أبقى على معناه صح.
قال السبكي في "طبقاته": واستنبط أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية من هذه الآية أن ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن، وإن لم يفعله السلف، لأن فيه تمييزًا لهم حتى يعرفوا فيُعمل بأقوالهم (١) .
قوله: "لما سلف": ليس المراد به أمر التجلبب قبل نزول هذه الآية حتى يقال إنه لا ذنب قبل الورود في الشرع، فهو مبني علي الاعتزال والقبح العقلي، بل المراد: ما سلف من ذنوبكم المنهيِّ عنها مطلقا، فيغفرها إن شاء، ولو سلم إرادته فالنهي عنه معلوم من آية الحجاب التزامَا، وقيل: المراد لما عسى يصدر من الإخلال في التستر) اهـ (٢) .
* قول الإمام عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي (ت ٧٠١ هـ) :
قال ﵀ في تفسيره":
(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زال الثوب عن وجه المرأة: أدني ثوبك على وجهك (٣) ، و (مِن) للتبعيض، أي: ترخي بعض جلبابها وفضله على
стр. 1122
وجهها اهـ (١) .
تنبيه: تحتجب الأمة إذا خيف بها الفتنة:
قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀ رحمة واسعة:
وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها، وتحتجب، ووجب غض البصر عنها ومنها، وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء، ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بها أمر الحرائر، والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر، ولم يفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام، بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء، واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد، فلم يُجْعَلْ عليهن احتجاب، واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة، فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء، فأنْ يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى، وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها، وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يجز إبداء الزينة الخفية له، فالخطاب خرج عامُّا على العادة، فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره، فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنة، وجب المنع من ذلك كما لو كانت في غير ذلك. اهـ (٢) .
وزعم نفاة الحكمة والتعليل والقياس أن الشريعة قد فرقت بين المتماثلين، وجمعت بين المختلفين، وأيدوا ذلك بأمور: منها أن الشارع حرم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا كانت حرة، وجوزه إلى الأمة الشابة البارعة الجمال، وقد انبرى الإمام المحقق شمس الدين محمد
стр. 1123
ابن أبي بكر ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، للرد عليهم وتتبع ما استدلوا به، وكان مما قال ﵀ في الرد على الشبهة السابقة: وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع، فأين حرَّم الله هذا، وأباح هذا؟ والله إنما قال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) [النور: ٣٠] ، ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب.
وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن، فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس، وأذن للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟
فهذا غلط محض على الشريعة، وأكَّد هذا الغلطَ أن بعض الفقهاء سمع قولهم: "إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبًا كالبطن والظهر والساق"، فظن أن ما يظهر غالبًا حكمه حكم وجه الرجل، وهذا إنما هو في الصلاة، لا النظر، فإن العورة عورتان: عورة في الصلاة، وعورة النظر، فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، والله أعلم (١) اهـ.
وما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام المحقق ابن القيم عليهما الرحمة من احتجاب الحسان من الإماء، وبروز غير الحسان، قد نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فنقل ابن منصور عنه أنه قال: "لا تنتقب الأمة"، ونقل ابن منصور عنه أيضًا، وأبو حامد الخَفَّاف أنه قال: "تنتقب
стр. 1124
الجميلة" (١) اهـ.
* قول العلامة محمد بن أحمد بن جَزي الكلبي المالكي (ت ٧٤١) : قال ﵀ في "تفسيره":
كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن، ويُفَهمَ الفرقُ بين الحرائر والإماء.
والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو الرداء، وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقيل: أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها، وقيل: أن تغطي نصف وجهها (٢) .
(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) أي ذلك أقرب إلى أن يعرف الحرائر من الإماء، فإذا عرف أن المرأة حرة لم تعارض بما تعارض به الأمة، وليس المعنى أن تعرف المرأة من هي، إنما المراد أن يفرق بينهما وبين الأمة لأنه كان بالمدينة إماء يعرفن بالسوء، وربما تعرض لهن السفهاء (٣) أهـ.
* قول الإمام النحوي المفسر أثير الدين أبي عبد الله محمد بن يوسف ابن علي أبن حيان الأندلسي الشهير بأبي حيان (ت ٧٤٥ ص) :
قال ﵀ في "تفسيره":
... وقال السدي: (تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين "، وكذا عادة بلاد الأندلس لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة) (٤) . وقال أيضا ﵀: والظاهر أن قوله: (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) يشمل
стр. 1125
الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح (١) ، و (مِن) في (جَلَابِيبِهِنَّ) للتبعيض، و (عَلَيْهِنَّ) شامل لجميع أجسادهن، أو: (عَلَيْهِنَّ) على وجوههن، لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه، (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) لتسترهن بالعفة، فلا يتعرض لهن، ولا
يلقين ما يكرهن، لأن المرأة إذا كانت غاية في التستر والانضمام لم يُقْدَمْ عليها بخلاف المتبرجة، فإنها مطموع فيها. اهـ.
فصل
في بيان الدليل على صحة التفريق بين الحرائر
والإماء في الحجاب
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانِت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وخلفائه: أن الحرة تحتجب، والأمة تبرز" (٢) أهـ، وقال ﵀
تعالى: قولة: (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ
стр. 1126
جَلَابِيبِهِنَّ) الآية:
دليل على أن الحجاب إنما أُمِر به الحرائر دون الإماء؟ لأنه خص أزواجه وبناته، ولم يقل: وما ملكت يمينك وإمائك وإماء أزواجك وبناتك؟ ثم قال (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) والإماء لم يدخلن في نساء المؤمنين كما لم يدخل في قوله (نِسَائِهِنَّ) ما ملكت أيمانهن حتى عُطف عليه في آيتي النور والأحزاب (١) ، وهذا قد يقال إنما ينبني على قول من يخص ما ملكت اليمين بالإناث، وإلا فمن قال: هي فيهما أو في الذكور ففيه نظر. وأيضَا فقوله: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) وقوله: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ
نِسَائِهِمْ) [المجادلة: ٢] إنما أريد به الممهورات دون المملوكات، فكذلك هذا، فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن؛ فهذا مع ما في الصحيح من أنه لما اصطفى صفية بنت حيي، وقالوا إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، دل على أن الحجاب كان مختصُّا بالحرائر.
وفي الحديث دليل على أن أمومة المؤمنين لأزواجه دون سراريه، والقرآن ما يدل إلا على ذلك، لأنه قال: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) ، وقال: (وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا
أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) ، وهذا أيضًا دليل ثالث من الآية؛ لأن الضمير في قوله: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ) عائد إلى أزواجه فليس للمملوكات ذكر في الخطاب،
لكن إباحة سراريه من بعده فيه نظر (٢) ٠ اهـ.
стр. 1127
فصل
* ذكر الآثار الواردة عن عمر بن الخطاب ﵁ في التفريق بين الحرائر والإماء في التقنع بالجلباب (١) :
روى عبد الرزاق في "مصنفه" أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس أن عمر ﵁ ضرب أمة لآل أنس رآها متقنعة، فقال: "اكشفي رأسك (٢) ، لا تشبهي بالحرائر".
