← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9134

شرح شذور الذهب للجوجري

الجوجري

Полный текст (891 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب]ـ المؤلف: شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: ٨٨٩هـ) المحقق: نواف بن جزاء الحارثي الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل الكتاب: رسالة ماجستير للمحقق) الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢٣هـ/٢٠٠٤م عدد الأجزاء: ٢ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

المجلد الأول مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الحي القيوم، الذي جعل علم النحو مفتاحا للعلوم، وجعل العربية لغة كتابه العظيم ودينه القويم. والصلاة والسلام على خير الرسل أجمعين وأفصح من نطق بالضاد من العالمين. وبعد، فإن الله قد حفظ لنا اللغة العربية بحفظه للقرآن العظيم وهيأ لذلك أسباباً، منها اهتمام العلماء بعلم النحو الذي هو عماد العربية فألفوا فيه مصنفات بالغة الأهمية، منذ عصر التأليف وإلى عصرنا الحاضر، كان هدفها الأسمى هو الحفاظ على لغة القرآن العظيم. وكانت تصانيفهم مختلفة المنهاج بين تصنيف مستقل وشرح مسهب وآخر مختصر. ومن بين هذه المؤلفات كتاب "شرح شذور الذهب" لمحمد بن عبد المنعم الجوجري المتوفى سنة (٨٨٩ هـ) . وهو شرح موسع على كتاب "شذور الذهب" لابن هشام الأنصاري. ويرجع اختياري لهذا الكتاب، موضوعا لرسالة العالمية (الماجستير) للأهمية البالغة في نظري والتي تكمن في الأمور التالية: الأول: أن هذا الكتاب هو أول وأقدم شرح كامل لشذور الذهب يصل إلينا بعد شرح مؤلفه "ابن هشام" وهذه ميزة خاصة به. الثاني: أن شخصية "الجوجري" لم تدرس من قبل مطلقا، ولم

стр. 3

يخرج له أي كتاب من كتبه. وبهذا تكون دراستي هذه، أول دراسة علمية مفصَّلة وشاملة عن حياة "الجوجري" وآثاره العلمية. الثالث: أن هذا الكتاب شرح شذور الذهب أحد كتب التراث التي يحرص طلاب العلم على اقتنائها، فأحببت أن أسهم في هذا المجال بإحياء أحد هذه الكتب ونشره بين طلاب المعرفة، لما يحتوي عليه من ثروة علمية كبيرة، ولاسيما أن هذا الكتاب شرح لشذور الذهب، وشروح شذور الذهب لم يطبع منها إلى الآن إلاَّ شرح "ابن هشام" نفسه على الشذور. وقد استقام عمود هذا البحث على قسمين: قسم الدراسة، وقسم التحقيق. القسم الأول: قسم الدراسة، وفيه فصلان: الفصل الأول: ابن هشام الأنصاري وكتابه "شذور الذهب". وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بابن هشام وما يتعلق بحياته العلمية. المبحث الثاني: كتاب شذور الذهب وقيمته العلمية. الفصل الثاني: الجوجري وحياته العلمية. وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بالجوجري. وتحته ثمانية مطالب: المطلب الأول: اسمه ونسبه وشهرته.

стр. 4

المطلب الثاني: مولده ونشأته وطلبه للعلم. المطلب الثالث: ثقافته ومكانته العلمية ووظائفه. المطلب الرابع: أخلاقه ومناقبه وثناء العلماء عليه. المطلب الخامس: مذهبه الفقهي والنحوي. المطلب السادس: شيوخه وتلاميذه. المطلب السابع: مؤلفاته وآثاره العلمية. المطلب الثامن: وفاته. المبحث الثاني: دراسة كتاب "شرح شذور الذهب" للجوجري وتحته ثمانية مطالب: المطلب الأول: موضوع الكتاب وعنوانه. المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب لمؤلفه. المطلب الثالث: منهج المؤلف في الكتاب. المطلب الرابع: مصادر الجوجري في هذا الكتاب. المطلب الخامس: شواهد الكتاب. المطلب السادس: نقد الكتاب. المطلب السابع: موازنة بين شرح شذور الذهب للجوجري وشرح شذور الذهب لابن هشام. المطلب الثامن: أثره فيمن بعده. القسم الثاني: قسم التحقيق، وفيه: أ - وصف النسخ الخطية.

стр. 5

ب- المنهج المتبع في التحقيق. ج- النص المحقق. د- الفهارس الفنية للكتاب. وفي الختام أرى لزاما علي أن أتقدم بالشكر للعاملين على هذه الجامعة المباركة، وعلى رأسهم معالي مديرها الموقر وجميع القائمين على قسم الدراسات العليا وكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية، وفي مقدمتهم فضيلة عميد الكلية. كما أتقدم بخالص الشكر وجزيل العرفان لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الفتاح بحيري إبراهيم، الذي تكرم بالإشراف على هذه الرسالة، فقد منحني الكثير من جهده ووقته، وشملني بعلمه الوافر وأدبه الجم، وقد شهد له بذلك تلاميذه وزملاؤه. فجزاه الله عني خير الجزاء. كما أشكر، كذلك سائر أساتذتي وزملائي الكرام، وكل من أسدى لي معروفا أو عونا في إنجاز هذا العمل المبارك. وأخيرا أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله أولا وآخرا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله وآله وصحبه أجمعين. الباحث: نواف بن جزاء الحارثي المدينة النبوية

стр. 6

الباب الأول: قسم الدراسة الفصل الأول: ابن هشام الأنصاري وكتابه شذورات الذهب المبحث الأول: التعرف بابن هشام الأنصاري وما يتعلق بحياته العلمية ... المبحث الأول: التعريف بابن هشام وما يتعلق بحياته العلمية بإيجاز هو أبو محمد جمال الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن هشام، الأنصاري الخزرجي، الحنبلي١. ولد في القاهرة في شهر ذي القعدة سنة ٧٠٨ هـ، وتلقى فيها أنواع العلوم على أكابر الشيوخ في ذلك العصر، فمن مشايخه الشهاب عبد اللطيف بن المرحّل وتقي الدين السبكي وتاج الدين الفاكهاني ومحمد بن إبراهيم بن جماعة وشمس الدين بن السراج وأبو حيان الأندلسي. وقد اشتهر ابن هشام بالتواضع والبر والشفقة ودماثة الخلق وشهد له كثير من العلماء بسعة العلم ودقة التصنيف وبراعة التأليف مع التحقيق لكل مسألة يتعرض لها. أخذ عنه العلم تلامذة كثيرون منهم إبراهيم الأميوطي ونور الدين النابلسي وابن الفرات وناصر الدين النويري وعبد الله بن مفلح المقدسي.

