← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وقال البغوي في شرح السنة: اتفق أهلُ العلم على أن طلاق الهازل يقع، فإذا جرى صريح لفظ الطلاق على لسان العاقل البالغ لا ينفعه أن يقول: كنت فيه لاعباً أو هازلاً لأنه لو قُبِلَ ذلك منه، لتعطلت الأحكام، وقال كل مطلِّق، أو ناكح، إني كنت في قولي هازلاً فيكون في ذلك إبطال أحكام الله تعالى، فمن تكلم بشئ مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه، وخص هذه الثلاث بالذكر لتأكيد أمر الفرج. والله أعلم. وذهب بعض العلماء: إلى أن طلاق الهازل لا يقع. وهو قول جماعة من العلماء. واستدلوا بقوله تعالى (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فدل على اعتبار العزم، والهازل لا عزم له. قالوا: ولأن الهازل لم يرد الطلاق ولا نوى معناه، فكيف يترتب عليه مقتضاه؟ والراجح قول الجمهور. (وغيره كناية: كنحو أنتِ خَليّة، وبريّة، وبَتّة، فيقع بنيته). الكناية: هي الألفاظ التي تحتمل الطلاق وغيره. وجاء في (الموسوعة الفقهية) كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكِنَائِيَّ فِي الطَّلاقِ هُوَ: مَا لَمْ يُوضَعِ اللَّفْظُ لَهُ، وَاحْتَمَلَهُ، وَغَيْرَهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ أَصْلا لَمْ يَكُنْ كِنَايَةً، وَكَانَ لَغْوًا لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين: كل ما يحتمل الفراق، فهو كناية " انتهى من " الشرح الممتع "

стр. 2697

مثال: كأن يقول الحقي بأهلك، أنت حرة، أنت خلية، اذهبي. حكمه: لا يقع به الطلاق إلا مع نية أو قرينة. فإنه إذا قال الحقي بأهلك فإنه يحتمل مجرد الطلب إليها أن تذهب إلى أهلها، ويحتمل إرادة الطلاق. مع النية: أن يقول لها: الحقي بأهلك، وينوي أنه طلاق. فائدة: اختلف العلماء في لفظ (السراح، والفراق) هل يعد التلفظ بها طلاقاً دون اعتبار النية على قولين: قيل: أن هذين اللفظين (السراح والفراق) لفظان صريحان في الطلاق، فيقع بهما الطلاق دون اعتبار النية. فلو قال الرجل لزوجته (فارقيني) أو (سرحتك) فإن هذا طلاق ولا ينظر في ذلك إلى النية. لكونهما جاءا في القرآن بمعنى الطلاق في قوله (وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً) وقوله (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ). وقوله (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ). فإن هذه الآيات صريحة في الطلاق، لأنها وردت في القرآن بهذا اللفظ، أي: بمعنى الطلاق. وقيل: أن هذين اللفظين لا بد من اعتبار النية فيهما كغيرهما كسائر الكنايات. وهذا اختيار ابن تيمية. وهذا الراجح.

стр. 2698

(وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي»: تَطْلُقُ فِي الحَالِ). لأنه ما قبل موته يكون من حين تلفظه. (وبعدَه لا تَطلق). لِحُصُولِ البَيْنُونَةِ بِالمَوْتِ. لأن الموت أعظم فرقة. ولأن من شرط صحة الطلاق كونه من زوج، وهو بعد موته ليس زوجاً. وفي "الاختيارات الفقهية" لابن تيمية (١/ ٥٧٦): "وإذا قال: أنت طالق مع موتي أو مع موتك فليس هذا بشيء" انتهى. وفي "الروض المربع" (٦/ ٥٢٩): "إذا قال: أنت طالق مع موتي أو بعده فلا يقع؛ لأن البينونة حصلت بالموت، فلم يبق نكاح يزيله الطلاق" انتهى. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ (فِي هَذَا الشَّهْرِ»، أَوْ فِي هَذَا اليَوْمِ»، أَوْ فِي هَذِهِ السَّنَة: تَطْلُقُ فِي الحَالِ). قال لها: أنت طالق في هذا الشهر، فإنها تطلق في الحال. لأن ما يلي لفظه من الشهر. لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ وَاليَوْمَ وَالسَّنَةَ ظَرْفًا لِوُقُوعِهِ، فَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا صَالِحٌ لِلْوُقُوعِ فِيهِ.

