← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ومما ينبغي أن يعلم أن أدلة هذه القاعدة الجليلة كثيرة جدا في الكتاب والسنة: فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)) [الحشر: ١٩] ،. ومنها قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)) [الجاثية: ١٨] ، يخبر تعالى أنه جعل رسوله ﷺ على شريعة من الأمر شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في "الذين لا يعلمون" كل من خالف شريعته، و"أهواؤهم " ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه: اتباع لما يهوونه، ولذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين لهم في بعض أمورهم، ويسرون بذلك، ويودون أن لو بذلوا مالا عظيمًا ليحصل ذلك. وقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)) [الحديد: ١٦] ،. قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: فقوله: "ولا يكونوا" نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضا في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي اهـ (١) . قال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية اهـ (٢) .

стр. 1087

وفي الباب آيات أخر كثيرة وفيما ذكرنا كفاية. فتيين من هذه الآيات أن ترك هدي الكفار، والتشبه بهم في أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التي أسسها، وجاء بها القرآن الكريم، وقد قام ﷺ ببيان ذلك وتفصيله للأمة، وحققته في أمور كثيرة من فروع الشريعة فعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من عمل سنة غيرنا" (١) ، حتى عرف ذلك اليهود الذين كانوا في مدينة النبي ﷺ ، وشعروا أنه ﷺ يتحرى أن يخالفهم في- كل شئونهم الخاصة بهم، فقالوا: "ما يريد هذا الرجلُ أن يَدَعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه " (٢) . وهذا لا ينحصر في باب واحد من أبواب الشريعة المطهرة كالصلاة مثلا، وإنما تعداها إلى غيرها من العبادات، والآداب، والعادات، وسوف نقتصر هنا على إيراد ماله علاقة بموضوعنا إن شاء الله تعالى: فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :"بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم" (٣) .

стр. 1088

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ عليَ ثوبين معصفرين فقال: "إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها" (١) . وعن علي ﵁ رفعه: "إياكم ولبوس الرهبان، فإنه من تَزَيا بهم أو تشبه، فليس مني " (٢) . وعن أبي أمامة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ علي مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: "يا معشر الأنصار حَمروا أو صَفروا، وخالفوا أهل الكتاب "، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون، ولا يأتزرون، فقال رسول الله ﷺ : "تسرولوا، وائتزروا، وخالفوا أهل الكتاب"، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون، ولا ينتعلون، قال: فقال النبي ﷺ : "فتخففوا، وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب"، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم (٣) ، ويوفرون سبالهم (٤) ، فقال ﷺ : "قصوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب" (٥) .

стр. 1089

وفي كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى عتبة بن فرقد ﵁: ".. وإياك والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير.. " (١) . الشرط الثامن أن لا يكون لباس شهرة وذلك لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لبس ثوب شهرة فى الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه نارًا" (٢) . ولباس الشهرة هو كل ثوب يقصد به الاشتهار بين الناس، سواء كان الثوب نفيسَا يلبسه تفاخرًا بالدنيا وزينتها، أو خسيسا يلبسه إظهارًا للزهد والرياء، وقال ابن الأثير: (الشهرة ظهور الشيء، والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفه لونه لألوان ثيابهم، فيرفع الناس إليه أبصارهم، ويختال عليهم بالعجب والتكبر) (٣) . وقوله ﷺ في هذا الحديث "ألبسه الله ثوب مذلة"

стр. 1090

قال ابن رسلان: لأنه لبس الشهرة في الدنيا ليعز، ويفتخر على غيره، ويلبسه الله يوم القيامة ثوبًا يشتهر بمذلته واحتقاره بينهم عقوبة له، والعقوبة من جنس العمل. اهـ (١) . وقال المناوي: "ثم تلهب فيه النار" عقوبة له بنقيض فعله، والجزاء من جنس العمل، فأذله الله كما عاقب من أطال ثوبه خيلاء بأن خسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة اهـ (٢) . تنبيهات. * الأول: ليس هذا الحديث مختصَّا بنفيس الثياب، بل قد يحصل ذلك ممن يلبس ثوبَا يخالف ملبوس الفقراء من الناس، ليراه الناس فيتعجبوا من لباسه، ويعتقدوه، وإذا كان اللبس لقصد الاشتهار في الناس، فلا فرق بين رفيع الثياب ووضيعها، والموافق لملبوس الناس والمخالف، لأن التحريم يدور مع الاشتهار، والمعتبر القصد، وإن لم يطابق الواقع) (٣) ، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٤) . * الثاني: لعل الحكمة في تحريم أو كراهة لباس الشهرة؛ أنه يزري بصاحبه، وينقص مروءته. وفي "الغنية" للشيخ عبد القادر ﵀: (من اللباس المنزََّه عنه كل لبسة يكون بها مشتهرًا بين الناس، كالخروج عن عادة بلده وعشيرته

стр. 1091

فينبغي أن يلبس مما يلبسون لئلا يشار إليه بالأصابع، ويكون ذلك سببا إلى حملهم علي غيبته، فيشركهم في إثم الغيبة له) اهـ (١) . ومن فعل ذلك خيلاء حرم كما هو ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀، أما لغير ذلك فقد رأي الإمام أحمد رجلًا لابسًا بردا مخططًا بياضًا وسوادًا، فقال: "ضع هذا، والبس لباس أهل بلدك "، وقال: "ليس هو بحرام، ولو كنت بمكة أو المدينة لم أعب عليك "، يعني: لأنه لباسهم هناك (٢) . * الثالث: إذا تقرر أن المعتبر في الشهرة القصد والنية، فلا بأس حينئذ: ١- بلبس المنخفض من الثياب كسرًا لسورة النفس الأمارة بالسوء التي لا يؤمن عليها من التكبر إن لبست غالي الثياب، وتواضعَا لله ، واحتسابا للثواب الموعود علي ذلك، فعن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يخيِّره من أي حُلَلِ الإيمان شاء يلبَسها" (٣) . ٢- ولا بأس أيضًا بلبس الغالي من الثياب التي تحل شرعًا عند الأمن علي النفس من التسامي المشوب بنوع عن التكبر، إذا نوى بذلك تحصيل مطالب دينية صالحة: أ- كإظهار نعمة الله عليه، والتحدث بها امتثالا لقوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)) [الضحى: ١١] ، وليجمع بين الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن، بالشكر عليها، ولموافقة ما يحبه الله، قال

