← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 912

شرح مسند الدارمي

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (2 613 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المراد أن أسنمة الإبل تنفطر وتنشق من كثر السمن، والمسألة فيها الخلاف بين العلماء شديد، فقد طعن العلماء في صحة هذه الرواية وتكلموا في بعض رواتها، من غير طريق الدارمي هذه فإن سندها حسن، ولا سبيل إلى الطعن في رواتها، ولكن أن هذا واقعة عين لا تقوى على رد عدم جواز الاستشفاع برسول الله ﷺ ، وما ذكر عن عمر ﵁ أن خازنه على الطعام قال: " أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مستقيمون وقل له: عليك الكيس، عليك الكيس. فأتى عمر فأخبره فبكى عمر ثم قال: " يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه " (١). هذه قصة فيها نظر، إن عرفنا خازن عمر على الطعام، واسمه مالك بن عياض، سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان، ولكن من الرجل الذي ذهب إلى قبر الرسول ﷺ ؟، وهل توقف القحط بعد ذلك في عهد عمر ﵁؟، ومتى كان عام الرمادة الذي اشتد فيه القحط والشدة، حتى علا وجوه الناس مثل الرماد من الجوع، ولماذا لا يذهب إلى القبر بنفسه ﵁، ويخاطب الرسول ﷺ ، وهو الذي سماه الفاروق، ولم لمّا احتاج الناس إلى طلب السقيا نادى عمر ﵁ العباس وقال: " اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبيك ﷺ واستسقينا به فسقيتنا، وأنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك ﷺ فاسقنا " (٢). وقد

стр. 212

يقال: فبمن نستسقي اليوم إذا أصابنا القحط، بالرجل الصالح المستقيم المزكى، فيدعوا كما دعا العباس والناس يؤمنون، وإلا بالتوسل إلى الله فقد قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١). ما يستفاد: * جواز طلب الفتوى من المرأة العالمة. * قد يصيب الناس قحط وشدة ليذكروا ربهم، ويحاسبوا أنفسهم. * أن القحط سبب للتوبة والاستغفار، وقد دعا نوح قومه فقال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٢). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٩٥ - (٢) أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: " لَمَّا كَانَ أَيَّامُ الْحَرَّةِ لَمْ يُؤَذَّنْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثاً وَلَمْ يُقَمْ، وَلَمْ يَبْرَحْ سَعِيدُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ الْمَسْجِدَ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ وَقْتَ الصَّلَاةِ إِلاَّ بِهَمْهَمَةٍ يَسْمَعُهَا مِنْ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ " فَذَكَرَ مَعْنَاهُ (٣). رجال السند: مروان بن محمد الطاطري، أبو بكر أو عبد الرحمن، إمام ثقة، أخطأ ابن حزم في تضعيفه، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي، أبو محمد أو عبدالعزيز

стр. 213

الدمشقي، شيخ العلم بعد الأوزاعي، إمام ثقة. الشرح: قوله: «لما كان أيام الحرة لم يؤذّن في مسجد النبي ﷺ ثلاثا ولم يقم». كانت واقعة الحرة بقيادة مسلم بن عقبة، في سنة ثلاث وستين من الهجرة، وكان سببها مطالبة بعض أهل المدينة، خرجوا يريدون خلع يزيد بن معاوية، فأرسل إليهم جيشا قوامه اثنى عشر ألفا، فجرى في المدينة قتال وخوف، وتفصيل ذلك في كتب السنة وغيرها. قوله: «ولم يبرح سعيد بن المسيب المسجد». هو سعيد بن المسيِّب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، أحد الفقهاء السبعة، اتفق علماء الحديث على أن مرسلاته أصح المراسيل، توفي ﵀ سنة ثلاث وتسعين من الهجرة. روى أبو حازم عن سعيد نفسه ما يؤيد هذه الرواية قال: قال: " سمعت سعيد ابن المسيب يقول: لقد رأيتني ليالي الحرة وما في المسجد أحد من خلق الله غيري. وإن أهل الشام ليدخلون زمرا زمرا، يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ المجنون. وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت أذانا في القبر ثم تقدمت فأقمت فصليت وما في المسجد أحد غيري" (١). قوله: «وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي ﷺ ».

стр. 214

بينت رواية أبي حازم أنه الأذان، وليس ذلك بغريب على من في القبر، ولا على من في المسجد، فالله عليم بفضل كل منهما، فكانت هذه كرامة الله لسعيد الهارب من الفتنة، أن يذكره الله فيسمع الأذان من قبر المصطفى ﷺ . ما يستفاد: * بيان ما تجلبه دعوى نقض البيعة من بعض الناس من الشر والفتنة، ولقد جلب دعاتها شرا على الناس عظيما في المدينة. * لم يكن الخروج على يزيد مشروعا، فلم لديه كفر بواح يقتضي ذلك. * اعتزال سعيد بن المسيب الفتنة وهو من الفقها المعتبرين يؤيد عدم جواز الخروج. * بيان كرامة الله لعباده الصالحين. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٩٦ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِى خَالِدٌ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي هِلَالٍ - عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّ كَعْباً دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ كَعْبٌ: مَا مِنْ يَوْمٍ يَطْلُعُ إِلاَّ نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يَحُفُّوا بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا عَرَجُوا وَهَبَطَ مِثْلُهُمْ فَصَنَعُوا مِثْلَ

стр. 215

ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا انْشَقَّتْ عَنْهُ الأَرْضُ خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَزِفُّونَهُ (١). رجال السند: عبد الله بن صالح كاتب الله صدوق تقدم، والليث بن سعد: إمام تقدم، وخالد ابن يزيد أبو العلاء ثقة تقدم، وسعيد بن أبي هلال ثقة رد تضعيف ابن حزم، ونبيه بن وهب بن عثمان المدني، إمام ثقة. الشرح: هذه الرواية هي آخر ما ورد من كتاب فضائل نبينا محمد ﷺ وسبق أن قلت عند أول رواية الدارمي في هذا المسند: لم يهتم الرعيل الأول من الأئمة المؤلفين كثيرا بذكر تصنيف الكتب وما يندرج تحتها من أبواب، ولا الأبواب وما يندرج تحتها من فصول، وكذلك الفصول وما يندرج تحتها من مباحث، وعلى ذلك شوش الدارمي ﵀، فتارة يذكر الباب ويسميه كما هنا، وتارة يذكره منكّرا فيقول: باب، ولا يسميه، وتارة يقول: كتاب، وأخرى: ومن كتاب، وما بدأ به هنا منه ما يندرج تحت كتاب علامات النبوة، ومنه ما يكون تحت كتاب الفضائل.

