← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

دروس فقهية بقلم سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء الموقع/ رياض المتقين www.almotaqeen.net

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد فهذه دروس فقهية مرتبة على كتب الفقه، جمعتها ورتبتها مع ذكر أدلتها لعلها أن تكون عوناً - بعد الله - على تعلم الفقه وفهمه واخترت المتن من كتب المتون العلمية في مذهب الحنابلة (زاد المستقنع - عمدة الفقه - عمدة الطالب - دليل الطالب - أخصر المختصرات). اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، ورزقاً طيباً. أخوكم سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 3

كتاب الطهارة يبدأ العلماء مؤلفاتهم الفقهية بكتاب الطهارة: أولاً: لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة لقوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا … ). ثانياً: أن الطهارة تخلية وتنظيف والتخلية قبل التحلية. ثالثاً: لأجل أن يتذكر المتعلم بتطهير بدنه تطهير نيته وقلبه لله . • تعريف الطهارة: الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية. فالأقذار الحسية: كالبول ونحوه، والمعنوية: كالشرك والحسد والبغض وأمراض القلوب وكل خلق ذميم. واصطلاحاً: ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث. الحدث: هو الوصف القائم بالبدن من المانع من الصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة، ويدخل في هذا الوصف البول والريح وأكل لحم الإبل. وما في معناه: أي وارتفاع ما في معنى ارتفاع الحدث، كتجديد الوضوء، فهو طهارة، وكذا الأغسال المسنونة. وزوال الخبث: أي النجاسة، فإذا وقعت على ثوبه نجاسة فطهرها، هذه تسمى طهارة. فالطهارة: ارتفاع الحدث، وزوال الخبث. فائدة: الحدث أمر معنوي؛ لذا يعبَّر معه بالرفع، أما الخبث فأمر حسي؛ لذا يعبر معه بالإزالة.

стр. 4

باب المياه يبدأ الفقهاء بأحكام بالمياه، لأن الماء هو الأصل في التطهير. (خُلقَ الماءُ طَهوراً). أي: أنه طاهر في نفسه، مطهر لغيره، فالأصل في الماء الطهارة. فإذا وجد عندنا ماء ولا نعلم هل هو طاهر أو نجس، فالأصل الطهارة. قال تعالى (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً). وقال تعالى (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ). وقال ﷺ في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبو داود. وقال ﷺ (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) رواه أبو داود. • تعريف الماء الطهور: هو الماء الطهور هو الماء الذي لم يتغير بنجاسة أو بطاهر ينقله عن اسم الماء المطلق. (يطهرُ من الأحداثِ والنجاسَاتِ). لأنه كما تقدم أن الطهارة قسمان: طهارة من حَدَث، وطهارة من خبث. الأحداث: جمع حدث: وهو الوصف القائم بالبدن من المانع من الصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة، ويدخل في هذا الوصف البول والريح وأكل لحم الإبل، وهو ينقسم إلى حدث أكبر، وإلى حدث أصغر. الحدث الأكبر: هو ما يوجب الغسل، كالحيض، والجنابة، والنفاس. الحدث الأصغر: هو ما يوجب الوضوء، كالبول، والغائط، وسائر نواقض الوضوء. والنجاسات: جمع نجاسة، وهي كل عين مستقذرة شرعاً، فإذا وقعت على ثوب إنسان نجاسة فطهرها، هذه تسمى طهارة. فالماء يطهر من الحدث، ويطهر من النجاسات.

стр. 5

• الفرق بين طهارة الحدث وإزالة النجاسة: أولاً: طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح بخلاف إزالة النجاسة. (رجل جاء على ثوبه بول، ثم جاءت الأمطار ونظفته، وهو لم ينوي فانه يطهر). ثانياً: طهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان، لأنه من باب الأوامر، بخلاف طهارة الخبث لأنه من باب التروك. فلو أن رجلاً أكل لحم جزور - وهو لا يعلم - ثم صلى، وبعد الصلاة علم، فإنه يجب أن يعيد الصلاة. ثالثاً: طهارة الحدث طهارة تعبدية غير معقولة المعنى، بخلاف طهارة الخبث فإنها طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية. رابعاً: طهارة الحدث لابد من الماء بخلاف طهارة الخبث على القول الراجح كما سيأتي إن شاء الله. • فتجوز طهارة الحدث والنجس بالماء المطلق على أيّ صفة كان من أصل الخلقة. قال ابن قدامة: وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْبَحْرِ: التَّيَمُّمُ أَعْجَبُ إلَيْنَا مِنْهُ. هُوَ نَارٌ. وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى: أ-لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وَمَاءُ الْبَحْرِ مَاءٌ، لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهِ. ب- وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ج-وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ (مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ مَاءُ الْبَحْرِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ). د-وَلِأَنَّهُ مَاءٌ بَاقٍ عَلَى أَصِلْ خِلْقَتِهِ، فَجَازَ الْوُضُوءُ بِهِ كَالْعَذْبِ. وَقَوْلُهُمْ (هُوَ نَارٌ) إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ نَارٌ فِي الْحَالِ فَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ مَاءً. … (المغني).

стр. 6

قال النووي: وأما ماء البحر فجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم على أنه لا يكره كمذهبنا: وحكى الترمذي في جامعه وابن المنذر في الإشراف وغيرهما عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنهما كرها الوضوء به، وحكاه أصحابنا أيضاً عن سعيد بن المسيب. واحتج لهم بحديث روى عن ابن عمرو عن النبي ﷺ (تحت البحر نار وتحت النار بحر حتى عد سبعة وسبعة). رواه أبو داود في سننه واحتج أصحابنا بحديث (هو الطهور ماؤه) وبحديث (الماء طهور). ولأنه لم يتغير عن أصل خلقته فأشبه غيره. وأما حديث (تحت البحر نار) فضعيف باتفاق المحدثين، وممن بين ضعفه أبو عمر بن عبد البر، ولو ثبت لم يكن فيه دليل ولا معارضة بينه وبين حديث هو الطهور ماؤه. (المجموع). • قوله (والنجاسات) المراد بالنجاسة هنا الطارئة، لأن النجاسة تنقسم إلى قسمين: أ- نجاسة عينية: وهي التي تكون عين الشيء وذاته نجسة، مثل: العذرة، مثل البول، العذرة ذاتها نجسة، عينها نجسة، البول: ذاته نجس، روث الحمار ذاته نجسة، الكلب: عينه نجس، ذاته نجسة. ب- نجاسة طارئة: هي التي وردت على محل طارئ، مثلاً: عندك ثوب طاهر ثم وقعت عليه نجاسة، فهذه النجاسة تسمى الطارئة، ويسميها العلماء أيضاً حكمية. فالماء لا يرفع إلا النجاسة الطارئة، أما النجاسة العينية: هذه ما يطهرها الماء، ولو جئت بالكلب وغسلته بماء البحر ما طهر، لكن النجاسة العينية تطهر في الاستحالة: إذا انقلبت من عين إلى عين أخرى طهرت.

стр. 7

(فَلَا تحصُلُ الطهَارَةُ بمائعٍ غيْرِهِ). أي: فلا تحصل الطهارة من الأحداث والنجاسات إلا بالماء. أما الحدث (سواء كان حدثاً أكبر أو أصغر) لا يرتفع إلا بالماء، وهذا قول جماهير العلماء. أ- لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ). قال ابن قدامة: وهذا نص في الانتقال إلى التراب عند عدم الماء. ب- ولقوله ﷺ (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين). وأما النجاسة: فقد اختلف العلماء، هل يشترط الماء لإزالة النجاسة أم لا على قولين (كأن يصيب ثوبه بول أو دم مسفوح هل يشترط الماء أم لا)؟ القول الأول: أنه لابد من الماء. وهذا مذهب مالك، والشافعي، والحنابلة، واختاره ابن المنذر. أ- لقوله تعالى (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ). وجه الدلالة: ذكره سبحانه امتناناً، فلو حصل بغيره لم يحصل الامتنان. ب-لحديث أنس. قال (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ) متفق عليه. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حينما أراد التطهير من بول الأعرابي أمر بالماء، وهذا دال على الوجوب وعلى اختصاص الماء بالتطهير. ج- ولحديث أَسْمَاء قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّى فِيهِ) متفق عليه. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أرشد في تطهير الثوب من دم الحيض بالماء، ولم يرشد إلى غيره، فتعين الماء في إزالة نجاسة الثوب من دم الحيض لكونه هو المنصوص عليه، وباقي النجاسات مقيسة عليه. د- قالوا: إذا كانت طهارة الحدث لا تكون إلا بالماء مع وجوده، فكذلك إزالة النجاسة لا تكون إلا بالماء.

