← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀. أ- لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولا دليل على كراهة مباشرة الضبة حال الاستعمال مادمنا قد قلنا بإباحتها. ب- ولأن النبي ﷺ حال استعماله لقدحه المضبب بالفضة لم يثبت عنه أنه كان يتوقى هذه الجهة المضببة. [شرح العمدة للطيار]. ج- أن الشيء إذا أُذِنَ فيه كان مباحاً، فما دام الشرع قد أذن به فإنه يكون مباحاً. [شرح البلوغ لابن عثيمين]. (وتصح الطهارة منها). أي: تصح الطهارة من آنية الذهب والفضة. فلو جعل الإنسان لوضوئه آنية من ذهب، فالطهارة صحيحة، والاستعمال محرم. وهذا مذهب جماهير العلماء. أ- لأن حقيقة الوضوء: هو جريان الماء على الأعضاء، وليس في ذلك معصية؛ وإنما المعصية في استعمال الإناء. قال ابن تيمية: التحريم إذا كان في ركن العبادة وشرطها، أثَّر فيها، كما كان في الصلاة في اللباس أو البقعة، وأما إذا كان في أجنبي عنها، لم يؤثر، والإناء في الطهارة أجنبي عنها؛ فلهذا لم يؤثر فيها، والله أعلم. ب- قالوا: إنه لو أكل أو شرب في إناء الذهب والفضة، لم يكن المأكول والمشروب حرامًا، فكذلك الطهارة؛ لأن المنع إنما هو لأجل الظرف، دون ما فيه. (وتباح آنية الكفار وثيابهم). وهذا قول أكثر العلماء. أ-لحديث حديث عمران بن حصين (أن النبي ﷺ وأصحابه توضأوا من مزادة امرأة مشركة) متفق عليه. ب-ولحديث (أن النبي ﷺ أكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر) متفق عليه. ج-ولحديث أنس (أن يهودياً دعا النبي ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه) رواه أحمد. (الإهالة) الودك. (السنخة) المتغيرة. د-وأيضاً: أن الله أباح لنا طعام أهل الكتاب، ومن المعلوم أنهم يأتون به إلينا أحياناً مطبوخاً بأوانيهم. هـ-وأيضاً: أن الله أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن. • فإن قيل: ما الجواب عن حديث أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الْلَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ فَقَالَ: "لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. الجواب: أن هذا الحديث محمول على قوم عرفوا بمباشرتهم النجاسات كأكل الخنزير ونحوه ويدل لهذا رواية أبي داود وأحمد (إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم ليأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟). (أن المقصود من الحديث الأواني التي يستعملونها لا التي يصنعونها لنا).

стр. 37

(ولا يَطهرُ جلد ميتةٍ بدباغ). الدبغ: إزالة النتن والرطوبة من الجلد بمواد خاصة. من المعلوم أن جلد الميتة نجس إذا كانت الميتة نجسة، لقوله تعالى ( … إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس) أي: نجس، فهو داخل في عموم الميتة. لكن هل إذا دبغ يطهر أم لا؟ فقيل: لا يطهر. قال ابن قدامة: وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَعَائِشَةَ ﵃. قال النووي: وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة، وهو أشهر الروايتين عن أحمد. أ- لقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة). وجه الدلالة: أن الله حرم الميتة في كتابه تحريماً عاماً، ويقع التحريم على اللحم والجلد، لأنه لم يخص منها شيئاً دون شيء، وهذا عام قبل الدباغ وبعده، والجلد جزء من الميتة فيكون محرماً. ب- لحديث عبد الله بن عُكَيم قال: (كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر، أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) رواه الترمذي وأحمد. وجه الدلالة: أنه نص في تحريم الميتة، وأنه لا ينتفع بإهابها مطلقاً، دبغ أو لم يدبغ، وهو آخر الأمرين، لأنه قبل وفاته (بشهر) فيكون ناسخاً لأحاديث طهارة جلد الميتة بالدباغ إن صحت.

стр. 38

ج- القياس على اللحم بجامع أن الجلد جزء من الميتة فلم يطهر بالدبغ كاللحم. وقيل: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم دون غيره. قال النووي: وهو مذهب الأوزاعي، وابن المبارك، وأبي ثور، وإسحاق بن راهوية. هذا اختيار ابن تيمية حيث قال ﵀: وأرجح القولين أن الدباغ كالذكاة فيطهر ما طهر بالذكاة، وهو مأكول اللحم فقط دون غيره. أ- لحديث عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: هَلاَّ اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ قَالُوا إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) متفق عليه. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ وصف هذه الشاة بأنها ميتة، وبيّن أنه حُرّم بموتها أمر واحد وهو أكلها، فتبين بهذا أن ما لا يؤكل أصلاً له حكم آخر، فلحمه حرام أصلاً سواء مات أو ذكي، فبناء على ذلك يقولون إن الحكم خاص بالميتة التي حرم أكلها لعارض وهو كونها ميتة ولو ذكيت لما حرم أكلها. ب- لحديث سلمة بن المحبق. قال: قال ﷺ (دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهاَ). وجه الدلالة: حيث شبّه الدبغ بالذكاة، والذكاة لا تطهر إلا ما يؤكل لحمه، فكذا الدبغ. ج- وأيضاً قال ﷺ عن جلود الميتة (دباغها ذكاتها) وفي لفظ (ذكاتها دباغها) رواه النسائي. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أقام الدباغ لجلد الميتة مقام الذكاة، والذكاة تفيد في مأكول اللحم، ولا تفيد فيما لا يؤكل لحمه. د- ما رواه أبو المليح عن أبيه (أن النبي ﷺ نهى عن جلود السباع أن تفترش) رواه أبو داود. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن جلود السباع - وهي مما لا يؤكل لحمه - ولم يذكر النبي ﷺ دباغ ولا غيره، فدل على أنه حتى لو دبغت فلا تطهر، لأنها ليست مما يؤكل لحمها، فدل على أن الدباغ مطهر لجلد ما مات مما يؤكل لحمه فقط. وهذا القول هو الصحيح والله أعلم.

стр. 39

وقيل: يطهر بالدباغ جلد كل ميتة مطلقاً حتى الكلب والخنزير. وهذا قول داود الظاهري، وهو اختيار ابن عبد البر، ورجحه الشوكاني. لعموم الأدلة، فالأحاديث الواردة لم يُفرّق فيها بين الكلب والخنزير وما عداهما. أ-كحديث ابْنِ عَبَّاسٍ قال: قَالَ رَسُولُ الْلَّهِ ﷺ (إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَعِنْدَ الْأَرْبَعَةِ: (أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ) فهو نص صريح في طهارة جلد الميتة بالدباغ. فقوله (إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ … ) وإهاب هذه نكرة في سياق الشرط فتعم كل إهاب. ب- وكحديث سَلَمَة بْن الْمُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الْلَّهِ ﷺ (دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهاَ) صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (وكل ميتة نجسة). الميتة: هي كل ما لم يذكى ذكاة شرعية. فالميتة نجسة. قال تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ). وقال تعالى (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ … ). وقال تعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ … ). وقد أجمع العلماء على تحريم الميتة في حال الاختيار. (وكل أجزائها نجسة). كاليد، والرجِل، والرأس ونحوها. لعموم الآيات السابقة. (إلا الآدمي). أي: إلا ميتة الآدمي فإنها طاهرة. لقوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم .. ) ومن جملة تكريمه جعله طاهراً حياً وميتاً. ولقوله ﷺ (إن المؤمن لا ينجس) متفق عليه. وقال بعض العلماء: إن الكافر ينجس بالموت دون المسلم. للحديث السابق (إن المؤمن لا ينجس) فمفهومه أن غير المسلم ينجس. ولقوله تعالى (إنما المشركون نجس). والصحيح أنه سواء كان مؤمناً أو كافراً لا ينجس بالموت. وأما الآية فالمراد بالنجاسة فيها النجاسة المعنوية.

стр. 40

(وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه). أي: طاهر. فجميع ميتات البحر التي لا تعيش إلا فيه حلال. أ- لقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ). قال ابن عباس (صيده: ما صيد فيه، وطعامه: ما قذف) أخرجه ابن جرير. ب- ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي اَلْبَحْرِ: (هُوَ اَلطُّهُورُ مَاؤُهُ، اَلْحِلُّ مَيْتَتُهُ) رواه أبو داود. ج- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ) رواه ابن ماجه. د- وعن جَابِر قال (غَزَوْنَا جَيْشَ الخَبَطِ، وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى البَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ لَهُ العَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ فَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُوا فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (كُلُوا، رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ، أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ) فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ فَأَكَلَهُ) متفق عليه. (قال في "لسان العرب" (٢/ ٢٦): الحُوتُ السمك، وقيل هو ما عظُمَ منه). فميتة البحر حلال سواء ماتت في البحر ثم طفت فيه، أو ماتت بمفارقة البحر. (وما لا نفسَ له سائلة). هذا مما يستثنى، أي: لا دم له يسيل منه إذا خرج منه بجرح أو قتل. لحديث أَبِي هُرَيْرة. قال: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا وَقَعَ اَلذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي اَلْآخَرِ شِفَاءً) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ. وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ (وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ اَلَّذِي فِيهِ اَلدَّاءُ). فهذا الحديث دليل على أن الماء إذا وقع فيه الذباب فإنه لا ينجس. لأن الرسول ﷺ أمر بغمسه ولم يأمر بإراقة ما وقع فيه.