стр. 216

قوله: «أن كعبا» هو كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق، مشهور بكعب الأحبار ثقة مخضرم، أدرك عهد النبي ﷺ ولم يره، أسلم في خلافة عمر ابن الخطاب ﵁، من أهل اليمن سكن الشام، مات في خلافة عثمان ﵁، وقد زاد على المائة، روايته عن النبي ﷺ مرسلة. قوله: «دخل على عائشة». يفيد أن روايته عنها موصولة وليست مرسلة. قوله: «فذكروا رسول الله ﷺ » يفيد أن معه غيره في الدخول على أم المؤمنين ﵂ تسمعهم من وراء حجاب. قوله: «فقال كعب: ما من يوم يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بقبر النبي ﷺ ، يضربون بأجنحتهم ويصلون على رسول الله ﷺ ، حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يزفونه». هذا لا غرابة فيه بالنسبة لرسول الله ﷺ ، فهو أهل لهذا التكريم، ولكن من أين هذا لكعب؟! ولم يدرك رسول الله فيقال رواه عنه، لا سبيل لعلم كعب هذا إلا أن يكون من علم أهل الكتاب، فنحن لا ننكر فضل المصطفى ﷺ ، وتكريم الله له، ولكن نطلب المصدر الذي استقى من كعب رحمه الله

стр. 217

هذا، فليس الا الاسرائيليات، ولاسيما أنه لم يسند قوله هذا إلى أحد. والعجب أن أهل العلم ﵏ تناقلوه من رواية كعب، ورووه ودونوه في مصنفاتهم، ولم أقف على من استفهم عن مصدر علم كعب ﵀ بهذا، فإن كان من أهل الكتاب وكعب منهم قبل الإسلام، فأمرنا ألا نصدق ولا نكذب. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٦ - بابٌ اتِّباعِ السّنَّةِ (١) ٩٧ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيد قَالَ: حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ ثُمَّ وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ» وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ مَرَّةً: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٢). رجال السند: أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل، إمام ثقة جليل، وثور ابن يزيد الحمصي، أبو يزيد الرحبي، إمام ثقة، وخالد بن معدان ثقة

стр. 218

تقدم، وعبد الرحمن بن عمرو بن عبسة، عبسة السلمي، له حديث الموعظة هذا. الشرح: قوله: «صلى لنا رسول الله ﷻ صلاة الفجر، ثم وعظنا». ورد أيضا في بعض الروايات صلى بنا، وكلاهما جائز، أي: إماما في صلاة الفجر، حدد العرباض ﵁ أنه كان بعد الفجر. قوله: «موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب». المراد أنه ﷺ أقبل عليهم بوجهه وألقى عليهم موعظة ظهر فيها بيانه ﷺ ، وأبلغ في الإنذار، فذرفت العيون من بلاغتها، وخافت القلوب من وعيدها، وقد استمال قلوبهم ببلاغته ﷺ ، وقد أعطي جوامع الكلم في حديثه وخطبه. قوله: «قال قائل». القائل هم الصحابة ﵃، يدل على هذا تأثرهم وبكاؤهم وخوفهم، وهذا تؤيد رواية "فقلنا: يا رسول الله! إن هذه موعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ " (١). قوله: «كأنها موعظة مودع فأوصنا». استشعر ذلك القائل أو القائلون من بلاغة الموعظة، والتركيز أعلى مور بكت منه عيونهم، وخافت منها قلوبهم أن ذلك يشير إلى دنو الأجل، أنه أنهم لما رأوا حرص رسول الله ﷺ على ذكر أمور هالتهم وأخافتهم، فشبهوه ﷺ براحل أوصى أهله بماينفعهم وحذرهم مما يهلهم، فبادروا إلى طلب الوصية، ومعلوم أن الوصية لا يترك فيها أمر ذو بال.

стр. 219

قوله: «أوصيكم بتقوى الله». بدأ الوصية بتقوى الله ؛ لأنها رأس كل أمر، وفيها جماع الخير والبركة والرزق، والفكاك من شر وبلاء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (٣) وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (١). فأي خير يتمناه المسلم في الدنيا بعد هذا، فتقوى الله هي الطريق الصحيح في الدنيا ومنها إلى الجنة، والتقوى المراد أن تحرص على الحلال فيما تأتي من مطعم ومشرب، وبيع وشراء، وأن تعاشر بالحلال، وتتعامل بالمعروف، وأن تذر الحرام مما سلف ذكره، قال رسول الله ﷺ : «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم، كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» (٢). قوله: «والسمع والطاعة». المراد لولاة الأمر، وهما طرفان يشد بعضهما بعضا، ولاة الأمور في السياسة الشرعية، وهم العلماء لهم بيان ما تدل عليه النصوص من الكتاب والسنة من المصالح الدينية والاجتماعية والاقتصادية، والطرف الثاني ولي الأمر في السياسة العامة، وهو رأس الهرم في الدولة له حق الطاعة كما هو للعلماء، ولذلك جمع بين السمع والطاعة تأكيداً للاعتناء بهذا المقام، ولأهمية

стр. 220

طاعة أولياء الأمور؛ لأنها حجاب المصالح ورعاية العدل في الحقوق والوجبات قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١). وهذا ربط عظيم بين ثلاث طاعات مفروضة بالنص من الله ليس فيها مجال للاجتهاد، ولا ينفك بعضها عن بعض، فمن أطاع الله فهو باللزوم يطيع رسول الله ﷺ ، ومن أطاع الرسول لزوما يطيع الله ، ومن عصى الله فقد عصى الرسول ﷺ ، ومن عصى الرسول ﷺ ، فهو عاص لله ، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» (٢)، ثم لم يعد الفعل ﴿وَأَطِيعُوا﴾ فلم يقل: وطيعوا أولي الأمر منكم بل قال : ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ لأن طاعة ولي الأمر مرتبطة بطاعة الله ورسوله ﷺ ، فجرى العطف بدون ذكر الفعل، ليعلم أنه لا طاعة لولي الإمر إلا إذا أطاع الله ورسوله ﷺ . قوله: «وإن كان عبدا حبشيا». المراد وجوب طاعة من يوليهم ولي الأمر على جهات الدولة، فطاعتهم واجبهم تنفيذا لطاعة ولي الأمر، وإن كان المولّى عبدا، لذلك قال أبو ذر ﵁: " إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا مجدّع الأطراف" أي: وإن حقيرا في نظر الآخرين، وهذه مبالغة في وجوب الطاعة، وقد