وروى ابن جّريج عن عطاء أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهى الإماء
عن الجلابيب أن يتشبهن بالحرائر، قال ابن جريج عن نافع: إن صفية بنت أبي عبيد حدثته، قالت: خرجت امرأة مختمرة متجلببة، فقال عمر: من هذه المرأة؟ فقيل له: جارية لفلان، رجل من بيته، فأرسل إلى حفصة، فقال: ما حملك على أن تخمري هذه الأمة، وتجلببيها، حتى هممت أن أقع بها، ولا أحسبها إلا من المحصنات؟! لا تشبهوا الإماء بالمحصنات. انتهى. ورواه البيهقي، وقال؟ "الاَثار بذلك عن عمر صحيحه" انتهى.
روى ابن أبي شيبة في "مصنفه": حدثنا علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك، قال: دَخَلت على عمر بن الخطاب أمَة قد كان يعرفها لبعض المهاجرين، أو الأنصار، وعليها جلباب متقنعة به فسألها: عتِقْتِ؟ قالت: لا، قال: فما بال الجلباب؟! ضعيه على رأسك، إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين، فتلكأت فقام إليها بذلك بالدرة،
стр. 1128
فضرب بها رأسها حتى ألقته.
وروى محمد بن الحسن في كتاب "الآثار": أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد ابن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أن عمر بن الخطاب كان يضرب الإماء أن يتقنعن، ويقول: لا تتشبهن بالحرائر. انتهى.
* قول الإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل عماد الدين ابن عمر بن كثير القرشي الشافعي (ت ٧٧٤ هـ) :
قال في "تفسيره الجليل":
يقول الله تعالى آمرًا رسوله ﷺ تسليما أن يأمر النساء المؤمنات - خاصة أزواجه وبناته لشرفهن - بان يدنين عليهن من جلابيبهن، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء.
والجلباب: هو الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود، وعبيدة، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وغير واحد، وهو بمنزلة الإزار اليوم.
قال الجوهري: الجلباب: الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلًا لها:
تمشي النسور إليه وَهْيَ لاهية ... مَشْيَ العَذَارى عليهن الجلابيبُ
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدةً" (١) .
стр. 1129
وقال محمد بن سيرين: "سألت عبيدة السلماني عن قول الله تعالى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) فغطى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى (١) . اهـ (٢) .
* وقد فسر الإمام جلال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد المحَلِّي ﵀ (ت ٨٦٤ هـ) الآية بقوله:
(مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي: يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة (ذَلِكَ أَدْنَى) أقرب إلى (أَنْ يُعْرَفْنَ) بأنهن حرائر (فَلَا يُؤْذَيْنَ) بالتعرض لهن، بخلاف الإماء، فلا يغطين وجوههن، فكان المنافقون يتعرضون لهن، (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لما سلف منهن لترك الستر (رَحِيمًا) بهن إذ سترهن. اهـ (٣) .
وقال السيوطي ﵀:
هذه آية الحجاب في حق سائر النساء ففيها وجوب ستر الرأس والوجه
стр. 1130
عليهن" (١) اهـ.
وقال الإمام الخطيب الشربيني ﵀ في تفسيره:
" (يُدْنِينَ) يقربن (عَلَيْهِنَّ) أي على وجوههن وجميع أبدانهن، فلا يدعن شيئًا منها مكشوفًا" (٢) ، أهـ.
وقال أيضَا:
قال ابن عادل: ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن لا يزنين، لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة أي في الصلاة لا يُطمع فيها أنها تكشف عورتها فبفرض أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن " (٣) ٠ اهـ. * وقال الشيخ أبو السعود محمد بن محمد العمادي (ت ٩٥١ هـ) في "تفسيره":
أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن لداعية من الدواعي (٤) . أهـ.
* وقال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي (ت ١١٣٧ هـ) ﵀ في "تفسيره":
والمعنى يغطين بها وجوههن وأبدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة، ولا يخرجن مكشوفات الوجوه والأبدان كالاماء حتى لا يتعرض لهن السفهاء ظنُّا بأنهن إماء.
ونقل عن أنس ﵁ قال: "مرت لعمر بن الخطاب ﵁ جارية متقنعة
стр. 1131
فعلاها بالدرة، وقال: يالكاع (١) تتشبهين بالحرائر ألقي القناع" (٢) . اهـ.
* قال العلامة الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في "تفسيره":
قال الواحدي: قال المفسرون: يغطين وجوههن ورءوسهن إلا عينَا واحدة، فيعلم أنهن حرائر لا يعرض لهن بأذى.
إلى أن قال ﵀: "وليس المراد بقوله (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) أن تعرف الواحدة منهن من هي، بل المراد أن يعرفن أنهن حرائر لا إماء لأنهن قد لبسن لبسة تختص بالحرائر (٣) . اهـ
* وقال الشيخ السيد محمد عثمان ابن السيد محمد أبي بكر ابن السيد عبد الله الميرغني المحجوب المكي (ت ١٢٦٨ هـ) في "تفسيره":
(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) أي يرخين على وجوههن وسائر أجسادهن ما يسترهن من الملاآات والثوب الساتر (٤) . اهـ.
* وقال العلامة أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي (ت ١٢٧٠ هـ) في " تفسيره":
والإدناء: التقريب، يقال: أدناني، أي قربني، وضمن معنى الإرخاء
أو السدل، ولذا عُدِّيَ بـ "على"، على ما يظهر لي، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل. وقال أيضًا ﵀:
стр. 1132
والظاهر أن المراد بعليهن: على جميع أجسادهن، وقيل: على رؤوسهن أو على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه. وقال أيضًا. وفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه. تغطي وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة، وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن أم سلمة قالت: "لما نزلت هذه الآية (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها" (١) .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت: "رحم الله تعالى نساء الأنصار، لما نزلت (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ) الآية، شققن مروطهن، فاعتجرن بها، فصلين خلف رسول الله ﷺ كأنما على رؤوسهن الغربان (٢) . اهـ.
* وقال نعمةُ الله بنُ محمود الخجواني:
يدنين يُغطين (عَلَيْهِنَّ) أي على أيدهن وأرجلهن وعلى جميع معاطفهن (مِن) فواضل (جَلَابِيبِهِنَّ) وملاحفهن بحيث لا يبدو من مفاصلهن وأعضائهن شيء سوى العينين، بل عين واحدة (٣) . اهـ.
* وقال الشيخ عبد العزيز بن أحمد الدميري:
يدنين يرخين الرداء سترا ... للوجه والرأس يعم الصدرا (٤)
стр. 1133
* وقال المهايمي:
(يُدْنِينَ) أي يقربن تقريب تغطية (عَلَيْهِنَّ) أي على وجوههن
وأبدانهن (١) . اهـ.
* وقال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢ هـ) ﵀ في "تفسيره":
فَأمِرنَ - يعني الحرائر- أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء، بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويُهبن فلا يطمع فيهن طامع.
وقال أيضا: وأخرج - يعنى ابن أبي حاتم - عن يونس بن يزيد أنه سأل الزهري: هل على الوليدة خمار، متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت متزوجة، وتنهى عن الجلباب، لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر المحصنات (٢) .