стр. 7

وله مؤلفات كثيرة سيأتي ذكرها فيما بعد. وقد وافته منيته في شهر ذي القعدة سنة ٧٦١ هـ بالقاهرة، بعد عمرٍ بَلَغَ ثلاثاً وخمسين سنة، ﵀. تراثه العلمي: خلّف ابن هشام ثروة علمية كبيرة من المؤلفات، والشروح التي تدل على علو كعبه في مجال التأليف والتحقيق. غالبها في النحو والصرف. وفيما يلي ذكر لمؤلفاته مرتبة حسب الترتيب الأبجدي، مقتصرا على ما ثبتت نسبته له. وهي كما يلي: ١- اعتراض الشرط على الشرط وهي رسالة صغيرة حول هذا الموضوع، وقد نقلها السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر١. وقام بتحقيق الرسالة د/ عبد الفتاح الحمّوز، ونشرها سنة ١٤٠٦ هـ. ٢- الإعراب عن قواعد الإعراب وهو كتاب يتحدث عن الجملة وشبه الجملة بأحكامهما المختلفة وقد طبع الكتاب أكثر من مرة ٢. وقام بتحقيقه د/ رشيد العبيدي ونشره في بيروت سنة ١٩٧٠م ثم نشر مرة أخرى في الرياض ١٩٨١م بتحقيق د/ علي فودة نيل.

стр. 8

٣- إعراب "لا إله إلا الله" وهي رسالة صغيرة تقع مخطوطة في اثنتي عشرة صفحه في مكتبة عارف حكمت ضمن مجموع برقم ٢٨٨. وقد حققها الدكتور حسن الشاعر ونشرها في مجلة الجامعة الإسلامية في العددين ٨١- ٨٢، سنة ١٤٠٩ هـ. ٤- إعراب ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ . وقد أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر١. ٥- إقامة الدليل على صحة التمثيل وفساد التأويل وهي رسالة وضعها المصنف ردا على اعتراض ورد إليه لذكره أمثله في التصريف. وهي تتعلق بالأبنية. وقد نشر الرسالة د/ هاشم طه شلاش في مجلة كلية الآداب ببغداد العدد السادس عشر. ٦- أنت أعلَم ومالُك وهي رسالة صغيرة أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر ٢. ٧- الألغاز النحوية وهي رسالة صغيرة في أبيات من الشعر مصعبة المباني مغمضة المعاني وقد ألغز قائلها إعرابها.

стр. 9

وقد طبع الكتاب مع حاشية الغزي عليه١. ثم طبع مفردا بتحقيق أسعد خضير في دمشق سنة ١٣٩٣ هـ. ٨- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك وهو كتاب مشهور متداول. ٩- التحصيل والتفصيل لكتاب التذييل والتكميل وهو كتاب كبير يقع في مجلدات٢. ١ ٠- تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد وهو شرح شواهد ابن الناظم على الألفية، ولكنه لم يتمه، وقد نشره محققاً د/ عباس الصالحي في بيروت ١٤٠٦ هـ. ١٩- التذكرة في العربية نسب هذا الكتاب لابن هشام أكثر من ترجموا له، وذكروا أنه يقع في خمسة عشر مجلدا٣. ١٢- توجيه النصب في إعراب و"فضلاً"، "خلافاً"، و"أيضاً" و"هلم جَرًّا". وهي رسالة صغيرة في توجيه النصب في ألفاظ مشهورة استعملها الناس قديما وحديثا.

стр. 10

وقد قام بتحقيق الرسالة د/ حسن موسى الشاعر، وصدرت طبعته الأولى في عمّان سنة ١٤٠٤ هـ. ١٣- الجامع الصغير في النحو نشر الكتاب مرتين الأولى بتحقيق محمد شريف الزيبق في دمشق سنة ١٣٨٨ هـ والثانية في القاهرة بتحقيق د/ أحمد الهرميل سنة ١٤٠٠ هـ. ١٤- حواشٍ على الألفية ١ ومنه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم (١٨٧ - نحو ٢) . ١٥- حواشي التسهيل ذكره السيوطي والشيخ خالد الأزهري٣، وكذلك ذكرها الشمني٤ عند حديثه عن (قط) . قال الشيخ خالد في التصريح ١/١٢٨: "قاله الموضح في حاشيته على التسهيل، ومن خطه نقلت". وهذا يدل دلالة قاطعة على نسبة الكتاب لابن هشام، وإن كان مفقوداً. ١٦- رسالة في الأسماء (أسماء خيل السباق) تقع الرسالة في ثماني ورقات ضمن المخطوط رقم (٥٤٥) مجاميع

стр. 11

بدار الكتب المصرية١. ١٧- رسالة في استعمال المنادى في تسع آيات من القرآن الكريم ومنها نسخة بمكتبة برلين برقم (٦٨٨٤) ٢. ١٨- رسالة في الشروط التي يتحقق بها التنازع وقد أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر٣. ١٩- رسالة في الكلام على "إنما". أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر٤. ٢٠ - رسالة في قول السهيلي "أول ما أقول إني أحمد الله" بكسر همزة "إن" وأشار د/ أحمد عبد المجيد هريدي إلى أنها تقع في ورقتين بالمخطوط (١٠٢) مجاميع تيمور٥. ٢١- رسالة في قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ﴾ أشار د/ هريدي إلى أنها تقع في ورقتين ضمن المخطوط رقم ١٠٢ مجاميع تيمور٦.