стр. 1092

رسول الله ﷺ : "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (١) . وعن أبي الأحوص عن أبيه مالك بن نضلة ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ وعلي ثوبَ دُون فقال لي: "ألَك مال"؟، قلت: نعم، قال: "من أيّ المال"؟، قلت: من كل المال قد أعطاني الله: من الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والرقيق، قال: "فإذا آتاك الله مالًا فَلْيُر أثَر نعمةِ الله عليك وكرامتِهِ " (٢) . وعن ابن عباس ﵄ قال: "كُلْ ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سَرَف، ومخيلَة" (٣) . ب- أو ليتعرف على غناه الفقراءُ، فيقصدونه لطلب الزكاة والصدقات وقضاء الحاجات. ج- أو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند من لا يلتفت إلا إلى ذوي الهيئات كلنا هو الغالب على عوام زماننا، وبعض خواصِّه (٤) . ٣- يتميز العلماء بلباس خاص (٥) حتى يستدل عليهم المستفتي وطالب العلم. * الرابع: يدندن بعض ذوي الأغراض بدعوى أن التزام الحجاب فيه خروج عما ألفه المجتمع، واعتاده، وقد يشتبه الأمر على البعض فيتساءل:

стр. 1093

وهل يكون الحجاب حينئذ لباس شهرة؟ ولإزالة هذا التوهم نقول بتوفيق الله: أولًا: إن هذا الأمر - أعني كون الحجاب نفسه لباس شهرة- محتمل في حالة واحدة فقط وهي: (مجتمع التزم نساؤه بكل شروط الحجاب، وشذت شرذمة منهن، فالتزمت كل شروط الحجاب ما عدا الشرط الأخير، وهو أن لا يكون لباس شهرة) ، وإلا فإن شروط الحجاب السابق ذكرها، والواجب توافرها مجتمعةً لا تتناقض. ثانيًا: أما في مجتمع شاع فيه السفور والتبرج والتهتك، ثم التزمت فئة قليلة من نسائه بزيِّ يستوفي كل شروط الحجاب، غير أنهن قصدن من وراء ذلك الشهرة أو التكبر والتفاخر، ولم يقصدن طاعة الله سبحانه، وطاعة رسوله ﷺ فلهؤلاء النسوة حظ من الوعيد الوارد فيمن لبس ثوب شهرة؟ لأن المدار في اعتبار الثوب ثوبَ شهرة من عدمه إنما هو على النية والقصد، فالواجب هنا تصحيح النية، وتوجيهها خالصة لله ، لا مطالبة هؤلاء النسوة بخلع الحجاب موافقة للمجتمع الفاسد (١) . مثال ذلك: رجل هاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، لا يقصد وجه الله ، وإنما هاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، هل نكلفه بالبقاء فى دار الكفر، أم نأمره بتصحيح النية، ونذكره بقوله ﷺ : "إنما الإعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " الحديث (٢) . فأين يا عباد الله من يلبس الثوب ليباهي به الناس، ويختال عليهم، ويشار إليه فيهم بالبنان عِزُّا وتعظيمًا، ويخالف زجر رسول الله ﷺ عن لباس الشهرة، أين هذا من نساء مسلمات عفيفات، يتجشمن المشاق

стр. 1094

لاستمساكهن بحبل الله المتين، ويعانين من أذى السفهاء وأعوان الشياطين، ويقاسين الغربة في أوطانهن وبين الأهلين؟! ثالثا: أن الشرع - وإن اعتبر موافقة لباس أهل البلدة، وعَدَّ مخالفتهم شهرة- إلا أن هذا مشروط بأن يكونوا مستقيمين على طاعة الله ورسوله ﷺ ، أما إذا فسدت فطرتهم، وانحرفوا عن الجادة، بحيث صار المعروف عندهم منكرًا، والمنكر معروفَا، فليس ذلك العرف الكاذب مسوغا لأن نجاريهم في ضلالهم بحجة عدم الاشتهار (١) . فإن واجبنا حينئذ ألا نقصد الاشتهار، بل نقصد التمسك بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) الآية [المائدة: ١٠٥] ، أما الزعم بان مخالفة أزياء قوم قد أسرفوا في محاكاة المشركين رجالا ونساءً ولم يرفعوا بآيات الله تعالى، وأحاديث رسول الله ﷺ رأسًا، هو من الشهرة لشذوذه عما ألفه المجتمع، فهذا من أعجب الأشياء! إذ كيف يكون التمسك بالآيات القرآنية والنصوص النبوية شذوذًا؟! وهل يستقيم أن يكون اتباع سبيل الإفرنج المجرمين في التبرج والسفور استقامة واعتدالًا، واتباع سبيل المؤمنين في التستر والصيانة شذوذَا واعوجاجا، وقد قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ" (٢) ، وإذا كان الأمر كذلك فأين تقع الأحاديث الشريفة التالية

стр. 1095

موقعها؟ وهي. * ما رواه أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء" (١) . * وما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن عنده يقول: "طوبى للغرباء"، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: "ناس صالحون في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم " (٢) . * وما رواه أنس بن مالك ﵁: قال رسول الله ﷺ : "يأتي علي الناس زمان، الصابر فيه على دينه، كالقابض على الجمر" (٣) . أين تقع هذه النصوص موقعها من الترغيب، إن لم يكن التمسك بالكتاب والسنة هو المتعين؟! * * *

