← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ولعّل الحكمة في ذلك أن الأمر بغض البصر مع بقاء الوجوه سافرة قد يشق على بعض النفوس، ولكنه مع الحجاب أيسر، ومن ثم فإن الأمر بغض البصر نزل تأكيدًا للحجاب القائم فعلًا، أي أنه - أي إطلاق البصر - لا يجوز للمرأة الأجنبية، وإن كانت محجبة سدّا للذرائع، ودرءًا للفتنة، فتناولت الشريعة الحكيمة إخماد الفتنة وسد ذريعتها من الجانبين: من جانب المرأة حيث كلفتها بالحجاب، ثم من جانب الرجل حيث كلفته بغض البصر. ولقد صار الحجاب بعد نزول الأمر بغض البصر في سورة النور أصلا من أصول النظام الاجتماعي في الدولة المسلمة، واستمر عليه المسلمون قرونا مديدة، ولم يستطع أحد أن يشكك في وجوب التزامه، ولم يطالب أحد ببتر جزء من هذا الحجاب خوفًا من تفريغ آية غض البصر من مضمونها، أو تعطيلها عن مجال عملها، تالله إنها لشبهة أوْهَى من بيت العنكبوت يغني فسادها عن إفسادها. السادس: سلمنا جدلا أن الأمر بغض البصر يُشِعر بأن هناك شيئًا مكشوفًا من المرأة هو الوجه، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الأمر بغض البصر يفيد تحريم النظر إلي وجه الأجنبية، ينتج أن النظر إلى الوجه المكشوف حرام. فلننتقل إلى السؤال التالي: كيف يكون الحكم لو شاع الفسق، وعاشت المرأة في مجتمع لا يتورع رجاله عن النظر إلى وجهها بشهوة، وأرادت هي أن لا تتسبب في حدوث هذا المنكر؟ والجواب لا يخرج عن أحد احتمالات: الأول: أن تلزم المرأة بيتها، ولا تغادره أبدًا، ولا يخفى ما فيه من مشقة لبعض النساء. والثاني: أنها إذا خرجت لحاجتها تكلف كل من تمر عليه من الرجال

стр. 1332

بأن يغمض عينيه، حتى لا تتسبب بسفورها في معصية النظر المحرمة، ولا يخفى ما فيه. والثالث: أنها إذا خرجت لحاجتها تغطي هي وجهها منعا لحدوث هذا المنكر الغالب على الظن وقوعه، ولا يخفى أن هذا أيسرها، والله أعلم. ومن هنا قال بعض العلماء: نعم، من تحققت من نظر أجنبي لها يلزم ستر وجهها عنه، وإلا كانت معينة له على حرام، فتأثم (١) . السابع: أن الأمر بغض البصر مطلق، فيشمل كل ما ينبغي أن يُغَضَّ البصر عنه، قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) ولم يبين الشيء الذي يُغَض عنه البصر، فدل على أن هذا الأمر مطلق فيشمل كل ما ينبغي غض البصر عنه، سواء أكان ذلك عن المسلمة المحجبة حتى في حالة احتجابها لشدة حرمتها، ودرءًا للفتنة، أو حينما يظهر شيء من بدنها عفوا من غير قصد، أو يقصد عند الضرورة أو الحاجة الشرعية، وسواء كان غض البصر عن الإماء المسلمات السافرات، أو عن نساء أهل الكتاب والسبايا اللائي لا يتحجبن، درءًا للفتنة بهن كذلك. ومما ينبغي أن نلتفت إليه أن من مقاصد الأمر بغض البصر: أن لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، وكذلك ألا تنظر المرأة إلى عورة المرأة. جاء في تفسير قوله تعالى (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) أن حفظ الفروج قسمان: أحدهما: حفظها عن أي شيء محرم سواء المباشرة كالزنا واللواط وإتيان الزوجة في الدبر أو المحيض وما إلى ذلك، فيكون موافقا لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧))

стр. 1333

[المؤمنون: ٥ - ٧] ، وقال ﷺ : "إنا نُهينا أن تُرى عوراتنا" (١) . وأما الثاني: فأن يحفظوها عن أن تنكشف للناس، وقد بين رسول الله ﷺ ذلك حينما سأله معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك"، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها"، قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: "فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه من الناس" (٢) . وعن أبي سعيد الخدري مرفوعا. "لا ينظر الرجل الى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفْضِي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" (٣) . وبين ﷺ عورة الرجل الى ينبغي غض البصر عنها في قوله ﷺ : "الفخذ عورة" (٤) . وقوله لجرهد الأسلمي ﵁: "غط فخذك، فإن الفخذ عورة" (٥) .

стр. 1334

وقوله ﷺ : "ما بين السرة والركبة عورة" (١) . فإذا تبين لك أن هذه المقاصد كلها تندرج تحت الأمر بغض البصر تبين لك فساد قول السفوريين، وجواب تساؤلهم: ما معنى الأمر بغض البصر إذا لم تكن وجوه النساء مكشوفة؟ والعلم عند الله . الشبهة العاشرة * وهي ما رواه عبد الله بن عباس ﵄ قال: أردف رسول الله ﷺ الفضل بن عباس ﵄ يوم النحر خلْفه على عَجُزِ راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئَا، فوقف النبي ﷺ للناس يُفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنُها، فالتفت النبي ﷺ والفضل ينظر إليها، فأخلف (٢) بيده فأخذ بذقن الفضل، فعدَّل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدْرَكَت أبي شيخا كبيرَا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: "نعم" (٣) . وفي رواية لعلي بن أبي طالب قال: ولوى عنق الفضل، فقال له

стр. 1335

العباس: يا رسول الله لمَ لويت عنق ابن عمك؟ قال: "رأيت شابًّا وشابة فلم آمن الشيطان عليهمَا" (١) . * تنوعت أجوبة العلماء عن هذا الحديث نذكر بعضها فيما يلي إن شاء الله: * قال الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي: قلت: لا حجة في الحديث للذين يقولون بجواز كشف الوجه والكفين لأنه ﷺ أنكر على الفضل بن عباس إنكارًا باتا بأن لوى عنقه وصرفه إلى جهة أخرى، وكان في هذا الصنيع من رسول الله ﷺ إنكار واضح لأنه أنكر باليد (٢) . وقال الحافظ في "الفتح" مشيرًا إلى هذا الحديث: "ويقرب ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "كنت رديف النبي ﷺ وأعرابي معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي ﷺ برأسي فيلويه، فكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة" ثم قال الحافظ: فعلى قول الشابة: إن أبي، لعلها أرادت جدها لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي ﷺ ليسمع كلامها، ويراها رجاء أن يتزوجها (٣) . ثم قال الحافظ وفي الحديث: منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر،

