قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤١ - (١٠) أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ بِمِثْلِهِ (١).
رجال السند:
كلهم ثقات، حجاج بن منهال، وحماد بن سلمة، وراوية أنس ثابت البناني.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٢ - (١١) أَخْبَرَنَا عبد الله بن يزيد، ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: " حَنَّتِ الْخَشَبَةُ الَّتِي كَانَ يَقُومُ عِنْدَهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ " (٢).
رجال السند:
عبد الله بن يزيد المقرئ، إمام ثقة، والمسعودي، عبد الرحمن بن عبدالله ابن عتبة بن عبد الله بن مسعود ثقة تغير، وليس هذا بعد التغير، وأبو حازم، سلمة بن دينار المخزومي، تابعي ثقة، في البخاري عنه ذكر قصة المنبر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٣ - (١٢) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ، ثَنَا عُمَرُ (٣) بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِى طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
стр. 107
-﵁: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى جِذْعٍ مَنْصُوبٍ (١) فِي الْمَسْجِدِ، فَيَخْطُبُ النَّاسَ، فَجَاءَهُ رُومِيٌّ فَقَالَ: أَلَا أَصْنَعُ لَكَ شَيْئاً تَقْعُدُ عَلَيْهِ وَكَأَنَّكَ قَائِمٌ؟ فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَراً لَهُ دَرَجَتَانِ، وَيَقْعُدُ عَلَى الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا قَعَدَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الْمِنْبَرِ خَارَ الْجِذْعُ كَخُوَارِ الثَّوْرِ، حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ حُزْناً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ فَالْتَزَمَهُ وَهُوَ يَخُورُ، فَلَمَّا الْتَزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكَتَ " ثُمَّ قَالَ: «أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ لَمَا زَالَ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» حُزْناً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدُفِنَ (٢).
رجال السند:
محمد بن أحمد بن أبي خلف، أبو عبد الله البغدادي، ثقة، وعمر بن يونس، أبو حفص اليمامي ثقة، وعكرمة بن عمار البصري، من صغار التابعين، لابأس به، حديثه في الشواهد عند مسلم، وإسحاق بن أبي طلحة، أبو يحيى المدني، إمام ثقة، واسم أبي طلحة عبد الله.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧ - بابٌ مَا أُكْرِمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَرَكَةِ طَعَامِهِ:
٤٤ - (١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (٣) بْنِ أَبَانَ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ (٤) الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ عَبْدِ
كُلُّهُمْ، وَبَقِىَ طَائِفَةٌ مِنَ الطَّعَامِ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ النَّاسَ (١) قَدْ أَصَابَتْهُمْ مَخْمَصَةٌ (٢)، فَكُلُوا وَأَطْعِمُوا» فَلَمْ نَزَلْ يَوْمَنَا نَأْكُلُ وَنُطْعِمُ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانَمِائَةٍ، أَوْ قَالَ ثَلَاثَمِائَةٍ. قَالَ أَيْمَنُ: لَا أَدْرِى أَيُّهُمَا قَالَ (٣).
رجال السند:
عبد الله بن عمر بن أبان، أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق، وعبد الرحمن ابن محمد المحاربي، ثقة مدلس، وعبد الواحد بن أيمن المكي، أبو القاسم ثقة، وأبوه أيمن المكي حبشي وثقة أبو زرعة، ولم ينفرد ابنه بالرواية عنه.
الشرح:
قال أنس ﵁: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال: «اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة» فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدا (٤).
فدل هذا أنهم يحفرون بأنفسهم طلبا للأجر، وهم في بداية الأمر ليس لهم عبيد بكثرة، ولاسيما المهاجرون.
стр. 111
ويدل قوله ﷺ : «اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة» على التعب والجوع الذي لحق الأصحاب ﵃، فأراد أن ينشطهم بما قال، ويرغبهم فيما عند الله ، ولا ريب أنه ﷺ لحقه من الجوع والتعب ما لحقهم، ورغم هذا لما عرضت الكدية للصحابة وأعياهم كسرها، لا ريب أنهم شكوا ذلك لرسول الله ﷺ فأمرهم أن يرشوها بالماء، والكدية: صخرة أمد الله رسوله ﷺ بقوة ظهرت من خلا ضربه لها معجزة، فقد ضربها «بمعول أو مسحاة» شك الراوي وهما لآلتان: المعول للكسر، والمسحاة للحفر، فضرب رسول الله ﷺ بالمعول «فعادت كثيبا أهيل» أي: تفتت حتى صارة كثبة من الرمل تهال باليد دون هناء، ظهرت المعجزة فقد حدث هذا بعد أن عجز عنه الجم الغفير من الصحابة، فكان عمل رسول الله ﷺ رغم ما ظهر عليه من التعب والجوع، فلما رأى جابر ﵁، استأذن وانصرف إلى أمرأته واسمها سهيلة ﵂، وذكر لها ما رأى من حال رسول الله ﷺ ، فقالت: عندي صاع من شعير وعناق، العناق: الصغيرة من المعز، وهيأت ذلك كله، فرجع جابر ﵁ ليدعو رسول الله ﷺ ، فقالت امرأته: صحيح؟ لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه (١)، قوله: «طعيم» فيه تحقير وتقليل إشارة إلى اختصاصه لرسول الله ﷺ ، ولكن الرحمة المهداة تأبا ذلك، فأمره بالعودة إلى امرأته، «ولا تخرج الخبر من التنور» وأشمل من هذا قوله: «لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء» (٢)، لتناله من الله بركة
стр. 112