* قال علامة القصيم الشيخ أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ في "تفسيره":
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) الآية: هذه الآية هي التي تسمى آية الحجاب، فأمر الله نبيه أن يأمر النساء عموما، ويبدأ بزوجاته وبناته لأنهن آكد من غيرهن، ولأن الآمر لغيره ينبغي أن يبدأ بأهله قبل غيرهم كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) أن (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) وهن اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه، أى يغطين بها وجوههن وصدورهن.
стр. 1134
ثم ذكر حكمة ذلك فقال: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) دل على وجود أذية إن لم يحتجبن، وذلك لأنهن إذا لم يحتجبن ربما ظُنَّ أنهن غير عفيفات
فيتعرض لهن من في قلبه مرض فيؤذيهن، وربما استهين بهن، وظُنَّ أنهن إماء فتهاون بهن من يريد الشر، فالاحتجاب حاسم لمطامع الطامعين فيهن.
(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) حيث غفر لكم ما سلف، ورحمكم بأن بين لكم الأحكام، وأوضح الحلال والحرام، فهذا سد للباب من جهتهن، وأما من جهة أهل الشر فتوعدهم بقوله: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي مرض: شك أو شهوة (وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) أي المخوفون المرهبون الأعداء المتحدثون بكثرتهم وقوتهم وضعف المسلمين.
ولم يذكر المعمول الذي ينتهون عنه ليعم ذلك كل ما توحي به أنفسهم إليهم، وتوسوس به، وتدعو إليه من الشر من التعريض بسب الإسلام وأهله، والإرجاف بالمسلمين وتوهين قواهم، والتعرض للمؤمنات بالسوء والفاحشة، وغير ذلك من المعاصي الصادرة من أمثال هؤلاء (ِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) أي نأمرك بعقوبتهم وقتالهم ونسلطك عليهم ثم إذا فعلنا ذلك لا طاقة لهم بك وليس لهم قوة ولا امتناع، ولهذا قال: (ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) (١) "، اهـ.
* قول العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ) :
قال ﵀:
ومن الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) فقد قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ
стр. 1135
جَلَابِيبِهِنَّ) أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة تبصر بها، وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس، وعَبيدة السلماني وغيرهم.
فإن قيل: لفظ الآية الكريمة وهو قوله: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) لا يستلزم معناه ستر الوجة لغة، ولم يرد نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسرين إنه يستلزمه معارَض بقول بعضهم: إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه.
فالجواب: أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) يدخل في معناه ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها، والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ) ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين، فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب كما ترى.
ومن الأدلة على ذلك أيضَا هو ما قدمنا في سورة النور (١) في الكلام على قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) من أن استقراء القرآن يدل على أن معنى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصح تفسير (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالوجه والكفين كما تقدم إيضاحه، وأعلم أن قول من قال: "إنه قد قامت قرينة قرآنية على أن قوله تعالى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) قال: وقد دل قوله: (أَنْ يُعْرَفْنَ) على أنهن سافرات كاشفات عن وجوههن لأن التي تستر وجهها لا تعرف " باطل، وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منْعًا باتا لأن قوله:
стр. 1136
(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) صريح في منع ذلك، وإيضاحه: أن الإشارة في قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن، وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن لا يمكن بأي حال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب منافٍ لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه كما لا يخفى.
وقوله في الآية الكريمة: (لِأَزْوَاجِكَ) دليل أيضا على أن المعرفة المذكورة
في الآية ليست بكشف الوجوه، لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين.
والحاصل: أن القول المذكور تدل على بطلانه أدلة متعددة:
الأول: سياق الآية كما أوضحناه آنفا.
الثاني: قوله (لِأَزْوَاجِكَ) كما أوضحناه أيضًا.
الثالث: أن عامة المفسرين من الصحابة فمن بعدهم فسروا الآية مع بيانهم سبب نزولها، بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت، وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإماء، ولا يتعرضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زي ليس متميزا عن زي الإماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق بالأذى، ظنا منهم أنهن إماء، فأمر الله نبيه ﷺ أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإماء، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك، ورآهن الفساق علموا أنهن حرائر، ومعرفتهن بأنهن حرائر لا إماء هو مبنى قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) فهي معرفة بالصفة لا بالشخص، وهذا التفسير منسجم مع ظاهر القرآن كما ترى، فقوله:
(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) لأن إدناءهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر فهو أدنى وأقرب لأن يعْرفن: أي يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرضون للإماء.
وهذا هو الذي فسر به أهل العلم بالتفسيرِ هذه الآية، وهو واضح،
стр. 1137
وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز (١) بل هو حرام، ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض، وأنهم يدخلون في عموم قوله: (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) في قوله تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) إلى قوله: (وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) .
ومما يدل على أن المتعرض لما لا يحل من النساء من الذين في قلوبهم مرض، قوله تعالى: (َّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) الآية، وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى:
حافظ للفرج راض بالتقى ... ليس ممن قلبه فيه مرض
وفي الجملة: فلا إشكال في أمر الحرائر بمخالفة زي الإماء ليهابهن الفساق، ودفع ضرر الفساق عن الإماء لازم، وله أسباب أخر ليس منها إدناء الجلابيب. اهـ (٢) .
* ونقل العلامة أبو الأعلى المودودي (ت ١٣٩٩ هـ) رحمه الله تعالى جملة من أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية ثم قال رحمة الله عليه:
"ويتضح من هذه الأقوال جميعا أنه من لدن عصر الصحابة الميمون إلى القرن الثامن للهجرة، حمل جميع أهل العلم هذه الآية على مفهوم واحد، هو الذي قد فهمناه من كلماتها، وإذا راجعنا بعد ذلك الأحاديث النبوية والآثار، علمنا منها أيضا أن النساء قد شرعن يلبسن النقاب على العموم
стр. 1138
بعد نزول هذه الآية على العهد النبوي، وكن لا يخرجن سافرات، فقد جاء في سنن أبي داود والترمذي والموطأ للإمام مالك وغيرها من كتب الأحاديث أن كان النبي ﷺ قد أمر أن "المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين"، و"نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب" وهذا صريح الدلالة على أن النساء في عهد النبوة قد تعودن الانتقاب ولبس القفازين عامة، فنهين عنه في الإحرام، ولم يكن المقصود بهذا الحكم أن تُعْرَضَ الوجوه في موسم الحج عرضا، بل كان المقصود في الحقيقة أن لا يكون القناع جزءا من هيئة الإحرام المتواضعة، كما يكون جزءًا من لباسهن عادة، فقد ورد في الأحاديث الأخرى تصريح بأن أزواج النبي ﷺ وعامة المسلمات كنَّ يخفين وجوههن عن الأجانب في حالة إحرامهن أيضا، ففي سنن أبي داود عن عائشة ﵂ قالت: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذَوْا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه" (١) ، وفي الموطأ للإمام مالك عن فاطمة بنت المنذر قالت: "كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، فلا تنكره علينا" (٢) .
