الخطوة الثانية:
كتاب " تحرير المرأة " (٤٨)
ظروف تأليف الكتاب:
كتب (فارس نمر) صاحب (المقطم) في مقال له في مجلة (الحديث) الحلبية
عام ١٩٢٩ م يقول:
(إن الشيخ محمد عبده تطوع للقيام بهذه المهمة (٤٩) وتحدث الشيخ محمد عبده مع الأميرة "نازلي" في هذا الشأن واتفق "محمد عبده" و"سعد زغلول" و"محمد المويلحي" وغيرهم على أن يتقدم "قاسم أمين" بالاعتذار إلى سمو الأميرة فقبلت اعتذاره ثم أخذ يتردد على صالونها وارتفع مقامها لديه وإذا به يضع كتابه الأول عن المرأة الذي كان الفضل فيه للأميرة نازلي والذي أقام الدنيا وأقعدها بعد أن كان قاسم أمين أكثر الناس دعوة إلى الحجاب) اهـ
نظرة في الكتاب:
طبع الكتاب في سنة ١٨٩٩م وقد ألغى فيه أفكاره الدفاعية التي أوردها في
стр. 37
كتابه السابق (المصريون) (٥٠) سواء المتعلقة بتقييمه للإنسان المصري أو المتعلقة بالمرأة المصرية أو أحكام الشريعة وما يسميه (المدنية الإسلامية) فبينما نجده في كتابه المصريون يصف المصري بالأمانة والشجاعة والذكاء وقوة الاحتمال ويعزي هذه الخصال الجيدة لحقيقة الهوية الإسلامية للمصري نجده يقول بعد خمس سنوات في كتابه (تحرير المرأة) :
((فالتركي مثلاً نظيف صادق شجاع والمصري على ضد ذلك إلا أنك تراهما رغماً عن هذا الاختلاف متفقين في الجهل والكسل والانحطاط إذن لابد أن يكون بينهما أمر جامع وعلة مشتركة هي السبب الذي أوقعهما معاً في حالة واحدة ولما لم يكن هناك أمر يشمل المسلمين جميعاً إلا الدين ذهب جمهور "الأوروباويين" وتبعهم قسم عظيم من نخبة المسلمين إلى أن الدين هو السبب الوحيد في انحطاط المسلمين وتأخرهم عن غيرهم)) (٥١)
قد انصرف جهد المؤلف في هذا الكتاب إلى التدليل على ما زعمه من أن:
((حجاب المرأة بوضعه السائد (٥٢) ليس من الإسلام وأن الدعوة إلى السفور (٥٣) ليس فيها خروج على الدين أو مخالفة لقواعده))
وقد تناول في كتابه هذا أربع مسائل وهي:
الحجاب، واشتغال المرأة بالشئون العامة، وتعدد الزوجات، والطلاق
وهو يذهب في كل مسألة من هذه المسائل إلى ما يطابق مذهب الغربيين زاعماً أن ذلك هو مذهب الإسلام - قال:
(سيقول قوماً إن ما أنشره اليوم بدعة، فأقول: نعم! أتيت ببدعة ولكنها ليست في الإسلام بل في العوائد وطرق المعاملة التي يحمد طلب الكمال فيها) (٥٤)
стр. 38
والذي يهمنا فيما نحن بصدده ما كتبه فيما يتعلق بالحجاب:
لقد اعتبر قاسم أمين الحجاب
(أصلاً من أصول الأدب يلزم التمسك به ولكنه يطالب بأن يكون منطبقاً على الشريعة الإسلامية) (٥٥) ثم يقول:
(إن الشريعة ليس فيها نصاً يوجب الحجاب على الطريقة المعهودة)
وإنما هي في زعمه:
(عادة عرضت لهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين براء منها) (٥٦) ثم يورد قاسم أمين قوله تعالى:
﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ الآيتان (٥٧) ثم يقول:
(إن الآية قد أباحت أن تظهر بعض أعضاء من جسم المرأة أمام الأجنبي عنها غير أنها لم تسم تلك المواضع وقد قال العلماء (٥٨) : إنها وكلت فهمها وتعيينها إلى ما كان معروفاً في العادة وقت الخطاب واتفق الأئمة على أن الوجه والكفين مما شمله الاستثناء في الآية ووقع الخلاف بينهم في أعضاء أخر كالذراعين والقدمين) (٥٩) اهـ
ثم ينتقل إلى الكلام على الحجاب بمعنى قصر المرأة في بيتها وحظر
стр. 39
مخالطتها بالرجال فيقول:
(إن الحجاب بهذا المعنى هو تشريع خاص بنساء النبي " ويستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب﴾ (٦٠) الآية
وقوله تعالى:
﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ (٦١) الآية.
أما نساء المسلمين عامة فهن - في زعمه - منهيات عن الخلوة بالأجنبي فقط) (٦٢) اهـ
ويستمر قاسم بنفس التهافت في علاج القضايا الأخرى ويزيد على ذلك تهكمه بالفقهاء واستهزاءه بعلماء الشريعة بل وبنصوصها الصريحة كما فعل في قضية تعدد الزوجات وهو في كل ذلك يستدل بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية (٦٣) ثم يعرض لشرحها شرحاً ملتوياً مغرضاً يوجه لتبرير فكرة معينة يحاول أن يسخر النصوص لخدمتها تلبيساً على ضحاياه المخدوعين.
وما أصدق ما قاله بعض معاصريه: (ما رأيت باطلاً أشبه بحق من كلام قاسم أمين)
بل هذا " أحمد شوقي " يشير إلى لباقة قاسم أمين في دعم
стр. 40
دعوته بالقرآن والسنة متسائلاً: أكان قاسم أمين يَغار على الإسلام أم يُغير عليه؟؟!!
ولك البيان الجزل في أثنائه العلم الغزير
في مطلب خشن كثير في مزالقه العثور
ما بالكتاب ولا الحديث إذا ذكرتهما نكير
حتى لنسأل هل تغار على العقائد أم تغير؟ (٦٤)
وقد علق الدكتور " محمد محمد حسين " ﵀ على هذا المنهج اللئيم بقوله:
(أحب أن أسأل الذين يحاولون أن يسوغوا باطلهم الذي يقحمونه على إسلامنا بمزاعم يتحايلون على إلصاقها بالدين ونصوصه أحب أن أسأل سؤالاً حاسماً يفرق بين الحق والباطل: هل تعلمون أن أحداً من المسلمين قد دعا قبل اليوم بدعوتكم؟ فإذا كان ذلك لم يحدث من قبل فهل تستطيعون أن تزعموا أن صحابة رسول الله " ورضي الله عنهم وفقهاء المسلمين قد غفلوا جميعاً عن فهم نصوص دينهم حتى جاء هؤلاء الذين أوحى إليهم شياطين الجن والإنس في باريس من أمثال قاسم أمين فانتكس تفكيرهم بين معاهدها ومباذلها حين لم يعتصموا في دين الله بحبل متين ولم يأووا بهديه إلى ركن رشيد يذود عنهم كل شيطان مريد وذلك حين بعثوا إلى تلك البلاد لينقلوا إلينا الصالح النافع من علومها وصناعاتها فضلوا الطريق وعادوا إلينا بغير الوجه الذي بعثوا به جاء هؤلاء بعد ثلاثة عشر قرناً من نزول القرآن ليخرجوا للناس حقائق التنزيل التي غاب علمها عن الأولين والآخرين من الفقهاء والمفسرين ويضربوا بإجماع المسلمين في الأجيال المتعاقبة والقرون المتطاولة عرض الحائط أليس ابتداع هذه الدعوة في ظل الاحتلال
стр. 41
الإنكليزي وتزعم فريق من المتفرنجين الذين عرفوا بموالاة ذلك الأجنبي المحتل هو وحده دليلاً كافياً على إنها طارئة علينا من الغرب تقليداً لمذاهب أهله المبتدعين في دينهم بأهوائهم وأهواء رؤسائهم والخارجين على نصرانيتهم وكتابها) اهـ (٦٥)
- هل كان للشيخ " محمد عبده " (١٨٤٢ - ١٩٠٥ م) دور في الكتاب؟
(كان المعروف عن قاسم أمين أنه ليس له إلمام بالعلوم الإسلامية بحيث يتمكن من إضفاء الصبغة الفقهية على كتابه ومن هنا شاع بين الناس وقتها أن مؤلفه في الحقيقة أستاذه هو الشيخ محمد عبده) (٦٦) .