стр. 221

يذكر المثل للشيء بما لم يكن موجودا، وقد ضرب رسول الله ﷺ مثلا لأجر من بنى لله مسجداً فقال: «ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة» (١)، ومعلوم أن قدر مفحص قطاة لا يمكن أن يستوعب قدم إنسان، وضرب مثلا لقوة العدل والجزم فيه فقال: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٢). وبعد أن ربط الله الطاعات الثلاث لزوما بين ما يجب على أولياء الأمور فيما لو وقع الخلاف بينهم في أمر ما فقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣)، أمر تعالى بالرد إلى كتابه وسنة رسوله في حال التنازع في أي أمر كان سواء بين المسلمين، أو بينهم وبين ولاة الأمر؛ فذلك الرد علامة الإيمان الصحيح، قال : ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤)، في ذكر الإيمان باليوم الآخر نوع وعيد بعقاب المسيء، وبين تعالى أن ذلك الرد الذي أمر به فيه الخير والنظر الصائب، لا ما يختاره العباد فقال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥). قوله: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا».

стр. 222

فيه إشارة إلى أن بعضهم سيدرك هذا الخلاف قبل موته، وهذا ما حدث فعلا، فأول الخلاف كان في عهد عثمان ﵁، وأخذ في الاتساع ولاسيما في عهد علي ﵁، وتنامت الفرق الضالة بعد ذلك، وهي في ازدياد إلى يومنا هذا، وإلى أن تقوم الساعة وهذا من بعض معجزات نبينا محمد ﷺ إذا أخبر أصحابه ﵃ بما يكون بعده من الاختلاف، وغلبة المنكر، ولم يذكر ذلك على التفصيل مع علمه به ولو شاء لسمى الأعيان، وإنما حذر منه على العموم، وقد بين ذلك لبعض الصحابة ﵃ كأبي هريرة ﵁ «حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم» (١)، وقد اختص حذيفة ﵁ فذكر له بعض المنافقين. قوله: «فعليكم بسنتي». المراد تمسكوا بها، وهي طريقته بينة الأحكام في الحلال والحرام، والتوحيد وما يجب التمسك به في الطريق إلى الجنة من الأقوال والأفعال. قوله: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين». المراد بالراشد من عرف الحق والتزمه، والخلفاء الراشدون هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، وصفهم الرسول ﷺ بالرشد، وبالاهتداء؛ استمعوا الحق فعرفوه والتزموه، وهم مبشرون بالجنة. قوله: «عضوا عليها بالنواجذ». النواجذ: هي الأنياب، وليست الثنايا، وهذا مبالغة في شدة التمسك بسنته ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين، لأن في ذلك جماع الخير والفلاح.

стр. 223

قوله: «وإياكم والمحدثات». والمحدث من الأمور في الدين ما خالف الكتاب والسنة، وما لا أصل له في الشرع، وجامعها البدع، وذلك من الخديعة للأمة، قال رسول الله ﷺ : «الخديعة في النار، من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١). قوله: «وقال أبو عاصم» هو النبيل إمام ثقة تقدم. قوله: «فإن كل بدعة ضلالة». وصف النبي ﷺ كل البدع بأنها ضلال؛ لأن المبتدع يرجع إلى الاختلاف الذي تقدم تحذير الرسول ﷺ منه، والاختلاف سبب التفرق المذموم وشتات الأمر، فلا يكون شيء من البدع حسنا؛ فكل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة، ومن ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة؛ إذ لم يؤدها كما أمر، وهذا باطل في حقه ﷺ ، وأخبر الله بكمال الدين قبل موته ﷺ بثلاثة أشهر في حجة الوادع فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢)، ولو لم يكمل النبي ﷺ الرسالة كما أمره الله لما جاء هذا النص الكريم. ما يستفاد: * أن من أسباب ترقيق القلوب المبالغة في الترغيب والترهيب، وهو أساس في الموعظة.

стр. 224

* أن الإصغاء في المواعظ يفيد في استنتاج بعض ما يرمي إليه الواعظ، فقد فهم الصحابة ﵃ من مبالغته في الموعظة أنه ﷺ يودعهم. * جواز طلب الزياد في النصيحة ولو وجد في الموعظة ما يخيف ويرعب. * الموعظة اشتملت على إخبار بغيب، مما يقع بعد موته ﷺ ، وهو ما عاينه بعض الصحابة ﵃ في عهد عثمان ﵁، وما بعده. * أن تقوى الله من أعظم ما يحرص عليه المسلم؛ لأنها سفينة النجاة في الدنيا والآخرة. * أن في الطاعة لله ورسوله ﷺ وأولوا الأمر سعادة الدنيا والآخرة. * أن الصبر على التمسك بالسنة عاقبته حميدة رغم الشدة في ذلك، لذلك مثّل لها بالعض الشدي بالنواجذ: وهي الأنياب، لأهمية الصبر عليها. * العمل بأقوال الخلفاء الراشدين واعتبارها سنة، وذلك لمعرفتهم الحق والتزامه. * الحذر من مخالفة الكتاب والسنة، وعدم الإحداث في الدين ما ليس منه. * أن من يبتدع في الدين فقد ضل طريق المؤمنين. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٩٨ - (٢) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةَ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: الاِعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ، وَالْعِلْمُ يُقْبَضُ قَبْضاً سَرِيعاً، فَنَعْشُ الْعِلْمِ ثَبَاتُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَفِي ذَهَابِ الْعِلْمِ ذَهَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ (١).