стр. 1336

وقال عياض: "وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة، قال: وعندي أن فعله ﷺ غطى وجه الفضل أبلغ من القول، ثم قال: لعل الفضل لم ينظر نظرا ينكر، بل خشي عليه أن يئول إلى ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب" اهـ. ثم قال الحافظ: روى أحمد وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال للفضل حين غطى وجهه: "هذا يوم مَن ملك فيه سمعه وبصره، ولسانه غفر له" (١) اهـ. * وقال الشيخ صالح بن فوزان أثناء رده على الدكتور يوسف القرضاوي: وأما استدلال المؤلف على جواز نظر الرجل الأجنبي إلى وجه المرأة بحديث الفضل بن العباس ونظره إلى الخثعمية وصرف النبي ﷺ وجه الفضل عنها، فهذا من غرائب الاستدلال لأن الحديث يدل على خلاف ما يقول لأن الرسول ﷺ لم يقر الفضل على ذلك، بل صرف وجهه، وكيف يمنعه من شيء مباح! (٢) قال النووي ﵀ عند ذكره لفوائد هذا الحديث: "منها تحريم النظر إلى الأجنبية، ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه" (٣) . وقال العلامة ابن القيم: "وهذا منع وإنكار بالفعل، فلو كان النظر جائزًا لأقره عليه" (٤) اهـ. وقال الدكتور البوطي معلقًا على نفس الحديث: "قالوا: فلولا أن وجهها عورة لا يجوز نظر الرجل الأجنبي إليه لما فعل رسول الله ﷺ ذلك

стр. 1337

بالفضل، أما المرأة ذاتها فقد كان عذرها في كشفه أنها كانت محرمة بالحج" (١) اهـ. * وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الحديث: قالوا: فالإخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم منه أنها كانت كاشفة عن وجهها. وأجيب عن ذلك أيضَا من وجهين: الأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها وأن النبي ﷺ رآها كاشفة عنه، وأقرها على ذلك، بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: أنها حسناء، ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها وأنه ﷺ أقرها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها. إلى أن قال ﵀: ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها، ومما يوضح هذا أن عبد الله ابن عباس ﵄ الذي روى عنه هذا الحديث لم يكن حاضرا وقت نظر أخيه إلى المرأة، ونظرها إليه لما قدمنا من أن النبي ﷺ قَدَّمه بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله (٢) ، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، واطلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدا لاحتمال أن يكون رأى وجهها وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها.

стр. 1338

فإن قيل: قوله إنها وضيئة، وترتيِبه على ذلك بالفاء قوله: "فطفق الفضل ينظر إليها"، وقوله: "وأعجبه حسنها" فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها وينظر إليه لإعجابه بحسنه. فالجواب: أن تلك القرائن لا تستلزم استلزاما لا ينفك أنها كانت كاشفة، وأن النبي ﷺ رآها وأقرها لما ذكرنا من أنواع الاحتمال، مع أن جمال المرأة قد يعرف وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة وذلك لحسن قدِّها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط كما هو معلوم، ولذلك فسر ابن مسعود، (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالملاءة فوق الثياب كما تقدم. ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب قول الشاعر: طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام ما ومنتقبا فقد بالغ في حسن قوامها مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفَا. الوجه الثاني: أن المرأة محرمة، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليها (١) ، وعليها ستره عن الرجال في الإحرام كما هو معروف عن أزواج النبي ﷺ وغيرهن، ولم يقل أحد إن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل ابن عباس ﵄ (٢) ، والفضل منعه النبي ﷺ من النظر إليها،

стр. 1339

وبذلك يعْلم أنها محرمة لم ينظر إليها فكشفها عن وجهها إذًا لإحرامها لا لجواز السفور (١) . فإن قيل: كونها مع الحجاج مظنة أن يرى الرجال وجهها إن كانت سافرة لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج، لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال. فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبي ﷺ الورع وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلًا ولا شرعًا ولا عادة من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها لحكى كما حكى نظر الفضل إليها، ويفهم من صرف النبي ﷺ بصر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة وهي سافرة كما ترى، وقد دلت الأدلة المتقدمة على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم. وبالجملة فإن النصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغرائز البشرية وداعٍ إلى الفتنة والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول: قلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم أترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك؟ ولقد صدق من قال: وما عجب أن النساء ترجلت ... ولكن تأنيث الرجال عجيب (٢)

стр. 1340

* وقد قال الألباني في هذا الحديث: والحديث يدل على ما دل عليه الذيَ قبله من أن الوجه ليس بعورة، لأنه كما قال ابن حزم: لو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرَّها على كشفه بحضرة الناس ولأمرها أن تسبل عليه من فوق؛ ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء (١) . * قال الشيخ حمود التويجري: وأما قول ابن حزم: "لو كان وجهها مغطى ما عرف ابنُ عباس أحسناءُ هي أم شوهاء" فجوابه: أن يقال: إن عبد الله بن عباس لم يشهد قصة الخثعمية (٢) ولم يَرَ وجهها، وإنما حدثه بحديثها أخوه الفضل بن عباس ﵄. ثم قال: وإن كان الفضل قد رأى وجهها فرؤيته له لا تدل على أنها كانت مستديمة لكشفه، ولا أن النبي ﷺ قد رآها سافرة بوجهها وأقرها على ذلك، وكثيرًا ما ينكشف وجه التحجبة بغير قصد منها، إما بسبب اشتغال بشيء أو بسبب ريح شديدة أو لغير ذلك من الأسباب فيرى وجهها من كان حاضرَا عندها، وهذا أولى ما حُملت عليه قصة الخثعمية، والله أعلم (٣) اهـ. * وقريب من هذه الأجوبة ما أجاب به فضيلة الشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي حيث قال ﵀:

стр. 1341

قلت: أما حديث ابن عباس فليس فيه أن الخثعمية كانت كاشفة وجهها نصا، ومن زعم ذلك فقد أقحم فيه ما ليس في لفظه، وإنما فيه أنها وضيئة وحسناء، والوضاءة والحسن: البياض والجمال مطلقا وهو لا يختص بعضو دون آخر، كما يصدق هذا النعت والوصف على كل عضو على انفراده من أعضائها، ومن الجائز أن الفضل لما رأى بياض وجمال بعض ما بدا منها، بغلبته لها واضطرارها لإظهاره، كسائر النساء إذا ركبن الدواب أعجبه لشدة بياضه وحسنه. وقال ﵀: ويحتمل أنها كانت كاشفة وجهها أمام الناس، فسكت عنها النبي كسكوته عن الكلام مع الفضل، مكتفيًا بتحويل وجهه عن النظر إليها لقربه منه، ولم ينكر عليها لحداثة عهدها بالإسلام، كما سكت عن المرأة التي بايعت على الإسلام وشرط عليها ألا تنوح على ميت، فقالت: فلانة أسعدتني، وأنا أريد أن أجزيها، فما قال لها شيئَا، ولا أنكر عليها ولا أبى عن مبايعتها لعلمه أنها إذا تمكن الإيمان من قلبها لابد أن تنقاد لأوامره، وتنتهي عن نواهيه، وتُحرم النياحة. وقال: "واحتمال آخر قريب هو أن البدويات ومن لم يتعودن ركوب الدواب ولا الأسفار إلا قليلا، يعرض لهن ما يضطرهن إلى كشف بعض ما وجب ستره عليهن، وما اعتدن أن يحجبنه عن الأجنبي" (١) اهـ. * وقال الشيخ أبو هشام الأنصاري حفظه الله: "هذا هو النص الذي كثيرًا ما يتوكأ عليه من يتصدى لشق ستور النساء من علماء هذا الزمان، يتوكأ عليه لإقامة الحجة على جواز السفور، مع أن هذا الاستدلال لا يتمشى على طريقة الفقهاء المحدثين، فهي واقعة حال لا عموم لها، يتطرق إليها من الاحتمالات ما لا يتركها كمصدر للدليل،