стр. 2699

(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا»، أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ» وَنَحْوَهُ: تَطْلُقُ بِأَوَّلِهِ). لأنه علق الطلاق على صفة متى وجدت وجد الطلاق. (وَإِنْ قَالَ: إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ: فَأَنْتِ طَالِقٌ»: تَطْلُقُ بِمُضِيِّ اِثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا). لأنه علقه على صفة وقد وجدت. الخلاصة: متى علق الطلاق على زمن فوجد الزمن تطلق بأوله لأنه علق الطلاق على صفة وقد وجدت. (ومن قال لزوجته أنتِ عليّ حرام فهو ظهارٌ ولو نوى بهِ الطلاق). اختلف العلماء: في تحريم الرجل زوجته على أقوال كثيرة: القول الأول: يكون ظهاراً. وهذا هو المشهور من المذهب، واختاره ابن تيمية والشنقيطي. القول الثاني: أنه يمين مطلقاً، يكفرها بكفارة يمين. القول الثالث: أنه لغو لا يترتب عليه شيء، واختاره الصنعاني. القول الرابع: التفصيل على حسب نيته: إن نوى الظهار فهو ظهار. وإن نوى الطلاق فهو طلاق. وإن نوى اليمين فهو يمين. وإن لم ينو شيئاً ففيه كفارة يمين. واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀.

стр. 2700

باب تعليق الطلاق (ويقع الطلاقُ منجزاً). أي: ويقع الطلاق منجزاً، والطلاق المنجز هو الذي يقع في الحال، كأن يقول: هي طالق، فتطلق من الآن، أي: يقع الطلاق في الحال. (أو معلقاً على شرط كقوله: إذا جاء الوقت الفلاني فأنت طالق، فمتى وجد الشرط الذي علق عليه الطلاق وقع). تعليق الطلاق ينقسم إلى أقسام: أولاً: أن يكون تعليقاً محضاً. (سمي محضاً لأنه لا اختيار للزوج فيه). كأن يقول: إذا طلعت الشمس فأنتِ طالق، فيقع الطلاق إذا طلعت الشمس. (فطلوع الشمس لا تملك منعه). ومثله: إذا دخل رمضان فأنت طالق، وإذا غربت الشمس فأنت طالق. ثانياً: أن يعلق الطلاق على فعل زوجته أو فعله هو، كأن يقول لزوجته: إن دخلت دار فلان فأنت طالق، أو ذهبت لبيت أختك فأنت طالق: فهذه إن قصد إيقاع الطلاق بالفعل إذا حصل المعلق عليه، فإن هذا الطلاق يقع عند حصول ما عُلق عليه قولاً واحداً بلا خلاف. وإن لم يقصد الطلاق ولكنه يريد بذلك حملها على فعل أو منعها من فعل، فهذه اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: يقع الطلاق إذا حصل المعلق عليه. وهذا مذهب الأئمة الأربعة. القول الثاني: أنه لا يقع الطلاق إذا حصل ما علق عليه، وإنما فيه كفارة يمين. وهذا مذهب داود الظاهري وجماعة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. والله أعلم.

стр. 2701

فائدة: إذا علق طلاق امرأته على شرط فهل له أن ينقضه قبل وقوع الشرط أم لا؟ جمهور العلماء يقولون لا يمكن أن يتنازل عنه، لأنه أخرج الطلاق من فيه على هذا الشرط، فلزم كما لو كان الطلاق منجزاً. (ومَنْ شكّ في طلاقٍ لم يلزمه). أي: شك هل طلق زوجته أم لا؟ فلا يلزمه الطلاق، لأن الأصل بقاء النكاح. والشك: التردد بين الأمرين لا مزية لأحدهما عن الآخر. والشك في الطلاق له عدة صور: الصورة الأولى: أن يشك في وقوع أصل الطلاق - يشك هل طلق أم لم يطلق -. الأصل عدم الطلاق، لأن النكاح متيقن والطلاق مشكوك فيه والشك لا يعارض اليقين (اليقين لا يزول بالشك). الصورة الثانية: أن يشك في عدد الطلاق، بأن يتيقن بأنه طلق امرأته لكنه شك هل طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثة، فاليقين الأقل وهو واحدة، وما زاد على الواحدة مشكوك فيه. الصورة الثالثة: أن يشك في وجود الشرط وعدمه، هل طلاق زوجته كان معلقا أو كان منجزاً، فالأصل عدم الشرط. الصورة الرابعة: الشك في تحقق الشرط وجوداً أو عدماً، تيقن أنه طلق وأنه علق زوجته على شرط لكن يشك بحصول الشرط، كأن يقول: إن فعلتُ كذا فزوجتي طالق، وشك هل حصل الأمر أم لا، فالأصل عدم الوقوع.