وقد ورد في "فتح الباري" عن عائشة ﵂: "تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها" (٣) .
وكل من تأمل كلمات الآية وما فسرها به أهل التفسير في جميع الأزمان بالاتفاق، وما تعامل عليه الناس على عهد النبي ﷺ ، لم ير في الأمر مجالا
стр. 1139
للجحود بأن المرأة قد أمرها الشرع الإسلامي بستر وجهها عن الأجانب، ما زال العمل جاريا عليه منذ عهد النبي ﷺ إلى هذا اليوم (١) . اهـ. وقال ﵀ في "تفسير سورة الأحزاب":
والجلباب في اللغة العربية: الملحفة والملاءة واللباس الواسع، والإدناء يعني: التقريب واللف، فإن أضيف إليه حرف الجر "على" قُصد به الإِرخاء والإِسدال من فوق.
وبعض المترجمين والمفسرين في هذه الأيام غلبهم الذوق الغربي، فترجموا هذا اللفظ بمعنى الالتفاف؟ لكي يتلافوا حكم ستر الوجه، لكن الله لو أراد ما ذكره هؤلاء السادة لقال: "يدنين إليهن"، فإن من يعرف اللغة العربية لا يمكن أن يسلم بأن (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ) تعني: أن يتلففن أنفسهن فحسب، هذا بالإضافة إلى قوله: (جَلَابِيبِهِنَّ) يحول أكثر وأكثر دون استخراج هذا المعنى.
(ومِنْ) هنا للتبعيض يعني جزءَا أو بعضا من جلابيبهن، ولو التفت المرأة بالجلباب لالتفت به كله طبعًا لا ببعضه، أو بطرف منه، ومن ثم تعني الآية صراحة أن يتغطى النساء تمامًا، ويلففن أنفسهن بجلابيبهن ثم يسدلن عليهن من فوق بعضا منها أو طرفها، وهو ما يعرف عامة باسم النقاب. هذا ما قاله أكابر المفسرين في أقرب عهد بزمن الرسالة وصاحبها ﷺ ، فقد روى ابن جرير وابن المنذر أن محمد بن سيرين ﵀ سأل عبيدة السلماني عن معنى هذه الآية،- وكان عبيدة قد أسلم في زمن النبي ﷺ ولم يأت إليه، وجاء المدينة في عهد عمر ﵁، وعاش فيها، ويعتبر نظيرا للقاضي شريح في الفقه والقضاء - فكان جوابه أن أمسك بردائه وتغطى به، حتى لم يظهر من رأسه ووجهه إلا عين واحدة.
стр. 1140
وقد فسرها ابن عباس ﵄ أيضا بما يقارب هذا إلى حد كبير، وما ثقله عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه يقول فيه: "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة"، وهذا ما قاله قتادة والسدي أيضًا في تفسير هذه الآية.
ويتفق أكابر المفسرين الذين ظهروا في تاريخ الإسلام بعد عصر الصحابة والتابعين على تفسير الآية بهذا المعنى" اهـ.
* ثم قال ﵀ في تفسير قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) :
المراد بقوله (يُعْرَفْنَ) أن كل من يراهن في هذا اللباس الوقور المحتشم
غير المزين يعرف أنهن شريفات حرائر، لا أوباش متهتكات متبذلات فيطمع أي مستهتر خليع في أن ينال منهن مراده.
والمقصود من قوله: (فَلَا يُؤْذَيْنَ) لا يتعرض لهن أحد بأذى.
ونحن نتوقف هنا قليلا، ونحاول أن نفهم معًا أي روح لقانون الاجتماع الإسلامي يعبر عنها هذا الأمر القرآني؟ وما هو غرضه ومقصوده الذي ذكره رب العالمين بنفسه؟
لقد أمر الله النساء في الآية رقم (٣١) من سورة النور ألا يبدين زينتهن
إلا لأشخاص معينين ذُكِروا في هذه الآية: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) ، فإذا قرأنا هذا الأمر متصلًا مع الآية التي بين أيدينا من سورة الأحزاب، ظهر لنا في وضوح أن الأمر الصادر إلى النساء في هذه الآية أن يدنين عليهن من جلابيبهن يعني: إخفاء الزينة عن غير المحارم، ولا يتحقق هذا الغرض طبعًا إلا إذا كان الجلباب غير مزين ولا منقوش في ذاته، وإلا ضاع هذا الغرض بارتداء جلباب مزين منقوش لافت للنظر.
стр. 1141
وفوق هذا أن الله ﵎ لا يأمر النساء بإرخاء الجلباب وإخفاء الزينة فحسب، بل يأمرهن كذلك أن يسدلن على أنفسهن - يعني من أعلى - طرفًا من جلابيبهن، وأي إنسان عاقل لا يمكن أن يفهم من هذا القول شيئَا سوى أنه يقصد ضرب النقاب أو التنقب؛ حتى يختفي الوجه أيضا إلى جانب إخفاء زينة الجسم واللباس، ثم يذكر رب العالمين ذاته علة هذا الأمر فيقول: إن هذه أمثل طريقة لأن يعرف نساء المسلمين فلا يؤذين.
ويظهر من هذا تلقائيًّا أن هذا الأمر صادر إلى النسوة اللاتي لا يتلذذن بمعاكسة الرجال لهن، وحملقتهن في وجوههن وأجسامهن، ورغبتهم فيهن، بل يتألمن ويتأذين، واللاتي لا يردن جعل أنفسهن في عداد نجوم المجتمع الداعرات، بل يردن أن يعرفن بأنهن مصابيح البيوت العفيفات التقيات، هؤلاء الشريفات الطيبات يقول الله لهن: إن كنتن تردن أن تعرفن بهذه الصفة فعلًا، وإن كان اهتمام الرجال بكن، ورغبتهم فيكن لا يلذ لكن حقيقة، بل يؤذيكن، ويؤلمكن، فليس السبيل إلى ذلك أن تخرجن من بيوتكن متزينات كعروس ليلة زفافها، وتظهرن جمالكن وحسنكن براقًا
أخاذا كأحسن ما يكون أمام الأعين الطامعة الجائعة، بل إن أفضل سبيل لهذا الغرض أن تخرجن خافيات زينتكن كلها في جلباب مسدل غير مزين، وتضربن النقاب على وجوهكن، وتمشين بطريقة لا يلفت نظر الناس فيها إليكن شيء حتى ولا صوت حليكن.
إن المرأة التي تتزين وتتهيأ قبل خروجها، ولا تخرج قدمها من منزلها قبل أن تكون قد وضعت أصنافا وألوانا من المساحيق والخطوط بين أحمر وأزرق وأسود وأبيض، لا يمكن أن يكون غرضها من هذا سوى أنها تريد أن تلفت إليها نظر الرجال، وتدعوهم هي نفسها إلى الالتفات إليها، والاهتمام بها، والرغبة فيها، فإن قالت بعد ذلك إن النظرات الجائعة العطشى تؤذيها، وتضايقها، وإن ادعت أنها لا تريد أن تُعرف بأنها "سيدة
стр. 1142
مجتمع " و"امرأة محبوبة مرغوب فيها"، بل تحب أن تكون ربة بيت شريفة
محترمة، فليس ذلك منها غير خداع ومكر.
