيما في الذود عن العقيدة والمقدسات، وقد ظهر ذلك في هذا
стр. 37
الزمان عندما سخر العدو من نبينا محمد ﷺ بتلك الرسوم المشينة، هبّ المسلمون في كل مكان متوحدين ومناصرين نبيهم ﷺ ، فياليت قادة الأمة يعون أهمية العودة إلى الحكم بالكتاب والسنة، ويعيدون للأمة عزها، على نحو ما كان في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وما تلاها من قوة الإسلام وعدالته.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِى اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي هِلَالٍ - عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّا لَنَجِدُ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدا، وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَحِرْزاً لِلأُمِّيِّينَ (١)، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُهُ (٢) الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سخَّابٍ (٣) بِالأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِى بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَتَجَاوَزُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ الْمِلَّةَ الْمُتَعَوِّجَةَ (٤)، بِأَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يَفْتَحُ بِهِ أَعْيُناً عُمْياً، وَآذَاناً صُمًّا،
стр. 38
وَقُلُوباً غُلْفاً (١).
رجال السند:
عبد الله بن صالح الجهني مولاهم، أبو صالح المصري، المشهور بكاتب الليث، الصحيح أن حديثه حسن، وشيخه الليث بن سعد أبو الحارث الفهمي، ثقة إمام الديار المصرية ومفتيها، وخالد بن يزيد الجمحي، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة إمام، وسعيد بن أبي هلال الليثي، أبو العلاء وثقه العلماء، ولا اعتبار لقول ابن حزم: ليس بالقوي، وقال ابن حجر: صدوق لم أر لابن جزم سلفا في تضعيفه، إلا ما حكاه الساجي عن أحمد أنه اختلط، وهلال بن علي بن أسامة المدني، ويقال: هلال بن أبي ميمونة، ثقة روى عن أنس ﵁، وعن كبار التابعين، وعطاء بن يسار الهلالي، مولى ميمونة أم المؤمنين، فقيه عالم، وإخوته: سليمان وعبد الله وعبد الملك فقهاء، كان كثير الملازمة للمسجد النبوي، وعبد الله بن سلام ﵁، صحابي من أهل الكتاب، من ولد يوسف بن يعقوب، شهد له نبينا محمد ﷺ بالجنة.
الشرح:
هذا حديث حسن على الصحيح، بدايته عند البخاري من حديث عبد الله
стр. 39
ابن عمرو ابن العاص ﵁ (١)، وهو شاهد للرواية السابقة، وفيه: " إنا أرسلناك شاهدا ونذيرا "، نص ما جاء ذلك في كتاب الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢)، فهو شاهد على الناس كافة، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣)، وهو مبشر بالجنة والفلاح للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤)، وهو نذير للناس كافة، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٥)، وأفهم من هذه الآية أن أم القرى محور الأرض كما ثبت علميا، وأن ما حولها جميع الأمة، ما كان منهم في حياته ﷺ ، وما كان من بلاغ الفتوحات الإسلامية، وما كان من شيوع الإسلام وشهرته، ولا زال الإسلام ينذر القاصي والداني إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تنقله الطائفة المنصورة، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ . قوله: «أنت عبدي ورسولي» فيه بيان أنه ﷺ لا يخرج بنبوته عن كونه عبدا لله
стр. 40
تعالى، أرسله إلى الناس كافة، وفيه رد على الغالين في شخصه ﷺ ، فهو بشر كغيره من الناس، وليس في هذا معارضة لقوله ﷺ : «لست كهيئتكم إني أظل أطعم وأسقى " (١)، وذلك في الصيام لمّا واصل، بادر الصحابة إلى صوم الوصال، فبين لهم الرسول ﷺ أنه مخصوص من ربه بمزيد العناية، منها هذه، وانفراده عنهم بصفة الوحي إليه، وكمال في البنية والقوة، وخصائصه معروفة دوّنها العلماء ومنها: كتاب الخصائص للنسائي، وكل ذلك لا ينافي كونه بشرا، وقد أمره الله أن يؤكد ذلك للناس فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٢)، ولذلك نهى عن المبالغة بالثناء عليه ﷺ إلى حد يخرجه عن كونه بشرا، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣)، والإطراء هو الإفراط في المدح ومجاوزة الحد فيه، وهو المدح بالباطل والكذب فيه، وأي باطل وكذب أعظم من زعْم النصارى أن عيسى ابن الله، وأنه إلاه؟!!، ومن يجاوز الحد في مدح رسول الله ﷺ ، ويصفه بما ليس فيه، ويعطه ما لم يعطه الله، فقد عصى الله وكذب عليه، ومن كان كذلك فالرسول خصمه، لمخالفته أمر الله ، وفي نفس الأمر هو عاص لرسول الله ﷺ ، وإن زعم محبته، والله خصمه لمخالفته أمر رسوله، كمن كذب
стр. 41
عليه ﷺ ، ووضع أحاديث في الفضائل، فلما أنكر عليه ذلك قال: كذبت له ولم أكذب عليه، ومن كان خصمه الله ورسوله فقد خاب وخسر.
قوله: «حرزا للأميين» الأميون هم العرب؛ لأنهم في الغالب في زمنهم لا يقرئون ولا يكتبون، قال ﷺ : «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب» (١)، والمراد من آمن منهم، فإن ذلك حرزا في الدنيا من الفتن بالثبات على الحق، وفي الآخرة حرزا لهم من النار، ومن ذلك مقام الشفاعة.
قوله: «سميته المتوكل» هذا من صفاته ﷺ وقد بلغ الكمال فيها، وكان صبره وثباته ﷺ من مبعثه إلى أن لحق بالرفيق الأعلى من أبرز الأدلة على ذلك الكمال، فكان علما عليه لشدة ظهوره فيه.
قوله: «ولن أقبضه حتى يقيم الملة المتعوجة (٢)، بأن يشهد أن لا إله إلا الله، نفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا» المراد بالملة المتعوجة ما سوى الإسلام، وقد وصفت بأنها متعوجة إما لأن الإسلام هو الخاتم، وأنه الدين الشامل لكل الناس، بل للإنس والجن، أو لأن ما قبله من الأديان حصل لها تحريف واعوجاج عن الحق، ومن ذلك اعوجاج قريش عن الحنيفية إلى عبادة الأصنام، والإسلام هو الطريق المستقيم، الذي تكفل الله بحفظه وسلامته من تدخل البشر، وهذا هو الأولى، بدلالة قوله: «بأن يشهد أن لا إله إلا الله، نفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا» فالمراد إقامة توحيد الله بالعبادة، وحده لا شريك له، لا كما تزعم
стр. 42
اليهود أن عزيرا ابن الله، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (١)، وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٢)، وليس لهم مستند صحيح لا من عقل ولا من نقل، وإنما مسايرة لقول من كفر قبلهم من الأمم السابقة، سايروهم في مجال الكفر ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٣)، وزعموا أن الله ثالث ثلاثة ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٤)، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، وقد أقام الله بنبينا محمد ﷺ الملة المعوجة، وفتح به أعينا عميا عن الحق، فآمن به من أدركته هداية التوفيق، وسمع منه الحق ووعاه من أراد الله له الخير والفلاح في الدنيا والآخرة، ولم يكن هذا الفتح خاصا بقريش، ولا بقبائل العرب وحدها، بل دخل فيه أجناس من عباد الله عربا وعجما.