стр. 2702

(وَإِنْ قَالَ لِمَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ: طَلَقَتْ زَوْجَتُهُ لا عكسُها). اعْتِبَارًا بِالقَصْدِ دُونَ الخِطَابِ. جاء في الشرح الممتع: أي: وجد امرأة تشبه زوجته في اللباس، وفي الجسم، وفي المشي فظنها زوجته، فقال: أنت طالق، وتبين أنها غير زوجته، يقول المؤلف: تطلق الزوجة؛ لأنه أوقع الطلاق بصيغته التي يقع بها، مع أنه تبين أنها أجنبية ليست زوجة له، فنقول: العبرة بالمقاصد، وهذا الرجل قصد طلاق زوجته في شخص يظنها زوجته. قوله (لَا عَكْسُهَا). بِأَنْ لَقِيَ امْرَأَتَهُ، فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ تَطْلُقِ امْرَأَتُهُ. (وإن قال لنسائهِ إحداكُنَّ طالقٌ ولم ينو واحدةً بعينها خرجت بالقرعة). أي: وجب إخراج من لم يعينه منهن بالقرعة، فمن خرجت عليها القرعة فهي الطالقة بتلك اللفظة التي تلفظ بها. وذهب بعض العلماء: أنه يتخير أيتهما شاء. (وإنِ خَيّر امرأتَه فاختارت نفسَها طلُقتْ واحدةً، وإنْ لم تخترْ أو اختارت زوجها لم يقعْ شيء). أي: لو خيّر الرجل زوجته فقال لها اختاري، فخيرها بين أن تبقى معه زوجة، وبين أن يطلقها، فاختارت الطلاق، أي: اختارت نفسها فإنه يقع طلقة واحدة، وإن لم تختر، أو اختارت البقاء معه لم يحصل بذلك طلاق ولا شيء. عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ نِسَاءَهُ فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقاً) متفق عليه. فهذا الحديث دليل على أن من خيّر أمرأته بين البقاء معه وبين مفارقته، فاختارته لا يقع عليها بذلك طلاق. وهذا مذهب جماهير العلماء. فإن اختارت نفسها فطلقة واحدة على القول الراجح. وقيل: هو طلاق رجعي، وقيل: يقع به طلقة بائنة، لكن هذه الأقوال ضعيفة.

стр. 2703

فائدة: قال الخطابي: يؤخذ من قول عائشة (فاخترناه فلم يكن طلاقاً) أنها لو اختارت نفسها لكان ذلك طلاقاً، ووافقه القرطبي في المفهم فقال: في الحديث أن المخيّرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الاختيار يكون طلاقاً من غير احتياج إلى نطق بلفظ يدل على الطلاق، قال: وهو مقتبس من مفهوم قول عائشة المذكور. فوائد منوعة عن الطلاق: فائدة: ١ طلاق الأمة تطليقتان. قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا؛ فَطَلَاقُهُ ثَلَاثٌ حُرَّةً كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ أَمَةً وَإِنْ كَانَ عَبْدًا؛ فَطَلَاقُهُ اثْنَتَانِ حُرَّةً كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَةً. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَزَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِر. لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الرِّجَالَ بِالطَّلَاقِ فَكَانَ حُكْمُهُ مُعْتَبَرًا بِهِمْ. وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ خَالِصُ حَقِّ الزَّوْجِ وَهُوَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَكَانَ اخْتِلَافُهُ بِهِ كَعَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ. (المغني). فقد ورد عن عمر أنه قال (ينكح العبد امرأتين، ويطلق تطليقتين) أخرجه الدارقطني. ولأن العبد على النصف من الحر، ولم يُجعل الطلاق طلقة ونصف لأن الطلاق لا يتنصف.