стр. 225

رجال السند: أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الحمصي، يمني من خولان، إمام ثقة، والأوزاعي (١) عبد الرحمن بن عمرو إمام ثقة تقدم، ويونس بن يزيد الأيلي، هو أبو يزيد مولى معاوية، راوية الزهري، إمام ثقة، والزهري محمد بن مسلم إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام … » هذا قول الزهري ﵀ وهو محمد بن مسلم، كان رأسا في التمسك بالكتاب والسنة، ومحاربة ما خالفهما، وفي رواية قال: بلغنا عن رجال وصفهم بأنهم من أهل العلم، وهذا يؤيد أنهم من المعروفين بالعلم، والاستقامة على السنة. يؤيد هذا قولهم: «الاعتصام بالسنة نجاة». وهذا أصله قول الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢)، وهو منهج السلف ﵏ ؛ لأن حبل الله القرآن، والسنة النبوية، ولذلك لم يسم هذا المنهج مذهبا في الإسلام في الصدر الأول؛ لأنه هو الإسلام كله، وكل كل لا يتجزأ، ولا يجوز أن تفترق فيه الأمة، وقد بسطنا القول في المراد بمنهج السلف في كتابنا " الهادي والمهتدي".

стр. 226

قوله: " فَنَعْشُ " النعش: من أسماء السرير في بعض حالاته: وهي حين يكون عليه الميت، وإذا كان للملك فيقال: عرش، وإذا كان للعرس فأريكة، وللثياب فهو النضد (فقه اللغة ١/ ٥٤). قوله: «والعلم يقبض قبضا سريعا». المراد بموت العلماء الربانيين، قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعا، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويبقي في الناس رؤوسا جهالا، يفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون» (١). قوله: «فنعش، العلم ثبات الدين والدنيا». ثبت أن قوله: " فنعش" تصحيف تقدم بيانه في التعليق، والمراد بالعلم: العلم الشرعي المترتب عليه الثواب والعقاب، وهو ثبات الناس على الحق في اعتقادهم وعبادتهم ومعاملاتهم، فالدين المراد به ما يتعلق بالآخرة، والدنيا ما يتعلق بالحياة، وقد وصف ذلك بالثبات لشدة الارتباط بما يتعلق بالمعاد والمعاش، والمصالح فيهما. قوله: «وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله». المراد أن ذهاب العلم بموت العلماء الربانيين ذهاب للدين والدنيا، فذهاب العلماء يورث في الناس رؤوسا جهالا، يفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون. ما يستفاد: * المعتصمون بالكتاب والسنة هم العلماء الربانيون حقا.

стр. 227

* التنبيه على وجوب التمسك بالسنة، وهي ما صح من قول رسول الله ﷺ أو فعله أو تقريره. * أن بقاء العلماء الربانيون في الأمة ضمان لهم بإذن الله من جهلاء الناس، وهذا يلزم منه توقير العلماء. * أن ذهاب العلم يكون بموت العلماء. * أن الجهل يقود إلى الضلال، والقول على الله ﷻ بالباطل. * أن من يفتي بغير علم خطر على الأمة؛ لأنه يقودها إلى الضلال عما شرع الله . * أن العلم بالشرع أساس قيام الدين، وصلاح الدنيا. * أن الدين وصلاح الدنيا يذهب بذهاب العلماء. * أن الضلال والفساد والفتن تكون ظاهر بفتاوى الجهال. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٩٩ - (٣) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: بَلَغَني أَنَّ أَوَّلَ الدِّينِ تَرْكاً السُّنَّةُ، يَذْهَبُ الدِّينُ سُنَّةً سُنَّةً كَمَا يَذْهَبُ الْحَبْلُ قُوَّةً قُوَّةً (١). رجال السند: أبو المغيرة تقدم آنفا، والأوزاعي تقدم، ويحيى بن أبي عمرو الشيباني، أبو زرعة الحمصي، ابن عم الأوزاعي إمام ثقة، وعبد الله بن فيروز الديلمي، أبو بشر من كبار التابعين ثقة.

стр. 228

الشرح: قوله: «إن أول الدين تركا السنة» المراد أن السنة تترك بقيام البدعة؛ لأن كل ما قامت بدعة ماتت سنة، ولذلك قال رسول الله ﷺ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، وقال ﷺ : «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (٢). قوله: «يذهب الدين سنة سنة، كما يذهب الحبل قوة قوة». المراد أنه يضعف بظهور ما يبتدع شيئا فشيئا، كضعف قوة الحبل، حتى يَخْلَق ويَرِم، ويذهب الدين كلية بتوالي موت العلماء الربانين سنة بعد سنة. ما يستفاد: * علاوة على ما سبق، فيه بيان أن النجاة في التمسك بالسنة. * وأن الهلاك في البدع ومحدثات الأمور. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٠٠ - (٤) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ قَالَ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلاَّ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (٣).

стр. 229

رجال السند: أبو المغيرة، والأوزاعي، تقدما وكلاهما إمام ثقة، وحسان بن عطية المحاربي، إمام ثقة، أثنى عليه الأوزاعي. الشرح: قوله: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم، إلا نزع الله من سنتهم مثلها». هذا يؤيد ما تقدم ذكره، من شدة خطر البدع؛ لأنها إحداث بسم الدين ما هو باطل وغير مشروع. قوله: «ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة». المراد أن الباطل حل محلها وتشرّب الجهال العمل به، فلا يقبلون العمل بالسنة وإن دُعُوا إليها؛ لأن البدع منبعها الأهواء والرغبات الباطلة. ما يستفاد: * بيان أن السنة والبدعة عدوان لدودان لا يجتمعان أبدا، وانظر ما سبق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٠١ - (٥) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً إِلاَّ اسْتَحَلَّ السَّيْفَ (١). رجال السند: مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، إمام ثقة تقدم، ووهيب بن خالد بن عجلان الباهلي، إمام ثقة، يملي من حفظه، وكان عالما بالرجال، وأيوب

стр. 230

السختياني، إمام ثقة تقدم، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عالم بالقضاء، فارٌّ منه، إمام ثقة، قال أيوب: كان والله من الفقهاء ذوي الألباب. الشرح: قوله: «ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف». المراد استحل قتل من خالفه في بدعته، وسفك دماء الناس بسبب باطل دعا إليه، ولذلك أدب عمر ﵁ صبيغا لما قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وجعل يسأل عن متشابه القران، فاستدعاه عمر ﵁، هلّ ما في رأسه من ضلال، حتي قال: يا مير المؤمنين حسبك، قد ذهب الذي كنت أجد، وستأتي قصته عند الدارمي لا حقا. ما يستفاد: * أن البدعة استحلال للدماء والأعراض والأموال. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٠٢ - (٦) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (١)، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: " إِنَّ أَهْلَ الأَهْوَاءِ أَهْلُ الضَّلَالَةِ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلاَّ النَّارَ، فَجَرِّبْهُمْ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَنْتَحِلُ قَوْلاً - أَوْ قَالَ حَدِيثاً - فَيَتَنَاهَى بِهِ الأَمْرُ دُونَ السَّيْفِ، وَإِنَّ النِّفَاقَ كَانَ ضُرُوباً، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢)، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا

стр. 231

هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (١)، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ (٢)، فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ وَاجْتَمَعُوا في الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ وَاجْتَمَعُوا فِي السَّيْفِ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلاَّ (٣) النَّارَ". قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ قَالَ أَيُّوبُ عِنْدَ ذَا الْحَدِيثِ، أَوْ عِنْدَ الأَوَّلِ: وَكَانَ وَاللَّهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ ذَوِي الأَلْباب. يَعْنِي أَبَا قِلَابَةَ (٤). رجال السند: سليمان بن حرب بن بجيل أزدي، أبو أيوب البصري، إمام ثقة، وحماد ابن زيد، وأيوب السختياني، وأبو قلابة الجرمي، أئمة ثقات تقدموا. الشرح: قوله: «إِنَّ أَهْلَ الأَهْوَاءِ أَهْلُ الضَّلَالَةِ» لتركهم السنة، وأخذهم البدعة، ولذلك قال: «وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلاَّ النَّارَ» ويؤيد هذا قول الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٥). قوله: «فَجَرِّبْهُمْ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَنْتَحِلُ قَوْلاً - أَوْ قَالَ حَدِيثاً - فَيَتَنَاهَى بِهِ الأَمْرُ دُونَ السَّيْفِ»؛ لأنهم زنادقة، لم يعجبهم شرع الله، فانتحلوا من

стр. 232

البدع ما أضلوا به وأضلوا، وذكر من أهل الأهواء المنافقين، والنفاق أنواع، ثم أورد ﵀ ما يدينهم من الكتاب وتَلَا: الآيات قال الله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (٢)، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ (٣)، فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ وَاجْتَمَعُوا في الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ وَاجْتَمَعُوا فِي السَّيْفِ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلاَّ النَّارَ". قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ قَالَ أَيُّوبُ عِنْدَ ذَا الْحَدِيثِ، أَوْ عِنْدَ الأَوَّلِ: وَكَانَ وَاللَّهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ ذَوِي الأَلْباب. يَعْنِي أَبَا قِلَابَةَ (٤). فالمراد أن الأهواء منها الحسن والقبيح، فالحسن ما وافق الشرع، قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (٥). والقبيح: ما خالف الشرع ورد العمل به، ومن كان هذا حاله فإنه يهوي في نار جهنم.

стр. 233

ما يستفاد * التحذير من البدع فأكثر ما تكون الأهواء في العبادات. * الأصل في العبادة التوقيف، والحضر فلا يزاد فيها، ولا ينقص منها. * عدم جواز التقرب إلى الله بعمل لا يوافق الكتاب والسنة. * ضلال من لم تكن السنة منهجه، يؤيد عذا قوله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١). * أن في عمل المبتدع تهمة للنبي بأنه لم يبلغ الدين كما أراد الله . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٧ - بابٌ التَّوَرُّعِ عَنِ الْجَوَابِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ ١٠٣ - (١) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ: " أَنَّهُمَا كَانَا جَالِسَيْنِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُمَا عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِحُذَيْفَةَ: لأَيِّ شَيْءٍ تُرَى يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا؟، قَالَ: يَعْلَمُونَهُ ثُمَّ يَتْرُكُونَهُ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: مَا سَأَلْتُمُونَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ نَعْلَمُهُ أَخْبَرْنَاكُمْ بِهِ، أَوْ سُنَّةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرْنَاكُمْ بِهِ، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِمَا أَحْدَثْتُمْ " (٢).

стр. 234

رجال السند: عمرو بن عون الواسطي، أبو عثمان السلمي، إمام ثقة، حافظا لحديث شيخه خالد بن عبد الله المزني، أبو الهيثم أو محمد، إمام ثقة، وعطاء ابن السائب صدوق تقدم، وعامر الشعبي، من كبار التابعين، رأى الجم الغفير من الصحابة ﵁، إمام ثقة جليل. الشرح: قوله: «ابْنِ مَسْعُود، وَحُذَيْفَةَ». ابن مسعود هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁، وحذيفة هو ابن اليمان ﵁، أمين سر رسول الله ﷺ . قوله: «أَنَّهُمَا كَانَا جَالِسَيْنِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُمَا عَنْ شَيْءٍ». المراد سألهما عن أمر ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ . قوله: «لأَيِّ شَيْءٍ تُرَى يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا؟». استفسار ابن مسعود ﵁ من حذيفة ﵁ يدل على استغراب ابن مسعود لما سئل عنه، وأنه لم يكن موافقا للشرع، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: «مَا سَأَلْتُمُونَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ نَعْلَمُهُ أَخْبَرْنَاكُمْ بِهِ، أَوْ سُنَّةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرْنَاكُمْ بِهِ». المراد إذا كان ما تسألون جوابه في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ أجبناكم بما في الكتاب والسنة. قوله: «وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِمَا أَحْدَثْتُمْ». المراد المسائل الشاذة؛ لأن ذلك مدعاة لكثرة إيرادها، والتعمية على العلماء، وقد ورد النهي عن الأسئلة عما سكت عنه الشرع، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 235

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا﴾ (١)، وقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» (٢)، أما ما يرد من الأسئلة عن أشياء ظهرت في المجتمع ويطلب النظر في إيجاد حكم شرعي لها لعدم وجود النص من الكتاب والسنة، فإن اجتهاد العالم فيها مطلوب بما لا يكون بدعة في الدين؛ لأنه قد كمل ولا مجال في الزيادة ولا النقص، وقد اجتهد ابن مسعود وقال برايه وسيأتي ذكر ذلك عند الدارمي لاحقا. ما يستفاد: * وجوب عدم الخروج عن الكتاب والسنة في معرفة العبادة والحلال والحرام. * الحذر من الأسئلة المشوشة والشاذة. * جواز الاجتهاد فيما لا نص فيه مما يتعلق يستجد في المجتمع المسلم وإيجاد الحكم بجواز من عدمه، كما حدث مي قيادة المرأة للسيارة مثلا. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٠٤ - (٢) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: " مَا خَطَبَ عَبْدُ اللَّهِ خُطْبَةً بِالْكُوفَةِ إِلاَّ شَهِدْتُهَا، فَسَمِعْتُهُ يَوْماً وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَمَانِيَةً وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، قَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ.

