← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 912

شرح مسند الدارمي

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (2 613 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ نَحْنُ، هُوَ كَمَا تَقُولُونَ " (١). رجال السند: سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو أبو محمد الضبعي، إمام ثقة، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبدالله ابن عون ابن أرطبان، أبو عون البصري، إمام ثقة، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وعَلْقَمَةُ، إمامان ثقتان تقدما. الشرح: قوله: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَارِحَةَ ثَمَانِياً. قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ؟». تقدم البيان في الحديث رقم ١٠٣. قوله: قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟! قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مِائَةَ طَلْقَةٍ، قَالَ: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ، قَالَ: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ». المراد أن هذا طلاق بدعي لا يقع لمخالفته كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ومن العلماء من يوقعه عقوبة له، وهو آثم. قوله: «فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ الطَّلَاقَ». عبد الله هو ابن مسعود ﵁، والمراد ما تقدم بيانه في الحديث رقم ١٠٣. قوله: «وَمَنْ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ وَكَلْنَا بِهِ لَبْسَهُ، وَاللَّهِ لَا تُلَبِّسونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ نَحْنُ».

стр. 247

المراد من لبس بالبدع، وترك حكم الله ، وحكم رسوله ﷺ ، فإنما يلبس على نفسه ويتحمل عقوبة ذلك، ولا نتحمل تلبيسه. قوله: «هُوَ كَمَا تَقُولُونَ». المراد إيقاع الطلاق بالثلاث الأول، والزائد لغو يتحمل إثمه؛ لأنه اعتداء. ما يستفاد: انظر ما سبق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٣ - (١١) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: " لأَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ جَاهِلاً بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ " (١). رجال السند: سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثقتان تقدما، ويَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، هو ابن قيس الأنصاري، إمام ثقة، أخذ عن الفقهاء السبعة، والْقَاسِمُ، هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «لأَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ جَاهِلاً بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ». المراد أن يكون جاهلا بغير ما فرض الله عليه، فحق الله يجب ألا يجهله المسلم، وما عدا ذلك لا يضر عدم العلم به، وكان هذا خير؛ لأنه إذا قال ما لا يعلم كذب على الله وعلى رسوله ﷺ ، وعلى الناس، وهو

стр. 248

يتحمل الاثم في هذه الأمور، بالإضافة إلى إثم من تسبب في إضلاله بقوله. ما يستفاد: * حرمة القول على الله ، وعلى رسوله ﷺ بغير علم. * اثم من يقع في ذلك، وتحمله آثام من عمل بقوله. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٤ - (١٢) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْت الْقَاسِمَ يُسْأَلُ قَالَ: " إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ كُلَّ مَا تَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَلَوْ عَلِمْنَا مَا كَتَمْنَاكُمْ، وَلَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمْ " (١). رجال السند: سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وأَيُّوبُ، تقدموا وهم أئمة ثقات. الشرح: قوله: «إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ كُلَّ مَا تَسْأَلُونَ عَنْهُ». هذا تواضع من القاسم بن محمد بن أبي بكر، وإقرار بالحقيقة، وليس أحد من البشر يعلم كل شيء، حتى رسول الله ﷺ فقد أمره الله أن يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (٢)؛ لأن مَنْ عَلِم الغيب يعلم كل شيء، وهذا لا حظ للبشر فيه، بل يعلمون شيئا، ويجهلون أشياء كثيرة، وهم يتفاضلون في العلم، لذلك قال الله :

стр. 249

﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١). قوله: «وَلَوْ عَلِمْنَا مَا كَتَمْنَاكُمْ». لأن العلم أمانة قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢). قوله: «وَلَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمْ». لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٣)، وقال رسول الله ﷺ : «من كتم علما تلجم بلجام من نار يوم القيامة» (٤). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٥ - (١٣) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: " سُئِلَ الْقَاسِمُ عَنْ شَيْءٍ قَدْ سَمَّاهُ، فَقَالَ: مَا أَضَطَرُّ إِلَى مَشُورَةٍ، وَمَا أَنَا مِنْ ذَا في شَيْءٍ" (٥). رجال السند: سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، وابْنُ عَوْنٍ، ثقتان تقدما قريبا. الشرح: قوله: «سُئِلَ الْقَاسِمُ عَنْ شَيْءٍ قَدْ سَمَّاهُ». المراد أنه ﵀ سئل مشورة في أمر ما.

стр. 250

قوله: «فَقَالَ: مَا أَضَطَرُّ إِلَى مَشُورَةٍ». المراد ما اضطر السائل إلى مشورتي، أي: سيجد غيري، ما اضطرني إلى هذه المشورة (١)، المراد أي سبب يضطرني إلى هذه المشورة. قوله: «وَمَا أَنَا مِنْ ذَا في شَيْء». لست من ذوي الرأي في هذه المشورة؛ لأنه لا علم لي فيها، وهذا من الورع وعدم القول فيما لا علم له فيه. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٦ - (١٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ قُلْتُ لِلْقَاسِمِ: " مَا أَشَدَّ عَلَيَّ أَنْ تُسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ عِنْدَكَ وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ إِمَاماً؟ قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنْ أُفْتِيَ عن (٢) غَيْرِ عِلْمٍ أَوْ أَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ" (٣). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو ابن أبي عطاء الثقفي، أبو يوسف صدوق يخطئ، وسُفْيَانُ بْنِ عُيَيْنَةَ، ويَحْيَى، هو ابن سعيد الأنصاري، أبو سعيد إمام ثقة تقدم، والْقَاسِمُ، هو ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبوه وجده صحابيان، كان شديد الورع، قليل الحديث.

стр. 251

الشرح: قوله: «مَا أَشَدَّ عَلَيَّ أَنْ تُسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ عِنْدَكَ وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ إِمَاماً؟». شق على يحيى أن يكون القاسم قليل الحديث، شديد الورع يهاب الفتيا، وهو ابن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، أحد المكثرين من رواية الحديث، وهذه مودة من يحيى لأن يكون عالما كأبيه. قوله: «إِنَّ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنْ أُفْتِيَ عن غَيْرِ عِلْمٍ أَوْ أَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ». هذه خشية ومراقبة للنفس، أن يقول على الله ، أو ينل القول عن غير ثقة، وهذا ملمح مهم ينبئ عن علم، لا كما توهم يحيى ﵀، فقد يتورع الرجل عن القول وهو يعلم فيه ما يقول، ولاسيما إذا وجد من العلماء من تصدر لذلك فقد كفي المؤنة لعدم احتياج الناس. ما يستفاد: * جواز الحث على إظهار العلم. * الحث على الاقتداء بالعلماء، ومحاكاتهم في الخير. * جواز أن يهاب المسلم من الفتيا والقضاء خشية الزلل. * تحريم القول على الله بغير علم، عملا بقول الله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١). * عدم جواز الرواية عن غير ثقة، والثقة هو الصدوق فما فوق.