стр. 1342

فمعلوم أن كشفها عن وجهها كان لأجل الإحرام (١) لا لجواز السفور، ثم يحتمل أن تلك المرأة كانت راكبة فكانت تحتاج إلى كشف وجهها للتثبت على راحلتها والتمكن عن ظهرها وزمامها، أو التجأت إلى ذلك لازدحام الحجيج وإيابهم وذهابهم فكان ما انكشف منها من قبيل (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) ، أو تعمدت من كشف وجهها أن يراها النبي ﷺ شابة وضيئة حسناء فلعله يميل إلى التزوج بها، أو كشفت وجهها لأنها علمت أنها بمأمن من نظر الرجال. ويستأنس لذلك أن الراوي ذكر نظر الفضل إليها ولم يذكر نظر أحد غيره إليها، فلو نظر إليها أحد غيره، لحكى ذلك كما حكى نظر الفضل إليها، ولما صرف النبي ﷺ وجه الفضل عنها لم يبق أحد ينظر إليها حتى تحتاج إلى ستر الوجه وتؤمر به. ويفهم من صرف نظر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة وهي سافرة، وأن وجه المرأة هو مصدر الفتن ومزلة الأقدام، فمن شاء فليفتح بابها، ومن شاء فليغلق.

стр. 1343

والحاصل أن كل ما قدمنا من النصوص الدالة على وجوب الحجاب من الكتاب والسنة هي أصول وقوانين كلية، وهذه واقعة عين، وقد علمت ما فيها من الاحتمالات، فهي لا تصلح لمقاومة تلك النصوص، ولا يترك القانون الكلي في مقابلة واقعة عين مثل هذه" (١) اهـ. الشبهة الحادية عشرة * عن عائشة ﵂ قالت: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر مُتَلَفِّعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفُهن أحد عن الغَلَس". وفي رواية: ثم ينقلبن إلى بيوتهن، وما يُعْرَفن من تغليس رسول الله ﷺ بالصلاة، وفي رواية للبخاري: أن رسول الله ﷺ كان يصلي الصبح بِغَلَسٍ، فينصرفن نساء المؤمنين، لا يُعْرَفْنَ من الغلس، ولا يعرف بعضهن بعضا (٢) . قال الأصمعي: التلفع: أن تشتمل بالثوب حتى تجلل به جسدك، وقال الجوهري: تلفعت المرأة بمرطها أي تلحفت به، وكذا قال ابن الأثير، وزاد: وتغطت، قال: واللفاعُ: الثوب يُتغطى به، قال الجوهري: وتلفع الرجل بالثوب والشجرُ بالورق إذا اشتمل به وتغطى.

стр. 1344

* قال التويجري: "وهذا الحديث يدل على أن نساء الصحابة كن يغطين وجوههن، ويستترن عن نظر الرجال الأجانب، حتى إنهن من شدة مبالغتهن في التستر وتغطية الوجوه لا يَعْرِفُ بعضهُن بعضَا، ولو كُنَ يكشفن وجوههن لعرف بعضهُن بعضا كما كان الرجال يعرفُ بَعضهم بعضَا، قال أبو بَرْزَة ﵁: "وكان - يعني النبي ﷺ ينفتل من صلاة الغداة حين يعرفُ الرجل جليسه" (١) . قال الداودي في قوله "ما يعرفن من الغَلَس" معناه: لا يعرفْن أنساء أم رجال؟ أي لا يظهر للرائي إلا الأشباح خاصَّة. وقيل: لا يُعْرَفُ أعيانهن، فلا يُفَرَّقُ بين خديجة وزينب - قال النووي: وهذا ضعيف لأن المتلفعة في النهار لا يُعْرف عينُها فلا يبقى في الكلام فائدة (٢)

стр. 1345

وقول النووي هذا مع ما تقدم عن أئمة اللغة في تفسير التلفع يؤيد ما ذكرتُه من مبالغة نساء الصحابة ﵃ في التستر وتغطية وجوههن عن الرجال الأجانب، ويؤيد هذا ما تقدم (١) عن عائشة ﵂ أنها ذكرت نساء الأنصار وفضلهن، وأنهن لما أنزلت سورة النور (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) قامت كل امرأة منهن إلى مِرْطها فاعتجرت به، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجراتِ كان على رؤوسهن الغربان، رواه ابن أبي حاتم - وقد تقدم تفسير الاعتجار وأنه لف الخمار على الرأس مع تغطية الوجه" (٢) اهـ. * قال بدر الدين العيني ﵀: ثم عدم معرفتهن يحتمل أن يكون لبقاء ظلمة من الليل، أو لتغطيتهن بالمروط غاية التغطي، وقيل: معنى "ما يعرفهن أحد" يعني ما يعرف أعيانهن، وهذا بعيد، والأوجه فيه أن يقال: "ما يعرفهن أحد" أي: نساء هم أم رجال، وإنما يظهر للرائي الأشباح خاصة" (٣) اهـ. وقال في موضع آخر: "قوله "متلفعات" حال، أي متلحفات من التلفع، وهو شد اللفاع، وهو ما يغطي الوجه، ويتلحف به" (٤) اهـ. * وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف: "وهذا الحديث أيضَا ليس فيه دلالة على كشف الوجه مطلقًا، وحينما

стр. 1346

تكون المرأة في ظلمة لا تعرف فيها، فلا جناح عليها في كشف وجهها، لأن المقصود من لزوم التخمير هو عدم تمييز محاسن الوجه، وهذا ظاهر" (١) اهـ. الشبهة الثانية عشرة * قول بعضهم: "إن الدين يسر" وإباحة السفور مصلحة تقتضيها مشقة التزام الحجاب في عصرنا. والجواب من وجوه: أولا: تقرير خاصة اليسير ورفع الحرج في الدين عن المسلمين بأدلة القرآن والسنة: قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨] . وقال سبحانه: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)) [النساء: ٢٧، ٢٨] . وقال : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥] . وقال جل وعلا: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] . وقال ﵎ في وصف رسول الله ﷺ : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ (٢) حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ

стр. 1347

رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)) [التوبة: ١٢٨] وقال في صفته في التوراة والإنجيل: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) [الأعراف: ١٥٧] . فهذه الآيات صريحة في التزام مبدأ التخفيف والتيسير على الناس في أحكام الشرع، قال الشاطبي رحمه الله تعالى: إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع (١) . * أما السنة القولية: فمنها: قوله ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة" (٢) . وقوله ﷺ : "إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدينَ أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا" (٣) . وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ ومعاذًا إلى اليمن، فقال: "ادعُوا الناسَ، وبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا" (٤) .