стр. 236

ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كِتَابَهُ وَبَيَّنَ بَيَانَهُ، فَمَنْ أَتَى الأَمْرَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقَدْ بُيِّنَ لَهُ، وَمَنْ خَالَفَ فَوَ اللَّهِ مَا نُطِيقُ خِلَافَكَمْ " (١). رجال السند: أَبُو نُعَيْمٍ، الفضل بن دكين إمام ثقة تقدم، والْمَسْعُودِيُّ: هو عبد الرحمن ابن عبد الله بن عتبة ثقة تغير، وليس هذا بعد التغير، وعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ الهلالي، أبو يزيد العامري، إمام ثقة، والنَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ الهلالي، كوفي من كبار التابعين، إمام ثقة. الشرح: قوله: «مَا خَطَبَ عَبْدُ اللَّهِ خُطْبَةً بِالْكُوفَةِ إِلاَّ شَهِدْتُهَا». هذا حرص من النزال التابعي ﵀ على سماع كلام الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود فقيه الصحابة ﵁. قوله: «فَسَمِعْتُهُ يَوْماً وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَمَانِيَةً وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، قَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ». المراد أنها طلقت، وهذا طلاق بدعي؛ لأنه ثلاث بلفظ واحد في مجلس واحد بدعي، فثمان من باب أولى، والعجيبب من أهل البدع أنهم يشددون بها على أنفسهم، ويتركون ما جعله الله لهم رحمة، قال الله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢).

стр. 237

فالآية توضح أن الطلاق مرتان فقط، وليس الأمر كذلك بل المراد الطلاق الذي يمكن للزوج أن يراجع امرأته فيه، فإن له أن يطلق مرة واحدة في طهر لم يجامع فيه، وله حق المراجعة قبل الخروج من العدة، وله أن يطلق مرة ثانية، وله حق المراجعة كما في المرة الأولى، فإن طلق الثالثة فلا رجعة له؛ لأنه أبان امرأته بالطلقة الثالثة، ولذلك علل الطلاق الرجعي بقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١)، المراد أن يحدث الرغبة في عدم الطلاق، والعودة إلى الوئام حسن العشرة، ولاسيما إذا كان بين الزوجين أطفال، فالطلاق البدعي يدمر هذه الفرصة، فضلا عن أنه عدول عن الشرع إلى الهوى، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: «إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كِتَابَهُ وَبَيَّنَ بَيَانَهُ، فَمَنْ أَتَى الأَمْرَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقَدْ بُيِّنَ لَهُ، وَمَنْ خَالَفَ فَوَ اللَّهِ مَا نُطِيقُ خِلَافَكَمْ». المراد من طبّق حكم الله في الواقعة وتحري حكم الشرع فقد أصاب؛ لأن الله بين له الحق في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، أما من ركب هواه وخالف الشرع فقد تعدى حدود الله ، وظلم نفسه، فأنى يجد في الخلاف حلا. ما يستفاد: * أن الطلاق بثلاث أو أكثر في مجلس واحد وبلفظ واحد بدعة منكرة تصادم الكتاب والسنة. * أن الفقه الصحيح ما وافق الكتاب والسنة.

стр. 238

* عدم جواز الاجتهاد مع النص. * أن الرحمة والخير فيما شرع الله . * أن الضرر والمشقة في مخالفة الشرع. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٠٥ - (٣) أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: " سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ قَالَ: شَهِدْتُ عَبْدَ اللَّهِ وَأَتَاهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي تَحْرِيمٍ، وَمَنْ خَالَفَ فَوَ اللَّهِ مَا نُطِيقُ خِلَافَكُمْ " (١). رجال السند: أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وشُعْبَةُ وعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ، جميعهم ثقات تقدموا. الشرح: انظر السابق. ما يستفاد: انظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٠٦ - (٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: " أَنَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ بِرَأْيِهِ إِلاَّ شَيْئاً سَمِعَهُ " (٢). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الأشج، أبو سعيد الكندي، إمام ثقة، وحَفْصٌ بن غياث النخعي، أبو عمر الكوفي، القاضي المحدث، إمام ثقة، وأَشْعَثُ في هذ لطيفة: وهي أن حفصا يروي عن ثلاثة كلٌّ اسمه أشعث، وكلهم يروي عن

стр. 239

محمد بن سيرين، ولحل هذا أن أشعث بن عبد الملك الحمراني إمام ثقة، وهو راوية ابن سيرين، ومن أثبت الناس فيه، وكان حفص إذا حدث عنه أطلقه، ولم ينسبه، وإذا حدث عن غيره نسب فيقول: أشعث الداني، أو أشعث بن سوار، وابْنُ سِيرِينَ، هو محمد، مولى أنس ﵁، من كبار التابعين، أدرك جملة من الصحابة ﵃، إمام فقيه ثقة. قوله: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ بِرَأْيِهِ إِلاَّ شَيْئاً سَمِعَهُ». المراد أنه يعتمد على الكتاب والسنة، وما سمع من الصحابة ﵃، عين الصواب والعقل والورع، ﵀ رحمة واسعة. ما يستفاد: * أن العاقل من الناس من يبتعد عن التبعات، ويولى قارها من تولى حارها. * أن النجاة في الاعتماد على النص من الكتاب والسنة، أو من أقوال الصحابة ﵃. * أن القول بالرأي غير مأمون العاقبة. * أن الورع من صفات الأخيار من العلماء. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٠٧ - (٥) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا عَثَّامٌ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: " مَا سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ بِرَأْيِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ " (١). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيد، هو الأشج تقدم، وعَثَّامٌ، هو ابن علي العامري، من رجال البخاري إمام ثقة، والأَعْمَشُ، هو سليمان بن مهران، إمام ثقة تقدم.

стр. 240

الشرح: قوله: «مَا سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ بِرَأْيِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ». إبراهيم هو النخعي، إمام ثقة، وعدم قوله برأيه هو احتياط للنفس وورع، والاكتفاء بما في الكتاب والسنة، وأقوال من سبق من الأئمة الأعلام من الصحابة وغيرهم. ما يستفاد: انظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٠٨ - (٦) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: " مَا قُلْتُ بِرَأْيِي مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً ". قَالَ أَبُو هِلَالٍ: " مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً " (١). رجال السند: أَبُو النُّعْمَانِ، الفضل بن دكين إمام ثقة تقدم، وأَبُو عَوَانَةَ الوضاح اليشكري إمام تقدم، وقَتَادَةَ، هو ابن دعامة السدوسي، إمام ثقة تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٠٩ - (٧) حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، ثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: " سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِكَ؟ قَالَ: إِنِّي اَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ يُدَانَ فِي الأَرْضِ بِرَأْيِي" (٢).

