ولقد عمد المروجون لهذه الشبهة إلى التاريخ وكتب التراجم، يفتشون في طولها وعرضها، وينقبون فيها بحثا عن مثل هؤلاء النساء، حتى ظفروا بضالتهم المنشودة، ودرتهم المفقودة، فالتقطوا أسماء عدد من النساء لم يكنَّ يبالين- فيما نقلته الأخبار عنهن- أن يظهرن سافرات أمام الرجال، واْن يلتقين معهم في ندوات أدبية وعلمية دونما تحرز أو تحرج.
* وجواب هذا من وجوه:
الأول: أن نسألهم: قد علمنا الأدلة الشرعية التي عليها تبنى الأحكام
من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، فضمن أي مصدر من مصادر التشريع تندرج مثل هذه الأخبار، خاصة وأن أغلبها وقع بعد زمن التشريع وانقطاع الوحي؟
الثاني: فإذا علم أن حكم الإسلام إنما يؤخذ من نص ثابت كتاب الله تعالى، أو حديث صحيح من سنة رسول الله ﷺ ، أو قياس صحيح عليهما، أو إجماع التقى عليه أئمة المسلمين وعلماؤهم، لم يصح حينئذ الاستدلال بالتصرفات الفردية عن آحاد الناس، أو ما يسميه الأصوليون بـ "وقائع الأحوال" (١) .
فإذا كانت هذه الوقائع الفردية من آحاد الناس لا تعتبر دليلا شرعيًّا
стр. 1367
لأي حكم شرعي حتى لو كان أصحابها من الصحابة (١) رضوان الله عليهم أو التابعين من بعدهم، فكيف بمن دونهم؟
بل المقطوع به عند المسلمين جميعًا أن تصرفاتهم هي التي توزن - صحة وبطلانًا - بميزان الحكم الإسلامي، وليس الحكم الإسلامي هو الذي يوزن بتصرفاتهم، ووقائع أحوالهم، وصدق القائل: "لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله".
الثالث: ولو كان لتصرفات آحاد الصحابة أو التابعين مثلًا قوةُ الدليل الشرعي دون حاجة إلى الاعتماد على دليل آخر، لبطل أن يكونوا معرضين للخطأ والعصيان، ولوجب أن يكونوا معصومين مثل رسول الله ﷺ ، وليس هذا لأحد إلا للأنبياء عليهم وعلى خاتمهم الصلاة والسلام، أما من عداهم فحق عليهم قول رسول الله ﷺ : "كل بني آدم خطاء" (٢) ،
وإلا فما بالنا لا نقول – مثلًا - بحل شرب الخمر، وقد وجِد فيمن سلف في القرون الخيرية من شربها؟
الرابع: وما بال هؤلاء الدعاة إلى السفور قد عمدوا إلى كتب التاريخ والتراجم فجمعوا أسماء مثل هؤلاء النسوة من شتى الطبقات والعصور، وقد علموا أنه كان إلى جانب كل واحدة منهن سواد عظيم، وجمع غفير، من النساء المتحجبات الساترات لزينتهن عن الأجانب من الرجال؟ فلماذا لم يعتبر بهذه الجمهرة العظيمة، ولم يجعلها حجة بدلًا من حال أولئك القلة الشاذة المستثناة؟
أما علموا أن "الاستثناء" يؤيد القاعدة، ولا ينقضها؟ وأن ندرة هذه
стр. 1368
الحفنة المبعثرة في هامش التاريخ الإسلامي، أقوى دليل على صحة قول:
الإمام أبي حامد الغزالي ﵀:
"لم تزل الرجال على مرّ الأزمان تكشف الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، أو يمنعن من الخروج" (١) ،
* والإمام ابن رسلان ﵀:
"اتفق المسلمون على منع النساء من الخروج سافرات" (٢) .
* وشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀:
"إن النساء كن يخرجن إلى المساجد والأسفار منتقبات لئلا يراهن
الرجال" (٣) .
ولماذا لم يحتج بمواقف نساء السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان في تمسكهم بالحجاب الكامل (٤) ، واعتباره أصلًا راسخًا من أصول البنية الاجتماعية؟!
الشبهة السابعة عشرة
(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)
* يشيع أعداء الإسلام حول الحجاب أراجيف ينطق بها الشيطان على ألسنتهم، مثل قولهم: إن الحجاب يُسَهِّل عملية إخفاء الشخصية، وقد يتستر وراءه بعض النساء اللواتي يقترفن الفواحش، ويتعاطين المآثم،
(ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ
стр. 1369
اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [التوبة: ٣٠] .
* إنه قول بوار لا يصدر إلا ممن أكلهم الهوى، وأعجزهم البيان، فغفلوا عن حرمة أحق الذي أنزله علام الغيوب، ونسوا أن الله يحكم ولا معقب لحكمه، ويقضي ولا راد لقضائه (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣] .
فما حكم الله به عدل، وما أخبر به صدق (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) [الأنعام: ١١٥] .
فقد حكم سبحانه بوجوب النقاب أو استحبابه على الأقل، وأخبر أنه أزكى وأطهر لقلوب المؤمنين والمؤمنات.
فحينما يأتي مرضى القلوب ويشغبون بهذه الأراجيف، فلا يمكن بأي حال أن يسوقنا هذا التخوف المحتمل من سوء استخدام النقاب إلى التخلي عن حكم الله ، وكل عاقل يفهم من سلوك المرأة التي تبالغ في ستر نفسها حتى أنها لا تبدي وجهًا ولا كفّا، فضلًا عن سائر بدنها أن هذا دليل الاستعفاف والصيانة، قال تعالى بعد الأمر بالحجاب: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) قال أبو حيان: "لتسترهن بالعفة، فلا يُتعرض لهن، ولا يَلقين ما يكرهن، لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يُقْدَمْ عليها بخلاف المتبرجة، فإنها مطموع فيها" (١) اهـ.