стр. 252

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٧ - (١٥) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الْعَوَّامِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: " كَانُوا إِذَا نَزَلَتْ بِهِمْ قَضِيَّةٌ الَّتِيْ (١) لَيْسَ فِيهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَثَرٌ اجْتَمَعُوا لَهَا وَأَجْمَعُوا فَالْحَقُّ فِيمَا رَأَوْا فَالْحَقُّ فِيمَا رَأَوْا " (٢). رجال السند: عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، الواسطي، أبو عثمان السلمي، إمام ثقة، تقدم، وهُشَيْمٌ، هو ابن بشير ثقة تقدم، والْعَوَّامُ، هو ابن حوشب الشيباني، أبو عيسى أمار بالمعروف، إمام ثقة، والْمُسَيَّبُ بْنُ رَافِعٍ، الأعمى أبو العلاء الكوفي، ثقة من كبار التابعين أدرك ثلة من الصحابة ﵃. الشرح: قوله: «كَانُوا إِذَا نَزَلَتْ بِهِمْ قَضِيَّةٌ الَّتِيْ لَيْسَ فِيهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَثَرٌ اجْتَمَعُوا لَهَا وَأَجْمَعُوا فَالْحَقُّ فِيمَا رَأَوْا فَالْحَقُّ فِيمَا رَأَوْا». المراد أن الصحابة ﵃ بعد وفاة رسول الله ﷺ وانقطاع الوحي، كانوا إذا حدثت المسألة ليس لها أثر من قول رسول الله ﷺ ، اجتمعوا لبحث أمرها، فإذا أجمعوا على رأي فهو الحق؛ وهذا التوكيد يفيد عدم الخروج عما قرروا ورأوا، وهذا هو الأجماع المصدر الثالث من مصادر التشريع؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلال، والمراد إجماع علمائها وفقهائها، فهم أهل الحل والعقد من

стр. 253

كل عصر، قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١)، وقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ (٢)، هاتان الآيتان قاطعتان على أن الأمة لا تجتمع على ضلال. ما يستفاد: * بيان أن للأمة إذا نزلت النازلة ليس فيها نص من كتاب ولا سنة، جاز لعلماء الأمة البحث في حكمها من حيث الجواز وعدمه. * وجوب الأخذ بما يجمع عليه علماء الأمة في كل عصر. * أن المراد إجماع أهل الحل والعقد في الأمة. * أن إجماع الأمة من مصادر التشريع فيما لا نص فيه. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١١٨ - (١٦) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ، عَنِ الْعَوَّامِ بِهَذَا (٣). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ، هو عبد الله بن محمد أبو بكر بن أبي شيبة، إمام ثقة، ويَزِيدُ، هو ابن هارون إمام حجة تقدم، والْعَوَّامُ، تقدم آنفا. قال الدارمي رحمه الله تعالى:

стр. 254

١١٩ - (١٧) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْحِمْصِيُّ، أَنَّ وَهْبَ بْنَ عَمْرٍو الْجُمَحِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَعْجَلُوا بِالْبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَا تَعْجَلُوهَا قَبْلَ نُزُولِهَا لَا يَنْفَكُّ الْمُسْلِمُونَ وَفِيهِمْ إِذَا هِيَ نَزَلَتْ مَنْ إِذَا قَالَ وُفِّقَ وَسُدِّدَ، وَإِنَّكُمْ إِنْ تَعْجَلُوهَا تَخْتَلِفْ بِكُمُ الأَهْوَاءُ فَتَأْخُذُوا هَكَذَا وَهَكَذَا» وَأَشَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ (١). رجال السند: يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، هو البكري أبو زكريا التنيسي، إمام ثقة، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، هو أبو عبد الله ثقة إمام تقدم، ويَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، هو الحضرمي، ثقة إمام تقدم، وأَبُو سَلَمَةَ الْحِمْصِيُّ، هو عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، تابعي مقبول، أرسل عن بعض الصحابة، ووَهْبُ بْنُ عَمْرٍو الْجُمَحِيَّ، وقد يكون عمير تصحف إلى عمرو، ووهب بن عمير صحابي أسلم بعد أن شهدا بدرا مشركا، توفي بالشام. الشرح: قوله: «لَا تَعْجَلُوا بِالْبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَا تَعْجَلُوهَا قَبْلَ نُزُولِهَا لَا يَنْفَكُّ الْمُسْلِمُونَ وَفِيهِمْ إِذَا هِيَ نَزَلَتْ مَنْ إِذَا قَالَ وُفِّقَ وَسُدِّدَ، وَإِنَّكُمْ إِنْ تَعْجَلُوهَا تَخْتَلِفْ بِكُمُ الأَهْوَاءُ فَتَأْخُذُوا هَكَذَا وَهَكَذَا» وَأَشَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ».

стр. 255

تقدم نحو هذا برقم ١٠٢، والمراد المسائل الشاذة؛ لأن ذلك مدعاة لكثرة إيرادها، والتعمية على العلماء، وقد ورد النهي عن الأسئلة عما سكت عنه الشرع، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا﴾ (١)، وقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» (٢)، أما ما يرد من الأسئلة عن أشياء ظهرت في المجتمع ويطلب النظر في إيجاد حكم شرعي لها لعدم وجود النص من الكتاب والسنة، فإن اجتهاد العالم فيها مطلوب بما لا يكون بدعة في الدين؛ لأنه قد كمل ولا مجال في الزيادة ولا النقص، قال النبي ﷺ : «إن أعظم المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته» (٣). فالسؤال عما لم يقع من النوازل منكر؛ لأن السؤال قبل النزول يستدعي الاجتهاد في أمر لم يقع، والاجتهاد إنما يكون بعد النزول؛ لأنه حينئذ ضرورة، ولا ضرورة قبل النزول؛ لأنه حينئذ ضرورة، ولا ضرورة قبل النزول؛ ولأنه مدعاة للخلاف والتنازع.