стр. 1096

الفصل الثاني أين نحن من الحجاب الشرعي أيها الأب الرحيم.. أيها الزوج الغيور.. أيتها الأم الرءوم.. أيتها الأخت المسلمة! إن المسلم الغيور لو نظر إلى أحوال المسلمين والمسلمات اليوم، فسوف يندى جبينه خجلًا، ويقشعر بدنه أسفًا وحزنًا، وينخلع قلبه كمدا وغيظًا.. يكفيك أن تخرج من بيتك إلي أقرب طريق، أو متجر، أو وظيفة فترى بعينيك، وتسمع بأذنيك، إذًا. لهالك الأمر، واستهوتك أحزان ... فالعين باكية، والقلب حَرَّانُ فتجري دماء الغيرة في عروقك، وتصرخ مع الصارخ: لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان سوف ترى المرأة الكاسية العارية المتبرجة، هي وزوجها، وقد وضع ذراعه في ذراعها، ومشى إلى جوارها في الطريق فرحًا بفضيحتها، فخورا بعريها، مسرورًا بزينتها، مبهورا بمساحيقها وألوانها. وترى أباها قد أهمل تربيتها على - كتب ربها، وسنة نبيه ﷺ ، ورأى حالها المزرية، فغض منها الطرف، وتركها سادرة في غيها، تمرح وتلعب مع شيطانها، فلا يزجرها ولا ينهاها، متوهما أن هذا من حقها وترى أمها- بئست القدوة- وقد تبرجت مثلها، وأغرتها بالسفور، وحرضتها على التبرج والفجور، وزجرتها عن التستر والتحجب حتى يأتيها (نصيبُها)

стр. 1097

بفاسق مثلها. تراهم جميعا، وقد نزعوا برقع الحياء نزعا، وأجابوا واعظ الإيمان في قلوبهم قائلين: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) . وبينما كانت الصحابيات ﵅ يستزدن (١) رسول الله ﷺ في طول ثيابهن، ترى هؤلاء النسوة قد قَصَّرن ثيابهن، وقصرن، وزين لهن الشيطان سوء عملهن فزعمن التبرج تقدمَا وتحررًا، وكلما ازداد تقلص الثوب عن بدن المتبرجة كلما كانت أحرى بوصف التقدم والتحرر، وأبرأ من التخلف والرجعية. يُقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حَسَنًا ما ليس بالحسَنِ فأين الفطرة الآدمية؟ أين الحياء والغيرة؟ أين الإحساس والشعور؟ توارت كلها عن العين، وصارت أثرا بعد عين: لِحَد الركبتين تشمرينا ... بربك: أي نهر تعبرينا كأن الثوب ظل في صباح ... يزبد تقلصا حينا فحينا تظنين الرجال بلا شعور ... لأنكِ ربما لا تشعرينا (٢) ولو أنك عَرَّجْتَ إلى البحر، واقتربت قليلا من الشاطئ لشاهدت الوحوش البشرية، والبهائم الآدمية في أوضاع مزرية يندى لها الجبين، كأنهم- في عريهم الفاضح- وحوش الغابات، وحيوانات الأدغال (٣) !

стр. 1098

ففي البحر سوءات وفي البر مثلها ... فيا ضيعة الأخلاق في البر والبحر (١) آخر: هل رأيتَ الجموعَ محتشداتِ ... فوق شَط الخِضَمِّ أو سابحاتِ ورأيتَ الحِسانَ يَمشينَ زَهْوا ... مُقبلات يَتهْنَ أو مُدْبِرات ضَلَلَتْهنَّ قُدْوَةْ الوالداتِ ... ومِنَ الوالدِين سوءُ أناِة ومن الزوجِ غَضُّ طَرْفٍ لِضَعْف ... أو طِباع في نفسِهِ فاسدات وانغماس الشقيقِ في شَهَواتٍ لا يُبالًي بمنهجِ الأخَوات فاطَرَحْن الحِشْمَةَ يَحْسَبَنْهَا مِنْ ... بالياتِ الأمُورِ والعادات حالةٌ تَجْرحُ الفضيلةَ حقا ... ولها تَدْمَى نَفْسُ ذِي النَّخَوات أيها البحرُ طهر القومَ واغسل ... ما تراهُ منهم منَ المنكرات (٢) التبرج المقنع لئن كنا عرضنا آنفًا لصور من التبرج الصريح، فإننا نعرض فيما يلي إن شاء الله - لصور محدثة من التبرج لم يتعرض لها المصنفون قبل هذا العصر، لا لانعدامها، ولكن لأن أحدًا لم يكن ليجرؤ على تسمية المعاصي بغير

стр. 1099

اسمها، فيسمى التبرج حجابا شرعيُّا! لقد كانت هذه الصور من التبرج تُدْرَج في مصنفات العلماء تحت اسم الفسوق، والعصيان، والتبرج الذي يضاهي تبرج الجاهلية الأولى، أما اليوم فقد انعكس الحال، واضطربت المفاهيم. لقد جهد أعداء الصحوة الإسلامية لوأدها في مهدها بالبطش والتنكيل، وأبى الله سبحانه إلا أن يتم نوره، ويظهر كلمته، فصار كيدهم هباءَ منثورَا. فرأوا أن يتعاملوا معها بطريقة خبيثة ترمي إلى الانحراف بها عن طريقها الرباني، فراحوا يروجون صورًا مبتدعة للحجاب على أنها (حل وسط) ترضي به المسلمةُ رَبها- زعموا-، وفي ذات الوقت تساير مجتمعها، وتحافظ على (أناقتها) ! وكان أن قذفت (بيوت الأزياء) التي أشفقت من بوار تجارتها المحرمة بنماذج ممسوخة من الأزياء تحت اسم (الحجاب العصري) الذي قوبل في البداية بتحفظ واستنكار. وكانت ظاهرة (الحجاب الشرعي) قد بدأت تفرض نفسها على واقع المجتمع، حتى صارت تشكل قوة اجتماعية ضاغطة أحرجت طائفة من المتبرجات، اللائي هرولن نحو (الحل الوسط) تخلصا من ذلك الحرج الاجتماعي، وبمرور الوقت تفشت ظاهرة (التبرج المقنع) المسمى بـ (الحجاب العصري) أو (حجاب التبرج) بإزاء ظاهرة (الحجاب الشرعي) . فما صفات حجاب التبرج؟ (١) * الأولى: أنه يكشف عورات مجمعا على تحريم كشفها: فبينما كان أول شروط الحجاب الشرعي أن يكون ساترا لبدن المرأة،