إن قول الإِنسان لا يحدد نيته، بل إن نيته الحقيقية هي التي تختار، وتحدد
شكل عمله، ومن ثم فالمرأة التي تجعل نفسها شيئًا لافتًا للنظر، ثم تمشي أمام الرجال، يفضح فعلها هذا الدوافع التي تكمن خلفه، والمحركات التي تعمل
وراءه، ولهذا يتوقع طلاب الفتنة منها نفس ما يتوقعونه من امرأة من هذا
الصنف، فالقرآن يقول للنساء: هيهات هيهات أن تكُنَّ مصابيح البيوت النيرات، ونجوم المجتمع الداعرات في وقت واحد، فلكي تكن مصابيح البيوت اتركن تلك المناهج والطرق والأساليب التي تناسب نجوم المجتمع،
واسلكن أسلوب الحياة الذي يساعدكن في أن تصبحن مصابيح البيوت، إن الرأي الشخصي لأي إنسان - سواء كان مطابقا للقرآن أم مخالفا،
وسواء أراد قبول هدي القرآن منهج عمل، وقاعدة سلوك أم لم يرد - إن
كان لا يريد بحال أن يرتكب جريمة عدم الأمانة في التفسير، فلا يمكن أن
يخطئ في فهم مراد القرآن وقصده، وما لم يكن منافقًا فسوف يُسَلم بأن
مراد القرآن هو ما ذكرنا آنفًا، فإن خالف بعد ذلك فسوف يخالف بعد أن
يعترف بأنه يعمل على خلاف القرآن، أو أنه يفهم هدي القرآن فهمًا أعوج
خاطئا " (١) اهـ
* وقال فضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري - حفظه الله تعالى -: "قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) .
هذه الآية من سورة الأحزاب، وهي متأخرة في التلاوة عن الآيتين
قبلها (٢) أبطلت دعوى الخصوصية في الحجاب؛ حيث أشركت في
стр. 1143
الخطاب نساء المؤمنين باللفظ الصريح، وهي تطالب المؤمنات إذا خرجن من بيوتهن لحاجة استدعت ذلك أن يغطين وجوههن، ويسترن محاسنهن.
أما التعليل في الآية فهو يشير إلى المجتمع الإسلامي في تلك الأيام،
وأنه كان مخلخلًا مهزوزًا؛ لوجود أغلبية فيه من المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات، وحُكم الرسول ﷺ لم يستقر بعد، والأمن لم يستتب، بدليل أن المنافقين كان منهم من يتعرض للجواري في الشوارع،
ويغازلهن لإيقاعهن في الريبة، فمن باب الوقاية العاجلة أمر الله تعالى النبي ﷺ أن يقول آمرا أزواجه وبناته ونساء المؤمنين به إذا خرجت إحداهن لحاجتها أن تغطي رأسها ووجهها، لتُعرف أنها حرة، وليست جارية تخدم البيوت، فلا يتعرض لها أولئك المنافقون بالكلام المريب والمغازلة الفاتنة، والمقصود من الكلام أن هذه الآية مؤكدة لفرضية
الحجاب، ومقررة له.
ودعاة السفور يقولون إن هذه الآية لم تأمر بتغطية الوجه، وإنما أمرت بتغطية الرأس فقط، وهو فهم باطل؛ إذ الجلباب هو ما تضعه المرأة على رأسها، فكيف يقال لها: أدني الجلباب من رأسك تغطية (١) .
وإنما تدنيه عن رأسها لتغطي به وجهها، هذا هو المعقول والمفهوم من العرب، ثم مجرد تغطية الرأس لا تمنع من المغازلة المخوفة، وإنما يمنع منها تغطية الوجه بالمرة، أما كاشفة الوجه فإن النظر إليها ومنها يسَهلُ المكالمة، فالمغازلة، كما قال الشاعر الحكيم:
نظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعد فلقاء". (٢)
стр. 1144
* وقال الدكتور محمد محمود حجازي في تفسيره:
(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) فيسترن أجسادهن كلها حتى وجوههن إلا
ما به ترى الطريق (١) اهـ.
* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف:
"والمفهوم من الجلباب أنه لا ينحصر باسم ولا بجنس ولا بلون، وإنما هو كل ثوب تشتمل به المرأة لستر مواضع الزينة من ثابت ومنقول، وإذا عرفنا المقصود منه، زال الحرج في وصفه ومسماه.
فقوله ﵎: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) (٢) يدل على تخصيص الوجه لأن الوجه عنوان المعرفة فهو نص على وجوب ستر الوجه.
وقوله تعالى: (فَلَا يُؤْذَيْنَ) هو نص على أن في معرفة محاسن المرأة إيذاء
لها ولغيرها بالفتنة والشر، ولذلك حرم الله تعالى عليها أن تخرج من بدنها ما تعرف به محاسنها أيا كانت" (٣) اهـ.
* وقال حفظه الله تعالى (٢) :
"الجلباب" أكمل من ضرب الخمار لأنه يحيط ببدن المرأة كلها، ويستر جميع ما يعلو بدنها من الزينة، أو ما يصف جسمها، لأن لبس الثياب التي تصف حجم المرأة حرام عليها استعمالها بحضرة الرجال الأجانب ...
стр. 1145
ص ٢٢٦ فارغة
стр. 1146
في البيوت.
وهذه الآية الكريمة تستدعي التأمل وإدارة الفكر من وجوه:
الأول: أن الله تعالى لم يقل: "يتجلببن" وإنما قال: (يُدْنِينَ) ومعلوم أن الإدناء ليس هو نفس التجلبب، بل هو أمر زائد على التجلبب، فلا يحصل الامتثال بهذا الأمر بمجرد التجلبب، بل لابد من الإِتيان بقدر زائد عليه يصح أن يطلق عليه كلمة الإِدناء.
الثاني: أن الإِدناء لا يطلق على لبس الثياب، ثم إنه لا يتعدى بعلى، بل يتعدى باللام، ومِن، وإلى فتعديته هنا بعلى لتضمينه معنى فعل آخر، وهو الإِرخاء، والإِرخاء يكون من فوق، فالمعنى: يرخين شيئا من جلابيبهن من فوق رؤوسهن على وجوههن.
أما قولنا: على وجوههن، فلأن الجلباب لابد أن يقع على عضو عند الإِرخاء، ومعلوم بالبداهة أن ذلك العضو لا يكون إلا الوجه وأما أن يكون على الجبهة فقط فمعلوم أن هذا القدر القليل من عطف الثوب لا يسمى إِرخاء، ويؤيد هذا المعنى - أي: أن المراد بالإِدناء هو الإِرخاء، لا مجرد، التجلبب - أيضًا، أن الله أتى بكلمة (مِن) التبعيضية قبل الجلابيب، فمقتضاه أن الإِدناء يكون بجزء من الجلباب مع أن التجلبب يطلق على مجموع هيئة لبسه.