وكل عاقل أيضا يعلم أن تبرج المرأة وإظهارها زينتها، يشعر بوقاحتها، وقلة حيائها، وهوانها على نفسها، ومن ثم فهي الأوْلى أن يساء بها الظن بقرينة مسلكها الوخيم حيث تعرض زينتها كالسلعة، فتجر على نفسها وصمة خبث النية، وفساد الطوية، وطمع الذئاب البشرية، ومن أوقع نفسه مواقع التهمة، فلا يلومن مَن أساء به الظن.
إن هؤلاء المنافقين مرضى القلوب فساق هذا الزمان الذين يتشدقون بأن
стр. 1370
الحجاب يمكن أن يكون وسيلة لإخفاء هوية البغي يجب أن يؤدبوا ويعزروا أشد التأديب وأعنف التعزير، لأنه لهم نصيبَا وافرَا من قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)) [الأحزاب: ٥٨] .
ولقد كان إخوانهم من منافقي المدينة أفقه منهم وأعقل حينما كانوا يتجرءون على السافرة، فإذا أخِذوا في ذلك قالوا - تخفيفًا لجريمتهم - حَسِبناها أمَةَ، لأنهم فهموا من المبالغة في التستر أن صاحبتها عفيفة محصنة.
واليوم انعكس الحال، وانقلبت المفاهيم رأسًا على عقب، بفضل أنصار المرأة ومحرريها، فصارت التي تحتجب مستعبدة، وصارت المتبرجة امرأة حرة متحررة، لقد شرع الله حكمه في مثل هؤلاء المنافقين فقال مباشرة بعد الأمر بإدناء الجلابيب: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)) [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢]
ثم إن من المتواتر لدى الكافة أن المسلمة التي تتحجب في هذا الزمان تذوق الويلات من الأجهزة الحكومية، والإدارات الجامعية، والحملات الإعلامية، والسفاهات من المنافقين في كل مكان، ثم هي تصبر على هذا كله ابتغاء وجه الله تعالى، ولا يفعل هذا إلا مؤمنة صادقة رباها القرآن والسنة، فإذا حاولت فاسقة مستهترة ساقطة أن تتجلبب بجلباب الحياء، وتواري عن الأعين زلتها بارتداء شعار العفاف ورمز الصيانة، وتستر عن الناس آفتها وفجورها بمظهر الحَصان الرزان فما ذنب الحجاب إذن؟
إن الاستثناء يؤيد القاعدة ولا ينقضها كما هو معلوم لكل ذي عقل،
مع أن نفس هذه المجتمعات التي يروج فيها هذه الأراجيف، قد بلغت من
стр. 1371
الانحدار والتردي في مهاوي التبرج والفسوق والعصيان ما يغني الفاسقات عن التستر، ولا يحوجهن إلى التواري عن الأعين.
وإذا كان بعض المنافقين يتشدقون بأن في هذا خطرًا على ما يسمونه (الأمن) فليخبرونا بالله كيف يهتز الأمن ويتزلزل بسبب المنقبات مع أنه لم يتزلزل مرة واحدة بسبب السافرات والمتبرجات؟
هب أن رجلًا انتحل شخصية قائد عسكري كبير، وارتدى بَزَّته، وتحايل بذلك، واستغل هذا الثوب فيما لا يباح له كيف تكون عقوبته؟ وهل يصلح سلوكه - في نظركم - مبررًا للمطالبة بإلغاء الزي المميز للعسكريين مثلا خشية أن يسيءَ أحَد استعماله؟
وما يقال عن البزة العسكرَية، يقال عن "لباس الفتوة، وزي الرياضة،
فإذا وجد في المجتمع الجندي الذي يخون، والفتى الذي يسيء، والرياضي الذي يذنب، هل يقول عاقل إن على الأمة أن تحارب شعار العسكر، ولباس الفتوة، وزي الرياضة،. . . لخيانات ظهرت، وإساءات تكررت؟ فإذا كان الجواب: "لا" فلماذا يقف أعداء الإسلام من الحجاب هذا الموقف المعادي، ولماذا يثيرون حوله الشائعات الباطلة المغرضة؟ " (١) .
إن الهدف البعيد من وراء هذه الأراجيف الكاذبة هو تنفير المسلمات
من الحجاب الذي فرضه الله ، وترسيخ روح الاشمئزاز والكراهية من التجلبب به، والتحصن بعفافه، حتى إذا خلعن الحجاب ظهرن في المجتمع بأقبح ما تظهر به امرأة في تهتكها وانحلالها.
إن الإسلام كما يأمر المرأة بالحجاب، يأمرها أن تكون ذات خلق ودين، إنه يربي مَنْ تحت الحجاب قبل أن يسدل عليها الجلباب، ويقول لها: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف: ٢٦] ، حتى تصل إلى قمة الطهر والكمال، قبل أن تصل إلى قمة الستر والاحتجاب، فإذا اقتصرت امرأة
стр. 1372
على أحدهما دون الآخر، تكون كمن يمشي على رجل واحدة، أو يطير بجناح واحد.
إن التصدي لهؤلاء المستهترات - إن وجدن - أن تصدر قوانين صارمة بتشديد العقاب على كل من تسول له نفسه استغلال الحجاب لتسهيل الجرائم وإشباع الأهواء، فمثل هذا التشديد جائز شرعًا في شريعة الله الغراء التي حرصت على صيانة النفس، ووقاية العرض، وجعلتهما فوق كل اعتبار، وإذا كان التخوف من سوء استغلال الحجاب مخطرة محتملة، إلا أن المخطرة في التبرج والسفور بنشر الفاحشة وفتح ذرائعها مقطوع بها لدى كل عاقل.