стр. 1100

رأينا حجاب التبرج يكشف الوجه المنمص الحاجبين، وقد اختفى تحت قناع من الألوان الزاهية، وتلطخ وجهها بمساحيق متنوعة كأنها الطيف في تعددها، أما الحلي بأنواعها فقد برزت من الأذنين، وربما ظهر العنق، وجزء من الشعر، والقدمان، وربما تجاوزتهما، وترى صاحبته وقد ارتدت (عَينة) ترمز إلى الخمار، وقد خرجت مزينة مزخرفة، وترى في الخمار ما شئت من الألوان الصارخة كالأحمر والأصفر، وربما زادت على هذا الخمار ما يزيده زينة علي زينة فتضع شريطًا ذهبيًّا أو فضيًّا أو مزركشا، وقد التف على أعلى الخمار كأنه تاج، ثم تزعم صاحبة هذه الزينة الصارخة أنها محجبة، أي حجاب هذا الذي تزعمين؟! إن هذا خمار الخداع والتزييف، حجاب الزينة والفتنة، إنه حجاب عارِ متبرج فوق رأس فارغ خاوِ من العلم، والتقوى، والورع، والخوف، والاستحياء من الله ﵎. وكم ذا بمصر من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكا! * الثانية: أنه زينة في نفسه: فترى هؤلاء الكاسيات العاريات صواحب (حجاب التبرج) يتفنن في فتنة الناس بألوان ثيابهن، ويضفن إلى ذلك ما شئن من الزوائد التي تزيدهن فتنة كالحلي وغيرها، وكأن القرآن الذي نزل فيه قول الله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) الآية وقوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) الآية وقوله : (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) الآية، إنما نزل علي قوم آخرين غير نساء المسلمين، وكأن الحق فيها على غيرنا وَجَبَ، وكأن هؤلاء الكاسيات العاريات يعاندن رب العزة، ويقلن بلسان الحال: "سمعنا وعصينا" تمامًا كما استقبلت أمة الغضب واللعنة أوامر الله .

стр. 1101

الثالثة: أنه شفاف، يظهر ما يجب ستره من العورات، فلا يحجب رؤية، ولا يمنع نظرا. الرابعة: أنه ضيق يصف العورات: فتراه التصق بها، حتى يتحققَ في صاحبته قول النبي ﷺ : "ونساء كاسيات عاريات، مائلات مملات" الحديث. الخامسة: أنه يكون معطرًا: فربما خرجت صاحبة هذا الحجاب المشئوم، فإذا بها ترسل سهام الشيطان إلى قلوب الرجال عبر تلك العطور الخبيثة فتلفت الأنظار، وتشيع الفاحشة في المؤمنين السادسة والسابعة: أنه أحيانًا يشبه ملابس الرجال: فتراهن يرتدين السروالات الضيقة، وأحيانَا يشبه ملابس الكافرات اللائي يتتبعن (الموضات) شبرًا بشبر، وذارعًا بذراع. الثامنة: أنه لباس شهرة وتفاخر: فترى صاحبته تتفنن في تطبيق قاعدة: (خالف تعرف) ، وكأن بين هؤلاء الكاسيات العاريات سباقًا حادا في عرض أزياء مستتر فهذه تلبس الحجاب الفاقع، وهذه تلبس الثوب الضيق الذي يكاد يشل حركتها، ثم تضع حول خصرها هذا (الحزام) الذهبي أو الفضي اللامع فإذا تلبست ببعض هذه الأفعال الشنيعة، أو كلها، تم توقيع العقد مع الشيطان للخروج إلى الشوارع بهذه الحال من التبرج والتهتك تحت ستار (الحجاب) المزعوم! ويظن البعض أنهن متدينات، وهن يحسبن في أنفسهن أنهن خير البنات والزوجات، وما هن إلا كما وصفهن الشاعر محمد عبد المطلب، وصدق

стр. 1102

في قوله: إنْ يَنْتَسِبْنَ إلى الحِجَاب ... فَإنه نَسَبُ الدَخيل أهي التي فرض الحجا ... ب لصونها شرع الرسول؟ جُعِلَ الحجابُ مُعاذَها ... من ذلك الداءِ الوبيل (١) تقول الداعية الفاضلة نعمت صدقي رحمها الله: (ولو أن المتبرجة تأملت بعين بصيرتها، ولو كان لها قلب يعي، لوجدت أنها- باصطناعها هذا الجمال المزور، ومبالغتها في التزين- لن تكتسب في الحقيقة جمالا ولا محاسن، بل إنها تمسخ وجهها، وتخفي ما حباها الله به من الجمال الفطري، بقناع من الأصباغ الزاهية، التي تختلف وتشذ عن الطبيعة، ينبو عنها الذوق السليم، وهي لا تأبه لذلك، ولا تفطن لما صنعت لوجهها من التشويه والتقبيح، فإن الله تعالي لم يخلق جفونًا زرقاء لامعة، ولا سوداء قاتمة، إلا في القردة والكلاب، ولا شفاهًا حمراء قانية، كأنها ولغت في الدم المسفوح، ولا خدودًا مضطرمة متوهجة الاحمرار، ولا حواجب هلاليه لامعة تذكر بما يتخيلون ويصفون في الأساطير من حواجب الشيطان، وأظافر مدببة حمراء كأنها مخالب حيوان كاسر مخضبة بدماء فريسته، فبالله هل هذا جمال أم دمامة وبشاعة؟! قل للجميلةِ أرسلَتْ أظفارَها ... إني لخوفٍ كدتُ أمضي هاربا إن المخالبَ للوحوشِ نخالُها ... فمتى رأينا للظباءِ مخالبا بالأمسِ أنتِ قصصتِ شعرَكِ غيلة ... ونقلتِ عن وضع الطبيعة حاجبا وغدًا نراك نقلتِ ثغرَكِ لِلقَفا ... وأزحتِ أنفَكِ رغم أنفِكِ جانبا

стр. 1103

من علَّمَ الحسناءَ أنَّ جمالَها ... في أنْ تخالفَ خَلْقَهَا وَتُجانبا؟) (١) وبعد فيا صاحبة (حجاب التبرج) ! حذارِ أن تصدقي أن حجابك هو الذي أمر به القرآن السنة، وإياك أن تنخدعي بمن يبارك عملك هذا، ويكتمك النصيحة، ولا تغتري بأنك أحسن حالًا من صاحبات التبرج الصارخ فإنه لا أسوة في الشر، والنار دركات بعضها أسفل من بعض. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "انظروا إلى من هو أسفل منكم في الدنيا، وفوقكم في الدين، فذلك أجدر أن لا تزدروا (٢) نعمة الله عليكم " (٣) . وعن الزهري أن عمر بن الخطاب ﵁ تلا هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)) [فصلت: ٣٠] ، قال: "استقاموا والله لله بطاعته، ولم يروغوا (٤) روغان الثعالب " (٥) .

стр. 1104

وَعن الحسن ﵀ أنه قال: (إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداوما في طاعة الله فبغاك (١) ، وبغاك، فرآك مداوما، مَلَّكَ وَرَفضَكَ، وإذا كنت مرة هكذا، ومرة هكذا، طمع فيك (٢) . ومسك الختام ما ختم الله به الآيات الآمرة بالحجاب في قوله جل وعلا: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: ٣١] ،. الحجاب مسؤولية من؟ أولًا: المرأة المسلمة: مادامت عاقلة مكلفة، وقد خاطبها القرآن بالحجاب، ونَوَّعَ أساليب الخطاب: فتارة يأمرها على لسان رسوله ﷺ ، كما في قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) الآية. وقوله : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الآية وخاطبهن شخص أمهات المؤمنين ﵅، فقال جل وعلا: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) . فالمرأة مسئولة- أمام الله - عن الحجاب ليس لها أن تتخلى عنه، ولو رضي وليها بالتبرج أو أمرها به، وحثها عليه. قال الله تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤))

стр. 1105

[الإسراء: ١٣، ١٤] ، وقال تعالى: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور: ٢١] . وعن علي ﵁: قال رسول الله ﷺ : "لا طاعة لبشر في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" (١) . * ثانيًا: ولي المرأة: سواء أكان أبًا أو ابنا أو أخا، أو زوجًا، أو غيره. قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: ٣٤] وليس المقصود بالقوامة - كما يظن بعض الجهلة - ظلم المرأة، والاستبداد بها، والاستعلاء عليها، وإنما هي المبالغة بالقيام على رعاية المرأة والإنفاق عليها، وإعطائها حقوقها، والحفاظ علي عرضها وعفافها، قال جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم: ٦] ، (٢) . وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهله، وهو مسئول عن رعيته " الحديث (٣) . وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يسترعي الله ﵎ عبدًا رعية قَلَّتْ أو كثرت إلا سأله الله ﵎ عنها يوم القيامة، أقام فيهم أمر الله

стр. 1106

تبارك وتعالى أم أضاعه، حتى يسأله عن أهل بيته خاصة" (١) . وعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله سائل كلَّ راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيَّع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته" (٢) . ولا شك أن أحوال أغلب النساء اليوم تعكس مدى تفريط الرجال في أداء حق هذه الرعاية التي جعلها الله واجبا حتمًا في أعناقهم، ومن هنا شدَّد العلماء النكير على هؤلاء المفرطين، ورتبوا علي ذلك أحكامَا، وأصدروا فتاوى. ومن ذلك ما قاله الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى: (أما خروج النساء متبرجات بذلك اللباس الضيق القصير الذي يحدد العورة، فقد أجمع علماء المسلمين على منعه، ونصوص الكتاب والسنة طافحة به، فيحرم علي كل مسلم أن يترك ابنته، أو زوجته، أو أخته تخرج إلا وعليها الدروع السابغة مع طول الذيول لأجل الستر. وكل من ترك زوجته تخرج بادية الأطراف على صفة تبرج الجاهلية الأولى، فهو آثم شرعًا، عليه وزر ذلك، وعلى المرأة أيضًا، لقوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) الآية، ولقوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) إلى آخر الآية. ولا تصح أيضًا إمامة رجل ترك امرأة له عليها ولاية تخرج متبرجة ذلك التبرج، وكذا لا تصح شهادته، ولا يجوز إعطاؤه شيئا من الزكاة الواجبة ولو كان فقيرا مظهرًا للشكوى، كما في فتاوى المالكية لسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي إقليما.

стр. 1107

وقد أشار إلى ذلك أخونا الشيخ محمد العاقب ﵀ دفين فاس في نظمه لهذه الفتاوى بقوله: من تركَ الزوجة عمدًا تخرجُ ... بادية أطرافها تبرج فلا إمامةَ ولا شهادة ... له وإن جرت بذاك العادة ولا له قسط من الزكاة ولو فقيرا مظهر الشكاة (١) يعني ولو كان فقيرا مظهر الشكوى للأغنياء من شدة فقره. * ثالثًا: الحاكم: (فإن واجب الخليفة أو الحاكم المسلم حراسة الدين، وسياسة الدنيا بالدين، وإن أحد حقوق الإنسان المسلم صيانة عرضه، الأمر الذي لا يتم إلا بمراعاة التدابير الشرعية في هذا الباب. وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: "ما يَزَعُ الناس السلطانُ أكثر مما يَزَعُهُم القرآنُ") (٢) . (وإن حفظ حدود الحجاب الشرعي بين الرجال والنساء، وتعليم ذلك، والترغيب فيه، ومعاقبة المنحرفين والمنحرفات عن هذه الحدود، وتعزير الداعين إلى ما يضاده، ونفيهم؛ حماية للبلاد والعباد من شرورهم، وتسخير أجهزة التعليم والإعلام لنصرة دين الله تعالى، وترسيخ هذه المفاهيم الإسلامية من أهم ما يناط بالحكام الذين استرعاهم الله هذه الأمة) (٣) . * * *

стр. 1108

الباب الخامس أدلة وجوب ستر الوجه والكفين الفصل الأول: أدلة القرآن الكريم الفصل الثاني: أدله السنة الشريفة

стр. 1109

ص ١٩٠

стр. 1110

الفصل الأول أدلة القرآن الكريم الدليل الأول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)) [الأحزاب: ٥٩] ،. * قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) : قال ﵀ في تأويل هذه الآية: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) : لا تتشبهن بالإماء في لباسهن، إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن، لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به. فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن، فلا يبدين منهن إلا عينًا واحدة. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح (١) قال: ثني معاوية، عن علي (٢) ، عن

стр. 1111

ابن عباس، قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، عن عَبيدةَ (١) في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) فلبسها عندنا ابن عون، قال: ولبسها عندنا محمد، قال محمد: ولبسها عندي عبيدة، قال ابن عون: بردائه، فتقنع به، فغطى أنفه، وعينه اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبًا من حاجبه أو على الحاجب. حدثني يعقوب، قال. ثنا هُشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة عن قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ)

стр. 1112

الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) قال: فقال بثوبه، فغطى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه. وقال آخرون: بل أمِرْنَ أن يشددن جلابيبهن على جباههن. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) إلى قوله: (وَكَانَ الله غَفورا رَحِيما) قال: كانت الحرة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وإدناء الجلباب: أن تقنع (١) ، وتشدَّهُ على جبينها. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) وقد كانت المملوكة إذا مرَّت تناولوها بالإيذاء، فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال. ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) يتجلببن فيُعلم أنهن حرائر، فلا يعرض لهنَّ فاسق بأذى من قول ولا ريبة. . .

стр. 1113

وقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) يقول تعالى ذكره: إدناؤهن جلابيبهن إذا أدنينها عليهن أقرب وأحرى أن يعرفن ممن مررن به، ويعلموا أنهن لسن بإماء، فيتنكبوا عن أذاهنَّ بقول مكروه، أو تعرض بريبة (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) بهنَّ أن يعاقبهن بعد توبتهن بإدناء الجلابيب عليهن) اهـ (١) . * قول الإمام أبي بكر أحمد بن علِى الرازي الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ) : قال رحمه الله تعالى: (حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبي خيثم، عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) خرج نساء من الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها. قال أبو بكر: في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن. وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى: (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) ظاهره أنه أراد الحرائر، وكذا روي في التفسير لئلا يكن مثل الإماء اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس (٢) والوجه، فجعل الستر فرقا يعرف به الحرائر من الإماء، وقد روي عن عمر أنه كان يضرب الإماء، ويقول: "اكشفن رؤوسكن، ولا تشبهن بالحرائر" اهـ (٣) .

стр. 1114

* قول الإمام الفقيه عماد الدين بن محمد الطبري المعروف بـ "إلكيا الهراس" (١) (ت ٥٠٤ هـ) قال ﵀ في تفسيره: (قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) الآية- الجلباب: هو الرداء، فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن، ولم يوجب على الإماء ذلك) اهـ (٢) . * قول الإمام محيي السنة أبو الحسين البغوي (ت ٥١٦ هـ) في "معالم التنزيل": اكتفى ﵀ في تفسير الإدناء بقول ابن عباس وعبيدة السلماني ولم يلتفت إلى قول آخر، كأنه لم يره شيئًا مذكورًا، وكذا فعل "الخازن" ﵀ (٣) . * قول أبي القاسم محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري الملقب بـ "جار الله" (٤) (ت ٥٣٨ هـ) :

стр. 1115

قال- عفا الله عنه- في تفسيره: ومعنى (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة أدني ثوبك على وجهك، وذلك أن النساء كن في أول الإسلام على هجّيراهن في الجاهلية متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار، لا فصل بين الحرة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة (١) يتعرضون إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة، يقولون: حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليُحتَشَمن ويُهَبن، فلا يطمع فيهن طامع، وذلك في قوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) أي: أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يُتعرض لهن، ولا يَلْقَين ما يكرهن. فإن قلت: ما معنى (مِن) في (مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) ؟ قلت: هو للتبعيض، إلا أن معنى التبعيض محتمل وجهين: أحدهما: أن يتجلببن ببعض ما لهن من الجلابيب، والمراد أن لا تكون الحرة متبذلة في درع وخمار كالأمة والماهنة، ولها جلبابان فصاعدًا في بيتها. والثاني: أن ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله كل وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة.