ما يستفاد:
* أن نبينا محمدا ﷺ شاهد على الأمة أنه بلّغها، وقد كرر ذلك في خطبة الوداع، إذ قال: ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد.
стр. 43
* أنه ﷺ مبشر للأمة بالجنة، والبشارة بها تقتضي البشارة بكل عمل يوصل إليها.
* أنه ﷺ نذير للأمة، ينذرها ويحذرها من النار، وذلك يقتضي التحذير من كل عمل يؤدي إليها.
* أنه ﷺ حصن للأمة في الدنيا والآخرة، بمقتضى تلك الشهادة، وتلك البشارة، وذلك التحذير.
* أن التعبير بالأميين إشارة إلى الأقربين إليه ﷺ وهم العرب، والمراد عموم الأمة: العرب والعجم، على حد قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، ولم يكن ذلك خاصا بهم.
* أنه ﷺ بلغ الكمال في صفة التوكل وعدم المبالاة بما سوى الله ، وقد تجلى ذلك في حياته ﷺ ، وأثنى الله عليه وعلى أمته فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢).
* أنه ﷺ أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وأقام الملة على توحيد الله وهدم الأصنام، وبعث هذا الخير إلى الناس، وكم أنقذ الله به من الضلال، وبصّر به من العمى ﷺ ، والله غالب على أمره إذ نفع به أهل الإيمان، وضرّ به أهل الكفر والزيغ والعناد.
стр. 44
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧ - (٣) قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ كَعْباً يَقُولُ مِثْلَمَا قَالَ ابْنُ سَلَامٍ (١).
رجال السند:
هذا موصول بالسند السابق، وأبو واقد ﵁ هو الحارث بن عوف، أحد البدريين، وقد تقدم الكلام على حديث كعب قبل هذا، وفي التالي مزيد بيان.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨ - (٤) أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ عَوْفٍ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي (٢) صَالِحٍ، عَنْ كَعْبٍ: فِي السَّطْرِ الأَوَّلِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَبْدِيَ الْمُخْتَارُ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا صَخَّابٌ في الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَفي السَّطْرِ الثَّانِي: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ (٣) عَلَى كُلِّ شَرَفٍ (٤)، رُعَاةُ (٥) الشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا، وَلَوْ
стр. 45
كَانُوا عَلَى رَأْسِ كُنَاسَةٍ (١)، وَيَأْتَزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَأَصْوَاتُهُمْ بِاللَّيْلِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ كَأَصْوَاتِ النَّحْلِ.
رجال السند:
زيد بن عوف أبو ربيعة القطيعي البصري، قيل: صدوق يسرق الحديث وقال أبو حاتم: متروك (٢)، روى عنه الدارمي هذا الحديث، وآخر هو «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم» (٣)، والوضاح ابن عبد الله أبو عوانة اليشكري، إمام ثقة، وعبد الملك بن عمير بن سويد، قاضي الكوفة، من صغار التابعين، مدلس، رجل، مجهول، وأبو صالح: ذكوان بن عبد الله أبو صالح السمان، مولى جويرية أم المؤمنين، ثقة من كبار العلماء، وكعب بن ماتع الحميري اليماني، يعرف بكعب الأحبار، أدرك حياة النبي ﷺ ولم تكن له رؤية، وهو إمام عالم، خبير بكتب اليهود.
الشرح:
تقدم في الحديث رقم (٥) شرح غالب مفردات هذا الحديث، وهذا الحديث فيه زيد بن عوف البصري متروك، قال أبو حاتم: متروك (الجرح والتعديل ٣/ ٥٧٠) وقد صح الحديث من طرق، انظر: السابق، وما هو
الحق من صفات النبي وأمته، وانظر: القطوف رقم (٤، ٥).
стр. 46
قوله: «يحمدون الله في السراء والضراء» هذا تفسير للجملة قبلها ولما ورد في الحديث رقم (٥) من الإطلاق، والمراد أنهم يحمدون الله على كل حال، وفي غالب الأحوال، ونكتفي بما تقدم بيانه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩ - (٥) أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ثَنَا مَعْنٌ - هُوَ (١) ابْنُ عِيسَى - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبَ الأَحْبَارِ: كَيْفَ تَجِدُ نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ؟، فَقَالَ كَعْبٌ: " نَجِدُهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يُولَدُ بِمَكَّةَ، وَيُهَاجِرُ إِلَى طَابَةَ، وَيَكُونُ مُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَلَيْسَ بِفَحَّاشٍ وَلَا صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَافِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ سَرَّاءٍ، وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْد، يُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَيَأْتَزِرُونَ في أَوْسَاطِهِمْ، يَصُفُّونَ في صَلَاتِهِمْ كَمَا يَصُفُّونَ فِي قِتَالِهِمْ، دَوِيُّهُمْ في مَسَاجِدِهِمْ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُسْمَعُ (٢) مُنَادِيهِمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ" (٣).
رجال السند:
مجاهد بن موسى أبو علي الخوارزمي الختّلي، ثقة ليس له في البخاري رواية، ومعن بن عيسى القزاز، ثقة كان يسمى عصاة مالك، لكثرة ملازمته للإمام مالك، ومعاوية بن صالح بن حدير، أبو عمرو الحضرمي، قاضي الأندلس، صدوق له أوهام، وعروة بن الحارث أبو فروة الهمداني، يقال له:
стр. 47
أبو فروة الأكبر، ثقة روى له مسلم، والبخاري مقرونا بغيره، وعبد الله بن عباس ﵄، أبو العباس، حبر الأمة، أخذ عن كعب الأحبار علما.
الشرح:
تقدم فيما سبق، وهذا من تعدد الرواية في هذا الموضوع.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠ - (٦) أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ الْتَمِيْمِيُّ (١)، ثَنَا بَحِيرُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ إِلَيْكُمْ لَيْسَ بِوَهِنٍ وَلَا كَسِلٍ، لِيَخْتِنَ قُلُوباً غُلْفاً، وَيَفْتَحَ أَعْيُناً عُمْياً، وَيُسْمِعَ آذَاناً صُمًّا، وَيُقِيمَ أَلْسِنَةً عُوْجَا حَتَّى يُقَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ».