الثالث: أن الضمير في (يُدْنِينَ) يرجع إلى ثلاث طوائف جمعاء: إلى أزواج النبي ﷺ وإلى بناته، وإلى نساء المؤمنين، وقد أجمعوا على أن ستر الوجه والكفين كان واجبا على أزواجه ﷺ ، فإذا دل هذا الفعل على وجوب ستر الوجه والكفين في حق طائفة منها؛ فلم لا يدل نفس ذلك الفعل على نفس ذلك الوجوب في حق طائفتين أخريين؟!
الرابع: أن الله أمر أمهات المؤمنين بالتستر الكامل في آية الحجاب، ولم يستثن عضوًا من عضو، فلو كان المراد بإدناء الجلباب مجرد تغطية الرأس
стр. 1147
من غير أن يشمل الوجه والكفين لكان كلامه تعالى عبثا في حق أمهات المؤمنين إذ من العجائب أن يؤمر أولًا بالتستر الكامل حتى الوجه والكفين، ثم يؤمر بتغطية الرأس فقط، مع بقاء الآية الأولى محكمة غير منسوخة.
وياليت شعري أي حاجة مست إلى الأمر بستر الرأس بعد الأمر بستر جميع الأعضاء؟!
الخامس: أن أساليب الرواة وإن اختلفت في بيان سبب نزول هذه
الآية، لكنهم متفقون على أن من أهداف هذا الأمر تمييز الحرائر من الأِماء
بالزي.
فعلينا أن نرجع في معرفة ذلك إلى تقاليد العرب في ذلك الزمان وقبله، ويبدو من إشعار الشعراء الجاهليين أن الحرائر والشريفات كن محتجبات الوجوه في الجاهلية أيضا، وحجاب الوجوه – وإن يكن عامًّا - لكنه كان هو الزي الفارق بين الحرة والأمة.
ثم ساق فضيلته شواهد شعرية لتأييد أن ستر الوجوه وكشفها كان هو الفارق بين الحرة والأمة في زمن الجاهلية (١) ، إلى أن قال حفظه الله: وبعد معرفة هذا القدر من تقاليد نساء الجاهلية يسهل علينا فهم معنى الآية، وأن الله تعالى أمر المؤمنات بالتزام الزي الذي كان قد تقرر عندهم أنه زي الحرة، وليس بزي الأمة، ومعلوم أن ذلك الزي كان هو ستر الوجه بالجلباب.
السادس: أن الروايات التي وردت في بيان سبب نزول هذه الآية إما ساكتة عن بيان الزي الذي يفرق بين الحرة والأمة، وإما صريحة جازمة فيه
стр. 1148
فالرواية التي فيها، الصراحة ببيان الزي هى ما رواه أبن سعد عن محمد ابن كعب القرظى قال: كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المسلمين يؤذيهن، فإذا قيل له، قال: "كنت أحسبها أمة"، فأمرهن الله أن يخالفن لفي الإماء، ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا إحدى عينيها، يقول: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) ، يقول ذلك أحرى أن يعرفن (١) ويقرب منها الرواية التي رواها ابن جرير، ونقلها فضيلة الدكتور الهلالي فإن فيها تفسير (يُدْنِينَ) بكلمة: يتقنعن، والتقنع يطلق على تغطية الوجه، ومنه مقنع الكندي، سمى مقنعا لأنه كان لا يخرج إلا وعلى وعلى وجهه ستر (٢) .
ومنه ما قال أحمد بن أبي يعقوب في "تاريخه": وكانت العرب تحضر سوق عكاظ وعلى وجهها البراقع، فيفال: إن أول عربى كشف قناعه ظريف ابن غنم العنبري (٣) .
ومنه المثل السائر: ألقى عن وجهه قناع الحياء.
فالروايات التي تبين سبب النزول تصرح أيضًا بان الفرق بين الحرة والأمة إنما كان بستر الوجه وكشفه.
وأما استدلالاهم بما تقرر في كتب الفقه من أن الأمة لا تستر رأسها
فليس بناهض:
أما أولا: فلأن الله تعالى إنما رد المسلمين إلى التقاليد التي كانت متقررة
في مجتمع العرب، ولم يردهم إلى ما تقرر في هذا الشرع، فإن ما تقرر فيه،
لم يتقرر إلا بعد نزول هذه الآية.
وأما ثانيا: فلأن كشف الرأس للإِماء ليس بمتفق عليه (٤) .
стр. 1149
وأَما ما قاله فضيلة الدكتور من أن عمر ﵁ كان يضرب الإِماء على ستر الرأس فليس بصحيح، بل الصحيح أنه كاد يضربهن على ستر الوجه وهاك لفظ الرواية: قال أنس: مرت بعمر بن الخطاب جارية متنقبة، فعلاها بالدرة، وقال: يالكاع تتشبهين بالحرائر؟ ألقي القناع (١) .
والعجب من فضيلة الدكتور أنه كيف رضي أن يستدل به على جواز كشف الوجوه للحرائر؟!
السابع؟ أنا لو سلمنا - على سبيل التنزل - أن مجرد ستر الرأس يكفي لتمييز الحرة من الأمة، فلا شك أن ستر الوجه مع ستر الرأس أوْلى في إِعطاء هذا التمييز، وفي تأدية هذا الغرض، فسبب النزول على تقدير صحة
ما فهمه منه فضيلة الدكتور لا يقتضي نفي ستر الرأس ولا ينافي وجوبه.
الثامن أن سبب النزول ينص على أن الله تعالى دَرَأَ- بأمر إِدناء الجلباب-
مفسدة من المفاسد، وهي التعرض للنساء، ولكن هناك مفاسد أخرى أكبر منها، وذلك أن المرأة- ولو كانت فاجرة- إذا تعرض لها أحد في الطريق بالتغزل، أو بإلقاء الكلمات تثور الحمية والغيرة فيها، وتستشيط غضبًا، إلا التي ترامت في وقاحتها وفجورها إلى النهاية، قلما يظفر الرجل بجدوى في
مطلوبه بمثل هذا التعرض، ولا يجتني من عمله هذا إلا شوك الذل
والهوان
ولكن إذا خرجت المرأة سافرة الوجه فلا غرو أن يلتقي نظرها بنظر أحد من الرجال، ومعروف أن التقاء النظرين يحدث انجذابا في القلبين قلما يصبر أحدهما عن الآخر، ويقع كل واحد منهما فريسة لصاحبه
بسهولة تامة، ولذلك ورد "أن النظر سهم من سهام إبليس مسموم " (٢) . وقال الشاعر:
стр. 1150
كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر
وقال آخر:
يصرعن ذا اللب حتى لاحراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا
وليست هذه المفاسد متخيلة مفروضة، بل قد ابتلي بها المجتمع البشري في
العالم كله، وكل ذلك من عواقب هذا السفور.
فإذا كانت هناك مفاسد أخرى بجنب المفسدة التي نزلت لدرئها الآية الكريمة فهل من حكمة الحكيم الخبير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما يتطور إليه المجتمع بفضل السفور، هل من حكمته أن يدرأ مفسدة واحدة صغيرة، ويترك مفاسد أخرى كبيرة مفتحة الأبواب، يدرؤها مع أنها من قبيلها وأشد منها؟
فالصحيح أن مفسدة واحدة صغيرة - وهي التعرض للنساء في الطرقات - لما ظهرت واقتضت أمرًا من أوامر الله يسد به بابها أمر الله بأمر يكفي لسد باب هذه المفسدة، ولسد أبواب المفاسد الأخرى التي هي أكبر من أختها، فأمر بستر الرأس والوجه حتى ينقطع السبيل.