ويدلي بعضهم بحجة مقلوبة فيقول: إن عفة الفتاة حقيقة كامنة في ذاتها، وليست غطاء، يلقى ويُسدل على جسمها، وكم من فتاة محتجبة عن الرجال في ظاهر، وهي فاجرة في سلوكها، وكم من فتاة حاسرة الرأس سافرة) الوجه لا يعرف السوء سبيلَا إلى نفسها أو سلوكها؟
* قال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في دفع هذه الشبهة:
"إن هذا صحيح، فما كان للثياب أن تنسج لصاحبها عفة مفقودة، ولا
أن تخلق له استقامة معدومة، وربَّ فاجرة سترت فجورها بمظهر سترها، ولكن من هذا الذي فى زعم أن الله إنما شرع الحجاب لجسم المرأة ليخلق الطهارة نفسها أو العفة في أخلاقها؟
ومن هذا الذي زعم أن الحجاب إنما شرعه الله ليكون إعلانا بأن كل
من لم تلتزمه فهي فاجرة تنحط في وادي الغواية؟
إن من حكمة الله في تشريع الحجاب وفرضه على المرأة المحافظة على عفة الرجال الذين تقع أبصارهم عليها، وليس فقط حفاظا على عفتها من الأعين التي تراها، ولئن كانت تشترك معهم هي الأخرى في هذه الفائدة في كثير من الأحيان، فإن فائدتهم من ذلك أعظم وأخطر، وإلا
стр. 1373
فهل يقول عاقل - تحت سلطان هذه الحجة المقلوبة - إن للفتاة أن تتجرد أمام الرجال مادامت ليست في شك من قوة أخلاقها وصدق استقامتها؟! إن بلاء الرجال بما تقع عليه أبصارهم من فتنة المتبرجات هو المشكلة التي أحوجت المجتمع إلى حل، فتكفل به شرع الله على أفضل وجه، وبلاء الرجال إذا لم يجد في سبيله هذا الحل الإلهي، ما من ريب سيتجاوز بالسوء إلى النساء أيضًا، ولا يغني عن الأمر شيئًا أن تعتصم المتبرجة عندئذ باستقامة في سلوكها أو عفة في نفسها، فإن في ضرام ذلك البلاء الهائج في نفوسهم ما قد يتغلب على كل استقامة، ويقضي على كل عفة قد تتصف بها المرأة المتبرجة التي تعرض فنون التبرج والفتنة أمامهم" (١) اهـ.
***
стр. 1374
الفصل الثاني
المذاهب الفقهية في حكم
كشف الوجه والكفين
من المناسب قبل أن نشرع في سرد نُقُول علماء المذاهب الأربعة المتبوعة- ﵏ أن ننبه إلى أن واجب المسلم أن يأخذ بالدليل مع وافر الحرمة والتقدير لأئمة الفقه والحديث، في القديم والحديث، ولا لوم في الانتساب المذهبي المجرد من العصبية، هذا هو المذهب الحق، والقول الصدق، وله مخالفة إمامه إلى إمام آخر، حجته في تلك المسألة أقوى، بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له، لا كمن تمذهب لإمام، فإذا لاح له ما يوافق هواه عمل به من أي مذهب كان، محتجًّا بأن الخلاف في الفروع يتسامح فيه على الإطلاق، ومتجاهلًا أنه:
ليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظ من النظر
ونظرية "جواز التعبد بالخلاف" التي يتبناها في زماننا عوام فسدت فطرتهم بفعل التربية المعوجة ماِ هي إلا صدى لقول سلفهم: "من قلد عالمًا لقي الله سالما"، مع فارق وهو أن الأولين كانوا يلزمون مذهبًا واحدَا لا يحيدون عنه، أما هؤلاء فقد تركوا الحبل على الغارب، وأطلقوا لأهوائهم العِنان حتى تظفر بمرادها في زلة عالم، أو رخصة متكلفة، أو قول شاذ ملفق دون أي اعتبار لمخالفة العالم غير المعصوم لقول المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)) .
لقد وصف لنا رسول الله ﷺ دواءَ داءِ الفرقة والاختلاف في قوله:
"فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافَا كثيرَا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء
стр. 1375
الراشدين المهديين". . . الحديث، فالسنة تجمع المتفرقين، وتُوحّدُ المختلفين.
ولقد جعل الله الإجماع حجة معصومة من الضلال، فلا يصح أن نجعل ما يضاده وهو الاختلاف حجة أيضًا، بل علينا أن نردد مع ابن مسعود ﵁ قوله "الخلاف شر".
وما أحسن قول حافظ المغرب الإمام أبي عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى:
"الاختلاف ليس بحجةِ عند أحدٍ علمتُه من فقهاء الأمة إلا مَنْ لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله" (١) اهـ.
وشتان بين أن يقع اختلاف بين العلماء المخلصين في طلب الحق، المجتهدين في تحري الأدلة، الدائرين في حالتي الصواب والخطأ بين مضاعفة الأجر مع الشكر، وبين الأجر الواحد مع العذر، وبين من يتتبع الزلات، ويتحكم بالتشهي، ويرجح بالهوى، فيئول حاله إلى البطالة، ورقة الدين، ونقص العبودية.
ومع أن دائرة الخلاف في القضية التي نحن بصددها قد ضاقت جدًّا في زماننا كما سيتبين لك عما قليل إن شاء الله تعالى، إلا أنه لزم التحذير من "بدعة التعبد بالخلاف مطلقا" لشيوع استدلال "أنصار البدعة" بها في قضايا أشد خطورة مما نحن بصدده، والله المستعان.
* أولا: المذهب الحنفي:
الأصل في المذهب الحنفي أنه يجوز للمرأة كشف وجهها وكفيها (٢) عند
стр. 1376
أمن الفتنة (١) ، لكن المتأخرين منعوا ذلك لا لأنهما عورة، لكن لانتشار الفساد، وغلبة الظن بحصول الفتنة، فضلا عن تحققها، وهاك بعض نصوصهم:
* قال الكاساني ﵀:
"فلا يجوز النظر من الأجنبي إلى الأجنبية الحرة إلى سائر بدنها إلا الوجه والكفين، لقوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) إلا أن االنظر إلى مواضع الزينة الظاهرة، وهي الوجه والكفان، رخص بقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) ، والمراد من الزينة مواضعها، ومواضع الزينة الظاهرة: الوجه والكفان، ولأنها تحتاج" إلى البيع والشراء، والأخذ والعطاء، ولا يمكنها ذلك – عادةً - إلا بكشف الوجه والكفين، فيحل لها الكشف، وهذا قول أبي حنيفة ﵁
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يحل النظر إلى مواضع الزينة منها من غير شهوة، وأما عن شهوة فلا، لقوله ﷺ : "العينان تزنيان"، وليس زنى
стр. 1377
العين إلا النظر عن شهوة،. . والأفضل للشاب غض البصر عن وجه الأجنبية، وكذا الشابة؛ لما فيه من خوف حدوث الشهوة، والوقوع في الفتنة، ويؤيده المروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال في قوله تعالى (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أنه الرداء والثياب، فكان غض البصر، وترك النظر أزكى وأطهر" (١) اهـ.
* وقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى في كلام له حول النظر إلى الأجنبيات:
". . فدل أنه لا يباح النظر إلى شيء من بدنها، ولأن حرمة النظر لخوف الفتنة، وعامة محاسنها في وجهها، فخوف الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء".
إلى أن قال ﵀: "ولكنا نأخذ بقول علي وابن عباس (٢) ﵃ فقد جاءت الأخبار في الرخصه بالنظر إلى وجهها وكفها (٣) . . " إلى أن قال: "وهذا كله إذا لم يكن النظر عن شهوة، فإن كان يعلم أنه إن نظر اشتهى لم يحل له النظر إلى شيء منها" (٣) اهـ.
стр. 1378
* وقال الإمام أبو بكر الجصاص في تفسير قوله تعالى (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) :
"في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها من الأجنبي، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الريب فيهن" (١) اهـ.
* وجاء في "الدر المختار":
"يعزر المولى عبده، والزوج زوجته على تركها الزينة، أو كلمه ليسمعها أجنبي، أو كشفت وجهها لغير محرم" (٢) اهـ.
وجاء فيه كذلك قول الطحطاوي:
"وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين رجال، لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة كمسه وإن أمن الشهوة لأنه أغلظ" (٣) .
* وقال ابن عابدين في شرحه:
"المعنى: تمنع من الكشف لخوف أن يرى الرجال وجهها فتقع الفتنة،
لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة" (٣) اهـ.
* ونقل ابن عابدين عن صاحب "المحيط" قوله:
". . . ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة، لأنها منهية عن تغطيته لحق النسك لولا ذلك، وإلا لم يكن لهذا الإرخاء فائدة" (٤) اهـ.
стр. 1379
* وقال الإمام محمد أنور الكشميري ثم الديوبندي ﵀:
"ومنها - أي من آيات الحجاب -: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) قيل: الزينة
هي الوجه والكفان، فيجوز الكشف عند الأمن عن الفتنة على المذهب، وأفتى المتأخرون بسترها لسوء حال الناس. .
إلى أن قال: "ومنها: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) إلخ، والخطاب فيها وإن كان خاصًا إلا أن الحكم عام" (١) اهـ.
* وقال العلامة ابن نجيم - المتوفى سنة سبعين وتسعمائة ﵀:
وفي فتاوى قاضيخان (٢) :
"ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة"، وهو يدل على أن هذا الإرخاء عند الإمكان، ووجودِ الأجانب واجب عليها" (٣) اهـ.
وقال أيضًا:
"قال مشايخنا: تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة" (٤) اهـ.
* وفي الهدية العلائية":
"وينظر من الأجنبية ولو كافرة إلى وجهها وكفيها فقط للضرورة، قيل: والقدم والذراع والمرفق إذا آجرت نفسها للخبز ونحوه من الطبخ وغسل
الثياب، لأنه يبدو منها عادة، وتمنع الشابة من كشف وجهها خوف
стр. 1380
الفتنة" (١) اهـ.
* وفي "الهدية العلائية" أيضًا:
"والنظر إلى ملاءة الأجنبية بشهوة حرام، أما بدونها فلا بأس، ولو إلى جسدها المستور بثياب لا تصف، ولا يظهر حجمها" (٢) اهـ.
* وفي "المنتقى":
"تمنع الشابة من كشف" وجهها لئلا يؤدي إلى الفتنة، وفي زماننا المنع واجب، بل فرض لغلبة الفساد" (٣) اهـ.
* ونقل البيانوني في "الفتن" عن الجرداني ﵀ قوله:
"وعورة المرأة بالنسبة لنظر الأجنبي إليها جميع بدنها" يدون استثناء شيء منه أصلا، ولو كانت عجوزًا شوهاء، فيحرم على الرجل أن ينظر إلى شيء منها، ولو بغير شهوة. . ويجب أن تستتر عنه، وهذا هو المعتمد (٤) اهـ.
* ونقل الأستاذ درويش مصطفى حسن عن بعض علماء الأحناف قولهم:
"فحل النظر مقيد بعدم الشهوة، وإلا فحرام، وهذا زمانهم، أما في زماننا فمنع من الشابة أي فمنع نظر الوجه من الشابة، ولو من غير شهوة" (٥) .
* وقال الشيخ أحمد عز الدين البيانوني ﵀:
стр. 1381
"قول الأئمة "عند خوف الفتنة" (١) إنما يُعلم في ناظر خاص، وأما بالنظر
إلى جماهير الناس الذين تبرز المرأة سافرة أمامهم؛ فلا يتصور عدم خوف الفتنة منهم جميعَا، فيتحتم المنع من السفور أمامهم على هذا التعليل، وبهذا يظهر مذهب اْبي حنيفة وأصحابه في المسألة" (٢) اهـ.
* ثانيَا: المذهب المالكي:
* قال العلامة صالح عبد السميع الآبى الأزهري المالكي:
"وعورة الحرة مع رجل أجني مسلم جميع جسدها عدا الوجه والكفين ظهرًا وبطنا، فالوجه والكفان ليسا عورة، فيجوز لها كشفهما للأجنبي، وله نظرهما إن لم تخش الفتنة، فإن خيفت الفتنة: فقال ابن مرزوق: مشهور المذهب وجوب سترهما، وقال عياض: لا يجب سترهما، ويجب غض البصر عن الرؤية، وأما الأجنبي الكافر فجميع جسدها حتى وجهها وكفيها عورة بالنسبة له" (٣) اهـ.