قال الدكتور " محمد محمد حسين":
(جاء كتابه - تحرير المرأة - مملوءاً بالمغالطات سواء كان ذلك في تفسير الآيات القرآنية أو في النصوص التاريخية والفقهية أو الأدلة العقلية وهذا الاتجاه الذي يفسر النصوص تفسيراً جيداً مخالفاً لكل ما هو ثابت متواتر في تفسيرها هو جزء من اتجاه عام تزعمه الشيخ " محمد عبده " متذرعاً إليه بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد الذي زعم أن الفقهاء أغلقوا بابه وهو يدعو إلى الملائمة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية) (٦٧) اهـ.
قال " داود بركات " رئيس تحرير الأهرام:
(وقد حمل الشيخ محمد عبده الدعوة إلى تحرير المرأة في دروسه في الرواق العباسي بالأزهر حين أعلن أن الرجل والمرأة يتساويان عند الله وقد ترددت آراء كثيرة بأن الشيخ محمد عبده كتب بعض فصول الكتاب أو كان له دور في
стр. 42
مراجعتها) (٦٨) .
ومما أورده " لطفي السيد ":
(أنه اجتمع في جنيف عام ١٨٩٧ م بالشيخ محمد عبده وقاسم أمين وسعد زغلول وأن قاسم أمين أخذ يتلو عليه فقرات من كتاب تحرير المرأة وصفت بأنها تنم عن أسلوب الشيخ محمد عبده) (٦٩) اهـ.
وقالت " وداد السكاكيني ":
(فتح - أي محمد عبده - على الناس أبواباً جديدة تلج منها المرأة المسلمة إلى الحياة التي وهبها الخالق إياها كما وهبها للرجل ولكن النفوس لم تكن هيئت تمام التهيؤ في البداية ورأى الإمام ألا يخاطر فيلج بنفسه هذا الميدان ويرقى مرتقاه الصعب فيقف أمام الجهلاء يحاربونه فيؤثر ذلك على مركزه كإمام للإصلاح يستند على الدين وتضيع بذلك فرص في الإصلاح في الميادين الأخرى فهيأ لهذا الميدان بالذات جندياً يصلح له من تلاميذه هو " قاسم أمين " ثم وقف يسانده ويحميه من بعيد حتى وصلت الدعوة في تحرير المرأة إلى أبعد مما كان يقصد الشيخ " محمد عبده " إذن لم تكن دعوة قاسم أمين مبتكرة ولا بدعة في سبقها) (٧٠) اهـ
وقال د / محمد عمارة جامع الأعمال الكاملة لـ قاسم أمين ومحققها:
стр. 43
(ففي تحرير المرأة وبالذات في الفصول التي تتناول وجهة نظر الشريعة والدين في هذه القضية نلتقي بمجموعة من الآراء الفقهية والمناقشات لا يستطيع أن يبحثها ولا أن يستخلصها كاتب مثل قاسم أمين وأهم من ذلك نجد أحكاماً كلية تدل على أن صاحبها ومصدرها قد استقصى بحث هذا الأمر في جميع مصادره الرئيسية في الفكر الإسلامي على اختلاف مذاهبه وتياراته الفكرية وهو الأمر الذي لا نعتقد أنه قد توافر في ذلك العصر سوى لقلة قليلة في مقدمتهم جميعاً الأستاذ الغمام محمد عبده) (٧١) اهـ
بينما يجزم د / محمد عمارة في موضع آخر بهذه النسبة المشار إليها آنفاً بقوله وهو يعدد إنجازات الشيخ محمد عبده: (ومن أبرز أعماله الفكرية في هذه المرحلة ... الفصول التي شارك بها في كتاب " تحرير المرأة " لقاسم أمين سنة ١٨٩٩ م) (٧٢) اهـ
وذكرت "درية شفيق" (أن دور محمد عبده في الكتاب قد أثار حفيظة بعض الرجعيين الذين اتهموه بالزيغ والكفران) (٧٣)
وقال الدكتور السيد أحمد فرج - حفظه الله -: (وقد بالغ بعض الكتاب فرأى أن فصولاً كاملة بنصوصها في كتاب تحرير المرأة كتبها الشيخ محمد عبده من إنشائه وهي الفصول الآتية:
١ - حجاب النساء من الجهة الدينية ص (٥٩ - ٧٢)
٢ - الزواج ص (١٢٣ - ١٣٢)
٣ - تعدد الزوجات ص (١٣٣ - ١٤٠)
стр. 44
٤ - الطلاق ص (١٤١ - ١٦٤)
(محمد عمارة - الأعمال الكاملة " لمحمد عبده " ٢/ ١٠٥- ١٢٩ بيروت ١٩٧٢)
وهذا الادعاء من كاتبه يرد عليه لأنه يحتاج إلى دليل يوثقه والأرجح أنها من فكر الشيخ محمد عبده وإنشاء كاتبها فالشيخ هو الذي وجه الأفكار وأرشد إلى ما يحتاجه الكاتب من نصوص الكتاب والسنة وكتب الفقه الإسلامي وهو الذي أرشده بتوجيهاته أثناء الكتابة أو قراءة أصول الكتاب قبل طبعه كما جاء في مذكرات احمد لطفي السيد.
والمعروف عن الشيخ محمد عبده أنه كان يملي الأفكار ويوجه إليه أكثر مما يكتب هكذا فعل مع قاسم أمين ومع أشهر تلاميذه في مجال الإصلاح الإسلامي السيد " محمد رشيد رضا ") (٧٤) .
بين " قاسم " و " سعد ":
قال الصحافي " مصطفى أمين ":
(كان قاسم أمين لا يفترق عن سعد زغلول وكان قاسم أمين هو الذي توسط في زواج سعد زغلول بصفية زغلول وكان سعد زغلول هو الذي وقف إلى جوار قاسم أمين عندما أصدر كتاب تحرير المرأة وهوجم بعنف وضراوة واتهم بالكفر ومنع من دخول قصر الخديوي بدعوى أنه يدعو إلى الإباحية وأقفل الناس بيوتهم في وجهه وذهب عدد من الشباب المتحمسين إلى بيته في شارع الهرم واقتحموا بيته وطالبوا قاسم أمين أن يسمح لهم بأن يجتمعوا بزوجته على انفراد تطبيقاً لدعوته إلى سفور المرأة.
عندما أقفل كبار المصريين في وجه قاسم أمين فتح سعد له بيته
стр. 45
ودعاه هو وزوجته ليتناول الغداء والعشاء على مائدته ومائدة صفية زغلول وأصر أن يخرج في عربته مع قاسم أمين ويطوف شوارع العاصمة متحدياً للأصدقاء الذين نصحوه بأن لا يظهر مع قاسم أمين في مكان عام وإلا ضربه الناس بالطوب وعندما وضع قاسم أمين كتابه الثاني " المراة الجديدة " متحدياً العاصفة الهوجاء ومطالباً أن تحضر المرأة مجالس الرجال وتمارس الأعمال الحرة أهدى كتابه الجديد إلى سعد زغلول صديقه الحميم ونصيره الأول) (٧٥) اهـ
دور سعد زغلول:
قال العقاد: (وكان- أي "سعد زغلول" - رجلاً له رأي في المرأة وفيما ينبغي أن تكون عليه شريكة الحياة يخالف رأي السواد الغالب في تلك الأوقات وفي جميع الأوقات وحسبه من ذلك أنه هو الذي أعان قاسم أمين زميله وصديقه الحميم على إظهار كتابه في تحرير المرأة وتشجيعه على احتمال ما لقي في سبيله من سخط وعناء) (٧٦) اهـ
وقال الدكتور السيد احمد فرج - حفظه الله -: (والرأي أنه لم يكن في استطاعة قاسم أمين أن يبرز نفسه بهذه الآراء الجريئة في ذلك العصر لولا تعضيد الإمام محمد عبده وأحد تلاميذه الذي صار زعيماً للأمة سعد زغلول باشا وقد بلغ حب قاسم أمين لهما مبلغاً كبيراً فأهدى كتابه الثاني المرأة الجديدة لسعد زغلول واستشهد على صحة أقواله فيه بمباركة الشيخ محمد عبده لها وينشر كل بنود اقتراح الشيخ في شأن
стр. 46
إصلاح قانون الأحوال الشخصية في آخره.