رجال السند:
حيوة بن شريح أبو العباس الحضرمي ثقة، بقية بن الوليد أبو محمد التميمي، مدلس معروف بالراية عن الضعفاء والمجاهيل، تقبل روايته بشرط أن يصرح بالسماع، فهو ثقة إذا حدث عن الثقات، وقال في الصيغة: حدثنا أو أخبرنا، وبحير بن سعد أبو خالد الحمصي السحولي ثقة، وخالد بن معدان الحمصي، إمام ثقة جليل، و جبير بن نفير الحضرمي، لم تثبت له رؤية، ولم يرو له البخاري، وحديثه عن النبي مباشرة مرسل؛ وهو ثقة من كبار التابعين.
стр. 48
الشرح:
الحديث فيه بقية بن الوليد، الراجح أنه ثقة إذا حدث عن ثقة، وصرح بالتحديث، وهو هنا كذلك، جبير تابعي كبير، روى عن أبيه، عن أبي الدرداء، حديثا يأتي، فالحديث مرسل، وقد ورد عنه أنه قال: أتانا رسول الله، فلعل له رؤية، وفي. سنده بقية بن الوليد، الراجح أنه ثقة إذا حدث عن ثقة، وصرح بالتحديث، وهو هنا كذلك، جبير تابعي كبير، روى عن أبيه، عن أبي الدرداء، حديثا يأتي، فالحديث مرسل، وقد ورد عنه أنه قال: أتانا رسول الله، فلعل له رؤية. وقوله: " عوجا " هكذا في كل النسخ وفي حاشية (ت) عن نسخة الضياء: ويقيم سنة عوجاء وفي حاشية (و) سنة عوجاء، والمراد بالسنة الطريقة، والطريقة العوجاء هي ما سوى الإسلام من الملل، وتقويمها بتوحيد الله، وهو قول: لا إله إلا الله محققا معناها من النفي والإثبات، وكذلك يقال في ألْسنة عوج، فقد ينسب إليها العوج لنطقها بالباطل.
هكذا في كل النسخ وفي حاشية (ت) عن نسخة الضياء: ويقيم سنة عوجاء وفي حاشية (و) سنة وقوله: " ليختن " شبه القلب بأن عليه غلفة: غشاء، قال في (الصحاح ٢/ ٢٠٥): قلب أغلف: كأنما أغشي غلافا، فهو لا يعي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ من الآية (٨٨) من سورة البقرة، ومن النساء (١٥٥) ورجل أغلف بيّن الغلف، أي: أقلف.
ويحسن ذكر حكم تعمد الإرسال قال الحافظ ابن حجر ﵀: إذا كان شيخ المرسل عدلا جاز بلا خلاف، وإذا كان غير عدل منع بلا خلاف.
стр. 49
أما إذا كان عدلا عنده لا عند غيره، أو غير عدل عنده عدلا عند غيره، فيحتمل فيهما الجواز وعده بحسب الأسباب الحاملة عليه (١).
وتقدم شرح مفردات هذه الرواية فيما سلف، وبقيةُ صرّح بالتحديث، وبحير ثقة، ولكن الحديث مرسل، وهو مؤيد بما تقدم.
قال الدارمي رحمه تعالى:
١١ - (٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، فَمَشَى مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ، قَالَ: فَإِحْدَى رِجْلَيْهِ فِي الْبَيْتِ، وَالأُخْرَى خَارِجَةٌ كَأَنَّهُ يُنَاجِى، فَالْتَفَتَ فَقَالَ: " أَتَدْرِي مَنْ كُنْتُ أُكَلِّمُ؟ إِنَّ هَذَا مَلَكٌ لَمْ أَرَهُ قَطُّ قَبْلَ يَوْمِي هَذَا، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَىَّ، قَالَ: إِنَّا آتَيْنَاكَ أَوْ (٢) أَنْزَلْنَا الْقُرْآنَ فَصْلاً، وَالسَّكِينَةَ صَبْراً، وَالْفُرْقَانَ وَصْلاً (٣)» (٤).
رجال السند:
محمد بن يزيد الحزامي، وهو غير الرفاعي المتفق معه في الاسم والطبقة، وهما ثقتان من شيوخ الدارمي، والبخاري، وإسحاق بن سليمان الرازي ثقة، عمرو بن أبي قيس الأزرق الرازي، صدوق له أوهام، وعطاء بن السائب أبو محمد الثقفي الكوفي، صدوق اختلط، وعامر بن شراحيل أبو عمرو
стр. 50
الشعبي، ثقة مشهور فقيه فاضل، أدرك خمسمائة من الصحابة ﵃، رجل من أصحاب النبي، لا جهالة في الأمر، فالصحابة كلهم عدول، ولكن هل سمع الشعبي هذا من ذلك الرجل الصحابي؟ أم بينهما واسطة؟ وعلى أقل الأحوال فهو مرسل، والذي أرسله من كبار العلماء، والصفات تليق برسول الله ﷺ ، وبما جاء به، وللمرسل ثلاث صور:
الأولى: مراسيل الصحابة كابن عباس وغيره فهي في حكم الموصول. الثانية: مرسل التابعي وهذا متفق على تسميته مرسل، والصحيح قبوله بشروط:
١ - إذا كان من مراسيل كبار التابعين حجة، كحديثنا هذا.
٢ - إذا أتى من وجه آخر ولو مرسلا.
٣ - إذا اعتضد بقول صحابي أو أكثر العلماء.
٤ - إذا كان المرسِل لو سمى من أرسل عنه لا يسمي إلا ثقة، فحينئذ يكون مرسله حجة، ولا يكون من حيث القوة في رتبة المتصل.
الثالثة: مختلف فيها، وهي العموم في التابعين وغيرهم، وهذا قول الجمهور من الفقهاء والأصوليين، أنه يسمى مرسلا.
وأرى صحة الاحتجاج بالمرسل بالشروط المذكورة.
الشرح:
قوله: «أتدري من كنت أكلم؟، إن هذا ملك لم أره قط قبل يومي هذا، استأذن ربه أن يسلم عليّ، قال: إنا آتيناك- أو أنزلنا- القرآن فصلا». لا غرابة في مخاطبة الملك له ﷺ والسلام عليه، والبشارة بما حصل له من الوحي، وثبت أنه رأى جبريل ﵇، ونقل الوحي إليه، وكلمه إسرافيل عليه
стр. 51
السلام، في بدايات الوحي، وكلمه ملك الجبال ﵇، وهذا ملك آخر ﵇، استأذن في وبشارته إياه، وقد بشره ملك ببركة سورة الفاتحة في المدينة، وكانت مما نزل عليه بمكة، فصلته بالملأ الأعلى دائمة، فهو المصطفي المختار ليبلغ عن ربه ما يوحى إليه ﷺ ، وقد بشره هذا الملك بأنه جاءه بما أنزل عليه من ربه، وأنه حق وليس بباطل، وبهذا المعنى ورد قول الله : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ (١)، وبمعنى البيان والوضوح ورد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٢)، المحكم في لفظه البيّن في معناه، فكملت هدايته للبشر رحمة بهم.