* ويقول الشيخ أحمد الدردير في "أقرب المسالك إلى مذهب مالك":
"وعورة المرأة مع رجل أجنبي عنها جميع البدن غير الوجه والكفين، وأما هما فليس بعورة، وإن وجب عليها سترهما لخوف الفتنة" (٤) .
стр. 1382
وحكى الشيخ أحمد الصاوي قولين في وجوب ستر الوجه في تلك الصورة:
الأول: الوجوب، وهو مشهور المذهب.
والثاني: وجوب غض البصر على الرجل، وهو قول عياض (١) .
* وقال القاضي عياض ﵀:
"فرض الحجاب مما اختصصن به أزواج النبي ﷺ فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن، وأن يكن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز. . . " إلخ (٢) اهـ.
* قال ابن بطال:
"وفيه - أي حديث المرأة الحثعمية - دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضَا لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ولو رآه الغرباء، وأن قوله (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) على الوجوب في غير الوجه" (٣) اهـ.
* قال ابن رسلان ﵀:
"وهذا - أي جواز نظر الأجنبية - عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه، أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة، ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع
стр. 1383
النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لاسيما عند كثرة الفساق" (١) اهـ.
* وقال الشيخ محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي المالكي:
"وإن كانت أجنبية جاز أن يرى الرجل من المتجالة الوجه والكفين، ولا يجوز أن يرى ذلك من الشابة إلا لعذر من شهادة، أو معالجة، أو خِطبة" (٢) اهـ.
* قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى:
"والمرأة كلها عورة بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة، أو لحاجة كالشهادة، أو داء يكون ببدنها" (٣) اهـ.
وقال أيضا:
"قوله في حديث ابن عمر: "ولا تنتقب المرأة" وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئَا من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتُعْرِضُ عن الرجال، ويُعْرِضون عنها" (٤) اهـ.
* وذكر القرطبي في تفسيره:
"أن ابن خويز منداد من علماء المالكية قال: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك، وإن كاتَ عجوزا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها" (٥) اهـ.
стр. 1384
* قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المعروف بالحطاب المالكي:
"واعلم أنه إن خشي من المرأة الفتنة يجب عليها ستر الوجه والكفين، قاله القاضي عبد الوهاب ونقله عنه الشيخ أحمد زروق في "شرح الرسالة" وهو ظاهر التوضيح هذا ما يجب عليها" (١) اهـ.
* وقال الشيخ محمد عرفة الدسوقي ﵀:
"قوله: "كستر وجه الحرة ويديها" فإنه يجب إذا خيفت الفتنة بكشفها" (٢) اهـ.
وقال أيضَا:
"متى أرادت - يعني المحرمة - الستر عن أعين الرجال جاز لها ذلك مطلقًا، عَلِمَت أو ظنت الفتنة بها أم لا، نعم إذا علمت أو ظنت الفتنة بها كان سترها واجبًا" (٣) اهـ.
* ثالثًا: المذهب الشافعي:
في كشف وجه المرأة وكفيها والنظر إلى ذلك - عند الشافعية - ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يخاف الفتنة، أو ما يدعو إلى الاختلاء بها لجماع أو مقدماته، فالنظر والكشف في هذه الحالة حرام بالإجماع كما قاله الإمام. الحالة الثانية: أن ينظر إليهما بشهوة، وهي قصد التلذذ بالنظر المجرد،
стр. 1385
وأمن الفتنة، فيحرم مطلقا، وعلى المرأة ستر وجهها وكفيها من رؤوس الأصابع إلى المعصم ظهرَا وبطنَا.
الحالة الثالثة: أن تنتفي الفتنة، وتؤمن الشهوة؛ ففي هذه الحالة قولان: الأول: لا يجوز، ولو من غير مشتهاة، أو خوف فتنة على الصحيح،
وهو قول النووي ﵀ في "المنهاج"، والإصطخري، وأبي علي الطبري، واختاره الشيخ أبو محمد، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والروياني، وغيرهم، ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه، وبأن النظر محرك للشهوة، ومظنة للفتنة، وقد قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) ، واللائق بمحاسن الشريعة سد باب الذرائع إلى المحرم، والإعراض عن تفاصيل الأحوال، أي بشهوة أو بغير شهوة، كما قالوه في الخلوة مع الأجنبية (١) .
* قال العلامة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى:
"إن الأقرب إلى صنع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر، لا
في الصلاة" اهـ.
الثاني: لا يحرم عند أمن الفتنة وعدم الشهوة، لقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) وهو مفسَّر بالوجه والكفين، ونسبه
الإمام للجمهور، والشيخان النووي، والرافعي للأكثرين.
قال في "المهمات":
"إنه الصواب لكون الأكثرين عليه، وهو قول الرافعى".
* قال البلقيني:
"الترجيح بقوة المدرك والدليل فإن نظرت لقوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ
стр. 1386
يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) ، ولقاعدة سد الذرائع إلى المحرم رجحت الحرمة وإذا نظرت لقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) رجحت جواز النظر، والفتوى والمذهب على ما جاء في المنهاج من الحرمة مطلقًا، وهو القول الأول، وهو الراجح" (١) اهـ.
* وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى:
"فإذا خرجت - أي المرأة - فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال، ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة، كوجه المرأة في حقه، بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، فإن لم تكن فتنة فلا، إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء، لأمروا بالتنقب، أو منعن من الخروج إلا لضرورة" (٢) اهـ.
ورجح الغزالي أيضًا في "الإحياء" أن كشف وجه المرأة للأجنبي حرام، وأن نهي الأجنبية عنه واجب.
* قال الزبيدي ﵀:
"قوله لها في تلك الحالة: لا تكشفي وجهك أي استري وجهك واجب
أو مباح أو حرام لا يخلو من أحد الثلاثة فإن قلتم: إنه واجب، فهو الغرض المطلوب لأن الكشف معصية، والنهي عن المعصية حق" (٣) اهـ.
стр. 1387
* قال العلامة محمد الشربيني الخطيب الشافعي ﵀:
(وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء: أي منع الولاة لهن معارَض بما حكاه القاضي عياض عن العلماء أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة، وعلى الرجال غض البصر عنهن للآية، وحكاه المصنف عنه في شرح مسلم، وأقره عليه.