стр. 2704

وقد وقع خلاف في هذه المسألة: فذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن عدد الطلاق معتبر بالزوج. فإن كان حراً فإنه يملك على زوجته ثلاث تطليقات ولو كانت أمة، وإن كان الزوج عبداً فإنه يملك تطليقتين لا غير ولو كانت زوجته حرة، فإن طلقها الثانية بانت منه ولم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. لما ورد عن عمر كما تقدم. ولأن الرجل هو المخاطب بالطلاق فهو المعتبر به. ولأن الطلاق خالص حق الزوج. وذهب الحنفية إلى أن الطلاق معتبر بالنساء، فإن كانت الزوجة حرة فطلاقها ثلاث ولو كان زوجها عبداً، وإن كانت الزوجة أمَة فطلاقها اثنتان وإن كان زوجها حراً. قالوا: لأن المرأة محل الطلاق، فيعتبر بها كالعدة. وذهب بعض العلماء إلى أن العبد كالحر في هذه المسألة. لأن النصوص لم تخص الحر دون العبد. فائدة: ٢ الطلاق لا يقع بمجرد النية. أ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اَللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فهذا الحديث دليل: على أن الطلاق بمجرد النية أو دون النطق به لا يقع.

стр. 2705

وهذا هو قول جمهور أهل العلم كما نقله الحافظ في الفتح (٩/ ٣٩٤)، ونقله ابن قدامة في المغني (٧/ ١٢١) عن عامة أهل العلم. ب- ولأن الفرقة في الشرع علقت على لفظ الطلاق، ونية الطلاق ليست لفظاً. ج-أن إيقاع الطلاق بالنية لا يثبت إلا بالدليل، وليس ثمت دليل على ذلك. قال ابن قدامة: جُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا بِلَفْظٍ، فَلَوْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، لَمْ يَقَعْ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. لقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ). وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِالنِّيَّةِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ. فائدة: ٣ إذا كتب الرجل بيده صريح الطلاق، فإنه لا يقع إلا إذا نواه، عند جمهور العلماء؛ لأن الكتابة محتملة. قال ابن قدامة: ولا يقع الطلاق بغير لفظ الطلاق، إلا في موضعين: أحدهما: من لا يقدر على الكلام، كالأخرس إذا طلق بالإشارة، طلقت زوجته. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم عن غيرهم خلافهم الموضع الثاني: إذا كتب الطلاق، فإن نواه طلقت زوجته، وبهذا قال الشعبي، والنخعي، والزهري، والحكم، وأبو حنيفة، ومالك وهو المنصوص عن الشافعي

стр. 2706

فأما إن كان كتب ذلك من غير نية، فذهب بعض العلماء إلى أنه يقع وهو قول الشعبي، والنخعي، والزهري، والحكم; لما ذكرنا. والقول الثاني: أنه لا يقع إلا بنية، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ومنصوص الشافعي; لأن الكتابة محتملة، فإنه يقصد بها تجربة القلم، وتجويد الخط، وغم الأهل، من غير نية. (المغني). وقال الشيخ ابن باز: هذا قول الجمهور، لأن الكتابة في معنى الكناية، والكناية لا يقع بها الطلاق إلا مع النية في أصح قولي العلماء، إلا أن يقترن بالكتابة ما يدل على قصد إيقاع الطلاق فيقع بها الطلاق. فائدة: ٤ إذا قال الزوج: أنت طلاق، أو قال: أنت الطلاق، ففي هذا خلاف، هل هو صريح فيقع بدون نية، أو كناية لا يقع معها الطلاق إلا بالنية. فالجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة على أنه صريح. قال ابن قدامة: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ. فَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهِ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِه، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ. (المغني). فائدة: ٥ قال الشيخ ابن عثيمين: إن قال: إن كلمت زيدا فأنت طالق، ثم طلقها وبانت منه، ثم تزوجها قبل أن تكلم زيداً، ثم كلمت زيداً بعد التزويج، فعلى المذهب وغير المذهب تطلق؛ لأن يمينه لم تنحل، فالصفة لم توجد فتطلق بكل حال. وعند شيخ الإسلام في هذه المسألة أنها لا تطلق؛ لأن الظاهر أنه أراد وقوع الصفة في النكاح الأول الذي علق عليه، وفي الحقيقة أنك إذا تدبرت الأمر وجدت أن هذا القول أرجح من غيره؛ لأن الظاهر من هذا الزوج أنه لم يطرأ على باله أن هذا التعليق يشمل النكاح الجديد، اللهم إلا إذا كان علقها على صفة يريد ألا تتصف بها مطلقا، فهذا قد يقال: إنها تعود الصفة " انتهى من " الشرح الممتع "