стр. 1348

وقال للصحابة في حادثة الأعرابي الذي بال في المسجد: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين" (١) . وقال ﷺ : "بشروا، ولا تنفروا، ويسروا، ولا تعسروا" (٢) . وقال ﷺ : "خير دينكم أيسره" (٣) . * وأما سنته الفعلية ﷺ : فـ "ما خُيّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما، كان أبعدَ الناس منه" (٤) الحديث. أضف إلى ذلك ما ثبت من مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به، ثم إجماع علماء الأمة على عدم وقوع المشقة غير المألوفة في التكاليف الشرعية. والحاصل: أن الشارع لا يقصد أبدًا إعنات المكلفين أو تكليفهم ما لا

стр. 1349

تطيقه أنفسهم، فكل ما ثبت أنه تكليف من الله للعباد فهو داخل في مقدورهم وطاقتهم. ثانيا: أما دعوى أن إباحة السفور مصلحة معتبرة نظرَا لمشقة التزام الحجاب خصوصا في البلاد التي شاع فيها التبرج والانحلال، وحتى لا يرمى الإسلام بالتشدد، والمسلمون بالتطرف. فنبين فيما يلي - إن شاء الله - ضوابط المصلحة الشرعية، وعلاقة التكليف بالمشقة. يقول الوضعيون: (حيثما وجدت المصلحة فثم وجه الله) ، إما الأصوليون فيصدق على منهجهم أنه (حيثما وجد الشرع فثمة مصلحة العباد) . وحتى نفرق بين المنهجين، ونميز بين من أسلم وجهه لله، ومن أسلم نفسه للهوى نحدد ما هي: ضوابط المصلحة الشرعية الأول: اندراجها في مقاصد الشرع - وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال -، فكل ما يحفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول أو بعضها فهو مفسدة. الثاني: عدم معارضتها للقرآن الكريم، وذلك لأن معرفة مقاصد الشريعة إنما تم استنادًا إلى الأحكام الشرعية المنبثقة من أدلتها التفصيلية، والأدلة كلها راجعة إلى الكتاب، فلو عارضت المصلحة كتاب الله لاستلزم ذلك أن يعارض المدلول دليله، وهو باطل. قال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) [المائدة: ٤٩] ، وقال جل وعلا: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ

стр. 1350

إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [النساء: ٥٩] الآية. الثالث: عدم معارضتها للسنة، وإلا اعتبرت رأيا مذموما، وقد تواتر عن الصحابة ﵃ تواصيهم باجتناب الرأي في الدين. قال عمر ﵁: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن: أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واسْتَحْيَوْا حين سُئِلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم. الرابع: عدم معارضتها القياسَ الصحيح". الخامس: عدم تفويتها مصلحة أهم منها، أو مساوية لها. وإذا أحسنا تطبيق هذه الضوابط لى مسألتنا فلن نشك أن هذه "المصلحة" الموهومة غير معتبرة لمنافاتها هذه الضوابط. ثالثًا: فإذا كان لابد للمصلحة من أن تنضبط بكل ما ذكرنا، فما معنى قولهم إذن: المشقة تجلب التيسير؟ وقولهم: تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان؟ (١) والجواب: أنه ليس بين هاتين القاعدتين وبين الضوابط آنفة الذكر أي تعارض، بل هما منسجمتان معها موافقتان لها. أما الأولى وهي أن: "المشقة تجلب التيسير" فمعناها أن المشقة التي قد يجدها المكلف في تنفيذ الحكم الشرعي سبب شرعي صحيح للتخفيف فيه بوجهٍ ما. لكن ينبغي أن لا تفهم هذه القاعدة على وجه يتناقض مع الضوابط السابقة للمصلحة، فلابد للتخفيف أن لا يكون مخالفًا لكتاب ولا سنة ولا

стр. 1351

قياس صحيح ولا مصلحة راجحة. ومن المصالح ما نص على حكمه الكتاب والسنة، كالعبادات والعقود والمعاملات، وهذا القسم لم يقتصر نص الشارع فيه على العزائم فقط، بل ما من حكم أحكام العبادات والمعاملات إلا وقد شرع إلى جانبه سبل التيسير فيه: كالصلاة شرعت أركانها وأحكامها الأساسية، وشرع إلى جانبها أحكام ميسرة لأدائها عند لحوق المشقة كالجمع والقصر والصلاة من جلوس، وكالصوم شرع إلى جانب أحكامه الأساسية رخصة الفطر بالسفر والمرض، وكالطهارة من النجاسات في الصلاة شرع معها رخصة العفو عما يشق الاحتراز منه، وحرم الله أخذ مال الغير، وأرخص للمضطر أن يأخذ قدر ضرورته منه. وأوجب الله الحجاب على المرأة، ثم نهى عن النظر إلى الأجنبية، وأرخص في كشف الوجه والنظر إليه عند الخطبة، والعلاج، والتقاضي، والتعليم، والمعاملة، والإشهاد. إذن فليس في التيسير الذي شرعه الله في مقابلة عزائم أحكامه ما يخل بالوفاق مع ضوابط المصلحة، ومعلوم أنه لا يجوز الاستزادة في التخفيف على ما ورد به النص، كأن يقال: إن مشقة الحرب بالنسبة للجنود تقتضي وضع الصلاة عنهم أو تأخيرها إلى القضاء فيما بعد أو كأن يقال: إن مشقة التحرز عن الربا في هذا العصر تقتضي جواز التعامل به أو كأن يقال: إن مشقة التزام الحجاب في بعض المجتمعات تقتضي أن يباح للمرأة التبرج مثلا بدعوى عموم البلوى به قال ابن نجيم: المشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما مع النص بخلافه، فلا يجوز التخفيف بالمشقة (١) .

стр. 1352

ومما ينبغي توضيحه أن المشقة نوعان: الأول: مشقة معتادة مألوفة: وهي التي يستطيع الإنسان تحملها دون إلحاق ضرر به، فهذه المشقة غير مرفوعة عنا، ولا تنفك عنها العبادة غالبا، لأن كل عمل في الحياة لا يخلو عن مشقة، بل إن معنى التكليف - وهو (طلب ما فيه كلفة ومشقة) - لا يتحقق إلا بها، غير أنها محتملة تتلاءم مع طاقة الإنسان العادية، قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] . * قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن كانت المشقة مشقة تعب، فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له، بل على قدر التعب تكون الراحة (١) . ورُبَّ حكم شرعي جُلُّ مصلحته مرتبط بما فيه من المشقة والجهد كالقصاص والحدود، فمثل هذه المشقة لا أثر لها في التيسير والتخفيف، وإنما المشقة التي أنيط بها ذلك هو ما كان فوق الحد المعتاد بسبب طارئ". * قال العز بن عبد السلام ﵀: المشاق ضربان: أحدهما مشقة لا تنفك العبادة عنها، كمشقة الوضوء والغسل في شدة السبرات (٢) ، وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد، ولاسيما صلاة الفجر، وكمشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، وكمشقة الحج التي لا انفكاك عنها غالبًا، وكمشقة الاجتهاد في طلب العلم والرحلة فيه، وكذلك المشقة في رجم الزناة، وإقامة الحدود على الجناة، ولاسيما في حق الآباء والأمهات والبنين والبنات، فإن في ذلك مشقة عظيمة على مقيم هذه العقوبات بما يجده من الرقة والمرحمة بها

стр. 1353

للسراق والزناة والجناة من الأجانب والأقارب والبنين والبنات. ثم قال ﵀: "فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات، ولا في تخفيفها، لأنها لو أثرت لفاتت مصالح العبادات والطاعات، في جميع الأوقات، أو في غالب الأوقات، ولفات ما رتب عليها من المثوبات الباقيات، مادامت السماوات والأرض (١) . وهذه المشقة - وإن كانت سببَا للثواب والأجر - إلا أنها ليست هي المقصودة أصلا للشارع من الأفعال التي كلفنا بها (٢) ، وأنما المقصود هو المصالح المترتبة عليها. الشبهة الثالثة عشرة هل يلحق إظهار الوجه بما يكشف بدعوى عموم البلوى بكشفه؟ * أجاب عن هذا الشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي ﵀ فقال:

стр. 1354

"لا يصح هذا لأمور: أولاً: أنه لا حاجة تدفع إلى كشفه كالمذكورات، ويمكنها أن تحجب ما سوى العينين في طريقها دائمًا كما تشهد التجارب عند كل من أوجب ستره، كما أنها مستغنية عن إبدائه. ثانيا: أنه أزين شيء في المرأة، وأجمل ما يدعو إليها، ويغري بها، وهذا معترف به عند جميع الناس ممن يدين بالحجاب، ومن لا يدين به. ثالثا: أن كشفه أكبر مثير لشهوة الناظرين إليه من الرجال ما لم يكونوا من محارمها، كما أذن النبي ﷺ أن ينظر إليه منها، لأن حسنه يحمل على الرغبة فيها، كما يمنع قبحه عنها، وإن إدامة النظر إليه هي بريد الزنا، وانتهاك الأعراض، ووسيلة إلى اختلاط الأنساب وفشو الفواحش، وما ينتج عنه من أمراض وسفك دماء عند ذوي الغيرة. رابعا: أن من حكمة التشريع الإلهي وكذلك البشري العمل على تقليل الشر بمنع وسائله، وتكثير الخير بتقريب أسبابه وتسهيلها على طالبيه. خامسا: أنه قد لُمِس وشوهد عيانا أن الفجور المتفشي في الأمم اليوم، وقبل الأيام الحاضرة، أول أساس له كشف وجوه النساء عند غير محارمهن، وذلك أنه إذا كشفته زال عنها الحياء، الذى هو أكبر حصن عليها لعفتها، وسياج عن الرجال إليها، وحينئذ تجترئ على مخاطبة الرجال، وتأنس من الدنو من فلان وعلان، ويطمع فيها كل فاجر يتمكن من الاتصال بها للين حديثها، وارتفاع الخفر عنها كما تيقن هذا من لم يغلب هواه على عقله ودينه وفطرته، ويصدقه التجارب عند جميع أجناس البشر في كل زمان" (١) اهـ. * وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف:

стр. 1355

"وعلى هذا فلم يكن هذا التقليد (١) الذي يخالف السنة مبيحًا لما ثبت من المنهيات الشرعية، وأخذت به الأمة الإسلامية، فالبلوى لها حكمها، والمجتمعات لها أحكامها، لأن البلوى لا تبيح محرما في نفس الأمر، كما لا تبيحه عادات المجتمعات، ولا ينقلب الحرام مباحًا بتغير الزمان والمكان. إن الفتنة هي قاعدة من قواعد التحريم، فلو قلنا بانتفاء الفتنة عمن كانت في "لندن" مثلا، بحيث إن السفور هو العادة المتبعة، وربما تنتفي الفتنة غالبًا، فهل يقال: إن هذا السفور مباح للمرأة المسلمة؟ نقول: لا يكون السفور مباحًا، لأنه لا يجوز لها أن تكشف وجهها للرجال الأجانب لعموم النص، ولو انتفت الفتنة غالبا رغم أنه قد يكون من الصعب عليها أن تكون غير سافرة هناك، وربما كان التستر شهرة تلفت أنظار المجتمع بأسره، وكل ذلك لا يكون عذرا لإبداء وجهها" (٢) اهـ. الشبهة الرابعة عشرة هل إباحة السفور من الرفق بالنساء؟ * استدل بعضهم - إلى جانب الأحاديث المشيرة إلى يسر الإسلام وسماحته – بقوله ﷺ : "استوصوا بالنساء خيرا" (٣) ، وقوله ﷺ : "رفقًا

стр. 1356

بالقوارير" (١) ، على أن هذه النصوص تقتضي إباحة السفور لهن. * وجواب ذلك أن وصيته ﷺ بالنساء خيرًا حق لا ريب فيه، ولكن السؤال: هل السفور من الخير الذي أوصى به النبي ﷺ ؟ إن النصوص الواردة في الوصية بالنساء خيرًا في جملتها تأتي بحسن العشرة، وإلزامهن بالخير لهن في أمري الدين والدنيا بأسلوب الرفق وحسن الخلق وما إلى ذلك. فالحق الذي يصح به اتباع وصيته ﷺ هو اتباع هديه القائم بنفسه، وفي أهله وبناته ونساء المؤمنين من الأقوال والأفعال، ومن خالف ذلك فإنه لم يعمل بوصيته ﷺ . أما قوله ﷺ : "رفقا بالقوارير" (٢) فهو يعني أمهات المؤمنين ومن خالطهن من نساء الصحابة ﵃ وعنهن، وأما قياس السافرات عليهن في هذا الخطاب فهو خطأ، وليس من الحق في شيء. ويؤخذ من وصفه ﷺ النساء بالقوارير أن ذلك كقوله ﷺ : "فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها" (٣) .

стр. 1357

وفي رواية هشام عن قتادة: "رويدك سوقك، ولا تكسر القوارير" قال أبو قلابة: يعني ضعفة النساء، قيل في تفسيره: شبههن بالقوارير لسرعة انقلابهن عن الرضا، وقلة دوامهن على الوفاء، كالقوارير يسرع إليها الكسر، ولا تقبل الجبر، وقد استعملت الشعراء ذلك، قال بشار: ارفق بعمرو إذا حركت نسبته ... فإنه عربي من قوارير (١) والمقصود أن من أراد تقويم الزجاجة كسرها، ومن هذا الوجه جاءت وصيته ﷺ بالنساء خيرَا، وباستعمال الرفق بهن في كل أمر يُطلب منهن الاستقامة عليه، وهذا من أهداف حسن العشرة. ومعلوم أن غالب النساء ضعيفات بالخير، قويات بالشر والفتنة، فالرجل قائم على المرأة مسؤول عنها بالمعنى الكامل في جميع أوجه الخير، وإلزامها بلوازم الإسلام، وما يجب لها، وعليها، من إيصال النفع، ودفع الشر. وهذا كله داخل تحت قوله ﷺ : "لتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا" أو "لتقصرنه على الحق قصرًا" (٢) . والأطر معناه العطف، أي: تعطفونه، وتردونه، والقصر: معناه الحبس أي يحبس عن فعل الشر، هكذا قال العلماء. فكل من لا يمتثل الحق، ويأخذ الواجبات الشرعية فإنه ظالم يجب

стр. 1358

وجوبًا شرعيا على من خاطبهم الخبر الأخذ على أيديهم ما أمكن، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. إذا تبين هذا، فإننا نقول: إن استجابة المرأهٌ للحق، أو عدم استجابتها ليس شرطًا في تحريم السفور أو إباحته، وإنما ذلك يبنى على أمرين: الأول: أن السفور شر عام للمرأة والرجل، سواء في ذلك من رضي أو من كره، ولا يمكن لفرد مسلم أن يقول: "إنه من الخير"، وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يجب علينا وجوبا شرعيا محاربة الشر أيًّا كان مصدره، سواء تغلبنا عليه بمحاربتنا إياه أو لا، وعلى قدر المراتب التي أقامها ﷺ كأساس لمن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر في قوله ﷺ : "من رأى منكم منكرَا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الأيمان" (١) . الثاني: أن النزاع في إثبات الواجب إنما يكون في الدعوة إلى ما هو الحق الذي شرعه الله ﵎ وشرعه نبينا ﷺ ، وعليه السلف الصالح، وامتثلته المرأة المؤمنة في عهده ﷺ ، وهم القدوة الحسنة في الاتباع. ***