وقال بعض المتأخرين: "إنه لا تعارض في ذلك، بل منعهن من ذلك،
لا لأن الستر واجب عليهن في ذاته، بل لأن فيه مصلحة عامة، وفي تركه إخلال بالمروءة".
وظاهر كلام الشيخين أن الستر واجب لذاته، فلا يتأتى هذا الجمع، وكلام القاضي ضعيف، وحيث قيل بالجواز كره، وقيل: خلاف الأولى، وحيث قيل بالتحريم - وهو الراجح - هل يحرم النظر إلى المنتقبة التي لا يتبين منها غير عينيها ومحاجرها أم لا؟
* قال الأذرعي:
"لم أر فيه نصّا، والظاهر أنه لا فرق، لاسيما إذا كانت جميلة، فكم من المحاجر من خناجر" اهـ، وهو ظاهر) (١) اهـ.
* وقال الخطيب الشربيني أيضا:
"ويكره أن يصلي في ثوب فيه صورة، وأن يصلي الرجل ملثما، والمرأة منتقبة، إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها، فلا يجوز لها رفع النقاب" (٢) .
* وفي حواشي الشرواني والعبادي:
"من تحققت من نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه، وإلا كانت
стр. 1388
معينه له على حرام، فتأثم" (١) اهـ،
* رابعا: المذهب الحنبلي:
نقل العلامة ابن مفلح عن شيخ الإسلام قوله:
"وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز" (٢) اهـ. وتقدم مثله عن تلميذه الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀ (٣) .
* وقال العلامة ابن مفلح ﵀:
"قال أحمد: ولا تبدي زينتها إلا لمن في الآية، ونقل أبو طالب: "ظفرها عورة، فإذا خرجت فلا تبين شيئًا، ولا خفها، فإنه يصف القدم، وأحب إليَّ أن تجعل لكمها زرُّا عند يدها"، اختار القاضي قول من قال: المراد بـ "ما ظهر" من الزينة: الثياب، لقول ابن مسعود وغيره، لا قول من فسرها ببعض الحلي، أو ببعضها، فإنها الخفية، قال: وقد نص عليه أحمد فقال: الزينة الظاهرة الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظفر" (٤) اهـ.
وقال العلامة ابن مفلح أيضَا:
"نقل أبو طالب: ظفر المرأة عورة، فإذا خرجت فلا يبين منها شيء، ولا خفها، فإن الخف يصف القدم، وَأحَبُّ إليَّ أن تجعل لكمها زرَّا عند يدها لا يبين منها شيء" (٥) اهـ.
* قال الإمام ابن قدامة ﵀:
"لا يختلف المذهب في أنه يجوز للمرأة كشف وجهها في الصلاة، وأنه
стр. 1389
ليس لها كشف ما عدا وجهها وكفيها، وفي الكفين روايتان".
إلى أن قال: "وقال بعض أصحابنا: المرأة كلها عورة، لأنه قد روى في حديث عن النبي ﷺ : "المرأة عورة" رواه الترمذي، وقال. "حديث حسن صحيح"، لكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة، وأبيح النظر إليه لأجل الخطبة لأنه مجمع المحاسن، وهذا قول أبي بكر الحارث بن هشام (١) ، قال: المرأة كلها عورة حتى ظفرها".
وقال: "فأما الكفان فقد ذكرنا فيهما روايتين: إحداهما: لا يجب سترهما لما ذكرنا (٢) ، والثانية: يجب، لقول النبي ﷺ : "المرأة عورة"، وهذا عام إلا ما خصه الدليل، وقولُ ابن عباس: "الوجه والكفان" قد روى أبو حفص عن عبد الله بن مسعود خلافه قال: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: الثياب، ولا يجب كشف الكفين في الإحرام، إنما يحرم أن تلبس فيهما شيئَا مصنوعا على قدرهما، كما يحرم على الرجل لبس السراويل، والذي يستر به عورته" (٣) اهـ.
стр. 1390
* وقال العلامة علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي ﵀:
(قوله: "والحرة كلها عورة، حتى ظفرها وشعرها إلا الوجه" والصحيح
من المذهب: أن الوجه ليس بعورة، وعليه الأصحاب، وحكاه القاضي إجماعا، وعنه: الوجه عورة أيضًا، قال الزركشي: "أطلق الإمام أحمد القول بأن جميعها عورة، وهو محمول على ما عدا الوجه، أو على غير الصلاة" اهـ، وقال بعضهم: الوجه عورة، وإنما كشف في الصلاة للحاجة.
قال الشيخ تقي الدين: "والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر، إذ لم يجز النظر إليه") (١) اهـ.
* وقال المحقق أبو النجا شرف الدين موسى الحجاوي المقدسي ﵀:
"والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها وشعرها إلا وجهها،
قال جمع: وكفيها، وهما والوجه عورة خارجها باعتبار النظر كبقية بدنها" (٢) اهـ.
* وقال العلامة منصور بن إدريس البهوتي ﵀:
"ولا خلاف في المذهب أنه يجوز للمرأة الحرة كشف وجهها في الصلاة، ذكره في المغني وغيره، "قال جمع: وكفيها" واختاره المجد، وجزم به في العمدة، والوجيز، لقوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال ابن عباس وعائشة: "وجهها وكفيها" رواه البيهقي، وفيه ضعف،
стр. 1391
وخالفهما ابن مسعود، وهما - أي الكفان والوجه - من الحرة البالغة عورة خارجها - أي الصلاة - باعتبار النظر كبقية بدنها، لما تقدم من قوله ﷺ :
" المرأة عورة" (١) اهـ.
* وقال الشيخ مصطفى السيوطي الرحيباني ﵀:
"والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها وشعرها. . إلا وجهها، لا خلاف في المذهب أنه يجوز للمرأة الحرة كشف وجهها في الصلاة، ذكره في المغني" وغيره" (٢) اهـ.
