← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

موت " قاسم أمين ": (ومات قاسم أمين ليلة الثالث والعشرين من إبريل سنة ١٩٠٨م فأوحى الإنكليز إلى شيعته بإقامة ما يسمى " حفل تأبين " له فأقاموا هذا الحفل وأشادوا فيه بدعوته إلى السفور فقابل رجال الحزب الوطني هذه الحركة بإقامة احتفال كبير للدعوة إلى الحجاب ولإبراز أصابع الإنكليز في فتنة السفور) (١٢٩) من يحمل اللواء ؟ وبموت " قاسم أمين " لم تهدأ هذه الدعوة إلى (تدمير) المرأة إلا قليلاً وكيف يهدأ للإنكليز بال والخطة لم تصل بعد إلى أهدافها؟ وإن مات قاسم أمين فهناك على الساحة السياسية من يستأنف الدور ويحمل اللواء هناك "حزب الأمة"وزعاماته المعروفة بعمالتها للإنكليز من أمثال (أحمد فتحي زغلول) (١٣٠) عضو محكمة دنشواي والهلباوي جلادها

стр. 72

وسفاحها وهناك وكلاء الغرب المنضوون تحت لواء هذا الحزب من أمثال " لطفي السيد " الذي حمل على عاتقه الدعوة إلى خروج النساء باسم التحرير وها هو ذا " أستاذ الجيل " أو " منشئ الوطنية المصرية " على حد تعبير " سلامة موسى " يتحدى المسلمين ويدخل الفتيات طالبات في الجامعة مختلطات بالطلاب سافرات الوجوه ولأول مرة في تاريخ الجامعة المصرية (١٣١) وظل " أستاذ التضليل " يروج لحركة تحرير المرأة على صفحات " الجريدة " لسان حزب الأمة (١٣٢) .

стр. 73

صدور مجلة " السفور ": ولما قامت الحرب العالمية الأولى وكانت الفرصة سانحة لإخفات صوت الإسلاميين وتشريد دعاتهم وكتم أنفاسهم - اعتقلت السلطات البريطانية رجال الحزب الوطني وانتهز أنصار الحركة النسائية الفرصة فأصدروا مجلتهم " السفور "

стр. 74

باسم " عبد الحميد حمدي " وقد أخذت على عاتقها نشر الدعوة ضد الحجاب وضد الآداب الإسلامية وممن كتب فيها داعياً إلى السفور مصطفى عبد الرازق وعلي عبد الرازق (١٣٣) وطه السباعي وصاحب " المجلة " وغيرهم (١٣٤) وإلى قيام ثورة ١٩١٩ كانت هذه الدعوة الآثمة محصورة في أضيق الحدود حتى إن المتظاهرات اللاتي أغراهن دعاة التحرير بالخروج في ذلك الحين كن محجبات يرتدين البراقع البيضاء ولا يخالطن الرجال (١٣٥)

стр. 75

الطفرة: وقد كانت ثورة " ١٩ " أكبر طور طفر بحركة " تحرير المرأة " وقد تمثل ذلك في مشاركة المرأة في ثورة ١٩١٩ ومؤازرة " سعد زغلول " للحركة النسائية وكانت المشاركة الفعلية للمرأة بمظاهرة يوم ٢٠مارس سنة ١٩١٩ وكانت هذه المشاركة في ذلك اليوم بمثابة جواز المرور الذي تجاوزت به المرأة الحائط القديم الذي قبعت طويلاً خلفه ولم تعد إليه أبداً بعد أن وضعت قدمها موضع قدم الرجل فعندما تشكل الوفد المصري من الرجال همت المرأة فشكلت لجنة الوفد من السيدات اللاتي اجتمعن برئاسة " هدى شعراوي " بالكنيسة المرقصية (يوم ٨ يناير سنة ١٩٢٠) ومنذ ذلك التاريخ انتقل التنظيم النسائي إلى مرحلة العمل المنظم على أساس أنه هيئة مستقلة حرة معترف بها لها الحق في أن تشارك في مجريات الأحداث التي تمر بها البلاد. وظلت الصحافة في هذه المرحلة تؤازر المرأة خاصة التي يحررها صحافيون سفوريون ممن كانوا يؤازرونها من قبل وممن انضم إليهم من أمثال الدكتور " محمد حسين هيكل " صاحب جريدة " السياسة " وبعض كتاب مجلة الهلال وغيرهم ورسمت الصحافة صورة المرأة المثالية التي يجب أن تتمثلها المرأة المصرية وهي نفسها صورة المرأة الأوربية في ذلك الوقت يقول أحد الكتاب: (المرأة الأوربية عندها واجبان مقدسان بيتها ووطنها وبين الواجبين تخص بساعة نفسها فتحضر حفل موسيقي أو تدعو أصحابها لليلة راقصة ولا تنسى أن تقف أمام المرآة لتزين حالها فتتذكر دائماً أنها امرأة إنها في نظري مثال المرأة الأعلى ويحسن بالمرأة الشرقية أن

стр. 76

تقتبس عنها كل شيء) (١٣٦) وربط كتاب هذه المرحلة صراحة بين تحرير المرأة وفكرة " المصرية " ونبذ فكرة " الإسلامية " يقول " محمود عزمي " - وكان من أبرز كتاب تلك المرحلة: (تأثرت بكتب " قاسم أمين " تأثراً عجيباً جعلني أمقت الحجاب مقتاً شديداً يرجع إلى اعتبار خاص هو اعتباره من أصل غير مصري ودخوله إلى العادات المصرية عن طريق تحكم بعض الفاتحين الأجانب فكان حنقي على أولئك الأجانب الفاتحين الإسلاميين يزيد) اهـ (١٣٧) . جريمة الزعيم: (صحبت " صفية زغلول " زوجها " سعد زغلول " في باريس لحضور مؤتمر الصلح سنة ١٩٢٠لعرض القضية المصرية وقد مكثت صفية ترتدي الحجاب إلى أن عادت مع سعد زغلول إلى مصر بعد عودته من منفاه وعلى ظهر الباخرة التي نقلتهما إلى الإسكندرية وجد سعد البحر وقد امتلئ بألوف المخدوعين يستقبلونه بالقوارب وقال سعد لصفية " ارفعي الحجاب " وتدخل " علي الشمسي " و " واصف بطرس "! - من أعضاء الوفد - وعارضا في ذلك فقال سعد زغلول " المرأة خرجت إلى الثورة بالبرقع ومن حقها أن ترفع الحجاب اليوم " ورفعت صفية زغلول الحجاب (١٣٨) ثم وقفت إحدى صنائع

стр. 77

الاستعمار تخطب في القاهرة في احتفال الشعب المخدوع بقدوم " الزعيم " وطلب منها رفع الحجاب وعندئذ رفعت الحاضرات الحجاب) اهـ (١٣٩) وجاء في جريدة الجمهورية الصادرة في ٢٠ / ٤ / ١٩٧٨ في الذكرى السبعين لموت قاسم أمين تحت عنوان: " تحليل شخصية قاسم أمين ": (ولما تولى سعد زغلول زعامة الشعب في عام ١٩١٩ اشترط على السيدات اللواتي يحضرن سماع خطبه أن يزحن النقاب عما سمح الله به من وجوههن وكانت هذه أول مرحلة عملية للسفور) اهـ وفي رواية: (نفت بريطانيا " صديقها " سعد زغلول وجماعته إلى جزيرة سيسل فترة ثم أعادته إلى مصر لتوليه رئاسة الوزارة وتوقع معه معاهدة فيكون احتلال بريطانيا لمصر شيئاً رسمياً متفقاً عليه! هيئ الجو في الإسكندرية لاستقبال سعد وأعد سرادق كبير للرجال وآخر للنساء المحجبات وأقيمت الزينات في كل مكان ونزل " سعد " من الباخرة وعلى استقبال حافل وهتافات أخذ طريقها إلى سرادق النساء - دون سرادق الرجال - فلما دخل على النساء المحجبات استقبلته " هدى شعراوي " بحجابها ... فمد يده - يا ويله - فنزع الحجاب عن وجهها تبعاً لخطة معينة وهو يضحك.. فصفقت هدى....