قوله: «والسكينة صبرا» جعل الله تعالى فيه السكينة والوقار، والأمن والاستقرار، والرحمة، وسماها صبرا؛ لأنها من الأمور الباعثة على الطاعة والعمل، وتحتاج النفس إلى مجاهدة لتسكن، فإذا سكنت نفس العبد اطمأن وهدأ، وقد امتن الله بها على عباده فقال: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٣)، وكان يوصي بها النبي ﷺ في كل الأحوال، ومن ذلك قوله ﷺ للناس في الحج: «يا أيها الناس عليكم السكينة» (٤)، وعند إقامة
стр. 52
الصلاة قال ﷺ : «واتوها تمشون وعليكم السكينة» (١)، وفي رواية «لا تقوموا حتى تروني، وعليكم السكينة» (٢)، والمراد الزموا التأني والوقار، والرزانة والهدوء، لما في ذلك من الثبات وصلاح العمل، وهي من أهم ما يمتلكه المسلم في المواقف الجليلة والصعبة، ومن ذلك مقابلة العدو، وقد امتن الله بها على المؤمنين يوم حنين، فقال: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ﴾ وأثنى الله على عباده المؤمنين لما اتصفوا بالسكينة والوقار فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (٣)، والمراد بالرفق، والسكينة والوقار. قوله: «والفرقان وصلا» الفرقان هو القرآن، وصلا أي موصولا بالأديان السابقة فإنها حق منزل من عند الله فوصل في القرآن ذكر الأنبياء وأن دعوتهم واحدة ومنهجهم واحد، الإخلاص لله في العبادة، ولذلك ورد فيه أن كل نبي قال لقومه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٤)، وقال عيسى ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ (٥)، وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ
стр. 53
لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، وكذلك بقية الرسل ﵈ أصل دعوتهم توحيد الله تعالى، فالفرقان دلالته على صدق مقالته ﷺ ، وفيه قوة حجته على حقيقة نبوته ﷺ ، وهو معجزته الخالدة، مع اشتهار العرب بالفصاحة وقوة البيان، جاءهم نبينا محمد ﷺ بما هو أشد بيانا، وأقوى دلالة، وأكمل بلاغة، بلسان عربي مبين، إنه لسانهم ومنطقهم، وكان المعجزة الكبرى لنبينا محمد ﷺ حيث تحداهم أن يأتوا بمثله وإن قلّ، وأمره ﷺ أن يقول لهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢)، فلم يقدروا على ذلك، وأقر عقلاؤهم بالعجز، وأذعنوا بالتصديق، وشهدوا له بالكمال، وعلى أنفسهم بالنقص، وتمادى سفاؤهم في الغي والمكابرة، مع علمهم بأنهم عاجزون عن الإتيان بما يماثل آية واحدة منه، وتيقنوا أنهم على ذلك غير قادرين، وتمادوا في الضلال المبين، فأسهلت عقولهم حمقا دل على فسادها كقول مسيلمة الكذاب: «والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، فالخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما!» (٣)، فكشف من جهله ما كان مستترا، وأتى بما لا يعجز عنه الضعيف الأخرق، والجاهل الأحمق، ولذلك سمي الكذاب، فأين هذا الهراء
стр. 54
مما جاء به نبينا محمد ﷺ إنه جاء بالفرقان بين الحق والباطل، فيه البيان والحكمة، ورحمة الله للناس أجمعين.
ما يستفاد:
* عناية الله بنبينا محمد ﷺ وتثبيته على الحق، ومبادرة الملائكة بالسلام عليه.
* إمكانية رؤيته ﷺ للملك والتحدث معه ولا يراه الحاضرون معه، كما يحدث عند نزول الوحي، وقد يرى الحاضرون الملك كما في مجيئه في صورة رجل شديد بياض الثياب، وسؤاله الرسول ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، وفي هذا لا نعلم شيئا عن روية هذا الصحابي للملك، لكنها ممكنة.
* بيان فضله على الملائكة، فهي تسلم عليه وتصلي عليه وتدعو له، أما الصلاة من الله عليه فهي ذكره في الملأ الأعلى، والثناء من الله عليه تكريم له ﷺ .
* بيان جواز أن يقول من أرسل بشيء إلى شخص أن يقول آتيناك وأعطينا،
وإن لم يكن هو المعطي في الأصل، وذلك على اعتبار حالة الوصول إلى ذلك الشخص، دون حالة الابتداء.
* بيان أن القرآن هو الحق، وما عداه باطل، إما بالنسخ، أو بالتحريف، ولذلك سماه الفرقان، فقد فرق بين الحق والباطل.
* بيان أهمية السكينة في حياة المسلم، وأنها تدخل في حياته الخاصة والعامة.
* بيان أن السكينة لا تحصل للمسلم إلا بصبر وثبات، وسماها صبرا لأنها نتيجة له.
стр. 55
* بيان صلة القرآن بالكتب السابقة في أصل دعوة الرسل إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢ - (٨) أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ثَنَا رَيْحَانُ - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - ثَنَا عَبَّادٌ - هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيَّ يَقُولُ: " أُتِىَ النَّبِيُّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ، وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ، وَلِيَعْقِلْ قَلْبُكَ " قَالَ: «فَنَامَتْ عَيْنِي، وَسَمِعَتْ أُذُنَاي، وَعَقَلَ قَلْبِي فَقِيلَ لِي: سَيِّدٌ بَنَى دَاراً فَصَنَعَ مَأْدُبَةً، وَأَرْسَلَ دَاعِياً، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَطْعَمْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ، قَالَ: فَاللَّهُ السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الإِسْلَامُ، وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ» (١).
رجال السند:
مجاهد بن موسى أبو علي الخوارزمي الختلي، ثقة ليس له في البخاري رواية، وريحان بن سعيد بن المثنى، أبو عصمة السامي الناجي البصري، صدوق ربما أخطأ، وكان إمام مسجد شيخه عباد بن منصور، وعباد بن منصور أبو سلمة الناجي، كان قاضيا على البصرة، لكنه ضعف في الرواية، وعدّ في المدلسين، عدّه ابن حجر في مرتبة صدوق رمي بالقدر، وأيوب بن أبي تميمة السختياني، ثقة إمام، وعبد الله بن زيد أبو قلابة
стр. 56
الجرمي، ثقة إمام، وعطية بن قيس أبو يحيى الكلابي المقرئ ثقة، ربيعة ابن عمرو أبو الغاز الجرشي، قال بصحبته البخاري وجماعة، وبه أقول.