ولعل قائلاً يقول: إن الأمر إذا كان كذلك؛ فلم لم ينبه الله تعالى على
تلك الأغراض النبيلة التي تكمن وراء هذا الأمر؟ ولم اقتصر على الإشارة إلى تلك الأَغراض في آية الحجاب بقوله: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) فلم يحتج إلى الإِعادة، ويالها من كلمة جامعة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة من أغراض هذا الباب إلا أحصتها في طيها، ثم إن قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) يشير إلى هذه الأغراض أيضًا، قال الرازي: "قيل: يعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن، ويمكن أن يقال: المراد أنهن
لا يزنين، لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أن تكشف عورتها" (١) اهـ.
стр. 1151
التاسع: أن أعمال أمهات المؤمنين، وأعمال نساء المسلمين ترشدنا إلى
ما هو الصحيح في معنى إدناء الجلباب، لأن الخطاب كان موجها إليهن مباشرة، وكان الله مهيمنَا عليهن، والرسول قيما ورقيبًا على أعمالهن، فلا نحسب أن الرسول ﷺ أقر الصحابة والصحابيات على عمل لم يوجبه الله، مع أنه كان قد جاء لرفع الأواصر والأغلال، وكان عزيزَا عليه ما عنتوا، وقد أعطت الروايات عن أعمالهن تفصيلًا لا يحوم حوله شك، ولا ريب بأنهن كن يسترن الوجوه إيمانا بكتاب الله، وتصديقًا بتنزيله (١) .
العاشر: أن من تصدى من الصحابة والتابعين وعلماء أهل التأويل لتفسير إدناء الجلباب فسره بستر الوجوه، إلا بعض أقوال شاذة، وهاك شيئا من تلك النصوص ...
ثم سرد فضيلته جملة كبيرة من النقول عن جماهير المفسرين، وقد تقدم نقل أقوالهم آنفا.
ثم قال حفظه الله معقبًا: هذه هي أقوال أعلام هذه الأمة من لدن أفضل القرون إلى القرن الرابع عشر الذي نعيش فيه، يعرف منها أن من تصدى لتفسير إدناء الجلباب فقد فسره بتغطية الوجه، ولو كان ممن يقول بجواز كشفه، ولا يُعْرَف أحد خالف هذا التفسير صريحا، وإنما يستأنس بأقوال بعضهم أنه لا يرى تغطية الوجه جزءًا من إدناء الجلباب، وهاك نصوص هولاء:
قال مجاهد: يتجلببن (٢) .
وقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها (٣) .
وقال سعيد بن جبير: يسدلن عليهن (٤) .
стр. 1152
وقال ابن قتيبة: يلبسن الأردية (١) .
وهذه الأقوال كما ترى ليست صريحة في نفي ستر الوجه، فإن التجلبب، وسدل الجلباب ولبس الأردية لا ينافي تغطية الوجه، على أن التجلبب كان له طريق معروف في نساء المسلمين، وهو لبسها مع تغطية الوجه، فمن يدعي حمل هذه الأقوال على خلاف المعروف فليأت عليه بدليل.
ثم هذا الوجه العاشر من الوجوه التي أشرنا إليها في بداية الكلام على هذه الآية، فتلك عشرة كاملة، ولدينا مزيد.
الحادي عشر: أن قوله (يُدْنِينَ) صيغه مضارع للأمر، ومعلوم أن الأمر للوجوب، وأنه إذا ورد بصيغة المضارع يكون آكد في الدلالة على الوجوب.
وإذا تعين بعشرة وجوه أن المراد بإدناء الجلباب هو تغطية الوجه، تعين
أنه واجب نطق به كتاب الله، فلا مناص عن الالتزام به.
وفي ختام البحث على معنى هذه الآية لا أرى بأسًا أن أتكلم حول ما
قاله فضيلة الدكتور في الإدناء.
إن فضيلة الدكتور نقل عن ابن جرير اختلاف أهل التأويل في
الإدناء: أهو تغطية الوجه، أم شد الجلباب على الجبهة؟ ثم رجح الأخير، بل صرح بأنه هو المتعين لخمسة أمور. . .
أقول: قد عرفت مما قدمنا أن هذا التقسيم لا يبتني على أساس متين،
فكل ما يتفرع عليه فهو مثله.
قال فضيلة الدكتور: (الأول: ما تقدم من النصوص التي يفسر بها كتاب الله ومن رويت عنه - وهو النبي وأصحابه - أعلم بكتاب الله) اهـ
أقول:
стр. 1153
سينكشف الغطاء عن تلك النصوص وعن عمل النبي ﷺ وأصحابه
وأمته، فاصطبروا.
قال: (الثاني: أقوال العلماء السابقة (١) لا تتمشى مع القول بوجوب
ستر الوجه والكفين بوجه، ولا يقدر أحد أن يقول أن أولئك كانوا يجهلون معنى هذه الآية، ويتواطئون على خلاف ما دلت عليه) اهـ
أقول:
لا يغرن أحدًا إجماعُ العلماء أو شبه إجماعهم على إخراج الكفين والوجه عن العورة، فمدار الحجاب ليس هو العورة، بل إنما أمر الحجاب لأنه أزكى وأطهر لقلوب المؤمنين والمؤمنات، ولو صح أن موقفهم وأقوالهم لا تتمشى مع القول بوجوب ستر الوجه والكفين، فلا شك أنهم أو كثير منهم ناقضوا أنفسهم حيث صرحوا بالوجوب، ولا يقدر أحد أن يقول إن أولئك كانوا يجهلون معنى التناقض، وفضيلة الدكتور ينقل عن بعضهم التصريح بأن الوجه والكفين ليسا بعورة، والتصريح بأن سترهما واجب، وأن سبب الوجوب هو خوف الفتنة، ومع ذلك يقول فضيلته "إن أقوالهم لا تتمشى مع القول بالوجوب"، ولا أدرى أي شيء يمنع عن التمشي بعد هذا كله؟
ثم ليعلم أن الصحابة والأمة المسلمة التي التزمت نساؤها بستر الوجوه بعد نزول آيتي النور والأحزاب – كما سنورد مدللًا - وكذلك أكابر الصحابة والتابعين وفطاحل العلماء المفسرين الذين فسروا إدناء الجلباب بستر الوجوه، لا يقدر أحد أن يقول إنهم كانوا يجهلون لغة العرب، أو كانوا يجهلون أنهم يمتثلون ويفسرون أمرَا من أوامر الله، وأن الأمر
للوجوب.
стр. 1154
قال: (الثالث: أن إدناء الجلابيب غير صريح في تغطية الوجه، ولا
سيما إذا عرفت سبب نزولها، والتعليل الذي هو في آخر الآية وهو قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) اهـ.
أقول:
قد عرفت أن إدناء الجلابيب لا يصلح لمعنى غير تغطية الوجه، ولا
سيما إذا عرفت سبب نزولها والبيئة التي نزلت فيها، وعرفت معنى التعليل الذي هو في آخر هذه الآية، وفي آية الحجاب.