стр. 2707

بابُ الرَّجْعَة (مَنْ طَلَّقَ مَدْخُولًا بها بلا عِوَض دُون مَا له من العَدد فله رجعَتها في عدتها ولوْ كرهت). تعريف الرجعة: إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد ما دامت في العدة (وسيأتي محترزات هذا التعريف بعد قليل). (مَنْ طَلَّقَ) هذا الشرط الأول. فلا رجعة إلا بعد طلاق، فلو فسخ النكاح لفقد مانع فليس له حق الرجعة. (مَدْخُولًا بها) هذا الشرط الثاني. فإن لم يكن مدخولاً بها فلا رجعة، لأنه لا عدة عليها. (بلا عِوَض) هذا الشرط الثالث. فإن كان بعوض فلا رجعة إلا بعقد جديد. (دُون مَا له من العَدد) هذا الشرط الرابع. كأن يطلق طلقة أو تطليقتين. فلو طلقها الطلقة الثالثة فلا رجعة. (فله رجعَتها في عدتها) هذا الشرط الخامس. فإن راجعها بعد العدة فلا رجعة. لقوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ). أي: في العدة. فعلم من الآية أنه لا حق للأزواج بعد انتهاء العدة.

стр. 2708

قال القرطبي: وأجمع العلماء على أن الحرّ إذا طلق زوجته الحرة، وكانت مدخولاً بها تطليقة أو تطليقتين أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها، وإن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها المطلّق حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها، وتصير أجنبية منه لا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي، وهذا إجماع من العلماء. مثال: رجل قال لزوجته أنت طالق، فتطلق، فله الحق ما دامت في العدة أن يراجعها، لكن بالشروط السابقة. - أدلة مشروعية الرجعة: أ- قوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً). والمراد بالبعل هنا الزوج. قال ابن كثير: أي وزوجها الذي طلقها أحق بردتها ما دامت في عدتها. قوله تعالى (فِي ذَلِكَ) الإشارة إلى التربص المفهوم من قوله تعالى (يتربصن). والمعنى: وأزواجهن أحق بإرجاعهن إذا رغبوا في ذلك مادمن في العدة. قال الشنقيطي: كما أنه أشار هنا إلى أنها إذا بانت بانقضاء العدة لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) لأن الإشارة بقوله (ذَلِكَ) راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه في الآية بثلاثة قروء. ب- قال تعالى (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ). فقوله (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ) هو الرجعة مع المعروف (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) وهو تطليقها. ج- وفي قصة ابن عمر حينما طلق زوجته قال ﷺ لعمر (مره فليراجعها). د- وثبت في سنن أبي داود (أن النبي ﷺ طلق حفصة ثم راجعها). وأجمع العلماء على مشروعية الرجعة.