وسعد زغلول في الحقيقة هو الذي ضمن تنفيذ أفكار قاسم أمين تنفيذاً عملياً فقد رحل الشيخ محمد عبده سنة ١٩٠٥ ورحل تلميذه قاسم أمين بعده بسنوات قليلة وكان في ميعة شبابه ثم بقى سعد زغلول وقد أهلته مواهبه الفذة أن يقود المجتمع ويكيفه كما يريد وكان قادراً خاصة وأن الظروف الاجتماعية والفورة الوطنية قد هيأتا الناس لتقبل الأفكار الجديدة ووضعها موضع التنفيذ العملي فقد ظل العقلاء كما سماهم "جرجي زيدان" يتهامسون في موضوع تحرير المرأة حتى صرح الشيخ محمد عبده بآرائه فكثر مريدوه والمؤمنون على أقواله وأول أولئك قاسم أمين (٧٧) وسعد زغلول المنفذ الحقيقي لهذه الأفكار) (٧٨) اهـ.
وأياً ما كان الأمر فقد أحدث الكتاب ضجة عنيفة لأنه صادر من مسلم يشغل وظيفة مستشار في الدولة سبق له أن هاجم أعداء الحجاب منذ وقت قريب ولم تقتصر هذه الضجة على الأوساط الإسلامية الغيورة على دينها بل شملت الأوساط الوطنية والأدبية.
ردود فعل كتاب " تحرير المرأة ":
تجلت ردود الفعل في موجة عارمة من المعارضة كان أكثرها مقالات صحافية وقد اتهمه المعارضون بالهذيان وبأنه ممن تخطف زخارف التمدن الغربي بصائرهم يرى المحاسن ولا يرى المساوئ وهاجمه علماء الدين هجوماً عنيفاً وحكم الفقهاء بأنه خرق في الإسلام ومروق من الدين وعدها الكثيرون ضرباً من
стр. 47
المبالغة في تقليد الغربيين واتهمه آخرون بالجناية على الدين ثم الوطن وأنه يرمي إلى قلب الهيئة الاجتماعية المصرية وممالأة الإنكليز على ضياع البلاد وإنه ينفذ أمنية من أماني الأمم الصليبية التي تريد بها هدم الإسلام وتقويض الآداب والأخلاق وتحريض النساء على الفساد واتهمه من يعضد هذه الدعوة بأنه ليس من المسلمين.
وبادر إلى مناصرة قاسم حفنة من الكتاب وعلى رأسهم "جرجي نقولا باز" الذي ألف تأييداً لقاسم كتابين أحدهما:
(إكليل غار على رأس المرأة) والآخر (النسائيات) (٧٩) .
ولم يكتف دعاة الحق وأنصار الحجاب بالمقالات العنيفة بل ألفوا الكتب العديدة (التي بلغ عددها مائة كتاب) (٨٠) تبطل شبهات قاسم وتقيم الحجة عليه من أدلة الشريعة المطهرة.
من هذه الكتب:
(" السنة والكتاب في حكم التربية والحجاب " لمحمد إبراهيم القياتي.
ومنها: " الجليس الأنيس في التحذير عما في تحرير المرأة من التلبيس " لمحمد أحمد حسنين البولاقي.
ومنها: " خلاصة الأدب " لحسين الرفاعي.
ومنها: " نظرات في السفور والحجاب " لمصطفى الغلاييني.
ومنها: " قولي في المرأة " لمصطفى صبري.
ومنها: " رسالة في مشروعية الحجاب " لمصطفى نجا.
стр. 48
ومنها: " رسالة الفتى والفتاة " لعبد الرحمن الحمصي) (٨١) .
موقف " محمد طلعت حرب ":
على أن أول كتاب ألف في الرد على قاسم أمين هو كتاب " تربية المرأة والحجاب " وهو أهم ما ألف وأعمقه أثراً ألفه " محمد طلعت حرب " الذي اقترن اسمه فيما بعد - وللأسف - بشئون الاقتصاد الربوي وقد استنكر في كتابه هذا على قاسم دعوته ودافع عن الحجاب (٨٢) .
ويبدأ الكتاب بمقدمة يثبت فيها المؤلف أن المستعمر الغربي يجاهد بكل الطرق ليغير وضع المرأة المسلمة كأنما وكلتهم المرأة للدفاع عنها وما ذلك إلا ليثبتوا أن الشريعة الإسلامية قد ظلمتهن أما هدفهم البعيد فهو التدخل في شئون المسلمين باسم الإنسانية وفرنجة المرأة في المجتمع الشرقي لتنحل مقوماته الاجتماعية قال:
(إن رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوربا من قديم الزمان لغاية في النفس يدركها كل من وقف على مقاصد أوربة بالعالم الإسلامي) .
وقال أيضا: (إنه لم يبق حائل يحول دون هدم المجتمع الإسلامي في المشرق لا في مصر وحدها - إلا أن يطرأ على المرأة المسلمة التحويل بل الفساد الذي عم الرجال في المشرق)
وهو يذكر أن الخديوي " إسماعيل " حين أراد أن ينفصل بمصر عن الدولة العثمانية وعد ملوك أوربة - إن هم أيدوه من أجل تحقيق هدفه - أن يبدل أحكام القرآن فيما يتصل بالحياة السياسية والاجتماعية فيفصل السياسة عن الدين ويطلق
стр. 49
الحرية للنساء بحيث يسرن في أثر المرأة الغربية وينقل إلى مصر معالم المدنية الأوربية.
وذكر أن الحرية كانت دائما شعار الإسلام فكان أولى بقاسم أن يجعل عنوان كتابه تربية المرأة بدلاً من تحريرها ثم يقول طلعت حرب:
(ومن عجيب المصادفات أن الذي يقرأ " الرحلة الأصمعية " التي طبعت باللغة التركية سنة ١٨٩٣ في مصر يقرأ فيها الاعتراضات التي وجهها الأوربيون إلى مؤلف الرحلة فيما يختص بوضع المرأة المسلمة فإذا ما قرأنا " تحرير المرأة " لقاسم أمين وجناه يردد نفس الاعتراضات فهل هذا يرجع إلى توارد الخواطر؟ ويتحدث طلعت حرب في الباب الأول من كتابه عن وظيفة المرأة فيقرر أن الأديان (٨٣) جميعاً تنفي مساواة المرأة بالرجل مساواة كاملة ويورد النصوص من التوراة والإنجيل والقرآن التي تؤكد سيادة الرجل وحسن المعاملة والتقدير للمرأة ويقرر أن سعادة الأسرة لا تكون بوجود قائدين في بيت واحد وإنما تكون بتوجيه الرجل توجيها حكيما.
ثم قال: (إن للمرأة أعمالا غير ما للرجل ليست بأقل أهمية من أعماله ولا بالأدنى منها فائدة وهي تستغرق معظم زمن المرأة إن لم نقل كله: الرجل يسعى ويكد ويشقى ويتعب ويشتغل ليحصل على رزقه ورزق عياله وامرأته ترتب له بيته وتنظف له فرشه وتجهز له أكله وتربى له أولاده وتلاحظ له خدمه وتحفظ عينه عن المحارم وهو يسكن إليها ... ) (٨٤)
стр. 50
وينتقل إلى الباب الثاني فيتناول تربية المرأة ويؤكد أن
(الشريعة قد حثت على التربية الخلقية التي تضمن إصلاح النفس وعمار الكون وضمان السعادتين وكان السلف الصالح يعودون أبنائهم عليها فيشبون وقد تشبعوا بمكارم الأخلاق ولم تول الدنيا عنا إلا يوم أهملنا تلك التربية ثم دهمتنا المدنية الغربية بما بها من مظاهر خادعة فحسبناها منتهى ما يدركه الإنسان من الكمال فتسابقنا إلى التشبه والتقليد.