стр. 8

القول الثاني: أنه لا يشترط الماء. وهذا قول الحنفية، واختاره ابن تيمية. قال ابن تيمية ﵀:. . . فإن العلماء اختلفوا في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة، هل تطهر الأرض على قولين: أحدهما: تطهر، وهو مذهب أبي حنيفة .. وهو الصحيح في الدليل. أ-لحديث ابن عمر (أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ لم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك) رواه البخاري دون ذكر (البول). ب- ولحديث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِي، قَالَ (بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ: أَذًى -وَقَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) رواه أبو داود. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أرشد إلى تطهير النعلين بالتراب، وهو غير الماء. ب- وقالوا: إن النجاسة عين خبيثة، فإذا زالت زال حكمها. وهذا القول هو الراجح. • وأما الجواب عن أدلة الجمهور: أما الآية (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) فالجواب أن يقال: إن امتنان الله بطهورية الماء، وكونه مطهراً للأشياء، لا يعني قصر هذا الحكم عليه. (أحكام النجاسات).

стр. 9

وأما الجواب عن الحديثين: فيقال: إن المقصود بذلك تعجيل تطهير المسجد، إذ لو تركه حتى تطهره الشمس لتأخر تطهيره، فليس في الحديث حصر التطهير بالماء. [ابن تيمية]. وأيضاً يقال: إن هذا فيه دلالة أن الماء يزيل النجاسة فهذا لا إشكال فيه لكن لا يدل على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء. • وقد سئل الشيخ محمد صالح العثيمين ﵀: هل تطهر النجاسة بغير الماء؟ وهل البخار الذي تغسل به الأكوات مطهر لها؟ فأجاب: إزالة النجاسة ليست مما يتعبد به قصداً، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التَّخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة، وزالت وزال أثرها، فإنه يكون ذلك الشيء مطهراً لها، سواء كان بالماء أو بالبنزين، أو أي مزيل يكون، فمتى زالت عين النجاسة بأي شيء يكون، فإنه يعتبر ذلك مطهراً لها، حتى إنه على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، لو زالت بالشمس والريح فإنه يطهر المحل، لأنها كما قلت: هي عين نجسة خبيثة، متى وجدت صار المحل متنجساً بها، ومتى زالت عاد المكان إلى أصله، أي إلى طهارته، فكل ما تزول به عين النجاسة وأثرها - إلا أنه يعفى عن اللون المعجوز عنه - فإنه يكون مطهراً لها. ("مجموع فتاوى ابن عثيمين). (وهو ثلاثة أنواع). أي: أن الماء ثلاثة أنواع: طهور، وطاهر، ونجس. وهذا هو المذهب، وهو قول مالك، والشافعي. أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلْبَحْرِ: (هُوَ اَلطُّهُورُ مَاؤُهُ، اَلْحِلُّ مَيْتَتُهُ) رواه أبو داود. وجهُ الدَّلالةِ: أنَّ الصَّحابة يعلمونَ أنَّ ماءَ البَحرِ طاهِرٌ وليس نَجِسًا- بلا شكٍّ- فسؤالُهم إنَّما كان عن تطهيرِ ماءِ البَحرِ لا عن طهارَتِه، وهذا يدلُّ على أنَّ هناك ماءً طاهرًا ليس بطَهور.

стр. 10

ب- وعنه. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي اَلْمَاءِ اَلدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ) أَخْرَجَهُ مُسْلم. ج- وَعَنْه. قال: قال ﷺ (إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي اَلْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وجهُ الدَّلالة: أنَّه قد ورد النَّهيُ عن الاغتسالِ في هذه المياهِ، مع عدم نجاسَتِها، فدلَّ ذلك على وجودِ نَوعٍ مِنَ الماءِ ليس بنَجِسٍ، ولا يمكِنُ التطهُّرُ به، وهو الطَّاهِرُ. د- وقالوا: إن هذا التقسيم معروف بالاستقراء، فإنه لا يخلو الماء: إما أن يجوز الوضوء به أو لا؟ فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو إما أن يجوز شربه أو لا؟ فإن جاز فهو الطاهر وإلا فهو النجس. وذهب بعض العلماء: إلى أن الماء ينقسم إلى قسمين: طهور، ونجس. وهذا قول أبي حنيفة، واختار هذا القول ابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، والسعدي، وابن عثيمين. أ-لقولُه تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً)، ولقوله تعالى (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ). وجهُ الدَّلالةِ مِنَ الآيتينِ: أنَّ اسمَ الماءِ مُطلقٌ في الكتابِ والسُّنةِ، ولم يرِدْ فيهما تقسيمُه إلى: طَهورٍ وطاهرٍ، فهذا التَّقسيمُ مخالفٌ للكتابِ والسُّنةِ، ولا أصلَ له في الشَّريعةِ؛ إذ لو كان القِسمُ الطَّاهِرُ ثابتًا بالشَّرع، لكان أمرًا معلومًا مفهومًا، تأتي به الأحاديثُ البيِّنةُ الواضِحةُ؛ لأنَّ الحاجةَ تدعو إلى بيانِه، وليس بالأمرِ الهيِّنِ؛ إذ يترتَّبُ عليه: إمَّا أن يتطهَّرَ بماءٍ أو يتيمَّم ب- ولحديث أبي سعيد. قال: قال ﷺ (إِنَّ اَلْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) رواه أبو داود. فهذا الحديث يحكم للماء بالطهورية، وأن الماء طهور، وهذا العموم خص منه بالإجماع: إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فإنه نجس بالإجماع.

стр. 11

أو بمعنى آخر: أن هذا الحديث أثبت قسماً من الماء وهو الماء الطهور، وثبت الماء النجس بالإجماع، فهذان قسمان من الماء، أحدهما ثبت بحديث أبي سعيد، والآخر ثبت بالإجماع، وبقي الماء الطاهر لا دليل على ثبوته، فيكون الماء قسمين: طهوراً ونجساً ولا ثالث لهما. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت النجاسة الماء طعماً أو لوناً أو ريحاً أنه نجس ما دام كذلك. وهذا القول هو الراجح. (طهور: وهو الباقي على خلقتهِ). هذا النوع الأول: الطهور: وهو الباقي على خلقته حقيقة أو حكماً. حقيقة: بحيث لم يتغيَّر شيء من أوصافه، كماء البحار، والماء الذي نخرجه من البئر على طبيعته ساخناً لم يتغيَّر. والماء النَّازل من السَّماء. أو حُكْماً: كالماء المتغيِّر بغير ممازج، أو المتغيِّر بما يشقُّ صون الماء عنه، فهذا طَهور لكنه لم يبقَ على خلقته حقيقة، وكذلك الماء المسخَّن فإِنه ليس على حقيقته؛ لأنَّه سُخِّن، ومع ذلك فهو طَهور؛ لأنَّه باقٍ على خلقته حكماً. (الشرح الممتع). • وهذا الماء الطهور (لا يرفعُ الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيرهُ) وقد تقدم شرح ذلك قبل قليل. (فَإِنْ تَغَيَّرَ بغير مُمَازجٍ كَقِطَع كَافُور، أو دُهْنٍ، أوْ سُخِّن بنَجَسٍ كُرهَ). هذه أنواع يكون فيه الماء طهوراً لكن يكره استعماله: الأول: إِنْ تَغَيَّرَ بغير مُمَازجٍ كَقِطَع كَافُور: أي: إن تغير الماء بشيء لا يمازجه كقطع الكافور، فإنه يكون طهور مكروه. يكون طهوراً: لأن هذا التغير ليس عن ممازجة، ولكن عن مجاورة، فالماء هنا لم يتغير، لأن هذه القطع مازجته، ولكن لأنها جاورته. ويكون مكروهاً: خروجاً من الخلاف، لأن بعض العلماء يقول: إنه طاهر غير مطهر. والصواب أنه طهور بلا كراهة، لعدم الدليل على الكراهة.

стр. 12

الثاني: أو دُهْنٍ: هذا يكره، لو أتيت بدهن وصبيت في الماء فالدهن لا يمازج الماء بل يطفو على الماء. والصحيح أنه لا يكره. الثالث: أوْ سُخِّن بنَجَسٍ كُرهَ: أي: ومن الماء الطهور الذي يصح استعماله مع الكراهة: الماء الذي يُسخّن بنجاسة كروث حمار. لأنه لا يسلم غالباً من صعود أجزاء لطيفة إليه. وفي الحديث (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). وذهب بعض العلماء: إلى عدم الكراهة. وهو قول الجمهور. لأنه غير متردد في نجاسته. وهذا الصحيح. قال النووي: وعن أحمد كراهة المسخن بنجاسة، وليس لهم دليل فيه روح، ودليلنا النصوص المطلقة ولم يثبت نهي. فائدة: محل الخلاف في المسخّن بالنجاسة إذا لم يُحتج إليه، فإن احتيج إليه زالت الكراهة. (وإنْ استُعمِلَ في طهارةٍ مستحبة كتجديد وضوءٍ، وغُسل جمعةٍ كرِه). (وإن استعمل) أي: الماء الطهور. والمراد بالاستعمال: أن يمر الماء على العضو ويتساقط منه، وليس المراد أن يغترف منه. أي: وإن استعمل الماء الطهور في طهارة مستحبة فإنه يكره. مثال: تجديد الوُضُوء سُنَّة، فلو صَلَّى إنسان بوُضُوئه الأول ثم دخل وقت الصَّلاة الأُخرى، فإنه يُسنُّ أن يجدِّدَ الوُضُوء ـ وإِن كان على طهارة ـ فهذا الماء المستعمل في هذه الطَّهارة طَهُور لكنه يُكره. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يكره. لعدم الدليل على الكراهة. وهذا القول هو الراجح.