يد رسول الله ﷺ ، ثم قال للناس: قوموا إلى جابر، فولى جابر إلى امرأته خائفا من فضحها فقال: " قد جاء رسول الله بأصحابه أجمعين " كلهم على صاع من شعير وعناق، فجلس رسول الله ﷺ على المخبز يخبر للقوم، وكشف عن القدر ليأخذ من اللحم والمرق، فبارك الله لنبيه فيما صنع جابر وأمرته، وبقي طائفة من الطعام بعد عدد كبير من المهاجرين والأنصار ﵃، وقال ﷺ : «إن الناس، قد أصابتهم مخمصة، فكلوا وأطعموا» قال جابر ﵁: فلم نزل يومنا نأكل ونطعم، هذا من فضل الله ثم بركة يد رسول الله ﷺ ، ولهذا الإعجاز نظائر لا ريب فيها.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٥ - (٢) أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِىٍّ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ عَمْرٍو - عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " أَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ أَنْ تَجْعَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَاماً يَأْكُلُ مِنْهُ، قَالَ: ثُمَّ بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: بَعَثَنِي إِلَيْكَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: «قُومُوا» فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ الْقَوْمُ مَعَهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا صَنَعْتُ طَعَاماً لِنَفْسِكَ خَاصَّةً. فَقَالَ: «لَا عَلَيْكَ انْطَلِقْ» قَالَ: فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ الْقَوْمُ، قَالَ: فَجِيءَ بِالطَّعَامِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَسَمَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» قَالَ: فَأَذِنَ لَهُمْ. فَقَالَ: «كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ»
стр. 113
فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ قَامُوا، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ كَمَا صَنَعَ في الْمَرَّةِ الأُولَى وَسَمَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَالَ: «كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ» فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ قَامُوا حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلاً، وَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَتَرَكُوا سُؤْراً (١).
رجال السند:
زكريا بن عدى، ثقة تقدم، وعبيد الله بن عمرو الرقي، ثقة تقدم، وعبد الملك ابن عمير، ثقة فقيه، تغير حفظه وربما دلس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى يسار ابن بلال، وأبو عيسى، من كبار التابعين ثقة، قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ ، غرق ليلة دجيل مع ابن الأشعث سنة ثلاث وثماني ومائة.
الشرح:
هذه رواية أخرى في واقعة لأبي طلحة زيد بن سهل لأنصاري ﵁، يرويها ربيبه أنس ﵁، وأم سليم هي أم أنس بنت ملحان ﵂، والقصة من جنس ما تقدم في رواية جابر ﵁، وكان عدد من حضر دعوة أبي طلحة ثمانين رجلا أوردهم رسول الله ﷺ عشرة عشر، فأكلوا حتى شبعوا، وتركوا سؤرا من الطعام، ولا شك أن هذا بفضل الله ثم بركة يد رسوله ﷺ .
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٦ - (٣) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ - هُوَ الْعَطَّارُ - حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ: " أَنَّهُ طَبَخَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قِدْراً، فَقَالَ لَهُ: «نَاوِلْنِي ذِرَاعَهَا» وَكَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ، فَنَاوَلَهُ الذِّرَاعَ، ثُمَّ قَالَ: «نَاوِلْنِي
стр. 114
ذِرَاعاً» فَنَاوَلَهُ ذِرَاعاً، ثُمَّ قَالَ: «نَاوِلْنِي ذِرَاعا» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ؟، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَنْ لَوْ سَكَتَّ لأُعْطِيتُ أَذْرُعاً مَا دَعَوْتُ بِهِ» (١).
رجال السند:
مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، ثقة تقدم، وأبان بن يزيد العطار، أبو زيد البصري ثقة، وقتادة بن دعامة السدوسي، ثقة حافظ مدلس، وشهر بن حوشب، أبو سعيد مولى أسماء بنت يزيد، تابعي متكلم فيه رغم توثيق أحمد له، روى له مسلم في المتابعات والشواهد، وحسن البخاري حديثه، وأبو عبيد ﵁ مولى النبي ﷺ وخادمه.
الشرح:
هذا حديث حسن وكان ﷺ يحب من اللحم الذراع، فكان يطلب من خادمه الذراع، لكنه قال في الثالثة: «ناولني ذراعا» وهو يعلم أن الشاة ليس لها إلا ذراعان، ولكن أراد أن يبين كرامته عند الله ، فقال: «والذي نفسي بيده أن لو سكت لأعطيتُ أذرعا ما دعوتُ به» فلو أن الخادم لم يسأل وسكت، لظهرت معجزة الدراع الثالث، وأكثر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٧ - (٤) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ
أَنَّ اللَّهَ سَوْفَ يُوَفِّيهِ (١) قَالَ: مَا أَنَا بِسَائِلِهِ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ سَوْفَ يُوَفِّيهِ. فَرَدَّدَ عَلَيْهِ وَرَدَّدَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: مَا أَنَا بِسَائِلِهِ.
وَكَانَ لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ غَرِيمُكَ وَتَمْرُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَفَّاهُ اللَّهُ، وَفَضَلَ لَنَا مِنَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا، فَرَجَعْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ: أَلَمْ أَكُنْ نَهَيْتُكِ أَنْ تُكَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي؟، فَقَالَتْ: تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُورِدُ نَبِيَّهُ فِي بَيْتِي ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَا أَسْأَلُهُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي".
رجال السند:
أبو النعمان، محمد بن الفضل بعارم ثقة، وأبو عوانة الوضاح ثقة، والأسود بن قيس ثقة، ونبيح العنزي حسن الحديث تقدموا.
