← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 912

شرح مسند الدارمي

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (2 613 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَيَجْلِسُ آخَرُونَ، فَقَالَ رَجُلٌ لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَمَا كَانَتْ تُمَدُّ؟ فَقَالَ سَمُرَةُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبُ؟ مَا كَانَتْ تَمُدُّ إِلاَّ مِنْ هَاهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ" (١). رجال السند: عثمان بن محمد بن أبي شيبة، أبو الحسن ثقة إمام، حديثه في الصحيحين، ويزيد بن هارون، أبو خالد الواسطي، ثقة إمام قدوة، وسليمان التيمي ابن طرخان، أبو المعتمر، إمام ثقة، وأبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير البصري، ثقة إمام. الشرح: الحديث حسن، وفيه ذكر معجزة وكرامة لنبينا محمد ﷺ ودلالة على صدق نبوته ورسالته، قوله: " فقال رجل لسمرة بن جندب: أما كانت تمد؟ " كأن القائل استغرب كثرة القوم يأكلون من القصعة، دون أن يزاد الطعام فيها، ولذلك قال سمرة ﵁: "من أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا من ههنا، وأشار بيده إلى السماء" أي: ما كان يزاد الطعام في القصعة من الأرض، وإنما المدد من عند الله ، ولو بقي القوم عليها سنة جلوسا لأكلون دون مدد من الأرض؛ لأنها معجزة لنبينا محمد ﷺ . ما يستفاد: * التصديق بالمعجزات وأنها تأييد من الله للرسل ﵈. * الإيمان بأن الله على كل شيء قدير.

стр. 142

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٠ - بابٌ فِي حُسْنِ النَّبِيِّ ﷺ - ٥٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَشْعَثَ ابْنِ سَوَّارٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ ضِحْيَانٍ (١)، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْقَمَرِ، قَال: فَلَهُوَ (٢) كَانَ أَحْسَنَ فِي عَيْنِي مِنَ الْقَمَرِ" (٣). رجال السند: محمد بن سعيد الأصبهاني ثقة تقدم، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، حافظ ثقة، تقدم، وأشعث بن سوار القاضي الكوفي، ضعفه الجمهور، وأبو إسحاق، السبيعي، إمام تقدم. الشرح: قوله «في ليلة ضحيان» أي" مضيئة شبيهة بالضحى، إذا كانت صافية مقمرة، قوله: «وعليه حلة حمراء» الحلة إزار ورداء من لون واحد، ولا يقال لها حلة إلا أن تكون كذلك، وفي لبسها خلاف، والظاهر الجواز ما لم تكن لباس شهرة، أو كبرياء. قال الدارمي رحمه الله تعالى:

стр. 143

٦٠ - (٢) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ (١)، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ الزُّهْرِيُّ قال: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَخِي مُوسَى، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ (٢) ثَنَايَاهُ " (٣). رجال السند: إبراهيم بن المنذر، أبو إسحاق الأسدي الحزامي، إمام ثقة، وعبد العزيز ابن أبي ثابت عمران الزهري، ضعف لكثرة غلطه بعد احتراق كتبه، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، ابن أخي موسى، عمه موسى بن عقبة، أبو محمد، فقيه ثقة، أول من ألف في المغازي، وكريب بن مسلم، أبو رشدين إمام ثقة. الشرح: قول: «أفلج الثنيتين، إذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه». هذا من صفة خلقة رسول الله ﷺ ، فقد كان بعيد ما بين الثنايا، فبدنه ﷺ مشتمل على أكمل الحسن، وقد ذكرت أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يخصف نعله، وكانت تغزل قالت: فنظرت إلى رسول الله ﷺ فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتوقد نورا قالت: فبهت، قالت: فنظر إلي فقال: «ما لك بهت؟» فقلت: يا رسول الله نظرت إليك فجعل جبينك

стр. 144

يعرق وجعل عرقك يتولد نورا فلو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره قال: «وما يقول يا عائشة أبو كبير الهذلي؟» فقالت: يقول: ومبرأ من كل غبر حيضة … وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه … برقت كبرق العارض المتهلل قالت: فوضع رسول الله ﷺ ما كان في يده وقام إلي فقبل ما بين عيني وقال: «جزاك الله يا عائشة خيرا ما سررت مني كسروري منك» فكل شيء في رسول الله ﷺ جميل، سواء في الخَلْق أو الخُلُق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٦١ - (٣) أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قال: أَنبأ مِسْعَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: " مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَنْجَدَ وَلَا أَجْوَدَ وَلَا أَشْجَعَ وَلَا أَضْوَأَ وَأَوْضَأَ (١) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٢). رجال السند: محمود بن غيلان، أبو محمد المروزي، إمام ثقة، ويزيد بن هارون ثقة تقدم، ومسعر بن كدام الكوفي، أبو سلمة إمام ثقة، وعبد الملك بن

стр. 145

عمير، لم يدرك ابن عمر، وما ذكر من الصفات لا ريب أنها تليق برسول الله ﷺ . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٦٢ - (٤) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ (١) بْنُ مُوسَى، ثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: صِفِي لَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: " يَا بُنَيَّ لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً " (٢). رجال السند: إبراهيم بن المنذر الحزام، إمام ثقة، تقدم، وعبد الله بن موسى أبو محمد الطلحي، صدوق كثير الخطأ، وهذا مما لم يخطئ فيه، وأسامة بن زيد الليثي، أبو محمد لابأس به، وأبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وثقه الإمامان أحمد وابن معين، الربيع بنت معوذ بن عفراء، والدها من البدريين ﵄. قال الدارمي ﵀: ٦٣ - (٥) أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنْبَأَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَمَا مَسِسْتُ حَرِيرَةً وَلَا دِيبَاجَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّهِ، وَلَا شَمِمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَتِهِ، مِسْكَةً وَلَا غَيْرَهَا ".