стр. 12

٢٢- رسالة في كاد، وأخواتها لها نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٦٩٧ نحو ١. ٢٣- رسالة في معاني حروف الجر لها نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٩٦ نحو٢. ٢٤- رفع الخصاصة عن قراء الخلاصة ٣ ٢٥- شذور الذهب، وهو مطبوع وسيأتي الكلام عليه ٢٦- شرح التسهيل ذكره ابن حجر والسيوطي وابن العماد الحنبلي والشوكاني٤ وذكروا أنه لم يتمه. ٢٧- شرح شذور الذهب وهو شرح على متن الشذور السابق، وقد نشره الشيخ محي الدين عبد الحميد بالقاهرة. ٢٨- شرح قصيدة بانت سعاد وقد طبع الكتاب مراتٍ عدةٍ ٥، وكان آخرها بتحقيق د/ محمود

стр. 13

أبو ناجي في دمشق سنة ١٩٨٢ م. ٢٩- شرح قطر الندى وبل الصدى وهو شرح لكتابه قطر الندى، وقد نشره الشيخ محي الدين عبد الحميد. ٣٠- شرح اللمحة البدرية لأبي حيان وقد حقق الكتاب مرتين، الأولى في بغداد سنة ١٩٧٧م بتحقيق د/هادي نهر والثانية في القاهرة سنة ١٤٠٥ هـ بتحقيق د/ صلاح روّاي، وهي أفضل من الأولى. ٣١- عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب، في مجلدين نسبه له ابن حجر والسيوطي وابن العماد والشوكاني١. ٣٢- فوح الشذا بمسألة كذا وقد نشر الرسالة د/ أحمد مطلوب ببغداد سنة ١٩٦٣ م كما حققَتْها أيضا د/ سهير محمد خليفة بالقاهرة سنة ١٩٨٨ م. ٣٣- قطر الندى وبل الصدى وهي مقدمة صغيرة في النحو، وقد شرحها ابن هشام كما سبق. ٣٤- المباحث المرضية المتعلقة ب"من الشرطية" وهي رسالة صغيرة قام بتحقيقها د/ مازن المبارك سنة ١٤٠٨.

стр. 14

٣٥- المسائل السفرية وهي أبحاث نحوية في مواضع من القرآن الكريم، وقد حققها د/علي حسين البواب في الرياض ١٤٠٢ هـ. ٣٦- مسألة في إعراب "خير" في قول جابر "كان يكفي من هو أوفى منك شعرا وخير منك" أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر١. ٣٧- مسألة في الاختلاف في قول القائل: "كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل" أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر٢. ٣٨ - مسألة في شرح حقيقة الاستفهام والفرق بين أدواته أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر ٣. ومنه نسخة بمكتبة خسرو باشا بتركيا ٤. ٣٩- مسألة في تعدد ما بعد "إلا" على ثلاثة أقسام ومنه نسخة بمكتبة خسرو باشا بتركيا٥. ٤٠- مسألة في تصغير ووزن "يحيى" أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر٦.

стр. 15

٤١- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب وهو أشهر كتب ابن هشام وأعظمها، وقد طبع طبعات عدة آخرها نشرة الشيخ محي الدين عبد الحميد بالقاهرة ثم حققه د/ مازن المبارك وعلى حمد الله في دمشق سنة ١٩٦٤ م. ٤٢- الموارد إلى عين القواعد وهو اختصار لكتابه "الإعراب عن قواعد الإعراب" ويسمى أيضا النكت المختصرة من قواعد الإعراب، والقواعد الصغرى وهي رسالة صغيرة، وقد نشرها حسن إسماعيل مروة تحت اسم (القواعد الصغرى) في ضمن كتابه (من رسائل ابن هشام النحوية) . ٤٣- موقد الأذهان وموقظ الوسنان وهو ألغاز نحوية وأدبية، وقد طبعت طبعات كثيرة. وقام د/ علي فودة نيل بتحقيقها ونشرها في مجلة كلية الآداب بالرياض سنة ١٩٨٠ م، كما نشرها حسن إسماعيل مروة في ضمن كتابه (رسائل ابن هشام النحوية) . ٤٤- نزهة الطرف في علم الصرف وقد ذكره السيوطي في كتابه (النكت على الكافية والخلاصة وشذور الذهب ونزهة الطرف) ونقل منه نصوصا١

стр. 16

وذكره أيضا ابن حميد المكي في كتابه (السحب الوابلة) ١. وقد قام د/ أحمد عبد المجيد هريدي بتحقيقه تحقيقاً علمياً ونشره سنة ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠م. وأنكر نسبته إليه بعض المحققين، بناء على أن المعروف أن هذا الكتاب للميداني٢. وقد نشر كتاب الميداني أيضاً وتصفحت الكتابين فاتضح لي أن بينهما فوارق جوهرية. قال د/ السيد عبد المقصود: "تأكد لي بما لا يدع مجالا للشك أن ما نقله السيوطي في النكت عن كتاب ابن هشام (نزهة الطرف) بعيد كل البعد عن (نزهة الطرف) للميداني ... " ٣.