قال: (الرابع: كثرة القائلين بالثاني حتى ابن عباس، إلخ) اهـ.
أقول:
أولًا: الكتاب والسنة هما العيار على الناس، والناس ليسوا عيارا على الكتاب والسنة.
ثانيًا: قد عرفت – وستعرف - حقيقة الكثرة والقلة في الجانبين، فليس القائلون بالسفور إلا نزرا يسيرًا في جنب هذه الأمة الزاخرة المتدفقة بأسرها.
قال: (الخامس: أن هذه الآية مفسرة في القرآن نفسه، وأولى ما فُسر به القرآنُ، القرآنُ. . . الخ) اهـ.
أقول:
نعم، هذه الآية يفسرها قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، وقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) ، وأما تفسيرها بقوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فتفسير لجزء من مدلولها، ولناحية من نواحي معناهِا الواسعة الأرجاء، فلا يصح الاقتصار عليه، وقد قدمنا ما في الاستدلال بهذه الآية على جواز كشف الوجه (١) ، فلا حاجة إلى الإعادة.
стр. 1155
وإذا كانت في القرآن عدة آيات تصلح لتفسير آية منه فليس لنا أن نفسرها ببعضها، ونهمل بعضا آخر فلا نراعيها، على أن التأسيس معلوم الأولوية كل التأكيد (١) .
فإذا قلنا: إن آية النور بيان لجزء (٢) من آداب النساء في المجتمع
стр. 1156
الإِسلامي، وآية الأحزاب بيان لجزء آخر منها، يكون ذلك أوفق بلطائف التنزيل وببلاغة كلام الله تعالى وإعجازه" اهـ.
* وقال العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ في تفسير الآية:
"والجلابيب جميع جلباب، والجلباب هو ما تضعه المرأة على رأسها للتحجب، والتستر به، أمر الله سبحانه جميع النساء بإدناء جلابيبهن على محاسنهن من الشعور والوجه وغير ذلك حتى لا يُعرفن بالعفة فلا يُفتتن، ولا يَفْتِنَّ غيرَهن فيؤذيهن" (١) اهـ.
* * *
стр. 1157
فصل في بيان معنى الحجاب
تقدمت عبارات المفسرين في تحديد المقصود من الجلباب، وقد جمعها الحافظ ابن حجر في "الفتح" سبعة أقوال: (المقنعة، والخمار أو أعرض منه، والثوب الواسع يكون دون الرداء، والإِزار، والملحفة، والملاءة، والقميص) (١) اهـ.
وأرجحها ما ذهب إليه كثير من المحققين، ألا وهو أنه الجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله ﷺ هو ما غطى جميع الجسم لا بعضه.
ذكره ابن حزم في "المحلى" (٢) ، وصححه القرطبي في تفسيره (٣) .
وقال ابن الأثير: (الجلباب: الملحفة والإِزار الذي تتغطى به المرأة) (٤) اهـ.
وقال البغوي: (هو المُلاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار) (٥) اهـ.
وقال ابن كثير: (هو الرداء فوق الخمار، وهو بمنزلة الإِزار اليوم) (٦) اهـ.
قال الألباني: (ولعله العباءة التي تستعملها اليوم نساء نجد والعراق ونحوهما) (٧) . اهـ.
وقال الشيخ أنور الكشميري: (والجلباب رداء ساتر من القرن إلى
стр. 1158
القدم) (١) . اهـ.
وقال الشيخ إبراهيم الشوري، والشيخ محمد الشيباوي: (والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن، وكل امرأة أعرف بما يستر جسمها، ولا تحتاج إلى تعليم في ذلك) (٢) اهـ.
وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف: (والمفهوم من الجلباب لا ينحصر
باسم ولا بجنس ولا بلون، وإنما هو كل ثوب تشتمل به المرأة لستر مواضع الزينة من ثابت ومنقول، وإذا عرفنا المقصود منه زال الحرج في وصفه ومسماه) (٣) اهـ.
حكم لبس الجلباب
روى الشيخان وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق (٤) ، والحُيَّض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها".
قال الحافظ ابن حجر: (وفيه امتناع خروج المرأة بغير جلباب) (٥) اهـ. وقال البدر العيني: (ومنها - أي من فوائد الحديث - امتناع خروج النساء بدون الجلاليب) (٦) اهـ.
قال العلامة الألباني معلقًا على عبارة الكشميري (٧) ﵀:
стр. 1159
"الجلباب لستر زينة المرأة عن الأجانب، فسواء خرجت إليهم، أو دخلوا عليها فلابد على كل حال من أن تتجلبب (١) ، ويؤيد هذا ما قاله
قيس بن زيد: إن رسول الله ﷺ طلق حفصة بنت عمر. . فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها فتجلببت، فقال رسول الله ﷺ "إن جبريل أتاني فقال لي أرجع. حفصة فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة" (٢) ، وقد صح عن عائشة أنها كانت إذا صلت تجلببت، فدل على أن الجلباب ليس خاصا بالخروج" (٣) اهـ.
فتوى العلامة الألباني في وجوب الجلباب:
قال رحمه الله تعالى:
" ... الحق الذي يقتضيه العمل بما في آيتي النور والأحزاب أن المرأة يجب عليها إذا خرجت من دارها أن تختمر، وتلبس الجلباب على الخمار، لأنه كما قلنا سابقًا أستر لها، وأبعد عن أن يصف حجم رأسها وأكتافها، وهذا أمر يطلبه الشارع. . .، وهذا الذي ذكرته هو الذي فسر به السلف آية الإِدناء، ففي "الدر" (٥/ ٢٢٢) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) قال: يسدلن عليهن
من جلابيبهن، وهو القناع فوق الخمار، ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها"، (٤) اهـ.
стр. 1160
وقال ﵀ في موضع آخر:
"الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة، ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع، وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البَشَرة فإنه يصف حجم جسمها أو بعضه، ويصوره في أعين الرجال، وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما
لا يخفى، فوجب أن يكون واسعًا، وقد قال أسامة بن زيد ﵄: كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال: مالك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي،
فقال: "مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها" (١) .
فقد أمره ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب - ليمنع بها وصف بدنها، والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول " (٢) اهـ.
وقد صرح الحديث بأن القبطية كانت "كثيفة" أي: ثخينة غليظة، كما صرح بالمحذور الذي خشيه النبي ﷺ من هذه القبطية فقال: "إني أخاف أن تصف حجم عظامها".
فمن هنا جزم الشيخ- ﵀ بأن الحديث وارد على الثياب الكثيفة التي تصف حجم الجسم من ليونتها، ولو كانت غير رقيقة، ولا يمكن حمله على الثياب الرقيقة الشفافة التي لا تستر لون البشرة، ومن ثم استنكر الشيخ على بعض الشافعية قوله: ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار، وتتخذ جلبابًا كثيفًا فوق ثيابها ليتجافى عنها، ولا يتبين حجم أعضائها (٣) ، فقال معلقا:
(والقول بالاستحباب فقط ينافي ظاهر الأمر فإنه للوجوب كما تقدم،