стр. 146

رجال السند: حجاج بن منهال، وحماد بن سلمة، وثابت البناني، أئمة ثقات تقدموا، وأنس ﵁. الشرح: ما ذكر أنس ﵁ من وصف عرق رسول الله ﷺ ولين كفه، وطيب ريحه كل ذلك يليق بالمصطفى ﷺ ، فقد كمله الله وجمله، والروايات في شمائله كثيرة ولا تكاد تحصر. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٦٤ - (٦) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا؟، أَوْ هَلاَّ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا؟، وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا مَسِسْتُ (١) بِيَدِي دِيبَاجاً وَلَا حَرِيراً أَلْيَنَ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا وَجَدْتُ رِيحاً قَطُّ أَوْ عَرَقاً كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ أَوْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢). رجال السند: أبو النعمان محمد بن الفضل عارم، ثقة إمام تقدم، وحماد بن زيد البصري، أبو إسماعيل الجهضمي، إمام ثقة، وثابت البناني، ثقات تقدموا. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٦٥ - (٧) أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي، ثنا أبو بكر، عن حبيب بن خدرة، قال: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي حُرَيْش قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي حِينَ رَجَمَ رَسُولُ

стр. 147

اللَّهِ ﷺ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، فَلَمَّا أَخَذَتْهُ الْحِجَارَةُ أُرْعِبْتُ فَضَمَّنِي إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَالَ عَلَىَّ مِنْ عَرَقِ إِبْطِهِ مِثْلُ رِيحِ الْمِسْكِ (١). رجال السند: محمد بن يزيد الرفاعي، أبو هشام المقرئ، لابأس به، قيل: أخرج له البخاري، فلعله محمد بن يزيد الكوفي، وأبو بكر بن عياش الكوفي، المقرئ ثقة، وحبيب ابن خدرة، من صغار التابعين مجهول ورجل من بني حريش، صحابي لا تضر جهالته. الشرح: ماعز ﵁ وقع في الزنا، فاشتد عليه حمل ذلك الذنب فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: إني أصبت فاحشة، فأقمه علي، فرده النبي ﷺ مرارا، قال: ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأسا إلا أنه أصاب شيئا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد، قال: فرجع إلى النبي ﷺ ، فأمرنا أن نرجمه، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، قال: فما أوثقناه، ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم، والمدر، والخزف، قال: فاشتد، واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة، فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة (٢)، حتى سكت (٣)، في رواية الدارمي ما يؤكد الحمل على حبيب بن خدرة لجهالته؛ لأن النبي ﷺ لم يحضر الرجم، فالرواية تعارض الثابت، فتسقط هذه الرواية فيما يخص حضور النبي ﷺ ، ومن غيرها صح طيب ريح عرقه ﷺ .

стр. 148

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٦٦ - (٨) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: أَرَأَيْتَ كَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: لَا مِثْلَ الْقَمَرِ (١). رجال السند: أبو نعيم الفضل بن دكين، الطلحي مولى آل طلحة، إمام ثقة، وزهير ابن معاوية الجعفي، أبو خيثمة، ثقة إمام، وأبو إسحاق السبيعي، ثقة تغير، تقدموا جميعا. الشرح: قوله: «أرأيت كان وجه رسول الله مثل السيف؟ قال: لا، مثل القمر». لعل الراوي أراد أن يعلم صفة وجه رسول الله ﷺ في الطول واللمعان فذكر السيف، وقد يوصف وجه الرجل بذلك من حيث الطول والصفاء، ولكن البراء ﵁ رد السائل إلى الأفضل والحقيقة فقال: " لا، مثل القمر ". قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٦٧ - (٩) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ بِاللَّيْلِ بِرِيحِ الطِّيبِ" (٢).

стр. 149

رجال السند: يزيد بن هارون، ثقة تقدم، وشريك بن عبد الله النخعي، أبو عبد الله صدوق كثيرالغلط بعد التغير، والأعمش سليمان بن مهران إمام ثقة، وإبراهيم بن يزيد النخعي، أبو عمران إمام ثقة، أرسل هذا الخبر، وقد صح طيب ريح سول الله ﷺ ، ليلا ونها فطيب ريح جسده ملازم له في كل الأحوال ﷺ . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٦٨ - (١٠) أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَاشِمِيُّ، أَنْبَأنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقاً - أَوْ لَا يَسْلُكُ طَرِيقاً - فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلاَّ عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سَلَكَهُ، مِنْ طِيبِ عَرْفِهِ (١) - أَوْ قَالَ -: مِنْ رِيحِ عَرَقِهِ (٢). رجال السند: مالك بن إسماعيل، الكوفي، أبو غسان النهدي، إمام ثقة، وإسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي، من أفراد الدامي ليس له إلا هذا، سكت عنه الأئمة، ووثقه ابن حبان، ويعتبر في هذه الحال، والمغيرة بن عطية، هو كسابقه، عن أبي الزبير، هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، راوية جابر ﵁، مشهور بالتدليس، وهذه الرواية مؤيدة بما سبق، ولا غرابة فقد اجتمع لرسول الله ﷺ الطيب في الثياب، وكان يحبه، وطيب ريح البدن ﷺ .

стр. 150

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١ - بابٌ مَا أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ كَلَامِ الْمَوْتَى ٦٩ - (١) أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو اللَّيْثِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، فَأَهْدَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً (١)، فَتَنَاوَلَ مِنْهَا وَتَنَاوَلَ مِنْهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، ثُمَّ رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ» فَمَاتَ بِشْرُ ابْنُ الْبَرَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ : «مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا صَنَعْتِ؟ " فَقَالَتْ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ، وَإِنْ كُنْتَ مَلِكاً أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ فَقَالَ فِي مَرَضِهِ: " مَا زِلْتُ مِنَ الأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِى» (٢). رجال السند: جعفر بن عون المخزومي، أبو عبد الله العمري، إمام ثقة، ومحمد بن عمرو الليثي، هو ابن علقمة بن وقاص، أبو الحسن المدني، ليس به بأس راوية أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة مكثر، وأَبِو سَلَمَةَ، هو ابن عبد الرحمن بن عوف الصحابي، قاضي المدين، اسمه كنيته، أمام ثقة. الشرح: قوله: «يأكل الهدية ولا يقبل الصدقة». الهدية عامة، يهدي الإنسان لصديقه، أو لأخيه وجاره، والصدقة يتقرب بها إلى الله، ولها مصارفها الخاصة، مثل الفقراء، والمساكين، وغير هذا