стр. 17

المبحث الثاني: كتابه شذورات الذهب وقيمته العلمية ... المبحث الثاني: كتاب شذور الذهب وقيمته العلمية "شذور الذهب" لابن هشام من كتب النحو المختصرة وهو على اختصاره جامع لغالب أبواب النحو. منهجه: سار ابن هشام في تبويبه لكتاب شذور الذهب على طريقة مختلفة عما ألف في كتب النحو المعروفة في بعض المواضع، فقد بنى كتابه على مقدمة وأربعة عشر باباً مشتملة على بعض الفصول. أولاً: المقدمة. وقد عرف فيها الكلمة وأنواعها وعلامة كل نوع، ثم ذكر تعريف الكلام وأقسامه. ثانيا: الأبواب. الباب الأول عن الإعراب وأنواعه وعلاماته الأصلية ثم العلامات الفرعية بأبوابها المختلفة. ثم ذكر فصلا في الإعراب التقديري. الباب الثاني في البناء عَرَّف فيه البناء وذكر أنواع المبنيات وقسَّمها تقسيماً جديداً لم يُسبق إليه. قال السيوطي في كتابه المطالع السعيدة١: "قسَّم ابن هشام في الشذور المبني تقسيماً غريباً لم يُسْبَق إليه، وجعله على أقسام وقد تبعته على ذلك..".

стр. 18

فقد قسم علامات البناء ثمانية أقسام، جعلها أبوابا الأول: ما لزم البناء على السكون. الثاني: ما لزم البناء على السكون أو نائبه. الثالث: ما لزم البناء على الفتح. الرابع: ما لزم البناء على الفتح أو نائبه. الخامس: ما لزم البناء على الكسر. السادس: ما لزم البناء على الضم. السابع: ما لزم البناء على الضم أو نائبه. الثامن: ما ليس له قاعدة مستقرة. ثم عقد بابا ذكر فيه النكرة والمعرفة، ثم أقسام المعرفة. وبعد ذلك ذكر "المُعْرَبَات" وقسمها تقسيماً حاصراً، فبدأ أولاً بالمرفوعات من الأسماء والأفعال وهي عشرة أنواع، ثم ذكر المنصوبات من الأسماء والأفعال وهي خمسة، ثم ذكر المجرورات، وجعلها ثلاثة أقسام، ثم ذكر المجزومات، وأنواع الجوازم. وبعد أن انتهى من ذلك ذكر العوامل من الأفعال والأسماء المشبهة لها، وفي باب عمل الفعل ذكر مبحثا بديعا في تقسيم الفعل بحسب المفعول به فجعله - بحسب ذلك - سبعة أنواع: النوع الأول: ما لا يتعدى إلى المفعول أصلا، وهو اللازم، وذكر له سبع علامات. النوع الثاني: ما يتعدى إلى مفعول واحد دائما بحرف الجر نحو

стр. 19

(غَضِبَ) و (مَرّ) . النوع الثالث: ما يتعدى إلى مفعول واحد دائما بنفسه كأفعال الحواس. النوع الرابع: ما يتعدى إلى مفعول واحد تارة بنفسه، وتارة بحرف الجر نحو (شَكَر) و (نَصَح) و (قَصَد) . النوع الخامس: ما يتعدى لمفعول واحد تارة بنفسه ولا يتعدى إليه أخرى لا بنفسه ولا بالجار، نحو (فَغَر) و (شَحَا) . النوع السادس: ما يتعدى إلى اثنين، وجعله قسمين: ما يتعدى لمفعولين تارة ولا يتعدى إليهما تارة أخرى، نحو: (نقص) . وما يتعدى إليهما دائما، وهو ثلاثة أقسام: الأول: ما ثاني مفعوليه كمفعول (شكر) وهي عشرة أفعال. الثاني: ما أول مفعوليه فاعل في المعنى، نحو (أَعْطى) و (كسَا) . الثالث: ما أول مفعوليه وثانيهما مبتدأ وخبر في الأصل وهو أفعال القلوب. النوع السابع: ما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وهي سبعة أفعال، هي (أَعْلَم) و (أرَى) وما ضُمّن معناهما. بعد ذلك عقد باباً للأسماء العاملة عمل الفعل، وعددها عشرة أسماء. ثم ذكر باب التنازع، ثم باب الاشتغال وعقَّب على ذلك بذكر التوابع، وأقسامها الخمسة ثم بيَّن أحكام

стр. 20

تابع المنادى. وبعد ذلك عقد بابا بيّن فيه (موانع الصرف) . ثم ختم كتابه بباب العدد وكنايات العدد. أما بالنسبة لشواهد "شذور الذهب" فإنه كان يستشهد بالآيات القرآنية وأشعار العرب المحتج بشعرهم. وقد بلغت الشواهد الشعرية فيه سبعة عشر بيتا. أهم الشروح والحواشي على "شذرو الذهب": شذور الذهب من أهم المختصرات النحوية التي جمعت غالب أبواب النحو، ولكونه مختصرا كان بحاجة إلى شرح وتوضيح، لذلك كثرت حوله الشروح والحواشي والتقريرات، وكذلك كثرت الشروح حول شواهده. وقد بلغت شروح شذور الذهب التي وصلت إلينا عشرة شروحات، وبلغت الحواشي على شرح الشذور لابن هشام تسع حواش. وفيما يلي ذكر لأهم شروح هذا الكتاب: ١- شرح شذور الذهب لابن هشام المتوفى سنة ٧٦١ هـ. ٢- شرح الصدور لشرح زوائد الشذور لمحمد بن عبد الدائم البرماوي المتوفى سنة ٨٣١ هـ١. وقد نسبه حاجي خليفة٢ لبدر الدين حسن بن أبي بكر بن أحمد القدسي الحلبي المتوفى سنة ٨٣٦ هـ.