الشرح:
هذا مما وردت الأحداث فيه تثبيتا لنبينا محمد ﷺ ، وأن ما يأتيه هو حق من عند الله لا مرية فيه، والخبر ضعّف بعباد.
قوله: «أتي نبي الله ﷺ ».
في رواية جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ «إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصحابه اضرب له مثلا» (١)، الرؤيا للنبي ﷺ ، وهذا يفسر لنا ما تقدم، وقد جرى الرفق به ﷺ إذ قيل له: لتنم عينك، ولتسمع أذنك، وليعقل قلبك، فنوم عينه فيه هدوء وراحة، وفيه التركيز القوي على السمع، وبهذا يتم فهم ما يقال له بدقة، وهذا من عناية الله بنبينا محمد ﷺ ، ولم يكن هذا الإجراء بإرادة الملكين، بل بإرادة الله طلب الملكان منه ذلك فمكنه الله من نوم العين، وسماع الأذن، وعقل القلب، ولذلك أكد رسول الله ﷺ هذا الموقف فقال: «فنامت عيني وسمعت أذناي، وعقل قلبي» وفي رواية من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: أن ذلك قيل له بصيغة الدعاء
стр. 57
«اسمع سمعت أذنك وأعقل عقل قلبك» (١)، وفيه تلطف بنبينا محمد ﷺ ، يؤيد هذا قوله في رواية أحمد: «فأضجعاني بلا هصر ولا قصر» (٢)، أي بلطف ولين، من غير عنف بدني أو حبس.
قوله: «فقيل لي: سيد بنى دارا فصنع مأدبة، وأرسل داعيا فمن أجاب دخل الدار، وأكل من المأدبة، ورضي عنه السيد».
هذا مثل ضرب له ﷺ ، وهو أسلوب مشوّق لمعرفة خبر ذلك السيد بصورة تامة، وقد ألقي عليه الخبر بعد التهيئة المناسبة للفهم بدقة، من نوم العين، سماع الأذن، ووعي القلب، وفي رواية جابر ﵁: «يقول أحدهما لصحابه: اضرب له مثلا، فقال: إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا، ثم بنى فيها بيتا، ثم جعل فيها مائدة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه» (٣).
وهذا إيضاح لما أبهم في رواية الدارمي، من أمر السيد والداعي، وفيه تسلية لنبينا محمد ﷺ ، وإرهاص بأن من الأمة من يجيب الدعوة ومنهم من
стр. 58
يأبى، فيكون في علمه بهذا مسبقا تسلية له وتهدئة، إذا لم يجب الجميع الدعوة.
قوله: «ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يطعم من المأدبة، وسخط عليه السيد».
فسر هذا ما جاء في رواية جابر ﵁ حيث قال: «فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها» (١).
هذه التهيئة الربانية لنبينا محمد ﷺ جعلته يتحمل أعباء الرسالة، ودعوة الناس إلى الخير، وكانت تثبيتا له على الحق حينما يواجه بالتكذيب، والعداوة والطرد والقتال، ومع ذلك كان ينتابه الحزن الشديد عندما يرى إعراض قومه عنه وعدم قبولهم الحق الذي جاء به ﷺ ، فيذكره ربه ويسليه كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٣)، وغير ذلك من الآيات، ولم تكن هذه غفلة منه ﷺ عن هذا الأمر، فإنه يعلم أن ليس عليه إلا هداية الدلالة والإرشاد، وأنه لا يملك هداية التوفيق، فهي لله وحده،
стр. 59
يمنحها من يشاء من عباده، ولكنه ﷺ الرحمة المهداة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، فكان شديد الحرص على هداية الناس أجمعين، وكان يحزن أشد الحزن لمن لم يوفق، ومعلوم حرصه على هداية عمه أبي طالب، حتى نزل عليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢)، إن هذا التثبيت لنبينا محمد ﷺ يجري وفق حكمة أرادها الله منها: ابتلاء بني آدم، ومنها: قطعه على نفسه تعالى أن يملأ الجنة والنار، ولذلك قال ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) (٣).
ما يستفاد:
* بيان عناية الله بنبينا محمد ﷺ في نومه ويقظته.
* بيان تهيئة نبينا محمد ﷺ لحمل الرسالة.
* تعليم الأمة هذا الأسلوب في الإعداد وتربية النشء.
* استعمال الأسلوب الأمثل في تحقيق الغايات.
* استعمال الوسائل المناسبة المادية والمعنوية.
* جواز ضرب الأمثال لبيان المراد.
* أداء الواجب على قدر الطاقة.
قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «الرَّحْمَنُ بَنَى الْجَنَّةَ، فَدَعَا إِلَيْهَا عِبَادَهُ، فَمَنْ أَجَابَهُ دَخَلَ جَنَّتَهُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْهُ عَاقَبَهُ وَعَذَّبَهُ» " (١).
رجال السند:
الحسن بن علي أبو محمد الحلواني الخلال، ثقة أُخذ عليه الوقف في القرآن، ليس له رواية عند النسائي، وحماد بن أسامة أبو أسامة القرشي الكوفي، إمام ثقة حافظ، وجعفر بن ميمون التميمي، ليس له رواية في الصحيحين، لابأس به، حدث عنه يحيى بن سعيد القطان، ولا يحدث إلا عن الثقات، وعبد الرحمن بن ملّ أبو عثمان النهدي، ثقة مخضرم لم ير النبي ﷺ ، من أقواله: أديت إلى النبي ﷺ ثلاث صدقات ولم ألقه، وغزوت على عهد
عمر، وشهدت اليرموك والقادسية وجلولاء (٢).
شرح:
هذا مرسل، والنهدي لم يلق رسول الله ﷺ ، وقد صح من طرق، منها السابق، وهو من الأحاديث الدالة على علامات نبوة نبينا محمد ﷺ ، وقد جعل الله ذلك تقوية على تصديقه ﷺ ، وهو في نفس الأمر تقوية لإيمان المؤمنين به ﷺ ، وعبد الله بن مسعود بن غافل أبو عبد الرحمن الهذلي، ﵁ من السابقين الأولين، أمّره عمر على الكوفة.