стр. 78

وصفقت النساء لهذا الهتك المشين ... ونزعن الحجاب ومن ذلك اليوم أسفرت المرأة المصرية استجابة لـ " رجل الوطنية " سعد وأصبح الحجاب نشازاً في حياة المسلمة المصرية ... لقد فعل " سعد " بيده ما دعا إليه اليهودي القديم بلسانه فكلفه دمه (١٤٠) أما سعد.....؟! (١٤١) ويستنكر الشيخ " مصطفى صبري " ﵀ هذه الجريمة التاريخية البشعة قائلاً: (وكأني بعلماء الدين سكتوا عند وقوع تلك الحادثة احتراماً لسعد أو انتقده عليه قليل منهم من غير تصريح باسمه كما هو المعتاد عند علماء مصر في النقد ولكن النهي عن المنكر ليس بجهاد مع الهواء وإن الحق وخاطر الإسلام أكبر من سعد وألف سعد وإني تذكرت هنا سعداً الصحابي ﵁ وقول النبي " فيه (١٤٢) : أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه والله أغير مني) (١٤٣) اهـ

стр. 79

" سعد زغلول " المنفذ الفعلي لأفكار قاسم أمين: (في ثورة سنة ١٩١٩ استطاع المصريون بقيادة سعد زغلول أن يحققوا الاستقلال عن كل من تركيا وانجلترا وتحقق - وفي الوقت نفسه - بتعضيد من سعد زغلول ومعاونته استقلال المرأة وتحررها العملي وتحققت بذلك نبوءة " قاسم أمين " الذي كان يرى أن آراءه في المرأة لن تأخذ شكلها العملي إلا على يد سعد زغلول ومن ثم فقد أهداه كتاب " المرأة الجديدة " الذي يمثل الثورة الجذرية الفعلية للمرأة المصرية. والذي لا يعرفه الكثيرون أن " سعد زغلول " كان لا يقل تحمساً لتحرير المرأة عن شيخه الشيخ " محمد عبده " وصديقه " قاسم أمين " إن لم يكن أكثر حماساً وفاعلية منهما فهو الرجل الذي قدر له أن يقرر تاريخ مصر طوال العقد الثالث من هذا القرن. وكان سعد زغلول من الذين تخرجوا من الأزهر الشريف ودرسوا الحقوق واحترفوا المحاماة واتصل برجال تركيا الفتاة الذين قضوا على الخلافة الإسلامية في تركيا وكانت الأميرة " نازلي فاضل " تؤيد أفكارهم فالتقت فكرياً بسعد زغلول وعهدت إليه بالإشراف على ممتلكاتها وعن طريق منتداها بدأ نجمه يبزغ في ظل نجم الأميرة ونجم الشيخ " محمد عبده " ثم سطع نجمه عندما مثل أول أدواره السياسية بوصفه صهر " مصطفى فهمي " باشا رئيس الوزراء المصري وأحد المقربين إلى اللورد " كرومر " سنة ١٩٠٧ ثم عندما أسس حزب الأمة الذي بارك اللورد كرومر تكوينه راجياً أن يحد به من نفوذ الحزب الوطني ذي النزعة الإسلامية بقيادة مصطفى كامل - ثم أسند اللورد لسعد زغلول نظارة المعارف مكافأة له على خدماته قبل

стр. 80

أن تتغير الاتجاهات السياسية في مصر في نهاية الحرب العالمية الأولى وثورة سنة ١٩١٩) (١٤٤) (وفي هذه الفترة التي قدر لسعد زغلولا أن يقرر فيها تاريخ مصر قطعت مسألة تحرير المرأة شوطاً لم يكن يتحقق لها بدونه ومن ثم فقد بز دوره الشيخ محمد عبده وقاسم أمين معاً وذلك لأن سعد زغلول - كما يقول الشيخ محمد رشيد رضا - في مجلة المنار (٢٨ / ٧١١و ٧١٢) : (دخل في أطوار التفرنج في معيشته وأفكاره الاجتماعية وغلبت نزعة " المصرية " عنده على فكر " الجامعة الإسلامية " ولم يعد يذهب إلى المساجد " وهو خريج الأزهر الشريف " إلا في مناسبات الاحتفالات الرسمية وبعض صلوات الجمعة في زمن زعامته وأنكر عليه أهل الدين أموراً منها عمله في تجرئة النساء على (١٤٤) " المؤامرة على المرأة المسلمة " ص (١٩ - ٢٠) . السفور المتجاوز للحد الشرعي حتى لقد بدا للعيان أنه لو كان الأمر بيد "سعد زغلول " لحول مصر إلى تركيا كمالية ولكن حال دون ذلك نزوع المصريين الفطري إلى التدين والتمسك بعرى الدين وخوف سعد - إذا تمادى في تحدي مشاعر الناس الدينية - من أن يفقد شعبيته واحترام البسطاء له) (١٤٥) اهـ.

стр. 81

" سعد زغلول ": أول وزير مصري في ظل الاحتلال: لقد بدأ "الزعيم" حياته السياسية صديقاً للإنكليز وختمها كذلك صديقاً للإنكليز (١٤٦) وبدأها بمصاهرة أشهر صديق للإنكليز عرفته مصر في تاريخ الاحتلال الإنكليزي من أوله إلى آخره وهو " مصطفى فهمي " باشا أول رئيس وزراء في مصر بعد الاحتلال (وقد اختار اللورد " كرومر " سعداً وزيراً للمعارف فحاول بمجرد تعيينه إحباط مشروع الجامعة المصرية وتصدى للجمعية العمومية حينما طالبت الحكومة في مارس ١٩٠٧ بجعل التعليم في المدارس الأميرية باللغة العربية وكان وقتئذ بالإنكليزية وكان الاحتلال هو الذي أحل اللغة الإنكليزية محل العربية في التدريس) (١٤٧) (وبعد تعينه وزيراً أراد مجموعة من النساء المصريات في القاهرة أن يجتمعن به لأمر من الأمور فدخل عليهن وبهت إذ فوجئ بأنهن يسدلن الحجاب على وجوههن فرفض الدخول والاجتماع بهن إلا أن يكشفن وجوههن فأبين ذلك ولم يحصل الاجتماع) (١٤٨)