стр. 13

(وإِنْ تَغَيَّر بمكثِهِ، أو بما يَشقُّ صَوْنُ الماءِ عنه من نابتٍ فيه، وَوَرَقِ شَجَرٍ، أو بمُجَاوَرَةِ مَيْتةٍ، أو سُخِّنَ بالشَّمس، أو بطَاهر؛ لم يُكْرَه). هذه مسائل: يكون الماء فيها طهوراً بلا كراهة. الأولى: (وإِنْ تَغَيَّر بمكثِهِ) وهو الآجن لم يكره. فالماء الذي بقي في بمكانه مدة طويلة ولم يحصل فيه نوع من التغيير فهو باقٍ على طهوريته، لأن تغيره من غير مخالطة النجاسة. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أن الوضوء بالماء الآجن جائز، سوى ابن سيرين. وقال ابن تيمية: أما ما تغير بمكثه ومقره فهو باق على طهوريته باتفاق العلماء. وأما ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه كان يكره الوضوء بالماء الآجن. فلعل المقصود أن نفسه تكرهه، لأنه منتن الرائحة، لا أنها كراهة شرعية. (موسوعة الطهارة). الخلاصة: أن المتغير بمكثه طهور: أ- للإجماع. ب- لأن تغيره جاء من غير مخالطة، فلم يخالطه شيء لا طاهر ولا نجس، والماء طهور في نفسه حتى تخالطه الأخباث العارضة. الثانية (أو بما يَشقُّ صَوْنُ الماءِ عنه من نابتٍ فيه، وَوَرَقِ شَجَرٍ) لم يكره. مثال: ماء نابت بجواره أشجار كثيرة، فإذا حركت الرياح الأشجار تساقطت الأوراق، فتقع تلك الأوراق في الماء فيتغير بها. أو نبت في الماء طحلب فتغير بسببه، فهذا طهور من غير كراهة. وهذا قول جماهير العلماء. لأن التحرز منه يشق، فعفي عنه، وقد قال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).

стр. 14

قال ابن قدامة: الثاني: ما لا يمكن التحرز منه، كالطحلب والخز وسائر ما ينبت في الماء، وكذلك ورق الشجر الذي يسقط في الماء، أو تحمله الريح فتلقيه فيه، وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه، فتلقيه في الماء، وما هو في قرار الماء كالكبريت والقار وغيرهما، إذا جرى عليه الماء فتغير به، أو كان في الأرض التي يقف فيها الماء فهذا كله يعفى عنه؛ لأنه يشق التحرز منه. (المغني) الثالثة: (أو بمُجَاوَرَةِ مَيْتةٍ) لم يكره. فإذا تغيرت رائحته بسبب مجاورته لميتة فإنها لا تنجسه لأن الميتة غير ممازجة للماء. قال في الشرح: لا نعلم في ذلك خلافاً. وقال النووي: لو تغير الماء بجيفة بقربه، يعني: جيفة ملقاة خارج الماء قريبة منه، ففي هذه الصورة لا تضر الجيفة قطعاً، بل الماء طهور بلا خلاف. ولأن هذا التغير حصل بالمجاورة، ولم يحصل عن ممازجة. الرابعة: (أو سُخِّنَ بالشَّمس) لم يكره. لأن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي، أو نظر صحيح، ولا يوجد شيء من ذلك في هذه المسألة. وذهب بعض العلماء - وهو مذهب الشافعي - إلى كراهته. وقد جاء في ذلك أحاديث، لكن لا يصح منها شيء. أ-كحديث عائشة ﵂ قالت (دخل علي رسول الله ﷺ وقد سخنت ماء في الشمس، فقال: لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص) رواه الدارقطني. (ضعيف جداً). قال النووي: هذا الحديث المذكور ضعيف باتفاق المحدثين، وقد رواه البيهقي من طرق، وبين ضعفها كلها ومنهم من يجعله موضوعاً. ب- عن جابر. (أن عمر كان يكره الاغتسال بالماء المشمس، وقال: إنه يورث البرص) ضعيف جداً. قال النووي: وهذا ضعيف أيضاً باتفاق المحدثين. وقال العقيلي: لا يصح في الماء المشمس حديث مسند. (نصب الراية) وذكر الشوكاني أحاديث الماء المشمس في كتابه الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة.

стр. 15

فائدة: قال ابن قدامة: ولا يكره الوضوء بالماء المسخن بطاهرٍ، إلا أن يكون حاراً يمنع إسباغ الوضوء لحرارته. (أو بطَاهر؛ لم يُكْرَه) كخشب، أو غاز، فإنه لا يكره. (وإن تغير لونُه أو ريحه أو طعمه بطبخٍ أو ساقط فيه، أو رفع بقليله حدث، أو غُمس فيه يد قائم من نوم ليل فطاهر). هذا هو القسم الثاني من أقسام المياه على المذهب: وهو الطاهر، وهو الطاهر في نفسه غير مطهر لغيره. (وإن تغيّر) الضمير يعود إلى الماء الطهور. (بطبخ) كأن توضع فيه ورق شاي أو حب قهوة أو نحو ذلك. (أو ساقط فيه) كأن تسقط فيه ثمرة أو يسقط فيه ورق أو نحو ذلك أو يسقط فيه زعفران وغيره مما قد يسقط في الماء. فهو إذن ماء طهور في الأصل لكنه قد تغير وتكدر بشيء ليس بنجس بل هو طاهر سقط فيه فغيّر طعمه أو لونه أو ريحه، فما حكمه؟ (فطاهر) أي: طاهر غير مطهر، فهو طاهر في نفسه ليس بنجس لكنه ليس بمطهر. وهذا هو المذهب وهو مذهب جمهور أهل العلم. وأن الماء إذا وقع فيه شيء من الطاهرات فغيّر رائحته أو طعمه أو لونه فإن الماء طاهر وليس بطهور، فهو طاهر في نفسه وليس بمطهر لغيره، فعلى ذلك: لا يزيل النجس ولا يرفع الحدث. قالوا: لأن الماء ليس بماء مطلق بل هو ماء أضيف إليه شيء فهو ليس ماء مطلقاً بل ماء مضاف إليه مادة أخرى. وذهب بعض العلماء: وهو مذهب أبي حنيفة وأحد الروايتين عن الإمام أحمد أنه طهور. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم من المحققين. قالوا: الماء طهور، فكما أنه طاهر في نفسه فهو مطهر لغيره ما دام باقياً على مسماه.

стр. 16

ويتضح قولنا: (ما دام باقياً على مسماه) بضرب مثالين: المثال الأول: وهو ما كان فيه الماء باقياً على مسماه، كأن يوضع في إناء شيء من أوراق الشاي أو شيء من الطعام فيتغير لونه فيأخذ من لون هذا الشيء الواقع فيه. المثال الثاني: وهو ما تغير فيه مسمى الماء، كأن يوضع في إناء أوراق شاي ثم يطبخ على النار، فإنه يسمى شاياً فهو لم يبق على مسماه بل تغيّر. أما هذه الحال الثانية: فالراجح أنه ليس بماء فلا يحل لأحد أن يتطهر به، ومثله لا ينبغي الخلاف فيه لأنه ليس بماء، والشارع إنما خصص الماء بالطهارة عند وجوده، فإذا ثبت ذلك وهو أنه ليس بماء فلا يحل لأحد أن يتطهر به. أما الحال الأولى: فهو المختلف فيها وهي ما إذا كان الماء قد تغير بهذا الشيء الطاهر لكنه لم يتغير مسماه بل بقي ماءً على مسماه. فحينئذ ذهب من تقدم إلى أنه طهور، وهذا هو الراجح، والأدلة على ذلك ما يلي: أ- قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءاً فَتَيَمَّمُوا). ولفظه (ماء) نكره في سياق النفي، والقاعدة الأصولية أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فهذا يعم كل ماء. فكل ماء يتطهر به قبل اللجوء إلى التراب (أي إلى التيمم) فإذا وقع فيه شيء من الورق أو شيء من الثمر أو غير ذلك فتغيرت رائحته أو طعمه أو لونه مع بقائه على مسماه فهو ماء فيدخل في عموم الآية (فلم تجدوا ماء). ب- ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال للنساء المغسلات لابنته (إغسليها بماء وسدر)، وقال ﷺ فيمن وقصته راحلته فمات (اغسلوه بماء وسدر). ومعلوم أن السدر يؤثر في الماء ويغير منه، ومع ذلك فإنه يتطهر به هنا. فالشريعة قد دلت على التطهر به كما في هذا الحديث.