стр. 62
قوله: «خرج إلى البطحاء، ومعه ابن مسعود فأقعده وخط عليه خطا، ثم قال: لا تبرحن فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم، فإنهم لن يكلموك». كثيرا ما كان ابن مسعود ﷺ يرافق رسول الله ﷺ ليكون في خدمته، ويسعد بصحبته، فخرج معه ذات يوم إلى البطحاء من أرض مكة، ولِما كان من علم نبينا محمد ﷺ أن الملائكة تلتقي به ﷺ في كثير من الأحيان، ولاسيما في بدايات الوحي، ليكون ذلك علامة على نبوته ﷺ ، وتقوية للمؤمنين به ﷺ ، احتاط في شأن صاحبه عبد الله بن مسعود ﵁ حتى لا يحدث له خوف حينما يرى شيئا مما يحدث، فأقعده ﷺ وخط عليه خطا، لعلمه أن الملائكة لا يجاوزون ذلك الخط، وقال لصاحبه: لا تترك هذا الموقع المحدد، وليزيد طمأنينة وسكينة قال له: فإنه سينتهي إليك رجال، ولم يعلمه أنهم ملائكته اكتفاء بظاهر الحال، وقد خلق الله الملائكة وأعطاهم من العظمة والقوة ما لا يعلمه إلا هو سبحانه، ومنحهم القدرة على التشكل في صور حسنة وهيئات جميلة، ولا يتشكلون في صور قبيحة تكريما لهم، ومفارقة لما يكون عليه الجن من التشكل، وأخبر الرسول ﷺ صاحبه أن من يأتيه من الرجال لا يكلمونه، ونهاه عن كلامهم، ثم تركه ﷺ وذهب حيث أراد، فجاء الرجال الذين أخبره عنهم، وجعلوا يصلون إلى ذلك الخط الذي خطه ﷺ حول صاحبه، فيقفون عنده ولا يدخلون على عبد الله ﵁ في موقعه، وهذه إحدى علامات نبوته ﷺ ، أما الصدق والأمانة فهما أمران غير مشكوك فيهما من قَبْل النبوة، ولكن النبوة حدث جديد تحتاج إلى دلالات قوية، فكانت تلك الأحداث المتوالية عبر حياته ﷺ ، وكان أولئك الرجال يصلون إلى الخط ثم يعودون إلى النبي ﷺ في موقعه الذي أراده، وكأن هذه حالة بحث من
стр. 63
الملائكة عن رسول الله ﷺ ، واستمر هذا الأمر إلى آخر الليل، عاد النبي ﷺ إلى صاحبه ﵁، وكما هي عادة أصحابه في تكريمه والاحتفاء به ﷺ ، فتوسد فخذ صاحبه ﵁، وكان من عادة رسول الله ﷺ إذا نام نفخ، والنفخ غير الشخير، النفخ إخراج الهواء من بين الشفتين برقة وهدوء، أما الشخير فيخرج الصوت مع هواء مزعج من اللهاة أعلى الحلق.
قوله: «فبينا رسول الله ﷺ متوسد فخذي راقد، إذ أتاني رجال كأنهم الجمال، عليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم من الجمال».
يقول ابن مسعود ﷺ : في الوقت الذي كان فيه رسول الله ﷺ متوسدا فخذه ﵁ وهو غاطّ في نومه ﷺ ، رأى رجالا كأنهم الجمال، والجمال جمع جمل: والمراد أنهم كبار الأجسام فيهم ضخامة تضفي عليهم هيبة وعظمة، وعليهم ثياب بيض، وأجمل اللباس البياض، وبهم من جمال الصورة وهيبتها وعظمتها شيء لا يوصف، ولذلك قال: «الله أعلم ما بهم من الجمال» وهذا من تشكل الملائكة في الصور الحسنة الجميلة.
قوله: «حتى قعد طائفة منهم عند رأسه، وطائفة منهم عند رجليه، فقالوا بينهم: ما رأينا عبدا أوتي مثل ما أوتي هذا النبي ﷺ ».
ينبهنا ابن مسعود ﵁ إلى أن العدد ليس قليلا، معبرا عن ذلك بقوله: قعد طائفة منهم عند رأسه، والطائفة الجماعة، فالذي جرى أن طائفتين من الملائكة حفّت بنبينا محمد ﷺ ، وأخذ يحدث بعضهم بعضا في أمره ﷺ .
قوله: «ما رأينا عبدا أوتي مثل ما أوتي هذا النبي ﷺ ».
هذه إشادة بنبينا محمد ﷺ ، وشهادة من ملائكة لهم صلة بأنبياء الله ورسله، ومعرفتهم بما أنزل الله عليهم، وبما آتاهم من الفضل والخصائص، غير
стр. 64
أن نبينا محمد ﷺ خص بأمور لم يعطها أحد سواه، ومن ذلك: نوم عينيه وعدم نوم قلبيه.
قوله: «اضربوا له مثلا: سيد بنى قصرا، ثم جعل مأدبة (١) فدعا الناس إلى طعامه وشرابه».
الشرح:
تقدم بيان هذا المثل في الحديث رقم (١١) وبيّن ﷺ لصاحبه بعد استيقاضه بعد أن سأله عن معرفة من شاهدهم فقال: الله ورسوله أعلم، قال: هم الملائكة، وفسر لصاحبه المثل الذي ضربوه له، وتقدم بيانه في حديث سابق.
ما يستفاد:
* حسن المصاحبة، وقد تجلت في أكمل صورها بين الرسول ﷺ وأصحابه.
* عناية الرسول ﷺ بأمن من يرافقه، وإيضاح ما يحقق ذلك.
* بيان مكانة النبي ﷺ إذ لم يتجاوز الملائكة الخط الذي وضعه.
* السمع والطاعة إذ لم يخالف الصحابي أمر النبي ﷺ .
* حب الصحابة للنبي ﷺ وخدمته، وتهيئة ما فيه راحته.
* قدرة الملائكة ﵈ على التشكل.
* أنهم ﵈ لا يتشكلون إلا في صور جميلة.
* إمكان رؤية المسلم للملائكة.
*علامة صدق نبوته ﷺ حيث وقع ما حدث به صاحبه.
стр. 65
* أنه ﷺ خص بنوم العين ويقظة القلب في آن واحد.
* أنه قد يلتقيه العدد من الملائكة في وقت واحد.
* أن من آمن به يدخل الجنة.
* أن من لم يؤمن به يدخل النار.
* أن ما جاء به دعوة من الله لعبادة.
قال الدارمي ﵀:
٣ - بابٌ كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ شَأْنِ النبي ﷺ -
١٤ - (١) أَخْبَرَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّاد، ثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ
مَعْدَانَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ: أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ شَأْنِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ " قَالَ: «كَانَتْ حَاضِنَتِي مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَابْنٌ لَهَا فِي بَهْمٍ لَنَا، وَلَمْ نَأْخُذْ مَعَنَا زَاداً، فَقُلْتُ: يَا أَخِي اذْهَبْ فَأْتِنَا بِزَادٍ مِنْ عِنْدِ أُمِّنَا، فَانْطَلَقَ أَخِي وَمَكَثْتُ عِنْدَ الْبَهْمِ، فَأَقْبَلَ طَائِرَانِ أَبْيَضَانِ كَأَنَّهُمَا نَسْرَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ الآخَرُ: نَعَمْ. فَأَقْبَلَا يَبْتَدِرَانِي، فَأَخَذَانِي فَبَطَحَانِي لِلْقَفَا، فَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي فَشَقَّاهُ، فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: ائْتِنِي بِمَاءِ ثَلْجٍ، فَغَسَلَ بِهِ جَوْفِي، ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِمَاءِ بَرَدٍ فَغَسَلَ بِهِ قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِالسَّكِينَةِ، فَذَرَّهُ فِي قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: حُصْهُ.