стр. 82

ومن هنا فلا تعجب إذا رأيت مصطفى كامل يعلق على تصرفات الوزير سعد زغلول قائلاً: (إن الناس قد فهموا الآن أوضح مما كانوا يفهمون من قبل لماذا اختار اللورد " كرومر " (١٤٩) لوزارة المعارف العمومية صهر رئيس الوزراء مصطفى فهمي باشا الأمين على وحيه الخادم لسياسته........ ألا إن الذين كانوا يحترمون الوزير كقاض ليأسفون على حاضره كل الأسف وليخافون على مستقبله كل الخوف ويفضلون ماضيه كل التفضيل ذلك لأن الوزير قائم الآن على منحدر هائل مخيف) (١٥٠) اهـ ولنختم هذا الفصل بما كتبه سعد زغلول عن اللورد " كرومر " قال: (كان يجلس معي الساعة والساعتين ويحدثني في مسائل شتى كي أتنور منها في حياتي السياسية) ، (وكان يصفه بأن صفاته - أي كرومر- قد اتفق الكل على كمالها) ويحكي " سعد " في مذكراته وقع خبر استعفاء كرومر من منصبه (١١/٤/١٩٠٧) عليه فيقول: (أما أنا فكنت كمن تقع ضربة شديدة على رأسه أو كمن وخز بآلة حادة فلم يشعر بألمها لشدة هولها ... لقد امتلأت رأسي أوهاماً وقلبي خفقاناً وصدري ضيقاً) . وكان سعد في مقدمة الداعين إلى إقامة حفل لتوديع اللورد كرومر الذي سب في

стр. 83

خطاب وداعه المصريين جميعاً ولم يمدح إلا رجلاً واحداً هو " سعد زغلول " وأعلن أنه يترك مصر مستريحاً لأنه أقام فعلاً القاعدة الأساسية لاستدامة الاحتلال وصدق فقد ألف في ذلك العام "حزب الأمة" (١٥١) وأصبح " لطفي السيد " حامل لواء "الجريدة" (١٥٢) وعين سعد زغلول ناظراً للمعارف وقال كرومر في تعليل هذا التعيين: (إنه يرجع أساساً إلى الرغبة في ضم رجل قادر ومصري مستنير من تلك الطائفة الخاصة من المجتمع المعنية بالإصلاح في مصر) ، (كما أن سعداً من تلاميذ محمد عبده وأتباعه الذين أطلق عليهم " جيرونديي " (١٥٣) " الحركة الوطنية المصرية " والذي كان برنامجهم تشجيع التعاون مع الأجانب لإدخال الحضارة الغربية إلى مصر الأمر الذي جعل كرومر يحصر فيهم أمله الوحيد في قيام الوطنية المصرية) (١٥٤) اهـ

стр. 84

تلميذ المدرسة الاستعمارية وبداية " تحرير المرأة " (*) لم يكن يتخيل أحد أن " يجاهر " أحد من القائمين على دعوة تحرير المرأة بأن هذا " التحرير " في مفهومه يرادف " الأسر " بل ويرادف " الانحلال " بكل ما تحتمله الكلمة من معان. ومع وضوح السلسلة التاريخية التي مرت بها حركة " تحرير المرأة " والتي سردنا بعضاً من حلقاتها فيما تقدم ومع إمكان الاختلاف في تحديد بدايتها على وجه الدقة إلا أنه لم يوجد " قلم " يحترم نفسه جرؤ على الزعم بأن عام ١٨٠٠م هو عام تحرير المرأة المصرية! وأن " الحملة الفرنسية " كانت نقطة " الانطلاق " إلى " تحرير المرأة" من كل قيد وأول ذلك قيد الدين والخلق والحياء.. فماذا عن عام ١٨٠٠؟ (عام ١٨٠٠ عام هزيمة ثورة القاهرة الثانية عام سبي جنود الاحتلال الفرنسي لنساء مصر وبناتها وغلمانها ... هو عام تحرير المرأة المصرية) لقد أنفرد بهذا الكشف " لويس عوض "! يقول: (أما عام ١٨٠٠م فهو عام تحرير المرأة ففي الجبرتي وصف لبدايات حركة السفور ووصف لبدايات حركة تحرير المرأة ووصف لما أصاب بعض نساء القاهرة من انطلاق نتيجة لمخالطة المصريين للفرنسيين ومحاكاتهم في الزي وفي

стр. 85

السلوك) (١٥٥) ويستشهد " لويس عوض " على حركة " التحرير " هذه بقول الجبرتي: (ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات المصبوغة ويركبن الخيول والحمير ويسوقنها سوقاً عنيفاً مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية معهم وحرافيش العامة فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل والفواحش فتداخلن معهم لخضوعهم للنساء وبذل الأموال لهن وكان ذلك التداخل أولاً مع بعض احتشام وخشية عار ومبالغة في إخفائه فلما وقعت الفتنة الأخيرة بمصر وحاربت الفرنسيس بولاق وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات وصرن مأسورات عندهم فزيوهن بزي نسائهم وأجروهن على طريقتهن في كامل الأحوال فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية وتداخل مع أولئك المأسورات غيرهن من النساء الفواجر ولما حل بأهل البلد من الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في حوز الفرنسيين ومن والاهم وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهم لهن وموافقة مرادهن وعدم مخالفة هواهن ولو شتمته أو ضربته بتاسومتها (١٥٦) فطرحن الحشمة والوقار والمبالاة والاعتبار واستملن نظراءهن واختلسن عقولهن لميل النفوس إلى الشهوات وخصوصاً عقول القاصرات

стр. 86

وخطب الكثير منهم بنات الأعيان وتزوجوهن رغبة في سلطانهم ونوالهم فيظهر حالة العقد الإسلام وينطق بالشهادتين لأنه ليس له عقيدة يخشى فسادها) (ومنها أنه أوفى النيل أذرعه ودخل الماء إلى الخليج وجرت فيه السفن ووقع عند ذلك من تبرج النساء واختلاطهن بالفرنسيين ومصاحبتهن لهم في المراكب والرقص والغناء والشرب بالنهار والليل في الفوانيس والشموع الموقدة عليهن الملابس الفاخرة والحلي والجواهر المرصعة وبصحبتهم آلات الطرب وملاحوا السفن يكثرون من الهزل والمجون ويتجاوبون برفع الصوت في تحريك المجاديف بسخف موضوعاتهم وكثائف مطبوعاتهم وخصوصاً إذا دبت الحشيشة في رؤوسهم وتحكمت في عقولهم فيصرخون ويطبلون ويرقصون ويزمرون ويتجاوبون بمحاكاة ألفاظ الفرنساوية في غنائهم وتقليد كلامهم شيء كثير) (وأما الجواري السود فإنهن لما علمن رغبة القوم في مطلق الأنثى ذهبن إليهم أفواجاً فرادى وأزواجاً فنططن الحيطان وتسلقن إليهم من الطيقان ودلوهم على مخبآت أسيادهن وخبايا أموالهم ومتاعهم وغير ذلك) اهـ هكذا يفهم " لويس عوض " من العبرات السابقة للجبرتي أنه كانت هناك"ثورة نسائية" أو " ثورة حريم " في مصر " أو على الأقل في القاهرة عام ١٨٠٠" ومع أن الجبرتي لم يترك فرصة لسوء الفهم هذا فإن تلميذ المدرسة الاستعمارية يصر على أنها ظاهرة عامة نابعة عن " ثورة تحررية "! وليست حالة انهيار تحدث في جميع المجتمعات التي تتعرض للاحتلال والنهب والسلب والتجويع وأسر بنات الأسر كالجواري ووضعهن في معسكرات الجنود " مأسورات ". مؤرخ المدرسة الاستعمارية يجعل من انحطاط المرأة إلى حد التكسب "

