الدليل الثالث
(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)) [الأحزاب: ٣٢، ٣٣] .
ومحل الشاهد منه قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)
* قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري- رحمه الله تعالى-:
"قيل إن التبرج في هذا الوضع التبختر والتكسر".
ثم روى بسنده عن قتادة قال: "أي إذا خرجتن من بيوتكن؛ قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج، يعني بذلك الجاهلية الأولى، فنهاهن الله عن ذلك.
حدثني يعقوب، قال ثنا ابن علية، قال: سمعت ابن أبي نُجيح، يقول في قوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) قال: التبختر، وقيل: إن التبرج هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة محاسنها للرجال " (١) .
* وقال الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله تعالى:
وقوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) روى هشام عن محمد بن سيرين قال: قيل لسودة بنت زمعة: ألا تخرجين كما تخرج أخواتك؟ قالت: والله لقد حججت واعتمرت ثم أمرني الله أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج، خرجت حتى أخرجوا جنازتها.
стр. 1192
وقيل: إن معنى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) كن أهل وقار وهدوء وسكينة، يقال: وقر فلان في منزله يقر وقورًا إذا هدأ فيه واطمأن به، وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت منهيات عن الخروج.
وقوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) روى ابن أبي نجيح عن مجاهد (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) قال: كانت المرأة تتمشى بينِ أيدي القوم، فذلك تبرج الجاهلية، وقال سعيد عن قتادة (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) يعني إذا خرجتن من بيوتكن، قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج فنهاهن الله عن ذلك، وقيل: هو إظهار المحاسن للرجال، وقيل: في الجاهلية الأولى ما قبل الإِسلام، والجاهلية الثانية حال من عمل في الإسلام بعمل أولئك.
فهذه الأمور كلها مما أدب الله تعالى به نساء النبي ﷺ صيانة لهن،
وسائر النساء المؤمنين مرادات بها (١) اهـ.
* وقال القاضي أبو بكر ابن العربي ﵀:
"قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) يعني اسكنَّ فيها، ولا تتحركن، ولا تبرحن منها، حتى إنه رُوي- ولم يصح (٢) - أن النبي ﷺ لما انصرف من حجة الوداع قال لأزواجه: "هذه، ثم ظهور الحصر"؛ إشارة إلى ما يلزم المرأة من لزوم بيتها، والانكفاف عن الخروج منه، إلا لضرورة.
وقد دخلت نَيّفًا على ألف قرية من برية، فما رأيت نساءٌ أصون عيالًا،
ولا أعف نساء من نساء نابلس التي رُمِي فيها الخليل ﵇ بالنار، فإني أقمت فيها أشهرًا، فما رأيت امرأة في طريق نهارا إلا يوم الجمعة، فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهن، فإذا قُضيت الصلاة، وانقلبن
стр. 1193
إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدةٍ منهن إلى الجمعة الأخرى، وسائر القرى تُرى نساؤها متبرجات بزينة وعُطلة، متفرقات في كل فتنة وعُضْلة، وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشْهِدْنَ فيه" (١) اهـ.
* وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي- ﵀:
معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ
فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة، على ما تقدم في غير موضع، فأمر الله تعالى نساء النبي ﷺ بملازمة بيوتهن، وخاطبهن بذلك تشريفا لهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلم أنه فعل الجاهلية الأولى (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (٢) " اهـ.
وقال ابن عطية ﵀: "والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها، فأمِرْن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهى ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرَة عندهم، وكان أمر النساء دون حجاب، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه، وليس المعنى أن ثَمَّ جاهلية أخرى (٣) ، وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة قبل الإِسلام، فقالوا: جاهلي في الشعراء، وقال ابن عباس في البخاري: سمعت أبي في الجاهلية يقول" (٤) إلي غير هذا" (٤) اهـ.
стр. 1194
قال القرطبي معلقَا: قلت: وهذا قول حسن، ويُعْترضُ بأن العرب كانت أهل قشف وضنك في الغالب، وأن التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة، وهي المراد بالجاهلية الأولى، وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المِشية على تغنيج وتكسير وإظهارِ المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا بجوز شرعَا، وذلك يشمل الأقوال كلَها ويعمُّها فيلزمن البيوت، فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذل وتستر تام، والله الموفق" (١) اهـ.
وقال القرطبي أيضا.
"لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإِماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إِليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسول الله ﷺ أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن" (٢) اهـ.
* قال الإمام أبو حيان:
"كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار".
وقال أيضا: "الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه"
ونقل أبو حيان أيضَا عن الليث أنه قال: (تبرجت المرأة: أبدت محاسنها من وجهها وجسدها) . اهـ.
ونقل عن مقاتل في تفسير التبرج: (تلف الخمار على وجهها، ولا تشده) (٣) . اهـ.
ونقل الحافظ في "الفتح" عن الفراء قوله: (كانوا في الجاهلية تسدل
стр. 1195
المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قدامها، فأمِرْنَ بالاستتار) (١) اهـ.
وقال الإمام أبو حيان أيضَا:
"وكان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإِماء، وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن، ويفهم الفرق بين الحرائر والإِماء" (٢) اهـ.
* وقد ذكر العلامة محمد أنور الكشميري الديوبندي رحمه الله تعالى الآيات التي لها تعلق بأنواع الحجب المأمور بها فقال:
"ومنها: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ... ) إلخ، والخطاب فيها- وإن كان خاصّا- إلا أن الحكم عام، ثم الخروج عند الحوائج ليس من تبرج الجاهلية الأولى في شيء، إنما تبرجهن أن يخرجن كالرجال بالوقاحة، وعدم تستر" (٣) اهـ.
ونقل عن الحافظ تقسيمه الحجاب بأن منه ما يكون بإدناء النقاب عند الخروج، واسمه حجاب الوجوه، والثاني اسمه حجاب الأشخاص) (٤)
يعني: القرار في البيوت، والله أعلم.
* وقال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي:
" (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ... ) والمعنى: الزمن يا نساء النبي بيوتكن، واثبتن
في مساكنكن، والخطاب- وإن كان لنساء النبي- فقد دخل فيه غيرهن" (٥) اهـ.
стр. 1196
" وقال الراغب الأصفهاني:
"ثوب مُبرَّج صُوّرتْ عليه بروج، فاعتبر حُسْنُهُ، فقيل: تبرجت المرأة، أي تشبهت به في إظهار المحاسن، وقيل: ظهرت من برجها أي قصرها، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) وقوله تعالى: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ) ، والبرج سعة العين وحسنها تشبيهَا بالبرج في الأمرين" (١) اهـ.
* وقال الشوكاني ﵀:
ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإِسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل، فيكون المعنى: ولا تبرجن أيها المسلمات بعد إِسلامكن تبرجًا مثل تبرج أهل الجاهلية التي كنتن عليها، وكان عليها من قبلكن، أي: لا تحدثن بأفعالكن وأقوالكن جاهلية تشبه الجاهلية التي كانت من قبل" (٢) اهـ.
* وقال الألوسي ﵀:
"والمراد على جميع القراءات أمرهن رضي الله تعالى عنهن بملازمة البيوت وهو أمر مطلوب من سائر النساء، أخرج الترمذي والبزار عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة عورة، فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها".
وأخرج البزار عن أنس قال: جئن النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى؟ فقال ﵊:
"من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى"
стр. 1197
وقد يحرم عليهن الخروج بل قد يكون كبيرة كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت مفسدته، وخروجهن ولو إلى المسجد وقد استعطرن وتزين إذا تحققت الفتنة، أما إذا ظنت فهو حرام غير كبيرة، وما يجوز من الخروج كالخروج للحج وزيارة الوالدين وعيادة المريض، وتعزية الأموات من الأقارب ونحو ذلك، فإنما يجوز بشروط مذكورة في محلها" (١) اهـ.
* وقال الشيخ أحمد مصطفى المراغي- ﵀:
" (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) أي: الزمن بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة، وهو أمر لهن ولسائر النساء" (٢) اهـ.
* وقال المودودي ﵀:
"إن مقام المرأة ومستقرها هو البيت، وما وضعت عنهن واجبات خارج البيت إلا ليلازمن البيوت بالسكينة والوقار ويقمن بواجبات الحياة العائلية، أما إن كان بهن حاجة إلى الخروج فيجوز لهن أن يخرجن من البيوت بشرط أن يراعين جانب العفة والحياء، فلا يكون في لباسهن بريق أو زخرفة أو جاذبية تجذب إليهن الأنظار، ولا في نفوسهن من حرص على إظهار زينتهن، فيكشفن تارة عن وجوههن، وأخرى عن أيديهن، ولا في مشيتهن شيء يستهوي القلوب، ولا يلبسن كذلك من الحلي ما يحلو وسواسه في المسامع ولا يرفعن أصواتهن بقصد أن يسمعها الناس، نعم يجوز لهن التكلم في حاجتهن، ولكنه يحب أن لا يكون في كلامهن لين وخضوع ولا في لهجتهن عذوبة وتشويق، كل هذه الضوابط والحدود - إن راعتها النساء - جاز لهن أن يخرجن لحوائجهن" (٣) اهـ.
стр. 1198
* وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق- ﵀:
" (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) الزمنها فلا تخرجن لغير حاجة شرعية، ومثلهن
في ذلك سائر نساء المؤمنين". اهـ.
وقال أيضا: "ومما يباح خروجهن لأجله الحج، والصلاة في المسجد، وزيارة الوالدين، وعيادة المريض، وتعزية الأقارب، والعلاج ونحو ذلك بشروطه التي منها التستر وعدم التبذل" (١) . اهـ.
* وقال العلامة عبد العزيز بن باز ﵀:
"نهى سبحانه في هذه الآيات نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين وهن من خيرِ النساء وأطهرهن عن الخضوع بالقول للرجال، وهو تليين القول وترقيقه؛ لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا ويظن أنهن يوافقنه على ذلك، وأمر بلزومهن البيوت، ونهاهن عن تبرج الجاهلية، وهو إظهار الزينة والمحاسن كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق ونحو ذلك من الزينة لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا.
وإذا كان الله سبحانه يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن، وإيمانهن، وطهارتهن، فغيرهن أولى وأولى بالتحذير، والإنكار، والخوف عليهن من أسباب الفتنة عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن، ويدل على عموم الحكم لهن ولغيرهن قوله سبحانه في هذه الآية (وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فإن هذه الأوامر أحكام عامة لنساء النبي ﷺ وغيرهن" (٢) . اهـ.
стр. 1199
* وقال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله:
"في هذه الآية الكريمة دلالات كبرى كلها تؤكد حكم الحجاب، وتقرره، وهي كالتالي:
١- منع المؤمنة من ترقيق قولها وتلينه إذا تكلمت مع أجنبي عنها ليس محرمًا لها.
٢- تقدير وجود مرض الشهوة في قلوب بعض المؤمنين، وهو علة نهي المرأة عن ترقيق قولها إذا قالت.
٣- وجود تحديد العبارة والتكلم على قدر الحاجة، بحيث لا تزيد المرأة إذا تكلمت مع أجنبي في كلامها ما ليس بضروري للإفهام، فلا يجوز منها إطناب ولا استطراد، بَل يجب أن تكون كلماتها على قدر حاجتها في خطابها.
٤- لزوم المرأة المسلمة بيتها وهو مقر عملها الطبيعي، فلا تخرج إلا لحاجة ماسه إذ البيت هو محل تربية أولادها، وخدمة زوجها، وعبادة ربها بالصلاة، والزكاة، وذكر الله وما والاه.
٥- تحريم التبرج، وهو خروج المرأة المسلمة من بيتها كاشفة من (١) وجهها، مظهرة لمحاسنها غير خجلة ولا محتشمة حيية.
إن هذه الدلالات الخمس من هذه الآية في خطاب أمهات المؤمنين ﵅ كل واحدة منها دالة بفحواها على فرضية الحجاب، وتَحتُّمِه على المرأة المسلمة، غير أن المبطلين (٢) لم يروا ذلك، فقالوا في هذه الآية والتي قبلها: "إنها نزلت في نساء النبي ﷺ وهي خاصة بهن ولا تعلق لها بغيرهن من نساء المؤمنين وبناتهم"، وهو قول مضحك عجيب. . . وهاتان الآيتان مثلهما مثل إقسام الله تعالى لرسوله ﷺ بأنه لو أشرك
стр. 1200
لحبط عمله، وكان من الخاسرين في آية الزمر، مع العلم أن رسول الله ﷺ معصوم لا يتأتى منه الشرك ولا غيره من الذنوب، ولكن الكلام من باب "إياك أعني، واسمعي يا جارة"، وعليه فإذا كان الرسول على جلالته لو أشرك لحبط علمه، وخسر فغيره من باب أولى، كما أن الحجاب لو فرض على نساء النبي وهن أمهات المؤمنين كان على غيرهن من باب أولى. ويبدو أنه لما كان الحجاب مخالفا لما كان عليه العرب في جاهليتهم، ولم يشرع تدريجا، وشيئًا فشيئا حتى بالقوة، إذ لا يمكن فيه التدريج، فلما شرع دفعة واحدة كان أمرا عظيما، فبدأ الله تعالى فيه بنساء رسول الله ﷺ حتى لا يقال- وما أكثر من يقول يومئذ، والمدينة مليئة بالنفاق والمنافقين-: انظروا كيف ألزم نساء الناس البيوت والحجاب، وترك نساءه وبناته غاديات رائحات ينعمن بالحياة. . . إلى آخر ما يقول ذوو القلوب المرضى في كل زمان ومكان، فلما فرضه على نساء رسوله ﷺ لم يبق مجال لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَرْغَبَ بنفسها عن نساء الرسول ﷺ فترى السفور لها، ولا تراه لأزواج الرسول ﷺ وبناته، وهذا يعرف عند علماء الأصول بالقياس الجلي، ومن باب أولى كتحريم
ضرب الأبوين قياسا على تحريم التأفيف في قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (١) اهـ.
* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف ﵀:
"قد قرن الله تعالى هذا التوجيه بالتقوى حيث لا تلتزم بتلك الصفات المحمودة المشروعة إلا من تخشى الله تعالى وتنقيه من كل النساء، وهذا السياق قيل لنساء النبي ﷺ ، فهل يقول أحد من المسلمين: إن الحكم خاص بأزواج النبي ﷺ فقط؟! وأن للنساء المؤمنات أن يخالفنه؟ هذا لا
стр. 1201
يقول به أحد، والحكم لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
... وهذا كله ظاهر، لأن هذه كلَّها أحكام وآداب وتوجيه من الله
ﷻ لتحتفظ المرأة المسلمة بكرامتها وحصانتها، ولقطع دابر الوسائل التي تقرب إلى الفتنة والشر، وهذا سبيل من كان يرجو الله واليوم الآخر.
وأما أزواج النبي ﷺ ، فمضمون الآيات مخاطبتهن تعظيمَا وإكبارَا لهن،
مع أن الحق استبعاد الفتنة معهن من أصحابه ﷺ ، لأنهن لسن كأحد من النساء بالفضل وعظيم القدر، لا بما يدعو إلى الفتنة والشر من بدن المرأة ومواضيع الزينة منها، فلا ريب أنهن وسائر المسلمات المؤمنات سواء، لأن الجميع في باب واحد من عدم العصمة، وحينما نقول: "إن الجميع في باب واحد من عدم العصمة"، نقول ذلك لعموم أنه لا عصمة لأحد بعد محمد ﷺ ، غير أنهن أتقى النساء، لأنهن أزواج رسول الله ﷺ ، وقد شهد الله لهن بأنهن الطيبات وأنهن المبرآت، فعلى أزواجه وبناته ومن تبعهن من المسلمات المؤمنات رضوان الله تعالى ورحمته وبركاته" (١) اهـ.
* وقال الدكتور السيد محمد علي نمر:
"ولأمر ما أضاف الله البيت إلى المرأة لكثرة ملازمتها له، حيث يقول سبحانه: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) فالبيوت للأزواج، ولكنها أضيفت إلى المرأة لما تقوم به من دور عظيم فيه" (٢) .
يا أختُ سابغة البرا ... قع في الأباطح والوعورْ
قَرِّي فديتُك حيث لا ... تؤذيكِ لافحة الهجير
ودعي الجنوحَ إلى السفو ... رِ، وخَففي ألمَ العشير
النمر لو لزم الشرى ... من كان يطمع في النمور؟
стр. 1202
والطير تأخذها شبا ... كُ الصَّيْدِ في ترك الوكور (١)
الدليل الرابع
قوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)) [النور: ٣١] .
في هاتين الآيتين الكريمتين ثلاثة مواضع استُدلَّ بها على وجوب الحجاب:
الأول: قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) .
فقد صح عن ابن مسعود وغيره تفسير الزينة بالثياب الظاهرة من المرأة، وأما من قال: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الوجه والكفان فقد بنى مذهبه:
١- إما على آثار عن ابن عباس ﵄، منها صحيح (٢) ومنها ضعيف.
٢- وإما على أساس الترجيح بالإِلزام الفقهي، بناءَ على أن عورة المرأة
في الصلاة: البدن كله ما عدا الوجه والكفين، وأن إحرامها في الوجه والكفين، قالوا: فيلزم من ذلك إباحة إظهارهما.
ومما يلفت النظر أن كثيرَا من المفسرين وقعوا في بعض التناقض حيث
стр. 1203
التزموا في سائر آيات الحجاب القول بوجوبه على سائر النساء، ثم ذهبوا في هذا الموضع بالذات إلى ترجيح المذهب المنسوب إلى ابن عباس ﵄ وغيره، واحتجوا بهذا الإلزام الفقهي غير اللازم لوجود الفرق بين داخل الصلاة، وخارجها.
وقد رجح بعضهم جواز كشف الوجه والكفين لأن الحاجة قد تمس إلى إظهارهما كالخِطبة والشهادة والتطبيب إلخ، والجواب أنه يرخص لها ذلك في حدود حاجتها، والله أعلم.
أما الموضع الثاني: فقوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) ، أما الثالث: فقوله : (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) .
تحقيق الآثار المنسوبة إلى ابن عباس ﵄ والآثار المسندة إلى أبن مسعود ﵁ في تفسير قوله تعالى:
(إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)
قال فضيلة الشيخ عبد القادر بن حبيب السندي المدرس بمعهد الحرم المكي الشريف أثناء نقده لأئر: "إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه" (١) .
وليس هناك حديث صحيح مرفوع في هذا المعنى إلا ما جاء عن عبد الله
ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في أثر أخرجه الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره (٢) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣) .
قال الإمام ابن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال ثنا مروان، قال
стр. 1204
ثنا مسلم الملائي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) قال: الكحل والخاتم.
قلت: إسناده ضعيف جدًّا، بل هو منكر.
قال الإمام الذهبي: مسلم بن كيسان أبو عبد الله الضبي الكوفي الملائي الأعور عن أنس وإبراهيم النخعي، وقال الإمام الحافظ أبو الحجاج المزي في ترجمة مسلم بن كيسان الملائي روى عن سعيد بن جبير- وهو يروي في هذا الإسناد عن سعيد بن جبير (١) .
ثم قال الإمام الذهبي فى ترجمته: "عن الثوري ووكيع بن الجراح بن مليح، قال الفلاس: متروك الحديث، وقال أحمد: لا يكتب حديثه، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال البخاري: يتكلمون فيه، وقال يحيى أيضَا: زعموا أنه اختلط، وقال يحيى القطان: حدثني حفص بن غياث قال: قلت لمسلم الملائي: عمن سمعت هذا؟ قال- عن إبراهيم عن علقمة، قلنا: علقمة عمن؟ قال: عن عبد الله، قلنا: عبد الله عمن؟ قال: عن عائشة-، وقال النسائي: متروك الحديث" (٢) اهـ.
"وقلت: هذا الإسناد ساقط لا يصلح للمتابعات والشواهد كما لا يخفى على أهل هذا الفن الشريف.
وقال الإمام الحافظ البيهقي في "السنن الكبرى": "أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا حفص بن غياث عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: ما في الكف والوجه" (٣) اهـ.
стр. 1205
قلت: إسناده مظلم ضعيف لضعف راويين هما أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال الإمام الذهبي. أحمد بن عبد الجبار العطاردي روى عن أبي بكر بن عياش وطبقته، ضعفه غير واحد، قال ابن عدي: رأيتهم مجمعين على ضعفه ولا أرى له حديثَا منكرا، إنما ضعفوه لأنه لم يلق الذين يحدث عنهم، وقال مطين: كان يكذب، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابنه عبد الرحمن: كتبت عنه وأمسكت عن التحديث عنه لما تكلم الناس فيه، وقال ابن عدي: كان ابن عقدة لا يحدث عنه، وذكر أن عنده قِمَطْرًا على أنه كان لا يتورع أن يحدث عن كل أحد، مات سنة ٢٧٢ هـ (١) .
وقال الحافظ في التقريب: ضعيف (٢) .
وكذا يوجد في هذا الإِسناد- عند الإمام البيهقي- عبد الله بن مسلم بن
هرمز المكي عن مجاهد وغيره، قال الحافظ الذهبي: ضعفه ابن معين،. وقال: وكان يرفع أشياء، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن المديني: كان ضعيفا (مرتين) عندنا، وقال أيضا: ضعيف، وكذا ضعفه النسائي (٣) ، وقال الحافظ في "التقريب": ضعيف (٤) .
قلت: هذان الإسنادان ساء حالهما إلى حد بعيد لا يحتج بهما ولا يكتبان، وهنا أسانيد أخرى لا تقل درجتها في الضعف والنكارة، وبذلك يمكن أن يقال إن هذه النسبة غير صحيحة إلى عبد الله بن عباس ﵄ (٥) .
стр. 1206
ولو صح الإِسناد إليه لما كان فيه حجة عند علماء أهل الحديث فكيف
في هذه الحال، وقد صحت الأسانيد إلى ابن عم المصطفى ﷺ ، وإلى غيره من الصحابة ﵃ عكس هذا المعنى الذي رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" والبيهقي في "سننه" وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره"، وزد على ذلك ما ثبت بأسانيد صحيحة عن رسول الله ﷺ كما سوف يأتي مفصلا من أمره ﷺ بالحجاب والستر.
* وإليكم أولا ما جاء عن بعض الصحابة ﵃، ومنهم
عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره إذ قال رحمه الله تعالى: حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال أخبرني الثوري، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: الثياب (١) .
قلت: إسناده في غاية الصحة وأورد هذا الأثر الإمام ابن كثير في تفسيره (٢) .
ثم ساق الإمام ابن جرير الطبري إسنادَا آخر بقوله: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي
الأحوص، عن عبد الله مثله - قلت: إسناده في غاية الصحة.
وقال الإمام السيوطي: أخرج ابن جرير الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس ﵄ في قوله: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان وكحل العينين، ثم قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها، ثم لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن" الآية.
стр. 1207
ثم قال ﵁: "والزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها، وقلادتها وسوارها، وأما خلخالها، ومعضدها، ونحرها، وشعرها، فإنها لا تبديه إلا لزوجها (١) " قلت: رواية ابن عباس ﵄ هذه قد اطلعت على إسنادها عند ابن جرير الطبري في تفسيره ورجالها كلهم ثقات إلا أنها منقطعة؛ لأن فيها على بن أبي طلحة المتوفى سنة ١٤٣ هـ يروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- ولم يلقه والواسطة بينهما هو مجاهد بن جبر المكي - وهو إمام كبير ثقة ثبت كما لا يخفى على أحد - وقد احتج بهذه الرواية - أعني رواية على بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- البخاري في "الجامع الصحيح " (٢) ؛ إذ أوردها في مواضع عديدة من كتاب التفسير معلقة وإن كانت ليست على شرطه في "الجامع الصحيح" - قال ذلك الحافظ في "التهذيب" (٣) .
وقال الإمام المزي في "تهذيب الكمال" مشيرَا إلى رواية التفسير هذه "في ترجمة على بن أبي طلحة: "هو مرسل عن ابن عباس، وبينهما مجاهد (٤) "، واعتمد على هذه الرواية علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في "تفسيره" (٥) ، والإمام القرطبي في تفسيره (٦) ، وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة فكانت قوية ومحتجُّا بها عند علماء التفسير وغيرهم، وإن ظاهر القرآن والسنة وأثار الصحابة والتابعين تؤيدها
فليعتمد عليها ويستأنس بها". (٧) اهـ من "رسالة الحجاب" للسندي.
стр. 1208
ولو أن فضيلته اقتصر على قوله: "يُستأنس بها" لكان أقرب من قوله: "فليعتمد عليها" لما في الكلام الذي أسلفه في رواية على بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄.
ما أجاب به العلماء عن قول
ابن عباس ﵄
* أولَا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
والسلف تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم.
قال: وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين، زينةَ ظاهرة وزينة غير ظاهرة، وجوَّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم، وأما
الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم.
وقبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجال وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله آية الحجاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش ﵂ فأرخى النبي ﷺ الستر ومنع أنسَا أن ينظر.
ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي
من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها.
فلما أمر الله أن لا يُسئلن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته
ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ والجلباب هو المُلاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة: الأزار، هو الأزار
стр. 1209
الكبير الذي، يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى عَبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب " فكن النساء ينتقبن" وفي الصحيح "إن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين"، فإذا كنَّ مأمورات بالجلباب وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهر للأجانب، فما بقي يَحِلُّ للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة
فابن مسعود ذكر آخر الأمرين؛ وابن عباس ذكر أول الأمرين" (١) اهـ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
ثانيا: قال العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:
"وأما ما يروى عن ابن عباس ﵄ أنه فسر "إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" بالوجه والكفين فهو محمول على حالة النساء قبل نزول آية الحجاب، وأما بعد ذلك فقد أوجب الله عليهن ستر الجميع كما سبق في الآيات الكريمات من سورة الأحزاب وغيرها، ويدل على أن ابن عباس أراد ذلك ما رواه على بن أبي طلحة عنه أنه قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة.
وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والتحقيق وهو الحق الذي لا ريب فيه، ومعلوم ما يترتب على ظهور
стр. 1210
الوجه والكفين من الفساد والفتنة، وقد تقدم قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ولم يستثن شيئا وهي آية محكمة، فوجب الأخذ بها والتعويل عليها وحمل ما سواها عليها، والحكم فيها عام في نساء النبي ﷺ وغيرهن من نساء المؤمنين وتقدم من سورة النور ما يرشد إلى ذلك" (١) اهـ.
وهذا الجمع أولى لما ورد عن ابن عباس أيضًا من قوله: تدني الجلباب
إلى وجهها ولا تضرب به. قال روح في حديثه: قلت: وما (لا تضرب به) ؟ فأشار لي كما تجلبب المرأة، ثم أشار لي ما على خدها من الجلباب قال: "تعطفه وتضرب به على وجهها كما هو مسدول على وجهها". رواه أبو داود في كتاب المسائل قال: حدثنا أحمد - يعني ابن محمد بن حنبل - قال حدثنا يحيى وروح عن ابن جريج قال أخبرنا عطاء قال أخبرنا أبو الشعثاء أن ابن عباس ﵄ قال: فذكر الحديث – وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وقول ابن مسعود ﵁ ومن وافقه هو الصحيح في تفسير هذه الآية لاعتضاده بآية سورة الأحزاب وهي قولة تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) .
* قال الإمام أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي ﵀: "قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) أي لا يُظهِرنها لغير محرم، وزينتهن
على ضربين: خفية كالسوارين والقرطين والدملج والقلائد ونحو ذلك،
وظاهرة وهي المشار إليها بقوله: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) وفيه سبعة أقوال: أحدها: أنها الثياب، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود، وفي لفظ آخر
قال. هو الرداء.
стр. 1211
والثاني: أنها الكف والخاتم والوجه.
والثالث: الكُحل والخاتم، رواهما سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والرابع: القُلبان، وهما السواران والخاتم والكحل، قاله المسور بن مخرمة.
والخامس: الكحل والخاتم والخضاب، قاله مجاهد.
والسادس: الخاتم والسِّوار، قاله الحسن.
والسابع: الوجه والكفان، قاله الضحاك.
قال القاضي أبو يعلى: والقول الأول أشبه، وقد نص عليه أحمد فقال:
الزينة الظاهرة: الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظفر.
ويفيد هذا تحريم النظر إلى شيء من الأجنبيات لغير عذر، فإن كان لعذر
مثل أن يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها، فإنه ينظر في الحالين إلى وجهها خاصة، فأما النظر إليها لغير عذر فلا يجوز لشهوة ولا لغيرها، وسواء في
ذلك الوجه والكفان وغيرهما من البدن فإن قيل: فلم لا تبطل الصلاة فالجواب: أن في تغطيته مشقة فعفي عنه" (١) اهـ.
* قال ابن عطية:
"ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي (٢) ، وأن تجتهد
في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة
حركة فيما لابد منه ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه" (٣) اهـ.
стр. 1212
ثم عقب القرطبي ﵀ قائلاً:
"قلت: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة، وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما (١) ، يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ وساق حديث أسماء (٢) مستدلا به، إلى أن قال ﵀: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزًا أو مُقَبَّحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها" (٣) اهـ.
* وقال البيضاوي رحمه الله تعالى في تفسيره:
(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) كالحلي والثياب والأصباغ فضلا عن مواضعها
لمن لا يحل أن تبدي له (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجَا.
وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف (٤) ، أو ما يعم المحاسن
стр. 1213
الخلقية والتزيينية، والمستثنى هو الوجه والكفان لأنهما ليستا من العورة، والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة" اهـ.
* قال الشهاب في "شرحه":
"ومذهب الشافعي ﵀ كما في "الروضة" وغيرها أن جميع بدن المرأة عورة حتى الوجه والكف مطلقَا، وقيل: يحل النظر إلى الوجه والكف إن لم يخف فتنة، وعلى الأول: هما عورة إلا في الصلاة، فلا تبطل صلاتها بكشفهما".
وقال أيضَا: قوله: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي: بلا إظهار كأن كشفته الريح، والاستثناء عن الحكم الثابت بطريق الإشارة، وهو المؤاخذة به في دار الجزاء، وفي حكمه ما لزم إظهاره لتحمل شهادة ومعالجة طبيب.
وقال أيضًا: "قوله: "وقيل المراد بالزينة مواضعها" وفي نسخة: مواقعها، وهو بمعناه، وهذا ما ارتضاه الزمخشري، وهو على مذهب أبي حنيفة ﵀، وجعله كناية عما ذكر كنقي الجيب وهو مجاز من ذكر الحال وإرادة المحل، وقيل: إنه بتقدير مضاف كما ذكره المصنف ﵀. وفي "الانتصاف": قوله: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ) الآية يحقق أن إبداء الزينة مقصود بالنهي، ولو حمل على ما ذكر لزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من مواقع التزيين، وهو باطل لأن بدن الحرة جميعه عورة يعني عند
الشافعي ومالك، وأما إبداء الزينة وحدها فلا خلاف في جوازه، إذ لا يحرم نظر سوار امرأة يباع في يد رجل، وأما كونه تنكسر به قلوب الفقراء فلا وجه له ولذا مرضه المصنف لمخالفته مذهبه وفيه نظر، والزينية نسبة إلى الزينة وفي نسخة "التزيينية"، وقوله "والمستثنى" أي على هذا القول وهو قول أبي حنيفة ﵀، والقدمان والذراعان فى رواية (قوله: بدن الحرة
стр. 1214
عورة) كما في الحديث: "المرأةُ عورة مستورة" رواه الترمذي عن ابن مسعود ﵁، لكن ليس فيه لفظ مستورة، وما ذكره من الفرق بين العورة في الصلاة وغيرها مذهب الشافعي ﵀، وفيه كلام في ابن الهمام فراجعه " (١) اهـ.
* وقال الشيخ العلامة محمد بن أحمد بن جزي الكلبي ﵀:
(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) نهى عن إظهار الزينة بالجملة
ثم استثنى الظاهر منها، وهو ما لابد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ذلك، فقيل: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) يعني الثياب فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها، وقيل: الثياب والوجه والكفان، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة وزاد أبو حنيفة
القدمين" (٢) اهـ.
* وقال الحافظ ابن كثير ﵀:
"هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات.
وقال ﵀. وقال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي:
ولا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، وقال ابن مسعود: كالرداء والثياب يعني على ما كان يتعاناه (٣) نساء العرب، من المِقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكن إخفاؤه ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه، وقال بقول ابن مسعود: الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء
стр. 1215
وإبراهيم االنخعي وغيرهم" (١) اهـ.
* وقال السيوطي ﵀:
(وَلَا يُبْدِينَ) يظهرن (زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) وهو الوجه والكفان فيجوز نظره لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد وجهين، والثاني: يحرم لأنه مظنة الفتنة، ورجح حسمًا للباب" (٢) اهـ.
стр. 1216
وروى ابن أبي حاتم والسيوطي في "الدر" عن سعيد بن جبير موقوفا أنه قال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) يعني: ولا يضعن الجلباب وهو القناع من فوق الخمار (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ) الآية قال: فهو محرم" (١) اهـ.
* وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي رحمه الله تعالى:
قال أحمد: ولا تبدي زينتها إلا لمن في الآية، ونقل أبو طالب: "ظفرها عورة، فإذا خرجت فلا تبين شيئًا ولا خفها فإنه يصف القدم" وأحبُّ إليَّ أن تجعل لكمها زرَا عند يدها. واختار القاضي قول من قال: المراد بما ظهر من الزينة: الثياب لقول ابن مسعود وغيره، لا قول من فسرها ببعض الحلي أو ببعضها فإنه الخفية، قال: وقد نص عليه أحمد فقال: الزينة الظاهرة الثياب وكل شيء منها عورة حتى الظفر (٢) اهـ.
* وقال العلامة الكشميري ﵀:
فإن قلت: وإذا جاز كشف هذه الأعضاء مطلقا فما معنى التخصيص والاستثناء؟ قلت: ومن ادعى أن القرآن رغبهن في كشفها؟ ولكن
السياق في إبداء الزينة عند من يباح له ضرورة، أما من لا ضرورة فيهم فالسنة فيهم كما ذكرها في آية أخرى وهي إدناء الجلباب لأن ذلك أستر لها، وإن جاز لها كشفها أيضا إلا أنه لما كان قد ينجر إلى الفتن حرض القرآن بسترها في عامة الأحوال (٣) اهـ.
وقال أيضَا ﵀: وإنما قلت: إن كشف الوجه جائز لولا الفتنة
لحديث فضل بن عباس وشابة في الحج فصرف ﷺ وجهه عنها وقال: "خشيت أن يقع بينهما شيطان" (٤) فافهم وتشكر (٤) اهـ.
стр. 1217
* وقال الألوسي ﵀:
ومذهب الشافعي عليه الرحمة كما في "الزواجر": أن الوجه والكفين ظهرهما وبطنهما إلى الكوعين عورة في النظر من المرأة ولو أمة على الأصح، وإن كانا ليسا عورة من الحرة في الصلاة. . . وذهب بعض الشافعية إلى حل النظر إلى الوجه والكف إن أمنت الفتنة، وليس بمعول عليه عندهم، وفسر بعض أجلتهم ما ظهر بالوجه والكفين بعد أن ساق الآية دليلا على أن عورة الحرة ما سواهما، وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة، وأنت تعلم أن إباحة إبداء الوجه والكفين حسبما تقتضيه الآية عندهم مع القول بحرمة النظر إليهما مطلقَا في غاية البعد، فتأمل (١) .
واعلم؛ أنه إذا كان المراد النهي عن إبداء مواقع الزينة، وقيل بعمومها الوجه والكفين والتزم القول بكونهما عورة وحرمة إبدائهما لغير من
استثنى بعد يجوز أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)
من الحكم الثابت بطريق الإشارة وهو المؤاخذة في دار الجزاء، ويكون المعنى: أن ما ظهر منها من غير إظهار كان كشفته الريح مثلًا فهن غير
مؤاخذات به في دار الجزاء، وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة ومعالجة طبيب، وروى الطبراني، والحاكم وصححه، وابن المنذر،
وجمع آخرون، عن ابن مسعود أن "ما ظهر": الثياب والجلباب، وفي
стр. 1218
رواية الاقتصار على الثياب، وعليها اقتصر أيضَا الإمام أحمد، وقد جاء إطلاق الزينة عليها في قوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) على ما في البحر" (١) اهـ.
* قال الشيخ أبو هشام الأنصاري:
(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ) .
وهذه أول آية من الثلاث حسب ترتيب القرآن، يستأنس من بعض الروايات أنها نزلت قبل آية إدناء الجلابيب، بينما يستأنس من بعض الروايات الأخرى أنها نزلت بعدها، وعلى كلا التقديرين لها محمل صحيح فلا تعنينا هذه الناحية من البحث.
وهذه الآية تأمر المؤمنات بإخفاء الزينة كلها سواء أردنا بالزينة الزينة الخلقية من الوجه والعينين، والأنف والشفتين، والشعر والخدين،
والأذنين والصدغين، وغيرها من جسد المرأة وأعضائها، أو أردنا الزينة
المكتسبة، من السوار والخاتم، والخضاب والكحل، والفتخ والقلب،
والدملج والقرط، والإكليل والثوب المبرقش وغيرها.
إن هذه الآية تأمر بإخفاء هذه الزين كلها لا تستثني منها زينة من زينة (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) ، و (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) مبهم لم يفسره الكتاب والسنة
بل تركاه على إبهامه، وقام الصحابة والتابعون والعلماء المفسرون برفع هذا الإبهام، ولا شك أنهم لو أجمعوا على شيء لكان فيه غنى وكفاية، ولكان ذلك رافعا للإبهام، والنزاع معا، ولكن شاء الله أن لا يرتفع هذا الإِبهام رحمة بهذه الأمة، فاضطربت أقوالهم وتخالفت، حتى استحقت أن نتركها على حالها ونرجع إلى الله ورسوله، فلما رجعنا إلى الله ورسوله وجدنا الإِبهام باقيا على حاله، وستعرف أن بقاءه خير، ولنبحث الآن عن ناحية أخرى.
стр. 1219
إن الله تعالى حينما نهى إبداء الزينة أسند الفعل إلى النساء، وجاء به متعديَا، لكنه حينما استثنى لم يقل "إلا ما أظهرن منها"، بل قال: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فعدل الفعل عن التعدي إلى اللزوم ولم يسنده إلى النساء،
ومقتضى هذا أن المرأة مأمورة بإخفاء الزينة مطلقا، وليست مخيرة في إبداء شيء منها، نعم! إنها إذا التزمت بالإخفاء، وتقيدت به، ثم ظهر من تلك الزينة شيء من غير أن تقصر وتفرط في الإخفاء، ومن غير أن تقصد وتتعمد الإِبداء، فإنها لا تعاتب عليه ولا تؤاخذ به عند الله، هذا هو المفهوم من سياق هذه الآية، وهذا الذي يقتضيه نظم الكلام.
ومن هنا يعرف أن كل زينة يمكن للمرأة إخفاؤها فهي مأمورة بإخفائها، سواء كان الوجه والكفان أو الكحل والخاتم والسواران، وأنها لو قصرت في إخفاء مثل هذه الزينة، وكشفتها تعمدًا تؤاخذ عليها، وأن كل زينة لا يمكن إخفاؤها- مثل الثياب الظاهرة- أو يمكن إخفاؤها
ولكنها انكشفت من غير أن تتعمد المرأة لكشفها أو تشعر بانكشافها، فإنها
لا تؤاخذ عليها، ولا تستحق عتابًا ما، كما أنها لا تؤاخذ ولا تعاتب إذا كشفتها عمدا- لأجل حاجة أو مصلحة ألجأتها إلى كشفها، فكأن المرأة لم تباشر ولم تتعمد كشفها، وإنما الحاجة أو المصلحة هي التي كشفتها، فلا
عتاب على المرأة، فقوله تعالى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) في معنى قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)
والحاصل أن الزينة نوعان، نوع يمكن إخفاؤها، فالمرأة مأمورة بإخفاء هذا النوع من الزينة مهما كانت، ونوع لا يمكن إخفاؤها، أو يمكن ولكنها تنكشف من غير أن تتعمد المرأة كشفها، أو تعتري حاجه تلجئ المرأة إلى إبدائهما، فهذا النوع هو المراد بقوله تعالى: (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) والمرأة لا تؤاخذ على ظهور هذا النوع من زينتها، ولما كان هذا النوع من الزينة يختلف باختلاف الظروف والحاجات والمصالح، ولا يمكن تحديدها بحد معين لا يقبل الزيادة والنقصان تركها الله ورسوله على إبهامها تيسيرا
стр. 1220
لهذه الأمة واجتنابَا عن التضييق عليها.
ويضرب لذلك مثلا بالثياب الظاهرة، أو ما انكشفت من أعضائها لأجل تيار الهواء من غير قصد منها، والنظر إلى المخطوبة قبل النكاح، أو كشف المرأة بعض أعضائها أمام الطبيب لدفع الحرج، أو كشفها للوجه والكفين أمام الشاهد، هذه وأمثالها من الصور، التي تلتجئ المرأة فيها إلى كشف أعضائها التي أمرت بسترها إجماعَا، ولا عتاب عليها في تلك
الصور، فإن كل ذلك مما ظهر من زينتها من غير أن تبديها بخيارها.
ومن هنا يظهر أن تحديد (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) في الوجه والكفين أو الخاتم والسوارين أو الكحل والخضاب وأمثالها لا يصح، بل الصحيح هو تركه على إبهامه وعمومه، وأنه شامل لجميع جسد المرأة حسب الحاجة والظروف، وأن الذين حددوه في مقدار معين فقد وقعوا في التفريط، ولكنهم بجنب هذا التفريط وقعوا في الإفراط، فإنهم أباحوا لها أن تبدي هذا القدر مطلقا، سواء دعت الحاجة إلى كشفها أم لا، مع أن الله لم يخيرهن في إبداء شيء من الزينة، وإنما عفا عنهن ما ظهر منها بنفسها.
وإذا تحقق معنى هذه الآية فليكن على ذكر من القارئ الكريم أن قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ) مضارع في معنى النهي، والنهي للتحريم، وإذا وقع النهي بصيغة المضارع يكون آكد في التحريم، فالآية صريحة في أن إبداء الزينة حرام على المرأة، فهي دليل على وجوب الحجاب، وأن الوجه والكفين داخلان فيه.
والذين يستدلون بهذه الآية على جواز كشف الوجه والكفين لم أر لهم شيئا يروي الغليل ويشفي العليل، وإنما جل ما يتوكئون عليه هو صرف الآية عن معناها المنصوص إلى غيره مستدلا بقول ابن عباس وأصحابه، وقول ابن عباس يأبى عما ينحلون إليه.
وذلك لأن ابن عباس وعدة من أصحابه فسروا إدناء الجلباب بتغطية الوجه، ولم يكن يخفى عليهم أنهم يفسرون أمرا من أوامر الله تعالى، وأن
стр. 1221
أمره تعالى للوجوب، وأن الله أوجب ذلك لإقامة التمييز بين الحرة والأمة، فلا يمكن صرفه عن الوجوب إلى الاستحباب، وإلا يفوت الغرض المطلوب والهدف المنشود، فهل يا ترى أنهم تناقضوا أنفسهم فقالوا بوجوب ستر الوجه، وقالوا بجواز كشفها مطلقَا؟ لا، بل يستأنس من قول ابن عباس أنه يرى جواز الكشف لأجِل الضرورة، فقد روى ابن جرير عنه في قوله: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) ؛ قال: والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم، فهذا تظهره في بيتها لمن دخل من الناس عليها "تفسير ابن جرير" (١٨/٨٣، ٨٤) .
فابن عباس لا يفتي بجواز كشف الوجه واليدين مطلقًا، وإنما يفتي بجواز كشفهما عند من دخل عليها في البيت، ثم المراد بالداخلين في البيت إما أن يكون حق أقاربها من ليس بمحرم لها، مثل أبناء عمها وعمتها وخالها وخالتها ومثل أحمائها، فإن هؤلاء يكثر دخولهم في البيت، فابن عباس يرى في التستر عنهم مشقة وحرجا، ويستنبط جواز كشف الوجه والكفين أمامهم من قوله: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فكأن المرأة ليست هي التي أبدت الزينة أمامهم بل المشقة هي التي أظهرتها، وإما أن يكون المراد بالداخل في البيت كل من دخل في البيت مطلقَا بعد الإذن، وبالجملة فتقييد الجواز بالبيت يفيد أن ابن عباس يرى اشتغال المرأة بمهنتها في بيتها، من الحوائج التي تبيح لها كشف الوجه أما الأجانب، فهو يرى الجواز في حالة خاصة، وهو ينبئ عن
عدم الجواز في عامة الأحوال، فانظر أين قوله هذا من الذين يميلون إلى السفور، ويزعمون أن ابن عباس هو إمامهم في هذا (١) اهـ.
* أما العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي فقد قال بعد أن ذكر ما أثر عن السلف في تفسير قوله تعالى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) :
стр. 1222
"وقد رأيت في هذه النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال كما ذكرنا:
الأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليها برؤية شيء من بدنها كقول ابن مسعود ﵁، ومن وافقه: إنها ظاهر الثياب، لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهى ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى.
وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.
القول الثاني: أن المراد بالزينة، ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم برؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل ونحو ذلك، لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملامس له من البدن كما لا يخفى.
القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها لقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان- وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم.
وإذا عرفت هذا فاعلم؛ أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول (١) ، وقدمنا أيضا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في محل النزاع، لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في
стр. 1223
الترجمة (١)
وإذا عرفت ذلك فاعلم؛ أن هذين النوعين من أنواع البيان اللذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية التي نحن بصددها.
أما الأول منها: فبيانه أن قول من قال في معنى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أن المراد بالزينة: الوجه والكفان مثلَا، توجد في الآية
قرينهّ تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلي والحلل، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.
وأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادَا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) وقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) وقوله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا) وقوله تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) وقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) الآية وقوله تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) الآية وقوله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية، وقوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ)
الآية، وقوله تعالى: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) ، وقوله تعالى عن قوم موسى: (وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) الآية وقوله
стр. 1224
تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)
فلفظ الزينة فى هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته كما ترى وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب كقول
الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطِلن فهن خيرُ عواطلِ
وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر.
وإذا علمت أن المراد بالزينة فى القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة وأن من فسرها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين: فقال بعضهم: هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة كظاهر
الثياب، وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة كالكحل والخضاب ونحو ذلك.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له:
أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود ﵁ أن الزينة الظاهرة: هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر، لأنه هو أحوط الأقوال وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء، ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها كما هو معلوم والجاري على قواعد الشرع الكريم هو تمام المحافظة والابتعاد عن الوقوع فيما لا ينبغي (١) اهـ.
стр. 1225
* وقال الشيخ أبو الأعلى المودودي ﵀ رحمة واسعة:
"وأما قوله تعالى: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فقد جعلت البيانات المختلفة في كتب التفسير مفهوم هذه الآية مغلقا إلى حد عظيم، وإلا فإن هذه الآية واضحة جدا لا خفاء فيها ولا إبهام، فإذا قيل في الجملة الأولى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) أي: لا يظهرن محاسن ملابسهن وحليهن ووجوههن وأيديهن وسائر أعضاء أجسادهن، استثنى من هذا الحكم العام بكلمة (إلا) في جملة (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي: ما كان ظاهرا لا يمكن إخفاؤه أو هو ظهر بدون قصد الإِظهار من هذه الزينة، وهذه الجملة تدل على أن النساء لا يجوز لهن أن يتعمدن إظهار هذه الزينة، غير أن ما ظهر منها بدون قصد منهن- كأن يخف الرداء لهبوب الريح وتنكشف بعض الزينة مثلا - أو ما كان ظاهرا بنفسه لا يمكن إخفاؤه، كالرداء التي تجلل به النساء ملابسهن، لأنه لا يمكن إخفاؤه وهو مما يستجلب النظر لكونه على بدن المرأة على كل حال- فلا مؤاخذة عليه من الله تعالى.
وهذا هو المعنى الذي بينه عبد الله بن مسعود، والحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي لهذه الآية، وعلى العكس من ذلك قال غيرهم من المفسرين: إن معنى مَا ظَهَرَ مِنهَا ما يظهره الإنسان على العادة الجارية، ثم هم يدخلون فيه وجه المرأة وكفيها بكل ما عليها من الزينة، أي أنه يصح عندهم أن تزين المرأة وجهها بالكحل والمسحق والصبغ ويديها بالحناء والخاتم والحلق والأسورة ثم تمشي في الناس كاشفة وجهها وكفيها وهذا المعنى للآية مروي عن عبد الله بن عباس ﵄
وتلامذته، وإليه ذهبت طائفة كبيرة من فقهاء الحنفية.
وأما نحن فنكاد نعجز عن أن نفهم بأي قاعدة من قواعد اللغة يجوز أن يكون معنى (مَا ظَهَرَ) : "ما يظهره الإنسانُ" فإن الفرق بين "أن يظهر الشيء بنفسه" و"أن يظهره الإنسان بقصده" واضح لا يكاد يخفى على
стр. 1226
أحد، والظاهر من الآية أن القرآن ينهى عن إبداء الزينة ويرخص فيما إذا ظهرت من غير قصد، فالتوسع في هذه الرخصة إلى حد "إظهارها عمدا" مخالف للقرآن، ومخالف للروايات التي يثبت بها أن النساء في عهد النبي ﷺ ما كن يبرزن إن الأجانب سافرات الوجوه، وأن الأمر بالحجاب كان شاملًا للوجه، وكان النقاب قد جعل جزءًا من لباس النساء إلا في
الإِحرام.
وأدعى إلى العجب أن هؤلاء الذي يبيحون للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها للأجانب يستدلون على ذلك بأن الوجه والكفين من المرأة ليسا
بعورة مع أن الفرق كبير جدًّا بين الحجاب وستر العورة، فالعورة ما لا
يجوز كشفه حتى للمحارم من الرجال، وأما الحجاب فهو شيء فوق ستر العورة وهو ما حيل به بين النساء والأجانب من الرجال، وإن موضوع
البحث في هذه الآية هو الحجاب لا ستر العورة" (١) اهـ.
* وقال الشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي ﵀:
وزينة الوجه هي أكبر الزينة التي نهين عن إبدائها لأجنبي وكشفها، كما
أمر الرجال أن يغضوا أبصارهم عنها وعن كل محرم، ولهذا ما أحد ينظر إلى شيء من المرأة قبل وجهها لما جعل الله عليه الناس من تفضيل زينته وحسنه على كل زينة فيها، والله لم يخاطب الناس إلا بما يعقلون بفطرتهم، وما جرت به عادتهم ودلت عليه لغتهم، وليس من المعقول ولا من حكمة الله ولا دينه الذي أنزله رحمة وهداية وصيانة للأعراض والفضائل، وسياجا لها أن يحرم الزنا ووسائله، ويعظم عقوبته، ثم يبيح للنساء أن يكشفن وجوههن بين الرجال الأجانب، ويسفرن بها، ويتبرجن في الطرقات، لا مرية أن هذا أكبر دواعي الزنا وأسبابه، وهتك الأعراض،
стр. 1227
والضرر بالرجال الذين جبلهم على الميل إلى زينة وجه المرأة وحسنه والمغالاة في المهر لأجله" (١) اهـ محل الغرض منه.
* وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀:
"إن الله تعالى نهى عن إبداء الزينة مطلقا إلا ما ظهر منها، وهي التي
لابد أن تظهر كظاهر الثياب، ولذلك قال: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) ، لم
يقل: إلا ما أظهرن منها، ثم نهى مرة أخرى عن إبداء الزينة إلا لمن استثناهم فدل هذا على أن الزينة الثانية غير الزينة الأولى، فالزينة الأولى هي الزينة الظاهرة التي تظهر لكل أحد، ولا يمكن إخفاؤها، والزينة الثانية هي الزينة الباطنة التي يتزين بها، ولو كانت هذه الزينة جائزة لكل أحد لم يكن للتعميم في الأولى والاستثناء في الثانية فائدة معلومة.
٤- أن الله تعالى يرخص بإبداء الزينة الباطنة للتابعين غير أولى الإربة
من الرجال، وهم الخدم الذين لا شهوة لهم، وللطفل الصغير الذي لم يبلغ الشهوة، ولم يطلع على عورات النساء، فدل هذا على أمرين:
أحدهما: أن إبداء الزينة الباطنة لا يحل لأحد من الأجانب إلا لهذين الصنفين.
الثاني: أن علة الحكم ومداره على خوف الفتنة بالمرأة والتعلق بها، ولا ريب أن الوجه مجمع الحسن وموضع الفتنة، فيكون ستره واجبَا لئلا يفتتن به أولو الإربة من الرجال، (٢) اهـ.
* وقال الدكتور محمد فؤاد البرازي- حفظه الله-:
لو كان المعنى بـ (مَا ظَهَرَ) الوجه والكفين، بمعنى أن العادة فيهما أنهما لا يُستران. بل يبرزان، لكان الملائم مقامًا في التعبير أن يكون: "إلا
стр. 1228
الظاهر منها"، وإنما قال النص: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فأشار إلى حصول ذلك عفوًا، ودون قصد حيث أسند الظهور إلى الشيء، لا إلى فاعله" (١) .
وقال أيضًا: ولا نرتاب في أن بعض السلف الذين فسروا: (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالوجه والكفين يشترطون مع ذلك أمن الفتنة، وإلا فهل يجيز واحد منهم لامرأة كشف وجهها - في مثل هذا الزمان أمام الرجال، وفيهم الفسقة لصوص الأعراض الذين يتشببون بمحاسن النساء، ويذرعون الطرقات بحثَا عنهن، والفتنة في هذا غالبة، إن لم نقل متحققة" (٢) اهـ.
* وقال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله تعالى:
قوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) الآية،
إن دلالة هذه الآية على الحجاب قوية إذ تضمنت الأمر بغض، البصر وحفظ الفرج، فحفظ الفرج لا يتم إلا بغض البصر، وغض البصر لا يتم إلا بالحجاب التام، وتقدم لنا في هذا الباب أن غض البصر يتأتى لأحد الجنسين وكلاهما مأمور به إذا لم يكن هنا اختلاط، أو مع الاختلاط فلا يتأتى، وليس في إمكان أي مؤمن أو مؤمنة أن يطيع ربه في هذا الأمر بحال.
ومن هنا كان مدلول كلمة الحجاب ليس هو أن تغطي المرأة محاسنها فحسب، بل مدلوله الحق هو أن يكون هناك حاجب وحاجز يحول دون اختلاط النساء بالرجال والرجال بالنساء، وعندئذ يمكن غض البصر وحفظ الفرج، ولما كان خروج المرأة ضروريا لما يطرأ لها من أمور تستدعي
стр. 1229
خروجها، أذن لها في الخروج ولكن غير مبدية لزينتها بل ساترة لها إلا ما لا يمكن ستره كعين تبصر بها، أو كف تتناول به أو ثياب عليها، وهذا معنى الاستثناء في الآية (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) وبه فسره غير واحد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم" (١) اهـ.
الدليل الخامس
قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) .
وهذا يتضمن أمر النساء بتغطية وجوههن ورقابهن، وبيان ذلك أن المرأة إذا كانت مأمورة بسدل الخمار من رأسها على جيبها لتستر صدرها فهي مأمورة ضمنًا بستر ما بين الرأس والصدر وهما الوجه والرقبة، وإنما لم يُذكر هاهنا للعلم بأن سدل الخمار إلى أن يضرب على الجيب لابد أن يغطيهما.
قد يطلق الاختمار لغة على تغطية الوجه
قال بعضهم في وصف امرأة بالجمال وهي مخمرة وجهها:
قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقي المذهب
نور الخمار ونور خدك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهبَ
* قال الألباني:
فقد وصفها - يعني المليحة - بأن خمارها كان على وجهها أيضا (٢) اهـ.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
الخمر التي تغطى الرأس والوجة والعنق، والجلابيب التي تسدل من
стр. 1230
فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان (١) اهـ.
* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف حفظه الله:
قال تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) قد أمر الله ﵎ المرأة بعدم إبداء شيء من زينتها إلا ما ظهر منها عن غير قصد الفتنة، ثم أراد - جل ذكره - أن يعلمها كيف تحيط مواضع الزينة بلف الخمار الذي تضعه على رأسها فقال: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ) يعني من الرأس وأعالي الوجه (عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يعني الصدور حتى تكون بذلك قد حفظت الرأس وما حوى، والصدر وما تحته، وما بين ذلك من الرقبة وما حولها، لتضمن المرأة بذلك ستر الزينة الأصلية والفرعية، فمن استثنى شيئًا من تلك المنطقة المحرمة بنص القرآن العزيز، فعليه الدليل الذي يخصص هذا، ويحدد المستثنى، وهذا غير ممكن قطعًا، لأنه يحتاج إلى نص صريح من القرآن العزيز، أو من السنة المطهرة، وأنَّى لأولئك الذي قد استثنوا الوجه من تلك المنطقة بالأمور الظنية أن يأتوا بالدليل القطعي؟ ويشهد لما قلناه من تحريم خروج الزينة الأصلية والمنقولة فعل رسول الله ﷺ بزوجته صفية، وفعل أمهات المؤمنين، وفعل نساء المؤمنات في عهد رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية، وآية الأحزاب، من الستر الكامل بالخمر والجلابيب (٢) اهـ.