стр. 41

قال ابن القيم: هو دليلٌ ظاهر الدلالةِ جدًا على أنَّ الذُّباب إذا مات في ماء أو مائع، فإنه لا يُنجِّسه، وهذا قول جمهور العلماء، ولا يُعرف في السَّلَف مخالفٌ في ذلك. ووَجهُ الاستدلال به: أنَّ النبيّ ﷺ أمر بمَقْلِهِ، وهو غمسُه في الطعام، ومعلومٌ أنه يموت من ذلك، ولا سِيَّما إذا كان الطعامُ حاراً، فلو كان يُنجسه لكان أمراً بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، ثم عُدِّىَ هذا الحكمُ إلى كل ما لا نفس له سائلة، كالنحلة والزُّنْبُور، والعنكبوت، وأشباهِ ذلك، إذ الحكمُ يَعُمُّ بعُموم عِلَّتِه، وينتفي لانتفاء سببه. [زاد المعاد]. • وقاس العلماء على الذباب كل مالا نفس له سائلة من الحشرات فحكموا لطهارتها وأنها لا تنجس ما سقطت: كالنملة، والبعوضة، والعنكبوت، والخنفساء، والنحل، والبق ونحو ذلك، فإذا وقع في طعام أو شراب لم يُحرِّمْه ولم ينجسه، لهذا الحديث. لأن الحكم يعم بعموم علته وينتفي لانتفاء سببه، ولما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقوداً فيما لا دم له سائل، انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته. فلو وقع الجعل في الماء ومات فالماء طاهر. وكذا لو وقعت العقرب في ماء فهو طاهر، لأنها لا تنجس بالموت. (وما أُبِينَ من حيٍّ فهو ميتتهِ). (أبين) أي فُصل من حيوان حيٍّ. (كميتته) يعني: طهارة، ونجاسة، حِلًّا، وحُرمة. فما أُبينَ من الآدمي فهو طاهر، حرام لحرمته لا لنجاسته. وما أُبين من السَّمك فهو طاهر حلال. وما أبين من البقر فهو نجس حرام، لأنَّ ميتتها نجسة حرام. لحديث أَبِي وَاقِدٍ اَللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (مَا قُطِعَ مِنْ اَلْبَهِيمَةِ -وَهِيَ حَيَّةٌ- فَهُوَ مَيِّتٌ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. فهذا الحديث يدل على: أن ما أبين وقطع من بهيمة في حال حياتها فهو كميتتها طهارة أو نجاسة، حلاً أو حرمة. مثال: ما قطع من الشاة - وهي حية - فهو نجس وحرام، لأنه بمنزلة ميتة الشاة، وميتة الشاة نجسة. مثال: ما قطع من سمكة - وهي حية - فهو طاهر وحلال، لأن ميتة السمكة طاهرة وحلال.

стр. 42

قال ابن تيمية: هذا متفق عليه بين العلماء. ولذلك أخذ العلماء من ذلك قاعدة وهي: ما أبِينَ من حي فهو كميتته. قال في عون المعبود: قَالَ اِبْن الْمَلَك: أَيْ كُلّ عُضْو قُطِعَ فَذَلِكَ الْعُضْو حَرَام، لِأَنَّهُ مَيِّت بِزَوَالِ الْحَيَاة عَنْهُ، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي حَال الْحَيَاة فَنُهُوا عَنْه. قال النووي: وَأَمَّا هَذَا السَّنَام الْمَقْطُوع فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ نَحْرهمَا فَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ; لِأَنَّ مَا أُبِينَ (أي: قُطع) مِنْ حَيّ فَهُوَ مَيِّت. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٨/ ١٣٠): إِذَا رَمَى صَيْدًا فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، وَبَقِيَ الصَّيْدُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً يَحْرُمُ الْعُضْوُ الْمُبَانُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ (مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَمَا قُطِعَ مِنْهَا فَهُوَ مَيْتَةٌ). وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: لا يجوز أكل ما قطع من الحيوان المأكول، وهي حية كالخصى والإلية ونحوهما؛ لأن ذلك في حكم الميتة؛ لقوله ﷺ : (ما قطع من البهيمة، وهي حية فهو ميتة). بَابُ اَلِاسْتِنْجَاءِ وَآدَابِ قَضَاءِ اَلْحَاجَةِ الاستنجاء إزالة الخارج من السبيلين بماء أو حجر أو نحوه، ويسمى الثاني استجماراً من الجمار وهي الحجارة الصغيرة. ويُذكر في هذا الباب آداب التخلي، أي ما ينبغي فعله حال الدخول والخروج وقضاء الحاجة وما يتعلق بذلك. • والشريعة الإسلامية شريعة كاملة جاءت بالتعاليم العظيمة في جميع شؤون الحياة ومنها آداب قضاء الحاجة. وقد ثبت في صحيح مسلم عن سلمان قال (قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم، حتى يعلمكم الخراءة، فقال: أجل؛ إنه نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين … ).

стр. 43

(يُسْتَحَبُّ إِذَا دَخَلَ اَلْخَلَاءَ: أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ اَلْيُسْرَى دخولاً واليمنى خروجاً). أي: يسن لمن دخل الخلاء أن يقدم رجله اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً. وقد ذكر النووي وغيره قاعدة: وهي أن اليمين تقدم في كل ما هو من باب التكريم، واليسار ضد ذلك. فقال ﵀: هَذِهِ قَاعِدَة مُسْتَمِرَّة فِي الشَّرْع، وَهِيَ إِنَّ مَا كَانَ مِنْ بَاب التَّكْرِيم وَالتَّشْرِيف كَلُبْسِ الثَّوْب وَالسَّرَاوِيل وَالْخُفّ وَدُخُول الْمَسْجِد وَالسِّوَاك وَالِاكْتِحَال، وَتَقْلِيم الْأَظْفَار، وَقَصّ الشَّارِب، وَتَرْجِيل الشَّعْر وَهُوَ مَشْطُهُ، وَنَتْف الْإِبِط، وَحَلْق الرَّأْس، وَالسَّلَام مِنْ الصَّلَاة، وَغَسْل أَعْضَاء الطَّهَارَة، وَالْخُرُوج مِنْ الْخَلَاء، وَالْأَكْل وَالشُّرْب، وَالْمُصَافَحَة، وَاسْتِلَام الْحَجَر الْأَسْوَد، وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ يُسْتَحَبّ التَّيَامُن فِيهِ. وَأَمَّا مَا كَانَ بِضِدِّهِ كَدُخُولِ الْخَلَاء وَالْخُرُوج مِنْ الْمَسْجِد وَالِامْتِخَاط وَالِاسْتِنْجَاء وَخَلْعِ الثَّوْب وَالسَّرَاوِيل وَالْخُفّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيُسْتَحَبّ التَّيَاسُر فِيهِ، وَذَلِكَ كُلّه بِكَرَامَةِ الْيَمِين وَشَرَفهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم). أدلة هذه القاعدة: أ- عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: (كَانَ اَلنَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ اَلتَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ب- وحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا توضأتم وإذا لبستم فابدؤوا بميامنكم) رواه أبوداود. ج- وعن حَفْصَة. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ) رواه أبو داود. د-وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى) رواه أبو داود. (ويقول: اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ اَلْخُبْثِ وَالْخَبَائِث). أي: ويسن أن يقول عند الدخول هذا الدعاء: اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ اَلْخُبْثِ وَالْخَبَائِث. لحديث أنس. قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ اَلْخَلَاءَ قَالَ: اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ اَلْخُبُثِ وَالْخَبَائِث) متفق عليه.

стр. 44

الخبُث بضم الباء جمع خبيث، وهم ذكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة، وهن إناث الشياطين، فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم. وقيل: الخبْث: بإسكان الباء، الشر، والخبائث: الذوات الشريرة، فكأنه استعاذ من الشر وأهله. قال الخطابي: الخبُث بضم الباء، وعامة المحدثين يقولون: الخبْث بإسكان الباء، وهو غلط والصواب الضم. قال النووي: وهذا الذي غلّطهم فيه ليس بغلط، وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة، منهم أبو عبيْد إمام هذا الفن، والعمدة فيه. • (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ اَلْخَلَاءَ) أي: عند إرادة الدخول لا بعده، وقد صرح بهذا البخاري في الأدب المفرد عن أنس قال: (كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل … ). (الفتح). • وهذا القول مستحب. قال النووي: وهذا الأدب متفق على استحبابه، ويستوي فيه الصحراء والبنيان. • يقال هذا الدعاء عند إرادة الدخول في الأماكن المعدة لذلك. وأما في الأماكن غير المعدة لذلك كالصحراء، فإنه يقوله في أول الشروع عند تشمير الثياب، وهذا مذهب الجمهور. (قاله في الفتح) لقوله (كان إذا دخل الخلاء … ) والخلاء هو الموضع الذي يخلو الإنسان بنفسه لقضاء الحاجة، ولا يشترط أن يكون معداً لقضاء الحاجة. • الحكمة من الاستعاذة من الشياطين قبل دخول الخلاء: أن هذه الأماكن تحضرها الشياطين. كما في حديث زيد بن أرقم. قال: قال ﷺ (إن هذه الحشوش محتضَرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث) رواه أبو داود.