стр. 87

بالفاحشة " ثورة نساء وبداية تحرر المرأة! وهو بذلك يعكس احتقاراً عميقاً للمرأة كما يعكس مفهوماً وقحاً لمعنى تحرر المرأة ولكنه لا يكتفي بذلك بل يصر على أن يجعل هذا التحرر بعلم رجال مصر ورضاهم. والجبرتي دقيق وواضح حين يبين أن الفريق الأول أو " الرائدات " هن من النساء الأسافل والفواحش أما الفريق الثاني من الحرائر فهو يعتذر عنهن بالأسر ولكن " لويس عوض " يأبى إلا أن يلوي عنق النص ويدعي أن الجبرتي (يتحدث عن الحرائر من ربات البيوت وبناتها ... عن سيدات المجتمع وهؤلاء ما كان يمكن أن يخالطن الفرنسيات والفرنسيين إلا برضاء الأولياء عليهن) (١٥٧) اهـ وهكذا بزعم تلميذ المدرسة الاستعمارية أن المجتمع المصري " المتحرر" تحولت نساؤه إلى بغايا وتحول رجاله إلى قوم يرضون بذلك! ثم تأمل افتراءه - عامله الله بعدله - حينما يدعي أن طبقات النساء اللواتي حاكين المتفرنسات والعادات الفرنسية وطرحن الحشمة والوقار والمبالاة والاعتبار قد اتسعت (بتأثير سبايا الفرنسيين المتحررات من بنات بولاق) اهـ نعم في منطق " لويس عوض " وأمثاله لا تتعارض كلمة " سبايا " مع كلمة " متحررات " لأن الحرية التي هي مسار الجدل هنا هي " الحرية الشهوانية " بمعناها السوقي المبتذل ومن ثم يمكن أن تكون المرأة جارية سبية وفي نفس الوقت " متحررة " بل وطليعة ثورة تحررية لأنها تتبرج في ثيابها وتخرج سافرة الوجه متأبطة ذراع " محررها " و " مالكها " في نفس الوقت ومن ثم يمكن أيضاً - في منطق الرجل - الفصل بين (حرية المرأة المملوكة) وبين (حرية الوطن الأسير) .

стр. 88

إن ظاهرة " الاحتلال " ظاهرة عامة في المستعمرات ولا علاقة لها بمركز المرأة إذ إنها ظاهرة تنشأ عند قشرة المجتمع عند نقطة احتكاكه بالمحتل الأجنبي وهي حينئذ لن تتحول إلى ثورة نسائية ولا إلى حركة تحرير المرأة لأن المرأة لا تتحرر على يد جيش احتلال يهتك الأعراض ويدنس الحرمات.

стр. 89

الاستعمار الأوربي حملة صليبية جديدة (ولا يزالون يقاتلوكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) سورة البقرة آية (٢١٧) كان الجندي الإيطالي يرتدي لباس الحرب قادماً لاستعمار بلاد الإسلام وهو ينشد بأعلى صوته: (يا أماه ... أتمي صلاتك.... ولا تبكي بل اضحكي وتأملي ... ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني وأنا ذاهب إلى طرابلس فرحاً مسروراً ... لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة ... (*) ولأحارب الديانة الإسلامية ... سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن ... ) (١٥٨) . (والمتتبع لتاريخ العلاقات ما بين الغرب وشعوب الإسلام يلاحظ حقداً مريراً يملئ صدر الغرب حتى درجة الجنون يصاحب هذا الحقد خوف رهيب من الإسلام

стр. 90

إلى أبعد نقطة في النفسية الأوربية. هذا الحقد وذلك الخوف لا شأن لنا بهما إذا كانا مجرد إحساس نفسي شخصي أما إذا كانا من أهم العوامل التي تبلور مواقف الحضارة الغربية من الشعوب الإسلامية سياسياً واقتصادياً وحتى هذه الساعة فإن موقفنا يتغير بشكل حاسم. سوف تشهد لنا أقوال قادتهم أن للغرب والحضارة الغربية بكل فروعها القومية وألوانها السياسية موقفاً تجاه الإسلام لا يتغير إنها تحاول تدمير الإسلام وإنهاء وجود شعوبه دون رحمة. (*) بل هي - ولله الحمد - أمة مرحومة كما قال نبيها نبي الرحمة: " أمتي أمة مرحومة " الحديث في الصحيحة رقم (٩٥٩) . حاولوا تدمير الإسلام في الحروب الصليبية (١٥٩) ففشلت جيوشهم التي هاجمت بلاد الإسلام بالملايين فعادوا يخططون من جديد لينهضوا.. ثم ليعودوا إليهم بجيوش جديدة وفكر جديد وهدفهم تدمير الإسلام من جديد) (١٦٠) . ومهما حاولت هذه الحملات الاستتار تحت راية " نشر الحضارة والتقدم " في البلاد المستعمرة فإن الحقيقة التي لا تخفى على كل ذي لب أن الغرب بنى ولا يزال يبني علاقاته معنا على أساس أن الحروب الصليبية بيننا وبينهم لا تزال مستمرة وهاكم البراهين على ذلك: فسياسة أمريكا معنا تخطط على هذا الأساس: قال " أيوجين روستو " رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية ومستشار الرئيس " جونسون " لشئون الشرق الأوسط حتى عام ١٩٦٧: (يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست

стр. 91

خلافات بين دول أو شعوب بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية لقد كان الصراع محتدماً ما بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصور مختلفة ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي. إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا أنما هي جزء مكمل للعالم الغربي فلسفته وعقيدته ونظامه وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها) (١٦١) اهـ وبالأمس (وقف مندوب أمريكا في هيئة الأمم قائلاً: إن الصراع الحقيقي في الشرق ليس بين العرب واليهود إنما الصراع الحقيقي هو ما بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب فإذا استطعنا أن نزيح حضارة الإسلام عن ميدان الصراع هان علينا تصفية القضية وسهل علينا الجمع ما بين العرب واليهود) (١٦٢) . والحرب الصليبية الثامنة قادها " أللنبي ": قال " باترسون سمث " في كتابه " حياة المسيح الشعبية ": (باءت الحروب الصليبية بالفشل لكن حادثاً خطيراً وقع بعد ذلك حينما بعثت إنكلترا بحملتها الصليبية الثامنة ففازت هذه المرة إن حملة " أللنبي " على القدس أثناء الحرب العالمية الأولى هي الحملة الصليبية الثامنة والأخيرة) (١٦٣) .

стр. 92

ولذلك نشرت الصحف البريطانية صور أللنبي تحتها عبارته المشهورة التي قالها عندما فتح القدس: (اليوم انتهت الحروب الصليبية) ونشرت هذه الصحف خبراً آخر يبين أن هذا الموقف ليس موقف "أللنبي" وحده بل هو موقف السياسة الإنكليزية كلها قالت الصحف: (هنأ " لويد جورج " وزير الخارجية البريطاني الجنرال " أللنبي " في البرلمان البريطاني لإحرازه النصر في آخر حملة من الحروب الصليبية التي سماها " لويد جورج ": (الحرب الصليبية الثامنة) وقال " ألان مورهيد " مؤلف كتابي: (النيل الأبيض) و (النيل الأزرق) : (إن احتلال الإنكليز لمصر سنة ١٨٨١ كانت لمواجهة مؤامرة إسلامية خطيرة وتيار محمدي متعصب) (١٦٤) . والفرنسيون أيضاً صليبيون: فالجنرال " غورو " عندما تغلب على جيش " ميسلون " خارج دمشق توجه فوراً إلى قبر صلاح الدين الأيوبي عند الجامع الأموي وركله بقدمه قائلاً: (ها قد عدنا يا صلاح الدين) (١٦٥) وقد صرح القائد الفرنسي " بيبر كيلر " (١٦٦) : (إن مصالح فرنسا في الشرق الأوسط هي قبل كل شيء مصالح روحية وتعود هذه العلاقات إلى عهد الصليبيين حيث وقعت معاهدات لحفظ الأماكن المقدسة وجددت هذه المعاهدات على مر القرون وتحملت فيها فرنسا مهمة حماية نصارى الشرق) اهـ ويؤكد صليبية الفرنسيين ما قاله " بيدو " وزير خارجية فرنسا عندما زاره بعض