стр. 17

ج- ما رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة بإسناد صحيح أن أم هانئ، قالت: (اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر عجين). والشاهد قوله (في قصعة فيها أثر عجين) ومعلوم أن العجين يغيِّر الماء ويؤثر فيه، ومع ذلك اغتسل النبي ﷺ به وميمونة. (أو رفع بقليله حدث). (أو رفع بقليله حدث) القليل تقدم أنه ما دون القلتين. أي: استعمل في رفع حدث أكبر أو أصغر فتساقط الماء من أعضائه فاجتمع في إناء، فهذا هو الماء المستعمل في رفع حدث سواء كان الحدث أصغر أو أكبر، فهذا الماء طاهر غير مطهر. قال الشيخ الطيار: الماء المستعمل، المراد به المتساقط حال الوضوء أو الغسل، وليس المراد به الماء الذي يغترف منه. فالماء المستعمل في طهارة واجبة طاهر غير مطهر. وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) رواه مسلم. وجه الدلالة: أنه دليل على أن الماء المستعمل لرفع الحدث غير مطهر، إذ لو كان الغسل فيه يجزئ، ولا يغيّر الماء لم ينْه عنه، فالمراد بنهيه لئلا يكون مستعملاً فيسلبه الطهورية. وذهب بعض العلماء: إلى أنه طهور تصح الطهارة به. واختاره ابن المنذر، ورجحه ابن حزم، واختاره ابن تيمية. أ- لأن الأصل بقاء الطهورية للأدلة الدالة على أن الماء طهور، فلا يُعدل عن ذلك إلا بدليل شرعي. قال ﷺ (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) فهذا دليل على طهارة الماء المستعمل، لأنه لم يتغير بعد استعماله، فهو على عمومه إلا ما خصه الدليل.

стр. 18

ب-أن الله سبحانه إنما أوجب التيمم على من لم يجد الماء، قال تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) فكيف يقال بالتيمم مع وجود ماء باق على صفته التي خلقه الله عليها. ج- وكان ﷺ إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. رواه البخاري. والجواب عن دليل القول الأول (لا يغتسل أحدكم … ) أن علة النهي عن التطهر فيه ليست كون ذلك الماء مستعملاً، وإنما نهيَ عنه لئلا يقذره، وقد يؤدي تكرار ذلك إلى تغيّره. (أو غُمس فيه يد قائم من نوم ليل فطاهر). أي: ومن الماء الطاهر غير المطهر، إذا غمس فيه - أي في هذا الماء القليل - يد قائم من نوم الليل. مثاله: رجل قام من النوم في الليل، وعنده قِدْرٌ فيه ماء قليل، فغمس يده فيه، فهذا الماء يكون طاهراً غير مطهر. وهذا مذهب الحنابلة، وهو من المفردات. لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثاً فَإِنَّهُ لَا يَدْرِى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) متفق عليه. قالوا: إن الحديث نهى عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها، ولولا أن غمسها يؤثر في الماء لم ينه عنه، فإذا نهى عنه دل ذلك على تحول الماء إلى طاهر غير مطهر، وإنما قلنا: طاهر، لأن اليد ليست نجسة. وذهب بعض العلماء: إلى أنه طهور. وهذا مذهب جماهير العلماء، واختاره ابن تيمية، وابن القيم، والسعدي. قال ابن تيمية: وهو قول أكثر الفقهاء. وهذا القول هو الصحيح. القول الثالث: أنه نجس. وبه قال الحسن البصري، وداود. وهذا القول ضعيف جداً. قال النووي: وهو ضعيف جداً. وقال ابن القيم: القول بنجاسته من أشذ الشاذ.

стр. 19

• فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب له: والحكمة في غسل اليد، فيها ثلاثة أقوال: الأول: خوف النجاسة، مثل أن تمرَّ يده على موضع الاستجمار، لاسيما مع العرق ونحو ذلك. الثاني: أنه من باب التعبد؛ فنسلم به، ولو لم نعقل معناه. الثالث: أن ذلك لشيء معنوي، وهو أن الشيطان يبيت على يد النائم ويلامسها، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ، فليستنثر ثلاثا؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه) فعلم أن ذلك الغسل ليس مسبَّباً عن النجاسة، بل هو مُعَلَّلٌ بمبيت الشيطان على خيشومه. فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار. (فإذا بلغ الماءُ قُلتَيْنِ لم ينَجِّسْهُ شيءٌ إلا ما غيَّرَ لونُهُ، أو طعْمُهُ، أو ريحُهُ) هذا القسم الثالث: وهو الماء النجس، الذي لا يجوز استعماله إلا لضرورة. وهو ما تغير أحد أوصافه الثلاثة - لونه أو ريحه أو طعمه - بنجاسة. فإذا بلغ الماء قلتين - وهو الكثير - فإنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه بنجاسة تحدث فيه. وهذا بالإجماع. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس. (وما سوَى ذلك ينجُسُ بمُخالطَةِ النجاسة). أي: متى كان الماء أقل من قلتين، فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير. وهذا المذهب.

стр. 20

إذاً ضابط الماء النجس على المذهب يشمل أمرين: الأول: أن يكون كثيراً فلا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه. (وهذا بالإجماع كما تقدم). الثاني: أن تقع فيه نجاسة وهو قليل - دون القلتين - فيتنجس ولو لم يتغير. هذا المذهب: أن القليل ينجس بمجرد النجاسة ولو لم يتغير. وهو مروي عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي عبيد، وأبي ثور. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. أ-لحديث ابْن عُمَر. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا كَانَ اَلْمَاءَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ اَلْخَبَثَ) وَفِي لَفْظٍ: (لَمْ يَنْجُسْ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ. وَابْنُ حِبَّان. (ضعفه بعضهم والأكثر على تصحيحه). وجه الدلالة: أولاً: أن مفهوم الحديث أنه إذا كان الماء دون القلتين فإنه يحمل الخبث. قال ابن قدامة: وَتَحْدِيدُهُ بِالْقُلَّتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَهُمَا يَنْجُسُ، إذْ لَوْ اسْتَوَى حُكْمُ الْقُلَّتَيْنِ وَمَا دُونَهُمَا لَمْ يَكُنْ التَّحْدِيدُ مُفِيدًا. ثانياً: لو كان الماء لا ينجس إلا بالتغير لم يكن للتحديد بالقلتين فائدة، لأن الماء إذا تغير بالنجاسة نجس ولو كان مائة قلة. ب- ولحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات) وفي رواية (فليرقه). قال ابن قدامة: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ، وَإِرَاقَةِ سُؤْرِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا تَغَيَّرَ وَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ. قال النووي: فالأمر بالإراقة والغسل دليل النجاسة.

стр. 21

وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا ينجس إلا إذا تغير بنجاسة. وهو مذهب مالك، وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وداود. واختار هذا القول ابن المنذر، والغزالي من الشافعية، وهو اختيار ابن تيمية. لحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّ اَلْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) رواه أبو داود. وجه الدلالة: قوله ﷺ (لا ينجسه شيء) دليل على أن الأصل في الماء الطهارة، وأنه لا يتأثر بالنجاسة، وخص من ذلك المتغير بالنجاسة بالإجماع. قال ابن القيم: فهذا نص صحيح صريح على أن الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة مع كونه واقفاً، فإن بئر بضاعة كانت واقفة ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جار أصلاً. (تهذيب السنن). وأجاب هؤلاء عن حديث القلتين: أولاً: أن هناك من العلماء من ضعفه. فممن ضعفه عبد الله بن المبارك كما في الاوسط لابن المنذر ١/ ٢٧١ وابن عبد البر كما في التمهيد ١/ ٣٣٥ وابن القيم في تهذيب السنن ١/ ٦٢ وصحح الحديث النووي كما في المجموع ١/ ١٦٢ وابن حزم في المحلى ١/ ١٥١ وابن تيمية في مجموع ابن قاسم ٢١/ ٤١ وابن منده وابن حجر كما في الفتح ١/ ٤٠٨ والشوكاني، وأحمد شاكر. ثانياً: أن المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن كل ما لم يبلغ القلتين ينجس، وإنما القليل قد يحمل الخبث لمظنة القلة، ثم إن هذا المفهوم يعارض منطوق حديث (الماء طهور لا ينجسه شيء) والمنطوق مقدم على المفهوم.