الشرح:
قوله: " أَنْسِيْء " أي: أخر طائفة من دينك، وجميع الأحاديث المتقدمة في ذكر بعض المعجزات التي أيد الله بها نبوة محمد ﷺ منها ما هو في أعلى درجات الصحة، ومنها الصحيح، ومنها الحسن، ومنها ما هو ضعيف السند، وكلها يصدق بعضها بعضا، وما يكذب بها إلا من لم يوفق للفهم الصحيح، وقد تكرر شرح ألفاظها، فأغنى عن الإعادة، والخبر فيه نبيح العنزي: الصحيح أنه ثقة، وأخرجه أحمد حديث (١٥٢٨١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٨ - بابٌ مَا أُعْطِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْفَضْلِ:
٤٨ - (١) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ (٢) بْنُ أَبَانَ، عَنْ
стр. 119
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَ مُحَمَّداً ﷺ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ. فَقَالُوا: يَا أَبَا (١) عَبَّاسٍ بِمَ (٢) فَضَّلَهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (٣) وَقَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٤) قَالُوا: فَمَا فَضْلُهُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ الآية (٤) من سورة إبراهيم، وَقَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٥).
رجال السند:
إسحاق بن إبراهيم بن راهويه ثقة إمام حافظ تقدم، ويزيد بن أبي حكيم العدني، ليس بهبأس، والحكم بن أبان العدني، صدوق وله أوهام، وتقدموا جميعا، وعكرمة أبو عبد الله، مولى ابن عباس وراويته ثقة، لم يصب من تكلم فيه، تحققت من ذلك في دراستي له ولما روى في البخاري، فثبت أنه ثقة، إمام في التفسير، والرواية عن ابن عباس.
стр. 120
الشرح:
صدق ابن عباس ﵄ حين قال: " إن الله فضل محمدا ﷺ على الأنبياء، وعلى أهل السماء " وقد استند في قوله على كتاب الله ، ومعلوم تفضيل من جمع له بين النبوة والرسالة على من نُبئ ولم يرسل، وذلك لمزيد أعباء الرسالة وما يقع من التكذيب وعدم القبول من الأمم، وما يقع من قتلهم الرسل جراء ذلك، القاعدة في ذلك عدم التفضيل بالتعيين، بل على العموم، قال رسول الله ﷺ : «لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله» (١)، وقال ﷺ : «ما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» (٢)، وهذا تقدير من رسول الله ﷺ ليونس ﵇ لما لحقه من البلاء، وقال في العموم: «أنا سيد الناس يوم القيامة» (٣)، وهو سيدهم في الدنيا ﷺ .
ما يستفاد:
*فيما ذكر ابن عباس ﵄ في التنزيل عن أهل السماوات وعيد شديد.
*علو مكانة ابن عباس في فقه التنزيل.
* امتنان الله ﷺ على نبيه ﷺ بالفتح المبين.
стр. 121
* بشارة نبينا محمد ﷺ بمغفرة ذنبه، وأن الله فتح له لكي يجعل ذلك أمارة وعلامة لغفرانه له، وهدايته الصراط المستقيم، ثم البشارة بالمغفرة في حد ذاتها نصر عظيم، وكذلك ما تحقق له من النصر بعد الحديبية، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا» (١). الآية هي أول سورة الفتح.
* أن رسالة نبينا محمد ﷺ عامة للناس، وفي هذا إلى نسخ جميع الأديان وعموم النبوة والرسالة.
* بيان ما فضل الله به نبينا محمد ﷺ .
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٤٩ - (٢) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيد، ثَنَا زَمْعَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، فَتَسَمَّعَ حَدِيثَهُمْ، فَإِذَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَجَباً إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلاً، فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُهُ. وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢).
وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوْحُهُ. وَقَالَ آخَرُ: وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ: " قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَجِيُّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِيسَى رُوْحُهُ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، [وَأَنَا حَامِلُ
стр. 122
لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَحْتَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ وَلَا فَخْرَ] (١)، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ غَلَقَ الْجَنَّةِ وَلَا فَخْرَ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ عَلَى اللَّهِ وَلَا فَخْرَ».
رجال السند:
عبيد الله بن عبد المجيد، أبو علي الحنفي، ثقة من شيوخ الدارمي هو وأخوه عبد الكبير، وزمعة بن صالح، يماني سكن مكة، ضعفه الجمهور، وحديثه عند مسلم مقرون لذلك، وسلمة بن وهرام، يماني من قرية جبا باليمن، يعتبر بحديثه من غير رواية زمعة لضعفه، وروايته عنه ما ينكر، وثقه ابن معين.
الشرح:
في سنده زمعة بن صالح الجندي ضعيف، وحديثه في مسلم مقرون، وأخرجه الترمذي حديث (٣٦٢٠) وقال: حسن غريب، ولغالبه شواهد في الصحيح، وانظر: القطوف رقم (١٨/ ٤٨).
قوله: " غَلَقَ " في بعض النسخ الخطية " بحلق": ووجه الصواب في المخطوطتين: أن الغلق: جمع أغاليق، وهي المفاتيح، فالمراد مفتاح الجنة، وانظر (النهاية ٣/ ٣٨٠) وما قبله.
وستأتي رواية " بحلق " الجنة، ولا تعارض فالحلق مسكة الباب، والغلق القفل. وليس في الرواية ما يستغرب، وما ذكر من ضعف بعض الرواة لا
стр. 123
يرد به ما يوافق الواقع، من تفضيل النبي ﷺ وما أكرم الله به الأنبياء المذكورين ﵈، وبيان ما من الله به عليه ﷺ ، سقط من المتن ما نصه: (وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: وآدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجيه وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم ال ٠ قيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك غلق الجنة ولا فخر، فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر) وجل من لا يسهو.