فإذا كنا نريد إصلاح حقيقي فلننظر إلى مدنيتنا الإسلامية ولنقتبس منها أسس التربية السليمة لكل أفراد المجتمع من بنين وبنات) .
ثم ينتقل إلى أهم نقاط البحث وهي مشروعية الحجاب فيعرض لقوله تعالى:
(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) وينقل من أحاديث رسول الله " وسيرة الصحابة ﵃ أن المقصود ستر الوجه لأنه أعظم زينة للمرأة أما ما جاء في قوله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) فهي الكحل والخضاب ثم كيف يمكن الاختلاط مع غض البصر؟
وإذا كان " قاسم أمين " يرى أن الحجاب خاص بنساء النبي " وأن قوله تعالى:
(يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) (الأحزاب ٣٢) فيه معنى التخصيص فإن قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) (الأحزاب ٥٩) قد قطع كل شك في وجوب الحجاب وقد اعتمد "قاسم" على رأي بعض الفقهاء في إباحة كشف الوجه واليدين والقدمين مع أن رأى الفقهاء في هذه الإباحة كان خاصاً بالصلاة وحدها لا بقضية الحجاب والسفور.
على أن من يقول بجواز النظر لوجه المرأة عند أمن الفتنة قد قضى بتحريم ذلك على الإطلاق خصوصاً في هذه الأيام حيث نشاهد تبذل الشباب واستهتارهم كل
стр. 51
حين فما بالنا لو خلعت المرأة الحجاب وأطلقنا لها الحرية؟
إن الإحصائيات تثبت أن المرأة الشرقية - بسبب الحجاب - أكثر نساء العالم تعففاً ولا نريد أن نمزق ستار العفاف.
وإذا كان " قاسم " يتساءل: لماذا اختص النساء بالاحتجاب والتبرقع دون الرجال وكلاهما مأمور بغض الأبصار؟ الإجابة واضحة إذ من المسلم به أن لكل من الزوجين وظيفة اختص بها وكانت وظيفة الرجل خارج بيته للسعي على معاشه ووظيفة المرأة منزلية داخل البيت وخروجها للضرورة فتكليفها بالتبرقع دون الرجل أكثر ملائمة لظروفها (*)
أما ما قيل عن علم عائشة ﵂ فهو حجة على قائله لأنها كانت محتجبة حجابا تاما بالإجماع ولم يمنعها الحجاب من التفقه في أمور الدين والمشاركة في أمور الحياة وكذلك كان كل النساء المسلمات اللائي نبغن وبلغن درجة من العلم والكمال فالحجب لم يمنع من تحصيل العلم ولا تدريسه وإذا كان الحجاب هو المانع من الترقي فلما لم يترق كل الرجال؟
(*) قال الشيخ " سعيد الجابي " ﵀ في كتابه " كشف النقاب ":
(وإذا قيل ينبغي على الرجال أن يستتروا خوف فتنة النساء اللواتي أمرن بغض أبصارهن.
فنقول: إن النساء اللواتي أمرن بالقرار والوقار وإخفاء صوت الخلخال عن الجار والكلام من وراء حجاب وإدناء الجلباب والإقلال من الخروج خارج الأبواب كاف لهن ومغن عن أن يكلف الرجال بستر وجوههم عنهن سيما وأن أعمال الرجال خارج البيوت وأعمال النساء في داخلها والفرق بين العملين ظاهر لا يماري فيه إلا مكابر ولا سيما أن جمال وجه الرجال سريع الزوال إذا راعوا الحكم الشرعي بإعفاء اللحى القائمة مقام النقاب والحجاب والجلباب وهي عند بعض الزوجات أعظم مصاب! وإذا كانت الضرورات تبيح المحظورات فلا مانع من أن تظهر المرأة عينيها أو عينها بعد ستر وجهها وحينئذ لا يقال: حرموا هذه المسكينة أن تبصر طريقها أو النور أو جمال الطبيعة بل يقال: حرموا هذا المسكين أن يرى جمال وجهها) اهـ
نقله عنه الشيخ محمد أديب كلكل في " فقه النظر " ص (٦٤ - ٦٥) .
ولو نظرنا إلى المرأة الأوربية لوجدنا الأمر يرجع إلى حاجة أوربا للأيدي العاملة بسبب ظروف حياتها فخرجت النساء لمساعدة الرجال على الكسب والتعمير فلما ابتذلت المرأة هناك أعرض الشباب عن الزواج فاضطرت المرأة أن تستمر في العمل لتعيش على أن الناظر إلى المرأة الشرقية الآن (٨٥) يراها قد خرجت وأقبلت على ملاذ الدنيا وأغرتنا الحضارة الأوربية على التساهل وسيسير الزمن بنا - باسم الحرية والمدنية - حسب التخطيط الذي يدفعنا الأجنبي إليه إلى أن تصبح المرأة الشرقية مثل الأجنبية ما لم نبادر إلى تقييد تلك الحرية لا إطلاقها
стр. 52
وإلى تحرير الرجل قبل المرأة من الجهالة والفساد.
ويختم " طلعت حرب " كتابه قائلا: (الحجاب أصل من أصول الأدب فيلزم التمسك به إلا أن المطلوب أن يكون منطبقا على ما جاء به الشرع) (٨٦)
موقف " محمد فريد وجدي ":
ونشر"محمد فريد وجدي" في " المؤيد " و " اللواء " بضع مقالات قال في بعضها:
(إذا أشرنا اليوم بوجوب كشف الوجه واليدين فإن سنة التدرج سوف تدفع المرأة إلى خلع العذار للنهاية في الغد القريب التي بلغت بها حالة التبذل درجة ضج منها الأوربيون أنفسهم وبدلا من أن نضرب الأمثلة بالغرب دائما ينبغي أن نولي وجوهنا إلى عظمة مدنيتنا الإسلامية الماضية) (٨٧)
ويتهكم أحد الكتاب بالدعوة إلى خروج المرأة للعمل ويحاول أن يتصور المرأة وقد خرجت إلى معترك الحياة تعمل فإذا البيوت مقفرة والشوارع مزدحمة بالرجال والنساء والمحال التجارية وقف بها المتحككون بالنساء البائعات أما الزى فخليط عجيب امرأة بقبعة وأخرى بغيرها والمقص قد تحيف الجيوب والذيول والأكمام والتصقت الملابس بالمرأة حتى صارت كبعض جسمها ثم يتساءل قائلا: (أهذا ما نريده؟ إن ما نريده حقا هو تربية المرأة قبل كل شيء) (٨٨)
стр. 53
موقف " مصطفي كامل " (١٨٧٤ - ١٩٠٨) :
كان للكتاب دوي شديد في الأوساط الوطنية لأنه كان بمثابة تحدى صريح للرأي الإسلامي العام وهجوم سافر ضد الإسلام لذلك لم يكن عجبا أن يقف الحزب الوطني المصري أو بمعنى آخر أن يقف " مصطفى كامل " من هذه الحركة موقف المقاومة والعناد إذ تحسس ورائها الأصابع البريطانية فربط بين هذه الحركة التي يديرها ذلك النادي الذي جمع بين أذناب الاستعمار وبين الإنكليز على أنها وسيلة من وسائله المتلونة في القضاء على مقومات الأمة فسارع إلى مقاومة هذه الحركة الخائنة وتحذير الأمة منها فأشار إليها في أول اجتماع عام عقده عقب صدور ذلك الكتاب في الخامس من شعبان سنة (١٣١٧ هـ) الموافق الثامن عشر من سبتمبر (١٨٩٩ م) حيث قال:
(إني لست ممن يرون أن تربية البنات يجب أن تكون على المبادئ الأوربية فإن في ذلك خطراً كبيراً على مستقبل الأمة فنحن مصريون (*) ويجب أن نبقى كذلك ولكل أمة مدنية خاصة بها فلا يليق بنا أن نكون قردة مقلدين للأجانب تقليداً أعمى بل يجب أن نحافظ على الحسن من أخلاقنا ولا نأخذ عن الغرب إلا فضائله فالحجاب في الشرق عصمة وأي عصمة فحافظوا عليه في نسائكم وبناتكم وعلموهن التعليم الصحيح وإن أساس التربية التي بدونه تكون ضعيفة ركيكة غير نافعة ... هو تعليم الدين) (٨٩)
وقد بلغ " بمصطفى كامل" الاهتمام بمقاومة هذه الحركة المسمومة إلى الحد الذي جعله يفتح صدر صحيفة " اللواء " منذ أول ظهورها سنة (١٩٠٠ م) لكل طاعن على
" قاسم أمين " وأفكاره فكانت " اللواء " - كما يقول الدكتور
стр. 54
" محمد حسين هيكل " -: (خصماً لدوداً لقاسم وأفكاره وكانت ميدان لأشد المطاعن عليه) (٩٠) اهـ
وكتب " مصطفى كامل " في اللواء (٣١ يناير ١٩٠١ م) يؤكد على
(وجوب الالتفات إلى تربية النساء فهي دعوة يوافق عليها كل مثقفي الأمة أما الحرية للمرأة فلا محل للحديث عنها الآن وعملية التطور الطبيعي تسير سيرها المحترم وفرق بين التطور والتطوير القسري الذي لا يؤمن معه من سوء العاقبة فإن الرجل منا أهون عليه أن يموت من أن يرى من أهل بيته امرأة فاسدة ولو كانت بهجة العلم وحليته)
ثم يخدش قاسماً - وما أصاب - فيقول: (ولست أدري إذا كان هذا الشعور شعوراً طبيعياً عند الرجال أو منشؤه الميراث الذي يحمله كل منا في دمه من أخلاق آبائه وأجداده وسواء كان هذا أو ذاك فإن الحرية التي تقتل العصمة شر عندي من الحجاب القاتل للرذائل) (٩١) .