стр. 93

البرلمانيين الفرنسيين وطلبوا منه وضع حد للمعركة الدائرة في " مراكش " فأجابهم: (إنها معركة بين الهلال والصليب) (١٦٧) وفي ذكرى مرور مائة سنة على استعمار الجزائر قال الحاكم الفرنسي في الجزائر: (إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن ويتكلمون العربية فيجب أن نزيل القرآن العربي من جودهم ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم) (١٦٨) . وهذا هو الكاتب الفرنسي " فرنسيس جانسون " يعترف بـ (أن الاحتلال الفرنسي للجزائر كان منذ البدء يحمل طابع الحروب الصليبية: " التبشير والاستعمار") (١٦٩) . وبعد سقوط القدس عام (١٩٦٧) قال " راندولف تشرشل ": (لقد كان إخراج القدس من سيطرة الإسلام حلم المسيحيين واليهود على السواء إن سرور المسيحيين لا يقل عن سرور اليهود إن القدس قد خرجت من أيدي المسلمين وقد أصدر الكنيست اليهودي ثلاثة قرارات بضمها إلى القدس اليهودية ولن تعود إلى المسلمين في أية مفاوضات مقبلة ما بين المسلمين واليهود) (١٧٠) وعندما دخلت قوات إسرائيل القدس عام ١٩٦٧م تجمهر الجنود حول حائط المبكى وأخذوا يهتفون مع " موشى ديان ": ﴿هذا يوم بيوم خيبر ... يا لثارات خيبر﴾ وخرج أعوان إسرائيل بمظاهرات قبل حرب ١٩٦٧ تحمل لافتات في باريس

стр. 94

سار تحت هذه اللافتات اليهودي الوجودي " جان بول سارتر " وقد كتب عليها وعلى جميع صناديق التبرعات لإسرائيل جملة واحدة من كلمتين هما: (قاتلوا المسلمين) فالتهب الحماس الصليبي الغربي وتبرع الفرنسيون بألف مليون فرنك خلال أربعة أيام فقط كما طبعت إسرائيل بطاقات معايدة كتبت عليها: " هزيمة الهلال " بيعت بالملايين لتقوية الصهاينة الذين يواصلون رسالة الصليبية الأوربية في المنطقة وهي: (محاربة الإسلام وتدمير المسلمين) (١٧١) . وهذا " لورنس براون " يقول: (إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي) (١٧٢) . وهذا " جلاد ستون " رئيس وزراء إنكلترا (١٧٣) وقد وقف في أواخر القرن الماضي في مجلس العموم البريطاني وقد أمسك بيمينه القرآن المجيد وصاح في أعضاء البرلمان قائلاً: (إن العقبة الكئود أمام استقرارنا بمستعمراتنا في بلاد المسلمين هي شيئان ولابد من القضاء عليهما مهما كلفنا الأمر: أولهما هذا الكتاب وسكت قليلاً بينما أشار بيده اليسرى نحو الشرق وقال: (وهذه الكعبة) (١٧٤) وقال أيضاً: (ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان) (١٧٥) .

стр. 95

وهو القائل أيضاً: (لن تستقيم حالة الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن) (١٧٦) . وهذا " كرومر" يقول: ﴿جئت لأمحو ثلاثاً: القرآن والكعبة والأزهر﴾ (١٧٧) وهذا القسيس " زويمر " يبشر المؤتمرين في " مؤتمر القاهرة التبشيري" (١٩٠٦م) الذي ناقش خطة تنصير العالم الإسلامي ويوصيهم بجملة وصايا كان آخرها: (أن لا يقنطوا إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوربيين وإلى تحرير نسائهم) (١٧٨) وهذا " جان بول رو" يقول في كتابه " الإسلام في الغرب " (١٧٩) : (إن التأثير الغربي الذي يظهر في كل المجالات ويقلب رأس على عقب المجتمع الإسلامي لا يبدو في جلاء أفضل مما يبدو في تحرير المرأة) اهـ وفي تصريح لـ " بن غوريون " في الكنيست قال: (اصبروا فلن يكون هناك سلام لإسرائيل ما دام العرب تحت قيادة الرجعيين إن الشرط الأساسي للسلام هو أن يقوم في البلدان العربية حكومات ديموقراطية تقدمية متحررة من " التقاليد " الإسلامية) (١٨٠) . وبالأمس القريب نشرت مجلة (الأمة) أن رئيس أمريكا (ريجان) وجه إليه أحد الصحافيين سؤالاً نصه: (متى تنتهي مهزلة ما يحدث في بيروت والدماء تنزف؟)

стр. 96

فأجاب رئيس أمريكا في غرور واضح: (إننا لا نزال صليبيين! ولابد من إنهاء المناوشات بين المسلمين واليهود وحماية أتباع المسيح في لبنان من المسلمين الغرباء) (١٨١) . (بل هذه قلعة " الشقيف " القائمة على تل في جنوب لبنان ويسميها الأوربيون قلعة " بوفور" نسبة إلى القائد الذي أقامها أيام الحروب الصليبية منذ قرون وقد كانت محل قصف دائم من إسرائيل طيلة سنوات وفي اكتساحها للجنوب لم تتمكن من إخراج المقاومة منها إلا بعد أن دمرتها تماماً واستدعى يومها الجنرال " إيتان " قائد الجيش الإسرائيلي " مناحم بيجن " إلى أطلال القلعة ليقدم له القلعة هدية وجاء بيجن ليرفع عليها العلم الإسرائيلي قائلاً: (ها قد عدنا) ناسياً بذلك غزوه إلى الغزوات الأوربية التي أقامت ممالكها في تلك المنطقة قروناً قبل أن يستردها العرب ومستخدماً عبارة الجنرال " غورو" القائد الفرنسي حين احتل دمشق سنة ١٩٢٠، ووقف أمام قبر " صلاح الدين الأيوبي" وقال: (ها قد عدنا يا صلاح الدين)) (١٨٢) . ومن هنا: لم يكن عفواً أن يبدأ المبشرون الصليبيون بمصر قلعة الإسلام الصامدة ومركز ثقله وموطن الأزهر. ولم يكن عفواً أن يكون قادة الغزو الصليبي الجديد لمصر من القساوسة المعروفين بكيدهم للإسلام والمسلمين أمثال " دنلوب " كاهن السياسة التعليمية الفاسدة التي زرعها في مصر لقطع صلة الأجيال بالإسلام و " كرومر " الحاكم البريطاني الذي أذل

стр. 97

المصريين لمدة ربع قرن من الزمان والذي حرص على صياغة جيل من المثقفين ثقافة أوربية يقبل التعاون مع الاستعمار ويخلفه في حمل راية التفرنج بعد رحيل جيوشه حتى يضمن قهر الإسلام ويأمن بعث المسلمين من جديد بعد رحيله، وكلا الرجلين " دنلوب" و " كرومر " قد تخرجا من أكبر المدارس اللاهوتية في أوربا ولم يكن من المستغرب أيضاً أن ينشط لدعوة الحرية عامة وتحرير المرأة خاصة النصارى والشاميون المقيمون في مصر (١٨٣) ، فهؤلاء كانوا يعملون لنصرة أبناء دينهم أمثال " كرومر وزويمر ودنلوب وغورو واللنبي "، (وتصورهم الديني غارق في التثليث والعشاء الرباني وصكوك الغفران ... لكن من المؤسف أن يصير في هذا الخط المدمر أناس من أبناء المسلمين أضلهم الشيطان على علم وعميت أبصارهم عن الحقيقة فكانوا خداماً لأسيادهم وأولياء نعمتهم من الفرنج) (١٨٤) . وكعناصر أي معركة: كانت (القيادة) صليبية و (القاعدة) أرض وطننا المسلم مصر و (الأسلحة) بسطاء المسلمين ومستضعفيهم و (العملاء) الهواة منهم والمحترفون الحكام والقادة الفكريون يمارسون بأيديهم إبادة مقومات القوة في أمتنا ليسهلوا على العدو الخبيث المتربص التهامها.. وما أفظعها من مهمة يمارسها العملاء حين يدمرون أممهم ثم يدفعونها في فم الغول الاستعماري البشع ليلتهمها.. لقمة سائغة!