ما يستفاد:
* بيان أن إبراهيم ﵇ خليل الرحمن .
* وأن موسى ﵇ كليم الله .
* وأن عيسى ﵇ روح الله ﵇، وليس نفسه، فالروح غير النفس، لأن الروح فيها الطهر والقداسة والتزكية.
* وهو كلمة الله التي خلق بها المخلوقات منها عيسى ﵇، فالله له الأمر ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١).
*وآدم ﵇ اصطفاه الله ، واستخلفه في الأرض.
* بيان فضل نبيا محمد ﷺ وأنه حبيب الله .
стр. 124
* أن من الفخر له على الأنبياء أن حامل لواء الحمد يوم القيامة.
* بيان أن آدم فمن دونه من الأنبياء ﵈ ينضوون تحت لواء الحمد.
* بيان أنه ﷺ أول شافع وأول مشفع يوم القيامة.
* بيان أنه ﷺ أول من يحرك مفتاح الجنة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٠ - (٣) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ
لَيْثٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَوَّلُهُمْ خُرُوجاً، وَأَنَا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا على ربي (١)، [وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا، وَأَنَا مُسْتَشْفِعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا (٢)، الْكَرَامَةُ وَالْمَفَاتِيحُ يَوْمَئِذٍ
стр. 125
بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَم] (١) عَلَى رَبِّي، يَطُوفُ عَلَىَّ أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُمْ بَيْضٌ مَكْنُونٌ أَوْ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورٌ» " (٢).
رجال السند:
سعيد بن سليمان أبو عثمان الضبي، المعروف بسعدويه، ثقة سكن بغداد وتوفي فيها (٢٢٥ هـ)، صحف اسم أبيه في المطبوعات، فقيل: ابن سفيان، ومنصور بن أبي الأسود، مولى لبني ليث، وكان تاجرا وكان من الشيعة الكبار، قال ابن معين: لابأس به، ولعله لم يكن رافضيا، وليث بن أبي سليم، كثير الغلط، واختلفوا في تحسن حديثه، والربيع بن أنس، من بكر ابن وائل من أنفسهم، هرب من الحجاج فأتى مرو فسكن قرية منها فكان فيها إلى أن مات في خلافة أبي جعفر المنصور، صدوق يُجتنب من حديثه ما رواه عن أبي جعفر الرازي، لضعفه في الحديث.
الشرح:
فيه المزيد من فضائل نبينا محمد ﷺ ، والخبرحسن لغيره.
ما يستفاد:
*بيان أن نبينا محمد ﷺ أول من يبعث يوم القيامة من الأنبياء ﵈.
* بيان أنه ﷺ قائد الأنبياء إذا وفد على الله .
* وأنه ﷺ المتكلم فيهم إذا أنصتوا لقوله.
стр. 126
* وأنه ﷺ الشافع لهم بإذن الله إذا طال وقوفهم في المحشر.
* وأنه ﷺ بشيرهم إذا تمالكهم اليأس من الكرامة.
* ونه ﷺ بيده مفاتيح الجنة.
* وأنه كما تقدم أنه سيد ولد آدم، فهو أكرمهم على الله ﷺ .
* وأن من إكرام الله له ﷺ أن يقوم على خدمته ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور.
أسأل الله أن يجمعنا بهذا النبي الكريم في لفردوس الأعلى في الجنة على ما ذكر له من الفضل والتكريم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥١ - (٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ، ثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ صَالِحٍ - هُوَ ابْنُ عَطَاءِ بْنِ خَباب مَوْلَى بَنِى الدُّئِلِ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَنَا قَائِدُ الْمُرْسَلِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ» (١).
رجال السند:
عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث المصري أبو محمد الفقيه، ثقة، جرحه ابن معين ولم يثبت، وله كتاب في سيرة عمر بن عبد العزيز، وبكر ابن مضر بن محمد ابن حكيم أبو محمد المصري، ثقة، مات سنة ثلاث
стр. 127
أو أربع وسبعين ومائة، وجعفر بن ربيعة، بن شرحبيل بن حسنة المصري، أبو شرحبيل ثقة، وصالح بن عطاء بن خباب مولى بني الدئل، وثقه العجلي وقال: حجازي ثقة، وابن حبان، وتوثيق ابن حبان يقبل في مثل هذه الرواية المتفقة في المعنى مع ما سبق، وعطاء بن أبي رباح أسلم القرشي، مولاهم، المكي، ثقة، فقيه.
الشرح:
الحديث مرادف لبعض ما سبق، وفيه المزيد من خصائص نبينا محمد ﷺ .
ما يستفاد:
* تأييد ما تقدم في شأن قيادته ﷺ للأنبياء ﵇.
* بيان أنه ﷺ خاتم الأنبياء ﵈، وأنه لا نبي بعده.
* بيان أنه ﷺ أول من يشفع يوم القيامة.
* وأنه ﷺ وأول من تقبل شفاعته.
أسأل الله أن يجعله شفيعنا من هول يوم القيامة، ومن النار.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٢ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، ثَنَا سُفْيَانُ _ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ _ عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ بِحَلْقَةِ باب الْجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهَا (١)». قَالَ أَنَسٌ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهَا" وَصَفَ
стр. 128
لَنَا سُفْيَانُ كَذَا، وَجَمَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَصَابِعَهُ وَحَرَّكَهَا، قَالَ: وَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: " مَسِسْتَ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَعْطِنِيهَا أُقَبِّلْهَا " (١).