стр. 256

ما يستفاد: * النهي عن استباق النوازل بالسؤال عنها لما يترتب على ذلك من خلاف وتشويش. * إذا ما وقعت نازلة لا نص في الكتاب والسنة يبن الحكم فيها فلعلماء الأمة حق النظر، وإعلان ما يتقرر بشأنها. * أن استعجال السؤال عن النوازل مدعاة للاختلاف والتفرق، وشتات الأمر. * أن التوفيق مرتبط ببحث حكم النازلة بعد نزولها. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢٠ - (١٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ يَحْدُثُ ليْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ فَقَالَ: «يَنْظُرُ فِيهِ الْعَابِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (١). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، ويَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، وأَبُو سَلَمَةَ، ثقات تقدموا. الشرح: قوله: «سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ يَحْدُثُ ليْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ». المراد النازلة التي لها حكم في كتب الله ، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : «يَنْظُرُ فِيهِ الْعَابِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ». المراد يجتهد العدول من الأمة في الحكم الموافق لها، وهذا السؤال يحتمل فيه تعدد الواقعة فقد قال علي ﵁: " يا رسول الله، إن نزل بنا أمر ليس فيه

стр. 257

بيان: أمر ولا نهي، فما تأمرنا؟ " قال: «تشاورون الفقهاء والعابدين، ولا تمضوا فيه رأي خاصة» (١)، ويحتمل أن يكون السائل علي ﵁ أبهمه الراوي. ما يستفاد: * وجوب تشاور العدول من الأمة من فقها وعباد في حكم النازلة. * وجوب الأخذ بما يقررون في شأن النازلة. * لا يجوز اعتبار الرأي المنفرد عن رأي العدول المؤمنين. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢١ - (١٩) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ الْقَاسِمُ: " إِنَّكُمْ لَتَسْأَلُونَا عَنْ أَشْيَاءَ مَا كُنَّا نَسْأَلُ عَنْهَا، وَتُنَقِّرُونَ عَنْ أَشْيَاءَ مَا كُنَّا نُنَقِّرُ عَنْهَا، وَتَسْأَلُونَ عَنْ أَشْيَاءَ مَا أَدْرِى مَا هِىَ، وَلَوْ عَلِمْنَاهَا مَا حَلَّ لَنَا أَنْ نَكْتُمَكُمُوهَا " (٢). رجال السند: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن يونس إمام ثقة تقدم، مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، هو العنبري، أبو المثنى البصري، إمام ثقة، وابْنُ عَوْنٍ هو عبد الله إمام ثقة تقدم، والْقَاسِمُ، هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق تقدم. الشرح: تقدم نحو هذا عن القاسم حديث ١١٤، فأغنى عن الإعادة فلينظر.

стр. 258

ما يستفاد: انظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢٢ - (٢٠) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ ابْنُ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الأَشَجِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: " إِنَّهُ سَيَأْتِي نَاسٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ (١) بِالسُّنَنِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ " (٢). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، هو كاتب الليث، صدوق تقدم، واللَّيْثُ، هو ابن سعد إمام ثقة تقدم، ويَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ، هو الأزدي، أبو رجاء المصري، من صغار التابعين، إمام ثقة، وعُمَرُ بْنُ الأَشَجِّ، تصحف اسم أبيه من عمر إلى عمرو، وهم فيه أخونا أحمد بن سعد الغامدي ﵀، في تحقيقه أصول الاعتقاد للالكائي، وعُمَرُ بْنُ. الْخَطَّابِ ﵁. الشرح: قوله: «إِنَّهُ سَيَأْتِي نَاسٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ ». المراد من تحقق ظهورهم، من زمن بعد عمر ﵁ وهم اليوم يعرفون بالقرآنيين، لا يعترفون بالسنة، وقد أخبر رسول الله بهذه النحلة الخبيثة مبينا أن السنة

стр. 259

قرينة الكتاب العزيز في الحجة والبرهان، فقال ﷺ : «إني أوتيت الكتاب وما يعدله، يوشك شبعان على أريكته أن يقول: بيني وبينكم هذا الكتاب، فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه، ألا وإنه ليس كذلك» (١)، فوصى عمر ﵁ أن تقام عليهم الحجة بما ثبت في السنة؛ أهلها أعلم بمقاصدها، ولذلك قال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: "بيننا وبين القوم القوائم " يعني الإسناد الصحيح. ما يستفاد: * التحذير من تتبع الشبهات وإثارتها. * التمسك بالسنة وفهم مقاصدها. * أن السنة وحي كالقرآن. * التحذير من أهل البدع والأهواء. * علماء السنة أعلم من غيرهم بكشف البدع وشبهات أهل الأهواء. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢٣ - (٢١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، ثَنَا عَلِىٌّ - هُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ - عَنْ هِشَامٍ - هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " مَا زَالَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلاً لَيْسَ فِيهِ، شَيْءٌ حَتَّى نَشَأَ

стр. 260

فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ أَبْنَاءُ سَبَايَا الأُمَمِ، أَبْنَاءُ النِّسَاءِ اللّاَتِي (١) سَبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَقَالُوا فِيهِمْ بِالرَّأْي فَأَضَلُّوهُمْ " (٢). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو الفزاري، أبو عبد الله الثغري، لابأس به تقدم، وعَلِىٌّ، هُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ، ثقة له غرائب بعد أن أضر تقدم، وهِشَامٌ، هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، ابن الزبير بن العوام، أبو المنذر القرشي، إمام ثقة، ومُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، يتيم عروة، يتيم عروة ثقة، من صغار التابعين، إمام ثقة تقدم، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أحد الفقهاء السبعة إمام ثقة. الشرح: قوله: «مَا زَالَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلاً لَيْسَ فِيهِ، شَيْءٌ». المراد مستقيما على التوراة، ولم يدخله التحريف. قوله: «حَتَّى نَشَأَ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ أَبْنَاءُ سَبَايَا الأُمَمِ، أَبْنَاءُ النِّسَاءِ اللّاَتِي سَبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَقَالُوا فِيهِمْ بِالرَّأْي فَأَضَلُّوهُمْ». المراد أنهم ليسوا منهم، باعتبار أنهم أبناء سبايا، تأثروا بأنساب أمهاتهم، فأحدثوا فيهم آراء مذمومة من عند أنفسهم، تنا قض التوراة، فأضلوهم عن الحق.

стр. 261

أما من زعم أن أصحاب الرأي في الإسلام منهم كأبي حنيفة وغيره ﵏، فلا دليل عليه، فالحمد لله لم يغيروا شيئا من كتاب الله ، وإن وقع منهم بعض الآراء فالسنة قائم عليهم، مفندة ما أخطأوا فيه. ما يستفاد: * التحذير من الغلو في الرأي؛ لأنه قد يجلب الفساد في الدين، لمناقضته الحق. * التمسك بالكتاب والسنة حصن من الغلو، وبعد عن الضلال. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٨ - بابٌ كَرَاهِيَةِ الْفتْيَا (١) ١٢٤ - (١) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ يَزِيدَ (٢) الْمَنْقَرِي قال: حَدَّثَنِي أَبِى قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ يَوْماً إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَا أَدْرِى مَا هُوَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَا تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضوان الله عليه يَلْعَنُ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ " رجال السند: مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الفراهيدي إمام ثقة تقدم، وحَمَّادُ بْنُ يَزِيدَ الْمَنْقَرِي، هو أحد أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان، فلابأس به، وأَبُوه يزيد بن مسلم، لم يرو له في الستة، لم يذكر بجرح ولا تعديل، وليس ذلك ما نع من قبول هذا الخبر.