وقال الشيخ عبد القادر بن عمر الشيباني ﵀:
"والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها وشعرها "إلا وجهها" والوجه والكفان من الحرة البالغة عورة خارج الصلاة باعتبار النظر كبقية بدنها" (٣) اهـ.
تنبيهات
الأول: نستطيع أن نخلص مما تقدم بأن علماء المذاهب الأربعة يكادون يتفقون على وجوب تغطية المرأة جميع بدنها عن الأجانب، سواء منهم من يرى أن الوجه والكفين عورة، ومن يرى أنهما غير عورة لكنه يوجب تغطيتهما في هذا الزمان لفساد أكثر الناس، ورقة دينهم، وعدم تورعهم عن النظر المحرم إلى وجه المرأة الذي هو مجمع المحاسن، ومعيار الجمال، ومصباح البدن (٤) .
стр. 1392
الثاني أجمع العلماء على مشروعية احتجاب النساء عن الرجال الأجالب فقد نقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن ابن المنذر أنه قال "أجمعوا على أن المرأة المحرمة تلبس المخيط كله، والخفاف، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها إلا وجهها، فتسدل عليه الثوب سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الأجانب" اهـ. وهذا يقتضي أن غير المحرمة مثل المحرمة فيما ذكر، بل أولى" (١) اهـ. وفيه دليل واضح، وكشف فاضح لجهل من ادعى أن النقاب بدعة لا أصل لها في الإسلام (٢)
الثالث: أنه رغم الخلاف القديم بين الفقهاء في هذه المسألة إلا أنه بقي خلافًا نظريًّا إلى حَد بعيد، حيث ظل احتجاب النساء هو الأصل في الهيئة الاجتماعية خلال مراحل التاريخ الإسلامي، وفيما يلي نُقُول عن بعض الأئمة تؤكد أن التزام الحجاب كان أحد معالم "سبيل المؤمنين" في شتى العصور:
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ أن الحرة تحتجب، والأمة تبرز" (٣) اهـ.
* ونقل الإمام ابن رسلان ﵀:
اتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات (٤) اهـ.
стр. 1393
* وقال أبو حامد الغزالي ﵀:
"لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات" (١) اهـ.
* وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀:
"إن العمل استمر على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال" (٢) اهـ.
الرابع: ما هي الحالات التي يرخص فيها بالسفور أمام الأجنبي؟
نظرًا لأن الشرع الحنيف إنما حرم السفور سدًّا لذريعة الفتنة، ونظرَا للقاعدة الفقهية التي تنص على أن: ما مُنعَ سدًّا للذريعة ابِيحَ للمصلحة الراجحة، فقد رفع الله الحرج عن المرأة حيث احتاجت إلى كشف وجهها، وكذا عن الرجل إذا طرأت حاجة إلى النظر إليه، فمن هذه الحالات:
أولا: عند الخِطبة، وقد تقدمت الأدلة في ذلك (٣) .
ثانيا: عند التداوي إذا فقدت طبيبة تداويها، بشرط عدم الخلوة، وقصر النظر على موضع الحاجة، وتحري الطبيب العدل الثقة (٤) .
ثالثا: عند تعليمها العلم الواجب إذا افتقدت امرأة تعلمها، وكذا محرما صالحًا، وأن يتعذر التعليم من وراء حجاب، وإلا لم يحل لها الكشف، ولا له النظر، وأن تؤمن الفتنة من الجانبين.
رابعا: عند التقاضي، والشهادة، وزاد بعضهم: المعاملة التي قد تستوجب الشهادة.
стр. 1394
* قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى:
للمفتي والقاضي والشاهد أن ينظر إلى وجه المرأة إذا كلمتهم في الفتوى والقضاء والشهادة، فأما القاضي والشاهد فلابد من كشف وجهها له لِيَعْلَمَ على من يَقضي، وعلى من شَهد، إذ العلم بالمقضي عليه والمشهود عليه شرط، فأما المفتي فلا ينظر إليها إلا إذا كانت سافرة بسبب أو كان ذلك مما يتعلق بالتقوى، ومن العلماء من قال: ينظر إليها، فإنها مأمورة بسؤاله، وهو مأمور بإجابتها، وكلاهما عورة أباحته الفتوى، فكذلك رؤيتها لأن ذلك يتم بالرؤية" (١) اهـ.
خامسا: عند الإكراه، كما في حالة العيش في ظل حكومات "إرهابية" جائرة، تسلط جلاوزتها على المنتقبات لإيذائهن، أو اعتقالهن، أو فصلهن من وظائفهن إذا كانت المصدر الوحيد لرزقهن، فإن الأمر إذا ضاق اتسع، والصبر أولى.
وفي جميع الحالات الاستثنائية الآنفة الذكر، يجب على المرأة أن تجتنب إظهار زينتها كالحلي والأصباغ ونحوها.
التنبيه الخامس: اعلم أن الشريعة المحكمة ترمى من وراء تشريع الحجاب إلى منع الفتنة ابتداء من مجرد الاستحسان والتلذذ بالنظر الذي هو زنا العين، وانتهاء بالفاحشة الكبرى، وآية ذلك:
- أن للمرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والحج إذا أمنت نظر الرجال إليها.
- وأن لها أن تكشفه في الظلام إذا كانت بحيث لا تُرى، وعليه حُملَ حديث (كن ينصرفن من صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس) . إن احتمل كونهن سافرات.
- وأن لها أن تكشفه أمام رجل أعمى لا يراها.
стр. 1395
- وأن لها أن تكشفه إذا كانت عجوزًا قاعدًا لا يُشتَهي مثلها.
- وأن لها أن تكشفه أمام صبي غير ذي شهوة، وكذا أمام من ذهبت شهوته من الرجال، أو من لا شهوة له منهم أصلا.
***
стр. 1396
الخاتمة
تذكرة ... ومعذرة
* أما التذكرة:
فهي للمؤمنين والمؤمنات، والتائبين والتائبات:
قال الله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)) [الذاريات: ٥٥]
وقال رسول الله ﷺ : "إن الدين النصيحة" الحديث (١) ، وقال ﷺ في صفة المؤمن: "إن المؤمن خُلِق مُفَتَّنا، تَوابَا نسِيا، إذا ذُكرَ ذَكَرَ" (٢) .