стр. 45

الحشوش: أماكن قضاء الحاجة. محتضرة: تحضرها الشياطين. جاء في الموسوعة الفقهية (٤/ ١٠): قال الحطّاب: وخصّ هذا الموضع بالاستعاذة لوجهين: الأوّل: بأنّه خلاءٌ، وللشّياطين بقدرة اللّه تعالى تسلّطٌ بالخلاء ما ليس لهم في الملأ. الثّاني: أنّ موضع الخلاء قذرٌ ينزّه ذكر اللّه تعالى فيه عن جريانه على اللّسان، فيغتنم الشّيطان عدم ذكره، لأنّ ذكر اللّه تعالى يطرده، فأمر بالاستعاذة قبل ذلك ليعقدها عصمةً بينه وبين الشّيطان حتّى يخرج. • إذا نسي أن يقول هذا الذكر، قيل: يرجع ويقوله، وقيل: إنه سنة فات محلها، وهذا أرجح. • لابد من هذا الذكر النطق باللسان، فلا يكفي إمراره بنفسه. • وردت أدعية أخرى تقال قبل دخول الخلاء لكن لا يصح منها شيء. أ-وردت التسمية (بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث … ) وهي شاذة لا تصح، فقد روى الحديث جماعة عن عبد العزيز بن صهيب دون ذكر التسمية، منهم شعبة، وحماد بن زيد، وهشيْم بن بَشير، وإسماعيل بن عُبيّة، وحماد بن سلمة، وعبد الوارث، وحماد بن واقد. ب-ووردت في حديث علي. قال: قال النبي ﷺ (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله). رواه الترمذي، وهو ضعيف. ج-ما جاء عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: (لا يعجز أحكم إذا دخل مرفقَه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم). لكنه حديث ضعيف. (وَإِذَا خَرَجَ قَدَّمَ اليُمْنَى). لأنه سبق قاعدة أن ما كان من باب التكريم؛ فإنه يقدم فيه اليمنى، وما كان من باب الإهانة؛ فإنه يقدم فيه اليسار. فعند الخروج من الخلاء يقدم الرجل اليمنى، لأن الخروج أكمل وأفضل.

стр. 46

(وَقَالَ: غُفْرَانَكَ). أي: ويسن أن يقول بعد خروجه من الخلاء غفرانك. لحديث عائشة. قالت (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ اَلْغَائِطِ قَالَ: غُفْرَانَكَ) رواه أبو داود. الغائط: المكان الذي يتغوط فيه، وإن كان في البر فعند مفارقته مكان جلوسه. قال النووي: الغائط: قال أهل اللغة أصل الغائط المكان المطمئن كانوا يأتونه للحاجة فكنوا به عن نفس الحدث كراهة لاسمه، ومن عادة العرب التعفف في ألفاظها، واستعمال الكنايات في كلامها، وصون الألسن مما تصان الأبصار والأسماع عنه. (المجموع) • اختلف العلماء في مناسبة قوله (غفرانك) بعد الخروج من الخلاء؟ فقيل: يستغفر الله لأنه ترك ذكر الله في تلك الحالة. فإنه ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه إلا في حال قضاء الحاجة، فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيراً وذنباً يستغفر منه، (وهذا فيه نظر). وقيل: استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج. قال الشوكاني: وفي حمده إشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنّة جزيلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك، فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها، وحقٌ على من أكل ما يشتهيه من طيبات الأطعمة فسدّ به جوعته، وحفظ به صحته وقوته، ثم لما قضى منه وطره، ولم يبق فيه نفع، واستمال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة، خرج بسهولة من مخرج معد لذلك أن يستكثر من محامد الله ﷻ .

стр. 47

وقيل: إنه لما تخفف من أذية الجسم دعا الله أن يخفف عنه أذية الإثم. قال ابن القيم: إن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه، والذنوب تثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحمد الله عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه وخفة البدن وراحته، وسأل الله أن يخلصه من المؤذي الآخر، ويريح قلبه منه، ويخففه. والصحيح ما قاله الشوكاني. • وردت أدعية تقال بعد الخروج من الخلاء غير هذا الدعاء لكنها لا تصح. حديث أنس: (كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) رواه ابن ماجه، وفيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف جداً. وعن ابن عمر (أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم. وإذا خرج قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عنّي أذاه) رواه ابن السني وهو ضعيف. (ويستحب أنَ يَعْتَمِدُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ اَلْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ اَلْيُمْنَى). أي: ويستحب أن يعتمد عند قضاء الحاجة على رجله اليسرى. أ-لحديث سراقة بن مالك قال: (علمنا رسول الله ﷺ في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى). رواه البيهقي وهو حديث ضعيف ب- وقالوا: إن ذلك يسهل خروج الخارج، وفيه أيضاً إكراماً لليمين. لكن الحديث ضعيف، والحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية. فإن ثبت من الناحية الطبية أن هذه الجلسة مفيدة صارت مطلوبة لا من جهة أنها من السنة، ولكن من جهة أنها من المصلحة، لأن كل ما فيه مصلحة فإنه مأمور به.

стр. 48

(وَيَسْتَتِر بِحَائِطٍ وَنَحْوِه). أي: ويسن أن يستتر ويختفي عن الناظرين بجدار أو جبل أو شجر أو نحو ذلك. لحديث عبد الله بن جعفر قال: (كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ) رواه مسلم. والمراد استتار بدنه كلِّه، فهذا أفضل. وأما استتاره بالنسبة للعورة فهذا واجب. هدفٌ: ما ارتفع من الأرض. … حائش نخل: حائط نخل. (وَيُبْعِدُ إِنْ كَانَ فِي الفَضَاء). أي ويسن أن يبتعد عن العيون - حتى لا يرى جسمه - إذا كان في فضاء كصحراء ليس فيها جبال أو أشجار ساترة. أ-لحديث المغيرة بن شعبة قال: (فانطلق - أي رسول الله ﷺ حتى توارى عنّي فقضى حاجته) متفق عليه. ب-ولحديث المغيرة قال: (كان النبي ﷺ إذا ذهب إلى الغائط أبعد) رواه أبو داود وصححه النووي. ج-ولحديث جابر (أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد) رواه أبو داود. • هذا إن كان في الصحراء، فإن كان في البنيان حصل المقصود بالبناء المعد لقضاء الحاجة. قال ابن القيم: وكان إذا ذهب في سفره للحاجة انطلق حتى يتوارى عن أصحابه، وكان يبعد نحو الميلين. • الحكمة من الابتعاد: أ- لئلا ترى عورته. ب- أو يُسمع صوته. ج-أو تشم رائحته. قال الشوكاني: الظاهر أن العلة إخفاء المستهجن من الخارج.

стр. 49

(وأن يرتاد موضِعاً رَخْواً). الارتياد: الطلب. أي: ويسن أن يطلب لبوله موضعاً ليناً رخواً، وهو المكان اللين الذي لا يخشى منه رشاش البول. قال ابن القيم: وكان يرتاد لبوله الموضع الدمث، وهو اللين من الأرض. ويدل على استحباب ذلك: أ-حديث أبي موسى. أن النبي ﷺ قال (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعاً) رواه أبو داود، وهو ضعيف. قال النووي (فليرتد) أي: يطلب موضعاً ليناً. ب-حتى يسلم من الرشاش. ج-لأن عدم التنزه من البول من الكبائر، ومن أسباب عذاب القبر، كما في حديث ابن عباس قال (مرَّ النبي ﷺ على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول … ) متفق عليه. • فإن لم يجد إلا أرضاً صلبة دقها بحجر أو عودٍ لتصير دَمِثَة سهلة. (ويكره استقبال الشمس والقمر). أي: ويكره لقاضي الحاجة أن يستقبل الشمس أو القمر حال قضاء حاجته. أ-لما فيها من نور الله. ب-ولحديث ورد (أن رسول الله ﷺ نهى أن يبول الرجل وفرجه بادٍ إلى الشمس أو القمر). وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يكره. أ-لأن التعليل الذي ذكروه منقوض بسائر الكواكب. ب-وأما الحديث فباطل. قال ابن حجر: هذا حديث باطل لا أصل له. وقال النووي: هذا حديث باطل.

стр. 50

قال ابن القيم ﵀: وأما استدلاله بأن النبي ﷺ نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال الشمس والقمر واستدبارهما، واحتج بالحديث، فهذا من أبطل الباطل، فإن النبي ﷺ لم ينقل عنه ذلك في كلمة واحدة، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع. وقال السعدي: والصحيح أنه لا يكره استقبال النيرين وقت قضاء الحاجة، والتعليل الذي ذكروه، وهو لما فيهما من نور الله تعالى، منقوض بسائر الكواكب، وعلة غير معتبرة. وقال الشيخ ابن عثيمين: … ثم إِن هذا التَّعليلَ منقوضٌ بقوله ﷺ (لا تستقبلوا القِبلةَ ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا، أو غرِّبُوا). ومعلوم أن من شرَّق أو غرَّب، والشَّمس طالعة فإنه يستقبلها، وكذا لو غرَّب والشمسُ عند الغروب، والرسول ﷺ لم يقل: إلا أن تكون الشمس أو القمر بين أيديكم، فلا تفعلوا. (وبوله في شَق). الشَق: بفتح الشين واحد الشقوق. أي: ويكره لقاضي الحاجة أن يبول في شَق. قال ابن قدامة: فيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي شَقٍّ أَوْ ثَقْب. (المغني). وقال في الإنصاف: بلا نزاع أعلمه. وقال النووي: متفق عليه. (المجموع). لحديث عبد الله بن سرجس قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الجحر). رواه أبو داود. وهذا الحديث صححه ابن خزيمة، وابن السكن، والنووي في " الخلاصة " (١/ ١٥٦)، وابن كثير في " إرشاد الفقيه " (١/ ٥٦)، وابن الملقن في " البدر المنير " (٢/ ٣٢١ (وضعفه بعضهم.