стр. 262

الشرح: قوله: «جَاءَ رَجُلٌ يَوْماً إِلَى ابْنِ عُمَرَ». المراد سأل سائل من الناس الصحابي الجليل عبد الله بن الخطاب ﵄. قوله: «جَاءَ رَجُلٌ يَوْماً إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَا أَدْرِى مَا هُوَ». الشيء الذي يعلمه الراوي يزيد بن مسلم هو أمر محدث لم يقع. قوله: «فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَا تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضوان الله عليه يَلْعَنُ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ». حذر ابن عمر ﵂ السائل عن ذلك، وأخبره أن الخليفة الراشد عمر ﵁ يلعن السائل عن أمر لم يقع؛ سبب للاختلاف، والابتداع في الأقوال، وهذ من عمر ﵁ حماية للكتاب والسنة، وعدم تجاوزهما إلى الكلام فيما لم يقع، فإذا ما وقع ففي الأمر سعة باجتماع العدول من المؤمنين وبحث الأمر والخروج بإجماع على ما يكون خيرا للأمة في دينها ودنياها. وهذه سنة من عمر ﵁ بجواز لعن من يسأل عن أمور في الدين لم تقع، لمخالفة ذلك لنص الكتاب والسنة، وتقدم البيان قريبا فيما مضى، والخبر في سنده حماد بن يزيد بن مسلم المنقري: سكت عنه كل من الإمامين البخاري وأبو حاتم (التاريخ الكبير ٣/ ٢١، والجرح والتعديل ٣/ ١٥١) ووالده يزيد سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٣٥٨) وذكرهما ابن حبان في (الثقات ٦/ ٢١٩، ٥/ ٥٤٥) ويؤيده حديث أبي هريرة (ذروني ما تركتكم) أخرجه مسلم حديث (١٣٣٧) وانظر: القطوف رقم (٦٨/ ١٢٣). ما يستفاد:

стр. 263

* عدم جواز السؤال عن حكم أمر ديني لم يقع. * أن الجاهل بذلك يعلم ولا يعنف إلا مع الإصرار، هذا فعل ابن عمر ﵄. * أن لعن عمر ﵁ لمن سأل إما أن يكون زجرا لتهويل الأمر، أو للمُصِرّ على السؤال وعدم انتهائه عن ذلك. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢٥ - (٢) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَنْبَأَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: " بَلَغَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ كَانَ يَقُولُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ: أَكَانَ هَذَا؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ قَدْكَانَ، حَدَّثَ فِيهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ وَالَّذِي يَرَى، وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَكُنْ، قَالَ: فَذَرُوهُ حَتَّى يَكُونَ " (١). رجال السند: الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، هو أبو اليمان، وشُعَيْبٌ، هو ابن أبي حمزة، والزُّهْرِيِّ، هو محمد ابن مسلم، الجميع ثقات تقدموا. الشرح: الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري ﵁، أبو خارجة أو سعيد الخزرجي، كتب للنبي ﷺ ، وقرأ عليه القرآن، واستخلفه عمر ﵁ على المدينة لما حج. قوله: «كَانَ يَقُولُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ: أَكَانَ هَذَا؟». هذا عمل بالسنة في ذلك فالنوازل لا يستعجل أهل السنة الكلام فيها قبل حدوثها، وحاجة الناس إلى القول الفصل فيها.

стр. 264

قوله: «فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ قَدْ كَانَ، حَدَّثَ فِيهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ وَالَّذِي يَرَى». لأنها واقعة والعلماء ﵏ مأمورون ببحث أمرها أو في ضوء الكتاب والسنة، فإن وجدوا فيهما علم أخبروا الناس به، وبينوه لهم، وإلا اجتهدوا في الرأي، ونشروا للناس ما أجمعوا عليه، وما تبين لهم من الحق وحكم ما نزل، وهذا ما فعله زيد بن ثابت ﵁. قوله: «وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَكُنْ، قَالَ: فَذَرُوهُ حَتَّى يَكُونَ». المراد أنه لم يخض في الأمر قبل نزوله، والتزم ﵁ في ذلك السنن، وهو التوقف حتى يكون. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢٦ - (٣) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَ أَبُو هَاشِم (١) الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: " سُئِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵄، عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: هَلْ كَانَ هَذَا بَعْدُ، قَالُوا: لَا، قَالَ: دَعُونَا حَتَّى يَكُونَ، فَإِذَا كَانَ تَجَشَّمْنَاهَا (٢) لَكُمْ " (٣). رجال السند: إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو ابن راهويه إمام ثقة تقدم، وأَبُو هَاشِم الْمَخْزُومِيُّ، هو المغيرة بن سلمة القرشي، بصري إمام ثقة، ووُهَيْبٌ، هو ابن خالد إمام ثقة تقدم، ودَاوُدُ، هو ابن أبي هند الخراساني، أبو محمد البصري، إمام ثقة روى له البخاري تعليقا، وعَامِرٍ، هو الشعبي إمام ثقة تقدم.

стр. 265

الشرح: قوله: «سُئِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵄، عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: هَلْ كَانَ هَذَا بَعْدُ، قَالُوا: لَا». الصحابي الجليل عمار بن عامر، أبو اليقظان البدري، أمه الشهيدة سمية، فقد عذب معها، ﵄، وجعل موعدنا معهما الجنة. فكان على السنة إذا سئل النازلة سأل عن وقوعها. قوله: «قَالَ: دَعُونَا حَتَّى يَكُونَ، فَإِذَا كَانَ تَجَشَّمْنَاهَا لَكُمْ». المراد أنه يأمرهم بعدم السؤال حتى تقع، فإذا وقعت تكلف البحث عن الحكم المناسب من الكتاب والسنة، أو يجتهد بما يراه حكما مناسبا للنازلة. الشرح: انظر السابق. ما يستفاد: انظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢٧ - (٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاووُسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ: " أُحَرِّجُ بِاللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ مَا هُوَ كَائِنٌ " (١). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، هو ابن أبي خلف، إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو ابن

стр. 266

عيينة، إمام ثقة تقدم، وعَمْرٌو، هو ابن دينار الجمحي، أبو محمد المكي، من التابعين الفضلاء، مفتي إمام ثقة، وطَاووُسٌ، هو ابن كيسان اليماني، أبو عبدالرحمن كان مقدما عند ابن عباس ﵄، وهو إمام ثقة. الشرح: انظر ما تقدم عن ابن عمر وأبيه عمر ﵄. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢٨ - (٥) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبي شَيْبَةَ، ثَنَا ابْنُ (١) فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مَا رَأَيْتُ قَوْماً كَانُوا خَيْراً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵃، مَا سَأَلُوهُ إِلاَّ عَنْ ثَلَاثَ عَشَرَةَ مَسْأَلَةً (٢) حَتَّى قُبِضَ، كُلُّهُنَّ في الْقُرْآنِ، مِنْهُنَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (٣)، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (٤) قَالَ: مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إِلاَّ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ " (٥). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبي شَيْبَةَ، إمام ثقة تقدم، ابْنُ فُضَيْلٍ، هو محمد