стр. 21

وهذا الكتاب جعله مؤلفه خاصا بشرح الكلمات أو الجمل التي ذكرت في "شذور الذهب" ولم يشرحها ابن هشام في شرحه على الشذور. قال في مقدمته١: "لما كان كتاب شذور الذهب للعلامة أستاذ المتأخرين جمال الدين عبد الله بن هشام الأنصاري مختصرا جمع مبسوطات في العربية وأنموذجا لمفصّل قواعدها الكلية، وقد شرحه مصنفه ﵀ بشرح كمّل به مقاصده وسهّل به موارده، غير أن في المتن جملاً خلا الشرح من إيضاحها، وقد حَلِي المتن بأوضاحها، كان الشيخ ﵀ زاد بعضها بعد أن تم هذا الشرح واشتهر، وترك بعضها إما لوضوحها أو لغير ذلك مما يعتري البشر، جمعت هذه المواضع على الترتيب، شارحا لها على طريقة التسديد والتقريب.." ومنه نسخة مصورة بمركز البحث العلمي بجامعة أم القرى تحت رقم (٣٥٥) . ٣- السرور في شرح الشذور، لبدر الدين حسن بن أبي بكر بن أحمد القدسي الحنفي المتوفى سنة ٨٣١ هـ. ومنه نسخة مخطوطة بالقاهرة برقم (٢/١١٦) ٢. ٤- شرح شذور الذهب لمحمد بن عبد المنعم الجوجري المصري، المتوفى سنة ٨٨٩ هـ. وهو الكتاب الذي بين أيدينا، وسيأتي الكلام عليه

стр. 22

بالتفصيل١. ٥- بلوغ الأرب بشرح شذور الذهب. تأليف شيخ الإسلام زكريا ابن محمد بن أحمد الأنصاري المتوفى سنة ٩٢٦ هـ. ولهذا الشرح نسخ كثيرة، أشار لها بروكلمان٢. منها نسخة في (الظاهرية) بدمشق رقم (٦٧) . وله أيضا نسخ بمكتبة الأزهر، منها نسخة برقم (٣٦٣) ٣ وقد حُقِّق الكتاب ودُرِسَ في رسالة علمية بالأزهر. ٦- شفاء الصدور بشرح الشذور تأليف عبد الملك بن جمال العصامي بن صدر الدين بن عصام الإسفرائيني المشهور بملا عصام، المتوفى سنة ١٠٣٧ هـ. وله نسخ في مواضع مختلفة، أشار إليها بروكلمان٤، ومنه نسخة بمكتبة الأزهر برقم (١٧٨٨) ٢٧٣٧٥. أما الحواشي على شرح الشذور لابن هشام فكثيرة منها حاشية عبادة العدوي المتوفى سنة ١١٩٣ هـ. وقد طبعت هذه الحاشية بالمطبعة الميمنية بالقاهرة سنة ١٣١٨هـ.

стр. 23

ومنها حاشية الدسوقي محمد بن أحمد بن عرفة المعروف بالدسوقي المالكي المتوفى سنة ١٢٣٠ هـ. ولها نسخة مخطوطة بمكتبة الأزهر برقم (٣٣٢٥) ٤٣٠٦١ ١ ومنها حاشية الأمير محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القادر المعروف بالأمير الكبير، المتوفى سنة ١٢٣٢ هـ. وقد طبعت هذه الحاشية مع شرح الشذور لابن هشام في مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة ١٣٥٩ هـ. وهناك حواشٍ وتقريرات أخرى كثيرة على "شذور الذهب"٢.

стр. 24

الفصل الثاني: الجوجري وحياته العلمية المبحث الأول: التعرف بالجوجري المطلب الأول: اسمه ونسبه وشهرته ... المطلب الأول: اسمه ونسبه وشهرته هو محمد بن عبد المنعم بن محمد بن محمد بن عبد المنعم بن أبي الطاهر إسماعيل، شمس الدين بن نبيه الدين الجوجري، ثم القاهري، الشافعي١. كذا ساق نسبه السخاوي في الضوء اللامع٢. وتابعه على ذلك كل من ترجم للجوجري، بيد أن بعضهم اختصر نسبه، كالزركلي في الأعلام؛ حيث قال: "محمد بن عبد المنعم بن محمد الجوجري" ٣. أما كنيته فلم تذكر ذلك كتب التراجم، ولكني وجدت في مقدمة كتابه شرح شذور الذهب أنه يكنى بأبي عبد الله؛ حيث جاء فيها "قال الشيخ الإمام العالم العلامة فريد عصره ووحيد دهره أبو عبد الله شمس الدين محمد الشافعي الجوجري..".

стр. 25

أما شهرته فقد اشتهر في بلدته بابن نبيه الدين، واشتهر في غيرها بالجوجري نسبة إلى بلدته التي ولد فيها، كما سيأتي. قال السخاوي: "ويعرف بين أهل بلده بابن نبيه الدين، وفي غيرها بالجوجري" ١. وجاء في البدر الطالع للشوكاني أنه (الجرجري) بالراء وليس بالواو، وضبطه بذلك، فقال: "محمد بن عبد المنعم بن محمد بن محمد بن عبد المنعم بن إسماعيل الجرجري بجيمين ومهملتين" ٢. والصحيح أنه (الجوجري) بالواو، نسبة إلى بلدة (جوجر) قرب دمياط بمصر. قال الزركلي: "وعرَّفه بعضهم بالجرجري والجوهري وكلاهما تصحيف" ٣.

стр. 26

المطلب الثاني: مولده ونشأته وطلبه للعلم . ولد شمس الدين الجوجري في إحدى الجماديين، سنة إحدى وعشرين وثمانمائة من الهجرة (٨٢١) هـ، وقيل: في السنة التي بعدها. قال السخاوي: "ولد في إحدى الجماديين.، والظن أنه الثانية، سنة إحدى وعشرين وثمانمائة أو التي بعدها.. ١". وذلك في بلدة (جوجر) ، وهي بلدة صغيرة قرب دمياط. قال ياقوت الحموي: "جَوجَر بجيمين مفتوحتين وراء، بُليدة بمصر من جهة دمياط، في كورة السَّمَنُّودية.. ٢". وفي هذه البلدة نشأ الجوجري مع عائلته، حتى بلغ السابعة من عمره فتوفي والده هناك، ثم رحل إلى القاهرة بصحبة جده لأبيه. وحين استقر الجوجري في القاهرة أكبّ على دراسة العلوم وحفظ المتون، وأكمل بها حفظ القرآن الكريم، وحفظ المنهاج في الفقه الشافعي، وألفية ابن مالك في النحو، وكثيرا من المختصرات. واشتغل بأخذ العلوم عن علماء عصره في صباه فأخذ علم النحو عن كبار العلماء في ذلك العصر، كالشّمُنِّي والكافيجي وجلال الدين المحلّي وأبى القاسم النويري، وغيرهم. ودرس على هؤلاء العلماء كتب النحو المشهورة، ومنها (شرح التسهيل) لابن مالك، فقد درسه على الكمال بن الهمام. ودرَس (المغني