стр. 1359

الشبهة الخامسة عشرة الفهم المغلوط لقاعدة: "تبدل الأحكام بتبدل الأزمان" أولا: تقرر عند أهل العلم أن "الحكم الشرعي" لا يتبدل مهما تبدلت الأزمان، وتغيرت الأعراف اللهم إلا عن طريق النسخ، وقد أُغْلِق بابُه بعد تكامل هذا الشرع الحنيف بانتقال رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى. وقاعدة "تبدل الأحكام بتبدل الأزمان" مبنية على قاعدة فقهية أخرى وهي أن "العادة مُحَكَّمة" أي أن عرف الناس مُحَكَّم في الأحكام الشرعية، وقد فهم القوم من ذلك أنه مادامت أعرافهم متطورة بتطور الأزمان؛ فلابد أن تكون الأحكام الشرعية كذلك. ولا ريب أن هذا الكلام إذا كان مقبولا على ظاهره، لاقتضى أن يكون مصير شرعية الأحكام كلها رهنًا بيد عادات الناس وأعرافهم، وهذا لا يمكن أن يقول به مسلم، لكن تحقيق المراد من هذه القاعدة: أن ما تعارف عليه الناس، وأصبح عرفًا لهم: (١) إما أن يكون هو بعينه حكما شرعيّا أيضا، بأن أوجده الشرع، أو كان موجودًا فيهم فدعا إليه وأكَّده، مثال ذلك: الطهارة عند النجس والحدث عند القيام إلى الصلاة، وستر العورة فيها، وحجب المرأة زينتها عن الأجانب، والقصاص في الجنايات، والحدود في الزنا والسرقة والخمر وما شابه ذلك، فهذه كلها أمور تعَدُّ من أعراف المسلمين وعاداتهم، وهي في نفس الوقت أحكام شرعية يستوجب فعلها الثواب، وتركها العقابَ؛ سواء منها ما كان متعارفًا قبل الإسلام ثم جاء الحكم الشرعي مؤيدا ومحسِّنًا له، كحكم القسامة والدية والطواف بالبيت، وما كان غير معروف قبل ذلك وإنما أوجده الإسلام نفسه كأحكام الطهارة

стр. 1360

والصلاة والزكاة وغيرها فهذه الصورة من الأعراف لا يجوز أن يدخلها التبديل والتغيير مهما تبدلت الأزمنة، وتطورت العادات والأحوال، لأنها بحد ذاتها أحكام شرعية ثبتت بأدلة باقية ما بقيت الدنيا، وليست هذه الصورة هي المعنية بقول الفقهاء: "العادة محَكمة". (٢) وإما أن لا يكون حكما شرعيًا، ولكن تعلق به الحكم الشرعي بأن كان مناطًا له، مثال ذلك: ما يتعارفه الناس من وسائل التعبير وأساليب الخطاب والكلام، وما يتواضعون عليه من الأعمال المخلة بالمروءة، والآداب، وما تفرضه سنة الخلق والحياة في الإنسان مما لا دخل للإرادة والتكليف فيه كاختلاف عادات الأقطار في سن البلوغ، وفترة الحيض والنفاس. فهذه الأمثلة أمور ليست بحد ذاتها أحكامًا شرعية كالأمثلة السابقة في النوع الأول، ولكنها متعلق ومناط لها، وهذه الصورة من العرف هي المقصودة من قول الفقهاء (العادة مُحَكَمة) ، فالأحكام المبنية على العرف والعادة هي التي تتغير بتغير العادة، وهنا فقط يصح أن يقال: (لا يُنكَر تبدلُ الأحكام بتبدل الأزمان) ، وهذا لا يعد نسخا للشريعة، لأن الحكم باق، وإنما لم تتوافر له شروط التطبيق، فطُبِّق غيره، يوضحه أن العادة إذا تغيرت فمعنى ذلك أن حالة جديدة قد طرأت تستلزم تطبيق حكم آخر، أو: أن الحكم الأصلي باقٍ، ولكن تغير العادة استلزم توافر شروط معينة لتطبيقه. مثال ذلك: "ما ذهب إليه أبو حنيفة من الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، فلم يشترط تزكية الشهود فيما عدا الحدود والقصاص لغلبة الصلاح على الناس وتعاملهم بالصدق، ولكن لما كثر الكذب في زمان أبي يوسف ومحمد صار في الأخذ بظاهر العدالة مفسدة وضياع للحقوق، فقالا بلزوم تزكية الشهود، وقال الفقهاء عن هذا الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه:

стр. 1361

"إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان"، ومثله أيضا سقوط خيار الرؤية برؤية ظاهر البيت وبعض حُجَرِه، وهذا ما أفتى به أئمة الحنفية لأن الحُجَر كانت تبنى على نمط واحد، ولكن لما تغيرت عادة الناس في البناء أفتى متأخروهم بعدم سقوط خيار الرؤية إلا برؤية جميع حجر البيت" (١) اهـ. وإذا تحرر المعنى المراد من قولهم: "العادة محكمة"، علمت أنها لا تستلزم تغيير الأحكام بتغير الأزمان، وعندئذ يصبح قول من قال: (تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان) إما كلامًا باطلًا لا صحة له إن حمل على ظاهره كما قد يفهمه كثير من الناس، وإما كلامَا متجوزا فيه محمولا على غير ظاهره، وذلك بأن يقصد به الأحكام المرتبطة من أصلها بما قد يتبدل ويتغير من أعراف الناس ومصالحهم التي لم يُقْضَ فيها بحكم مبرم، كتلك الأمثلة التي مر ذكرها، ولكن ينبغي أن يعلم أن دوران تلك الأحكام مع مناطاتها لا يمكن أن يعتبر تبدلًا أو تغييرًا حقيقيًّا لها، بل هذا الذي يظهر في مظهر التغيير منه إنما هو ممارسة حقيقية له كما مر بيانه (٢) . بيان علاقة هذه القاعدة بأحكام الحجاب مما تقدم يتضح أنه لا يصح احتجاج أعداء الحجاب بهذه القاعدة على استباحة التبرج الذي حَرمه الله تعالى، ورسوله ﷺ . وهذه القاعدة ونظائرها هي كل ما يحفظه أولئك المفتونون بالحياة الغربية من قواعد الشريعة الإسلامية وأصولها، وإنما يتعلقون بها في مجال التخفيف والتسهيل والسير مع مقتضيات التحلل من الواجبات فقط، ولكنهم يتناسون هذه القاعدة تماما عندما يقتضيهم الأمر عكس ذلك.