стр. 98

لقد استطاع أعداء الإسلام في تلك الحقبة أن يغرسوا في نفوس الكثير من المنهزمين أنهم ما أتوا إلا لتعمير بلادنا ونشر الحضارة والثقافة وجهل هؤلاء المنهزمون أن هؤلاء الأعداء الموتورين قد توارثوا الأحقاد على الإسلام وأنهم لا يألون جهداً حتى يردونا عن ديننا إن استطاعوا. كأن أنسالهم من بعدهم حلفوا أن يبعثوا الحقد نيراناً وينتقموا هذي حضارتهم والشر يملؤها ماتت على صرحها الأخلاق والشيم والآن.. وبعد أن انكشفت لنا الحقائق جلية عن نوايا أعدائنا بنا وخططهم لتدميرنا وعن حقيقة هؤلاء الذين قامت على أكتافهم دعوة " تحرير المرأة " وسنكشف فيما بعد إن شاء الله عن حقيقة هؤلاء اللاتي طفن بأوربا وحججن إلى حضارتها وشددن الرحال إلى مؤتمراتها و " مؤامراتها " ثم عدن نائبات عن (أسيادهن) في مهمة (تدمير المرأة المسلمة) وبذلن كل فروض الطاعة والولاء الصريح لأعداء الإسلام وبخلن في الوقت نفسه بإظهار أي صورة من صور الولاء الحقيقي لله ولرسوله وللمؤمنين وجهر بعضهن بعد ذلك بالطعن في الدين والتبري مكن شريعة سيد المرسلين " أفلا يحق لنا بعد هذا كله أن نتساءل: (ما سر العلاقة الودية الوثيقة التي تربط بين دعاة تحرير المرأة وبين القوى الاستعمارية والمعادية للإسلام وعلمائه ودعاته وأهله في كل مكان من العالم حولنا؟ إنه بالرغم من افتراض حسن النية أو الجهل عند من كان يظهر الإسلام من دعاة تحرير المرأة لكن هذا الافتراض لم يمنع بعض المحللين والباحثين حق الاجتهاد والبحث عن علاقة ما محتملة سرية أو علنية بين مخططات البهائية والصهيونية والماسونية ومسيرتها السرطانية الدؤوبة التي لا نشعر بها إلا بعد ظهور الأورام وتفشي الموت في الدم واللحم والعظم - وبين قيادات ودعاة السفور على مساحة ديار المسلمين الواسعة و " من أوقع نفسه في مواقع التهمة فلا يلومن من أساء الظن به ")

стр. 99

فلنستصحب هذه المعاني ونحن نجول بين أعلام نسائية بارزة كان لها دور ما في معركة " الحجاب والسفور " ولنتأمل جيداً دورهن " كتلميذات للاستعمار " ما منهن واحدة إلا ورحلت إلى " هناك " لتلقن أصول الدعوة المدمرة ثم عادت إلى " هنا " لنتبوأ مراكز التوجيه ... متجردة من الولاء للإسلام والاعتزاز بأحكامه ومخلصة في عبادتها لأوربا بل فخورة باستعباد أوربا لها رافضة بلسان حاله وسلوكها ولحن قولها أن تجعل الإسلام منظار على عينيها ترى الأشياء من خلاله وتحكمه فيما هي عليه من عقيدة ومنهاج. - - - - -

стр. 100

خريجات البيوت العميلة في موكب الرذيلة ارتبطت الأحزاب النسائية في الشرق على اختلاف أسمائها بعجلة الاستعمار منذ أول يوم من نشأتها وقامت بتزعم هذه الأحزاب نسوة لا نستطيع تفسير نشاطهن ضد الآداب والأحكام الإسلامية إلا بإلقاء بعض الضوء حسبما تسمح هذه العجالة على الخلفيات والبيئات التي نشأن فيها وبالتالي خرجت منهن زعيمات مقلدات للغرب بل ومنفذات لخططه في تدمير الأسرة المسلمة وانخدع بهن كثير من المسلمات وانقدن وراء دعوتهن أعمى يقود بصيراً لا أبالكم قد ضل من كانت العميان تهديه ١- " صفية زغلول " (١٨٥) زوجة " الزعيم " " سعد زغلول " وابنة " مصطفى فهمي " رئيس الوزراء التركي الأصل الذي كانت سياسته تمثل الخضوع التام للاحتلال الإنكليزي وهو " أشهر صديق للإنكليز " عرفته مصر في تاريخ الاحتلال الإنكليزي من أوله إلى آخره (١٨٦) ، " ولم يكن من أنصار الاحتلال فحسب بل كان من المخلصين له العاملين على تحقيق مآربه مما دفع الخديوي " عباس " إلى إقصائه عن رئاسة الوزارة

стр. 101

سنة (١٨٩٣م) فحدثت أزمة مع كرومر انتهت بتأليف " الوزارة الطويلة " برئاسة"مصطفى فهمي" ثانية والتي حكمت مصر بالحديد والنار لمدة ثلاثة عشر عاماً خضوعاً للاحتلال الإنكليزي " (١٨٧) ، (وقد حرصت أن تستأثر بالزعامة السياسية فأرادت أن تفتح مجالاً جديداً تنفرد فيه بالزعامة فكان ذلك هو مجال المرأة خاصة) (١٨٨) وقد ذكرنا آنفاً دورها في سن فتنة السفور إلى جانب أنها تزعمت مع " هدى شعراوي " أول مظاهرة نسائية سنة (١٩١٩ م) . ٢- " هدى شعراوي " (ت ١٩٤٧ م) : (هي نور الهدى بنت محمد سلطان باشا - التي تسمت فيما بعد على الطريقة الأوربية بهدى شعراوي إلحاقاً لها باسم زوجها " على باشا شعراوي " بواسطة حرم حسين باشا رشدي الفرنسية وقد اعترفت هدى شعراوي بنفسها في مواضع كثيرة من مذكراتها بفضل هذه السيدة عليها (١٨٩) وأبوها " محمد سلطان باشا " (١٩٠) الذي كان يرافق جيش الاحتلال الإنكليزي في زحفه على العاصمة والذي كان يدعو الأمة إلى استقباله وعدم مقاومته ويهيب بها علانية أن تقدم له كافة المعاونات والمساعدات وقد سجل التاريخ فوق هذه الصفحة السوداء صفحة أخرى أشد سواداً حينما تقدم هذا الخائن مع فريق من الكبراء بهدية من الأسلحة الفاخرة إلى