стр. 22

• … (إذا بلغ الماء قلتين … ) بضم القلة، تثنية قلة، وهي الجرة الكبيرة من الفخار، سميت بذلك لأنها تُقَل، أي: تحمل، وهي قلال هجر، معروفة عند الصحابة، مقدار القلتين ٥٠٠ رطل بالبغدادي، وهي خمس قرب، قال الشافعي: "الاحتياط أن تكون القلتان قربتين ونصفاً" وتقدران بحوالي (٣٠٧) لترات، أو (١٠٢) كيلو. قدرها بعض المعاصرين (٢٧٠) لتراً. (وَلَا تَجُوزُ طَهارةُ رَجُلٍ بفضْلِ طَهُورِ امْرأةٍ قليلٍ خَلَتْ بهِ). (طَهارةُ رَجُلٍ) هذا قيد، (امْرأةٍ) قيد آخر، (قليلٍ) وهذا قيد آخر، (خَلَتْ بهِ) وهذا قيد. فإذا تمت هذه القيود ثبت الحكم، فإذا تطهر به الرجل عن حدثٍ لم يرتفع حدثه. مثاله: امرأة عندها قِدْرٌ من الماء يسع قُلَّةً ونصفاً، وهو يسير في الاصطلاح؛ خَلَت به في الحمَّام، فتوضَّأت منه وُضُوءاً كاملاً، ثم خرجت فجاء الرَّجُلُ بعدها ليتوضَّأَ به، نقول له: لا يرفعُ حَدَثَك. (الشرح الممتع). ودليل ذلك: أ- عَنْ رَجُلٍ صَحِبَ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ "أَنْ تَغْتَسِلَ اَلْمَرْأَةُ بِفَضْلِ اَلرَّجُلِ، أَوْ اَلرَّجُلُ بِفَضْلِ اَلْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَالنَّسَائِيُّ، قال النووي: رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح. وقال ابن حجر: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. ب-ولحديث الحكم عن عمرو الغفاري: (أن رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) رواه أبو داود.

стр. 23

وهذا الحديث ضعفه الإمام البخاري، وابن عبد البر في "الاستذكار" (١/ ٢٠٩) فقال: مضطرب لا تقوم به حجة. وقال النووي في "الخلاصة" (١/ ٢٠٠): ضعيف. وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" (١/ ١٤٩): ليس بصحيح. وذهب بعض العلماء: إلى جواز ذلك، وأنه يرفع حدث الرجل. وهذا مذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية. قال النووي: وَأَمَّا تَطْهِير الرَّجُل لِفَضْلِهَا فَهُوَ جَائِز عِنْدنَا وَعِنْد مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء، سَوَاء خَلَتْ بِهِ أَوْ لَمْ تَخْلُ. قَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: وَلَا كَرَاهَة فِي ذَلِكَ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْوَارِدَة بِهِ. قال ابن قدامة: اختارها ابن عقيل، وهو قول أكثر أهل العلم. أ- لحديث ابن عباس (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ) رواه مسلم. وجه الدلالة: أنه صريح في جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة. ب-ولحديث ابن عباس - الآخر - قال (اِغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ اَلنَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي كُنْتُ جُنُباً، فَقَالَ: إِنَّ اَلْمَاءَ لَا يُجْنِب) رواه أبو داود. وجه الدلالة: أن ظاهره يدل على أنها خلت به لطهارة كاملة عن حدث، وأجابها النبي ﷺ جواباً عاماً، بأن الماء لا يصير بهذا الفعل إلى حالة يجتنب فيها فلا يستعمل. ج- أنه ماء طهور جاز للمرأة الوضوء به، فجاز للرجل من فضل المرأة. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 24

وأما الجواب عن أحاديث النهي، فمن وجهين: الأول: أن أحاديث النهي محمولة على الكراهة جمعاً بين الأدلة، ورجحه الحافظ ابن حجر، والشوكاني. الثاني: تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملاً، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي. قال الحافظ: وهو ممكن [الجمع بين الأحاديث] بأن تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء والجواز على ما بقي من الماء وبذلك جمع الخطابي، أو يحمل النهي على التنزيه جمعاً بين الأدلة. وقال النووي عن أحاديث المنع: وأما حديث الحكم بن عمرو: فأجاب أصحابنا عنه بأجوبة: أحدها: جواب البيهقي وغيره أنه ضعيف، قال البيهقي، قال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال ليس هو بصحيح، قال البخاري: وحديث ابن سرجس الصحيح أنه موقوف عليه ومن رفعه فقد أخطأ، وكذا قال الدارقطني: وقفه أولى بالصواب من رفعه، وروي حديث الحكم أيضاً موقوفاً عليه، قال البيهقي في كتاب المعرفة: الأحاديث السابقة في الرخصة أصح فالمصير إليها أولى. الجواب الثاني: جواب الخطابي وأصحابنا: أن النهي عن فضل أعضائها، وهو ما سال عنها، ويؤيد هذا أن رواية داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن بعض أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ (أنه نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة) يُحمَل على أن المراد ما سقط من أعضائها، ويؤيده أنا لا نعلم أحداً من العلماء منعها فضل الرجل، فينبغي تأويله على ما ذكرته … يحملنا على ذلك أن الحديث لم يقل أحد بظاهره، ومحال أن يصح وتعمل الأمة كلها بخلاف المراد منه.

стр. 25

الجواب الثالث: ذكره الخطابي وأصحابنا: أن النهي للتنزيه جمعاً بين الأحاديث. (المجموع). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والصحيح أن النهي في الحديث ليس على سبيل التحريم، بل على سبيل الأولوية وكراهة التنزيه … ، فالصواب: أن الرجل لو تطهر بما خلت به المرأة، فإن طهارته صحيحة ويرتفع حدثه، هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. … (الشرح الممتع). (وإذا شكَّ في نجاسة الماءِ أو غيرِهِ أو طهارته، بَنَى عَلَى اليَقِينِ). (وإذا شكَّ في نجاسة الماءِ أو غيرِهِ أو طهارته … ) أي: في نجاسته إِذا كان أصله طاهراً، وفي طهارته إِذا كان أصله نجساً. مثال الشَكِّ في النَّجاسة: لو كان عندك ماء طاهر لا تعلم أنَّه تنجَّس؛ ثم وجدت فيه روثة لا تدري أروثة بعير، أم روثة حمار، والماء متغيِّر من هذه الرَّوثة؛ فحصل شكٌّ هل هو نجس أم طاهر؟ فيُقال: ابْنِ على اليقين، واليقين أنه طَهُور، فتطهَّر به ولا حرج. ومثال الشكِّ في الطَّهارة: لو كان عنده ماء نجس يعلم نجاسته؛ فلما عاد إليه شكَّ هل زال تغيُّره أم لا؟ فيُقال: الأصل بقاء النَّجاسة، فلا يستعمله. (بَنَى عَلَى اليَقِينِ) اليقين: هو أصله الذي كان عليه قبل الشك. لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان ما لم يتيقن ضد ذلك. (اليقين لا يزول بالشك). ويدل لذلك: حديث عبد الله بن زيد قال: (شكيَ إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال ﷺ : لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً). متفق عليه قال النووي: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى تتيقن خلاف ذلك ولا يضر الشك الطارئ عليها. وقال ﷺ لمن شك في صلاته: (فليطرح الشك وليبن على اليقين).

стр. 26

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الاحتياط بمجرد الشك في أمور المياه ليس مستحباً ولا مشروعاً، بل ولا يستحب السؤال عن ذلك، بل إن المشروع أن يبقى الأمر على الاستصحاب، فإن قام دليل على النجاسة نجّسناه، وإلا فلا يستحب أن يجتنب استعماله بمجرد احتمال النجاسة. • مسألة: إذا تَيَقَّنَ اَلطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي اَلْحَدَثِ: فَهُوَ طَاهِرٌ للحديث السابق (لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا). مثال: فلو أن إنسان توضأ لصلاة العصر، ثم شك هل انتقض وضوءه أم لا، فإنه يعتبر نفسه متوضئاً ويبني على ذلك، لأنه الأصل المتيقن. وكذلك من شك في طلاق امرأته، فإنه يبني على الأصل المتيقن وهو بقاء الزوجة. وكذلك من شك في حصول الرضاع بينه وبين امرأة أجنبية، فيبني على الأصل المتيقن وهو كونها أجنبية عنه. وهذا مذهب جماهير العلماء. • قال النووي: ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة. • وإذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. [قاله النووي] مثال: إنسان أكل لحم إبل، فلما أذن العصر شك هل توضأ أم لا، فالأصل أنه على غير وضوء وأنه يلزمه الوضوء لأنه الأصل. (وإِنِ اشْتَبَه ماءٌ طاهرٌ بنجسٍ، ولم يجدْ غيرَهما تَيمَّمَ وتَرَكَهُما) أي: إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس، كما لو كان هناك أوانٍ فيها ماء طهور، وأوانٍ فيها ماء نجس، واشتبها عليه فإنه يتيمم ويسقط استعمال الماء. وهذه المسألة اختلف العلماء فيها على أقوال: القول الأول: أنه يتيمم، ويسقط استعمال المال. وبهذا قال الحنفية، والحنابلة، واختاره المزني.