стр. 267

صدوق رمي بالتشيع تقدم، عَنْ عَطَاءٍ، هو ابن السائب، صدوق اختلط تقدم، سَعِيدٍ، هو جبير، شهيد الحجاج، إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «ابْنِ عَبَّاسٍ» هو عبدالله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنمها، ابن عم رسول الله ﷺ ، حبر الأمة ﵁. قوله: «مَا رَأَيْتُ قَوْماً كَانُوا خَيْراً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵃، مَا سَأَلُوهُ إِلاَّ عَنْ ثَلَاثَ عَشَرَةَ مَسْأَلَةً حَتَّى قُبِضَ، كُلُّهُنَّ في الْقُرْآنِ، مِنْهُنَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (١)، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (٢) قَالَ: مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إِلاَّ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ». المراد في الفضل والسمت، والالتزام، ولذلك قللوا أسئلتهم في القرآن، استفسارا عن بعض الأحكام ليعلمون الحكم فيها، وليس المراد من هذا الحصر بل الإخبار ببعض ما سألوا عنه، وقد سألوا رسول الله ﷺ أمورا كثيرة، فهم وإن أكثروا السؤال لكن ليس فيما لم ينزل، بل في الضروري مما نزو في الكتاب، فلم يتوسعوا في تشقيق المسائل، وتفريع بعضها على بعض، واعتمدوا على الوحيين، ولا يسألون إلا على ما يعينهم في العمل بهما ﵃.

стр. 268

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢٩ - (٦) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ (١)، أنْبَأَ ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ عُمَيْر (٢) بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: " لَمَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّنْ سَبَقَنِي مِنْهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ قَوْماً أَيْسَرَ سِيرَةً وَلَا أَقَلَّ تَشْدِيداً مِنْهُمْ " (٣). رجال السند: عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس، إمام ثقة، تقدم، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبد الله إمام ثقة تقدم، وعُمَيْرُ بْنُ إِسْحَاق، هو أبو محمد مقبول سكن المدينة ثم مكة، تفرد ابن عون بالرواية عنه. الشرح: يذكر هذا التابعي أنه أدرك الكثرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ويذكر أنهم ﵃ بعيدون عن الغلو والتكلف، الذي رآه في المعاصرين له، فنكر ما شاهد منهم، فكيف بمن بعدهم وهلم جرا إلى عصرنا هذا وما بعده من الزمان، اللهم أرزقنا الثبات على الحق. ما يستفاد: * حسن سيرة الصحابة ﵃ ومن اقتدى بهم. * أن التيسير في الأمور مطلب شرعي.

стр. 269

* أهمية البعد عن التكلف والغلو. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣٠ - (٧) قال: أَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حُباب، أَخْبَرَنِي رَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: " سَمِعْتُ عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ الْكِنْدِيَّ، وَسُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ مَاتَتْ مَعَ قَوْمٍ لَيْسَ لَهَا وَلِىٌّ، فَقَالَ: أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً مَا كَانُوا يُشَدِّدُونَ تَشْدِيدَكُمْ، وَلَا يَسْأَلُونَ مَسَائِلَكُمْ " (١). رجال السند: الْعَبَّاسُ بْنُ سُفْيَانَ، هو الدبوسي من أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان، وثقه ابن حبان، فهو لابأس به، وزَيْدُ بْنُ حُباب، هو العكلي أبو الحسن، ثقة صاحب حديث، ورَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، هو ابن مهران الفلسطيني، إمام ثقة، وعُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ الْكِنْدِيَّ، هو أبو عمر الأردني، قاضي عبد الملك بن مروان على الأردن، ثم ولاه عمر بن عبد العزيز نائبا له عليها، إمام ثقة. الشرح: قوله: «سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ مَاتَتْ مَعَ قَوْمٍ لَيْسَ لَهَا وَلِىٌّ، فَقَالَ: أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً مَا كَانُوا يُشَدِّدُونَ تَشْدِيدَكُمْ، وَلَا يَسْأَلُونَ مَسَائِلَكُمْ». المراد أن هذا من الغلو، وليس في الأمر ما يشكل يقوم النساء على غسلها وتكفينها، ويقوم الرجال بدفنها، وكأنهم رأوا المعضلة في إدخالها القبر، ولا معضلة يقوم بذلك الصالح من أقاربها، وفي حالة عدم الأقارب يقوم به

стр. 270

الصالح من المسلمين، فإذا لم يوجد نساء فقد قال عبد الله بن عمر ﵄: " وجد الناس وهم صادرون من الحج امرأة ميتة بالبيداء، يمرون عليها ولا يرفعون لها رأسا، حتى مر بها رجل من بني ليث يقال له كليب ابن مسكين فألقى عليها ثوبه ثم استعان عليها من يدفنها، فدعا عمر عبد الله، فقال: " هل مررت بهذه المرأة الميتة؟ فقال: لا، فقال عمر: لو حدثتني أنك مررت بها لنكلت بك، ثم قام عمر بين ظهراني الناس فتغيظ عليهم فيها، وقال: لعل الله يدخل كليبا الجنة بفعله بها، فبينما كليب يتوضأ عند المسجد جاءه أبو لؤلؤة قاتل عمر ﵁ فبقر بطنه (١). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣١ - (٨) أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ سُفْيَانَ، أنْبَأَ زَيْدُ بْنُ حُباب قال: أَخْبَرَنِي رَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قال: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: " كُنْتُ مَعَ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ بِمَرْجِ الدِّيبَاجِ (٢) فَرَأَيْتُ مِنْهُ خَلْوَةً، فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ لِي: مَا تَصْنَعُ بِالْمَسَائِلِ؟، قُلْتُ: لَوْلَا الْمَسَائِلُ لَذَهَبَ الْعِلْمُ، قَالَ: لَا تَقُلْ ذَهَبَ الْعِلْمُ، إِنَّهُ لَا يَذْهَبُ الْعِلْمُ مَا قُرِئَ الْقُرْآنُ، وَلَكِنْ لَوْ قُلْتَ: يَذْهَبُ الْفِقْهُ ".