فيا أيتها الأخت المسلمة:
تدبري قول الله تعالى: " (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)) [الحديد: ١٦] ، فهلا كان جوابكِ: "بلى آن يارب"؟
وهلا تدبرت قول رسول الله ﷺ : "نَحِّ الأذى عن طريق المسلمين" (٣) ؟
فإذا كانت إماطة الأذى عن الطريق من شُعَبِ الإيمان التي أمر بها رسول الله ﷺ ؛ فأيهما أشد أذى: شوكة أو حجر في الطريق، أم فتنة
стр. 1397
تفسد القلوب، وتعصف بالعقول، وتشيع الفاحشة؟
إنه ما من شاب مسلم يبتلي منكِ اليوم بفتنة تصرفه عن ذكر الله، وتصده عن صراطه المستقيم - كان بُوسعكِ أن تجعليه في مأمنٍ منها - إلا أعقبك منها غدًا نكال من الله عظيم.
يا غافلا يتمادَى ... غدًا عليكَ يُنادَى
هذا الذي لم يُقَدِّمْ ... قبل الترحُّل زادا
هذا الذي وعظوه ... وخَوَّفوه المعادا
فلم يكن لمنادِيه ... طائِعًا منقادا (١)
بادري إلى طاعة ربك ، ودعي عنكِ انتقادَ الناس ولومَهم،
فإن حساب الله غدا أشد وأعظم:
أيها اللائمُ دعني ... لستُ أصغي للملام
انني أطلب مُلكًا ... نيلُه صعْبُ المرام
في جِنانِ الخُلْدِ في الفِرْ ... دَوْسِ في دارِ السلام
قولي لدعاة الرذيلة، وخونة الفضيلة:
إليك عني، إليكَ عني ... فلستُ منكَ، ولستَ مني
ترفعي عن طلب مرضاتهم ومداهنتهم، فإن التسامي إلى مرضاة الله أسعد لك وأسلم، عن عروة بن الزبير رضى الله عنهما مرفوعا: "من التمس رضا الله بسخط الناس، ﵁، وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس" (٢) .
وإن كنتِ حقا قد رضيتِ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولا وبزوجاته وبناته ونساء المؤمنين أسوة وقدوة:
فسارعي إلى التوبة، ولا تُسَوِّفي، بل قولي كما قال موسى ﵇: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه: ٨٤] .
стр. 1398
وقولي كما قال المؤمنون من قبل: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: ٢٨٥] .
وأما المعذرة
فهي إلى ربنا ، من:
- هؤلاء المعرضين الذين سيقولون بلسان حالهم: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) [الشعراء: ١٣٦] .
- وهؤلاء المغرضين المضلين الذين تمردوا على أهل العلم، وشذوا عن المألوف، وأمروا بالمنكر، ونَهَوْا عن المعروف.
أعني أصحاب العقلية الورقية التافهة الذين يَتَوَلَّوْنَ اليوم البحث في قضايا المرأة والحجاب، ويقومون بصياغة الشعارات الاجتماعية التي تتمخض كل يوم عن بلية لا لَعًا (١) لها، وفتنة - وقى الله شرها - ممثلة في تلك الفتاوى المضجعة، المحلولة العقال، المبنية على التجري، لا التحري، المؤسسة على الظن، وهو أكذب الحديث، أو الهوى، وهو معبود باطل خبيث، يصدرها قوم لا خلاق لهم من الصحافيين، ومن أسموهم المفكرين، تعج منهم الحقوق إلى الله عجيجا، وتضج منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجا يُنَفِّرون من النقاب لا لأن البحث العلمي أداهم إلى أنه مكروه أو محرم أو بدعة كما يرجفون ولكن لأنه يشمئز منه مقلدوهم من كفار الشرق والغرب.
فاللهم باعد بين نسائنا وبناتنا وأخواتنا وبينهم كما باعدت بين المشرق
والمغرب.
ويا أيها الناظر فيه، الواقف على معانيه:
стр. 1399
إنْ تجدْ عيبا فَسُدَّ الخَلَلَا ... فجلَّ من لا عيب فيه وعلَا
***
فما كان فيه من حق وصواب فمن الله هو المانُّ به، فإن التوفيق بيده،
وما كان فيه من زلل فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.
ولله دَر الإمام ابن القيم ﵀ حيث قال:
فلك أيها القارئ صفوُهُ، ولمؤلفه كدرُهُ، وهو الذي تجشَم غراسه وَتَعَبَهُ، ولك ثَمَره، وها هو قد استهدف لسهام الراشقين، وأستعذر إلى الله من الزلل والخطأ، ثم إلى عباده المؤمنين (١) .
***
وهذا آخر ما قصدت جمعه وترتيبه، وإني أبتهل إلى الله تعالى بأكف الضراعة وأتوسل إليه بحبه نَبِيَّهُ محمدَا ﷺ أن يجعله خالصَا لوجهه الكريم، وسببا للفوز بالرضى والقبول والتكريم، وأن يجعله لنفع عباده الصالين موقوفَا، وعن أهل التحذلق والتنطع مصونًا مصروفا، وأن يرحمني ووالديَّ وسائر المسلمين، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين:
قرُب الرحِيلُ الى دِيارِ الآخره ... فَاجعَلْ إلهي خيرَ عُمرِي آخِرَهُ
فلئن رَحمتَ فأنت أكرم رَاحِمٍ ... وَبِحارُ جُودِك يا إلهي زاخِرَه
آنِسْ مبيتي في القبورِ وَوِحْدَتي ... وارحم عظامي حين تبقى ناخِرَه
فأنا المُسَيْكِينُ الذي أيَّامُهُ ... وَلَّتْ بِأوْزارٍ غَدَتْ مُتَواتِرَه
وتَولهُ باللُّطفِ عِنْدَ مَآلِهِ ... يا مَالِكَ الدنيا وَرَبَّ الآخِرَه (٢)
وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.