стр. 51

• الحكمة من النهي: في سبب هذا النهي علتان: أولاً: أَنَّهُ مَأْوَى الْهَوَامّ الْمُؤْذِيَة، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبهُ مَضَرَّة مِنْهَا. (عون المعبود). قال الشيخ ابن عثيمين: فيُخشَى أن يكونَ في هذا الجُحر شيء ساكن فتُفْسِد عليه مسكنه، أو يخرج وأنت على بولك فيؤذيك، وربما تقوم بسرعة فلا تسلم من رَشاش البول. … (الشرح الممتع). وربما رأى حيةً أو ثعباناً ففزع، فكان سبباً في حصول الضرر في بوله وجسده. ثانياً: أنها مساكن الجن. وقد جاء في رواية أبي داود (٢٩): قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: "إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ " قال الحاكم: ولست أبتُّ القول إنها مسكن الجن؛ لأن هذا من قول قتادة. وقد ذكر كثير من المؤرخين أنَّ سيِّدَ الخزرج سعدَ بنَ عبادة ﵁ سافر من المدينة بعد موت رسول الله ﷺ إلى "حوران"، وأقام بها، فجلس يوماً يبول في ثقب في الأرض، فما إن فرغ من بوله حتى استلقى ميِّتاً. ولم يعلم أهل المدينة بموته حتى سمعوا قائلاً من الجن في بئر يقول: نحنُ قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْ … رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادهْ. وَرَمَيْنَاهُ بسَهْمَيْـ … ـنِ فلم نُخْطِئ فُؤادَهْ. فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه. وهذه القصة - وإن كان في سندها كلام عند المحدثين -، إلا أنها مشهورة عند المؤرخين، حتى قال ابن عبد البر: " ولم يختلفوا أنه وجد ميتاً في مغتسله، وقد اخضرَّ جسده " انتهى من (الاستيعاب في معرفة الأصحاب). • وكراهة البول في الجُحر متفق عليها بين الفقهاء، كما ذكر الإمام النووي في (المجموع). وجاء في (الموسوعة الفقهية) يُكْرَهُ التَّبَوُّل فِي ثَقْبٍ أَوْ سَرَبٍ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأْرْبَعَةِ … وَلأِنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ عَلَيْهِ مِنَ الْجُحْرِ مَا يَلْسَعُهُ، أَوْ يَرُدُّ عَلَيْهِ الْبَوْل، قَال النَّوَوِيُّ: هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَقَال الْبُجَيْرِمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَظْهَرُ تَحْرِيمُهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ بِهِ حَيَوَانًا مُحْتَرَمًا يَتَأَذَّى أَوْ يَهْلِكُ بِهِ" انتهى.

стр. 52

(وفي مهب الريح). أي: ويكره لقاضي الحاجة أن يبول في مهب الريح. لئلا تردّ عليه بوله فيتنجس. قال النووي: قال أصحابنا يكره استقبال الريح بالبول، لئلا يرده عليه فيتنجس بل يستدبرها هذا هو المعتمد في كراهته. وأما الحديث المروى عن أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ كان يكره البول في الهواء) فضعيف، بل قال الحافظ أبو أحمد بن عدي: إنه موضوع. … (المجموع). وقال ابن قدامة: وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرِّيحَ؛ لِئَلَّا تَرُدَّ عَلَيْهِ رَشَاشَ الْبَوْلِ، فَيُنَجِّسَهُ. … (المغني). (وكلام). أي: ويكره لقاضي الحاجة أن يتكلم أثناء قضاء الحاجة. قال النووي: كراهة الكلام على قضاء الحاجة متفق عليه، ويستوي في الكراهة جميع أنواع الكلام ويستثنى مواضع الضرورة. وقال في شرح مسلم: … وَكَذَلِكَ يُكْرَه الْكَلَام عَلَى قَضَاء الْحَاجَة بِأَيِّ نَوْع كَانَ مِنْ أَنْوَاع الْكَلَام، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا كُلّه مَوْضِع الضَّرُورَة، كَمَا إِذَا رَأَى ضَرِيرًا يَكَاد أَنْ يَقَع فِي بِئْر، أَوْ رَأَى حَيَّة أَوْ عَقْرَبًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ يَقْصِد إِنْسَانًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ، فَإِنَّ الْكَلَام فِي هَذِهِ الْمَوَاضِع لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ بَلْ هُوَ وَاجِب، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْكَرَاهَة فِي حَال الِاخْتِيَار هُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْأَكْثَرِينَ، وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن عَبَّاس، وَعَطَاء، وَسَعِيد الْجُهَنِيّ، وَعِكْرِمَة ﵃، وَحُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ وَابْن سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا بَأْس بِهِ. وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم). لحديث جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا تَغَوَّطَ اَلرَّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يَتَحَدَّثَا. فَإِنَّ اَللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ) رَوَاهُ. وَصَحَّحَهُ اِبْنُ اَلسَّكَنِ، وَابْنُ اَلْقَطَّانِ، وَهُوَ مَعْلُول. قال الشوكاني: الحديث يدل على وجوب ستر العورة، وترك الكلام، فإن التعليل يمقت الله تعالى يدل على حرمة الفعل المعلل ووجوب اجتنابه، لأن المقت هو البغض. والحديث لو صح لكان دالاً على التحريم وليس على الكراهة، لكن قالوا: إن التحريم خاص بمن جمع كل أوصاف الحديث، رجلان يمشيان إلى الغائط كاشفين عن عورتيهما، يتكلمان. القول الثاني: لا يكره. لعدم الدليل الذي يدل على الكراهة. والأولى عدم الكلام إلا لحاجة.

стр. 53

• سئل الشيخ السعدي: هل يكره الكلام وقت الاستنجاء، فأجاب: لا يكره ذلك، وإنما يكره وقت قضاء الحاجة، والأولى للإنسان ترك الكلام الذي لا يحتاج إليه وقت انكشاف عورته في كل موضع. (الفتاوى السعدية). (ودخوله بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة). أي: ويكره لقاضي الحاجة أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله. وهذا مذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة. أ- لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﷺ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ اَلْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ) أَخْرَجَهُ اَلْأَرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلُول. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ إنما نزعه لأجل نقشه (محمد رسول الله) مما يدل على أن الخاتم لا يُدخل به الخلاء إذا كان عليه ذكر منعاً لامتهانه. وقد تقدم أن الحديث ضعيف. ب- عن عكرمة مولى ابن عباس قال (كان ابن عباس إذا دخل الخلاء ناولني خاتمه) رواه ابن أبي شيبة، وسنده ضعيف. وذهب بعض العلماء: إلى عدم الكراهة. وهو قول كثير من السلف، وهو مذهب الحنفية. أ- لأنه لم يرد دليل صحيح يدل على الكراهة. ب- أن في نزع الخاتم عند دخول الخلاء من المفاسد ما لا يخفى. وذهب بعضهم: أن إزالة ذلك أفضل. قال به بعض الحنابلة. وهذا هو الصحيح. • يجوز دخول الحمام بأوراق فيها اسم الله ما دامت في الجيب ليست ظاهرة، بل هي مخفية ومستورة. (الشيخ ابن عثيمين). • لو خاف على ما معه أن يسرق أو يضيع؟ في هذه الحالة يجوز أن يدخل به الخلاء (هذا على القول بالكراهة). • وأما الدخول بالمصحف للخلاء: فقيل: يحرم، وهو مذهب الحنابلة. وقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية. والصحيح الأول.

стр. 54

قال الشيخ ابن عثيمين: الدخول بالمصحف إلى المرحاض والأماكن القذرة صرح العلماء بأنه حرام، لأن ذلك ينافي احترام كلام الله ، إلا إذا خاف أن يسرق لو وضعه خارج المرحاض، أو خاف أن ينساه فلا حرج أن يدخل به لضرورة حفظه. أما الأشرطة فليست كالمصاحف، لأن الأشرطة ليس فيها كتابة، غاية ما هنالك أن ذبذبات معينة موجودة في الشريط إذا مرت بالجهاز المعين ظهر الصوت، فلذلك يدخل بها ولا إشكال في ذلك. (لقاءات الباب المفتوح). وقال الشيخ ابن باز ﵀: أما دخول الحمام بالمصحف فلا يجوز إلا عند الضرورة، إذا كنت تخشى عليه أن يسرق فلا بأس. … (مجموع فتاوى ابن باز). (وذكر الله). أي: ويكره ذكر الله بلسانه حال قضاء الحاجة، تعظيماً لله تعالى. لحديث عبد الله بن عمر قال (مر بالنبي ﷺ رجل فسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه) رواه مسلم. جاء في الشرح الكبير: ولا يذكر الله تعالى على حاجته بلسانه. روي كراهة ذلك عن ابن عباس وعطاء. وقال ابن سيرين والنخعي لا بأس به. ولنا أن النبي ﷺ لم يرد السلام الذي يجب رده، فذكر الله أولى. فان عطس حمد الله بقلبه ولم يتكلم، وقال ابن عقيل فيه رواية أخرى أن يحمد الله بلسانه والاول أولى لما ذكرناه. (الشرح الكبير) قال ابن المنذر في الأوسط: وقال عكرمة لا يذكر الله وهو على الخلاء بلسانه ولكن بقلبه. قال النووي في الأذكار: يكره الذكر والكلام حال قضاء الحاجة، سواء كان في الصحراء أو في البنيان، وسواء في ذلك جميع الأذكار والكلام إلا كلام الضرورة. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: الذِّكر بالقلب مشروع في كل زمان ومكان، في الحمَّام وغيره، وإنما المكروه في الحمَّام ونحوه: ذكر الله باللسان تعظيماً لله سبحانه إلا التسمية عند الوضوء فإنه يأتي بها إذا لم يتيسر الوضوء خارج الحمَّام؛ لأنها واجبة عند بعض أهل العلم، وسنة مؤكدة عند الجمهور.