أثر كتاب " تحرير المرأة " في العراق والشام:
واجه الكتاب هناك معارضة عنيفة لا تقل عن التي واجهها في مصر وأعلن المعارضون لقاسم أن الدعوة إلى خروج المرأة المسلمة إقتداء بالغربية دعوة لا تستند إلى حجة مقبولة لأن الغربية لم تناد بالخروج إلى المجتمعات وإلى الحرية المطلقة وإنما الرجال هناك هم الذين دفعوها إلى العمل تخلصاً منها وطمعاً في الانتفاع بتعبها فكانت النتيجة أن استدرجت إلى مواقف لم تأمن معها الذلل وفقدت بيتها
стр. 55
وفقدت أنوثتها وإذا كان التاريخ يستفظع وأد بعض رعاع العرب لبناتهم تخلصاً من العار فكم يكون استفظاعه لحياة كثير من الفتيات في هذه المدنية التي يود البعض أن نقتضي بها؟ !
وثار علماء الدين في الشام ثورة عنيفة ضد " قاسم أمين " فأعلنوا أن دعاة السفور هم دعاة فساد لأنه يخالف ما أمر به الدين ولأن السفور يقود الناس حتما إلى المجون وهدم القيم وبذلك تنحل كل الروابط الاجتماعية (٩٢)
الإنكليز يترجمون الكتاب وينشرونه:
وقد كتب"مصطفى كامل" في " اللواء " بتاريخ (٩ فبراير سنة ١٩٠١ م) يقول:
(هذا وقد انتشر خبر كتاب "تحرير المرأة " في جهات الهند واهتم الإنكليز بترجمته وبث قضاياه وإذاعة مسائله لما وراء العمل به من فائدة لهم) اهـ
من مواقف الشعراء:
وكان للحركة صدى عميق في نفوس الأدباء والشعراء (٩٣)
وهذا " أحمد محرم " (٩٤)
الذي أعجب به " مصطفى كامل " وطالما أشاد به وبشعره على صفحات اللواء يقول مستنكراً دعوة " قاسم أمين ":
أغرك يا أسماء ما ظن قاسم؟! أقيمي وراء الخدر (٩٥) فالمرء واهم
стр. 56
تضيقين ذرعاً بالحجاب وما به سوى ما جنت تلك الرؤى والمزاعم
سلام على الأخلاق في الشرق كله إذا ما استبيحت في الخدور الكرائم
أقاسم لا تقذف بجيشك تبتغي بقومك والإسلام ما الله عالم
لنا من بناء الأولين بقية تلوذ بها أعراضنا والمحارم
أسائل نفسي إذا دلفت (٩٦) تريدها أأنت من البانين أم أنت هادم؟
ولولا اللواتي أنت تبكي مصابها لما قام للأخلاق في مصر قائم
نبذت إلينا بالكتاب (٩٧) كأنما صحائفه مما حملنا ملاحم (٩٨)
ففي كل سطر منه حتف مفاجئ وفي كل حرف منه جيش مهاجم
إلى أن يقول:
لنا في كتاب الله مجد موثل (٩٩) وملك على الحدثان (١٠٠) والدهر دائم
إذا نحن شئنا زلزل الأرض نابنا ودامت لنا أقطارها والعواصم
******
هممنا بربات الحجال (١٠١) نريدها أقاطيع ترعى العيش وهي سوائم
وإن امرءاً يلقى بليل نعاجه إلى حيث تستن الذئاب بظالم
وكل حياة تثلم العرض سبة ولا كحياة جللتها المآثم
أتأتي الثنايا الغر والطرر (١٠٢) العلى بما عجزت عنه اللحى والعمائم؟
стр. 57
فلا ارتفعت سفن الجواء بصاعد إذا حلقت فوق النسور الحمائم
عفى الله عن قوم تمادت ظنونهم فلا التهج مأمون ولا الرأي حازم
ألا إن بالإسلام داءاً مخامراً وإن كتاب الله للداء حاسم (١٠٣)
***********************
وهاجم الشاعر العراقي " البناء " السفوريين وخاطب المرأة قائلاً:
وجوه الغانيات بلا نقاب تصيد الصيد في شرك العيون
إذا برزت فتاة الخدر حسرى تقود ذوي العقول إلى الجنون
وهذا الشاعر " جواد الشبيبي " يقول مستنكراً الدعوة الأثيمة:
منع السفور كتابنا ونبينا فاستنطقي الآثار والآيات
تلك الوجوه هي الرياض بها أزدهت للناظرين شقائق الوجنات
كانت تكتم في البراقع خفية من أن تمس حصانة الخفرات (١٠٤)
واليوم فتحها الصبا فتساقطت بعواطف الألحاظ والقبلات
صوني جمالك بالبراقع إنها ستر الحسان ومظهر الحسنات
وضعي الصدار على الترائب إنه حق عليكي فحق نهدك نات (*)
وتماثلي في البيت صورة دمية مكنونة الأعضاء في الحبرات (١٠٥)
وفي قصيدة للأزدي يعارض فيها "الرصافي"ويخاطب بنت بغداد " كريمة الزوراء " ويحذرها من ضلال السفوريين ويبصرها بعواقب مسلكهم الوخيم، يقول:
стр. 58
أولم يرو أن الفتاة بطبعها كالماء لم يحفظ بغير إناء
من يكفل الفتيات بعد ظهورها مما يجيش بخاطر السفهاء؟
ومن الذي ينهى الفتى بشبابه عن خدع كل خريدة حسناء؟
إلى أن يقول:
نص الكتاب على الحجاب ولم يبح للمسلمين تبرج العذراء
ماذا يريبك من حجاب ساتر جيد المهاة (١٠٦) وطلعة الذلفاء (١٠٧)
ماذا يريبك من إزار مانع وزر الفؤاد وضلة الأهواء
ما في الحجاب سوى الحياء فهل من التهذيب أن يهتكن ستر حياء
هل في مجالسة الفتاة سوى الهوى لو أصدقتك ضمائر الجلساء
شيد مدارسهن وارفع مستوى أخلاقهن لصالح الأبناء
أسفينة الوطن العزيز تبصري بالقعر لا يغررك سطح الماء (١٠٨)
وهذا " أديب التقى " يحذر من السفور كذريعة إلى الخلاعة والدمار الاجتماعي:
كيف ترضى بأن ترى حاسرات يتملى وجوهها الفجار
واتخذن الخلاعة اليوم خلقاً هو للشعب لو أفاق دمار (١٠٩)
وفي السودان هاجم الشيخ " حسيب علي حسيب " يعنف دعاة السفور فقال:
دعوا في خدرها ذات الدلال فقد أرهقتموها بالجدال
رأيت شعورها الحساس مضنى على هذا الجمود عن المعالي
تذوب وقد تناذرتم حياء بفحش اللفظ أو هجر المقال
ويعلو خدها خفر ينادي ألا يا للنساء من الرجال
стр. 59
زعمتم تعشقون لها صلاحاً فظني أن ذا عشق الجمال
ومسألة (السفور) غدت قديماً لدى الكتاب مشكلة النضال
وما أحد لها يدعوا فماذا يريد الناس من قيل وقال
أحب في مناجاة الغواني ترى: أم ذاك زهداً في المعالي
بلى فالعلم عندهم كريم ولكن المتيم غير سال
دعوها فهي تؤلمها كثيراً سهام المصلحين بلا اعتدال
عجبت لحلمهم في كل خطب وإن ذكر البنات دعوا نزال
وقال آخر:
زعموهن بالحجاب عن العلم ونور العرفان محتجبات
بنت مصر كالشمس يحجبها الليل وراء الآفاق والظلمات