стр. 2709

(ولوْ كرهت). أي: ولو كرهت الزوجة الرجوع، فإنه لا يشترط رضاها، وكذا لا يشترط علمها. قال ابن حجر: وقد أجمعوا على أن الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو أحق برجعتها، ولو كرهت المرأة ذلك. وقال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى وَلِيٍّ، وَلَا صَدَاقٍ، وَلَا رِضَى الْمَرْأَةِ، وَلَا عِلْمِهَا. بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ. لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فِي أَحْكَامِ الزَّوْجَاتِ، وَالرَّجْعَةُ إمْسَاكٌ لَهَا، وَاسْتِبْقَاءٌ لِنِكَاحِهَا، وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا، وَتَرْكَهَا فِرَاقًا وَسَرَاحًا، فَقَالَ: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ). وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ). وَإِنَّمَا تَشَعَّثَ النِّكَاحُ بِالطَّلْقَةِ وَانْعَقَدَ بِهَا سَبَبُ زَوَالِهِ، فَالرَّجْعَةُ تُزِيلُ شُعْثَهُ، وَتَقْطَعُ مُضِيَّهُ، إلَى الْبَيْنُونَةِ، فَلَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ. (المغني). (بلفظِ: راجعتُ امرأتي ونحوهِ). أي: أن الرجعة تحصل بالقول: كقوله: راجعتك. وهذا محل اتفاق بين العلماء. كقول: راجعت امرأتي، رددتها، أمسكتها، أعدتها. قال ابن قدامة: فأما القول فتحصل به الرجعة بغير خلاف.

стр. 2710

فائدة: هل تحصل الرجعة بالفعل (وهو الوطء)؟ يعني لو وطء زوجته الرجعية دون أن يتلفظ هل مجرد الوطء يكون رجعة: اختلف العلماء على أقوال: القول الأول: إن الرجعة لا تحصل بالفعل، فلا تحصل إلا بالقول. وهذا قول الشافعي وهو قول ابن حزم. أ- لان إعادة الزوجية بعد الطلاق إنشاء للزواج من وجه، فلا بد من القول. ب- أن الله سمى الرجعة رداً (وبعولتهن أحق بردهن … ) والرد إنما يكون بالكلام دون الفعل. القول الثاني: أن مجرد الوطء يكفي ولو لم ينو. وهذا مذهب الحنفية. أ-لأنه استباح منها ما لا يستباح. ب-لقوله (مره فليراجعها) فلم يخص قولاً من فعل، ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل. القول الثالث: يصح بشرط نية الرجوع. (أن يجامعها بنية الرجعة). وهذا قول مالك، واختاره ابن تيمية. لعموم (إنما الأعمال بالنيات).

стр. 2711

لأن المرتجع الواطئ إذا نوى بوطئه إحداث الرجعة حصلت له كما نواها، وإن وطئ دون نية الرجعة فلا تكون رجعة لانتفاء شرطها وهو النية. والراجح تحصل بالوطء مع نية المراجعة، واختاره ابن تيمية. قال السعدي: وإن كان قد طلقها رجعياً فلا يخلو إما أن تكون العدة قد فرغت فلا تحل له إلا بنكاح جديد مجتمعة فيه شروطه، وإما أن تكون في العدة، فإن قصد بالوطء الرجعة: صارت رجعة وصار الوطء مباحاً، وإن لم يقصد به الرجعة: فعلى المذهب تحصل به الرجعة، وعلى الصحيح: لا تحصل به رجعة، فعليه: يكون الوطء محرَّماً. وقال ابن عثيمين: القول الثاني: أنها لا تحصل الرجعة بالوطء إلا بنية المراجعة؛ لأن مجرد الوطء قد يستبيحه الإنسان في امرأة أجنبية مثل الزنا، فهذا الرجل قد تكون ثارت شهوته عليها، أو أنه رآها متجملة وعجز أن يملك نفسه فجامعها، وما نوى الرجعة، ولا أرادها، ولا عنده نية أن يرجع لها، فعلى هذا القول لا تحصل الرجعة بالوطء إلا بنية الرجعة، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن الوطء قد يكون عن رغبة في إرجاعها فيكون نية إرجاع، وقد يكون لمجرد الوطء والشهوة فلا يدل على الإرجاع .... إلى أن قال: فالصواب أن الرجعة لا تحصل بمجرد الوطء إلا إن كان من نيته أنه ردها، وأنه استباحها على أنها زوجة، فإذا كان كذلك فهذه مراجعة، لكن على هذا القول لو أنه جامعها بغير نية الرجوع، وأتت بولد من هذا الجماع، فهل يكون ولدا له؟ الجواب: نعم، يكون ولداً له، لأن هذا الوطء وطء شبهة، لأنها زوجته ولم تخرج من عدتها، ولا يحد عليه حد الزنا، وإنما يعزر عليه تعزيراً. (الشرح الممتع)