стр. 271

رجال السند: الْعَبَّاسُ بْنُ سُفْيَانَ، هو الدبوسي من أفراد الدارمي لابأس به، زَيْدُ بْنُ حُباب، هو زيد بن الحباب العكلي الكوفي، وثقه العجلي وابن حبان وقال مرة: يخطئ ويعتبر بحديثه، ورَجَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، هو ابن مهران إمام ثقة تقدم، وخَالِدُ بْنُ حَازِمٍ، هو الرملي، لم أقف على ترجمته، وهو مقحم في السند؛ لأن رجاء بن مهران يروي عن هشام مباشرة، وهِشَامُ ابْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ، لم أقف على ترجمته. الشرح: قوله: «كُنْتُ مَعَ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ». ابن محيريز هو عبد الله بن محيريز بن جنادة الجمحي، أبو محيريز القرشي، يتيم أبي محذورة، قدوة إمام ثقة. قوله: «فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ لِي: مَا تَصْنَعُ بِالْمَسَائِلِ؟ قُلْتُ: لَوْلَا الْمَسَائِلُ لَذَهَبَ الْعِلْمُ». القائل: هِشَامِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ، كأنه يسأل عن الفروع من المسائل الفقهية، أخذا من قوله ﷺ : «خُذُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ». قَالُوا: وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَفِينَا كِتَابُ اللَّهِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: «ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ أَوَلَمْ تَكُنِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمْ شَيْئًا؟ إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ، إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ» وسيأتي عند الدارمي، وتقدم أن العلم يذهب بموت العلماء.

стр. 272

قوله: «فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ لِي: مَا تَصْنَعُ بِالْمَسَائِلِ؟ قُلْتُ: لَوْلَا الْمَسَائِلُ لَذَهَبَ الْعِلْمُ، قَالَ: لَا تَقُلْ ذَهَبَ الْعِلْمُ، إِنَّهُ لَا يَذْهَبُ الْعِلْمُ مَا قُرِئَ الْقُرْآنُ، وَلَكِنْ لَوْ قُلْتَ: يَذهَبُ الْفِقْهُ». هذا قول ابن محيريز، ولا ريب أن القرآن وعاء العلم، فنظر إلى ذهاب الفقهاء العالمين بالكتاب والسنة؛ فإذا ذهبوا لم يبق الفقة وذهب الفقه المستنبط من الكتاب والسنة، وبقاءُ الجهلاء مع بقاء القرآن لا يملأ مكان الفقهاء، وهذا من علامات غربة الدين ولذلك قال رسول الله ﷺ : «سيأتي على أمتي زمان يكثر فيه القراء ويقل الفقهاء ويقبض العلم ويكثر الهرج ثم يأتي من بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال من أمتي لا يجاوز تراقيهم ثم يأتي من بعد ذلك زمان يجادل المشرك بالله المؤمن في مثل مايقول» (١)، ضعغه الشيخ الألباني ﵀، ولكن مطابقته للواقع تقضي بصحته، فليس هو مما يقال بالرأي، فما أكثر القراء اليوم، وما أقل الفقهاء، وما أكثر من يجادل بالباطل، من المسلمين فضلا عن المشركين والملحدين، والخوارج خرجوا سابقا ولا حقا، والراوي الذي ضعف به لا يعلم الغيب حتى يأتي بهذه الرواية، والخبر في سنده خالد بن حازم، وهشام بن مسلم القرشي: لم أقف عليهما، وانظر: القطوف رقم (٧٥/ ١٣٠). ما يستفاد: * أن بقاء الفقهاء العالمين بالكتاب والسنة ضمان الأمة من الجهل بالدين. * أن العلم يذهب بذهاب الفقهاء العالمين بالكتاب والسنة.

стр. 273

* الحث على تعلم الفقه واستنباطه من الكتاب والسنة. * الحث على ملازمة العالمين بالكتاب والسنة وأخذ الفقه منهم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣٢ - (٩) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّنَا نَأْمُرُكُمْ بِأَشْيَاءَ لَا تَحِلُّ لَكُمْ، وَلَعَلَّنَا نُحِرِّمُ عَلَيْكُمْ أَشْيَاءَ هِيَ لَكُمْ حَلَالٌ، إِنَّ آخِرَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنَ آيَةُ الرِّبَا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُبَيِّنْهَا لَنَا حَتَّى مَاتَ، فَدَعُوا مَا يَرِيبُكُمْ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُمْ " (١). رجال السند: سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، هو أبو أيوب، إمام ثقة تقدم، وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، إمام ثقة تقدم، ودَاوُدُ، هو ابن أبي هند ثقة تقدم، والشَّعْبِيُّ، هو عامر إمام ثقة تقدم، ولم يدرك عمر ﵁. الشرح: قوله: «أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّنَا نَأْمُرُكُمْ بِأَشْيَاءَ لَا تَحِلُّ لَكُمْ، وَلَعَلَّنَا نُحِرِّمُ عَلَيْكُمْ أَشْيَاءَ هِيَ لَكُمْ حَلَالٌ». هو عمر بن الخطاب الخليفة الراشد ﵁، وهذا احتياط منه ﵁، حتى لا يحمل اثم أحد قد يفهم غير مراد عمر ﵁، فكأنه يقول لهم: أنا لست معصوما من الخطأ؛ لأني بشر، فليتأمل السامع ما أقول وليعقله، ولا يكثر من السؤال؛

стр. 274

لأن ما كل ما يسأل عنه نجد له جوابا، وربما أوقعتنا كثرة الأسئلة في الخطأ، ولو اجتهدنا نحرم حلالا، أو نحل حراما. قوله: «إِنَّ آخِرَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنَ آيَةُ الرِّبَا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُبَيِّنْهَا لَنَا حَتَّى مَاتَ». المراد أن رسول الله ﷺ توفي بعد نزول آية الربا بليال، على أكثر ما قيل: إحدى وعشرين ليلة، ولكن قول عمر هذا معارض بقول البراء ﵁: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (١)، وقد جمع بينهما ابن حجر ﵀ فقال: فيجمع بينه وبين قول بن عباس بأن الآيتين نزلتا جميعا فيصدق أن كلا منهما آخر بالنسبة لما عداهما ويحتمل أن تكون الأخرية في آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث مثلا بخلاف آية البقرة ويحتمل عكسه والأول أرجح لما في آية البقرة من الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول (٢)، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، فما هو الذي بقي من الربا، ولم يبنه رسول الله ﷺ ، وابن حزم ﵀: لم يرتض هذا القول من عمر ﵁ وقال: " حاش لله من أن يكون رسول الله ﷺ لم يبين الربا الذي توعد فيه أشد الوعيد، والذي أذن الله تعالى فيه

стр. 275

بالحرب، ولئن كان لم يبينه لعمر فقد بينه لغيره، وليس عليه أكثر من ذلك، ولا عليه أن يبين كل شيء لكل أحد، لكن إذا بينه لمن يبلغه فقد بلغ ما لزمه تبليغه " (١)، وقد بين رسول الله ﷺ تحريم الربا قبل نزول هذه الآية بوقت طويل، في سورة البقرة، وآل عمران والنساء، قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢)، وقال ﷺ : «الرِّبَا سَبْعُونَ بابا أَهْوَنُهَا عِنْدَ اللَّهِ كَالَّذِي يَنْكِحُ أُمَّه» (٣). قوله: «مَا يَرِيبُكُمْ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُمْ». هذا القول من عمر ﵁ مقبس من قول رسول الله ﷺ : «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٤)، ولذلك قال عمر ﵁: " تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا " (٥).