رجال السند:
محمد بن عباد المكي، ابن الزبرقان، أبو عبد الله لابأس به، وسفيان بن عيينة إمام ثقة، وابن جدعان، علي بن زيد ضعيف، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة.
الشرح:
رواية ابن جدعان هذه يشهد لها ما تقدم من الروايات، وتقدم قوله: أول من يحرك غلق، وكلاهما يصح فالغلق المراد به قفل الباب، وصح هنا
بتحريك الحلَق بالحاء.
ما يستفاد: انظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٣ - (٦) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ في الْجَنَّةِ» (٢).
стр. 129
رجال السند:
أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي، أبو عبد الله الكوفي ثقة متقن، وحسين ابن علي الجعفي، أبو عبد الله المقرئ ثقة أذن في مسجد ستين سنة، وكان يقرئ الناس، وزائدة ابن قدامة الثقفي، أبو الصلت إمام ثقة، لا يحدث أحدا حتى يسأل عنه، فإن كان صاحب سنة حدثه، وإلا لم يحدثه، والمختار بن فلفل، مولى عمرو بن حريث، تابعي ثقة.
الشرح: انظر ما تقدم.
ما يستفاد: انظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٤ - (٧) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنِّي لأَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَآتِي باب الْجَنَّةِ فَآخُذُ بِحَلْقَتِهَا فَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: أَنَا مُحَمَّدٌ. فَيَفْتَحُونَ لِي فَأَدْخُلُ فَأَجِدُ، فَأَجِدُ الْجَبَّارَ مُسْتَقْبِلِي فَأَسْجُدُ لَهُ فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَتَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِى فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: اذْهَبْ إِلَى أُمَّتِكَ، فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنَ الإِيمَانِ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَأَذْهَبُ فَمَنْ وَجَدْتُ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَلِكَ أَدْخَلْتُهُمُ الْجَنَّةَ]، وَفُرِغَ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، وَأُدْخِلَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أُمَّتِي النَّارَ مَعَ أَهْلِ النَّارِ فَيَقُولُ أَهْلُ النَّارِ: مَا أَغْنَي عَنْكُمْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ
стр. 130
تَعْبُدُونَ اللَّهَ لَا تُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئاً، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: فَبِعِزَّتِي لأَعْتِقَنَّهُمْ مِنَ النَّارِ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ وَقَدِ امْتُحِشُوا، فَيَدْخُلُونَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي غُثَاءِ السَّيْلِ، وَيُكْتَبُ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ، فَيُذْهَبُ بِهِمْ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَلْ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الْجَبَّارِ» (١).
رجال السند:
عبد الله بن صالح كاتب الليث، حسن الحديث، تقدم وشيخه الليث بن سعد، ويزيد بن عبد الله بن الهاد ثقة، وعمرو بن أبي عمرو ميسرة، مولى المطلب ابن عبد الله بن حنطب المخزومي، توفي عمرو في أول خلافة أبي جعفر المنصور، ليس بهبأس، وكان صاحب مراسيل، وليس هذا منها.
الشرح:
هذا الحديث جُمع فيه ما تفرق فيما سبق من الروايات، وتقدم القول في كل رواية، وزاد هنا أنه لما يأخذ بحلق باب الجنة ويقعقعه يقول الملائكة: من،
стр. 131
فيخبرهم بأنه محمد ﷺ ، فيفتحون له الباب فيدخل ﷺ ، ويرى رب العزة والجلال في استقباله ﷻ ، فيبادر ﷺ بالسجود تقديسا وتعظيما للجبار سبحانه، فيأمره ربه بأن يرفع رأسه، ويقول ما شاء ليُجب فيه ﷺ ، ولكون الشفاعة للأمة من أسنى المطالب لنبينا ﷺ ، فيبادر بالنهوض قائلا: أمتي أمتي يا رب، وهنا يتجلى التكريم لنبينا وأمته فيقول رب العزة والجلال: «اذهب إلى أمتك فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من شعير من الإيمان فأدخله الجنة، فأذهب فمن وجدت في قلبه مثقال ذلك أدخلتهم الجنة»] (١)، وبعد الفراغ من حساب الناس، ودخل من بقي من الأمة النار مع أهلها من الكفار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون به شيئا؟.
فيقول الجبار: «فبعزتي لأعتقهم من النار» فيرسل إليه فيخرجون من النار وقد احترقت جلودهم فيدخلون في نهر الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في غثاء السيل، ويكتب بين أعينهم: هؤلاء عتقاء الله، فيذهب بهم فيدخلون الجنة، فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون فيقول الجبار: «بل هؤلاء عتقاء الجبار».
اللهم أجرنا من النار، وأدخلنا الجنة بغير حساب، ولا عذاب.
ما يستفاد:
* من الزيادة على ما تقدم بيان إجلال الملائكة لنبينا محمد ﷺ .
* بيان أنه ﷺ أول من يدخل الجنة من بني آدم ﵇.
стр. 132
* بيان تكريم الله لعبده ورسوله نبينا محمد ﷺ بكونه أول من يبعث، وأول من يدخل الجنة، وأول من يستقبل الله من البشر في الجنة، وأول من يسجد لربه في الجنة تعظيما وتقديسا لله ، وأول من يؤمر بالشفاعة للأمة.
* بيان فضل الإيمان بالله ، وأنه من أسباب عدم دخول النار، وإن قل فهو من أسباب عدم الخلود فيها.
* بيان تفويض نبينا بإخراج من دخل النار من أمته، وإدخالهم الجنة،
بفضل الله ورحمته.