стр. 151

من أبواب البر، وكان من علامات نبوة محمد أنه يقبل الهدية، ويرد الصدقة، فكان سلمان الفارسي يعلم ذلك من أهل الكتاب فكان من موقفه مع رسول الله ﷺ حينما قدم رسول الله مهاجراً أن قال: الآن سأعرف، وكان يعمل في بستان رجل يهودي، فجاء برطب وقال: يا محمد، هذه صدقة مني عليك، قال: إني لا آكل الصدقة، وقدمها لمن معه، فقال سلمان: هذه واحدة، ثم رجع من الغد وقال: يا محمد! هذا هدية مني إليك، فأخذها وأكل، فقال: هذه ثانية، ثم لما أراد أن يذهب ناداه رسول الله ﷺ وقال: تعال انظر إلى الثالثة، وكشف له ما بين كتفيه، فنظر إلى خاتم النبوة فقبله سلمان، وأعلن إسلامه ﵁، وقال: أشهد أنك رسول الله. فإن الله أعلم رسوله بأن سلمان يعلم من علامات النبوة ثلاثاً: لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة، فلما رأى سلمان الأولى والثانية أخبره رسول الله بالثالثة قبل أن يتكلم بها سلمان، وما حدث من اليهودية، مفاده أنها تؤمن بعصمة الأنبياء، فأقدمت على تسميم الشاة، فكشف الله أمرها، وحما رسوله من شرها، وقد قيل في قصتها: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر واطمأن جعلت زينب بنت الحارث أخي مرحب، وهي امرأة سلام بن مشكم تسأل: أي الشاة أحب إلى محمد؟ فيقولون: الذراع، فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وشوتها، ثم عمدت إلى سم لا يُطْني (١)، وقد شاورت يهود في سموم، فأجمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة وأكثرت في الذراعين والكتف، فلما غابت الشمس وصلى رسول الله ﷺ المغرب بالناس انصرف

стр. 152

وهي جالسة عند رجليه، فسأل عنها فقالت: يا أبا القاسم، هدية أهديتها لك، فأمر بها النبي ﷺ ، فأخذت منها فوضعت بين يديه وأصحابه حضور أو من حضر منهم، وفيهم بشر ابن البراء بن معرور البدري، فقال رسول الله ﷺ : «ادنوا فتعشوا» وتناول رسول الله ﷺ ، الذراع فانتهش منها، وتناول بشر بن البراء عظما آخر فانتهش منه، فلما ازدرد رسول الله ﷺ لقمته، ازدرد بشر بن البراء ما في فيه، وأكل القوم منها، فقال رسول الله ﷺ : «ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع، وقال بعضهم: فإن كتف الشاة تخبرني أنها مسمومة» فقال بشر: والذي أكرمك، لقد وجدت ذلك من أكلتي التي أكلت حين التقمتها، فما منعني أن ألفظها إلا أني كرهت أن أبغض إليك طعامك، فلما أكلت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون ازدردتها وفيها بغى (١)، مات بسبب ما فعلت صاحب رسول الله ﷺ بشر بن البراء ﵁، فأرسل إليها رسول الله ﷺ ، وسألها «ما حملك على ما صنعت؟» فقالت: " إن كنت نبيا لم يضرك شيء، وإن كنت ملكا أرحت الناس منك " فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها فيما يخصه، ولكنه أمر بها فقتلت قصاصا ببشر ﵁؛ لأنه مات بسبب السم الذي وضعته، وقال الزهري: أسلمت فتركها، قال معمر: وأما الناس فيذكرون أنه قتلها. وبقي أثر السم يجد منه ﷺ إلى أن قال: في مرضه: «ما زلت من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري» الأبهر: هو في الظهر، وهو أحد العروق المتصلة بالقلب، ففي الإنسان عروق رئيسة في الجسد

стр. 153

هي: الوتين في القلب، والأبهر في الظهر، والأكحل في الذراع والنساء في الفخذ، ولقد كانت تلك الأكلة سببا بقي ليمرض به رسول الله ﷺ ويموت في مرضه ليزاد له في كمال الفضل والأجر، بأن تجمع له النبوة والرسالة والشهادة، ولذلك قال عبد الله بن مسعود ﵁: " لأن أحلف بالله تسعا، أن رسول الله ﷺ قتل قتلا، أحب إلي من أن أحلف واحدة، وذلك بأن الله اتخذه نبيا، وجعله شهيدا " (١). ما يستفاد: *جواز قبول الهدية من الطعام وغيره، ما لم تكن من حرام، أو سببا فيه. * جواز قبولها من المسلم وغيره. * عدم جواز الصدقة لآل محمد، فإنه ﷺ لم يقبل الصدقة، هريرة ﵁: أخذ الحسن بن علي ﵄، تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ : «كخ كخ. ليطرحها، ثم قال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة» (٢). * بيان عناية الله بنبينا محمد ﷺ إذ أنطق الذراع بأنها مسمومة. * أن من المعجزات التي أيد الله بها نبيا محمد ﷺ نطق الذراع وتحذيره مما فيها. * بيان كيد اليهود للإسلام ونبيه ﷺ ؛ لأنهم يعلمون أنه نبي، فكادوا له لأنه من العرب.

стр. 154

* معرفة اليهود بعصمة الأنبياء ولذلك أقدمت اليهودي على تسميم الشاة. * أن رسول الله ﷺ من البشر ويمكن يلحقه الضرر، ولكن الله يعصمه من الناس. * أنه يأكل الطعام كغيره من الناس. * أن الشهادة تُرجَى لمن مات من الصالحين غيلة من. * أن رسول الله ﷺ كتبت له الشهادة بسبب تلك الأكلة. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٧٠ - (٢) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَنْبَأَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: " أَنَّ يَهُودِيَّةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً مَصْلِيَّةً، ثُمَّ أَهْدَتْهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذَ النَّبيُّ ﷺ الذِّرَاعَ فَأَكَلَ مِنْهَا، وَأَكَلَ الرَّهْطُ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ» وَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ؟» فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَمَنْ (١) أَخْبَرَكَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَخْبَرَتْنِي هَذِهِ فِي يَدَيَ الذِّرِاعُ» فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَاذَا (٢) أَرَدْتِ إِلَى ذَلِكَ؟» قَالَتْ: قُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ. فَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُعَاقِبْهَا، وَتُوُفي بَعْضُ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَاحْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كَاهِلِهِ مِنْ أَجْلِ الَّذِي

стр. 155

أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ، حَجَمَهُ أَبُو هِنْدٍ مَوْلَى بَنِى بَيَاضَةَ بِالْقَرْنِ وَالشَّفْرَةِ (١)، وَهُوَ مِنْ بَنِي ثُمَامَةَ وَهُمْ حَيٌّ مِنَ الأَنْصَارِ" (٢). رجال السند: الحكم بن نافع البهراني، أبو اليمان الحمصي، إمام ثقة، وشعيب بن أبي حمزة دينار الحمصي، أبو بشر إمام ثقة، والزهري محمد بن مسلم، ثقة إمام تقدم، ولم يدرك جابرا ﵁ فالرواية مرسلة. الشرح: انظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٧١ - (٣) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا فَتَحْنَا خَيْبَرَ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنَ الْيَهُودِ» فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَبُوكُمْ؟» قَالُوا: أَبُونَا فُلَانٌ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ» قَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ. فَقَالَ لَهُمْ: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ (٣) عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَ فِي آبَائِنَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَمَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ " فَقَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيراً ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ

стр. 156

فِيهَا أَبَداً» ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟» قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِباً أَنْ نَسْتَرِيحَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ" (١). رجال السند: عبد الله بن صالح تقدم، وهو حسن الحديث، والليث بن سعد إمام ثقة تقدم وسعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري، أبو سعد المدني، تابعي إمام ثقة، يرسل ولم يرو بعد التغيّر. الشرح: قوله: «لما فتحت خيبر». هي المدينة المعروفة اليوم تبعد عن المدينة (١٥٠ كم) سار إليها رسول الله ﷺ في آخر محرم سنة سبع من الهجرة، ومعه من الرجالة (١٧٠٠) ومئتا فارس، وصلها ليلا، وصبحهم وهو يقول: «خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" (٢). قوله: «فهل أنتم صادقي» أي: أتصدقوني في جواب ما أسألكم عنه؟. فسألهم عن أبيهم الذي ينتسبون إليه فكذبوه ولم يصدقوا، وقالوا: " فلان" لم أقف على ذكر اسمه الصريح، ولعلهم أجابوا بما زعموا حين قالوا: ﴿نَحْنُ

стр. 157

أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ (١)، فقال رسول الله ﷺ : كذبتم بل أبوكم" فلان" ولا ريب أن أباهم إسرائيل ﵇ وهو يعقوب بن إبراهيم الخليل ﵇، ثم سألهم فقال: «فمن أهل النار؟» فاعترفوا أنهم أهل النار، وزعموا أنهم يخرجون منها ويخلفهم المؤمنون، فكذبهم رسول الله ﷺ وقال: «اخسئوا فيها» وهكذا يقول الله لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٢)، ثم قال رسول الله ﷺ : «والله لا نخلفكم فيها أبدا» وهذه بشارة للأمة؛ لأن من يدخل النار من عصاة المسلمين يخرج منها فلا يتصور أنه يخلف غيره أصلا، ونعوذ بالله العظيم من دخول النار، ومن صلف اليهود وكذبهم أنهم قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (٣)، قال ابن عباس: ﵄: " إن اليهود كانوا يقولون: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، الدنيا يوما واحدا في النار؛ وإنما هي سبعة أيام معدودة ثم ينقطع العذاب" (٤). أما سؤالهم عن تسميم الشاة، فقد كشف لهم رسول الله ﷺ عصمته وأن الله أطلعه على ما فعلوا وهو من الغيب الذي لا يعلمه أحد، فلما قررهم رسول الله ﷺ على ذلك أبدوا معرفتهم بأنه إن نبيا حقا فسيكشف له ذلك ولا يضره، وإن كان يطلب ملكا هلك واستراحوا منه.

стр. 158

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢ _ بابٌ فِي سَخَاءِ النَّبيِّ ﷺ - ٧٢ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئاً قَطُّ فَقَالَ لَا (١). قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَعَدَ. رجال السند: محمد بن يوسف، هو الفريابي وسفيان، هو ابن عيينة، هما إما مان ثقتان تقدما، وابن المنكدر، هو محمد أبو عبد الله المدني، إمام ثقة. الشرح: فيه بيان أن رسول الله ﷺ لا يبخل بشيء قلّ ما عنده أو كثر، وما رد سلائلا قط، إن كان عنده شيء أعطاه، وإن لم يكن وعد بالعطاء، وهذا غاية الجود والسخاء، وقد جمع الله ﷻ لسيد الخلق ﷺ أكمل الصفا وأحسنها. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٧٣ - (٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ زَمْعَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيِيًّا لَا يُسْأَلُ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاه " (٢).

стр. 159

رجال السند: عبد الله بن عمران الأسدي، أبو محمد الأصبهاني، ثقة، وأبو داود الطيالسي، سليمان بن داود، إمام ثقة، وزمعة صالح يماني، ضعفه الجمهور تقدم، وأبو حازم سلم، ثقة تقدم. الشرح: انظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٧٤ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ قَالَ: زَحَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَفِي رِجْلِي نَعْلٌ كَثِيفَةٌ، فَوَطِئْتُ (١) بِهَا عَلَى رِجْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَفَحَنِي (٢) نَفْحَةً بِسَوْطٍ فِي يَدِهِ وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ أَوْجَعْتَنِي» قَالَ: فَبِتُّ لِنَفْسِي لَائِماً أَقُولُ أَوْجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَبِتُّ بِلَيْلَةٍ كَمَا يَعْلَمُ اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا رَجُلٌ يَقُولُ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالَ قُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي كَانَ مِنِّي بِالأَمْسِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مُتَخَوِّفٌ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّكَ وَطِئْتَ بِنَعْلِكَ عَلَى رِجْلِي بِالأَمْسِ فَأَوْجَعْتَنِي، فَنَفَحْتُكَ نَفْحَةً بِالسَّوْطِ، فَهَذِهِ ثَمَانُونَ نَعْجَةً فَخُذْهَا بِهَا» (٣).

стр. 160

رجال السند: محمد بن أحمد بن أبي خلف، إمام ثقة تقدم، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي ثقة مدلس تقدم، ومحمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السير والمغازي، حسن الحديث، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، تابعي إمام ثقة، ورجل، هو صحابي من البادية. الشرح: فيه إشارة إلى خشونة ذلك الرجل، ولعل سبب ذلك التزاحم على رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله آلمه أن وطئ الرجل رجله، فجاءت النفحة فجأة من غير قصد، فأتبعها ﷺ بقوله: «بسم الله أوجعتني» أسف الرجل لما حدث منه، وبات في ليلته لائما لنفسه نادما، فلما أصبح إذا برجل يسأل عنه، فظن أنه مدعو لعقاب على ما كان منه، فتمالكه الخوف، فانطلق إلى رسول الله ﷺ فإذا به يقول له: «إنك وطئت بنعلك على رجلي بالأمس، فأوجعتني، فنفحتك نفحة بالسوط، فهذه ثمانون نعجة فخذها بها» عجبا لهذا الكمال الخلقي، ولا عجب فإنه الرحمة المهداة، وما عُلم أنه انتقم لنفسه من أحد، إلا أن يكون انتقاما لله ، ولو كان فعلا شيئا لنفسه لكان ذلك لما آذه كفار قريش، حين أتاه جبريل ﵇ فقال له: " يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ " فقال النبي ﷺ : «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا» (١)، ولكان حين قال لقريش يوم فتح مكة: «ما ترون أني صانع بكم؟، قالوا:

стр. 161

خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (١)، ولم يجعل منها فيئا قليلا ولا كثيرا، لا دارا ولا أرضا ولا مالا، ولم يسب من أهلها أحدا، وقد قاتله قوم فيها فقتلوا وهربوا فلم يأخذ من متاعهم شيئا، ولم يجعله فيئا. ما يستفاد: * بيان لطف رسول الله ﷺ ، إذ لم ينس نفحته للرجل رغم أنه آلمه حين وطئ قدمه. * بيان حسن خلقه ورحمته، وتواضعه إذ سأل عنه وبين له سبب ما كان منه. * بيان جوده ﷺ وسخائه، إذ دفعه للرجل قطيعا قابل نفحة سوط. * أن الندم على الخطأ من أخلاق الكرام ومنهم الرجل إذ لم ينم ليلته أسفا على ما كان منه. * جواز التحلل من الأخطاء ولو سببها يبيح العقوبة، وهو ما فعله الرسول ﷺ . * حرص رسول الله ﷺ على ألا يلقى الله بأذى أحد من الناس، يؤيد هذا أنه ﷺ قال: «الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر، وقال: أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وقد دنا مني حقوق، من بين أظهركم، فمن شتمت له عرضا فهذا عرضي، فليستقد منه، ومن ضربت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا

стр. 162

يقولن أحدكم إني أتخوف الشحناء من رسول الله ﷺ ألا، وإنها ليست من طبيعتي، ولا من خلقي، وإن أحبكم إلي من أخذ حقا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي، وأنا طيب النفس، فقام رجل فقال: أنا أسألك ثلاثة دراهم، فقال: من أين؟» قال: أسلفتكم يوم كذا، وكذا فأمر الفضل بن عباس أن يقضيها إياه (١). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٧٥ - (٤) أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: مَا فِي الأَرْضِ أَهْلُ عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ إِلاَّ قَلَّبْتُهُمْ، فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً أَشَدَّ إِنْفَاقاً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢). رجال السند: يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، أبو الفضل، روى مناكير، وعبد العزيز ابن محمد الدراوردي، أبو محمد المدني، لابأس به، أخذ عليه إذا حدث من حفظه، ومحمد بن عبد الله بن مسلم، ابن أخي الزهري، لابأس به، ومحمد بن مسلم إمام ثقة، تقدم. الشرح: تقدم ما يقوي هذا، وأن رسول الله ﷺ أكرم الخلق.

стр. 163

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣ - بابٌ في تَوَاضُعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - ٧٦ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِد، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ عَـ[بْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفي قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ (١) ﷺ يُكْثِرُ (٢) الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقْصِرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ، وَلَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ، فَيَقْضِيَ لَهُمَا حَاجَتَهُمَا " (٣). رجال السند: محمد بن حميد الرازي، وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه آخرون تقدم، والفضل بن موسى السيناني، وأبو عبد الله المروزي، إمام ثقة، والحسين ابن واقد المروزي، وأبو عبد الله إمام ثقة، ويحيى بن عقيل البصري الخزاعي، صدوق ليس له عند الدارمي إلا هذه الرواية. الشرح: قوله: «يكثر الذكر» الذكر عام في جميع العبادات، وهو من الإكثار، ولذلك قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٤)، فالذكر

стр. 164

مطلوب في كل الأوقات، وكان رسول الله ﷺ يذكر الله في كل أحيانه (١)، والصلاة من أعظم الذكر فرضا ونفلا، ولذلك قال الله : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٢)، أي: صل لربك بكرة، المراد صلاة الفجر، وأصيلا صلاة الظهر والعصر، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ (٣)، صلاة المغرب وصلاة العشاء، ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (٤)، صلاة القيام على جهة الندب. قوله: «ويقل اللغو». هذا القول من عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن المراد بالذكر الذي يكثر منه رسول الله ﷺ التسبيح والتهليل والتحميد والثناء على الله ؛ لأن الذكر في الصلاة لا يعتريه اللغو، ثم إن رسول الله ﷺ منزه عن اللغو، وإنما أراد الصحابي أنه الكلام في الدنيا وشؤنها لا يعني رسول الله ﷺ ، سماه لغوا بالنظر لعدم اشتغال الرسول ﷺ به، وإن كان الناس يتكلمون في شؤون دنياهم ولا يسمى ذلك لغوا منهم، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (٥). قوله: «ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة».

стр. 165

المراد صلاة الجمعة يطيلها، ويقصر الخطبة، هذه هي السنة، ولكن يلزم للتقصير بلاغة من يخطب، ويجيد انتقاء الألفاظ الجامعة، مع سهولة الأسلوب، وبيان المقاصد، وهذا لا يجيده كثير من الخطباء، ولذلك يطيلون الكلام وتتشعب المحاور في الخطبة، ولا ريب أن لرسول الله ﷺ الكمال في هذا. وفي غير الجمعة يستحب الاعتدال في الصلاة بالناس وعدم التطويل، فقد لام رسول الله ﷺ معاذا ﵁ لما أطال في الصلاة بالناس وقال: «أفتان يا معاذ؟ أفتان يا معاذ؟ ألا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها ونحوهما» (١). قوله: «ولا يأنف، ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهما حاجتهما». لأنه نبي الرحمة ﷺ ، للقوي والضعيف والغني والفقير والأرملة وذات الزوج وللناس كافة، قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢). ما يستفاد: * بيان أهمية الذكر في الصلاة وخارجها. * استحباب إطالة صلاة الجمعة، وتقصير خطبتها. * التعفف عن لغو الكلام، وما لا مائدة فيه، فالله يقول:

стр. 166

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (١). * التعفف عن لغو الكلام، وما لا مائدة فيه، فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (٢). * أهمية التواضع في حياة كل مسلم، ولاسيما من كانت لدية قدرة على قضاء الحاجات. * أهمية الاقتداء برسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤ - بابٌ في وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ - (٤) ٧٧ - (١) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ ﵁: لأَعْلَمَنَّ مَا بَقَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِينَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَاهُمْ قَدْ آذَوْكَ وَآذَاكَ غُبَارُهُمْ، فَلَوِ اتَّخَذْتَ عَرِيشاً (٥) تُكَلِّمُهُمْ مِنْهُ؟، فَقَالَ: «لَا أَزَالُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يَطَئُونَ عَقِبِي، وَيُنَازِعُونِي رِدَائِي، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُرِيحُنِي مِنْهُمْ» قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّ بَقَاءَهُ فِينَا قَلِيلٌ (٦).