стр. 276

ما يستفاد: * اهتمام الراعي بالرعية، وتوجيههم إلى الخير. * التحذير من الشبهات، وتحري الحق. * تحريم الربا ما قل منه وما كثر. * من التقوى والورع أن المسلم إذا استراب في شيء تركه. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٩ - بابٌ مَنْ هَابَ الْفُتْيَا وَكَرِهَ التَّنَطُّعَ وَالتَّبَدُّعَ ١٣٣ - (١) أَخْبَرَنَا سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ، ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: " خَرَجْتُ مِنْ عَنْدِ إِبْرَاهِيمَ، فَاسْتَقْبَلَنِي حَمَّاد، فَحَمَّلَنِي ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مَسَائِلَ، فَسَأَلْتُهُ فَأَجَابَنِي عَنْ أَرْبَعٍ، وَتَرَكَ أَرْبَعاً " (١). رجال السند: سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ، هو ابن سلم، أبو السائب العامري، إمام ثقة، وابْنُ إِدْرِيس، هو عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي، أبو محمد الكوفي، طلبه الرشيد للقضاء فامتنع، إمام قدوة ثقة، وعَمُّه، هو داود بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، أبو يزيد الكوفي، ضعيف يقبل حديثه في الفضائل. الشرح: قوله: «خَرَجْتُ مِنْ عَنْدِ إِبْرَاهِيمَ، فَاسْتَقْبَلَنِي حَمَّاد».

стр. 277

القائل: داود بن يزيد، وإبراهيم هو النخعي إمام ثقة تقدم، وحماد هو ابن أبي سليمان الأصبهاني، أبو إسماعيل كوفي من فقهائها، ضعيف، وليس خبره هذا مما يُدفع بضعفه. قوله: «فَحَمَّلَنِي ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مَسَائِلَ». المراد أن حماد بن أبي سليمان حمل داود ثمان مسائل ليعرضها على إبراهيم النخعي، وكان يكره السؤال عن المسائل، ولعلها مما أحدث الناس، ولذلك قال النخعي: " قد تكلمت ولو وجدت بداً ما تكلمت، وإن زماناً أكون فيه فقيه أهل الكوفة، لزمان سوء " (١). قوله: «فَسَأَلْتُهُ فَأَجَابَنِي عَنْ أَرْبَعٍ، وَتَرَكَ أَرْبَعاً». المراد أن إبراهيم أجاب عن أربع مسائل قد علم الحق فيها، وتورع عن أربع إذ لم يظهر له فيها قول، وهذا من كما الرجل ألا يجيب إلا بما علم، ويترك ما لا علم له به، فما أحوج الناس في هذا الزمان إلى الصدق والورع. ما يستفاد: * جواز نقل العلم من عالم إلى آخر. * وجوب الأمانة في النقل. * بيان مكانة النخعي العلمية وما يتمتع به من الثبات والورع. * لا عيب على العالم إذا سئل فأن جاب عن شيء، وترك الإجابة عن شيء آخر.

стр. 278

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣٤ - (٢) أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ، أنْبَأَ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: " مَا سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ في وَجْهِهِ " (١). رجال السند: قَبِيصَةُ، هو ابن عقبة بن محمد السوائي، أبو عامر الكوفي، سمع من سفيان وهو صغير واتقن، إمام ثقة، وسُفْيَانُ، هو الثوري، إمام ثقة، وعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبْجَرَ، هو عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر، من رجال مسلم، طبيب لا يأخذ أجرا، إمام ثقة، وزُبَيْدٌ، هو ابن الحارث اليامي، أبو عبد الرحمن الكوفي، رأى بعض الصحابة ولم يرو عنهم، إمام ثقة، لازم إبراهيم النخعي. الشرح: قوله: «مَا سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ في وَجْهِه». هكذا كان السلف ﵏ يكرهون التظاهر بالعلم، والفتيا، ويطلبون السلامة من الفتاوى إلا لضرورة، يؤيد هذا قول إبراهيم لأبي حَصين، لما سأله: " ما كان بيني وبينك أحد تسأله غيري " (٢). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣٥ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عُمَرَ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ: لَا

стр. 279

عِلْمَ (١) لِي بِهِ مِنَ الشَّعْبِيِّ " (٢). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، هو ابن أبي خلف إمام ثقة تقدم، وإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، هو السلولي أبو عبد الرحمن الكوفي، وثقة العجلي، كتب عنه وقال: كان فيه تشيع، وعُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، هو الوادعي، روايته في الصحيحين، ورمي بالقدر. الشرح: هذا منهج العلماء فيما سبق، وانظر ما تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣٦ - (٤) أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ قَالَ: "كَانَ الشَّعْبِيُّ إِذَا جَاءَهُ شَيْءٌ اتَّقَى، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ، وَيَقُولُ، وَيَقُولُ (٣) قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: كَانَ الشَّعْبِيُّ فِي هَذَا أَحْسَنَ حَالاً عِنْدَ ابْنِ عَوْنٍ مِنْ إِبْرَاهِيمَ " (٤). رجال السند: أَبُو عَاصِمٍ، هو الضحاك بن مخلد، إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبد الله إمام ثقة تقدم.

стр. 280

الشرح: المراد أن الشعبي يتقي الفتيا، ولا يكثر، وأن إبراهيم يكثر القول، ولعل كلاهما قليل الفتيا، لكن ابن عون قارن بينهما فوجد القليل من إبراهيم كثيرا بالنسبة للشعبي، وتقدم آنفا أن إبراهيم النخعي كان شديد الكراهة للفتيا، وهو مشهور بالورع، مشهود له به. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣٧ - (٥) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ قَالَ: " قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَا لَكَ لَا تَقُولُ فِي الطَّلَاقِ شَيْئاً؟ قَالَ: مَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ قَدْ سُئلْتُ عَنْهُ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أُنْ أَحِلَّ حَرَاماً أَوْ أُحَرِّمَ حَلَالاً " (١). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، هو الأشج إمام ثقة تقدم، وأَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ، هو المخزومي أبو بكر الكوفي، صدوق له أوهام، وشُعْبَةُ، هو ابن الحجاج، إمام ثقة، وجَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، هو ابن أبي وحشية، أبو بشر البصري، إمام ثقة. الشرح: قوله: «قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ». سعيد بن جبير إمام ثقة تقدم. قوله: «مَا لَكَ لَا تَقُولُ فِي الطَّلَاقِ شَيْئاً؟». كأنه رآه لا يفتي في الطلاق فسأله عن سبب توثقه.