стр. 27

لابن هشام) على الشمني والكافيجي والقاياتي وجلال الدين المحلي. وفي الصرف قرأ (شرح الجار بردي للشافية) على الشمس البدرشي وفي العروض والقوافي أخذ عن الشهاب الأبشيطي. وأخذ علم المعاني والبيان عن النويري والكافيجي والقاياتي وزين الدين جعفر العجمي وغيرهم. ودرس الفقه على شرف الدين السبكي وابن المجدي وعلم الدين البلقيني والقاياتي وجلال الدين المحلي وغيرهم، فأخذ عنهم (التنبيه) و (الحاوي) و (البهجة) و (المنهاج) وكلها كتب مشهورة في الفقه الشافعي. وقرأ في أصول الفقه على شيخه جلال الدين المحلي (شرحه لجمع الجوامع) . وأخذ التفسير عن الشمني والكافيجي وابن حجر. ودرَس علم الحديث وأصوله على الحافظ ابن حجر وزين الدين الزركشي والقاضي سعد الدين بن الديري، فأخذ عنهم الكتب الستة في الحديث وشرح نخبة الفكر لابن حجر والشفا للقاضي عياض. وفي علم الرياضيات والفرائض أخذ عن ابن المجدي والبوتيجي١. وبهذا نعرف حرص الجوجري على التزوّد من العلوم، وأخذه من كل علم بطرف. حتى أثمرت هذه الدراسة عن ثقافة واسعة في شتى العلوم. قال عنه العز الحنبلي: "إنه يعرف كل شيء في الدنيا"٢.

стр. 28

المطلب الثالث: ثقافته ومكانته العلمية ووظائفه . نال الجوجري ثقافة واسعة، ولم يقتصر على فن معين ولكن برع في العلوم الشرعية واللغوية. وقد أذن له مشايخه بالإقراء والإفتاء، وتصدى لذلك قديما في حياة كثير من مشايخه، حتى كان شيخه (جلال الدين المحلّي) يرسل له الفضلاء للقراءة عليه في تصانيفه وغيرها. ونبه كثير من شيوخه بفضله وعلمه، وصار يعرف ب (شيخ القاهرة) ١. قال السخاوي: "كان المحلّي يرسل له الفضلاء للقراءة عليه في تصانيفه وغيرها ونوّه هو والمناوي به جدا، بل كان المناوي يناوله الفتوى ليكتب عليها، واستنابه في القضاء في ولايته الأولى فباشر قليلا.. ٢". وقال ابن إياس الحنفي عنه: "كان عالما، فاضلا بارعا في العلوم" ٣. وقد اهتم به طلاب العلم ورحلوا إليه من الأمصار، يؤكد ذلك كثرة تلاميذه الذين أخذوا عنه، ونجد منهم الشامي والمقدسي والمكي واليمني وغيرهم. قال السخاوي: "وأخذ عنه الفضلاء طبقة بعد أخرى، وصار بأخَرَة شيخ القاهرة، وقسموا عليه الكتب" ثم قال: "واتسعت حلقته جدا سيّما

стр. 29

حين تحول للمؤيَّديّة ثم جامع الأزهر، وقصد بالفتاوى.. ١". شعره: كان الجوجري ذا قريحة شعرية، يقول الشعر، وينظم القريض، وقد نظم في بعض العلوم منظومات بديعة، من ذلك منظومة له في (مبدأ نهر النيل ومنتهاه) تقع في ١٢٠ بيتا، ذكر فيها أمكنة مقاييس النهر ومن أنشأها من الخلفاء، وتطرق فيها إلى ذكر ما سوى النيل من الأنهار كنهر سيحون ونهر جيحون٢. وله مراث في شيوخه، ذكر السخاوي٣ أنه كتب له مرثية لشيخه المناوي ومقطوعة في النجم بن فهد. وله نظم مدح فيه شرحه للإرشاد، قال فيه٤: ودونك للإرشاد شرحا منقحا ... خليقا بأوصاف المحاسن والمدح تكفل بالتحرير والبحث فارتقى ... وفي الكشف والإيضاح فاق على الصبح بعين الرضا فانظره إن جاء محسنا ... فقابله بالحسنى وإلاّ فبالصفح

стр. 30

ومن نظمه أيضا قوله: قل للذي يدعي حذقًا ومعرفةً ... هون عليك فللأشياء تقدير دع الأمور إلى تدبير مالكها ... فإن تركك للتدبير تدبير وفي كتابه هذا (شرح شذور الذهب) نظم بيتاً واحداً جمع فيه موانع الصرف، بألفاظها صريحة، وذلك حين قال: وإن أردت بيتا واحدا يجمعها كلها بصرائح أسمائها من غير اشتقاق، فقل: جمع ووزن وعدل وصف معرفة ... تركيب عجمة تأنيث زيادتها١ وقد نقل المتأخرون عنه هذا البيت وأُعجِبوا به. وله غير ذلك من المنظومات، فقد قال السخاوي حين ذكر بعض كتبه: "وغير ذلك من نظم ونثر" ٢. أما الوظائف التي تقلدها فقد ذكر المؤرخون٣ أنه تولى القضاء، والإفتاء والتدريس. أما القضاء فقد ذكر السخاوي٤ أن الشيخ المناوي وهو من شيوخ الجوجري قد استناب الجوجري في القضاء في أثناء ولايته، فناب عنه فترة وجيزة، ثم تعفف عن ذلك، قال السخاوي: "وحمد العقلاء صنيعه في ترك القضاء".