стр. 55

• حكم التسمية داخل الحمام لمن نسي أن يسمي قبل الدخول: قيل: يسمي بقلبه. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع (١/ ١٣٠): إذا كان في الحمام، فقد قال الإمام أحمد: إذا عطس الرجل حمد الله بقلبه، فيُخَرَّج من هذه الرواية أنه يسمي بقلبه. أ. هـ وقيل: يسمي بلسانه ولا كراهة حينئذ. قال الشيخ ابن باز: لا بأس أن يتوضأ داخل الحمام إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ويسمي عند أول الوضوء، يقول: (بسم الله) لأن التسمية واجبة عند بعض أهل العلم، ومتأكدة عند الأكثر، فيأتي بها وتزول الكراهة لأن الكراهة تزول عند الحاجة إلى التسمية، والإنسان مأمور بالتسمية عند أول الوضوء، فيسمي ويكمل وضوؤه. (مجموع فتاوى الشيخ ابن باز). (ومس فرجه بيمينه). أي: يكره لقاضي الحاجة مس فرجه بيمينه. لحديث أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ اَلْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي اَلْإِنَاءِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وهذا قول جمهور العلماء. قالوا: لأنه من باب الآداب والتوجيه والإرشاد. ولأنه من باب تنزيه اليمين، وذلك لا يصل النهي فيه إلى التحريم. فائدة: ومحل النهي إذا لم تكن ضرورة، فإن كان ثَمّ ضرورة جاز من غير كراهة. • وظاهر الحديث: أنه يكره مس الذكر باليمين حال البول فقط. أ- للحديث السابق (لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ) أي: حال كونه يبول، فلا يتعدى النهي إلى غيرها. ب- ولأنه ربما تتلوث يده اليمنى إذا مس ذكره بها، فإن كان لا يبول جاز لحديث (هل هو إلا بضعة منك). وذهب بعض العلماء: إلى أنه يكره مطلقاً حال البول وغيره. قالوا: إذا نهي عن مس الذكر حال البول مع مظنة الحاجة في تلك الحالة، فيكون النهي في غيرها مع الحاجة من باب أولى. والراجح القول الأول، وأن النهي حال البول فقط.

стр. 56

(واستنجاؤه واستجماره بها). أي: ويكره أن يستنجي أو أن يستجمر بيمينه. (الاستنجاء بالماء، والاستجمار بالحجر). للحديث السابق (وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ اَلْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ). (وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ اَلْخَلَاءِ) لا يستنجِ بحجر ولا ماء. وهذا قول جماهير العلماء. أ-لحديث الباب (وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ اَلْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ). ب-ولحديث سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: (لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ … ). رواه مسلم ج- ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، … ولا يستنجي بيمينه). رواه أبو داود قال النووي: وقد أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين. وقال: الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم. وذهب بعض العلماء إلى أنه نهي تحريم. لحديث الباب، ولحديث سلمان، والنهي يقتضي التحريم. (ولا يكره البول قائماً). أي: أن البول قائماً جائز من غير كراهة. أ- لحديث حُذَيْفَة قَالَ (أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِماً … ) متفق عليه. ب- ثبت عن كثير من الصحابة أنهم بالوا قياماً. قال ابن حجر: وقد ثبت عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قياماً، وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش، ولم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عنه شيء (الفتح). ج- ولم يثبت نهي عن ذلك. قال النووي: وقد روى في النهى عن البول قائماً أحاديث لا تثبت. • لكن هذا الجواز مقيد بشرطين: الأول: أن يأمن الرشاش [لأن التنزه من البول واجب]. الثاني: أن يأمن الناظر.

стр. 57

وذهب بعض العلماء: إلى كراهة البول قائماً. أ- لحديث عائشة ﵂ قالت (من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) رواه الترمذي وهو حديث صحيح. ب- وعن بريدة. قال: قال ﷺ (ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده) رواه البراز. والصحيح الجواز من غير كراهة. وأما الجواب عن حديث عائشة: فيقال أن هذا مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة. وأما حديث بريدة فضعيف. قال الترمذي: حديث بريدة في هذا غير محفوط، وتابعه المباركفوري. • أن الأكثر والأغلب من فعل الرسول هو البول قاعداً لحديث عائشة السابق (من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً). • اختلف في سبب بول النبي ﷺ قائماً: فقيل: لأنه لم يجد مكاناً للقعود. وقيل: ما روي في رواية ضعيفة أنه بال قائماً لعلّة بمأبضه - والمَأبَض هو باطن الركبة -. وقيل: لأن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك. وقيل: لأنها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب بخلاف حالة القعود. وقيل: فعل ذلك لبيان الجواز، وهذا القول هو الصحيح، وكانت عادته المستمرة البول قاعداً، لحديث عائشة السابق (من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً … ) (شرح نووي). قال ابن حجر: والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز. (الفتح).

стр. 58

• إن قيل كيف بال الرسول ﷺ في هذه السباطة القريبة من الدور مع أن المعروف من عادته التباعد عند قضاء الحاجة؟ الجواب: قال النووي: وَأَمَّا بَوْله ﷺ فِي السُّبَاطَة الَّتِي بِقُرْبِ الدُّور مَعَ أَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ عَادَته ﷺ التَّبَاعُد فِي الْمَذْهَب، فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض ﵁ أَنَّ سَبَبه: أَنَّهُ ﷺ كَانَ مِنْ الشُّغْل بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّظَر فِي مَصَالِحهمْ بِالْمَحَلِّ الْمَعْرُوف، فَلَعَلَّهُ طَالَ عَلَيْهِ مَجْلِس حَتَّى حَفَزَهُ الْبَوْل فَلَمْ يُمْكِنهُ التَّبَاعُد، وَلَوْ أَبْعَد لَتَضَرَّرَ، وَارْتَادَ السُّبَاطَة لِدَمَثِهَا، وَأَقَامَ حُذَيْفَة بِقُرْبِهِ لِيَسْتُرهُ عَنْ النَّاس. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي حَسَن ظَاهِر. (شرح مسلم). • إن قيل: كيف بال النبي ﷺ في سباطة قوم من غير إذنهم؟ قال النووي: وَأَمَّا بَوْله ﷺ فِي سُبَاطَة قَوْم فَيَحْتَمِل أَوْجُهًا: أَظْهَرهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْثِرُونَ ذَلِكَ وَلَا يَكْرَهُونَهُ بَلْ يَفْرَحُونَ بِهِ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَاله جَازَ الْبَوْل فِي أَرْضه، وَالْأَكْل مِنْ طَعَامه، وَنَظَائِر هَذَا فِي السُّنَّة أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُخْتَصَّة بِهِمْ بَلْ كَانَتْ بِفِنَاءِ دُورهمْ لِلنَّاسِ كُلّهمْ فَأُضِيفَتْ إِلَيْهِمْ لَقُرْبهَا مِنْهُمْ. وَالثَّالِث: أَنْ يَكُونُوا أَدْنَوْا لِمَنْ أَرَادَ قَضَاء الْحَاجَة إِمَّا بِصَرِيحِ الْإِذْن وَإِمَّا بِمَا فِي مَعْنَاهُ. وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم). (ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان). أي: يحرم على قضاء الحاجة أن يستقبل القبلة أو أن يستدبرها حال قضاء الحاجة في الفضاء دون البنيان. وهذا قول جماهير العلماء: أنه يحرم في الفضاء ويجوز في البنيان. قال ابن حجر: وبالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقاً قال الجمهور، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق، وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة. قال النووي: وهو مروي عن العباس بن عبد المطلب وعن عبد الله بن عمر والشعبي وإسحاق. لحديث أبي أَبِي أَيُّوب. قال: قال ﷺ (لَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) متفق عليه. وهذا نهي عام.

стр. 59

لكن جاء ما يدل على الجواز في البنيان. وهو حديث ابن عمر قال (ارتقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة). متفق عليه وعند أبي داود عن مروان الأصفر قال (رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس). رواه أبو داود وجه الدلالة: أنه تفسير من الصحابي (ابن عمر) لنهي رسول الله ﷺ العام، وفيه جمع بين الأحاديث فيتعين المصير إليه. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يحرم مطلقاً في الفضاء والبنيان، الاستقبال والاستدبار. وهذا قول أبي أيوب الأنصاري، ومجاهد، والنخعي، والثوري، وابن حزم ورجحه ابن تيمية وابن القيم والشوكاني. أ-لحديث أبي أيوب السابق (لَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا). ب-ولحديث سلمان السابق (لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ) رواه مسلم. ج- ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها) رواه أبو داود. فهذه الأحاديث صريحة في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها، والأصل في النهي التحريم، وهو عام في الفضاء والبنيان. • وأجاب هؤلاء عن حديث ابن عمر (ارتقيت يوماً بيت حفصة … ) بعدة أجوبة: أ-أنه فعل، وحديث النبي ﷺ قول، والقول أقوى من الفعل. ب-أن الفعل يحتمل الخصوصية أو غيرها. ج-أن هذا الفعل لو كان شرعاً لما تستر به. فائدة: ذهب بعض العلماء إلى الجواز مطلقاً. قال النووي: وهذا مذهب عروة بن الزبير، وربيعة شيخ مالك، وداود الظاهري. واستدلوا: أ- بحديث ابن عمر السابق قال (ارتقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة). ب- وبحديث جابر. قال (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) رواه الترمذي. وجه الدلالة من الحديثين: أنهما ناسخان لأحاديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة. • قوله (لَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ) أي: الكعبة. • قوله (وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) قال النووي: قال العلماء: هذا خطاب لأهل المدينة ومن في معناهم، بحيث إذا شرق أو غرب لا يستقبل الكعبة ولا يستدبرها.