стр. 66
فَحَاصَهُ (١) وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اجْعَلْهُ فِي كَفَّةٍ، وَاجْعَلْ أَلْفاً مِنْ أُمَّتِهِ فِي كَفَّةٍ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَإِذَا أَنَا أَنْظُرُ إِلَى الأَلْفِ فَوْقِي، أُشْفِقُ أَنْ يَخِرَّ عَلَيَّ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: " لَوْ أَنَّ أُمَّتَهُ وُزِنَتْ بِهِ لَمَالَ بِهِمْ" ثُمَّ انْطَلَقَا وَتَرَكَانِي» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَفَرِقْتُ فَرَقاً شَدِيداً (٢)، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا بِالَّذِي لَقِيتُ، فَأَشْفَقَتْ أَنْ يَكُونَ قَدِ الْتُبِسَ بِي، فَقَالَتْ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ. فَرَحَّلَتْ بَعِيراً لَهَا فَجَعَلَتْنِي عَلَى الرَّحْلِ، وَرَكِبَتْ خَلْفِي حَتَّى بَلَغْنَا إِلَى أُمِّي فَقَالَتْ: أَدَّيْتُ أَمَانَتِي وَذِمَّتِي، وَحَدَّثَتْهَا بِالَّذِي لَقِيتُ، فَلَمْ يَرُعْهَا ذَلِكَ، وَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ حِينَ خَرَجَ مِنِّى (٣) تَعْنِي نُوراً أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ».
رجال السند:
نعيم بن حماد بن الحارث، أبو عبد الله الخزاعي المروزي، فقيه فرضي، الصحيح أن حديثه لا يقل عن الحسن، وما أنكر عليه محدود، وبقية قوي إذا حدث عن ثقة، وصرح بالتحديث، وقد صرح بالتحديث عن بحير في حديث سابق، وصرح به في هذا عند أحمد، وبحير بن سعد أبو خالد الحمصي السحولي ثقة، وعبد الرحمن بن عمرو بن عبسة السلمي، تابعي له حديث الموعظة عن العرباض، فيما عدا الصحيحين والنسائي، صدوق إنشاء الله، وعتبة بن عبد أبو الوليد السلمي ﵁، آخر من توفي بالشام من
стр. 67
أصحاب النبي ﷺ ، وهو ممن رمى في حصن بني قريظة: رمى بثلاثة أسهم، قال: سمعت النبي ﷺ يقول يوم قريظة: «من أدخل الحصن سهما وجبت له الجنة» والرجل السائل صحابي أيضا، ولا تضر جهالته، ولا علاقة لها بالسند، وقد يكون أبا ذر ﵁، كما في الرواية التالية، وقد تحمل على تعدد الرواية عن أكثر من صحابي كما في رواية ابن إسحاق، بسنده عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ ، أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، قال: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بن مريم، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر (١)، فبينا أنا مع أخ لي في بهم لنا … » وذكر القصة (٢)، وهذا يدل على تعدد الرواية في هذا الأمر.
الشرح:
هذا حديث حسن فيه دلالة على عناية الله بنبينا محمد ﷺ ، وتهيئته لمقام النبوة وختم الرسل والرسالات، ولعل هذا أول حدث له مع الملائكة، إذ كان ﷺ في بني سعد من ديار ثقيف، عند مرضعته وحاضنته: أمه حليمة السعدية، وكانت حاضنته الشيماء إحدى أخواته من الرضاع، وهذا في السنة السادسة من عمره ﷺ ، وهذا لا يتعارض مع الرواية التالية لاحتمال تعدد الواقعة، ولاسيما أن الرواية التالية لم يذكر فيها شق البطن، وكأن هذا التكرار لتطمينه ﷺ وتهدئته، ليتهيأ لما يلقى عليه من أمر النبوة، وقد وقع
стр. 68
الخلاف بين العلماء في عدد شق صدره ﷺ ، وأرى وجاهة ما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، قال: " إن الشق الأول كان لاستعداده لنزع العلقة، التي قيل له عندها: هذا حظ الشيطان منك، والشق الثاني: كان لاستعداده لتلقي الحاصل له في تلك الليلة (١) "، وقال الحافظ معللا الشق الأول: " كان في زمن الطفولة فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان "، وعلل الشق الثاني: " بأنه وقع عند البعث زيادة في إكرامه، لتلقي ما يوحى إليه بقلب قوي، في أكمل الأحوال من التطهير "، وذكر الشق الثالث فقال: " ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه ﷺ ، ويحتمل أن تكون الحكمة في انفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شق صدره، وأنه سيلتئم بغير معالجة يتضرر بها، وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك"، قال القرطبي في المفهم: " لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير " (٢)، والخبر سنده حسن، نعيم بن حماد الصحيح أن حديثه لا يقل عن الحسن، وما أنكر عليه محدود، وبقية قوي إذا حدث عن ثقة، وصرح بالتحديث، وقد صرح بالتحديث عن بحير في حديث سابق، وصرح به في هذا عند أحمد،
стр. 69
وأخرجه في عدة مواضع حديث (١٧٦٤٨، ١٧١٥١) وعن العرباض بن سارية حديث (١٧١٦٣) وعن أبي أمامة حديث (٢٢٢٦١).
ما يستفاد:
* بيان عناية الله بنبينا محمد وتطمينه ليكون آمن مما يعرض له.
* بيان بشرية نبينا محمد ﷺ إذ كان كغيره من البشر راعيا في صغره
لصغار الغنم، وفي كبره لكبارها، وأنه كغيره من البشر يحتاج الطعام
والشراب، ولذلك أرسل أخاه لجلب الزاد.
* أسمع الله نبينا محمد ﷺ كلام الملكين وهما في صورة طائرين ليأمن ويأنس بهما.
* لم يسلب ﷺ الحواس السمعية والبصرية أثناء أجراء الشق، ليسمع ما يقول الملكان تطمينا له ﷺ وتهيئة لما يستجد مستقبلا.
* سلب ﷺ الإحساس بألم الشق، ليعلم أن وراء هذه الخوارق قادرا حكيما. * أنه بعد تمام الشق عاد إلى حالته البشرية فاعتراه الخوف الشديد، فأسرع إلى أمه ليخبرها بما جرى له.