وهي في أفقها ضياء ونور ساطع في جدورها النيرات
أو هي المسك ينفذ العرف منه من وراء الأستار والحجرات
انتهى من (التيار التراثي العربي الحديث) د/ سعد دعيبس ص (١٤٨)
الخطوة الثالثة:
كتاب (المرأة الجديدة)
لم يلبث مؤلف (تحرير المرأة) حين واجه هذه المعارضة التي أحرجته كثيراً أن (أسفر)
وجهه الحقيقي وخلع عنه ثوب الحياء وقناع التدين وكشف في جرأة وصراحة عن أهدافه المغرضة في كتاب ظهر في العام التالي وهو كتاب (المرأة الجديدة) الذي بدأ فيه أثر الحضارة الغربية واضحاً فالتزم فيه مناهج البحث الأوربية الحديثة التي ترفض كل المسلمات والعقائد السابقة سواء منها ما جاء من طريق الدين أو ما جاء من غير طريقه
ولا تقبل إلا ما يقوم عليه دليل من التجربة أو الواقع
стр. 60
على حسب المنهج الذي يسلكه باحثو الاجتماع الأوربيين وهو ما يسمونه بـ (المنهج العلمي) (١١٠) فتراه يعتمد على آراء مفكري الغرب ويصطنع أساليبهم في الإحصاء وفي الدراسات النفسية والاجتماعية والتجريبية.
بينما كنت تراه هادئاً في كتابه الأول يحوم حول النصوص الإسلامية ويمتص من رحيقها لتعضيد مواقفه في المطالبة بحقوق المرأة انقلب في الكتاب الثاني يسلط حمم غضبه ويستعمل عبارات قاسية في التعبير عن رأيه عبارات لا تقرها المرأة ذاتها فهو لا يقبل
- بزعمه - (حق ملكية الرجال للنساء) ويرى ترك حرية النساء للنساء حتى ولو أدى الأمر إلى (إلغاء نظام الزواج حتى تكون العلاقات بين الرجل والمرأة حرة لا تخضع لنظام ولا يحددها قانون) (١١١) ..
و (المرأة الجديدة) التي قصدها " قاسم أمين " هي المرأة الأوربية التي أراد من المصرية أن تتحول إليها وتتخذها مثلاً أعلى. قال " قاسم ":
(هذا التحول هو كل ما نقصد وغاية ما نسعى إليه هو أن تصل المرأة المصرية إلى هذا المقام الرفيع وأن تخطو هذه الخطوة إلى سلم الكمال وأن تكون مثلها تحرراً فالبنات في سن العشرين يتركن عائلاتهن ويسافرن من أمريكا إلى أبعد مكان في الأرض وحدهن ويقضين الشهور والأعوام متغيبات في السياحة متنقلات من بلد إلى أخرى ولم يخطر
стр. 61
على بال أحد من أقاربهن أن وحدتهن تعرضهن إلى خطر ما وكان من تحررها أن يكون لها أصحاب غير أصحاب الزوج والرجل يرى أن زوجته لها أن تميل إلى ما يوافق ذوقها وعقلها وإحساسها وأن تعيش بالطريقة التي تراها مستحسنة في نظرها) (١١٢)
وطلب قاسم أمين من المصريين أن يتخلصوا مما وقر في أنفسهم من أن عاداتهم هي أحسن العادات وأن ما سواها لا يستحق الالتفات وقال: (إن طالب الحقيقة لا يجب أن يجري في إصدار أحكامه على هذا الضرب من التساهل بل يجب أن يعود نفسه على أن يجري نقده للحوادث الاجتماعية على أسلوب علمي) ص (٧٥)
ويقول في موضع آخر: (إن التشريح الفسيولوجي والتجربة في البلاد التي منحت المرأة حريتها قد أثبتت أن المرأة مساوية للرجل في الملكات) ويستشهد في معرض كلامه عن أثر حرارة الجو في إثارة الشهوة بكلام كاتب إيطالي يقول: (إن العفة تكتسب بمنح الحرية للمرأة وإن اختلاف الأجواء لا أثر له في ذلك) .
ثم يقول في موضع آخر: (لما تخلصت المرأة المصرية من الاستعباد رأت نفسها في أول الأمر في حيرة لا تدري معها ماذا تصنع بحريتها الجديدة وهكذا يكون الحال بالنسبة لحرية النساء: أول جيل يظهر فيه حرية المرأة تكثر الشكوى منها ويظن الناس أن بلاء عظيما قد حل بهم لأن المرأة تكون في دور التمرين على الحرية ومع مرور الزمن تتعود المرأة على استعمال حريتها وتشعر بواجباتها شيئاً فشيئاً وترتقي ملكاتها العقلية والأدبية وكلما ظهر عيب في أخلاقها يداوى بالتربية حتى تصير إنساناً شاعراً بنفسه) (١١٣)
ويقول في موضع آخر: (إننا قد ورثنا الصورة التي كوناها عن المرأة من العرب الذين قامت حياتهم - حسب زعمه - على الغزو والنهب ومن ثم لم
стр. 62
يكن فيها للمرأة نصيب ثم لم يكن لها نصيب في تربية الولد لأن تربيته كانت مقصورة على تغذية جسمه ليشب مقاتلاً لا عالماً فاضلاً وصورة المرأة هذه التي ورثها المسلمون - حسب زعمه - عن العرب قد تكون صحيحة بالقياس إلى الماضي ولكنها مزورة إذا نظرنا إلى الحال والمستقبل) اهـ
وكان معارضو "قاسم أمين " يرون أن نهضتنا يجب أن تعتمد على تراثنا القديم وعلى حضارتنا الإسلامية وحدها فقام هو بالرد على ذلك بأن (الحضارة الإسلامية قامت على دعامتين: الأساس الديني الذي كون من القبائل العربية أمة واحدة والأساس العلمي الذي ارتفعت به الأمة الإسلامية وآدابها) ثم يزعم أن العلم وقت ذاك كان ضعيفاً في أول نشأته وكانت أصوله ضرباً من الظنون التي لم تؤيدها التجربة ولذلك كانت قوة العلم ضعيفة بجانب قوة الدين فتغلب الفقهاء على رجال العلم ووضعوهم تحت رقابتهم وزجوا بأنفسهم في المسائل العلمية ينتقدونها ويفتون بمخالفتها لنصوص القرآن والحديث التي يؤولونها وبذلك حملوا الناس (حسب زعمه) على إساءة الظن بالعلم فنفروا منه وهجروه وانتهى بهم الأمر إلى الاعتقاد بأن العلوم جميعاً باطلة إلا العلوم الدينية نفسها: إنها يجب أن تقف عند حد لا يجوز لأحد أن يتجاوزه ثم تقدمت العلوم وظهرت المكتشفات الحديثة واستطاع العلم أن يشيد بناء لا يمكن لعاقل أن يفكر في هدمه وتغلب رجال العلم على رجال الدين) (١١٤)
وينتهي " قاسم أمين " من هذا العرض
стр. 63
إلى أن التمدن الإسلامي قد بدأ وانتهى قبل أن يكشف الغطاء عن أصول العلم فكيف يمكن أن نعتقد أن هذا التمدن كان نموذج الكمال البشري؟ ..