стр. 2712

(وَيُسنّ الإِشهاد). أي: يسن للزوج إذا أراد أن يرجع زوجته في العدة أن يشهد على ذلك. وقد اتفق العلماء على استحباب الإشهاد. قال ابن قدامة: ولا خلاف بين أهل العلم في أن السنة الإشهاد. لكن اختلف العلماء هل هو واجب أم لا على قولين: القول الأول: أنه واجب. وهو قول الشافعي في القديم وابن حزم ونقله ابن كثير عن عطاء. أ- لقوله تعالى (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) والضمير يعود على الطلاق والرجعة. ب- أثر عمران بن الحصين (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اَلرَّجُلِ يُطَلِّقُ، ثُمَّ يُرَاجِعُ، وَلَا يُشْهِدُ? فَقَالَ: أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا). ج- ولما يترتب على ذلك من المصلحة، من عدم الإنكار، فإذا كان الزوج قد أشهد على الرجعة فلا تستطيع الزوجة أن تنكر. القول الثاني: أنه مستحب. وهذا مذهب الحنفية في المشهور عنهم، والشافعي في قوله الجديد، ومالك، وأحمد في أشهر الروايتين عنه. أ- لحديث ابن عمر (مره فليراجعها) ولم يذكر الإشهاد والمقام مقام بيان. ب-ولأنها لا تفتقر إلى قبول فلم تفتقر إلى شهادة.

стр. 2713

قال ابن قدامة: وهي اختيار أبي بكر، وقول مالك، وأبي حنيفة; لأنها لا تفتقر إلى قبول، فلم تفتقر إلى شهادة، كسائر حقوق الزوج، ولأن ما لا يشترط فيه الولي لا يشترط فيه الإشهاد، كالبيع، وعند ذلك يحمل الأمر على الاستحباب، ولا خلاف بين أهل العلم، في أن السنة الإشهاد. (المغني). والراجح القول بالاستحباب، والقول بالوجوب قول قوي: أ-لأن فيه قطعاً للنزاع فيما لو ادعت الزوجة أنه لم يراجع. ب-ولأن فيه احتياطاً والنكاح ينبغي فيه الاحتياط. وأما أثر عمران بن حصين فلا يدل على الوجوب لأمور: أولاً: أنه من قول الصحابي واجتهاده. ثانياً: مما يؤكد تضعيف هذا الاستدلال، أن عمران بن حصين قد أمر السائل بأن يشهد على أمرين: الطلاق والرجعة، والإجماع منعقد على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق. ثالثاً: أن الأمر الوارد في أثر عمران قد خرج مخرج الحث والتشديد، وذلك أن المقام مقام إفتاء، وإلا فقد ثبت عن عمران - في الخبر نفسه - أنه أجاب السائل بقوله: طلقت لغير السنة، ورجعت لغير السنة، فهذا اللفظ مفهومه أن الإشهاد على الطلاق والرجعة سنة. (أحكام الرجعة).

стр. 2714

(وَهِيَ زَوْجَةٌ، لَهَا وَعَلَيْهَا حُكْمُ الزَّوْجَاتِ، لَكِنْ لَا قَسْمَ لَهَا). أي: أن المطلقة الرجعية - ما دامت في العدة - حكمها حكم الزوجات من وجوب النفقة والكسوة والمسكن، ويرث كل منهما صاحبه إذا مات في العدة أ-لقوله تعالى (وبعولتهن أحق بردهن) فسماهم بعولة، والبعل الزوج. ب- ولأن الصحابة أجمعوا على توريث الرجعية، وهذا دليل على أنها زوجة. قال ابن قدامة: وإذا مات زوج الرجعية، استأنفت عدة الوفاة، أربعة أشهر وعشراً، بلا خلاف. وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك. وذلك لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه، وينالها ميراثه، فاعتدت للوفاة، كغير المطلقة. … (المغني). قال ابن القيم: ومما يُبيِّن الفرق بين عدة الرجعية والبائن: أن عِدَّة الرجعية لأجل الزوج، وللمرأة فيها النفقة والسكنى باتفاق المسلمين. (زاد المعاد). وجاء في (الموسوعة الفقهية) الْمُعْتَدَّةُ عَنْ طَلاقٍ رَجْعِيٍّ تُعْتَبَرُ زَوْجَةً؛ لأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ قَائِمٌ، فَكَانَ الْحَالُ بَعْدَ الطَّلاقِ كَالْحَالِ قَبْلَهُ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ جَمِيعًا عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى فِيهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ). فائدة: حكم بقاء المطلقة الرجعية في بيت زوجها: يجب على المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً أن تبقى في بيت زوجها، ويحرم على زوجها أن يخرجها منه. لقوله تعالى: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).