* بيان صلف الكفار واستهزائهم بمن دخل النار من المؤمنين.
* بيان رحمة الله بمن دخل النار من لأمة وانتصاره لهم.
* بيان ما هيأ الله للخارجين من النار لزوال آثارها وتهيئتهم لدخول الجنة.
* ولبيان أنهم أخرجوا من النار بشفاعة محمد ﷺ فإنه يكتب بين أعينهم: هؤلاء عتقاء الله.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٥ - (٨) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنِ ابْنِ غَنْمٍ قَالَ: " نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَقَّ بَطْنَهُ، ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ: قَلْبٌ وَكِيعٌ فِيهِ أُذُنَانِ سَمِيعَتَانِ وَعَيْنَانِ بَصِيرَتَانِ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ الْمُقَفي الْحَاشِرُ، خُلُقُكَ قَيِّمٌ، وَلِسَانُكَ صَادِقٌ، وَنَفْسُكَ مُطْمَئِنَّةٌ" (١).
стр. 133
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكِيعٌ يَعْنِي: شَدِيداً.
رجال السند:
عبد الله بن صالح، تقدم وحديثه حسن، ومعاوية بن صالح بن حدير، صدوق له أوهام، ويونس بن ميسرة بن حلبس، أبو حلبس الأعمى، تابعي ثقة، قتل في المسجد وهو يصلي، وأبو إدريس الخولاني، عائذ ابن عبد الله بن عمرو العوذي القاضي، تابعي ثقة إمام، وابن غنم: عمرو ابن ثعلبة بن وهب بن عدى بن مالك بن غنم بن عدي بن النجار، شهد
بدرا.
الشرح:
تقدمت روايات في شق بطنه ﷺ ، وأضافت هذه الرواية ذكر جبريل ﵇ أوصافا هي من خلق رسول الله ﷺ ، وأنه ذا قلب شديد محكم يحتمل ما يلقي إليه من أعباء النبوة والرسالة، مشيدا بسمعه وبصره ﷺ ، وهو أثر للعناية بقلبه ﷺ ؛ لأن وعي القلب شرط في صحة السمع والبصر.
أما قول جبريل ﵇: «محمد رسول الله المقفي الحاشر» فلم أقف على ذكر لمعنى ذلك، وأرى أن قوله: " المقفي" يراد به أنه خاتم الأنبياء والرسل، وأن دين الإسلام خاتمة الأديان، إذ جاء مقفيا للأنبياء والرسل والأديان، فصار من أسمائه قال ﷺ : «أنا محمد، وأحمد، والمقفي» (١)، وقوله: " الحاشر" لعل المراد أن أمته أول من يحشر يوم القيامة، وأول من يحاسب،
стр. 134
يؤيد هذا قوله ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» (١)، أي: نحن الآخرون في الخلق السابقون في الحساب والدخول إلى الجنة، فصار ذلك اسما له، قال ﷺ : «أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر» ثم وصف جبريل ﵇ خلقه ﷺ بأنه مستقيم عادل، وأن لسانه ﷺ صادق؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، أنه ﷺ ساكن النفس هادئ الطبع كريم الخلق.
ما يستفاد:
* ثبوت تلك الأوصاف لنبينا محمد ﷺ أيد هذا قول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى
خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٦ - (٩) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَدْرَكَ بِيَ الأَجَلَ الْمَرْحُومَ (٣)، وَاخْتَصَرَ لِيَ اخْتِصَاراً، فَنَحْنُ الآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنِّي قَائِلٌ قَوْلاً غَيْرَ فَخْرٍ: إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ، وَمُوسَى صَفِيُّ اللَّهِ، وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي فِي أُمَّتِي
стр. 135
وَأَجَارَهُمْ مِنْ ثَلَاثٍ: لَا يَعُمُّهُمْ بِسَنَةٍ (١)، وَلَا يَسْتَأْصِلُهُمْ عَدُوٌّ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ» (٢).
رجال السند:
عبد الله بن صالح تقدم حسن الحديث، ومعاوية، تقدم صدوق له أوهام، وعروة بن رُوَيم اللخمي أبو القاسم صدوق يرسل كثيراً، ولم يدرك ابن أم مكتوم، عمرو بن قيس بن زائدة بن أم مكتوم مؤذن رسول الله ﵁. هذه الرواية معضلة والخبرصحيح فيما تقدم من ألفاظه، وفيه زيادة بشارة للأمة.
الشرح:
تقدم بعض ألفظه، وقوله: «إن الله أدرك بي الأجل المرحوم» أي: جعل زمانه رحمة للأمة، وضاعف الله فيه لأجر لعباده الصاحين، رغم قلة العمل، كفرض الصلاة خمس مرات في اليوم، وهي خمسون في الأجر، ولذلك ضرب رسول الله ﷺ مثلا للأمة فقال: «مثلكم ومثل أهل الكتابين، كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم "، فغضبت اليهود،
стр. 136
والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملا، وأقل عطاء؟ قال: «هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا، قال: فذلك، فضلي أوتيه من أشاء" (١).