стр. 167

رجال السند: سليمان بن حرب بن بجيل أزدي، أبو أيوب البصري، إمام ثقة، وحماد ابن زيد الجهضمي، إمام ثقة تقدم، وأيوب السختياني، إمام ثقة تقدم، وعكرمة مولى ابن عباس ثقة تقدم. وسيأتي بهذا موصولا بهذا السند. الشرح: قوله: «لأعلمن ما بقاء النبي ﷺ فينا؟». كأن العباس ﵁ عم رسول الله ﷺ لاح له علامات تنبئ بقرب أجل رسول الله ﷺ ، فقال هذا لأصحاب رسول الله ﵃. قوله: «إني أراهم قد آذوك وآذاك غبارهم، فلو اتخذت عريشا، تكلمهم منه». أراد العباس ﵁ الصحابة ﵃ ليكشف بهذه العبارة ما يعلم منه قرب أو بعد أجل الرسول ﷺ ، والعريش تقدم بيان أن منه ما يكون للجلوس عليه، ومنه ما يكون للظل. قوله: «فقال: لا أزال بين أظهرهم يطؤون عقبي، وينازعوني ردائي، حتى يكون الله هو الذي يريحني منهم». هذه العبارة فيها أنه سيصبر على ما ذكر عمه العباس عن أصحابه ﵃، من تجمعهم عليه، وسيرهم خلفه، منازعتهم رداءه إما للبركة، أو لحاجة استيقافه، وفيها معنى أن الأمر بيد الله فأنا صابر طال الصبر أو قصر. قوله: «فعلمت أن بقاءه فينا قليل». المراد أن العباس ﵁ استنتج من ذلك عندم طول بقاء الرسول ﷺ فيهم، ولعل طلب العباس ﵁ قبل طلب رسول الله ﷺ عمل عرش كعرش موسى ﵇، انظر ما تقدم برقم ٣٨.

стр. 168

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٧٨ - (٢) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ دَاوُدَ ابْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَحْجُبُكَ؟ قَالَ: «لَا دَعُوهُمْ يَطَئُونَ عَقِبِي وَأَطَأُ أَعْقَابَهُمْ حَتَّى يُرِيحَنِي اللَّهُ مِنْهُمْ» (١). رجال السند: الحكم بن موسى البغدادي، أبو صالح القنطري، إمام ثقة، ويحيى بن حمزة الحضرمي، أبو عبد الله القاضي الدمشقي، ثقة إمام، وعبد الرحمن ابن عمرو الأوزاعي، إمام ثقة، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو سليمان الهاشمي، كان أميرا على الكوفة، قليل الحديث متكلم فيه، لم يرو عنه الدارمي إلا هذا الحديث. الشرح: قولهم: «ألا نحجبك» ابتعاده عن الناس إلا باستئذان، فلم يقبل ذلك؛ لأنه من عمل الملوك، وليس من أخلاق الأنبياء، وانظر المزيد فيما سبق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٧٩ - (٣) أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، ثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أُنَيْسِ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: " خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ عَاصِباً رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ (٢)، حَتَّى أَهْوَى نَحْوَ الْمِنْبَرِ، فَاسْتَوَى عَلَيْهِ وَاتَّبَعْنَاهُ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ

стр. 169

إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى الْحَوْضِ (١) مِنْ مَقَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ عَبْداً عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا فَاخْتَارَ الآخِرَةَ» قَالَ: فَلَمْ يَفْطِنْ بِهَا (٢) أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: بَلْ نَفْدِيكَ بابائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ثُمَّ هَبَطَ فَمَا قَامَ عَلَيْهِ حَتَّى السَّاعَةِ " (٣). رجال السند: زكريا بن عدي، إمام ثقة تقدم، وحاتم بن إسماعيل المدني، أبو إسماعيل الحارثي، ثقة صحيح الكتاب، وأنيس بن أبي يحيى الأسلمي، ثقة لم يرو له الدارمي إلا هذا، وأبوه سمعان أبو يحيى الأسلمي لابأس به. الشرح: قوله: «خرج علينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه». المراد أنه خرج من بيته الملاصق للمسجد، وهم جلوس في المسجد. ولعل هذا كان قبل موته بخمس ليال، فقد ذكر جندب ﵁ بعض خطبه في البراءة من اتخاذ خليل منهم؛ لأن الله اتخذه خليلا، وذكر الثناء على أبي بكر ﵁، وقال جندب ﵁: " سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس " (٤). قوله: «

стр. 170

ونحن في المسجد» أي: جلوس في المسجد، والذي يظهر أن اليوم ليس يوم جمعة. قوله: «عاصبا رأسه خرقة». فيه إشارة إلى أنه ﷺ مريض، وأنه عصب رأسه لما يجد من الألم. قوله: «حتى أهوى نحو المنبر، فاستوى عليه واتبعناه». المراد توجه نحو المنبر، ورقاه حتى جلس عليه، واجتمع الصحابة حول المنبر لعلمهم أنه ﷺ سيقول لهم أمرا ذا شأن. قوله: «والذي نفسي بيده إني لأنظر إلى الحوض، من مقامي هذا». هذا يدل على أن الله كشف له عن حوضه الذي ترد عليه الأمة، فمن شرب منه لا يظمأ بعد ذلك أبدا، وقد قال ﷺ : «فإنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (١)، وليس هذا خاصا بالصحابة ﵃ بل هو عام في كل مؤمن إلى يوم القيامة، وقد أخبر رسول الله ﷺ بحقيقة الحوض فقال: «أتدرون ما الكوثر؟ فإنه نهر وعدنيه ربي ، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب، إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك» (٢). قوله: «إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة».

стр. 171

أراد نفسه ﷺ فإن الله لكرامته خيره بين أن يعطيه من الدنيا ما شاء، ويبقى فيها ما شاء، وبين أن يعطيه الآخرة ونعيمها في جوار ربه ، فاختار ﷺ الآخرة والرفيق الأعلى. قوله: «فلم يفطن بها أحد غير أبي بكر فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله». لم يفطن الصحابة ﵃ لمراد رسول الله ﷺ ؛ لأنهم تعودوا منه في خطبه الأمر والنهي والمواعظ، وما يذكر عن الأمم السابقة، فظنوا أن العبد المخير أحد عباد الله الصالحين من الأمم السابقة، لكن أبابكر فهم المراد، وعلم أن رسول الله ﷺ ينعي نفسه إلى أصحابه ﵃، وإلى الصالحين من أمته إلى يوم القيامة، ولذلك فداه أبو بكر ﵁، ولا غرابة فقد كان سباقا إلى كل خير ﵁، وهو بأحوال صاحبه خبير، وقد فهم هذا أبو بكر لما نزلت سورة النصر، وتلاها رسول الله ﷺ . قوله: «ثم هبط، فما قام عليه حتى الساعة». المراد أن الرسول ﷺ نزل عن المنبر، وكانت هذه الخطبة آخر خطبة ألقاها على أصحابه ﵃ من فوق منبره، وهذا يؤيد أنها كانت قبل وفاته ﷺ بخمس ليال. ما يستفاد: * جواز الجلوس في المسجد ولو في غير وقت الصلاة. * جواز أن يعصب المريض رأسه من الألم، ولا ينافي ذلك التوكل. * السنة في إلقاء الخطب من على منبر ليراه ويسمعه كل من حضر. * جواز القسم على ما يقال للتوكيد، ولاسيما إذا كان الخبر فيه بشارة.