стр. 27

قالوا: إذا اجتمع مبيح وحاظر، على وجه لا يتميز أحدهما عن الآخر، وجب اجتنابهما جميعًا؛ لأن اجتناب النجس واجب، ولا يمكن اجتنابه إلا بتركهما جميعًا. ويشهد لهذا حديث عدي بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ (وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره، وقد قتل، فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيهما قتله … ) متفق عليه. القول الثاني: القول بالتحري، وهو أنه لا تجوز الطهارة بواحد منهما إلا إذا اجتهد وغلب على ظنه طهارته بعلامة تظهر. وهذا قول الشافعي. أ-لحديث عبدالله. قال: قال ﷺ (وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين) متفق عليه. وجه الدلالة: إذا كان المسلم يتحرى في الصلاة إذا شك فيها، مع أنها المقصود الأعظم من الطهارة، فكونه يتحرى في شرطها من باب أولى. ب- القياس على مشروعية التحري في إصابة القبلة، فكما أنه يجوز التحري إجماعًا إذا اشتبهت القبلة، فكذلك هنا. ج-ولأنه تعذر اليقين هنا، وكلما تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن. وهذا الراجح. (وإِن اشْتَبَهَتْ ثيابٌ طاهرةٌ بنجسةٍ صلَّى في كلِّ ثوبٍ صلاةً بعددِ النَّجس وزَاد صلاةً). لأنه يكون قد صلى فرضه بيقين. مثال: فإذا كان عنده خمسة أثواب نجسة وثوب طاهر، واشتبهت، صلى في ستة أثواب ست صلوات، في كل ثوب يصلي صلاة، ليصلي في ثوب طاهر يقيناً. وهذا المذهب. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يتحرى. وهذا مذهب الشافعي. واختاره ابن تيمية، وابن القيم. قال ابن القيم: والقول بالتحري هو الراجح الظاهر، سواء كثر عدد الثياب الطاهرة أو قل وهو اختيار شيخنا. قال شيخنا: اجتناب النجاسة من باب المحظور، فإذا تحرى وغلب على ظنه طهارة ثوب منها فصلى فيه لم يحكم ببطلان صلاته بالشك فإن الأصل عدم النجاسة وقد شك فيها في هذا الثوب فيصلي فيه كما لو استعار ثوباً أو اشتراه ولا يعلم حاله.

стр. 28

وقول أبي ثور في غاية الفساد فإنه لو تيقن نجاسة الثوب لكانت صلاته فيه خيرا وأحب إلى الله من صلاته متجردا بادى السوءة للناظرين. (إغاثة اللهفان). وقال ابن القيم أيضاً في بدائع الفوائد: ولو اشتبه ثوب طاهر بنجس انتقل إلى غيرهما، فإن لم يجد: فقيل: يصلي في كل ثوب صلاة ليؤدي الفرض في ثوب متيقن. وقيل: بل يجتهد في أحد الثوبين ويصلي وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قال: لأن اجتناب النجاسة من باب الترك ولهذا لا تشترط له النية. (بدائع الفوائد). مسألة: حكم الوضوء بالماء المغصوب: اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا تصح الطهارة به. وهذا مذهب الحنابلة. قال في الإنصاف: وأما الوضوء بالماء المغصوب، فالصحيح من المذهب أن الطهارة لا تصح به. لقوله ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم. والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله ﷺ . القول الثاني: تصح الطهارة مع الإثم. وهذا مذهب جماهير العلماء. وهو الصحيح.

стр. 29

(ويلزمُ من علِمَ بنجاسةِ شيءٍ إعلام من أراد أن يستعمله). لأن ذلك من النصيحة في الدين. وقد قال ﷺ (الدين النصيحة) رواه مسلم. • مسألة: الطهارة بماء زمزم. اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: كراهة الوضوء والغسل منه. وهذا مذهب الحنابلة. أ- لقول العباس بن عبد المطلب - وهو قائم عند زمزم وهو يرفع ثوبه - (اللهم إني لا أحلّها لمغتسل، ولكن هي لشارب حِل وبِل) أخرجه عبد الرزاق وضعفه النووي. ب- ولحديث جابر. قال: قال رسول الله ﷺ (ماء زمزم لما شرب منه) رواه ابن ماجه. وجه الدلالة: أن ماء زمزم يشرب للشبع والري، فلو قلنا: يغتسل منها ربما اتسع الناس في ذلك فزال المقصود. ج- أن ترك الوضوء به والغسل إنما هو لكرامته وشرفه، وكونه ماء مباركاً ومن منبع شريف. القول الثاني: كراهة الغسل به دون الوضوء. وهذا اختيار ابن تيمية. القول الثالث: جواز الوضوء والغسل به بلا كراهة. وهذا مذهب جماهير العلماء. أ- لقول علي (ثم أفاض رسول الله ﷺ ، فدعا بَسَجْل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ). رواه عبد الله بن الإمام أحمد بإسناد صحيح ب- القياس على سائر المياه، فماء زمزم ماء طهور أشبه سائر المياه. وهذا القول هو الراجح.

стр. 30

قال النووي: وأما زمزم فمذهب الجمهور كمذهبنا أنه لا يكره الوضوء والغسل به، وعن أحمد رواية بكراهته؛ لأنه جاء عن العباس ﵁ أنه قال وهو عند زمزم: لا أحله لمغتسل وهو لشارب حل وبل؛ ودليلنا النصوص الصحيحة الصريحة المطلقة في المياه بلا فرق ولم يزل المسلمون على الوضوء منه بلا إنكار ولم يصح ما ذكروه عن العباس بل حكي عن أبيه عبد المطلب، ولو ثبت عن العباس لم يجز ترك النصوص به: وأجاب أصحابنا بأنه محمول على أنه قاله في وقت ضيق الماء لكثرة الشاربين. (المجموع). وقال النووي أيضاً: لا تكره الطهارة بماء زمزم عندنا، وبه قال العلماء كافة إلا أحمد في رواية. دليلنا (دليل ذلك) أنه لم يثبت فيه نهي، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وأما ما يقال عن العباس من النهي عن الاغتسال بماء زمزم فليس بصحيح عنه. (من كتاب فتاوى الإمام النووي). وقال ابن قدامة: ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم؛ لأنه ماء طهور، فأشبه سائر المياه. وعنه: يكره لقول العباس لا أحلها لمغتسل، لكن لمحرم حل وبل؛ ولأنه يزيل به مانعاً من الصلاة، أشبه إزالة النجاسة به. والأول أولى، وقول العباس لا يؤخذ بصريحه في التحريم، ففي غيره أولى، وشرفه لا يوجب الكراهة لاستعماله، كالماء الذي وضع فيه النبي ﷺ كفه، أو اغتسل منه. (المغني). باب الآنية • الآنية جمع إناء، والمراد بها هنا الأواني التي يكون فيها ماء الوضوء، وما هو أعم من ذلك من الطعام والشراب. • والأصل في الأواني الحل. كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً). كما قال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ).

стр. 31

• مناسبة ذكره هنا: أنه لما كان الماء جوهراً سيالاً لا بد له من وعاء، ناسب ذكرها بعد أحكام المياه، ليعلم المسلم حكم آنيته التي يستعملها. (منحة العلام). • وباب الآنية له مناسبة أخرى وهي: كتاب الأطعمة، لأن الطعام يؤكل بالآنية، لكن جرت العادة أن الشيء إذا كان له مناسبتان يذكر في الأولى منهما ثم يحال عليه في المناسبة التالية وذلك لأمور: أولاً: أن هذا من باب المبادرة والمسابقة بالخيرات. ثانياً: أن المؤلف إذا لم يذكره في المناسبة الأولى فقد يَعْرضه نسيان. ثالثاً: أنه قد يكون مستحضراً للمسألة، فلو تركها لربما ينسى بعض الوجوه. (شرح البلوغ للصقير). (يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله). فالأصل في الأواني الإباحة. أي جميع الأواني من خشب، أو جلود، أو صُفر، أو حديد، أو خزف، يباح اتخاذها واستعمالها. • الاتخاذ: أن يقتنيه فقط، إما للزينة أو لاستعماله في حالة الضرورة، أو للبيع فيه والشراء. • الاستعمال: فهو التلبس بالانتفاع فيه، فيستعمله فيما يناسبه. والدليل على أن جميع الأواني مباحة دليل عام ودليل خاص. أما الدليل العام فسبق أن الأصل في الأشياء الإباحة. وأما الدليل الخاص: فقد ثبت عن النبي (أنه ﷺ اغتسل من جفنة). والجفنة: كالقصعة. وثبت عن النبي ﷺ (أنه توضأ من توْر من صفر). رواه البخاري. التوْر: إناء يشرب فيه. (وتوضأ من قربة). رواه البخاري ومسلم. (وتوضأ من إداوة). متفق عليه. والإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. (ولو ثميناً). أي: ولو كان الإناء غالياً، كالجواهر، والزمرد، والماس، وما شابه ذلك.