* أنه ﷺ كغيره من البشر، ولمكان الاصطفاء لمقام النبوة نزعت من صدره علقت الشيطان، فلا سبيل للشيطان عليه ﷺ ، أما العلقة الثانية فلعلها علقة حب الدنيا، ولذلك لم يكن له ﷺ حظ، بل كل حظه في الآخرة في الفردوس الأعلى.
* أنه خص ﷺ بوضع السكينة في صدره ﷺ .
* أنه ﷺ أكمل البشر، فلو وزن بالبشر كافة لرجح بهم ﷺ .
стр. 70
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٥ - (٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، ثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: ثَنَا جَعْفَرُ (١) بْنُ عُثْمَانَ الْقُرَشِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ حَتَّى اسْتَيْقَنْتَ؟ " فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَعْضِ بَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الأَرْضِ وَكَانَ الآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ. فَوُزِنْتُ بِهِ فَوَزَنْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَنْتَثِرُونَ عَلَىَّ مِنْ خِفَّةِ الْمِيزَانِ، قَالَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَرَجَحَهَا» (٢).
رجال السند:
عبد الله بن عمران أبو محمد الأصبهاني، ثقة، له رواية عند البخاري في غير الصحيح، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، مولى آل الزبير، حافظ متقن، له المسند المعروف، سمع البخاري من عدة شيوخ من أقران الطيالسي، فلم يخرج له في الصحيح لذلك، وجعفر بن عثمان القرشي، نسب إلى جده، واسم أبيه عبد الله، وهو معروف بجعفر الحميدي، وثقه أحمد وابن حبان، وذكره ابن عدي في الضعفاء، ولا يلتفت إلى ذلك،
стр. 71
وعمر بن عروة بن الزبير، نسب إلى جده، واسم أبيه عبد الله، من صغار التابعين، له عند البخاري ومسلم حديث، وعدّه في التقريب في درجة مقبول، وعثمان بن عروة بن الزبير، إخوته سبعة: عبد الله، وهشام، ويحيى، ومحمد، وإسماعيل، وإبراهيم، وعبيد الله، ثقة من أقواله: الشكر وإن قل ثمن لكل نوال (١)، وعروة بن الزبير بن العوام
القرشي، أحد الفقهاء السبعة، إمام ثقة، لكنه لم يسمع من أبي ذر.
الشرح:
هذا الحديث فيه ذكر الوزن مفصلا لبيان كماله ﷺ ، وهو كمال خُص به ﷺ من بين سائر البشر، حتى أنه يفوق كمال الأمة بأسرها، وهو مختصر رواية البزار من حديث جعفر هذا (٢)، وقصة الوزن عند البزار بسند رجاله ثقات.
ما يستفاد:
انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٦ - (٣) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِيهِمْ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» (٣).
стр. 72
رجال السند:
إسماعيل بن خليل أبو عبد الله الكوفي في الخزاز، بالخاء المعجمة والزايين المعجمتين أولاهما مشددة، قال البخاري: جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين ومائتين، وهو من شيوخه في الصحيح، وعلي بن مسهر، القرشي، قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعد أن أضر، والأعمش سلمان بن مهران الأسدي، ثقة مدلس، وأبو صالح ذكوان بن عبد الله السمان، ثقة.
الشرح:
هذا حديث مرسل رجاله ثقات، وهو بيان للغاية من بعثه ﷺ ، فالله تعالى رحيم بعباده، خلقهم لعبادته وحده لا شريك له، وتكفل بالرزق قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، وكان من رحمته إرسال الرسل لدعوة العباد إلى توحيده تعالى، وأن لا يعذب أحدا من خلقه إلا بعد إرسال الرسل، وبيان الحق من الباطل، وإقامة الحجة على الخلق، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢)، وكان من الرحمة للناس كافة بعث نبينا محمد ﷺ ، وهو رحمة لجميع الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فمن آمن به من أصحاب الملل السابقة ودان بالإسلام فقد دخل في هذه الرحمة، واستحق النجاة، لأن نبينا محمدا ﷺ هو خاتم الأنبياء ولا نبي بعده، ودين الإسلام ناسخ لكل الأديان ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا
стр. 73
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، ومن عصى وكفر به كاليهود والنصارى وغيرهم من الملل فليس داخلا في هذه الرحمة، فلا حق له في النجاة، لعدم قبول الحق، وقد رُوي عن ابن عباس، ﵄: أن الله أرسل نبيه محمدا ﷺ رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله، ولا شك أن الله بعث نبينا محمدا ﷺ رحمة ونعمة للعالمين: الإنس والجن فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار، ومن الرحمة أنه لم يقع بأمته ما وقع بالأمم السابقة؛ لأن المبعوث رحمة للعالمين، سأل الله إنظارهم وتأجيلهم، لعل أن يخرج من أصلابهم من يعبده تعالى لا يشرك به شيئًا، وقد كان ما تمنى نبينا محمد ﷺ .
ما يستفاد:
* أن الله أرسل نبينا محمدا ﷺ رحمة للعالمين.
* مفهوم هذا الحديث أن من قبل منهم دعوته فقد دخل في رحمة الله، ومن لم يقبل دعوته فهو المحروم من رحمة الله تعالى.
رجال السند:
محمد بن طريف، صدوق، ومحمد بن فضيل بن غزوان، صدوق رمي بالتشيع، وأبو حيان يحيى بن سعيد بن حيان، ثقة، وعطاء بن يسار، ثقة فقيه هو وإخوته.
الشرح:
هذا حديث حسن وفيه ركيزة من ركائز صدق نبينا محمد ﷺ المعجزات التي أيده الله بها وفي هذه الرواية عدة معجزات، معجزة فهم الشجرة لنداء رسل الله ﷺ ، ومعجزة تحركها من مكانها في سرعة وعجل، تلبية لنداء رسول الله ﷺ ، والمعجزة الثالثة نطقها بالشهادة بصوت سمعه الأعرابي، وهي تردد الشهادة بصدق نبينا محمد ﷺ ثلاث مرات، والمعجزة الرابعة عودتها إلى منبتها، والمعجزة الخامسة والأخيرة عدم تضررها بالحركة وكأنها لم تغادر منيتها، كل هذا لإظهار عظمة الخالق، وتأييد النبي الرسول ﷺ ، والملاحظ تسليم الأعرابي فلم يدعٍ ما يبطل مشاهدته، بل آمن ووعد بدعوة قومه إلى الإيمان بنبوة نبينا محمد ﷺ .
ما يستفاد:
* تأييد نبينا محمد ﷺ بكل ما يظهر صدقه فيما حكى عن ربه تعالى.
* في هذا بيان عبودية كل المخلوقات لله .
* بيان طاعة جميع المخلوقات واستجابتها لأمر الله عدا الإنس والجن فمن بعضهم يحصل التردد أو عدم الاستجابة مطلقا، وقد أطاعته تعالى السماوات والأرض ومن فيهن حين قال تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا