أحد، والظاهر من الآية أن القرآن ينهى عن إبداء الزينة ويرخص فيما إذا ظهرت من غير قصد، فالتوسع في هذه الرخصة إلى حد "إظهارها عمدا" مخالف للقرآن، ومخالف للروايات التي يثبت بها أن النساء في عهد النبي ﷺ ما كن يبرزن إن الأجانب سافرات الوجوه، وأن الأمر بالحجاب كان شاملًا للوجه، وكان النقاب قد جعل جزءًا من لباس النساء إلا في
الإِحرام.
وأدعى إلى العجب أن هؤلاء الذي يبيحون للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها للأجانب يستدلون على ذلك بأن الوجه والكفين من المرأة ليسا
بعورة مع أن الفرق كبير جدًّا بين الحجاب وستر العورة، فالعورة ما لا
يجوز كشفه حتى للمحارم من الرجال، وأما الحجاب فهو شيء فوق ستر العورة وهو ما حيل به بين النساء والأجانب من الرجال، وإن موضوع
البحث في هذه الآية هو الحجاب لا ستر العورة" (١) اهـ.
* وقال الشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي ﵀:
وزينة الوجه هي أكبر الزينة التي نهين عن إبدائها لأجنبي وكشفها، كما
أمر الرجال أن يغضوا أبصارهم عنها وعن كل محرم، ولهذا ما أحد ينظر إلى شيء من المرأة قبل وجهها لما جعل الله عليه الناس من تفضيل زينته وحسنه على كل زينة فيها، والله لم يخاطب الناس إلا بما يعقلون بفطرتهم، وما جرت به عادتهم ودلت عليه لغتهم، وليس من المعقول ولا من حكمة الله ولا دينه الذي أنزله رحمة وهداية وصيانة للأعراض والفضائل، وسياجا لها أن يحرم الزنا ووسائله، ويعظم عقوبته، ثم يبيح للنساء أن يكشفن وجوههن بين الرجال الأجانب، ويسفرن بها، ويتبرجن في الطرقات، لا مرية أن هذا أكبر دواعي الزنا وأسبابه، وهتك الأعراض،
стр. 1227
والضرر بالرجال الذين جبلهم على الميل إلى زينة وجه المرأة وحسنه والمغالاة في المهر لأجله" (١) اهـ محل الغرض منه.
* وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀:
"إن الله تعالى نهى عن إبداء الزينة مطلقا إلا ما ظهر منها، وهي التي
لابد أن تظهر كظاهر الثياب، ولذلك قال: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) ، لم
يقل: إلا ما أظهرن منها، ثم نهى مرة أخرى عن إبداء الزينة إلا لمن استثناهم فدل هذا على أن الزينة الثانية غير الزينة الأولى، فالزينة الأولى هي الزينة الظاهرة التي تظهر لكل أحد، ولا يمكن إخفاؤها، والزينة الثانية هي الزينة الباطنة التي يتزين بها، ولو كانت هذه الزينة جائزة لكل أحد لم يكن للتعميم في الأولى والاستثناء في الثانية فائدة معلومة.
٤- أن الله تعالى يرخص بإبداء الزينة الباطنة للتابعين غير أولى الإربة
من الرجال، وهم الخدم الذين لا شهوة لهم، وللطفل الصغير الذي لم يبلغ الشهوة، ولم يطلع على عورات النساء، فدل هذا على أمرين:
أحدهما: أن إبداء الزينة الباطنة لا يحل لأحد من الأجانب إلا لهذين الصنفين.
الثاني: أن علة الحكم ومداره على خوف الفتنة بالمرأة والتعلق بها، ولا ريب أن الوجه مجمع الحسن وموضع الفتنة، فيكون ستره واجبَا لئلا يفتتن به أولو الإربة من الرجال، (٢) اهـ.
* وقال الدكتور محمد فؤاد البرازي- حفظه الله-:
لو كان المعنى بـ (مَا ظَهَرَ) الوجه والكفين، بمعنى أن العادة فيهما أنهما لا يُستران. بل يبرزان، لكان الملائم مقامًا في التعبير أن يكون: "إلا
стр. 1228
الظاهر منها"، وإنما قال النص: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فأشار إلى حصول ذلك عفوًا، ودون قصد حيث أسند الظهور إلى الشيء، لا إلى فاعله" (١) .
وقال أيضًا: ولا نرتاب في أن بعض السلف الذين فسروا: (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالوجه والكفين يشترطون مع ذلك أمن الفتنة، وإلا فهل يجيز واحد منهم لامرأة كشف وجهها - في مثل هذا الزمان أمام الرجال، وفيهم الفسقة لصوص الأعراض الذين يتشببون بمحاسن النساء، ويذرعون الطرقات بحثَا عنهن، والفتنة في هذا غالبة، إن لم نقل متحققة" (٢) اهـ.
* وقال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله تعالى:
قوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) الآية،
إن دلالة هذه الآية على الحجاب قوية إذ تضمنت الأمر بغض، البصر وحفظ الفرج، فحفظ الفرج لا يتم إلا بغض البصر، وغض البصر لا يتم إلا بالحجاب التام، وتقدم لنا في هذا الباب أن غض البصر يتأتى لأحد الجنسين وكلاهما مأمور به إذا لم يكن هنا اختلاط، أو مع الاختلاط فلا يتأتى، وليس في إمكان أي مؤمن أو مؤمنة أن يطيع ربه في هذا الأمر بحال.
ومن هنا كان مدلول كلمة الحجاب ليس هو أن تغطي المرأة محاسنها فحسب، بل مدلوله الحق هو أن يكون هناك حاجب وحاجز يحول دون اختلاط النساء بالرجال والرجال بالنساء، وعندئذ يمكن غض البصر وحفظ الفرج، ولما كان خروج المرأة ضروريا لما يطرأ لها من أمور تستدعي
стр. 1229
خروجها، أذن لها في الخروج ولكن غير مبدية لزينتها بل ساترة لها إلا ما لا يمكن ستره كعين تبصر بها، أو كف تتناول به أو ثياب عليها، وهذا معنى الاستثناء في الآية (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) وبه فسره غير واحد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم" (١) اهـ.
الدليل الخامس
قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) .
وهذا يتضمن أمر النساء بتغطية وجوههن ورقابهن، وبيان ذلك أن المرأة إذا كانت مأمورة بسدل الخمار من رأسها على جيبها لتستر صدرها فهي مأمورة ضمنًا بستر ما بين الرأس والصدر وهما الوجه والرقبة، وإنما لم يُذكر هاهنا للعلم بأن سدل الخمار إلى أن يضرب على الجيب لابد أن يغطيهما.
قد يطلق الاختمار لغة على تغطية الوجه
قال بعضهم في وصف امرأة بالجمال وهي مخمرة وجهها:
قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقي المذهب
نور الخمار ونور خدك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهبَ
* قال الألباني:
فقد وصفها - يعني المليحة - بأن خمارها كان على وجهها أيضا (٢) اهـ.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
الخمر التي تغطى الرأس والوجة والعنق، والجلابيب التي تسدل من
стр. 1230
فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان (١) اهـ.
* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف حفظه الله:
قال تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) قد أمر الله ﵎ المرأة بعدم إبداء شيء من زينتها إلا ما ظهر منها عن غير قصد الفتنة، ثم أراد - جل ذكره - أن يعلمها كيف تحيط مواضع الزينة بلف الخمار الذي تضعه على رأسها فقال: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ) يعني من الرأس وأعالي الوجه (عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يعني الصدور حتى تكون بذلك قد حفظت الرأس وما حوى، والصدر وما تحته، وما بين ذلك من الرقبة وما حولها، لتضمن المرأة بذلك ستر الزينة الأصلية والفرعية، فمن استثنى شيئًا من تلك المنطقة المحرمة بنص القرآن العزيز، فعليه الدليل الذي يخصص هذا، ويحدد المستثنى، وهذا غير ممكن قطعًا، لأنه يحتاج إلى نص صريح من القرآن العزيز، أو من السنة المطهرة، وأنَّى لأولئك الذي قد استثنوا الوجه من تلك المنطقة بالأمور الظنية أن يأتوا بالدليل القطعي؟ ويشهد لما قلناه من تحريم خروج الزينة الأصلية والمنقولة فعل رسول الله ﷺ بزوجته صفية، وفعل أمهات المؤمنين، وفعل نساء المؤمنات في عهد رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية، وآية الأحزاب، من الستر الكامل بالخمر والجلابيب (٢) اهـ.
стр. 1231
* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف أيضا:
"قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) صريح في إدناء الخمار من
الرأس إلى الصدر، لأن الوجه من الرأس الذي يجب تخميره عقلا وشرعًا وعرفا، ولا يوجد أي دليل يدل على إخراج الوجه من مسمى الرأس في لغة العرب، كما لم يأت نص على إخراجه أو استثنائه بمنطوق القرآن والسنة ولا بمفهومهما، واستثناء بعضهم له، ونفيهم بأنه غير مقصود في عموم التخمير مردود بالمفهوم الشرعي واللغوي ومغمور بأقوال بقية علماء السلف والخلف، كما هو مردود بقاعدتين اصطلح عليهما رجال الفقه في السنة.
الأولى: أن حجة الأثبات مقدمة على حجة النفي.
والثانية: أنه إذا تعارض مبيح وحاظر قدم الحاظر على المبيح.
الموضع الثالث: آية الحجاب في سورة الأحزاب فهي صريحة في تخمير الوجه لأنه - عنوان المعرفة". اهـ (١)
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
"قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فإن الخمار ما تخمر به المرأة رأسها وتغطية بها كالغدقة (٢) ، فإذا كانت مأمورة بأن تضرب بالخمار على
جيبها كانت مأمورة بستر وجهها إما لأنه من لازم ذلك أو بالقياس، فإنه إذا وجب ستر النحر والصدر كان وجوب ستر الوجه من باب أولى لأنه موضع الجمال والفتنة، فإن الناس الذين يتطلبون جمال الصورة لا يسألون إلا عن الوجه، فإذا كان جميلًا لم ينظروا إلى ما سواه نظرا ذا أهمية، ولذلك إذا قالوا: "فلانة جميلة" لم يفهم من هذا الكلام إلا جمال الوجه،
стр. 1232
فتبين أن الوجه هو موضع الجمال طلبَا وخبرا، فإذا كان كذلك فكيف يفهم أن هذه الشريعة الحكيمة تأمر بستر الصدر والنحر، ثم ترخص في كشف الوجه" اهـ (١) .
" وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:
"قال البخاري ﵀ في "صحيحه": باب "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي، عن يونس، قال ابن شهاب
عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "يرحم الله نساء المهاجرات
الأول، لما أنزل الله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شققن مروطهن فاختمرن بها" (٢) .
حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن
صفية بنت شيبة أن عائشة ﵂ كانت تقول: "لما نزلت هذه الآية (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي
فاختمرن به" اهـ. من صحيح البخارى.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في "الفتح" في شرح هذا الحديث: "قوله: (فاختمرن) أي غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع، قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار".
وقال الحافظ أيضَا في كتاب (الأشربة) في أثناء تعريف الخَمر: ومنه خمار
стр. 1233
المرأة لأنه يستر وجهها" اهـ.
* قال الشنقيطي ﵀ في حديث عائشه هذا:
"وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يقتضي ستر
وجوههن، وأنهن شققن أزُرَهن فاختمرن أي سترن وجوههن بها امتثالًا لأمر الله في قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) المقتضي ستر
وجوههن.
وبهذا يتحقق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسرة لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة ﵂ على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر الله في كتابه، ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) إلا من النبي ﷺ لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، والله جل وعلا يقول: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن" اهـ من "أضواء البيان".
وقد روي ابن أبي حاتم من حديث صفية بنت شيبة قالت: بينما نحن عند عائشة قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: "إن لنساء قريش لفضلًا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة
النور: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرطِها المرحل فاعتجرت به تصديقا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات (١)
стр. 1234
كأن على رؤوسهن الغِرْبان"
ومعنى معتجرات: مختمرات كما جاء موضحَا في رواية البخاري المذكورة أنفًا، والاعتجار: هو لَف الخمار على الرأس مع تغطية الوجه. قال ابن الأثير: "وفي حديث عُبيد الله بن عدي بن الخيار: جاء وهو معتجر بعمامته ما يَرى وحشي منه إلا عينيه ورجليه، الاعتجار بالعمامة هو أن يلفها على رأسه وَيرُدّ طرَفَها على وجهه ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه" اهـ.
* قال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:
"فترى عائشة ﵂ مع علمها وفهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرحت بأنها ما رأت أشدَّ منهن تصديقًا بكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل، وهو دليل واضح على أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) من تصديقهن بكتاب الله وإيمانهن بتنزيله (١) ، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى.
فالعجب كل العجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيمانا بتنزيله، ومعنى هذا
стр. 1235
ثابت في الصحيح كما تقدم عن البخاري، وهذا من أعظم الأدلة
وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى" (١) اهـ.
الدليل السادس
قوله تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)
* وقال الشيخ أبو بكر الجزائري:
قوله تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) إن دلالة هذه الآية على الحجاب الكامل أظهر وأقوى من الآيات السابقة، وذلك لأن إثارة الفتنة بسماع صوت الخلخال في الرجل إذا ضربت المرأة برجلها وهي تمشي أقل بكثير من فتنة النظر إلى وجهها وسماع حديثها، فإذا حرم الله تعالى بهذه الآية على المرأة أن تضرب الأرض برجلها خشية أن يسمع صوت حليها فيفتن به سامعه كان تحريم النظر إلى وجهها- وهو محط محاسنها- أولى وأشد حرمة" (٢) اهـ.
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
"قوله تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) يعني: لا تضرب المرأة برجلها فيعلم ما تخفيه من الخلاخيل ونحوها مما تتحلى به للرجل، فإذا كانت المرأة منهية عن الضرب بالأرجل خوفا من افتتان الرجل بما يسمع من صوت خلخالها ونحوه فكيف بكشف الوجه.
فأيما أعظم فتنة أن يسمع الرجل خلخالا بقدم المرأة لا يدري ما هي وما جمالها لا يدري أشابة هي أم عجوز، ولا يدري أشوهاء هي أم حسناء، أيما أعظم فتنة هذا أو أن ينظر إلى وجه سافر جميل ممتلئ شبابَا
стр. 1236
ونضارة وحسنا وجمالا وتجميلا بما يجلب الفتنة، ويدعوا إلى النظر إليها؟ إنَّ كل إنسان له إربة في النساء ليعلم أي الفتنتين أعظم وأحق بالستر والإِخفاء" (١) .
* وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف:
قوله تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) يؤخذ من هذا أن الله تعالى حرَّم على المرأة ما يدعو إلى الفتنة، حتى بالحركة والصوت، وهذا غاية في تأديب المسلمة، ومبالغة في حفظ كرامتها، ودفع الشر عنها، فلو كان شيء أخفى من هذا لذكره جل شأنه توجيهَا للمرأة المسلمة وتعليمًا لها، فما أكرمها على الله حيث تمتثل أوامره، وتعمل بأحكامه، وما أنقصها وأفسدها لما وهبها حينما تخالف أمره، ومن هذه النبذة يظهر لنا ملموسًا - كما يظهر للناس جميعًا - أن المرأة حينما تكون متحجبة ساترة لمواضع زينتها، فإن جِبلة الرجل تتوق إلى النظر لأدنى شيء يبدو منها، فهي قد احتفظت بنور يعترفه كل أحد تحت هذه الحجب.
بخلاف المرأة السافرة التي قد بذلت مواهبها الأصليه والمكتسبة للناظرين، فكل مبذول ممتهن، وقد نزع الله تعالى منها النور الذي يهبه لمن أطاعه واتقاه، فلو علمت المرأة السافرة والمتبرجة، ومن بذلت نفسها ممتهنة للسوقة والأنذال ما تحت هذا الخمار من النور والكرامة لسارعت إليه، فسبحان من له في خلقه شؤون!.
فالله أدَّب من أطاعه من النساء، ووجههن أكمل توجيه، وعلمهن من العلم النافع ما يكنَّ به عضوا نافعًا في المجتمعات
الإنسانية، وأما صالحة كريمة. . .
стр. 1237
ومن أجل ذلك جاء القرآن العزيز بتوجيهها التوجيه الذي يحبه الله ويرضاه، فبدأها في هذه الآية بأعلى ما فيها وأفضله، وهو الرأس، وختمهما بأسفل ما فيها وأدناه، وهي الأرجل، فيؤخذ من هذا أن المرأة عورة، حرام عليها أن يظهر من بدنها أي شيء يراه الرجال الأجانب منها، حتى ما وضعته على سبيل التجمل، سواء في ذلك ما كان ظاهرًا أو خفيا من الرأس حتى القدم" (١) اهـ.
* وقال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀:
قوله تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) وهذا يدل
على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أيضا، وإلا استطاعت إحداهن أن تبدي ما تخفي من الزينة، وهي الخلاخيل، ولاستغنت بذلك عن الضرب بالرجل، ولكنها كانت لا تستطيع ذلك، لأنه مخالفة للشرع مكشوفة، ومثل هذه المخالفة لم تكن معهودة في عصر الرسالة، ولذلك كانت إحداهن تحتال بالضرب بالرجل لتُعْلِم الرجال ما تخفي من الزينة، فنهاهن الله عن ذلك" (٢) اهـ.
ونقل عن ابن حزم ﵀ قوله بأن هذا نص على أن الرجلين
والساقين مما يخفى، ولا يحل إبداؤه.
ولا ريب أن الفتنة المتوقعة من كشف الوجه أعظم بكثير وأشد ضراوة
من فتنة كشف القدمين أو الضرب بالأرجل، والله أعلم.
الدليل السابع
قوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ
стр. 1238
سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور: ٦٠]
* قال شيخ المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري - رحمه الله تعالى -:
يقول تعالى ذكره: واللواتي قد قعدن عن الولد من الكبر من النساء،
فلا يحضن، ولا يلدن، واحدتهن قاعد (اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) يقول:
اللاتي قد يئسن من البعولة فلا يطمعن في الأزواج (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) يقول: فليس عليهن حرج، ولا إثم أن يضعن ثيابهن، يعني جلابيبهن، وهي القناع الذي يكون فوق الخمار، والرداء الذي يكون فوق الثياب، لا حرج عليهن أن يضعن ذلك عند المحارم من
الرجال، وغير المحارم من الغرباء، غير متبرجات بزينة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك
حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﵄ قوله: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا)
وهي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار، وتضع عنها
الجلباب، ما لم تتبرج لما يكره الله، وهو قوله: (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) .
ثم قال: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) حُدّثتُ عن الحسين، قال: سمعت
أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) : يعني الجلباب، وهو القناع، وهذا للكبيرة التي قعدت عن الولد، فلا يضرها أن لا تتجلبب فوق الخمار، وأما كل امرأة مسلمة حُرَّة، فعليها إذا بلغت المحيض أن تدني الجلباب على الخمار، وقال الله في سورة الأحزاب: (نَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) اهـ.
стр. 1239
ثم روى بإسناده عن مجاهد قال: (ثِيَابَهُنَّ) : جلابيبهن، وقال ابن زيد: وضع الخمار، وقال ابن مسعود: الجلباب أو الرداء أو الملحفة، إلى أن قال ﵀: وقوله: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) يقول: وإن تعففن عن وضع جلابيبهن وأرديتهن، فيلبسنها خير لهن من أن يضعنها، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ثم ذكر بسنده عن مجاهد قال: أن
يلبسن الجلابيب، وعن الشعبي قال: ترك ذلك، يعني ترك وضع الثياب" (١) اهـ.
* وقال الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله تعالى:
وقوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) الآية قال
ابن مسعود ومجاهد: والقواعد اللاتي لا يرجون نكاحا هي اللاتي لا يردنه، وثيابهن: جلابيبهن، وقال إبراهيم وابن جبير: الرداء، وقال الحسن: الجلباب والمنطق، وعن جابر بن زيد: يضعن الخمار والرداء.
قال أبو بكر: لا خلاف في أن شعر العجوز عورة لا يجوز للأجنبي النظر إليه كشعر الشابة، وأنها إن صلت مكشوفة الرأس كانت كالشابة في فساد صلاتها، فغير جائز أن يكون المراد وضع الخمار بحضرة الأجنبي.
فإن قيل: إنما أباح الله تعالى لها بهذه الآية أن تضع خمارها في الخلوة بحيث لا يراها أحد، قيل له: فإذا لا معنى لتخصيص القواعد بذلك إذ كان للشابة أن تفعل ذلك في خلوة، وفي ذلك دليل على أنه إنما أباح للعجوز وضع ردائها بين يدي الرجال بعد أن تكون مغطاة الرأس، وأباح لها بذلك كشف وجهها ويدها لأنها لا تشتهي، وقال تعالى: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) فأباح لها وضع الجلباب، وأخبر أن الاستعفاف
بأن لا تضع ثيابها أيضًا بين يدي الرجال خير لها" (٢) اهـ.
стр. 1240
* وقال الإمام الفقيه عماد الدين الطبري المعروف بإلكيا الهراس ﵀:
قوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) الآية: عني به الكبيرة السن، وجوز لها أن تضع الرداء واللحاف أو الخمار، قال ابن عباس: المراد به الجلباب من فوق الخمار، ومعلوم أنه غير مجوز لها أن تكشف من بدنها عورة لأنه إن كان حالة الخلوة بنفسها فالعجوز والشابة سواء، وإن كان بين الناس فالواجب حمله على الجلباب وما فوق الخمار لا
نفس الخمار لأن من شأن الجلباب أن يبلغ مع الستر النهاية، ومع الخمار
قد ينكشف من رؤوسهن وأعناقهن بعض التكشف، فأبان الله تعالى أن هذا التحرز ليس وجوبه عليهن كوجوبه على الشابات لأنه ليس في النظر إليهن من خوف الافتتان كما في النظر إلى الشابة، ولذلك قال في آخره: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) (١) اهـ.
* ونقل الإمام محيي السنة البغوي ﵀ في تفسيره "القواعد" عن ربيعة الرأي قال: هُنَّ العُجَّز اللاتي إذا رآهن الرجال استقذروهن، فأما من كانت فيها بقيهَ من جمال، وهي محل الشهوة، فلا تدخل في هذه الآية (٢) اهـ.
* وقال أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي في "تفسيره":
"قوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ. . .) الآية، والمراد بالثياب: الثياب
الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) غير مظهرات زينة، يريد الزينة الخفية التي أرادها في قوله: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا
стр. 1241
احتجن إليه، والاستعفاف من الوضع خير لهن، لما ذكر الجائز عقبه بالمستحب بعثَا منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها كقوله: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) (١) اهـ.
* وقال الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري المالكي رحمه الله تعَالى:
قوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) الآية: قرر الزمخشري هذه الآية على ظاهرها، ويظهر لي - والله أعلم - أن قوله تعالى: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ)
من باب "على لاحب لا يهتدى بمناره" (٢) أي: لا منار فيه فيهتدى به، وكذلك المراد هنا: والقواعد من النساء اللاتي لا زينة لهن فيتبرجن بها لأن
الكلام فيمن هي بهذه المثابة، وكأن الغرض من ذلك أن هؤلاء استعفافهن عن وضع الثياب خير لهن فما ظنك بذوات الزينة من الثياب؟.
стр. 1242
وأبلغ ما في ذلك أنه جعل عدم وضع الثياب في حق القواعد من الاستعفاف إيذانًا بأن وضع الثياب لا مدخل له في العفة، هذا في القواعد
فكيف بالكواعب؟ والله أعلم" (١) اهـ.
* قال الإِمام البيهقي في "سننه":
باب ما جاء في القواعد من النساء:
أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأ أبو بكر بن داسه، ثنا أبو داود، ثنا
أحمد بن محمد المروزي، ثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد
النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) الآية فنسخ واستثنى من ذلك (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) الآية (٢) اهـ.
* وقال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى:
قوله تعالى: (أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) أي: عند الرجال، ويعني بالثياب: الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار، هذا المراد بالثياب لا جميع الثياب (٣) ، (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) أي من غير أن يردن بوضع الحجاب أن تُرى زينتهن، والتبرج: إظهار المرأة محاسنها، (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ) فلا يضعن تلك الثياب (خَيْرٌ لَهُنَّ) .
وقال ابن قتيبة: والعرب تقول: امرأة وأضع إذا كبرت فوضعت الخمار، ولا يكون هذا إلا في الهرمة، قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه
الآية دلالة على أنه يباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال،
وأما شعرها فيحرم النظر إليه كشعر الشابة" اهـ.
стр. 1243
* وقال الرازي في "تفسيره":
لا شبهة أنه تعالى لم يأذن في أن يضعن ثيابهن أجمع لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب هنا الجلباب والبرد والقناع الذي فوق الخمار، وروى عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ (أن يضعن جلابيبهن) وعن السدي عن شيوخه: أن يضعن خمرهن عن
رؤوسهن، وعن بعضهم أنه قرأ (أن يضعن من ثيابهن) وإنما خصهن الله تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن، وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع الثياب، ولذلك قال: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) وإنما جعل ذلك أفضل من حيث هو أبعد من المظنة، وذلك يقتضي أن عند المظنة يلزمهن أن لا يضعن ذلك كما يلزم مثله في الشابة" (١) اهـ.
* وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي ﵀:
قوله تعالى: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) أي: غير مظهرات ولا معترضات بالزينة لينظر إليهن، فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق.
والتبرج: التكشف والظهور للعيون، ومنه بروج مشيدة، وبروج السماء والأسوار؛ أي: لا حائل دونها يسترها، وقيل لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين ما تقولين في الخضاب والصباغ والتمائم والقرطين والخلخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر النساء،
قصتكن قصة امرأة واحدة أحل الله لكُنَّ الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن مُحرما" (٢)(٣) اهـ.
стр. 1244
وعن عاصم الأحول قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا، وتنقبت به، فنقول لها: رحمك الله، قال الله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) : هو الجلباب، قال: فتقول لنا: "أي شيء بعد ذلك؟ " فنقول: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) فتقول: "هو إثبات الحجاب" (١) .
* وقال الشيخ إسماعيل حقي رحمه الله تعالى:
" (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ) عند الرجال (ثِيَابَهُنَّ) أي: الثياب الظاهرة كالجلباب والإزار فوق الثياب والقناع فوق الخمار" (٢) .
وقال أيضَا ﵀. "اعلم أن العجوز إذا كانت حيث لا تشتهى جاز النظر إليها لأمن الشهوة، وفيه إشارة إلى أن الأمور إذا خرجت عن معرض الفتنة، وسكنت نائرة الآفات سهل الأمر وارتفعت الصعوبة وأبيحت الرخص، ولكن التقوى فوق أمر الفتوى كلما أشار إليه قوله تعالى: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) وفي الحديث: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذرَا مما به بأس" (٣) .
стр. 1245
قال ابن سيرين: ما غشيت امرأة قط لا في يقظة ولا في نوم غير أم عبد الله، وإني لأرى المرأة في المنام فأعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري (١) ، قال بعضهم: "ليت عقلي في اليقظة كعقل ابن سيرين في المنام" (٢) اهـ.
* وقال علامة القصيم عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى:
(فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ) أي: حرج وإثم (أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) أي: الثياب الظاهرة كالخمار ونحوه الذي قال الله فيه للنساء (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) فهؤلاء يجوز لهن أن يكشفن وجوههن لأمن المحذور منها وعليها.
ولما كان نفي الحرج عنهن في وضع الثياب ربما تُوهم منه جواز استعمالها لكل شيء دفع هذا الاحتراز بقوله: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) أى: غير مظهرات للناس زينة من تجمل بثياب ظاهرة وتستر وجهها، ومن ضرب الأرض ليعلم ما تخفي من زينتها لأن مجرد الزينة على الأنثى ولو مع تسترها ولو كانت لا تشتهى يفتن فيها ويوقع الناظر إليها في الحرج (٣) اهـ.
* قال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي ﵀:
"وأظهر الأقوال في قوله: (أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) أنه وضع ما يكون فوق الخمار والقميص من الجلابيب التي تكون فوق الخمار والثياب، فقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح لا يرخص لها في وضع شيء من ثيابها ولا الإخلال بشيء من التستر بحضرة الأجانب" (٤) اهـ.
стр. 1246
* وقال العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:
يخبر سبحانه أن القواعد من النساء وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحًا لا جناح عليهن أن يضعن ثيابهن عن وجوههن وأيديهن إذا كن غير متبرجات بزينة.
فعلم بذلك أن المتبرجة بالزينة ليس لها أن تضع ثوبها عن وجهها ويديها وغير ذلك من زينتها، وأن عليها جناحا في ذلك ولو كانت عجوزا، لأن كل ساقطة لها لاقطة (١) ، ولأن التبرج يفضي إلى الفتنة بالمتبرجة ولو كانت عجوزًا فكيف يكون الحال بالشابة والجميلة إذا تبرجت؟ لا شك أن إثمها أعظم والجناح عليها أشد، والفتنة بها أكبر.
وشرط سبحانه في حق العجوز أن لا تكون ممن يرجو النكاح، وما
ذاك،- والله أعلم- إلا لأن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمل والتبرج طمعًا في الأزواج، فنهيت عن وضع ثيابها عن محاسنها صيانة لها ولغيرها من الفتنة، ثم ختم الآية سبحانه بتحريض القواعد على الاستعفاف
وأوضح أنه خير لهن، وإن لم يتبرجن، فظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب ولو من العجائز وأنه خير لهن من وضح الثياب فوجب أن يكون التحجب والاستعفاف عن إظهار الزينة خيرًا للشابات من باب أولى،
وأبعد لهن عن أسباب الفتنة" (٢) اهـ.
* وقال التويجري ﵀:
ومفهوم الآية الكريمة أن من لم تيأس من النكاح بعد وهي التي قد بقي فيها بقية من جمال وشهوة للرجال فليست من القواعد، ولا يجوز لها وضع
стр. 1247
شيء من ثيابها عند الرجال الأجانب، لأن افتتانهم بها وافتتانها بهم غير مأمون" (١) اهـ.
***
стр. 1248
الفصل الثاني
الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بحكم الحجاب
وقد جمعتها في ثلاثه أقسام:
القسم الأول: أحاديث استنبط منها العلماء وجوب الحجاب على المسلمات عامة.
القسم الثاني: أحاديث تبين حجاب أمهات المؤمنين، ومنها أحاديث استنبط منها بعض العلماء ما يفيد عموم الحجاب لسائر المؤمنات.
القسم الثالث: أحاديث تفيد مشروعية الحجاب الكامل لسائر نساء الأمة المحمدية، أو تفيد شيوعه فى نساء الصدر الأول، أو تفيد منع الرجال من النظر إلى الأجنبيات، ونبين فيها محاولة بعض العلماء استنباط
وجوب الحجاب الكامل لسائر المسلمات من بعض هذه الأحاديث.
القسم الأول
١- عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المرْأَةُ عَوَرَة" (١) .
* قال الشيخ حمود التويجري حفظه الله:
"وهذا الحديث دال على أن جميع أجزاء المرأة عورة في حق الرجال الأجانب، وسواء في ذلك وجهها وغيره من أعضائها، وقد نقل
أبو طالب عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: ظُفر المرأة عورة، فإذا خرجت من بيتها فلا تُبِنْ منها شيئَا ولا خُفَّها، فإن الخُفَّ يصفُ القدم،
стр. 1249
وأحبُّ إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها حتى لا يبين منها شيء" اهـ.
وقد تقدم ذكر ما نقله شيخ الإِسلام ابن تيميه عن الإمام أحمد أنه قال:
كل شيء منها عورة حتى ظفرها، قال شيخ الإسلام: "وهو قول مالك" (١) اهـ.
عن أبي الأحوص عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها" (٢) .
* قال الشنقيطي رحمه الله تعالى:
وقد ذكر هذا الحديث صاحب مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون، وهذا الحديث يعتضد بجميع ما ذكرنا من الأدلة، وما جاء فيه من كون المرأة عورة: يدل على الحجاب للزوم ستر كل ما
يصدق عليه اسم العورة، ومما يؤيد ذلك: الهيثمي أيضا في مجمع الزوائد
عن ابن مسعود قال: "إنما النساء عودة، وإن المرأة لتخرج عن بيتها وما بها من بأس فيستشرفها الشيطان فيقول: "إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته،
وإن المرأة لتلبس ثيابهما فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا أو أشهد
جنازة أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها" ثم
قال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات اهـ منه ومثله له حكم الرفع إذ
لا مجال للرأي فيه (٣) .
٢- عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تَنْتقِب المرأةُ المحرِمَةُ، ولا تَلْبَسُ القُفازَينِ" (٤) .
стр. 1250
* قال الشيخ أبو هشام عبد الله الأنصاري:
هذا الحديث أحسن دليل على ما وقع من التغير والتطور في ألبسة النساء بعد نزول الحجاب والأمر بإدناء الجلباب، وأن النقاب كان قد صار من ألبسة النساء بحيث لم يَكُنَّ يخرجن إلا به، وليس معنى النهي عن الانتقاب للمحرمة أنها لا تستر وجهها،. . .، وإنما المراد أنها لا تتخذ النقاب
لباسا على حدة من ألبستها، وإنما تستر وجهها بجزء من لباسها" (١) اهـ.
* قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀:
والمسألة الرابعة عشرة: قوله في حديث ابن عمر: "ولا تَنَتقِب الَمرأةُ" وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئًا من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال، ويعرضون عنها" (٢) اهـ.
* وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀:
وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي
لم يُحْرِمْنَ وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن (٣) .
وقال شيخ الإسلام أيضًا: ووجه المرأة في الإِحرام فيه قولان في مذهب
стр. 1251
أحمد وغيره، قيل: إنه كرأس الرجل فلا يغطى، وقيل: إنه كبدنه فلا يغطى بالنقاب والبُرْقُع ونحو ذلك مما صنع على قدره؛ وهذا هو الصحيح فإن النبي ﷺ لم ينه إلا عن القفازين والنقاب.
وكن النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال من غير وضع
ما يجافيها عن الوجه، فعلم أن وجهها كبدن الرجل، وذلك أن المرأة كلها عورة، فلها أن تغطي وجهها ويديها (١) لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو، كما أن الرجل لا يلبس السراويل ويلبس الإِزار" (٢) اهـ.
* وقال الإمام العلامة المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في "تهذيب السَنن":
"وأما نهيه ﷺ في حديث ابن عمر ﵄ المرأة أن تنتقب وأن تلبس القفازين فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه، فيحرم عليها فيه ما وضع وفُصِّل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع ولا يحرم عليها ستره بالمِقْنَعة والجِلباب ونحوهما، وهذا أصح القولين، فإن النبي ﷺ سوى بين وجهها ويديها، ومنعها من القفازين والنقاب، ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصَّل على قدرهما وهما القفازان، فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه، وليس عن النبي ﷺ حرف واحد، في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا النهي عن النقاب، وهو كالنهي عن القفازين، فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء، وهذا واضح بحمد الله" (٣) اهـ.
وفال أيضًا في "إعلام الموقعين" في نفس الحديث:
"ونساؤه ﷺ أعلم الأمة بهذه المسألة، وقد كن يَسْدُلن على وجوههن
стр. 1252
إذا حاذاهن الركبان فإذا جاوزوهن كشفن وجوههن - ورَوى وكيع، عن شعبة، عن يزيدَ الرِّشْك، عن معاذة العدوية قالت: سألتُ عائشة ﵂ ما تلبسُ المحرمة؟ فقالت: لا تنتقب ولا تتلثم وتسدل الثوبَ على وجهها" (١) .
ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى قول الذين يمنعون المحرمة من تغطية وجهها ورد عليهم إلى أن قال: فكيف يحرم ستر الوجه في حق المرأة مع أمر الله لها أن تدني عليها جلبابها، لئلا تُعرف ويفْتَتَن بصورتها" (٢) اهـ. وذكر الإمام ابن القيم أيضا في "بدائع الفوائد" سؤالَا في كشف المرأة وجهها في حال الإِحرام وجوابا لابن عقيل في ذلك، ثم تعقبه بالرد فقال: سبب هذا السؤال والجواب خفاءُ بعض ما جاءت به السنة في حق المرأة
في الإِحرام، فإن النبي ﷺ لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره، وإنما جاء النصُّ بالنهي عن النقاب خاصة، كما جاء بالنهي عن القفازين، وجاء بالنهي عن القميص والسراويل.
ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء، لم يُرِد أنها تكون مكشوفة لا
تستر ألبتة بل قد أجمع الناسُ على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودِرْعها، وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإِزار، مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد، وكيف يُزاد على موجَب النص
ويُفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملا جهارًا؟ فأي نص اقتضى هذا أو مفهومِ أو عموم أو قياس أو مصلحة؟
стр. 1253
بل وجه المرأة كبدن الرجل، يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب والبُرقع، بل وكيدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليدين كالقُفَّاز، وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم يُنْه عنه البتة، ومن
قال: إن وجهها كرأس المحرم فليس معه بذلك نص ولا عموم، ولا يصح قياسه على رأس المحرِم، لما جعل الله بينهما من الفرق.
وقول من قال من السلف: "إحرام المرأة في وجهها"، إنما أراد به هذا المعنى، أي لا يلزمها اجتناب اللباس كما يَلزم الرجل، بل يلزمها اجتناب النقاب، فيكون وجهها كبدن الرجل.
ولو قدر أنه أراد وجوبَ كشفه فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك وأراد به وجوب كشف الوجه ولا سبيل إلى واحد من
الأمرين. وقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: "كنا إذا مَرَّ بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها"، ولم تكن إحداهن تتخذ عودا
تجعله بين وجهها وبين الجلباب" (١) ، كما قاله بعض الفقهاء، ولا يُعْرَفْ هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين البتة، لا عملا ولا
فتوى، ومستحيل أن يكون هذا من شعار الإِحرام، ولا يكونَ ظاهرًا
مشهورًا بينهن يعرفه الخاص والعام.
ومن آثر الإِنصاف، وسلك سبيل العلم والعدل، تبين له راجح المذهب من مرجوحها، وفاسدها من صحيحها، والله الموفق والهادي" (٢) اهـ.
* ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن ابن المنذر أنه قال:
أجمعوا على أن المرأة المحرمة تلبس المخيطَ كله والخِفافَ، وأن لها أن تغطي رأسها وتستُر شعرها إلا وجهها، فتسدل عليه الثوب سدلًا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال الأجانب، ولا تخمره، إلا ما روي عن فاطمة
стр. 1254
بنت المنذر قالت: " كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر
﵂ تعني جدتها "
قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلا، كما جاء عن عائشة ﵂ قالت: "كنا مع رسول الله ﷺ إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات فإذا جاوزونا رفعناه" (١) اهـ.
* قال العلامة الصنعاني في حاشيته على "شرح العمدة" بعد ما ذكر الحديث "لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين".
قال: قوله: بوجهها وكفيها، أقول: فلا يُلبس ما فصل وقطع وخيط لأجل الوجه كالنقاب، ولأجل اليدين كالقفازين، لا لأن المراد أنها لا تغطي وجهها وكفيها كما توهم، فإنه يجب سترهما، لكن بغير النقاب والقفازين" (٢) اهـ.
٣- عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جَر ثَوبَه خُيلاَءَ لم يَنظر الله إليه يوم القِيامَةِ" فقالتْ أمُّ سَلَمة ﵂:
فكيف يَصْنَعُ النسَاء بذُيولهن؟ قال: "يُرخِينَ شبرَا" فقالت: "إذًا تنكَشِف أقَدامهن " قال: "فيرخينَه ذِرَاعا لا يزِدن عليه" (٣) .
وقال الترمذي: وفي الحديث رخصة للنساء في جَرِّ الإزار لأنه يكون أستَرَ لهن".
وقال البيهقي: في هذا دليل على وجوب ستر قدميها.
وفي رواية لأحمد عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ
стр. 1255
رخص للنساء أن يُرْخين شبرًا، فقلن: يا رسول الله إذًا تنكشف أقدامُنا، فقال: "ذِرَاعا ولا يَزِدنَ عليه" (١) .
ْوفي رواية له أخرى عن ابن عمر ﵄ أن نساء النبي ﷺ سألنه عن الذيل، فقال: "اجعلنَه شِبرَا" فقلن: شبرا لا يَسْتُرُ من عَورَةِ، فقال: "اجعلْنَه ذرَاعَا" فكانت إحداهن إذا أرادت أن تتخذ درعا أرخت ذراعَا فجعلته ذيلا (٢) .
* قال التويجري:
وفي هذا الحديث والحديثين بعده دليل على أن المرأة كلها عورة في حق الرجال الأجانب، ولهذا لما رخص النبي ﷺ للنساء في إِرخاء ذيولهن شبرًا، قلن له:
إنَ شبرا لا يستر من عورة، والعورة ها هنا القدم، كما هو واضح من باقي الروايات عن ابن عمر وأم سلمة ﵃.
وقد أقر النبي ﷺ النساء على جعل القدمين من العورة وإذا كان الأمر هكذا القدمين فكيف بما فوقهما من سائر أجزاء البدن ولا سيما الوجه الذي هو مجمع محاسن المرأة؟ وأعظم عا يَفْتَتِنُ به الرجال ويتنافسون في تحصيله إن كان حسنا.
ومن المعلوم أن العشق الذي أضنى كثيرا من الناس وقتل كثيرا منهم إنما
كان بالنظر إلى الوجوه الحسنة، لا إلى الأقدام وأطراف الأيدي ولا إلى الحلي والثياب، وإذا كان قدم المرأة عورة يجب سترها، فوجهُها أولى أن يُسْتَر والله أعلم (٣) .
стр. 1256
* وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀:
هذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة، وأنه أمر معلوم عند
نساء الصحابة ﵃، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين بلا ريب، فالتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه، وما هو أولى منه بالحكم، وحكمة
الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة، ويرخص في كشف ما هو أعظم منه فتنة، فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه (١) اهـ.
٤- عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والدخولَ
على النساءِ" فقال رجل من الأنصَارِ: "يا رسُولَ الله! أفرأيتَ الحَمُو؟ "، قال: "الحَمُو الموتُ" (٢) .
* قال الشنقيطي رحمه الله تعالى:
فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي ﷺ بالتحذير الشديد من الدخول على النساء فهو دليل واضح على منع الدخول عليهن وسؤالهن متاعًا إلا من وراء حجاب، ِ لأن من سألها متاعَا لا من وراء حجاب فقد
دخل عليها، والنبي ﷺ حذّره من الدخول عليها، ولما سأله الأنصاري
عن الحمو الذي هو قريب الزوج الذي ليس محرمَا لزوجته كأخيه وابن أخيه وعمه وابن عمه ونحو ذلك - قال له ﷺ : "الحَمو الموتُ" فسمى ﷺ
دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير محرم لها باسم الموت، ولا شك
أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير، لأن الموت هو أفظع حادث
يأتي على الإنسان في الدنيا، كما قال الشاعر:
стр. 1257
والموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبلة
والجبلة: الخلق - ومنه قوله تعالى: (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ) [الشعراء: ١٨٤]
فتحذيره ﷺ هذا التحذير البالغ من دخول الرجال على النساء،
وتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، دليل صحيح
نبوي على أن قوله تعالى: (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) عام في جميع النساء كما ترى، إذ لو كان حكمه خاصا بأزواجه ﷺ ، لما حذَّر الرجال هذا
التحذير البالغ العام من الدخول على النساء.
وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن والخلوة بهن كلاهما محرم تحريمًا
شديدا بانفراده، كما قدمنا أن مسلما ﵀ أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها فدل على أن كليهما حرام" (١) اهـ.
* وقال ابن حجر في "فتح الباري" في شرح الحديث المذكور:
إياكم والدخولَ بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليتحذر عنه كما قيل: إياك والأسد، وقوله: إياكم، مفعول لفعل مضمر تقديره: اتقوا.
وتقدير الكلام: اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن
يدخلن عليكم، ووقع في رواية ابن وهب بلفظ: لا تدخلوا على النساء،
وتضمن منع الدخول منعَ الخلوة بها بطريق الأولى" (٢) اهـ.
* وقال الشيخ عبد القادر السندي:
الحديث فيه دلالة واضحة على أنه لا يجوز دخول الأجنبي على
стр. 1258
الأجنبية، وكذا قريب الزوج من أخ وعم ونحو ذلك، وفي رواية لمسلم في "الصحيح" عن أبي الطاهر عن ابن وهب قال: سمعت الليث يقول:
"الحمو أخو الزوج وما أشبه من أقارب الزوج وابن العم ونحوه"، وفي
الحديث تغليظ شديد وتنبيه خطير من الدخول على النساء.
* وقال الإمام ابن الأثير في "النهاية":
لا يخلون رجل بأجنبية، وإن قيل حموها، ألا حموها الموت، أحد الأحماء أقارب الزوج، والمعنى فيه: أنه إذا كان رأيه في أخي الزوج وما شابهه وهو قريب فكيف بالغريب؟ أي: فلتمت، ولا تفعل ذلك، وهذه الكلمة تقولها العرب كما تقول الأسد: الموت، والسلطان: النار، أي لقاؤهما مثل الموت والنار، يعني أن خلوة ابن عم الزوج معها أشد من خلوة غيرها من الغرباء
لأنه ربما حَسَّنَ لها أشياء، وحملها على أمور تثقل على الزوج من التماس ما
ليس في وسعه أو سوء عشرة أو غير ذلك".
قلت: إذا كان الوجه والكفان ليستا من العورة والزينة وجاز كشفهما
أمام الأجانب فلماذا هذا التشديد في هذه الأحاديث الصحيحة، ولماذا
هذا التناقض بين تلك الأحاديث وقد سبق أن قلت: إن تلك الأحاديث غير صحيحة فلا يجوز أن يقال إنها متعارضة مع هذه
الأحاديث الصحيحة التي فيها التغليظ الشديد والتحريم الموثق، فلو
كانت تلك الأحاديث والآثار التي يستدل بها بعض الناس على جواز
كشف الوجه والكفين صحيحة الإسناد لكانت شاذة غير محفوظة في
أنظار أهل الحديث، فكيف وهي ضعيفة منكرة، فلا يحتج بها بحال من
الأحوال فلا ينبغي أن يقال بعد هذا النقل إن الوجه والكفين ليستا من
العورة والزينة استنادًا على قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الذي
سبق بيانه من ناحية الإسناد" (١) اهـ.
стр. 1259
* وقال البوطي:
فلولا أن المرأة بمجموعها عورة بالنسبة للأجانب من الرجال، لما أطلق
النبي ﷺ النهي عن دخولهم عليهن إذا النهي يشمل مختلف ما عليه المرأة
من حالات، وما دامت بادية الوجه كما هو شأن كل امرأة في بيتها، ولقد
انسحب الحكم كما نرى حتى على أخي الزوج فلا يجوز له هو الآخر أن
يدخل على امرأة أخيه، ولو كان الوجه غير عورة لاستثنى - تسهيلَا للأحماء - أن تكون المرأة ساترة لما عدا الوجه والكفين من أجزاء
جسمها" (١) اهـ.
٥- عن عائشة ﵂: أن أفلح أخا أبي القعَيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب، قالت: "فَأبَيْتُ أن
آذنَ له، فلما جَاءَ رسولُ الله ﷺ أخبرتُه بالذي صَنَعْتُ، فأمرني أن آذنَ له" (٢) .
وفي رواية أنه قال لها: "أتحتجبين مني، وأنا عمك؟ ".
وفي ثالثة: فقلت: لا آذن له حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فإن أخا
أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس".
ورواية: "وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة".
وقال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حَرموا من الرضاع ما يحرم
стр. 1260
من النسب"، وفي رواية مسلم: فقال النبي ﷺ : "لا تحتَجِبِي منه، فإنه يحَرُمُ من الرضَاعِ ما يحَرُمُ من النسَبِ".
* قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذا الحديث:
"وفيه وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب" (١) اهـ.
والشاهد فيه واضح، وهو أن الحافظ عمم حكم الوجوب على سائر النساء.
٦- عن الزهري عن نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانَ لإحداكن مَكُاتب، وكانَ عندَه ما
يؤدّي، فلتَحتَجِب منه" (٢) .
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"وجه الدلالة من هذا الحديث - يعني على وجوب الحجاب - أنه يقتضي
أنَّ كشف السيدة وجهها لعبدها جائز ما دام في ملكها، فإذا خرج منه، وجب عليها الاحتجاب لأنه صار أجنبيا، فدل على وجوب احتجاب
المرأة عن الرجل الأجنبى" (٣) اهـ.
وروى الطحاوي بإسناده عن ابن شهاب أن نبهان مولى أم سلمة حدثه
стр. 1261
أنه بينا هو يسير مع أم سلمة زوج النبي ﷺ في طريق مكة، وقد بقي من كتابته ألفا درهم، قال: فكنت كلما أدخل عليها وأراها، فقالت: وهي تسير: "ماذا بقي عليك من كتابتك يا نبهان؟ "، قلت: "ألفا درهم"، قالت: "فهما عندك؟ "، فقلت: "نعم"، فقالت: "ادفع ما بقي عليك من كتابك إلى محمد بن عبد الله بن أمية، فإني قد أعنته بها في نكاحه، وعليك السلام"، ثم ألقت دوني الحجاب فبكيت، وقلت: "والله لا أعطيه إياها أبدًا"، قالت: "إنك والله يا بني لن تراني أبدًا، إن رسول الله ﷺ عهد إلينا أنا إذا كان عند مُكاتب إحداكن وفاء بما بقي عليه من كتابته؛ فاضربوا دونه حجاب".
ثم قال الطحاوي ﵀: ومما يستخرج من هذا الحديث من الأحكام مما يدخل فيه مع أزواج النبي ﷺ مَن سواهن من الناس. . . إلخ" (١) اهـ.
وعن سليمان بن يسار قال: استأذنت على عائشة ﵂، فقالت: من هذا؟ فقلت: سليمان، قالت: كم بقي عليك من مكاتبتك؟ قال: قلت: عشر أواق، قالت: ادخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم (٢) .
***
стр. 1262
القسم الثاني
حجاب أمهات المؤمنين
انعقد الإجماع على وجوب الحجاب الكامل في حق أمهات المؤمنين، وذلك أمتثالَا لأمر الله تعالى في آية الحجاب، وبيت الأحاديث ذلك، وهاك بعضا منها:
١- عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث الإفك قالت: "فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه (١) حين عرفني، فخمرت. (وفي رواية: فسترت وجهي عنه بجلبابي" (٢) الحديث.
стр. 1263
٢- وعن عكرمة قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول، وقد بلغه أن - عائشة ﵂ احتجبت من الحسين بن علي ﵄. . .، فقال: "إن رؤيته لها لحل".
وعن عمر بن دينار عن أبي جعفر قال: كان الحسن والحسين لا يريان أمهات المؤمنين. .، فقال ابن عباس: "إن رؤيتهما لهن تَحِلُّ" (١) .
٣- وعن يزيد بن بابنوس قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة ﵂ فاستأذنا عليها، فألقت إلينا وسادة، وجذبت إليها الحجاب، فقال صاحبي: ما تقولين في العراك. . . الحديث.
٤- وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: قلت لعائشة: إنما فاقنا عروة (٢) بدخوله عليكِ كما أراد، قالت: "وأنت إذا أردت فاجلس من وراء حجاب فسلني عما أحببت، فإنا لم نجد أحدً بعد النبي ﷺ أولى لنا من أبيك. . . " الحديث (٣) .
والشاهد منه قولها ﵂: "فاجلس من وراء حجاب" امتثالا لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) .
٥- عن صفية بنت شيبة قالت: حدثتنا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت: "يا رسول الله! يرجع الناس بِنُسُكَين، وأرجع بنسك واحد؟ "، فأمر بي أخي عبد الرحمن فأعمرني من التنعيم، وأردفني خلفه على البعير في ليلة حارة، فجعلت أحسر عن خماري، فتناولني بشيء في يده، فقلت: "هل ترى من أحد؟ (٤) .
стр. 1264
٦- عن أم سنان الأسلمية قالت: لما نزلنا المدينة لم ندخل حتى دخلنا مع صفية منزلها، وسمع بها نساء المهاجرين والأنصار، فدخلن، فرأيت
أربعًا من أزواج النبي ﷺ منتقبات: زينب بنت جحش، وحفصة، وعائشة، وجويرية. . . الحديث (١) .
٧- وعن أم معبد بنت خليف قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجَّا بنساء النبي ﷺ ، فرأيت على هوادجهن الطيالسة الخضر، وهن حجرة من الناس، يسير أمامهن ابن عفان على راحلته، يصيح إذا دنا منهن أحد: "إليك، إليك"، وابن عوف من ورائهن يفعل مثل ذلك، فنزلن بقرية قريبًا من منزلي، اعتزلن الناس، وقد ستروا عليهن الشجر عن كل ناحية، فدخلت عليهن وهن ثمان جميعًا (٢) .
وقد تقدم خبر اتخاذ النعش لأم المؤمنين زينت ﵂ وتغشيته بثوب، واستحسان أمير المؤمنين عمر ﵁ هذه السنة (٣) .
٨- عن أنس بن مالك ﵁: أن أم سُلَيم صنعت حيسا (٤) ، وأرسلت
به إلى رسول الله ﷺ بمناسبة زواجه من زينب بنت جحش ﵂، فدعا رسول الله ﷺ أصحابه وجلسوا يأكلون ويتحدثون، ورسول الله ﷺ جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط إلى أن خرجوا (٥) .
стр. 1265
٩- عن عائشة ﵂ قالت: رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو" (١) .
١٠- قال الإمام الترمذي: حدثنا سويد نا عبد الله بن يونس بن زيد، عن ابن شهاب، عن نبهان مولى أم سلمة أنه حدثه أن أم سلمة حدَّثته أنها كانت عند رسول الله ﷺ ، وعندها ميمونة، فأقبل ابنُ أم مكتوم، وذلك بعد أن أُمِرنا بالحجاب، فقال النبي ﷺ : "احتَجبَا منهُ"، فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يُبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ : "أفعميَاوانِ أنتما؟ ألستُما تبصِرَانه؟ " (٢) .