стр. 32

وهذا مذهب أكثر العلماء. أ-لأن الأصل في الأشياء الإباحة، وقد قال تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً). ب-وتخصيص النبي ﷺ الذهب والفضة بالمنع يقتضي إباحة ما عداهما. ج-ولأن العلة في الذهب والفضة هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وهي غير موجودة هنا، إذ الجوهر ونحوه لا يعرفه إلا خواص الناس. وذهب بعض العلماء إلى التحريم وبعضهم إلى الكراهة، والراجح الأول. (إلا آنيةُ الذهب والفضة والمموه بهما). أي: إلا آنية الذهب والفضة فيحرم الأكل والشرب فيهما، لورود النص في ذلك. أ- لحديث حُذَيْفَة بْنِ الْيَمَان قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ب- ولحديث أُم سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الْلَّهِ ﷺ (الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ) مُتَّفَقٌ عليه. (صِحَافِهَا) جمع صحفة، وهي إناء من آنية الطعام يقول أهل اللغة: إنها تشبع الخمسة من الرجال. (إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ) الجرجرة صب الماء في الحلق والمعنى كأنها تجرع نار جهنم. • اختلف العلماء: هل حكم الاتخاذ والاستعمال لآنية الذهب والفضة حكم الأكل والشرب أم لا على قولين؟ (كأن يجعل عنده آنية ذهب أو فضة للزينة، مثل الإبريق أو غيرها). القول الأول: أنه حرام. وهذا قول جمهور العلماء. أ-أن النهي عن الأكل والشرب خرج مخرج الغالب، أو أنه تنبيه بالأعلى على الأدنى؛ فالأكل والشرب يحتاج إليهما أكثر من غيرهما، ومع ذلك حرمهما فيها، فكان غيرهما محرماً من باب أولى، ونظير ذلك قوله تعالى (لا تأكلوا الربا) فلا يجوز الانتفاع به في غير الأكل. ب-أن العلة من تحريم الأكل والشرب فيهما، موجودة في الاستعمال أيضاً. ج-آخر الحديث (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) مُشعِرٌ بالمنع منها مطلقاً.

стр. 33

القول الثاني: أنه جائز. واختار هذا القول الشوكاني والصنعاني. أ- قالوا: التحريم خاص بالأكل والشرب فقط، والأصل الحل، والأحاديث نص في تحريم الأكل والشرب، والأصل فيما عداهما الحل، فلا يحرم شيء حتى يأتي دليل صحيح صريح بتحريم الاستعمال، فتخصيص النبي ﷺ للأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز. قال الشوكاني: والحاصل أن الأصل الحل، فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلّمه الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة. ب- عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ (أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ: وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ، أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ فَاطَّلَعْتُ فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا) رواه البخاري. وجه الدلالة: أن أم سلمة وهي راوية حديث النهي عن الشرب بالفضة، كان عندها جلجل من فضة، فيه شعر النبي ﷺ ، يستشفى به الناس، وهذا استعمال في غير الأكل والشرب. • اختلف العلماء في العلة من تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة على أقوال: قيل: الخيلاء أو كسر قلوب الفقراء. قال الشوكاني: ويرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة، وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة، ولم يمنعها إلا من شذ. لكن قال ابن قدامة: فإن قيل: إن كانت علة التحريم كسر قلوب الفقراء، لحرمت آنية الياقوت ونحوه مما هو أرفع من الأثمان. الجواب: قلنا تلك لا يعرفها الفقراء، فلا تنكسر قلوبهم باتخاذ الأغنياء لها، لعدم معرفتهم بها.

стр. 34

وقيل: التشبه بأهل الجنة. حيث يطاف عليهم بآنية من فضة وصحاف من ذهب، وذاك مناط معتبر للشارع كما ثبت عنه ﷺ لما رأى رجلاً متختماً بخاتم من ذهب، فقال (مالي أرى عليك حلية أهل الجنة) أخرجه الثلاثة من حديث بريدة. [قاله الشوكاني]. وقيل: التشبه بالمشركين. لقوله ﷺ (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة). وقيل: أن هذا ينافي العبودية. قال ابن القيم: فَالصّوَابُ أَنّ الْعِلّةَ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - مَا يُكْسِبُ اسْتِعْمَالُهَا الْقَلْبَ مِنْ الْهَيْئَةِ وَالْحَالَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلْعُبُودِيّةِ مُنَافَاةً ظَاهِرَةً وَلِهَذَا عَلّلَ النّبِيّ ﷺ بِأَنّهَا لِلْكُفّارِ فِي الدّنْيَا إذْ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْعُبُودِيّةِ الّتِي يَنَالُونَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ نَعِيمَهَا فَلَا يَصْلُحُ اسْتِعْمَالُهَا لِعَبِيدِ اللّهِ فِي الدّنْيَا وَإِنّمَا يَسْتَعْمِلُهَا مَنْ خَرَجَ عَنْ عُبُودِيّتِهِ وَرَضِيَ بِالدّنْيَا وَعَاجِلِهَا مِنْ الْآخِرَة. (زاد المعاد). (إلا ضبة يسيرة من فضة لحاجة). أي: فيباح إناء ضبب بضبة يسيرة من فضة لحاجة. وهذا مستثنى من الاتخاذ والاستعمال لآنية الذهب والفضة. والدليل على الإباحة: حديث أَنَس بْن مَالِك ﵁ (أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ اِنْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ.) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي. (قَدَحَ) إناء يشرب به الماء، وجمعه أقداح. (اِنْكَسَرَ) وفي رواية للبخاري (فانصدع) أي: انشق. (فَاتَّخَذَ) اختلف من الذي اتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، فقيل: هو الرسول ﷺ ، للرواية التي بين أيدينا، فإنها تدل أن المتخذ هو الرسول ﷺ ، وقيل: هو أنس. لرواية عند البخاري عن عاصم الأحول: (رأيت قدح رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك، وكان انصدع فتسلسله بفضة)، قال الحافظ: وفيه نظر، لأن في الخبر عند البخاري عن عاصم قال: قال ابن سيرين إنه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغير شيئاً صنعه رسول الله ﷺ ، فهذا يدل على أنه لم يغير شيئاً. (مَكَانَ الشَّعْبِ) الشعب بفتح الشين وسكون العين أي: الصدع والشق. (سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ) السلسلة بفتح السين، والمراد بها إيصال الشيء بالشيء، أي: سلكاً من فضة.

стр. 35

فالحديث دليل على جواز إصلاح الإناء المنكسر بسلسلة من فضة. لكن لابد من شروط: أولاً: أن يكون ذلك من فضة. لورود النص فيه. وأما الذهب فلا يجوز، لأنه أغلى ثمناً وأشد تحريماً، ولأنه لو كان جائزاً لاستعمله النبي ﷺ في الإناء، لأنه أبعد عن الصدأ بخلاف الفضة. ثانياً: أن يكون لحاجة. لأن النبي ﷺ لم يتخذها إلا عند الحاجة، وهو الكسر. (الحاجة هنا ليس معناها أنه لا يجد غيرها من الحديد والنحاس والصفر أو نحوها ، وإنما معناها أن يتعلق بإصلاحه غرض من غير أغراض الزينة وتجميل الإناء). ثالثاً: أن يكون يسيراً. لأن هذا هو الغالب في القدح، يعني كونه صغيراً، والغالب أنه إذا انكسر فإنه لا يحتاج إلى شيء كثير، والأصل التحريم، فنقتصر على ما هو الغالب. [الشرح الممتع]. • ذهب بعض العلماء: إلى أنه يكره مباشرة الفضة التي ربط بها الإناء عند الشرب. فلو أن إنساناً عنده إناء به ضبة وأراد أن يشرب من هذا الإناء، فإنه لا يباشر من هذه الضبة حال شربه بشفتيه. وقيل: لا يكره.