стр. 60

وقال البغوي: هذا خطاب لأهل المدينة، ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب، فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال. • قال ابن حجر: هناك مذاهب أخرى: منها: جواز الاستدبار في البنيان فقط تمسكاً بظاهر حديث ابن عمر وهو قول أبي يوسف. قلت [سليمان] ورجح هذا القول الشيخ محمد بن عثيمين كما في الممتع. ومنها: التحريم مطلقاً حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس. وهو محكي عن إبراهيم وابن سيرين عملاً بحديث معقل الأسدي (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط) رواه أبو داود وهو حديث ضعيف. ٢ - فإن قيل: كيف نظر ابن عمر إلى النبي ﷺ وهو في تلك الحالة، ولا يجوز له ذلك؟ قال ابن حجر: لم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي ﷺ في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة له كما في الرواية الآتية (فحانت منه التفاتة) كما في رواية للبيهقي من طريق نافع عن ابن عمر، نعم لما اتفقت له رؤيته في تلك الحالة عن غير قصد أحب أن لا يخلي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعي، وقد دل ذلك على شدة حرص الصحابيّ على تتبع أحوال النبي ﷺ ليتبعها، وكذلك كان ﵁. وقال في العمدة: وقعت منه تلك الرؤية اتفاقاً من غير قصد لذلك، فنقَلَ ما رآه. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون ابن عمر قَصدَ ذلك، ورأى رأسه دون ما عداه من بدنه، ثم تأمل قعوده، فعرف كيف هو جالس ليستفيد فعله، فنقل ما شاهد. (وبوله في طريقٍ، وظلٍ نافع). أي: ويحرم على قاضي الحاجة أن يقضي حاجته في طريق أو في ظل نافع. أ-لحديث أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ، قَالُوا وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الَّذِى يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِم) رواه مسلم. قال النووي: وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ (اِتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ) وَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ، قَالَ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَاد بِاللَّاعِنَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْجَالِبَيْنِ لِلَّعْنِ الْحَامِلَيْنِ النَّاس عَلَيْهِ وَالدَّاعِيَيْنِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَعَلَهُمَا شُتِمَ وَلُعِنَ، يَعْنِي عَادَة النَّاس لَعْنه، فَلَمَّا صَارَا سَبَبًا لِذَلِكَ أُضِيف اللَّعْن إِلَيْهِمَا. قَالَ: وَقَدْ يَكُون اللَّاعِن بِمَعْنَى الْمَلْعُون، وَالْمَلَاعِن مَوَاضِع اللَّعْن، قُلْت: فَعَلَى هَذَا يَكُون التَّقْدِير: اِتَّقُوا الْأَمْرَيْنِ الْمَلْعُون فَاعِلهمَا، وَهَذَا عَلَى رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ. وَأَمَّا رِوَايَة مُسْلِم فَمَعْنَاهَا - وَاَللَّه أَعْلَم - اِتَّقُوا فِعْل اللَّعَّانَيْنِ أَيْ: صَاحِبَيْ اللَّعْن، وَهُمَا اللَّذَانِ يَلْعَنهُمَا النَّاس فِي الْعَادَة. وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم). ب-ولما في ذلك من إيذاء المسلمين، وإيذاء المسلمين حرام، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً).

стр. 61

• قوله (ظل نافع) فيه أن المراد بالظل الذي لا يجوز التخلي فيه هو الظل النافع. فالمحرم هو التبول أو التغوط تحت الظل النافع الذي يستظل به الناس، لقوله (أو ظلهم). وإضافة الظل في الحديث إليهم دليل على إرادة الظل المنتفع به، الذي هو محل جلوسهم، فلو بال أو تغوط في ظل لا يُجلس فيه فلا يقال بالتحريم. وقد قعد النبي ﷺ عند حائش نخل وله ظل بلا شك، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ (كان أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ) رواه مسلم. قال النووي (أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ) يعني حائط نخل أما الهدف فبفتح الهاء والدال وهو ما ارتفع من الأرض. • قال النووي: قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء: الْمُرَاد بِالظِّلِّ هُنَا مُسْتَظَلّ النَّاس الَّذِي اِتَّخَذُوهُ مَقِيلًا وَمُنَاخًا يَنْزِلُونَهُ وَيَقْعُدُونَ فِيهِ، وَلَيْسَ كُلّ ظِلّ يَحْرُم الْقُعُود تَحْته، فَقَدْ قَعَدَ النَّبِيّ ﷺ تَحْت حَايِش النَّخْل لِحَاجَتِهِ وَلَهُ ظِلّ بِلَا شَكّ. وَاَللَّه أَعْلَم. • قال العلماء: يدخل في ذلك كل ما يحتاج إليه الناس من الأفنية والحدائق والميادين العامة، وأماكن الاستراحة التي قد توجد على بعض الطريق. لأن في ذلك إيذاء للمسلمين، وإيذاء المسلمين حرام. • بعض الأماكن الأخرى التي يحرم قضاء الحاجة فيها: أ-المساجد. لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ اَلْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ اَلنَّاسُ، فَنَهَاهُمْ اَلنَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ اَلنَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ; فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ.) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ب-الجُحر. لحديث عبد الله بن سرجس قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الجحر). رواه أبو داود ج-على جواد الطريق. قال ابن حجر: وفي ابن ماجه عن جابر بإسناد حسن مرفوعاً (إياكم والتعريس على جواد الطريق فإنها منازل الحيات والسباع وقضاء الحاجة عليها فإنها الملاعن). والقاعدة: كل مجتمعات الناس لأمر ديني أو دنيوي لا يجوز للإنسان أن يتبول فيها أو يتغوط.

стр. 62

(ويستجمرُ ثمَّ يستنجي، ويجزئ أحدُهما). الاستجمار: يكون بحجر وما ينوب منابه، والاستنجاء يكون بالماء. أي: أنه إذا انتهى من قضاء حاجته، فإنه يستحب له أن يستجمر بالحجارة أولاً ثم يستنجي بالماء، (فالسنة أن يجمع بين الاستجمار والاستنجاء) وذلك لأنه أكمل في التطهر، فالأحجار تزيل عين النجاسة، والماء يزيل ما بقي من النجاسة. والإنسان إذا قضى حاجته لا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يقتصر على الماء. وهذا جائز. أ-لحديث أنس قَالَ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ اَلْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْه ب-ولحديث عائشة أنها قالت لنسوة (مرن أزواجكنّ أن يستنجوا بالماء فإني أستحييهم فإن النبي ﷺ كان يفعل ذلك) رواه أبو داود • قول أنس (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ اَلْخَلَاءَ) المراد بالخلاء هنا الفضاء، ويدل لذلك: أ-قوله في الرواية الأخرى (كان إذا خرج لحاجته). ب-وقرينة حمل العنزة مع الماء. ج-وأيضاً في الأخلية في البيوت كان خدمته فيها متعلقة بأهله. الثانية: أن يقتصر على الحجارة فقط. وهذا جائز. وقد نقل ابن القيم ﵀: إجماع المسلمين على جواز الاستجمار بالأحجار في زمن الشتاء والصيف.

стр. 63

ومن أدلة الجواز: أ-حديث سلمان (نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) رواه مسلم. ب-وحديث ابن مسعود قال (أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) رواه البخاري. ج- وحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، … وكان يأمر بثلاثة أحجار). رواه أحمد. قال ابن قدامة ﵀: وإن أراد الاقتصار على أحدهما، فالماء أفضل; لما روينا من الحديث; ولأنه يطهر المحل، ويزيل العين والأثر، وهو أبلغ في التنظيف، وإن اقتصر على الحجر أجزأه، بغير خلاف بين أهل العلم; لما ذكرنا من الأخبار; ولإجماع الصحابة ﵃. (المغني). الثالثة: أن يجمع بين الحجارة والماء. وهذا أفضل عند أكثر العلماء. قال النووي: اَلَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِير مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف وَأَجْمَع عَلَيْهِ أَهْل الْفَتْوَى مِنْ أَئِمَّة الْأَمْصَار: أَنَّ الْأَفْضَل أَنْ يَجْمَع بَيْن الْمَاء وَالْحَجَر فَيَسْتَعْمِل الْحَجَر أَوَّلًا لِتَخِفّ النَّجَاسَة وَتَقِلّ مُبَاشَرَتهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ يَسْتَعْمِل الْمَاء. وقال العيني: مذهب جمهور السلف والخلف الذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار، أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيقدِّم الحجر أولاً ثم يستعمل الماء، فتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة. والخلاصة: أن الجمع بين الحجر ثم الماء أفضل: أولاً: لأنه أبلغ في النظافة. ثانياً: ولأنه إذا استعمل الحجر أولاً خفف النجاسة وقلَّت مباشرتها باليد. • وقد ورد في ذلك حديث لكنه لا يصح. • اختلف العلماء: أيهما أفضل الاستنجاء بالماء أم الاستجمار بالأحجار على قولين: القول الأول: الاستنجاء بالماء أفضل. وهذا مذهب الأئمة الأربعة. قال ابن قدامة: وإن أراد الاقتصار على أحدهما، فالماء أفضل; لما روينا من الحديث; ولأنه يطهر المحل، ويزيل العين والأثر، وهو أبلغ في التنظيف، وإن اقتصر على الحجر أجزأه، بغير خلاف بين أهل العلم; لما ذكرنا من الأخبار; ولإجماع الصحابة ﵃. (المغني).