قوله ﷺ : «واختصر لي اختصارا» أي: أعطاه جوامع الكلم، فتملك الإيجاز، والإعجاز في الفصاحة، ويصح أن يكون المراد القرآن اختصر له أخبار من سبق من الأمم، وما نزل من الكتب، والتفضيل على الأمم لذلك قال ﷺ : «فنحن الآخرون، ونحن السابقون يوم القيامة» (٢)، والمعنى ما ورد في قوله ﷺ : «نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق» (٣)،
قوله ﷺ : «وإن الله وعدني في أمتي وأجارهم من ثلاث: لا يعمهم بسنة (٤)، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالة» هذا الوعد من الله تكريم لنبينا محمد ﷺ ، فقد سأل ربه ذلك زيادة فقال: «إني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيحهم فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسهم شيعا، ويذيق بعضهمبأسبعض فأبى علي، أو قال فمنعنيها، فقلت: حمى إذا أو طاعونا، حمى إذا أو طاعونا، حمى إذا أو طاعونا» ثلاث مرات (٥)، والمراد أن الله أمن الأمة من هلاك عام بشدة وجوع يقع فيها فتهلك عن بكرة أبيها، ولم يؤمن بعض
стр. 137
الأمة من وقوع شيء من ذلك، كما هو الحال في كل زمان، وأمنهم من عدو يستأصل الأمة بأسرها، وليس من ذلك ما قد يقع لبعض الأمة من عدوها، وأمنها من إجماع علمائها وعقلائها على ضلال، وليس منه وقوع الضلال من بعض الأمة، وفي رواية أحمد ﵀ عدم منع الأمن من الاختلاف والتفرق، فقد يكون ذلك سخطا من الله عليها، ومن عقوبة الأمة وقوع الأمراض الفتاكة، كما هو الحال في اليمن اليوم من وباء الكلرا، بسبب تسلط بعضهم على بعض، وما يحدث في سوريا والعراق اليوم وغيرها، لا ريب أن ذلك عقوبة من الله .
ما يستفاد:
*زيادة على ما سبق بيان بركة رسول الله ﷺ فكان زمنه رحمة للعالمين.
* بيان فضل الأمة إذ جعلها الله آخر الأمم وجودا في الدنيا، وأولها بعثا في الآخرة ودخولا الجنة.
* بيان حرص نبينا محمد ﷺ على الأمة كافة وسؤال ربه ألا يعمهم بعذاب.
* بيان أن عموم الأمة آمنة من الهلاك بالقحط الشامل.
* وأنها آمنة من عدو يبيدها عن بكرة أبيها.
* أن الأمة لا يجتمع علماؤها وعقلاؤها إلا على الحق، وهذا كله من رحمة الله بالأمة.
محمد بن المبارك، أبو عبد الله القلانسي، ثقة إمام، ومعاوية بن يحيى، هو أبومطيع الدمشقي، صدوق، أرطأة بن المنذر، هو أبو عدي الحمصي، ثقة إمام، لم يرو له الشيخان، وضمرة بن حبيب أبو عتبة الزبيدي الحمصي، ثقة، ومسلمة السكوني، وقال غير محمد بن المبارك: سلمة السكوني، فإن وقع التصحيف في الاسم فقط، فسلمة له صحبة، وهو من زبيد باليمن نزل حمص.
الشرح:
هذا حديث حسن، قوله: " إذ قال قائل " القائل صحابي دون شك، كأن علمه بمائدة عيسى ﵇ دفعه إلى هذا، قوله: «نعم أتيت بطعام» وثبت، أن الصحابة ﵃ كانوا في صلاة الخسوف مع رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت، قال: «إني أريت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» (١)، قوله: "هل كان فيه من فضل؟ " المراد الطعام وهو غير العنب، ثم بين أنه رفع إلى السماء.
قوله: «وقد أوحي إليّ أني غير لابث فيكم إلا قليلا».
هذا إخبار بدنو أجله ﷺ ، وأنهم يبقون بعده والخطاب للأمة حتى يقول الصالحون منهم متى، متى؟ اللحوق به ﷺ لما يرون من الفتن، وإن خاصا بالصحابة ﵃ فالمراد أنهم يقولون: متى؟ متى؟، يعني اللحوق بالرسول ﷺ شوقا إلى صحبته في الجنة كما صحبوه في الدنيا، قوله: «ثم تأتوني أفنادا
стр. 140
يفني بعضكم بعضا» أي: جماعات مختلفين، فيه إشارة إلى ما وقع بين الصحابة من الخلاف وقتال بعضهم بعضا، وليس هذا واقع حالهم بل يعم حال الأمة إلى يوم القيامة، بسبب اختلافهم في الاعتقاد، وحب الدنيا وشهواتها، ونهى عن اقتتال الأمة أشد النهي فقال: «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض» (١)، ولعل هذا لا يراد به الكفر الحقيقي؛ لأن بعض الأعمال يطلق عليه الكفر تغليظا، إلا من استحل ما حرم الله ، قوله: «بين يدي الساعة موتان» أي: موت بسبب المرض كالطاعون، وآخر بسبب كثرة القتل قال ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج: وهو القتل القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض، بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مُوتَان شديد، وبعده سنوات الزلازل» (٢)، وقد كثر القتل بأسباب كثيرة منها قتل الناس بعضهم بعضا، وما يكون بسبب الزلازل، والعواصف، والفيضانات، وحوادث الطرق، وقد ذكر من ذلك الطاعون كتب لحقا في هامش بعض النسخ الخطبة، ولعل هذا أبرز الأسباب في زمان المعلق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٥٨ - (٢) أَخْبَرَنَاْ عثمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَي الْقَوْمِ، فَتَعَاقَبُوهَا إِلَى الظُّهْرِ مِنْ غُدْوَةٍ يَقُومُ قَوْمٌ
стр. 141
وَيَجْلِسُ آخَرُونَ، فَقَالَ رَجُلٌ لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَمَا كَانَتْ تُمَدُّ؟ فَقَالَ سَمُرَةُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبُ؟ مَا كَانَتْ تَمُدُّ إِلاَّ مِنْ هَاهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ" (١).