стр. 281

قوله: «قَالَ: مَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ قَدْ سُئلْتُ عَنْهُ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أُنْ أَحِلَّ حَرَاماً أَوْ أُحَرِّمَ حَلَالاً». أجاب سعيد ﵀ وبيّن أنه لا يخفي عليه شيء من مسائل الطلاق، وأنه سئل عنها، ولكن منعه الورع من القول؛ لأن الطلاق أحكامة متعلقة بما يحل وما يحرم، وهو متعلق بأنساب الناس، وأعراضهم فتورع عن القول في ذلك أو الاكثار من القول فيه، ولاسيما والناس من الزمن القديم أحدثون من الطلاق ما يستدعي التورع، ومعلوم أن عمر ﵁ قال: " إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم" (١). ما يستفاد * جواز سؤال العالم عما يظن أنه مقصر فيه. * التورع عن الفتيا، وتوخي الخذر فيما يترتب عليها. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣٨ - (٦) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ (٢)، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: " لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ [وَمِائَةً مِنَ الأَنْصَارِ وَمَا مِنْهُمْ] (٣) أَحَدٌ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ فُتْيَا إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا ".

стр. 282

رجال السند: أَبُو نُعَيْمٍ، هو الفضل بن دكين، إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو الثوري، إمام ثقة تقدم، وعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، صدوق اختلط، سمع منه سفيان الثوري قبل ذلك تقدم، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، من كبار التابعين ثقة تقدم. الشرح: قوله: «سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: " لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ». المراد أن كل واحد منهم يطلب السلامة من الفتيا، ومن القول على الله ، وعلى رسوله ﷺ بغير علم، فقل من يسلم من خطر الفتيا، فلا يجرؤون عليها، ولا يتسارعون إليها، مع أنهم عاصروا رسول الله ﷺ وسمعوا منه، وحصل لهم من العلم والفضل ما لم يحصل لغيرهم ﵃، ومع ذلك تواضعوا وخاف كل منهم على نفسه ﵃ وأرضاهم، والخبر رجاله ثقات، وسماع عطاء من سفيان كان قبل الاختلاط، وانظر: القطوف رقم (٨١/ ١٣٧). ما يستفاد: * الحرص على النجاة من تحمل أعباء الفتيا. * التواضع وعدم التظاهر بالعلم. * علو المكانة لابن أبي ليلى بإدراكه مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ﷺ . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣٩ - (٧) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ دَاوُدَ قَالَ: "سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ إِذَا سُئِلْتُمْ؟ قَالَ:

стр. 283

عَلَى الْخَبِيرِ وَقَعْتَ، كَانَ إِذَا سُئِلَ الرَّجُلُ قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَفْتِهِمْ، فَلَا يَزَالُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الأَوَّلِ " (١). رجال السند: يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، هو أبو يعقوب إمام ثقة، وأَبُو بَكْرٍ، هو ابن عياش، إمام ثقة، ودَاوُدُ، هو ابن أبي هند، إمام ثقة تقدم. الشرح: فيه التوكيد على ما تقدم من كراهتهم للفتيا، وتدافعهم لها، كل يريد الخلاص من تبعتها، وانظر ما تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤٠ - (٨) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: إِنَّ الْعَالِمَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فَلْيَطْلُبْ لِنَفْسِهِ الْمَخْرَجَ (٢). رجال السند: أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، هو البكري أبو العباس المروزي، أحد أفراد البخاري إمام ثقة، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام ثقة تقدم، وابْنُ الْمُنْكَدِرِ، هو محمد إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «إِنَّ الْعَالِمَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فَلْيَطْلُبْ لِنَفْسِهِ الْمَخْرَجَ». هذا يدل على خطورة التصدر للفتيا، فمن أحال على غيره كما فعل الصحابة ﵃ يحيل بعضهم على بعض فقد طلب لنفسه السلامة من تبعة الفتيا، ومن

стр. 284

أفتى بما يتفق مع الكتاب والسنة، فقد خرج من العهدة، ومن يجشم عناءها وأفتي بالرأي فقد هلك وأهلك، وفي هذا جرأة على الله وعلى رسوله، وقد لا يسلم من العذاب، وانظر ما تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤١ - (٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، أنْبَأَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: " أَخْرَجَ إِلَيَّ مَعْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِتَاباً فَحَلَفَ لِي بِاللَّهِ إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ، فَإِذَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُو، مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَشَدَّ عَلَى الْمُتَنَطِّعِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَبِي بَكْر رضوان الله عليهٍ، وَإِنِّي لأَرَى عُمَرَ ﵁ كَانَ أَشَدَّ خَوْفاً عَلَيْهِمْ أَوْ لَهُمْ " (١). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، هو الجوهري، ضعيف روى عنه البخاري في خلق أفعال العباد، وأَبُو أُسَامَةَ، هو حماد بن أسامة إمام ثقة حافظ، ومِسْعَرٌ، هو ابن كدام إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «أَخْرَجَ إِلَيَّ مَعْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِتَاباً فَحَلَفَ لِي بِاللَّهِ إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ». معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، جده ابن مسعود الصحابي ﵁، كنيته أبو القاسم قاضي الكوفة، إمام ثقة.

стр. 285

هذا الإمام ﵀ وثق أن الكتاب خط أبيه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. قوله: «فَإِذَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُو، مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَشَدَّ عَلَى الْمُتَنَطِّعِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». لأن رسول الله ﷺ رحمة للعالمين، وليس في التنطع والغلو رحمة، «هلك المتنطعون» (١). قوله: «وَمَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَبِي بَكْر رضوان الله عليهٍ». لأنه المتبع لرسول الله ﷺ في كل صغيرة وكبيرة. «وَإِنِّي لأَرَى عُمَرَ ﵁ كَانَ أَشَدَّ خَوْفاً عَلَيْهِمْ أَوْ لَهُمْ». المراد أنه كان أشد خوفا على المتنطعين من الهلاك الذي أخبر به رسول الله ﷺ . ما يستفاد: * أن الإسلام دين رحمة ويسر وسهوله. * التحذير من الغلو التنطع فهو الهلاك. * أهمية اتباع الكتاب والسنة. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤٢ - (١٠) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَنْبَأَ زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَاضِرٍ
следующие страницы →