ثم يبين أن كثيراً من ظواهر التمدن الإسلامي لا يمكن أن تدخل في نظام معيشتنا الاجتماعية الحالية ويضرب الأمثلة من نظم هذا التمدن في الحكم وهي في رأيه أقل من المستوى الذي بلغه اليونان والرومان في كفالة الحريات (١١٥) كما يضرب أمثلة من نظام الأسرة ليبين أنه كان غاية في الانحلال وأن الفرق واسع بينه وبين النظم والقوانين التي وضعها الأوربيون لتأكيد روابط الأسرة)
ويختم ذلك متسائلاً: (إذا كانت هذه حالهم فما الذي يطلب منا أن نستعيره منها؟ .. وأي شيء منها يصلح لتحسين حالنا اليوم؟)
ثم يقول: (متى تقرر أن المدنية الإسلامية هي غير ما هو راسخ في مخيلة الكتاب الذين وصفوها بما يحبون أن تكون عليه لا بما كانت في الحقيقة عليه وثبت أنها كانت ناقصة من وجوه كثيرة فسيان عندنا بعد ذلك أن احتجاب المرأة كان من أصولها أو لم يكن وسواء صح أن النساء في أزمان خلافة بغداد والأندلس كن يحضرن مجالس الرجال أو لم يصح فقد صح أن الحجاب هو عادة لا يليق استعمالها في عصرنا) اهـ (١١٦)
стр. 64
ثم يستطرد (عدو المرأة المسلمة) قائلاً: (نحن لا نستغرب أن المدنية الإسلامية أخطأت في فهم طبيعة المرأة وتقدير شأنها فليس خطؤها في ذلك أكبر من خطئها في كثير من الأمور الأخرى ... )
ويقول (.. والذي أراه أن تمسكنا بالماضي إلى هذا الحد هون من الأهواء التي يجب أن ننهض جميعاً لمحاربتها لأنه ميل إلى التدني والتقهقر..هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له من دواء إلا أننا تربي أولادنا على أن يعرفوا شئون المدنية الغربية ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها إذا أتى هذا الحين - ونرجو أن لا يكون بعيداً - انجلت الحقيقة أمام عيوننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة التمدن الغربي وتيقنا أن من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسساً على العلوم العصرية الحديثة وإن أحوال الإنسان مهما اختلفت وسواء كانت مادية أو أدبية خاضعة لسلطان العلم لهذا نرى أن الأمم المتمدنة على اختلافها في الجنس واللغة والوطن والدين متشابهة تشابهاً عظيماً في شكل حكومتها وإدارتها ومحاكمها ونظام عائلتها وطرق تربيتها ولغاتها (١١٧) وكتابتها ومبانيها
стр. 65
وطرقها بل في كثير من العادات البسيطة كالملبس والتحية والأكل هذا هو الذي جعلنا نضرب الأمثال بالأوربيين ونشيد بتقليدهم وحملنا على أن نستلفت الأنظار إلى
المرأة الأوربية) (١١٨)
بعض ردود فعل الكتاب:
موقف مصطفى كامل:
تصدى " مصطفى كامل" من جديد لقاسم أمين وكتب في اللواء بتاريخ ٩ / ٢ /١٩٠١ م معلقاً على كتاب " المرأة الجديدة ": (أخرجه أخيراً قاسم أمين ليدعم به أمر كتابه الأول ويفتح به آفاقاً جديدة تحلل المسلمين من دينهم وأخلاقهم) اهـ
وحكى "مصطفى كامل " أن سلطان "ملديفي" لما بلغه خبر الكتاب وسئل عن رأيه في هذه الاتجاهات قال: (أما تعليم النساء المسلمات فقد أصبح من المسائل الحيوية للإسلام والمسلمين ولكنه لو مال عن طريق الشريعة الغراء إلى خطة مدنية الغرب الغبراء كان معولاً لهدم أركان الإسلام وفأساً لفتح القبور لأبنائه ودسهم فيها وهم أحياء أما رفع الحجاب فلا أرضاه لنسائي وبلادي وأما المرأة وحق طلاق زوجها فدعوة لا تصدر من معترف بقول الله في كتابه: (الرجال
стр. 66
قوامون على النساء) (النساء ٣٤) فنسأل الله السلامة) اهـ (١١٩)
وأفسح " مصطفى كامل " لعلماء المسلمين المجال في جريدة اللواء ليتصدوا لهذه الدعوة الاستعمارية وليبينوا حكم الإسلام فيها وفي أصحابها (وكان من الكتاب الذين نشرت لهم " اللواء " مقالات تعيب على قاسم أمين وذيوله خصومة الحجاب وتجاوز ذلك إلى تحرر يسيء إلى حياة الأمة الأستاذ " محمود سلامة " الأديب المعروف) (١٢٠)
ومن البحوث التاريخية التي نشرها " اللواء " أيضاً ذلك البحث الذي وضعه قاضي قضاة مصر (١٢١) السيد " عبد الله جمال الدين أفندي " ﵀ ونشرته له " اللواء " في عدديها رقم (٤٥٦ و ٤٥٧) بتاريخ (٢٥ و ٢٦ من ذي الحجة سنة ١٣١٨هـ أي في أواخر سنة ١٩٠٠م) وقد استغرق هذا البحث من كل عدد الصفحة الأولى كاملة وثلث الصفحة الثانية (١٢٢) .
وبما أن هذه الحركة كانت قد نشأت في بيئة وطيدة الصلة بالاحتلال البريطاني معادية في نفس الوقت لحاكم البلاد الرسمي (الخديوي) فكان من الطبيعي أن يقف منها الخديوي موقف العداء ...
أولاً: لمنافاتها للإسلام في وقت كان الحكام والأمراء يفاخرون بالحرص عليه
وثانياً: لصلتها بالاحتلال الذي يعمل على حشد القوى المناصرة له لمناهضة الخديوي والحد من سلطانه وقد أبرز (مصطفى كامل) موقف الخديوي " عباس حلمي " من هذه الحركة في اللواء بتاريخ (٢٢ إبريل من سنة
стр. 67
١٩٠١ م) بعنوان: (رأي الجناب العالي في مسألة الحجاب) وقد جاء فيه ما نصه:
(يرى الجناب العالي حفظه الله في مسألة الحجاب وإطلاق حرية النساء ما يراه الشرع الشريف ويأمر به وقد عرف رأي جنابه في هذا الشأن بأمرين:
الأول: أنه أبى قبول كتاب " المرأة الجديدة " عندما ذهب " قاسم أمين " في الأيام الأخيرة إلى المعية السنية والتمس تقديمه إلى سموه.