стр. 1116

وعن ابن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن ذلك، فقال: أن تضع رداءها فوق الحاجب، ثم تديره حتى تضعه على أنفها، وعن السدي: أن تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين، وعن الكسائي: يتقنغن بملاحفهن منضمة عليهن، أراد بالانضمام معنى الإدناء اهـ (١) . * قول القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) : قال رحمه الله تعالى في تفسيره: المسألة الثانية: اختلف الناس في الجلباب على ألفاظ متقاربة، عمادها أنه الثوب الذي يُستر به البدن، لكنهم نوَّعوه ههنا، فقد قيل: إنه الرداء، وقيل: إنه القناع. المسألة الثالثة: قوله تعالى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ) قيل: معناه تغطي به رأسها فوق خمارها، وقيل: تغطي به وجهها حتى لا يظهر منها إلا عينها اليسرى. المسألة الرابعة: والذي أوقعهم في تنويعه أنهم رأوا الستر والحجاب مما تقدم بيانه واستقرت معرفته، جاءت هذه الزيادة عليه، واقترنت به القرينة التي بعده وهي مما تبينه، وهو قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ) ، والظاهر أن ذلك يسلب المعرفة عند كثرة الاستتار، فدلَّ، وهي: المسألة الخامسة: على أنه أراد تمييزهن عن الإماء اللاتي يمشين حاسرات، أو بقناع مفرد، يعترضهن الرجال فيتكشفن، ويكلمونهن؛ فإذا تجلببت، وتسترت، كان ذلك حجابًا بينها وبين المتعرض بالكلام، والاعتماد بالإذاية، وقد قيل- وهي: المسألة السادسة: إن المراد بذلك المنافقون.

стр. 1117

قال قتادة: كانت الأمة إذا مرت تناولها المنافقون بالإذاية، فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء؛ لئلا يلحقهن مثل تلك الإذاية. وقد روي أن عمر بن الخطاب كان يضرب الإماء على التستر وكثرة التحجب، ويقول: "أتتشبهْن بالحرائر"؟ وذلك من ترتيب أوضاع الشريعة بين اهـ (١) . * قول الإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي الحنبلي (ت ٥٩٧ هـ) : قال رحمه الله تعالى في "تفسيره": سبب نزولها أن الفساق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فإذا رأوْا المرأة عليها قناع تركوها، وقالوا: هذه حرة، وإذا رأوها بغير قناع، قالوا: أمة، فآذَوْها، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. قوله تعالى: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) قال ابن قتيبة: يلبس الأردية، وقال غيره: يغطين رؤوسهن ووجوههن ليُعْلَمَ أنهن حرائر (ذَلِكَ أَدْنَى) أي: أحرى وأقرب (أَن يُعْرَفْنَ) أنهن حرائر (فَلَا يُؤْذَيْنَ) اهـ (٢) . قول الإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن الرازي (ت ٦٠٦ هـ) (٣) قال في "تفسيره الكبير": وكان في الجاهلية تخرج الحرة والأمة مكشوفات يتبعهن الزناة، وتقِع التهم، فأمر الله الحرائر بالتجلبب، وقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا

стр. 1118

يُؤْذَيْنَ) قيل: يعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن، ويمكن أن يقال: المراد أنهن لا يزنين، لأن من تستر وجهها - مع أنه ليس بعورة (١) لا يُطْمَعُ فيها أنها تكشف عورتها، فُيعرفن أنهن مستورات، لا يمكن طلب الزنا منهن اهـ (٢) . * قول الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (ت ٦٧١ هـ) : قال رحمه الله تعالى في "تفسيره": لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله ﷺ أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن اهـ. وقال أيضا: قوله تعالى: (مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) الجلابيب: جمع جلباب، وهو ثوب أكبر من الخمار، وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء؟ وقد قيل: إنه القناع، والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن، وفي صحيح مسلم عن أم عطية قالت: قلت: يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب؟، قال: "لتلبسها أختها من جلبابها" اهـ. وحكى ﵀ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "ما يمنع المرأة المسلمة إذا كانت لها حاجة أن تخرج في أطمارها (٣) ، أو أطمار جارتها مستخفية، لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها"؟.

стр. 1119

وقال القرطبي ﵀ أيضَا: قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) أي الحرائر، حتى لا يختلطن بالإماء، فإذا عُرِفن لم يقابَلْن بأدنى من المعارضة مراقبةً لرتبة الحرية، فتنقطع الأطماع عنهن، وليس المعنى أن تُعرف المرأة حتى تُعْلَمَ من هي (١) ، وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة قد تقنعت ضربها بالدرة، محافظة على زي الحرائر. وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والإماء، وهذا كما أن أصحاب رسول الله ﷺ منعوا النساءَ المساجدَ بعد وفاة رسول الله ﷺ مع قوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، حتى قالت عائشة ﵂: "لو عاش رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا لمنعهن من الخروج كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل"، (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا الأمر المشروع. اهـ (٢) . * قول الإمام القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي الشافعي (ت ٦٩١ هـ) : قال ﵀ في "تفسيره": (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة، و (مِن) للتبعيض، فإن المرأة ترخي بعض جلبابها، وتتلفع ببعض (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) يُمَيَّزنَ عن الإماء والقينات (فَلَا يُؤْذَيْنَ) فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرض لهن (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لما سلف (رَحِيمًا) بعباده حيث يراعي مصالحهم حتى الجزئيات منها. اهـ (٣) .

стр. 1120

قول العلامة أحمد بن محمد شهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩ هـ) : قال ﵀ في "حاشيته على تفسير البيضاوي" شارحا الفقرة السابقة منه قوله: (مِن) للتبعيض ... إلخ - وقد قال في "الكشاف": إنه يحتمل وجهين: أن يتجلببن ببعض ما لهن من الجلابيب، فيكون البعض واحدَا منها، أو يكون المراد ببعض جزءًا منه بأن ترْخِيَ بعض الجلباب، وفضلَه على وجهها فتتقنَّع به، والتجلبب على الأول لبس الحجاب على البدن كله، وعلى هذا التقنع بستر الرأس والوجه، مع إرخاء الباقي على بقية البدن، وقوله (يُدْنِينَ) يحتمل أن يكون مقول القول، وهو خبر بمعنى الأمر (١) ، أو جواب الأمر على حَدِّ: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) الآية [إبراهيم: ٣١] . والجلباب إزار واسع يُلْتَحَفُ به، فما قيل: إن النظم (عَلَيْهِنَّ) دون "على وجوههن"، وقد فسره بستر وجوههن وأبدانهن به، فكيف يصح الحمل على التبعيض حينئذ، إذ لا يصح لفظ "البعض" في موضع "مِنْ" إلا أن يبقى بعض من الجلباب غير مستعمل في الوجه والبدن، ليس بشيء، لأن قوله: (عَلَيْهِنَّ) إما على تقدير مضاف أي على رؤوسهن، أو وجوههن، أو على أنه مفهوم منه - وإن لم يقّدَّر-، وأما قوله: "وأبدانهن" فبيان للواقع؛ لأنها إذا أرخت على الوجه بعضَه بقي باقيه على البدن، لكن المأمور به ضم بعض منه لأن به الصيانة، قوله: "عن الإماء والقينات " إما من عطف أحد المترادفين أو المراد بالقينات البغايا، وأما إرادة المغنية فلا وجه له، وقوله: "يميزن" فالمراد بالمعرفة التمييز مجازا لأنه المقصود، ولو

стр. 1121

أبقى على معناه صح. قال السبكي في "طبقاته": واستنبط أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية من هذه الآية أن ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن، وإن لم يفعله السلف، لأن فيه تمييزًا لهم حتى يعرفوا فيُعمل بأقوالهم (١) . قوله: "لما سلف": ليس المراد به أمر التجلبب قبل نزول هذه الآية حتى يقال إنه لا ذنب قبل الورود في الشرع، فهو مبني علي الاعتزال والقبح العقلي، بل المراد: ما سلف من ذنوبكم المنهيِّ عنها مطلقا، فيغفرها إن شاء، ولو سلم إرادته فالنهي عنه معلوم من آية الحجاب التزامَا، وقيل: المراد لما عسى يصدر من الإخلال في التستر) اهـ (٢) . * قول الإمام عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي (ت ٧٠١ هـ) : قال ﵀ في تفسيره": (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زال الثوب عن وجه المرأة: أدني ثوبك على وجهك (٣) ، و (مِن) للتبعيض، أي: ترخي بعض جلبابها وفضله على

стр. 1122

وجهها اهـ (١) . تنبيه: تحتجب الأمة إذا خيف بها الفتنة: قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀ رحمة واسعة: وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها، وتحتجب، ووجب غض البصر عنها ومنها، وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء، ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بها أمر الحرائر، والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر، ولم يفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام، بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء، واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد، فلم يُجْعَلْ عليهن احتجاب، واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة، فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء، فأنْ يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى، وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها، وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يجز إبداء الزينة الخفية له، فالخطاب خرج عامُّا على العادة، فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره، فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنة، وجب المنع من ذلك كما لو كانت في غير ذلك. اهـ (٢) . وزعم نفاة الحكمة والتعليل والقياس أن الشريعة قد فرقت بين المتماثلين، وجمعت بين المختلفين، وأيدوا ذلك بأمور: منها أن الشارع حرم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا كانت حرة، وجوزه إلى الأمة الشابة البارعة الجمال، وقد انبرى الإمام المحقق شمس الدين محمد

стр. 1123

ابن أبي بكر ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، للرد عليهم وتتبع ما استدلوا به، وكان مما قال ﵀ في الرد على الشبهة السابقة: وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع، فأين حرَّم الله هذا، وأباح هذا؟ والله إنما قال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) [النور: ٣٠] ، ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب. وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن، فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس، وأذن للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة، وأكَّد هذا الغلطَ أن بعض الفقهاء سمع قولهم: "إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبًا كالبطن والظهر والساق"، فظن أن ما يظهر غالبًا حكمه حكم وجه الرجل، وهذا إنما هو في الصلاة، لا النظر، فإن العورة عورتان: عورة في الصلاة، وعورة النظر، فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، والله أعلم (١) اهـ. وما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام المحقق ابن القيم عليهما الرحمة من احتجاب الحسان من الإماء، وبروز غير الحسان، قد نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فنقل ابن منصور عنه أنه قال: "لا تنتقب الأمة"، ونقل ابن منصور عنه أيضًا، وأبو حامد الخَفَّاف أنه قال: "تنتقب

стр. 1124

الجميلة" (١) اهـ. * قول العلامة محمد بن أحمد بن جَزي الكلبي المالكي (ت ٧٤١) : قال ﵀ في "تفسيره": كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن، ويُفَهمَ الفرقُ بين الحرائر والإماء. والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو الرداء، وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقيل: أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها، وقيل: أن تغطي نصف وجهها (٢) . (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) أي ذلك أقرب إلى أن يعرف الحرائر من الإماء، فإذا عرف أن المرأة حرة لم تعارض بما تعارض به الأمة، وليس المعنى أن تعرف المرأة من هي، إنما المراد أن يفرق بينهما وبين الأمة لأنه كان بالمدينة إماء يعرفن بالسوء، وربما تعرض لهن السفهاء (٣) أهـ. * قول الإمام النحوي المفسر أثير الدين أبي عبد الله محمد بن يوسف ابن علي أبن حيان الأندلسي الشهير بأبي حيان (ت ٧٤٥ ص) : قال ﵀ في "تفسيره": ... وقال السدي: (تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين "، وكذا عادة بلاد الأندلس لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة) (٤) . وقال أيضا ﵀: والظاهر أن قوله: (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) يشمل

стр. 1125

الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح (١) ، و (مِن) في (جَلَابِيبِهِنَّ) للتبعيض، و (عَلَيْهِنَّ) شامل لجميع أجسادهن، أو: (عَلَيْهِنَّ) على وجوههن، لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه، (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) لتسترهن بالعفة، فلا يتعرض لهن، ولا يلقين ما يكرهن، لأن المرأة إذا كانت غاية في التستر والانضمام لم يُقْدَمْ عليها بخلاف المتبرجة، فإنها مطموع فيها. اهـ. فصل في بيان الدليل على صحة التفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب * قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانِت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وخلفائه: أن الحرة تحتجب، والأمة تبرز" (٢) أهـ، وقال ﵀ تعالى: قولة: (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ
следующие страницы →