стр. 172

* إظهار فضل رسول الله ﷺ وكرامته على الله إذا أراه حوضه وهو على المنبر. * بيان كرامته ﷺ على الله إذ خيره في البقاء في الدنيا والتلذذ بمتاعها، أو الآخرة. * بيان شوق رسول الله ﷺ إلى لقاء ربه واختياره الآخرة. * فطنة أبي بكر ﷺ وقوة احساسه بأحوال رسول الله ﷺ . * بيان عظمة حبه لله ورسوله ﷺ وتضحيته في سبيل ذلك ﵁. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٨٠ - (٤) أَخْبَرَنَا خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، ثَنَا بَكْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدٍ - مَوْلَى الْحَكَمِ ابْنِ أَبِي الْعَاصِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ - مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأَهْلِ الْبَقِيعِ، فَانْطَلِقْ مَعِي» فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ لِيَهْنِكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، الآخِرَةُ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى» ثُمَّ أَقْبَلَ عَليَّ فَقَالَ: «يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدِ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةُ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي» قُلْتُ: بابي أَنْتَ وَأُمِّي خُذْ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدِ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، قَالَ: «لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا

стр. 173

مُوَيْهِبَةَ لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي» ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبُدِئ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ " (١). رجال السند: خليفة بن خياط شباب العصفري، أبو عمرو البصري، إخباري صدوق، وبكر ابن سليمان الأسواري، أبو يحيى، أخذ المغازي عن ابن إسحاق لابأس به، تفرد الدارمي بالرواية عنه، وليس له سوى هذا، ومحمد بن إسحاق، صدوق تقدم، وعبد الله بن عمر بن علي بن عدي العُبْلي، سكت عنه الأئمة، ووثقه ابن حبان، وهو معتبر على البراءة، من أفراد الدارمي بهذه الرواية، وعبيد مولى الحكم بن أبي العاص، وعبيد جبير أو جبر ابن عبد الله بن عمرو، سكت عنه الأئمة، ووثقه ابن حبان، وهو معتبر على البراءة، وهو من أفراد الدارمي بهذه الرواية. الشرح: فيه من لم يوثقه إلا ابن حبان، بعد سكوت الأئمة عنه، وقد صح الحديث في استغفاره ﷺ لأهل البقيع، وهم في ذلك الوقت أصحاب رسول الله ﷺ ، ليس فيه سواهم ولا يمنع أن يكون الاستغفار شاملا كل من قبر بعدهم من صالحي الأمة، إلى يوم القيامة؛ لأنه ﷺ بعث رحمة للعالمين، وفي قوله ﷺ : «إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي».

стр. 174

ما ينئ بأهمية الأمر، وأن من وراء ذلك نبأ عظيم، يؤيد هذا يؤيد هذا قول أبي مويهبة ﵁: «فانطلقت معه في جوف الليل». لأن مبادرة رسول الله ﷺ وخروجه في جوف الليل إلى البقيع، وإن كان سريع الإجابة لأمر ربه لا يخلوا من الإشارة إلى دنو أجله ﷺ ، يؤيد هذا قوله ﷺ : «يا أبا مويهبة إني قد أوتيت بمفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي». وقد قال بعد أن سلم عليهم: «ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة أشد من الأولى». قد يفهم من هذه التهنئة لأهل البقيع المخاطبين في تلك اللحظة، أن الله أطلع رسول الله ﷺ على أن أصحابه ﵃ هم في نعيم، لذلك هنأهم بما أصبحوا فيه من السلامة مما أصبح فيه أهل الدنيا من كثرة الفتن والتي ستتوالى عليهم، هم فيها كمن هو في ليال ذات ظلمات بعضها فوق بعض، كل فتنة هي أعظم من سابقتها. وقد قال أبو مويهبة ﵁ لما سمع من الرسول ﷺ أن الله خيره: فداه وقال: «بابي أنت وأمي، خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة». فقال رسول الله ﷺ : «لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي» مؤكدا اختياره لقاء ربه . قوله: «فبدئ رسول الله ﷺ في وجعه الذي مات فيه».

стр. 175

هذا يوحي بأن ذهابه ليستغفر لأهل البقيع ﵃، كان بعد منتصف ليلة أن أصبح مريضا، وأن ذلك كان قبل وفاته ﷺ بخمس ليال، على غرار ما تقدم من الرواية. ما يستفاد: * علاوة على ما تقدم في الأمر بالاستغفار لأهل البقيه بشارة خير لهم، ولكل صالح من عباد الله يدفن فيه. * مشروعية الدعاء والاستغفار لأهل البقيه. * بيان محبة أصحاب رسول الله للنبي محمد ﷺ . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٨١ - (٥) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَباب، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ فَقَالَ: «قَدْ نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسي» فَبَكَتْ فَقَالَ: «لَا تَبْكِى، فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لَاحِقٌ (١) بِي» فَضَحِكَتْ فَرَآهَا بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَ: يَا فَاطِمَةُ، رَأَيْنَاكِ بَكَيْتِ ثُمَّ ضَحِكْتِ، قَالَتْ: إِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ لِي: «لَا تَبْكِى، فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لَاحِقٌ بِي» فَضَحِكْتُ " (٢).

стр. 176

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَالإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» (١). رجال السند: سعيد بن سليمان سعدويه، ثقة تقدم، وعباد بن العوام الكلابي، أبو سهل البصري ثقة، وهلال بن خباب العبدي، أبو العلاء المصري، ثقة مأمون، وعكرمة راوية ابن عباس ثقة تقدم. الشرح: قوله: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. سورة النصر آخر سورة نزلت كاملة بالمدينة، والمراد بالنصر نصر الله لنبيه ﷺ على الكفار والمشركين كافة، والفتح المراد به فتح مكة. قوله: «دعا رسول الله ﷺ فاطمة فقال: قد نُعُيت إلي نفسي». أخبرها ﷺ لأنها بضعة منه ﵂، وهي آخر من بقي من بناته ﵅، ويشق عليه فراقها، لو لم تكن الآخرة خيرته. قوله: «فبكت». حق لها ذلك ولو لم تكن ابنته، ومن الذي لا يحزن ويبكي على فراق من أرسله الله رحمة للعالمين. قوله ﷺ : «لا تبك فإنك أول أهلي لاحق بي».