стр. 31

وأما الإفتاء فقد تصدى للإفتاء قديما في حياة كثير من مشايخه. قال السخاوي: "كان المحلي يرسل له الفضلاء للقراءة عليه في تصانيفه وغيرها، ونوّه هو والمناوي به جدا، بل كان المناوي يناوله الفتوى ليكتب عليها" ١. ومعنى قوله: (يناوله الفتوى) أنه كان إذا جاءته قضية أو مسألة يُسأل عن حكمها أرسل بها إلى تلميذه الجوجري ليفتى فيها بما يراه لثقته به. ويأخذ برأيه. وقال الشوكاني: "ورغب الطلبة إليه وقصد بالفتاوى" ٢. وأما التدريس فقد تولى التدريس في مدارس كثيرة في ذلك العصر، وأخذ عنه الفضلاء طبقة بعد أخرى، وصار شيخ القاهرة في ذلك الوقت. وتزاحم عليه الطلبة، وقسموا عليه الكتب، واتسعت حلقة تدريسه جدا. أما المدارس التي تولي التدريس فيها فهي٣: ١- المدرسة المؤيدية. ٢- جامع الأزهر. ٣- المدرسة الخشابية. ٤- المدرسة الشريفية. ٥- المدرسة الظاهرية القديمة بمصر.

стр. 32

٦- المدرسة الجانبكية. ٧- مدرسة أم السلطان. ٨- المدرسة القطبية. ٩- المدرسة القجماسية. ١٠- المدرسة الكاملية. وقد جاور بمكة المكرمة في سنة تسع وستين وثمانمائة، وأقرأ الطلبة هناك، ودرسوا عليه. قال السخاوي: "وبالجملة فمحاسنه جمة والكمال لله" ١.

стр. 33

المطلب الرابع: أخلاقه ومناقبه وثناء العلماء عليه . كان شمس الدين الجوجري يجمع بين العلم والأخلاق الحميدة، وتلك كانت سمة العلماء العاملين. وقد أثنى عليه العلماء خيرا، وذكروا من صفاته أنه كان حسن العشرة كثير التودد، متواضعا، ممتهنا لنفسه، غير متأنق في شيء١. قال السخاوي: "وقد سمعت العز الحنبلي غير مرة يقول: إنه يعرف كل شيء في الدنيا" ٢. وقال السخاوي أيضا، بعد أن ذكر وظائفه،: "وبالجملة فمحاسنه جمة، والكمال لله". ثم قال في آخر ترجمته له: "وترجمته تحتمل أكثر مما ذكر" ٣. وقال عنه ابن إياس الحنفي: "كان عالما فاضلا، بارعا في العلوم، عارفا بمذهب الإمام الشافعي ﵁ ورحمه وله عدة مصنفات، وتولى عدّة تداريس، وشهرته تغني عن مزيد التعريف به" ٤. وقال ابن العماد الحنبلي في ترجمته له:"الإمام العالم سليل العلماء" ٥. ومن مناقبه وأخلاقه أيضا كثرة إحسانه للغرباء وتفقّده لأحوالهم

стр. 34

وقيامه بشؤونهم وبذل همته في مساعدتهم١. وقد أدى فريضة الحج أكثر من مرة، وجاور في مكة. وقد أحبّه قاضي مكة في ذلك الوقت، ووالى عليه بره وفضله٢. قال السخاوي: "عنده نوع فتوّة وإحسان لكثير من الغرباء، وبذل همة في مساعدتهم" ٣. وكان يبالغ في محبة مشايخه وأصحابه ويثني عليهم. قال السخاوي: "وكان بيننا من الود ما الله به عليم، بحيث إنه لم يزل يخبرني عن شيخه المحلّي بالثناء البالغ. بل طالع هو عقب موت ولد له كتابي (ارتياح الأكباد) فتزايد اغتباطه به، وأبلغ في تحسينه ما شاء، وأحضر إلي بعض تصانيف السيد السمهودي لأقرضها له، إلى غير ذلك من الجانبين" ٤.

стр. 35

المطلب الخامس: مذهبه الفقهي والنحوي أما مذهبه الفقهي فهو شافعي المذهب. دَرَس المذهب الشافعي على كبار علماء الشافعية في ذلك العصر، أمثال شرف الدين السبكي وجلال الدين المحلّي والمناوي١، وغيرهم. ودرّس الفقه الشافعي في الجامع الأزهر وغيره، وأفتى به في مسائل كثيرة. وشرح كثيرا من كتب الشافعية. وكان يوصف بالشافعي٢، نسبة إلى مذهب الإمام الشافعي. أما مذهبه النحوي فقد اقتفى الجوجري في كتابه هذا طريقة المتأخرين الذين يجمعون بين المذهب البصري والمذهب الكوفي، ويختارون من بينهما ما يترجح لديهم، إلا أنهم في الأصول يسيرون على أصول البصريين دون تعصب لهم. وقد نهج الجوجري هذا النهج في كتابه "شرح شذور الذهب". فكان يذكر في المسألة الواحدة المذهبين، ثم يختار ما يراه راجحا وفي الغالب كان يطلق الأقوال في المسألة دون اختيار لواحد منها ويختار في بعض الأحيان ما رجحه العلامة ابن مالك في المسألة. وسيأتي لذلك مزيد تفصيل في مبحث دراسة الكتاب.