رجال السند:
عثمان بن محمد بن أبي شيبة، أبو الحسن ثقة إمام، حديثه في الصحيحين، ويزيد بن هارون، أبو خالد الواسطي، ثقة إمام قدوة، وسليمان التيمي ابن طرخان، أبو المعتمر، إمام ثقة، وأبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير البصري، ثقة إمام.
الشرح:
الحديث حسن، وفيه ذكر معجزة وكرامة لنبينا محمد ﷺ ودلالة على صدق
نبوته ورسالته، قوله: " فقال رجل لسمرة بن جندب: أما كانت تمد؟ " كأن القائل استغرب كثرة القوم يأكلون من القصعة، دون أن يزاد الطعام فيها، ولذلك قال سمرة ﵁: "من أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا من ههنا، وأشار بيده إلى السماء" أي: ما كان يزاد الطعام في القصعة من الأرض، وإنما المدد من عند الله ، ولو بقي القوم عليها سنة جلوسا لأكلون دون مدد من الأرض؛ لأنها معجزة لنبينا محمد ﷺ .
ما يستفاد:
* التصديق بالمعجزات وأنها تأييد من الله للرسل ﵈.
* الإيمان بأن الله على كل شيء قدير.
стр. 142
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠ - بابٌ فِي حُسْنِ النَّبِيِّ ﷺ -
٥٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَشْعَثَ ابْنِ سَوَّارٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ ضِحْيَانٍ (١)، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْقَمَرِ، قَال: فَلَهُوَ (٢) كَانَ أَحْسَنَ فِي عَيْنِي مِنَ الْقَمَرِ" (٣).
رجال السند:
محمد بن سعيد الأصبهاني ثقة تقدم، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، حافظ ثقة، تقدم، وأشعث بن سوار القاضي الكوفي، ضعفه الجمهور، وأبو إسحاق، السبيعي، إمام تقدم.
الشرح:
قوله «في ليلة ضحيان» أي" مضيئة شبيهة بالضحى، إذا كانت صافية مقمرة، قوله: «وعليه حلة حمراء» الحلة إزار ورداء من لون واحد، ولا يقال لها حلة إلا أن تكون كذلك، وفي لبسها خلاف، والظاهر الجواز ما لم تكن لباس شهرة، أو كبرياء.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
стр. 143
٦٠ - (٢) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ (١)، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ الزُّهْرِيُّ قال: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَخِي مُوسَى، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ (٢) ثَنَايَاهُ " (٣).
رجال السند:
إبراهيم بن المنذر، أبو إسحاق الأسدي الحزامي، إمام ثقة، وعبد العزيز ابن أبي ثابت عمران الزهري، ضعف لكثرة غلطه بعد احتراق كتبه، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، ابن أخي موسى، عمه موسى بن عقبة، أبو محمد، فقيه ثقة، أول من ألف في المغازي، وكريب بن مسلم، أبو رشدين إمام ثقة.
الشرح:
قول: «أفلج الثنيتين، إذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه».
هذا من صفة خلقة رسول الله ﷺ ، فقد كان بعيد ما بين الثنايا، فبدنه ﷺ مشتمل على أكمل الحسن، وقد ذكرت أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يخصف نعله، وكانت تغزل قالت: فنظرت إلى رسول الله ﷺ فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتوقد نورا قالت: فبهت، قالت: فنظر إلي فقال: «ما لك بهت؟» فقلت: يا رسول الله نظرت إليك فجعل جبينك
стр. 144
يعرق وجعل عرقك يتولد نورا فلو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره قال: «وما يقول يا عائشة أبو كبير الهذلي؟» فقالت: يقول:
ومبرأ من كل غبر حيضة … وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه … برقت كبرق العارض المتهلل
قالت: فوضع رسول الله ﷺ ما كان في يده وقام إلي فقبل ما بين عيني وقال: «جزاك الله يا عائشة خيرا ما سررت مني كسروري منك» فكل شيء في رسول الله ﷺ جميل، سواء في الخَلْق أو الخُلُق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦١ - (٣) أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قال: أَنبأ
مِسْعَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ:
" مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَنْجَدَ وَلَا أَجْوَدَ وَلَا أَشْجَعَ وَلَا أَضْوَأَ وَأَوْضَأَ (١) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٢).
رجال السند: محمود بن غيلان، أبو محمد المروزي، إمام ثقة، ويزيد بن هارون ثقة تقدم، ومسعر بن كدام الكوفي، أبو سلمة إمام ثقة، وعبد الملك بن
стр. 145
عمير، لم يدرك ابن عمر، وما ذكر من الصفات لا ريب أنها تليق برسول الله ﷺ .
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٦٢ - (٤) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ (١) بْنُ مُوسَى، ثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: صِفِي لَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: " يَا بُنَيَّ لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً " (٢).
رجال السند:
إبراهيم بن المنذر الحزام، إمام ثقة، تقدم، وعبد الله بن موسى أبو محمد
الطلحي، صدوق كثير الخطأ، وهذا مما لم يخطئ فيه، وأسامة بن زيد الليثي، أبو محمد لابأس به، وأبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وثقه الإمامان أحمد وابن معين، الربيع بنت معوذ بن عفراء، والدها من البدريين ﵄.
قال الدارمي ﵀:
٦٣ - (٥) أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنْبَأَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَمَا مَسِسْتُ حَرِيرَةً وَلَا دِيبَاجَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّهِ، وَلَا شَمِمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَتِهِ، مِسْكَةً وَلَا غَيْرَهَا ".