стр. 241

رجال السند: مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، هو أبو جعفر الجمال الرازي، إمام ثقة، وحَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، هو أبو عبد الرحمن الكناني الرازي، إمام ثقة، من رجال مسلم، وأَبو خَيْثَمَةَ، هو زهير بن معاوية مام ثقة تقدم، وعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، هو المكي، أو الطائفي أبو عبد الله، إمام ثقة. وعَطَاءٌ، هو ابن أبي رباح إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «فَقَالَ: لَا أَدْرِي». هذا شأن أهل الورع البعد عن القول بالرأي، وإن كان لهم في القول به مندوحة، قال: الشَّعْبِيِّ: " لَا أَدْرِي نِصْفُ الْعِلْم "، وقد سُئل مالك عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، وقيل: ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري"، وسئل أبو يوسف القاضي عن مسألة فقال: " لا أدرى فقالوا له: ترتزق من بيت المال كل يوم كذا وكذا، ثم تقول: لا أدرى، فقال: إنما أرتزق بقدر علمي، ولو أعطيت بقدر جهلي لم يسعني مال الدنيا ". قَولَه: «إِنِّي اَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ يُدَانَ فِي الأَرْضِ بِرَأْيِي». هذا غاية في الاحتياط والورع، أن يكون رأيه يعبد الله به في الأرض، وهذا فرار من التشريع والقول بغير ما أنزل الله، رحمة الله علينا وعليه رحمة واسعة. ما يستفاد: انظر السابق.

стр. 242

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٠ - (٨) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَاتِمٌ - هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ عِيسَى، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: " جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: أَخْبِرْنِي أَنْتَ بِرَأْيِكَ. فَقَالَ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ أَخْبَرْتُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيَسْأَلُنِي عَنْ رَأْيِي، وَدِينِي عِنْدِي آثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهِ لأَنْ أَتَغَنَّى أُغْنِيَّةً (١) أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أُخْبِرَكَ بِرَأْيي" (٢). رجال السند: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَان الوراق، أبو إسحاق، أو أبو إبراهيم الكوفي، إمام ثقة، من رجال البخاري، فيه تشيع، وحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثقة صحيح الكتاب، وعِيسَى، هو ابن أبي عيسى، يعتبر بحديثه في الرقائق والفضائل، والشَّعْبِيُّ، هو عامر بن شراحيل، إمام من كبار التابعين. الشرح: قوله: «أَخْبِرْنِي أَنْتَ بِرَأْيِكَ». المراد أن رجلا سأل الشعبي فأجابه برأي ابن مسعود ﵁ فيها، ثم سأل الرجل الشعبي عن رأيه فيها.

стр. 243

فَقَالَ الشعبي لمن عنده: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ أَخْبَرْتُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيَسْأَلُنِي عَنْ رَأْيِي». المراد أنه أجابه برأي ابن مسعود وهو من أصحاب رسول الله ، ورأيه أولى وأقوى، هذا من جانب، ومن جانب آخر قال الشعبي ﵀: «دِينِي عِنْدِي آثَرُ مِنْ ذَلِكَ». المراد أن دينه في اتباع الصحابي أثر من مخالفته. قوله: «وَاللَّهِ لأَنْ أَتَغَنَّى أُغْنِيَّةً». هذا خطأ، والصواب: جاء في هامش (ت، ك) بلفظ " وَاللَّهِ لأَنْ أَتَعَنَّى أُعْنِيَّةً" والمسمى هو أخلاط تنقع في أبوال الإبل وتترك حينا، ثم تطلى بها الإبل من الجرب، ويقال للرجل إذا كان جيد الرأي: عِنّية تشفي الجرب، وإنما سميت عِنّية لطول الحبس، وكل شيء حبسته طويلا فقد عنيته (١). قوله: «أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أُخْبِرَكَ بِرَأْيي». مراد الشعبي ﵀ أنه لو حبس طويلا أحب إليه من ذلك، ولاسيما وقد قال من هو أفضل منه، وهذا دقة منه ﵀ في الاتباع. ما يستفاد: انظر ما تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١١ - (٩) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ عِيسَى، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: " إِيَّاكُمْ وَالْمُقَايَسَةَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ

стр. 244

لَئِنْ أَخَذْتُمْ بِالْمُقَايَسَةِ لَتُحِلُّنَّ الْحَرَامَ وَلَتُحَرِّمُنَّ الْحَلَالَ، وَلَكِنْ مَا بَلَغَكُمْ عَمَّنْ حَفِظَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاعْمَلُوا بِهِ " (١). رجال السند: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَان، وحَاتِمٌ، وعِيسَى، تقدموا آنفا. الشرح: قوله: «إِيَّاكُمْ وَالْمُقَايَسَة». المراد قياس أمر معلوم على أمر آخر معلوم، والسبب اشتراكهما في علة الحكم، والقياس الصحيح هو المصدر الرابع في الشرع؛ لأن الأول: الكتاب، والثاني: السنة، والثالث: الإجماع، والرابع القياس الصحيح، وليس القياس لكل أحد من العلماء؛ لأن له شروطه وأدواته المحددة عند العلماء العالمين به، والقياس الباطل ما افترقت فيه العلة وخالف المعقول، قال ابن سيرين ﵀: " أول من قاس إبليس وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس " وقال الحسن البصري ﵀: " قاس إبليس وهو أول من قاس ". قوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَخَذْتُمْ بِالْمُقَايَسَةِ لَتُحِلُّنَّ الْحَرَامَ وَلَتُحَرِّمُنَّ الْحَلَالَ». المراد أن قوما يقيسون بأهوائهم، ويقولون في الأمور بآرائهم، فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (٢).