стр. 1362

بل نستطيع أن نقول أيضا إنه لا يصح احتجاج من يبيح السفور اعتمادا على نفس القاعدة، لأنه لا يستطيع منصف ناصح للأمة - ممن يرى إباحة كشف وجه المرأة - أن يعثر على مثالٍ تتجلى فيه ضرورة تبدل الأحكام بتبدل الأزمان؛ مثل ضرورة القول بوجوب ستر المرأة وجهها عن الأجانب عنها، نظرًا لمقتضيات الزمان الذي نعيشه، ونظرا لما تكاثر فيه من المنزلقات التي تستوجب مزيدَا من الحذر في السير، والتبصر بمواقع الأقدام، ريثما يهيئ الله للمسلمين مجتمعهم الإسلامي المنشود. وهذا نفس ما قرره العلماء اعتمادَا على التطبيق الصحيح لهذه القاعدة: قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، وعفا عنه: "وكان قد أذن رسول الله ﷺ للنساء في حضور المسجد، والصواب الآن المنع، إلا العجائز، بل استُصْوِبَ ذلك في زمان الصحابة، حتى قالت عائشة ﵂: "لو علم النبي ﷺ ما أحدثت النساء بعده لمنعهن عن الخروج"، ولما قال ابن عمر قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، فقال بعض ولده: "بلى والله لنمنعهن" فضربه، وغضب عليه، وقال: تسمعني أقول قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا" فتقول: بلى، وإنما استجرأ على المخالفة لعلمه بتغير الزمان، وإنما غضب عليه لإطلاقه اللفظ بالمخالفة ظاهرا من غير إظهار العذر" (١) . وجاء في "المنتقى": "تمنع الشابة عن كشف وجهها لئلا يؤدي إلى الفتنة، وفي زماننا المنع واجب، بل فرضٌ لغلبة الفساد" (٢) اهـ. وقد شرط المالكية، والحنفية، وبعض الشافعية (٣) لجواز كشف المرأة

стр. 1363

وجهها: أن لا يكون ذلك في حالة تثير الفتنة بأن تكون مزينة أو بارزة الجمال، وأن لا تظهر أمام فساق يغلب على الظن أنهم لا يغضون من أبصارهم، كما أمر الله تعالى، بل ينقادون لدوافع أهوائهم وشهواتهم، فإن فُقِدَ أحد الشرطين كان عليها أن تستر وجهها درءًا للفتنة بالنسبة للحالة الأولى، وإزالة للمنكر الذي تسببت به في الحالة الثانية، وإنما يكون إزالة المنكر في مثل هذه الحال بأن تمنع الفساق من النظر إليها، أو بأن لا تخرج من بيتها إلى هؤلاء الناس، أو بأن تحجب وجهها عنهم، وهو أيسر الأسباب الثلاثة إذًا إذا تغير حال الناس، وعم الفسق وطم، بحيث تعلم المرأة أن حولها مَن قد ينظر إليها النظر المحرم الذي نهى الله تعالى عنه، باْن يتْبعَ النظرةَ النظرةَ، ولا تستطيع أن تزيل هذا المنكر إلا بحجب وجهها عنه، وعلى هذه الحالة يحمل ما نَقله الخطيب الشربيني عن إمام الحرمين من اتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه (١) . وقد صرح بهذا القيد القرطبي فيما نقله عن ابن خويز منداد من أئمة المالكية: "أن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك" (٢) ، وكذا في "قوانين الأحكام الشرعية" لابن جزي. وقال صاحب "الدر المختار" من الحنفية: "وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال، لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة، ولا يجوز النظر إليه بشهوة (٣) ، وكذا في "الهدية العلائية". * قال الشيخ أحمد عز الدين البيانوني ﵀ في كتابه "الفتن": "قول الأئمة: "عند خوف الفتنة" إنما يعلم في ناظر خاص، وأما بالنظر

стр. 1364

إلى جماهير الناس الذين تبرز المرأة سافرة أمامهم، فلا يتصور عدم خوف الفتنة منهم جميعا، فيتحتم المنع من السفور أمامهم على هذا التعليل، وبهذا يظهر مذهب أبي حنيفة وأصحابه في المسألة" (١) اهـ. * قال الأستاذ محمد أديب كلكل في كتابه "فقه النظر في الإسلام": وإذا علمت المرأة بأن أحدًا من الرجال ينظر إليها، وجب عليها ستر وجهها لئلا توقع غيرها في الإثم، وتعرضه للفتنة وإثارة الشهوة، وفي عصرنا هدا لا يقول بجواز كشف الوجه والكفين إلا مكابر ومُنْكِر للحقائق والوقائع، وعليه اتفاق الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين، لأن الفتنة أمرها محقق لا تحتاج إلى إيراد حجة، أو إقامة برهان، أو تقديم دليل، أو يجادل في أن القطبين السالب والموجب إذا تقاربا لا يلتقيان أو لا يتجاذبان. وحتى يوجد المجتمع المسلم الكامل الذي قد تربى تربية إسلامية صحيحة، وسرت حقائق الإيمان في دمه وعروقه، واستنار فؤاده بنور اليقين، فأشرق على جوارحه سلوكا طيبًا، ونفعًا عامًا؛ حينئذٍ نبحث في خلاف الفقهاء رحمهم الله تعالى في جواز كشف الوجه واليدين، وإلى أن يتم ذلك، ويتحقق نقول: "إن ستر الوجه واليدين من المرأة في عصرنا هذا واجب اتفاقا لأن الفتنة قائمة لا محالة، وسدا لذرائع الفتنة المحققة". * قال القرطبي في تفسيره: "وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والإماء، وهذا كما أن أصحاب رسول الله ﷺ منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله ﷺ مع قوله "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، حتى قالت عائشة ﵂: "لو عاش رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا لمنعهن من

стр. 1365

الخروج إلى المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل" (١) اهـ. فما الذي أحدثته النساء في زمن عائشة ﵂ بالنسبة لما عليه المرأة اليوم من تهتك وانحلال، وسفور وفجور، وتكشف فاضح، وإغراء لعين حتى منعت من المسجد؟؟ أفلا يكون هذا دليلًا كافيَا بمفرده على وجوب الستر الكامل في عصرنا هذا؟ وأن لا يكون هناك تحدث وكتابة عن غيره حتى تشرق الأرض بنور ربها، ويعمها الهدى والرشاد، ويسود فيها حكم الله؟ " (٢) اهـ. * وقال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: "وهكذا، فقد ثبت الإجماع عند جميع الأئمة - سواء من يرى منهم أن وجه المرأة عورة كالحنابلة، ومن يرى منهم أنه غير عورة كالحنفية والمالكية - أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها عند خوف الفتنة بأن كان مِن حولها مَن ينظر إليها بشهوة، ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم بأن الفتنة مأمونة اليوم، وأنه لا يوجد في الشوارع من ينظر إلى وجوه النساء بشهوة؟ " (٣) اهـ. الشبهة السادسة عشرة نساء خيرات كن سافرات * احتج دعاة السفور بأن في شهيرات النساء المسلمات على اختلاف طبقاتهن كثيرًا ممن لم يضربن على وجوههن الحجاب، رغم ما عرفن به من الاختلاط بالرجال.