стр. 36

المطلب السادس: شيوخه وتلاميذه . أولاً: شيوخه ذكرت فيما سبق أن الجوجري تحوّل من بلدته التي ولد فيها إلى القاهرة. وأنه تعلّم في القاهرة على كبار العلماء في ذلك العصر. وقد كثر العلماء الذين تلقى الجوجري العلوم عنهم، وهم من كبار العلماء المشهورين في عصره. وحاولت جمع أكبر عدد ممكن منهم، فكان من هؤلاء: ١- أحمد بن علي بن محمد، شهاب الدين أبو الفضل العسقلاني المصري الشافعي، الشهير بابن حجر العسقلاني، كان من كبار العلماء في علم الحديث وأصوله والفقه واللغة، وألف كتبا كثيرة، من أفضلها فتح الباري في شرح صحيح البخاري، والإصابة في تمييز الصحابة، وغراس الأساس في اللغة، وغير ذلك، توفي سنة ٨٥٢ هـ. ذكر السخاوي في الضوء اللامع أن الجوجري درس علم الحديث وأصوله والتفسير على الحافظ ابن حجر١. ٢- محمد بن محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن عبد الخالق، المحب أبو القاسم النويري القاهري المالكي، فقيه مالكي، عالم بالقراءات والنحو، له (شرح المقدمات الكافية في النحو والصرف والعروض

стр. 37

والقافية) وغيرها، وتوفي ٨٥٧ هـ١، وقد أخذ عنه الجوجري علم النحو والصرف، ودرس عليه بعض الكتب النحوية٢. ٣- محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود، الكمال بن همام الدين، القاهري الحنفي، يعرف بابن الهمام، كان إماما في الأصول والتفسير والفقه والفرائض والحساب والنحو والمعاني، قال عنه السخاوي: "إنه عالم أهل الأرض ومحقق أولي العصر" ٣. مات سنة ٨٦١ هـ٤.وذكر السخاوي أن الجوجري درس على ابن الهمام (شرح التسهيل) لابن مالك٥. ٤- محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد، جلال الدين المحلي، أصولي، مفسر، له شرح (جمع الجوامع) وشرح الورقات في الأصول وكنز الراغبين في الفقه وله كتاب في التفسير أتمه الجلال السيوطي، وسمّي فيما بعد (تفسير الجلالين) ، وقد توفي جلال الدين المحلّي سنة ٨٦٤ هـ٦. وكان الجوجري قد أخذ عنه علم الأصول والنحو، ودرس عليه

стр. 38

كتاب (المغني) لابن هشام١. ٥- صالح بن عمر بن رسلان، القاضي علم الدين البلقيني، القاهري الشافعي، شيخ الإسلام، من العلماء بالحديث والفقه، وله فيهما مؤلفات عدّة، توفي سنة ٨٦٨ هـ بالقاهرة٢. وقد أخذ عنه الجوجري الفقه الشافعي، وقرأ عليه غالب الكتب المؤلفة فيه٣. ٦- أحمد بن محمد، تقي الدين، أبو العباس بن الكمال التميمي القاهري الشهير بالشّمنِّي، إمام في النحو والتفسير والحديث، من كتبه المنصف من الكلام على مغني ابن هشام ومزيل الخفا عن ألفاظ الشفا. وقد أخذ عنه الجوجري النحو، ودرس عليه المغني لابن هشام٤. وقد توفي الشمنّي في القاهرة سنة ٨٧٢ هـ٥. ٧- محمد بن سليمان بن سعيد بن مسعود المحيوي، أبو عبد الله الرومي الحنفي، المعروف بالكافيجي، نسبة إلى كافية ابن الحاجب لكثرة قراءته وتدريسه لها. إمام مشهور، شاع ذكره، وأخذ الناس عنه طبقة بعد

стр. 39

أخرى، وزادت تصانيفه على المائة، ومن أفضلها شرح قواعد الإعراب لابن هشام وشرح كلمتي الشهادة وغيرهما. وقد ذكر السخاوي أن الجوجري أخذ عنه النحو وعلم المعاني والبيان١ وقد توفي الكافيجي سنة ٨٧٩ هـ٢. ٨- أحمد بن رجب بن طنبغا، أبو العباس، شهاب الدين بن المجدي، عالم بالحساب والفرائض والفلك، وبرع في الفقه والنحو وغيرها، له مؤلفات عدّة في الحساب والهندسة والفلك والفرائض، وقد أخذ عنه الجوجري علم الرياضيات والفلك٣. مات ابن المجدي بالقاهرة سنة ٨٥٠ هـ٤. ٩- سعد بن محمد بن عبد الله، أبو السعادات، القاضي سعد الدين ابن الدَّيري، النابلسي الأصل، المقدسي الحنفي، كان من أوعية العلم، وله مناظرات مع كبار علماء عصره، وترك بعض المؤلفات في الفقه والعقائد. وقد ذكر السخاوي أن الجوجري درس عليه علم الحديث وأصوله٥.

стр. 40

مات ابن الديري سنة ٨٦٧ هـ١. ١٠- يحيى بن محمد، أبو زكريا، شرف الدين بن سعد الدين الحدادي، المناوي، اشتهر بإجادة الفقه، وأخذ الناس عنه طبقة بعد طبقة، وله مؤلفات عدّة في الفقه والحديث، منها (شرح مختصر المزني) . وكان الجوجري من تلاميذه، ودرس عليه الفقه. قال السخاوي: "واشتدت عنايته بملازمته، بحيث أخذ عنه التنبيه والحاوي والبهجة والمنهاج، تقسيما غير مرة" ٢. وقد توفي المناوي سنة ٨٧١ هـ بالقاهرة٣. ١١- محمد بن محمد بن محمد، أبو الفضل، تقي الدين بن فهد الهاشمي المكي، من كبار المؤرخين في عصره، وله من المؤلفات: لحظ الألحاظ والباهر الساطع في السيرة النبوية وسيرة الخلفاء والملوك وقصص الأنبياء وغيرها. قال السخاوي في أثناء ترجمته للجوجري: "سمع على التقي بن فهد" ٤. وقد توفي ابن فهد سنة ٨٧١ هـ بمكة المكرمة٥. ١٢- جعفر زين الدين العجمي الحنفي، وصفه تلاميذه بالفضل
следующие страницы →