стр. 245

قوله: «وَلَكِنْ مَا بَلَغَكُمْ عَمَّنْ حَفِظَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاعْمَلُوا بِهِ». أرشد إلى اتباع الصحابة ﵃ فيما يقولون؛ لأنهم حفظوا عن رسول الله ﷺ ، والعمل بذلك هو الطريق المستقيم. ما يستفاد: * التحذير من القياس الفاسد. * لا يقبل القياس إلا من العلماء العالمين بطرقه وأدواته الصحيحة. * التحذير من الأهواء؛ أبواب الضلال، قال الله ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (١). * لزوم ما كان عليه الرعيل الأول من الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله قولا وفعلا واعتقادا. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٢ - (١٠) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَارِحَةَ ثَمَانِياً. قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ؟، قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مِائَةَ طَلْقَةٍ. قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ. قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ الطَّلَاقَ، وَمَنْ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ وَكَلْنَا بِهِ لَبْسَهُ، وَاللَّهِ لَا تُلَبِّسُونَ عَلَى

стр. 246

أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ نَحْنُ، هُوَ كَمَا تَقُولُونَ " (١). رجال السند: سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو أبو محمد الضبعي، إمام ثقة، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبدالله ابن عون ابن أرطبان، أبو عون البصري، إمام ثقة، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وعَلْقَمَةُ، إمامان ثقتان تقدما. الشرح: قوله: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَارِحَةَ ثَمَانِياً. قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ؟». تقدم البيان في الحديث رقم ١٠٣. قوله: قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟! قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مِائَةَ طَلْقَةٍ، قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ، قَالَ: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ». المراد أن هذا طلاق بدعي لا يقع لمخالفته كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ومن العلماء من يوقعه عقوبة له، وهو آثم. قوله: «فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ الطَّلَاقَ». عبد الله هو ابن مسعود ﵁، والمراد ما تقدم بيانه في الحديث رقم ١٠٣. قوله: «وَمَنْ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ وَكَلْنَا بِهِ لَبْسَهُ، وَاللَّهِ لَا تُلَبِّسونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ نَحْنُ».

стр. 247

المراد من لبس بالبدع، وترك حكم الله ، وحكم رسوله ﷺ ، فإنما يلبس على نفسه ويتحمل عقوبة ذلك، ولا نتحمل تلبيسه. قوله: «هُوَ كَمَا تَقُولُونَ». المراد إيقاع الطلاق بالثلاث الأول، والزائد لغو يتحمل إثمه؛ لأنه اعتداء. ما يستفاد: انظر ما سبق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٣ - (١١) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: " لأَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ جَاهِلاً بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ " (١). رجال السند: سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثقتان تقدما، ويَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، هو ابن قيس الأنصاري، إمام ثقة، أخذ عن الفقهاء السبعة، والْقَاسِمُ، هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «لأَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ جَاهِلاً بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ». المراد أن يكون جاهلا بغير ما فرض الله عليه، فحق الله يجب ألا يجهله المسلم، وما عدا ذلك لا يضر عدم العلم به، وكان هذا خير؛ لأنه إذا قال ما لا يعلم كذب على الله وعلى رسوله ﷺ ، وعلى الناس، وهو

стр. 248

يتحمل الاثم في هذه الأمور، بالإضافة إلى إثم من تسبب في إضلاله بقوله. ما يستفاد: * حرمة القول على الله ، وعلى رسوله ﷺ بغير علم. * اثم من يقع في ذلك، وتحمله آثام من عمل بقوله. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٤ - (١٢) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْت الْقَاسِمَ يُسْأَلُ قَالَ: " إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ كُلَّ مَا تَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَلَوْ عَلِمْنَا مَا كَتَمْنَاكُمْ، وَلَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمْ " (١). رجال السند: سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وأَيُّوبُ، تقدموا وهم أئمة ثقات. الشرح: قوله: «إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ كُلَّ مَا تَسْأَلُونَ عَنْهُ». هذا تواضع من القاسم بن محمد بن أبي بكر، وإقرار بالحقيقة، وليس أحد من البشر يعلم كل شيء، حتى رسول الله ﷺ فقد أمره الله أن يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (٢)؛ لأن مَنْ عَلِم الغيب يعلم كل شيء، وهذا لا حظ للبشر فيه، بل يعلمون شيئا، ويجهلون أشياء كثيرة، وهم يتفاضلون في العلم، لذلك قال الله :

стр. 249

﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١). قوله: «وَلَوْ عَلِمْنَا مَا كَتَمْنَاكُمْ». لأن العلم أمانة قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢). قوله: «وَلَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمْ». لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٣)، وقال رسول الله ﷺ : «من كتم علما تلجم بلجام من نار يوم القيامة» (٤). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٥ - (١٣) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: " سُئِلَ الْقَاسِمُ عَنْ شَيْءٍ قَدْ سَمَّاهُ، فَقَالَ: مَا أَضَطَرُّ إِلَى مَشُورَةٍ، وَمَا أَنَا مِنْ ذَا في شَيْءٍ" (٥). رجال السند: سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، وابْنُ عَوْنٍ، ثقتان تقدما قريبا. الشرح: قوله: «سُئِلَ الْقَاسِمُ عَنْ شَيْءٍ قَدْ سَمَّاهُ». المراد أنه ﵀ سئل مشورة في أمر ما.

стр. 250

قوله: «فَقَالَ: مَا أَضَطَرُّ إِلَى مَشُورَةٍ». المراد ما اضطر السائل إلى مشورتي، أي: سيجد غيري، ما اضطرني إلى هذه المشورة (١)، المراد أي سبب يضطرني إلى هذه المشورة. قوله: «وَمَا أَنَا مِنْ ذَا في شَيْء». لست من ذوي الرأي في هذه المشورة؛ لأنه لا علم لي فيها، وهذا من الورع وعدم القول فيما لا علم له فيه. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٦ - (١٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ قُلْتُ لِلْقَاسِمِ: " مَا أَشَدَّ عَلَيَّ أَنْ تُسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ عِنْدَكَ وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ إِمَاماً؟ قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنْ أُفْتِيَ عن (٢) غَيْرِ عِلْمٍ أَوْ أَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ" (٣). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو ابن أبي عطاء الثقفي، أبو يوسف صدوق يخطئ، وسُفْيَانُ بْنِ عُيَيْنَةَ، ويَحْيَى، هو ابن سعيد الأنصاري، أبو سعيد إمام ثقة تقدم، والْقَاسِمُ، هو ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبوه وجده صحابيان، كان شديد الورع، قليل الحديث.
следующие страницы →