стр. 1366

ولقد عمد المروجون لهذه الشبهة إلى التاريخ وكتب التراجم، يفتشون في طولها وعرضها، وينقبون فيها بحثا عن مثل هؤلاء النساء، حتى ظفروا بضالتهم المنشودة، ودرتهم المفقودة، فالتقطوا أسماء عدد من النساء لم يكنَّ يبالين- فيما نقلته الأخبار عنهن- أن يظهرن سافرات أمام الرجال، واْن يلتقين معهم في ندوات أدبية وعلمية دونما تحرز أو تحرج. * وجواب هذا من وجوه: الأول: أن نسألهم: قد علمنا الأدلة الشرعية التي عليها تبنى الأحكام من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، فضمن أي مصدر من مصادر التشريع تندرج مثل هذه الأخبار، خاصة وأن أغلبها وقع بعد زمن التشريع وانقطاع الوحي؟ الثاني: فإذا علم أن حكم الإسلام إنما يؤخذ من نص ثابت كتاب الله تعالى، أو حديث صحيح من سنة رسول الله ﷺ ، أو قياس صحيح عليهما، أو إجماع التقى عليه أئمة المسلمين وعلماؤهم، لم يصح حينئذ الاستدلال بالتصرفات الفردية عن آحاد الناس، أو ما يسميه الأصوليون بـ "وقائع الأحوال" (١) . فإذا كانت هذه الوقائع الفردية من آحاد الناس لا تعتبر دليلا شرعيًّا

стр. 1367

لأي حكم شرعي حتى لو كان أصحابها من الصحابة (١) رضوان الله عليهم أو التابعين من بعدهم، فكيف بمن دونهم؟ بل المقطوع به عند المسلمين جميعًا أن تصرفاتهم هي التي توزن - صحة وبطلانًا - بميزان الحكم الإسلامي، وليس الحكم الإسلامي هو الذي يوزن بتصرفاتهم، ووقائع أحوالهم، وصدق القائل: "لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله". الثالث: ولو كان لتصرفات آحاد الصحابة أو التابعين مثلًا قوةُ الدليل الشرعي دون حاجة إلى الاعتماد على دليل آخر، لبطل أن يكونوا معرضين للخطأ والعصيان، ولوجب أن يكونوا معصومين مثل رسول الله ﷺ ، وليس هذا لأحد إلا للأنبياء عليهم وعلى خاتمهم الصلاة والسلام، أما من عداهم فحق عليهم قول رسول الله ﷺ : "كل بني آدم خطاء" (٢) ، وإلا فما بالنا لا نقول – مثلًا - بحل شرب الخمر، وقد وجِد فيمن سلف في القرون الخيرية من شربها؟ الرابع: وما بال هؤلاء الدعاة إلى السفور قد عمدوا إلى كتب التاريخ والتراجم فجمعوا أسماء مثل هؤلاء النسوة من شتى الطبقات والعصور، وقد علموا أنه كان إلى جانب كل واحدة منهن سواد عظيم، وجمع غفير، من النساء المتحجبات الساترات لزينتهن عن الأجانب من الرجال؟ فلماذا لم يعتبر بهذه الجمهرة العظيمة، ولم يجعلها حجة بدلًا من حال أولئك القلة الشاذة المستثناة؟ أما علموا أن "الاستثناء" يؤيد القاعدة، ولا ينقضها؟ وأن ندرة هذه

стр. 1368

الحفنة المبعثرة في هامش التاريخ الإسلامي، أقوى دليل على صحة قول: الإمام أبي حامد الغزالي ﵀: "لم تزل الرجال على مرّ الأزمان تكشف الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، أو يمنعن من الخروج" (١) ، * والإمام ابن رسلان ﵀: "اتفق المسلمون على منع النساء من الخروج سافرات" (٢) . * وشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "إن النساء كن يخرجن إلى المساجد والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال" (٣) . ولماذا لم يحتج بمواقف نساء السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان في تمسكهم بالحجاب الكامل (٤) ، واعتباره أصلًا راسخًا من أصول البنية الاجتماعية؟! الشبهة السابعة عشرة (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) * يشيع أعداء الإسلام حول الحجاب أراجيف ينطق بها الشيطان على ألسنتهم، مثل قولهم: إن الحجاب يُسَهِّل عملية إخفاء الشخصية، وقد يتستر وراءه بعض النساء اللواتي يقترفن الفواحش، ويتعاطين المآثم، (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ

стр. 1369

اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [التوبة: ٣٠] . * إنه قول بوار لا يصدر إلا ممن أكلهم الهوى، وأعجزهم البيان، فغفلوا عن حرمة أحق الذي أنزله علام الغيوب، ونسوا أن الله يحكم ولا معقب لحكمه، ويقضي ولا راد لقضائه (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣] . فما حكم الله به عدل، وما أخبر به صدق (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) [الأنعام: ١١٥] . فقد حكم سبحانه بوجوب النقاب أو استحبابه على الأقل، وأخبر أنه أزكى وأطهر لقلوب المؤمنين والمؤمنات. فحينما يأتي مرضى القلوب ويشغبون بهذه الأراجيف، فلا يمكن بأي حال أن يسوقنا هذا التخوف المحتمل من سوء استخدام النقاب إلى التخلي عن حكم الله ، وكل عاقل يفهم من سلوك المرأة التي تبالغ في ستر نفسها حتى أنها لا تبدي وجهًا ولا كفّا، فضلًا عن سائر بدنها أن هذا دليل الاستعفاف والصيانة، قال تعالى بعد الأمر بالحجاب: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) قال أبو حيان: "لتسترهن بالعفة، فلا يُتعرض لهن، ولا يَلقين ما يكرهن، لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يُقْدَمْ عليها بخلاف المتبرجة، فإنها مطموع فيها" (١) اهـ. وكل عاقل أيضا يعلم أن تبرج المرأة وإظهارها زينتها، يشعر بوقاحتها، وقلة حيائها، وهوانها على نفسها، ومن ثم فهي الأوْلى أن يساء بها الظن بقرينة مسلكها الوخيم حيث تعرض زينتها كالسلعة، فتجر على نفسها وصمة خبث النية، وفساد الطوية، وطمع الذئاب البشرية، ومن أوقع نفسه مواقع التهمة، فلا يلومن مَن أساء به الظن. إن هؤلاء المنافقين مرضى القلوب فساق هذا الزمان الذين يتشدقون بأن

стр. 1370

الحجاب يمكن أن يكون وسيلة لإخفاء هوية البغي يجب أن يؤدبوا ويعزروا أشد التأديب وأعنف التعزير، لأنه لهم نصيبَا وافرَا من قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)) [الأحزاب: ٥٨] . ولقد كان إخوانهم من منافقي المدينة أفقه منهم وأعقل حينما كانوا يتجرءون على السافرة، فإذا أخِذوا في ذلك قالوا - تخفيفًا لجريمتهم - حَسِبناها أمَةَ، لأنهم فهموا من المبالغة في التستر أن صاحبتها عفيفة محصنة. واليوم انعكس الحال، وانقلبت المفاهيم رأسًا على عقب، بفضل أنصار المرأة ومحرريها، فصارت التي تحتجب مستعبدة، وصارت المتبرجة امرأة حرة متحررة، لقد شرع الله حكمه في مثل هؤلاء المنافقين فقال مباشرة بعد الأمر بإدناء الجلابيب: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)) [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢] ثم إن من المتواتر لدى الكافة أن المسلمة التي تتحجب في هذا الزمان تذوق الويلات من الأجهزة الحكومية، والإدارات الجامعية، والحملات الإعلامية، والسفاهات من المنافقين في كل مكان، ثم هي تصبر على هذا كله ابتغاء وجه الله تعالى، ولا يفعل هذا إلا مؤمنة صادقة رباها القرآن والسنة، فإذا حاولت فاسقة مستهترة ساقطة أن تتجلبب بجلباب الحياء، وتواري عن الأعين زلتها بارتداء شعار العفاف ورمز الصيانة، وتستر عن الناس آفتها وفجورها بمظهر الحَصان الرزان فما ذنب الحجاب إذن؟ إن الاستثناء يؤيد القاعدة ولا ينقضها كما هو معلوم لكل ذي عقل، مع أن نفس هذه المجتمعات التي يروج فيها هذه الأراجيف، قد بلغت من
следующие страницы →