стр. 102

قادة جيش الاحتلال شكراً لهم على " إنقاذ البلاد ".. وهكذا لم يكن عجباً أن يفرض الاحتلال على الخديوي أن يمنح أمثال هذا الخائن عشرة آلاف من الجنيهات الذهبية اعترافاً من بريطانيا له بالجميل.. ليس هذا فحسب بل لقد أنعمت عليه انجلترا بنيشان " سان ميشيل " و " سان جورج " الذي يلقب حامله بلقب " سير " (١٩١) وهي زوجة " علي شعراوي " باشا ابن عمتها وتلميذ محمد عبده (*) ورفيق سعد زغلول وعبد العزيز فهمي أصدقاء الإنكليز والصديق الوفي للطفي السيد وأحد أعضاء " حزب الأمة " الذين أطلق عليهم " الإنكليز " اسم " الرجال المعتدلون " لأنهم حاربوا في سبيل بريطانيا " مصطفى كامل " وناوأوه ووصفوه بالرجل العنيف وقد كان هذا الحزب المشبوه ينكر الجامعة الإسلامية ويحاربها داعياً إلى وطنية تقوم على المصلحة المتبادلة والمنفعة المادية لا على الإسلام وهو الحزب الذي عرف فيما بعد باسم (حزب الوفد) (١٩٢) والذي كان (علي شعراوي) نفسه وكيلاً له (١٩٣) . وهي أيضاً رفيقة " صفية زغلول " ابنة " مصطفى فهمي " تلقفتها جماعات تحرير المرأة في روما وأمستردام ومرسيليا واستانبول وباريس وبرلين وبروكسل وبودابست وكوبنهاجن وجنيف وحيدر أباد ونيو دلهي لتقود حركة " تحطيم المرأة المسلمة " في مصر. وهي أيضاً تلميذة وفية لزوجة " حسين رشدي " باشا الفرنسية التي كانت " هدى " تكبرها وتفيض في ذكر مبررات إعجابها بها واتخاذها مثلها الأعلى

стр. 103

فقالت: (لم تكن تعني بظروفي وحالتي واسمي فقط وإنما كانت أيضاً تجتهد في تثقيفي في اللغة الفرنسية وكانت ترشدني إلى أثمن الكتب وأنفعها وكانت تناقشني فيما قرأت وتفسر لي ما يصعب عليّ فهمه وكانت تغذي عقلي وروحي بكل أنواع الجمال والكمال وتحتم عليّ حضور صالونها كل يوم سبت وتقول لي: أنت زهرة صالوني) (١٩٤) . وكانت هذه المرأة الفرنسية الأصل التي أعدت "هدى شعراوي" إعداداً خاصاً لمهمتها قد ألفت كتابين الأول بعنوان " حريم ومسلمات مصر " وكتاب " المطلقات " تعبر فيهما - على حد قولها - عن مدى الألم والتعاسة التي تعانيها من " أجل تعاسة المصرية وظلم الرجل لها " (١٩٥) . وكانت على صلة وثيقة بحركة تحرير المرأة المصرية كما كانت موضع إعجاب النابهين في مصر من رواد هذه الحركة وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين الذي كانت تعجب به كثيراً وتأسف لعدم تقدير المصريين له التقدير اللائق برسالته " وكانت كثيراً ما تقص على صفيتها هدى شعراوي ما كان يدور بينها وبين هؤلاء الثلاثة الكبار من حديث " (١٩٦) تشعل به كيانها وتدفعها إلى التطلع إلى تحسين أحوال المرأة المصرية والسير بحركتها إلى الأمام. وكانت كثيراً ما تحدث هدى شعراوي " حول البحث عن الطريقة العملية المجدية للوصول إلى تحسين حال المرأة المصرية والترفيه عنها وكانت توجهها إلى أن تبدأ مشروعها بتوجيه المرأة المصرية إلى ممارسة الرياضة البدنية أولاً قبل تنبيهها إلى خوض الحياة الاجتماعية وترغيبها في دراسة الفنون والآداب وعقد اجتماعات تجمع بين

стр. 104

الرياضة الفكرية والرياضة البدنية وكذا إعداد ملعب " للتنس " في حديقة مصطفى رياض باشا) (١٩٧) . قالت (وداد السكاكيني) في ترجمة " هدى شعراوي ": (.. وقد توقد فيها الذكاء والإباء فتأبت على هذه التقاليد التي كانت تضطر نظائرها من بنات الصعيد إلى التزام الحجاب (١٩٨) والبعد عن السياسة ولو كانت تدار من بيوتهن) (١٩٩) . وقالت: (لما عادت هدى شعراوي للمرة الأولى من الغرب كانت تفكر في هذه التقاليد الموروثة التي لا تسمح لها بالظهور سافرة في بلادها فثارت عليها وما كادت تطل على الإسكندرية (٢٠٠) حتى ألقت الحجاب جانباً ودخلت مصر مع صديقتها (سيزا نبراوي) بدون نقاب (٢٠١) فلقيتا من جراء هذا السبق بالسفور لغطاً وتعنتاً من المتزمتين ولم يكن هذا الأمر من رائدة النهضة النسوية بدعاً أو خروجاً على الحشمة والوقار بل كان منها سلوكاً مثالياً في السفور السليم "؟ ! " واستنكاراً للانحراف والتبرج "! ! " اللذين ظهرت فيهما بعض السافرات المتطرفات) (٢٠٢) اهـ.

стр. 105

تقول " درية شفيق ": وقد شجعت (هدى) عدداً من الفتيات على السفر إلى أوربة (كي تعود الطالبات حاملات إلى الوطن عناصر الثقافية الغربية ومثلها العليا في الحياة الاجتماعية) (٢٠٣) . (كانت " هدى " لا تزال تفكر في النظرة التي تقابل بها المصرية كلما سافرت إلى أوربا إن القوم هناك يسخرون من ذلك الحجاب الذي يغطي وجوه المصريات حتى إنهم كانوا - إذ يرون هدى شعراوي وزميلاتها بلا يشامك ولا براقع - يشككون في مصريتهن وفي ذلك المؤتمر الأخير بالذات كانت مندوبات الدول المختلفة ينكرن على "هدى" مصريتها ولا يكدن يعترفن إلا بمصرية واحدة كانت تصر على حضور تلك المؤتمرات محجبة لا تكشف شيئاً من وجهها وهي السيدة " نبوية موسى ") (٢٠٤) اهـ تقول " هدى شعراوي " في حديث لها: و ".. ورفعنا النقاب أن وسكيرتيرتي " سيزا نبراوي " وقرأنا الفاتحة ثم خطونا على سلم الباخرة مكشوفتي الوجه وتلفتنا لنرى تأثير الوجه الذي يبدو سافراً لأول مرة بين الجموع فلم نجد له تأثيراً أبداً لأن كل الناس كانوا متوجهين نحو " سعد " متشوقين إلى طلعته " (٢٠٥) اهـ. وقد دفعت بعد ذلك مباشرة ثمن جرأتها ورأت تأثير الوجه السافر حينما واجهتها هي وزميلاتها كثير من التعليقات الساخرة كلما سرن في الطريق وعرضن أنفسهن حتى للعبارات النابية والصفات المؤذية (٢٠٦) . وهذه " الزعيمة " هي التي قادت مع زوجة " الزعيم " سعد المظاهرة النسائية المشهورة سنة ١٩١٩ تقول في مذكراتها:

стр. 106

(وبينما كنت أتأهب لمغادرة منزلي في ذلك اليوم للاشتراك في المظاهرة بادرني زوجي بالسؤال: إلى أين تذهبين والرصاص يدوي ويتساقط في أنحاء المدينة؟ فأجبت: للقيام بالمظاهرة التي قررتها اللجنة!! فأراد أن يمنعني فقلت له: هل الوطنية مقصورة عليكم معشر الرجال فقط وليس للنساء نصيب فيها؟ فأجابني: هل يرضيك إذا تحرش بكن الإنجليز أن يفزع بعض النساء ويولولن " يا أمي ... يا لهوتي!! ". فقلت له إن النساء لسن أقل منكم شجاعة ولا غيرة قومية أيها الرجال وتركته وانصرفت لألحق بالسيدات اللاتي كن في انتظاري ... ) (٢٠٧) . في ذمة الفضلى هدى جيل إلى هاد فقير أقبلن يسألن الحضارة ما يفيد وما يضير ما السبل بينه ولا كل الهداة بها بصير (٢٠٨) وتقول وداد السكاكيني: (وكانت هدى اليد اليمنى لصفية زغلول والمفكرة المتحررة لنسوة الطليعة الواعية بمصر والبلاد العربية وقد استجابت لدعوة المؤتمرات النسوية في الشرق والغرب فلما عقد أول مؤتمر دولي للمرأة في روما عام ١٩٢٣ م حضرته " هدى شعراوي " مع " نبوية موسى " و " سيزا نبراوي " صديقتها وأمينة سرها.. وقد توالت بعدئذ رحلات " هدى شعراوي " للشرق والغرب ممثلة نساء بلادها رافعة علمها بين أعلام

стр. 107

الدول الوافدات على المؤتمر) (٢٠٩) اهـ. لقاء (هدى) و (موسوليني) : قالت (هدى) في (مذكراتها) : (كان من بين ما حققه مؤتمر روما الدولي أننا التقينا بالسنيور موسوليني ثلاث مرات وقد استقبلنا وصافح أعضاء المؤتمر واحدة واحدة وعندما جاء دوري وقدمت إليه كرئيسة وفد مصر عبر عن جميل عواطفه ومشاعره نحو مصر وقال إنه يراقب باهتمام حركات التحرير في مصر،.. ثم كررت رجائي الخاص بمنح المرأة الإيطالية حقوقها السياسية) (٢١٠) اهـ. ولما عادت هدى من مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي المذكور كونت الاتحاد النسائي المصري سنة ١٩٢٣ ووضعت الحجر الأساسي له في إبريل ١٩٤٢ م وبطبيعة الحال عمل ذلك الاتحاد بقيادتها لتحقيق الأهداف التي حرص الاستعمار على الوصول إليها وردد نفس المبادئ التي نادى بها من قبل (مرقص فهمي) ونقلها عنه (قاسم أمين) وفي مقدمتها تعديل قوانين الطلاق ومنع تعدد الزوجات علاوة على المطالبة للمرأة بالحقوق الاجتماعية والسياسية المزعومة التي وصلت أخيراً (٢١١) إلى حد المطالبة

стр. 108

بالمساواة في الميراث) (٢١٢) . وقفة مع الاتحاد النسائي: وقد اهتمت الدوائر الأجنبية بأمر ذلك الاتحاد النسائي عند قيامه حتى أن الدكتورة (ريد) رئيسة الاتحاد النسائي الدولي حضرت بنفسها إلى مصر لتدرس عن كثب تطور الحركة النسائية ولتناصر الحركة بنفوذها في المحيط الأوربي وبتصريحاتها التي ترمي إلى المساعدة بإعطاء المرأة المصرية الحقوق السياسية المزعومة. وبعد عشرين عاماً من تكوين هذا الاتحاد استطاع بالنفوذ الأجنبي وأذناب الاستعمار أن يمهد لعقد ما سمي بالمؤتمر النسائي العربي سنة ١٩٤٤ م وقد حضرت مندوبات عن الأقطار العربية المختلفة (٢١٣) واتخذت فيه القرارات "المعتادة " وفي مقدمتها بالطبع: - المطالبة بالمساواة في الحقوق السياسية مع الرجل وعلى الأخص الانتخاب. - تقييد حق الطلاق. - الحد من سلطة الولي أياً كان وجعلها مماثلة لسلطة الوصي. - تقييد تعدد الزوجات إلا بإذن من القضاء في حالة العقم أو المرض غير القابل للشفاء - الجمع بين الجنسين في مرحلتي الطفولة والتعليم الابتدائي. ثم في نهاية القرارات: (اقتراح: تقديم طلب بواسطة رئيسة المؤتمر إلى المجمع

стр. 109

اللغوي في القاهرة والمجامع العلمية العربية بأن تحذف نون النسوة من اللغة العربية) (٢١٤) . (هدى شعراوي) .. والأديان: ﴿وطالبت هدى شعراوي في المؤتمر الثاني عشر للاتحاد النسائي الدولي في مدينة استانبول (١٨ إبريل ١٩٣٥ م) بإزالة الفوارق الجنسية والدينية بين الشعوب﴾ (٢١٥) . وتجلى موقفها في هذه القضية من قبل حينما صورت في (مذكراتها) العلاقة بين ممثلي الأديان خلال ثورة ١٩ فقالت: (.. وكان أن تآخى الجميع وصاروا يجتمعون في الكنائس والمساجد والمعابد وهم شيع مختلفة وكان الشيخ يتأبط ذراع القسيس أو الحاخام أمام عدسات المصورين ليظهروا للملأ اتحاد الجميع على الثورة ضد الإنجليز) (٢١٦) .

стр. 110

وفي الخطبة التي ألقتها (هدى) بمناسبة الاحتفال بالعيد العشرين للاتحاد النسائي قالت: (.. ومنذ ذلك اليوم - أي يوم قبلت عضوية مصر في الاتحاد النسائي الدولي - قطعنا على أنفسنا عهداً أن نحذو حذو أخواتنا الغربيات في النهوض بجنسنا مهما كلفنا ذلك وأن نساهم بأمانة وإخلاص في تنفيذ برامج الاتحاد النسائي الدولي الذي يشمل أغراضنا المشتركة. وهنا يطيب لي أن أذكر حادثاً كان له تأثيره عند افتتاح ذلك المؤتمر وهو إننا لما دخلنا قاعة الاجتماع قبل انعقاده ووجدنا أعلام الدول المشتركة ترفرف على جدرانها ولم نكن قد أخذنا الأهبة لذلك لعدم معرفتنا بهذا التقليد كلفنا طلاب البعثة المصرية بتحضير علم مصري يتعانق فيه الهلال والصليب فصنعوه وإذا به أكبر الأعلام الموجودة حجماً.. ولما رأت رئيسة المؤتمر الصليب يعانق الهلال تأثرت تأثراً عظيماً وأمرت بوضعه على يسار المنصة معادلاً لعلم الدولة المنعقد المؤتمر بأرضها فشغل بذلك محلاً ممتازاً وقدمتنا الرئيسة عند الافتتاح بعبارات ملؤها التأثر والتقدير وكانت أكبر عامل في إزالة الفكرة الخاطئة التي شابت حركتنا الوطنية بوصفها بالتعصب الديني) (٢١٧) . ' لقاء (هدى) و (أتاتورك) : عقد المؤتمر النسائي الدولي الثاني عشر في استانبول في ١٨ إبريل ١٩٣٥ م وتكون من هدى شعراوي رئيسة وعضوية اثنتي عشر سيدة - وقد انتخب المؤتمر
следующие страницы →