стр. 64

وقال النووي: فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَار عَلَى أَحَدهمَا جَازَ الِاقْتِصَار عَلَى أَيّهمَا شَاءَ سَوَاء وَجَدَ الْآخَر أَوْ لَمْ يَجِدْهُ، فَيَجُوز الِاقْتِصَار عَلَى الْحَجَر مَعَ وُجُود الْمَاء، وَيَجُوز عَكْسه، فَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى أَحَدهمَا فَالْمَاء أَفْضَل مِنْ الْحَجَر لِأَنَّ الْمَاء يُطَهِّر الْمَحَلّ طَهَارَة حَقِيقَة. أ- قالوا: إن الماء قالع للنجاسة، والحجر مخفف لها، وما كان قالعاً للنجاسة فهو أفضل. ب- ولحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال (نزلت هذه الآية في أهل قباء (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية). القول الثاني: الاستجمار بالحجر أفضل. وهو قول بعض السلف. قال في المغني: وحكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء. أ-قالوا: إن الماء مطعوم فيجب تكريمه، والاستنجاء به إهانة له. ب-أن في الاستنجاء بالماء تلفاً للماء. ج-أنه يبقى في اليد نتن بعد الاستنجاء. والراجح القول الأول. فائدة: قال النووي: قال أصحابنا يستحب أن يهيئ أحجار الاستنجاء قبل جلوسه لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار) حديث حسن رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدار قطني وغيرهم قال الدارقطني إسناده حسن صحيح فهذا هو المعتمد، وأما ما احتج به جماعة من أصحابنا من حديث (اتقوا الملاعن وأعدوا النبل) فليس بثابت فلا يحتج به والنبل بضم النون وفتح الباء الموحدة الأحجار الصغار. (المجموع). (وإنما يجزئ الاستجمار إذا لم تتعد النجاسة موضع الحاجة).

стр. 65

أي: أنه لا يجزئ الاستجمار إذا تجاوز الخارج من السبيلين موضع الحاجة، فلابد حينئذ من الاستنجاء بالماء. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، واختاره ابن المنذر. أ- لأن الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله لتكرر النجاسة فيه، فما لا تتكرر النجاسة فيه لا يُجزئ فيه إلا الغسل كساقه وفخذه. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجزئ الاستجمار ولو تعدى الخارج موضع العادة. وبهذا قال الشافعية - على تفصيل عندهم - واختاره ابن تيمية. لحديث عائشة قالت. إن رسول الله ﷺ قال (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنهن تجزئ عنه) رواه أبو داود. وجه الدلالة: أنه نص في إجزاء الاستجمار بالحجارة ولم يقيّد ذلك بشيء، فلم يقل إلا إذا تعدى الخارج موضع العادة، ولو كان ذلك واجباً لبينه النبي ﷺ . والأول أرجح. (ويشترط للاستجمار بأحجار ونحوها). أي: أن الاستجمار بالأحجار يشترط له شروطاً. وقوله (ونحوها) كالتراب، والخرق، والورق. فيقوم غير الحجر مقامه. أ- ففي حديث سلمان - وقد تقدم - وفيه (لَقَدْ نَهَانَا ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِىَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِىَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْم) رواه مسلم. وجه الدلالة: تخصيص هذين النوعين بالنهي يدل على أنه أراد الحجارة وما قام مقامها. قال النووي: ويدل على عدم تعيين الحجر: نهيه ﷺ عن العظم والبعر والرجيع، ولو كان متعيناً لنهى عما سواه مطلقاً. ب-ولأنه متى ورد النص بشيء لمعنى معقول وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى، والمعنى هاهنا إزالة عين النجاسة، وهذا يحصل بغير الأحجار كحصوله بها.

стр. 66

(أن يكونَ طاهراً). أي: يشترط في الحجر أن يكون طاهراً لا نجساً ولا متنجساً. أ-لحديث ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ (أَتَى اَلنَّبِيُّ ﷺ اَلْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا. فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ. فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى اَلرَّوْثَةَ، وَقَالَ: "هَذَا رِكْسٌ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِي. والركس: النجس. ب-ولأن النجاسة لا تزال بمثلها. ج-ولأن النجس خبيث، فكيف يكون مطهراً. (منقياً). أي: يحصل به الإنقاء، فإن كان غير منق لم يجزئ. لأن هذا هو المقصود من الاستجمار، فإن كانت غير منقية لم يجزئ، كالحجر الأملس، أو الرطب ونحو ذلك. أ-لأنه لا يحصل فيه المقصود. ب-عن ابن مسعود ﵁ قال: (قدم وفد الجن على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد: إنْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقاً، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك) رواه أبو داود. قال البغوي: قيل: المراد بالحممة: الفحم الرخو الذي يتناثر إذا غمز فلا يقلع النجاسة. (غيرَ عظمٍ وروث). أي: يشترط في الاستجمار بالأحجار أن لا يكون عظماً ولا روثاً، فلا يجوز الاستجمار بعظم أو روث. أ-لحديث سلمان - وقد تقدم - (لَقَدْ نَهَانَا ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِىَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِىَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْم) رواه مسلم. الرجيع: الروث والعذرة. ب- وعن جَابِر. قال (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بِبَعْر) رواه مسلم. ج- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، أَوْ نَحْوَهُ، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلَا رَوْث) رواه البخاري. د-وعن رويفع بن ثابت قال: (قال لي رسول الله ﷺ : (يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي، … فأخبر الناس أن من استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمداً منه بريء). رواه أبو داود

стр. 67

• الحكمة من النهي عنها؟ أما العظم فإنه طعام الجن. لقوله ﷺ (فإنها طعام إخوانكم من الجن). وأما الروث: فإن كانت روث غير مأكول اللحم فلنجاسته. ففي حديث ابن مسعود السابق: ( … فألقى الروثة وقال: إنها ركس). ركس: أي نجس. وإن كانت روث مأكول اللحم فلأنه طعام دواب الجن. ففي صحيح مسلم لما ذكر مجيء الجن له، وأنهم سألوه الزاد، فقال لهم (لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعَرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُم). (وطعام). أي: فلا يجوز الاستجمار بطعام بني آدم. أ-لأنه كفر بالنعمة. ب- وإذا كان طعام الجن محترم فطعام بني آدم أولى. (ومحترم). ككتب فيها ذكر الله، وكتب حديث وفقه ونحوها، لما فيه من هتك الشريعة والاستخفاف بحرمتها. (ويشترط أن يكون بثلاثة أحجار). أي: يشترط للاستجمار أن يكون بثلاثة أحجار، فلا يجوز أن يكون بأقل من ذلك، فلو مسح مرة أو مرتين فزالت عين النجاسة، وجب مسحة ثالثة. وهذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. أ-لحديث سلمان - وقد تقدم - وفيه قال (لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) رواه مسلم. وجه الدلالة: قوله (نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) والأصل في النهي التحريم ولا صارف له. ب- ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الخلاء فلا تستقبلوها ولا تستدبروها، ولا يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار) رواه أبو داود.

стр. 68

وجه الدلالة: (وكان يأمر بثلاثة أحجار) والأصل في الأمر الوجوب، ولا صارف له عنه. ب-ولحديث ابن مسعود قال (أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) رواه البخاري. وذهب بعض العلماء: إلى أن الواجب الإنقاء، فإن أنقى بحجر أجزأ. وهذا مذهب الحنفية والمالكية. واستدلوا بحديث ابن مسعود السابق وفيه (فوجدت حجرين ولم أجد ثالثاً فأتيته بروثة، فأخذهما وألقى الروثة … ). قال الطحاوي: هو دليل على أن عدد الأحجار ليس شرط، لقوله (ناولني) فلما ألقى الروثة دلّ على أن الاستنجاء بالحجرين يجزئ، إذ لو لم يكن ذلك لقال: أبغي ثالثاً. والراجح القول الأول، وأنه لا بد من ثلاثة أحجار. وأما الرد على دليل القول الثاني: أنه جاء في رواية عند الإمام أحمد (ائتني بغيرها). • اختلف العلماء: هل يجزئ حجر واحد له ثلاث شعب أم لا على قولين: القول الأول: أنه لا يجزئ، وأنه لا بد من ثلاثة أحجار. لظاهر النص. القول الثاني: أنه يجزئ حجر له شعب ثلاث. قالوا: لأنه يحصل بالشعب الثلاث ما يحصل بالأحجار الثلاثة من كل وجه فلا فرق. ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀، وقال: وهذا هو الراجح في ذلك، لأن العلة معلومة، فإذا كان الحجر ذا شعب، واستجمر بكل جهة منه صح. • قال بعض العلماء: يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار إذا أراد أن يتبعه بالماء. قالوا: لأن الماء وحده كافٍ كما سبق في حديث أنس. لكن الصحيح أنه لا يجوز، والأخذ بظاهر الحديث أقوى؛ وهو أنه لا ينقص عن ثلاثة أحجار حتى لو أراد أن يتبع ذلك بالماء.

стр. 69

(ويسن قطعهُ على وترٍ). أي: ويسن قطع الاستجمار على وتر، فإذا أنقى بأربع زاد خامسة، وإذا أنقى بستٍ زاد سابعة وهكذا. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال (َمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ) متفق عليه. قوله (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) أي: استعمل الجمار، وهي الحجارة الصغيرة في الاستنجاء. وقوله (فَلْيُوتِرْ) أي: فليجعل الحجارة التي يستنجي بها وتراً ثلاثاً لا أقل، لما ورد من النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاث كما تقدم. فالحديث دليل على استحباب الوتر في الاستجمار. وهذا فيما فوق الثلاث، وأما دون الثلاث فيجب الإيتار جمعاً بين الأدلة. وقد تقدمت الأحاديث التي تدل على وجوب الثلاث، وتحريم أقل من الثلاث. باب السواك السواك: اسم للعود الذي يتسوك فيه. وفي الاصطلاح: استعمال عود أو نحوه في الأسنان لإذهاب التغير ونحوه. ويطلق السواك على الفعل وهو الاستياك. (وهو مسنون كل وقت). أي: أن السواك سنة في كل وقت من ليل ونهار. للأحاديث الكثيرة الواردة في الحث عليه وفضله. أ- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) متفق عليه. ب- وعنه ﵁ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ) أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وأَحْمَدُ. قال الخطابي: فيه من الفقه أن السواك غير واجب، وذلك أن (لولا) كلمة تمنع الشيء لوقوع غيره، فصار الوجوب بها ممنوعاً. وقال النووي: إنَّ السِّوَاك سُنَّة، لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي حَال مِنْ الْأَحْوَال لَا فِي الصَّلَاة وَلَا فِي غَيْرهَا بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ فِي الْإِجْمَاع. وقال: قوله (لَوْلَا أَنْ أَشُقّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَوْ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ … ) فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ السِّوَاك لَيْسَ بِوَاجِبٍ، قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ أَوَ لَمْ يَشُق. (شرح مسلم).