стр. 36

ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀. أ- لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولا دليل على كراهة مباشرة الضبة حال الاستعمال مادمنا قد قلنا بإباحتها. ب- ولأن النبي ﷺ حال استعماله لقدحه المضبب بالفضة لم يثبت عنه أنه كان يتوقى هذه الجهة المضببة. [شرح العمدة للطيار]. ج- أن الشيء إذا أُذِنَ فيه كان مباحاً، فما دام الشرع قد أذن به فإنه يكون مباحاً. [شرح البلوغ لابن عثيمين]. (وتصح الطهارة منها). أي: تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة. فلو جعل الإنسان لوضوئه آنية من ذهب، فالطهارة صحيحة، والاستعمال محرم. وهذا مذهب جماهير العلماء. أ- لأن حقيقة الوضوء: هو جريان الماء على الأعضاء، وليس في ذلك معصية؛ وإنما المعصية في استعمال الإناء. قال ابن تيمية: التحريم إذا كان في ركن العبادة وشرطها، أثَّر فيها، كما كان في الصلاة في اللباس أو البقعة، وأما إذا كان في أجنبي عنها، لم يؤثر، والإناء في الطهارة أجنبي عنها؛ فلهذا لم يؤثر فيها، والله أعلم. ب- قالوا: إنه لو أكل أو شرب في إناء الذهب والفضة، لم يكن المأكول والمشروب حرامًا، فكذلك الطهارة؛ لأن المنع إنما هو لأجل الظرف، دون ما فيه. (وتباح آنية الكفار وثيابهم). وهذا قول أكثر العلماء. أ-لحديث حديث عمران بن حصين (أن النبي ﷺ وأصحابه توضأوا من مزادة امرأة مشركة) متفق عليه. ب-ولحديث (أن النبي ﷺ أكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر) متفق عليه. ج-ولحديث أنس (أن يهودياً دعا النبي ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه) رواه أحمد. (الإهالة) الودك. (السنخة) المتغيرة. د-وأيضاً: أن الله أباح لنا طعام أهل الكتاب، ومن المعلوم أنهم يأتون به إلينا أحياناً مطبوخاً بأوانيهم. هـ-وأيضاً: أن الله أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن. • فإن قيل: ما الجواب عن حديث أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الْلَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ فَقَالَ: "لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. الجواب: أن هذا الحديث محمول على قوم عرفوا بمباشرتهم النجاسات كأكل الخنزير ونحوه ويدل لهذا رواية أبي داود وأحمد (إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم ليأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟). (أن المقصود من الحديث الأواني التي يستعملونها لا التي يصنعونها لنا).

стр. 37

(ولا يَطهرُ جلد ميتةٍ بدباغ). الدبغ: إزالة النتن والرطوبة من الجلد بمواد خاصة. من المعلوم أن جلد الميتة نجس إذا كانت الميتة نجسة، لقوله تعالى ( … إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس) أي: نجس، فهو داخل في عموم الميتة. لكن هل إذا دبغ يطهر أم لا؟ فقيل: لا يطهر. قال ابن قدامة: وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَعَائِشَةَ ﵃. قال النووي: وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة، وهو أشهر الروايتين عن أحمد. أ- لقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة). وجه الدلالة: أن الله حرم الميتة في كتابه تحريماً عاماً، ويقع التحريم على اللحم والجلد، لأنه لم يخص منها شيئاً دون شيء، وهذا عام قبل الدباغ وبعده، والجلد جزء من الميتة فيكون محرماً. ب- لحديث عبد الله بن عُكَيم قال: (كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر، أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) رواه الترمذي وأحمد. وجه الدلالة: أنه نص في تحريم الميتة، وأنه لا ينتفع بإهابها مطلقاً، دبغ أو لم يدبغ، وهو آخر الأمرين، لأنه قبل وفاته (بشهر) فيكون ناسخاً لأحاديث طهارة جلد الميتة بالدباغ إن صحت.

стр. 38

ج- القياس على اللحم بجامع أن الجلد جزء من الميتة فلم يطهر بالدبغ كاللحم. وقيل: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم دون غيره. قال النووي: وهو مذهب الأوزاعي، وابن المبارك، وأبي ثور، وإسحاق بن راهوية. هذا اختيار ابن تيمية حيث قال ﵀: وأرجح القولين أن الدباغ كالذكاة فيطهر ما طهر بالذكاة، وهو مأكول اللحم فقط دون غيره. أ- لحديث عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: هَلاَّ اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ قَالُوا إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) متفق عليه. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ وصف هذه الشاة بأنها ميتة، وبيّن أنه حُرّم بموتها أمر واحد وهو أكلها، فتبين بهذا أن ما لا يؤكل أصلاً له حكم آخر، فلحمه حرام أصلاً سواء مات أو ذكي، فبناء على ذلك يقولون إن الحكم خاص بالميتة التي حرم أكلها لعارض وهو كونها ميتة ولو ذكيت لما حرم أكلها. ب- لحديث سلمة بن المحبق. قال: قال ﷺ (دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهاَ). وجه الدلالة: حيث شبّه الدبغ بالذكاة، والذكاة لا تطهر إلا ما يؤكل لحمه، فكذا الدبغ. ج- وأيضاً قال ﷺ عن جلود الميتة (دباغها ذكاتها) وفي لفظ (ذكاتها دباغها) رواه النسائي. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أقام الدباغ لجلد الميتة مقام الذكاة، والذكاة تفيد في مأكول اللحم، ولا تفيد فيما لا يؤكل لحمه. د- ما رواه أبو المليح عن أبيه (أن النبي ﷺ نهى عن جلود السباع أن تفترش) رواه أبو داود. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن جلود السباع - وهي مما لا يؤكل لحمه - ولم يذكر النبي ﷺ دباغ ولا غيره، فدل على أنه حتى لو دبغت فلا تطهر، لأنها ليست مما يؤكل لحمها، فدل على أن الدباغ مطهر لجلد ما مات مما يؤكل لحمه فقط. وهذا القول هو الصحيح والله أعلم.

стр. 39

وقيل: يطهر بالدباغ جلد كل ميتة مطلقاً حتى الكلب والخنزير. وهذا قول داود الظاهري، وهو اختيار ابن عبد البر، ورجحه الشوكاني. لعموم الأدلة، فالأحاديث الواردة لم يُفرّق فيها بين الكلب والخنزير وما عداهما. أ-كحديث ابْنِ عَبَّاسٍ قال: قَالَ رَسُولُ الْلَّهِ ﷺ (إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَعِنْدَ الْأَرْبَعَةِ: (أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ) فهو نص صريح في طهارة جلد الميتة بالدباغ. فقوله (إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ … ) وإهاب هذه نكرة في سياق الشرط فتعم كل إهاب. ب- وكحديث سَلَمَة بْن الْمُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الْلَّهِ ﷺ (دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهاَ) صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (وكل ميتة نجسة). الميتة: هي كل ما لم يذكى ذكاة شرعية. فالميتة نجسة. قال تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ). وقال تعالى (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ … ). وقال تعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ … ). وقد أجمع العلماء على تحريم الميتة في حال الاختيار. (وكل أجزائها نجسة). كاليد، والرجِل، والرأس ونحوها. لعموم الآيات السابقة. (إلا الآدمي). أي: إلا ميتة الآدمي فإنها طاهرة. لقوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم .. ) ومن جملة تكريمه جعله طاهراً حياً وميتاً. ولقوله ﷺ (إن المؤمن لا ينجس) متفق عليه. وقال بعض العلماء: إن الكافر ينجس بالموت دون المسلم. للحديث السابق (إن المؤمن لا ينجس) فمفهومه أن غير المسلم ينجس. ولقوله تعالى (إنما المشركون نجس). والصحيح أنه سواء كان مؤمناً أو كافراً لا ينجس بالموت. وأما الآية فالمراد بالنجاسة فيها النجاسة المعنوية.

стр. 40

(وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه). أي: طاهر. فجميع ميتات البحر التي لا تعيش إلا فيه حلال. أ- لقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ). قال ابن عباس (صيده: ما صيد فيه، وطعامه: ما قذف) أخرجه ابن جرير. ب- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلْبَحْرِ: (هُوَ اَلطُّهُورُ مَاؤُهُ، اَلْحِلُّ مَيْتَتُهُ) رواه أبو داود. ج- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ) رواه ابن ماجه. د- وعن جَابِر قال (غَزَوْنَا جَيْشَ الخَبَطِ، وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى البَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ لَهُ العَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ فَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُوا فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (كُلُوا، رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ، أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ) فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ فَأَكَلَهُ) متفق عليه. (قال في "لسان العرب" (٢/ ٢٦): الحُوتُ السمك، وقيل هو ما عظُمَ منه). فميتة البحر حلال سواء ماتت في البحر ثم طفت فيه، أو ماتت بمفارقة البحر. (وما لا نفسَ له سائلة). هذا مما يستثنى، أي: لا دم له يسيل منه إذا خرج منه بجرح أو قتل. لحديث أَبِي هُرَيْرة. قال: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا وَقَعَ اَلذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي اَلْآخَرِ شِفَاءً) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ. وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ (وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ اَلَّذِي فِيهِ اَلدَّاءُ). فهذا الحديث دليل على أن الماء إذا وقع فيه الذباب فإنه لا ينجس. لأن الرسول ﷺ أمر بغمسه ولم يأمر بإراقة ما وقع فيه.
следующие страницы →