стр. 177

هذه بشارة طال ما عدت فاطمة ﵂ لتلحق بابيها في الفردوس الأعلى وحيثما كان في الجنة، ولذلك ضحكت واستبشرت، ويا ليتني كنت معها فأفوز فوزا عظيما، وأسأل الله ألا يحرمني رؤيتهما في الجنة. وقال رسول الله ﷺ : «إذا جاء نصر الله والفتح» تقدم المراد بالنصر الموعود، والفتح كذلك. قوله: «وجاء أهل اليمن». أخبر ﷺ بمجيء أهل اليمن، ليعلنوا إيمانهم بالنبوة والرسالة، واتباع محمد ﷺ في المنشط والمكره، ثم وصف أهل اليمن بما يدل على قوة إيمانهم، وأطلق على الإيمان أنه يماني لذلك، فهذا الوصف عام في كل مؤمن ممن سكن جهة اليمن مما يقع جنوب مكة المكرمة إذ منها تُحدد الجهات الأربع، والمراد من كان منهم في ذلك الوقت وليس كل فرد من أهل اليمن ولا يعم كل زمان، ويتأكد لك ذلك إذا تأملت قدوم أبي موسى الأشعري وقومه ﵃ فقد قدم الأشعريون على رسول الله ﷺ وهم خمسون رجلا فيهم أبو موسى ﵁، قدموا في سفن، وخرجوا بجدة، فلما دنوا من المدينة جعلوا يقولون: غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه ﷺ و ﵃، فلما وصلوا المدينة وجدوا رسول الله في سفره إلى خيبر، فأسلموا فقال رسول الله ﷺ «الأشعريون في الناس كصرة فيها مسك» وقدم الدوسيون بقيادة الطفيل بن عمرو الدوسي الزهراني ﵃، فإنه لما أسلم دعا قومه فأسلموا، وقدم معه منهم المدينة سبعون أو ثمانون أهل بيت، وفيهم: أبو هريرة الزهراني ﵁، وعبد الله ابن أزيهر الدوسي، ورسول الله بخيبر، فساروا إليه فلقوه هناك، ثم قدموا معه المدينة، فقال أبو هريرة في هجرته حين خرج من دار قومه:

стр. 178

يا طولها من ليلة وعنائها … * * * … على أنها من بلدة الكفر نجت (١). قوله: «هم أرق أفئدة». المراد أن قلوبهم ذات خشية، واستكانة اللحق، تقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك أقبلوا ﵃ من ديارهم سيرا إلى خيبر لملاقاة رسول الله ﷺ والانضواء تحت لوائه. وانظر قول ابن بطوطة عن غامد وزهران وهم من أهل اليمن في ذلك الوقت فذكر بعض صفات قبائل بني مالك" بجيلة "، وزهران، وغامد، وهو شاهد عيان، فقال: وبلاد السروات التي يسكنها بجيلة، وزهران، وغامد، وسواهم من القبائل مُخْصِبة، كثيرة الأعناب، وافرة الغلات، وأهلها فصحاء الألسن، لهم صدق نية، وحسن اعتقاد، وهم إذا طافوا بالكعبة يتطارحون عليها، لائذين بجوارها، متعلقين بأستارها، داعين بأدعية تتصدع لرقتها القلوب، وتدمع العيون الجامدة، فترى الناس حولهم باسطي أيديهم، مؤمنين على أدعيتهم، ولا يتمكن لغيرهم الطواف معهم، ولا استلام الحجر لتزاحمهم على ذلك، وهم شجعان أنجاد. فهذا يشير إلى مجيء أهل اليمن، والتحاقهم برسول الله ﷺ ومن معه من المهاجرين والأنصار ﵃، ثم جاء النصر والفتح بعد ذلك، ونقول لمن يعمم قوله ﷺ : «الإيمان يمان» على كل من سكن اليمن أن التعميم خطأ؛ لأن

стр. 179

المراد بالإيمان ما وافق الكتاب والسنة، فأين الفرق التي ظهرة في اليمن في الزمن القديم ودان أتباعها بما تدعي، أينهم «من الإيمان يمان» وأين الحوثيون وغيرهم اليوم من هذا؟ بأي إيمان يلتزمون؟، وكذلك «الحكمة يمانية» لا يجوز فيها التعميم وإن وجدت في أفراد؛ لأن المراد بالحكمة قبول الحق، والعمل بالكتاب والسنة، وتطبيق الأحكام الشرعية، على بصيرة وهدى، وتربية النفس على ذلك، وحال اليمن اليوم تناقض هذا، وهي شاهد لنا على عدم التعميم؛ لأن منهم أناس يعاهدون في الليل ويخونون في الصباح. ما يستفاد: * بيان أن الله أنجز لرسوله ﷺ ما وعده نصره على من عاده من اليهود والنصارى وكفار قريش، وأنجز له فتح مكة. * أن مجيء أهل اليمن وبعده النصر والفتح كان من علامات دنو أجل النبي ﷺ . * بيان فضل الرعيل الأول من أهل اليمن، ومن نهج نهجهم. *بيان فضل الأشعريين والدوسيين على غيرهم من أهل اليمن. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٨٢ - (٦) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ ابْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " رَجَعَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ مِنَ الْبَقِيعِ، فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعاً، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهُ. قَالَ: «بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ وَارَأْسَاهُ، قَالَ: وَمَا ضَرَّكِ لَوْ مُتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ

стр. 180

عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ» فَقُلْتُ: لَكَأَنِّي بِكَ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَرَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَعَرَّسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ، قَالَتْ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ بُدِئَ (١) فِي وَجَعِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ " (٢). رجال السند: الحكم بن المبارك، هو البلخي، ثقة أثنى عليه الإمام أحمد، ومحمد بن سلمة الحراني، أبو عبد الله الباهلي، ثقة من رجال مسلم، ومحمد بن إسحاق، تقدم وحديث حسن، وقد صرح بالحديث عن الزهري، وهو عالي السند، فلا تضر روايته هنا بالعنعنة، ويعقوب بن عتبة بن المغيرة الثقفي، ثقة من العلماء بالسيرة، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة المدني، أبو عبد الله من ولد عبد الله بن مسعود ﵁، من فقهاء المدينة ثقة له فضائل. الشرح: قول أم المؤمنين ﵂: «فوجدني وأنا أجد صداعا وأنا أقول وارأساه». إشعار لرسول الله ﷺ أنها تجد ألما، وليس ذلك من التضجر والشكوى المنهي عنها. قوله ﷺ : «بل أنا يا عائشة وارأساه».
следующие страницы →