стр. 70

(لغير صائم بعد الزوال). أي: فلا يسن للصائم بعد زوال الشمس أن يتسوك، وهذا يعم صيام الفرض والنفل. فيكره للصائم أن يتسوك بعد الزوال. وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في المشهور، وإسحاق. أ-لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك). متفق عليه وجه الدلالة: أن السواك يزيل هذه الرائحة التي نشأت عن عبادة الله، والخلوف لا يكون إلا بعد الزوال غالباً. ب-ولحديث علي. قال: قال ﷺ (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي). رواه البيهقي والدارقطني، وضعفه الدارقطني والبيهقي، وقال الحافظ: إسناده ضعيف. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يكره، وأنه مسنون في كل وقت. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، واختار هذا القول ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. أ- لقوله ﷺ (مع كل وضوء) وأيضاً في حديث (مع كل صلاة) فهذه الأحاديث لم تقيّد ذلك بوقت معين لا للصائم ولا لغيره. ب-ولعموم قوله ﷺ (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) رواه أحمد. قال الشوكاني: وقد أطلق السواك ولم يخصه بوقت معين، ولا بحالة مخصوصة، فأشعر بمطلق شرعيته. ج-وعن ربيعة بن عامر ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ مالا أحصي يتسوك وهو صائم) رواه أبو داود والترمذي. وهذا القول هو الراجح وقد رجحه من الشافعية ابن عبد السلام، والنووي، والمزني. وأما الجواب عن أدلة القول الأول (أنه مكروه): أما حديث (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة) فحديث ضعيف. وأما حديث (لخلوف فم الصائم … ) فلا يسلم الاستدلال به: أولاً: لأن خلوف فم الصائم ليس سببه الأسنان بل خلو المعدة من الطعام. ثانياً: أننا لسنا بمتعبدين بهذه الرائحة، فلا يترك السواك لأجل إبقاء رائحة الفم.

стр. 71

(ويتأكد عند صلاة). أي: أن السواك يتأكد أكثر عند الصلاة. لحديث أبي هريرة السابق (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمتي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ). • وهذا يشمل صلاة الفرض والنفل. • قوله ﷺ (عند كُلِّ صلاة) أي قُربها، وكُلَّما قَرُبَ منها فهو أفضل، وأما قول بعضهم (عند الصَّلاة) إِن المراد به الوُضُوء، فغير صحيح؛ لأن الوُضُوء قد يتقدَّمُ على الصَّلاة كثيراً، ثم إِنَّ للوُضُوء استياكاً خاصًّا، وليس من شروط التَّسوُّك عند الصَّلاة أن يكون الفمُ وسخاً. (الشرح الممتع). (ووضوء). أي: ومن المواضع التي يتأكد فيها السواك أيضاً عند الوضوء. لحديث أبي هريرة السابق (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ) رواه أحمد. • واختلف العلماء في تحديد مكان السواك عند الوضوء: القول الأول: قبل الوضوء، فيستاك ثم يتوضأ. لرواية (عند كل وضوء). القول الثاني: في أثناء الوضوء، وذلك عند المضمضة. لرواية (مع كل وضوء)، فإن (مع) تفيد المصاحبة. والراجح الأول لأمرين: أولاً: لأنه لم يحفظ عنه ﷺ أنه تسوك أثناء الوضوء. ثانياً: جاء في حديث ابن عباس لما بات عند خالته ميمونة ووصف قيام النبي ﷺ لصلاة الليل وفيه (فاستيقظ وتسوك وتوضأ … ). (منحة العلام).

стр. 72

(ودخول منزل). أي: ويتأكد السواك أيضاً عند دخول المنزل. لحديث عائشة. قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك) رواه مسلم. (في تسوكه ﷺ عند دخول المنزل أدب يتمثل في حسن معاشرته الأهل فيبدأ بالسواك أول ما يدخل بيته). (وعند انتباه من نوم). أي: ويتأكد السواك أيضاً عند الانتباه من النوم. لحديث حُذَيْفَة بْن الْيَمَانِ ﵄ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ) متفق عليه. • قوله (إذا قام من الليل) يعني لصلاة التهجد، وتدل عليه رواية لمسلم (إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك). (يَشُوصُ) أي: يدلك ورجحه النووي. • الحديث دليل على مشروعية السواك عند القيام من الليل. قال ابن دقيق العيد: وعلته، أن النوم مقتض لتغير الفم، والسواك هو آلة التنظيف للفم، فيسن عند مقتضي التغير. • ظاهر قوله (من الليل) عام في كل حاله، ويحتمل أن يخص بما إذا قام إلى الصلاة، لرواية (إذا قام للتهجد)، وحديث ابن عباس يشهد له. (وتغيُّر فم). أي: ويتأكد أيضاً عند تغير رائحة الفم. لحديث أبي بَكْر الصِّدِّيق ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ) رواه أحمد. • وتغير الفم يكون بأشياء منها: ترك الأكل والشرب، ومنها: أكل ماله رائحة كريهة، ومنها: طول السكوت، ومنها: كثرة الكلام.

стр. 73

(لا بإصبع أو خرقة). أي: لا يشرع التسوك بإصبع أو خرقة. أ- لأن الشرع لم يرد به، ولا يحصل به الإنقاء كالعود. ب- أن الأصبع لا تسمى سواكاً، ولا هي في معناه. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصيب السنة. وقد جاء حديث (يجزئ من السواك الأصبع) وهو حديث ضعيف. وذهب بعضهم: إلى أنه يصيب السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء، واختاره ابن قدامة. قال ابن قدامة: يصيب السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء، ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها. [قاله في المغني]. وهذا القول هو الراجح. • هل يستاك باليد اليسرى أم باليد اليمنى؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: باليمنى. واختيار ابن قدامة وغيره من الحنابلة، وبعض الشافعية كابن الملقن. لأنَّه سنَّة، والسَّنَّة طاعة لله فلا تكون باليسرى. ففي حديث عائشة (أنَّ النبي ﷺ كان يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كلِّه) متفق عليه. وزاد أبو داود (وسواكه). القول الثاني: أنه يستاك باليسرى. وهذا مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وقال به شيخ الإسلام والعلامة ابن باز، لكن يرون أن يبدأ بالجهة اليمنى من الفم. لأنه من باب إزالة الأذى.

стр. 74

وقد سُئِلَ شيخ الاسلام ﵀ عن السواك: هل هو باليد اليسرى أولي من اليد اليمني أو بالعكس؟ وهل يسوغ الإنكار على من يستاك باليسرى؟ وأيهما أفضل؟ الحمد لله رب العالمين، الأفضل أن يستاك باليسرى، نص عليه الإمام أحمد في رواية ابن منصور الكَوْسَج، ذكره عنه في مسائله وما علمنا أحدًا من الأئمة خالف في ذلك؛ وذلك لأن الاستياك من باب إماطة الأذى، فهو كالاستنثار والامتخاط؛ ونحو ذلك مما فيه إزالة الأذى، وذلك باليسرى، كما أن إزالة النجاسات كالاستجمار ونحوه باليسرى، وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى. القول الثالث: إن تسوك لتطهير الفم فيكون باليسار، وإن تسوك لتحصيل السنة تسوك باليمنى. وهذا قول بعض المالكية. والله أعلم. سنن الفطرة عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ) متفق عليه. وعنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ». قَالَ زَكَرِيَّا قَالَ مُصْعَبٌ وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. زَادَ قُتَيْبَةُ قَالَ وَكِيعٌ انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِى الاِسْتِنْجَاء) رواه مسلم.

стр. 75

• تعريف الْفِطْرَةُ: قيل المراد بها: السنة، ونسبه الخطابي للجمهور. وقيل: هي الدين. قال النووي: تفسير الفطرة هنا بالسنة هو الصواب، ففي حديث البخاري عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من السنة: قص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر). • سميت هذه فطرة. قال القرطبي: وهذه الخصال مجتمعة في أنها محافظة على حُسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخِلقة التي خُلقَ الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يشوه الإنسان ويقبحه، بحيث يُستقذر ويُجتنب، فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى. (يسن تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة). أي: من سنن الفطرة هذه الأشياء: أولاً: تقليم الأظافر. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ) متفق عليه. وتقليم الأظفار: أي تقطيع ما طال منها. • وحكمه سنة. قال النووي: مجمع على أنه سنة، وسواء في الرجل والمرأة واليدان والرجلان. قال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ، وَيَتَفَاحَشُ إذَا تَرَكَهَا، وَرُبَّمَا حَكَّ بِهِ الْوَسَخَ، فَيَجْتَمِعُ تَحْتَهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُنْتِنَةِ، فَتَصِيرُ رَائِحَةُ ذَلِكَ فِي رُءُوسِ الْأَصَابِعِ، وَرُبَّمَا مَنَعَ وُصُولَ الطَّهَارَةِ إلَى مَا تَحْتَهُ. (المغني). قال ابن حجر: لم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث.
следующие страницы →