الثاني: أنه قبل كتاب " الاحتجاب " الذي رفعه إليه يوم الجمعة الماضي حضره الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الله نقيب الأشراف برودس وقريب مؤلف الكتاب عبد الله جمال الدين أفندي ﵀ وتقبله حفظه الله بكل ارتياح وانشراح وأعرب عن عظيم امتنانه من نشره حتى ينتفع به
المسلمون ويرشدهم إلى الحق والصواب) اهـ
هذا ولم يقف الأمر بالخديوي حيال " قاسم أمين " عند هذا الحد بل لقد أصدر أمراً بمنعه من دخول القصر في أي مناسبة مع أنه مستشار (١٢٣) في الدولة وذلك أنصع في الدلالة على استنكار الخديوي لهذه الحركة الأثيمة (١٢٤) .
стр. 68
........................
стр. 69
هل رجع " قاسم أمين " عن آرائه ؟
زعم بعض الباحثين أن قاسم أمين (عدل عن رأيه في عام ١٩٠٦ م بعد أن تبين له أنه ضل الطريق وذلك ضمن حديث له إلى صحيفة " الظاهر " التي كان يصدرها " محمد أبو شادي " المحامي أعلن فيه رجوعه عن رأيه كما أعلن فيه أنه كان مخطئاً في
" توقيت " الدعوة إلى تحرير المرأة) (١٢٥)
وقد استدل من ذهب إلى ذلك بحديثه المذكور آنفاً في صحيفة " الظاهر " وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر لأن عبارته لم تكن صريحة في توبته عن ضلاله بالكلية ولكنه ادعى أن خطأه كان فقط في (توقيت) الدعوة إلى تحرير المرأة وليس في مضمون الدعوة ذاتها وإليك نص عبارته في ذلك:
قال " قاسم أمين ":
(لقد كنت أدعوا المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك بل الإفرنج في تحرير نسائهم وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم.. ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس فلقد تتبعت خطوات النساء في
стр. 70
كثير من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات فرأيت من فساد أخلاق الرجال بكل أسف ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي واستنفر الناس إلى معارضتي..رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تتطاولوا إليها بألسنة البذاء ثم ما وجدت زحاماً في طريق فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسنة جميعاً.. أنني أرى أن الوقت ليس مناسباً للدعوة إلى تحرير المرأة بالمعنى الذي قصدته من قبل) (١٢٦)
وقد كان نشر هذا الكلام قبل موته بعام ونصف فلعله رأى - بعد أن تغيرت الظروف بزوال " كرومر " وانطفاء نفوذ " نازلي فاضل " ربيبته - أن يتخفف من تبعه هذه الدعوة المدمرة بل ربما كان لبعض التجارب أثرها في نفسه فمما يروى (أن صديقاً عزيزاً " هو المؤرخ الإسلامي رفيق العظم " زاره ذات مرة فلما فتح له الباب قال: " جئت هذه المرة من أجل التحدث مع زوجك في بعض المسائل الاجتماعية! " فدهش قاسم أمين كيف يطلب مقابلة زوجته ومحادثتها؟ فقال له صديقه: " ألست تدعو إلى ذلك؟ إذاً لماذا لا تقبل التجربة مع نفسك؟ " فأطرق " قاسم أمين " صامتاً)
(١٢٧)
(وكلمته زوجة قاسم من وراء ستار وأفهمته أن قاسماً لم يدعو إلى السفور ولا إلى الخلوة بأجنبي) (١٢٨) .
стр. 71
موت " قاسم أمين ":
(ومات قاسم أمين ليلة الثالث والعشرين من إبريل سنة ١٩٠٨م فأوحى الإنكليز إلى شيعته بإقامة ما يسمى " حفل تأبين " له فأقاموا هذا الحفل وأشادوا فيه بدعوته إلى السفور فقابل رجال الحزب الوطني هذه الحركة بإقامة احتفال كبير للدعوة إلى الحجاب ولإبراز أصابع الإنكليز في فتنة السفور) (١٢٩)
من يحمل اللواء ؟
وبموت " قاسم أمين " لم تهدأ هذه الدعوة إلى (تدمير) المرأة إلا قليلاً وكيف يهدأ للإنكليز بال والخطة لم تصل بعد إلى أهدافها؟
وإن مات قاسم أمين فهناك على الساحة السياسية من يستأنف الدور ويحمل اللواء هناك "حزب الأمة"وزعاماته المعروفة بعمالتها للإنكليز من أمثال (أحمد فتحي زغلول) (١٣٠) عضو محكمة دنشواي والهلباوي جلادها
стр. 72
وسفاحها وهناك وكلاء الغرب المنضوون تحت لواء هذا الحزب من أمثال " لطفي السيد " الذي حمل على عاتقه الدعوة إلى خروج النساء باسم التحرير وها هو ذا " أستاذ الجيل " أو " منشئ الوطنية المصرية " على حد تعبير " سلامة موسى " يتحدى المسلمين ويدخل الفتيات طالبات في الجامعة مختلطات بالطلاب سافرات الوجوه ولأول مرة في تاريخ الجامعة المصرية (١٣١) وظل " أستاذ التضليل " يروج لحركة تحرير المرأة على صفحات
" الجريدة " لسان حزب الأمة (١٣٢) .
стр. 73
صدور مجلة " السفور ":
ولما قامت الحرب العالمية الأولى وكانت الفرصة سانحة لإخفات صوت الإسلاميين وتشريد دعاتهم وكتم أنفاسهم - اعتقلت السلطات البريطانية رجال الحزب الوطني وانتهز أنصار الحركة النسائية الفرصة فأصدروا مجلتهم " السفور "
стр. 74
باسم " عبد الحميد حمدي " وقد أخذت على عاتقها نشر الدعوة ضد الحجاب وضد الآداب الإسلامية وممن كتب فيها داعياً إلى السفور مصطفى عبد الرازق وعلي عبد الرازق (١٣٣) وطه السباعي وصاحب " المجلة " وغيرهم (١٣٤)
وإلى قيام ثورة ١٩١٩ كانت هذه الدعوة الآثمة محصورة في أضيق الحدود حتى إن المتظاهرات اللاتي أغراهن دعاة التحرير بالخروج في ذلك الحين كن محجبات يرتدين البراقع البيضاء ولا يخالطن الرجال (١٣٥)
стр. 75
الطفرة:
وقد كانت ثورة " ١٩ " أكبر طور طفر بحركة " تحرير المرأة " وقد تمثل ذلك في مشاركة المرأة في ثورة ١٩١٩ ومؤازرة " سعد زغلول " للحركة النسائية وكانت المشاركة الفعلية للمرأة بمظاهرة يوم ٢٠مارس سنة ١٩١٩ وكانت هذه المشاركة في ذلك اليوم بمثابة جواز المرور الذي تجاوزت به المرأة الحائط القديم الذي قبعت طويلاً خلفه ولم تعد إليه أبداً بعد أن وضعت قدمها موضع قدم الرجل فعندما تشكل الوفد المصري من الرجال همت المرأة فشكلت لجنة الوفد من السيدات اللاتي اجتمعن برئاسة " هدى شعراوي " بالكنيسة المرقصية (يوم ٨ يناير سنة ١٩٢٠) ومنذ ذلك التاريخ انتقل التنظيم النسائي إلى مرحلة العمل المنظم على أساس أنه هيئة مستقلة حرة معترف بها لها الحق في أن تشارك في مجريات الأحداث التي تمر بها البلاد. وظلت الصحافة في هذه المرحلة تؤازر المرأة خاصة التي يحررها صحافيون سفوريون ممن كانوا يؤازرونها من قبل وممن انضم إليهم من أمثال الدكتور " محمد حسين هيكل " صاحب جريدة " السياسة " وبعض كتاب مجلة الهلال وغيرهم ورسمت الصحافة صورة المرأة المثالية التي يجب أن تتمثلها المرأة المصرية وهي نفسها صورة المرأة الأوربية في ذلك الوقت يقول أحد الكتاب: (المرأة الأوربية عندها واجبان مقدسان بيتها ووطنها وبين الواجبين تخص بساعة نفسها فتحضر حفل موسيقي أو تدعو أصحابها لليلة راقصة ولا تنسى أن تقف أمام المرآة لتزين حالها فتتذكر دائماً أنها امرأة إنها في نظري مثال المرأة الأعلى ويحسن بالمرأة الشرقية أن