стр. 2715

وما عليه الناس الآن من كون المرأة إذا طلقت طلاقاً رجعياً تنصرف إلى بيت أهلها فوراً هذا خطأ ومحرم، لأن الله قال: (لا تُخْرِجُوهُنَّ)، (وَلا يَخْرُجْنَ)، ولم يستثن من ذلك إلا إذا أتين بفاحشة مبيّنة، ثم قال بعد ذلك: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ). ثم بيّن الحكمة من وجوب بقائها في بيت زوجها بقوله: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) فقد يكون بقاؤها في البيت سبباً لتراجع الزوج عن الطلاق، فيراجعها، وهذا أمر مقصود ومحبوب للشرع. قال القرطبي ﵀: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) أي ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدة، ولا يجوز لها الخروج أيضا لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدة. والرجعية والمبتوتة في هذا سواء. وهذا لصيانة ماء الرجل. وهذا معنى إضافة البيوت إليهن؛ كقوله تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) وقوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) فهو إضافة إسكان وليس إضافة تمليك. وقوله: (لا تُخْرِجُوهُنَّ) يقتضي أن يكون حقا في الأزواج. ويقتضي قوله: (وَلا يَخْرُجْنَ) أنه حق على الزوجات. انتهى. فائدة: ٢ الذي يجوز للمطلقة الرجعية في أثناء العدة مع زوجها: قال الشيخ ابن عثيمين: لها أن تكشف له وأن تتزين وأن تتجمل وأن تتطيب وأن تكلمه ويكلمها وتجلس معه وتفعل كل شيء ما عدا الاستمتاع بالجماع أو المباشرة فإن هذا إنما يكون عند الرجعة وله أن يرجعها بالقول فيقول راجعت زوجتي وله أن يراجعها بالفعل فيجامعها بنية المراجعة. " انتهى من "فتاوى إسلامية".

стр. 2716

(لَكِنْ لَا قَسْمَ لَهَا). أي: لكن يستثنى شيء واحد: وهو القسم، فلا يقسم لها. أي: لو كان له زوجات أُخَر، فليس لها حق في القسْم، لأنها مطلقة. (ولا تصحُّ مُعلقةً بشرطٍ). أي: لا يصح أن تكون الرجعة معلقة بشرط. مثال: أن بقول إذا جاء آخر الشهر راجعتكِ، أو إن قدم زيد راجعتك. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصح تعليقها.

стр. 2717

(فَإِذَا طَهَرَتْ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَمْ تَغْتَسِلْ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا). أي: إذا طهرت الرجعية من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فلزوجها أن يراجعها. أ- وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود … ، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، فيكون إجماعاً. ولأن أكثر أحكام الحيض لا تزول إلا بالغسل، وكذلك هذا. (المغني). ورجحه الشيخ ابن عثيمين. وذهب بعض العلماء: إلى أنه ليس له رجعتها. لقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، والقرء: الحيض، وقد زالت، فيزول التربص. (وَإِنْ فَرَغَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ رَجْعَتِهَا بَانَتْ وحَرُمَتْ قَبْلَ عَقْدٍ جَدِيدٍ). أي: إذا فرغت من العدة ولم يراجعها فقد بانت منه، ولا يقدر على مراجعتها إلا بعقد جديد. وهذا بالإجماع. قال تعالى (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) أي في العدة، فمفهوم الآية أنها إذا فرغت عدتها لم تبح إلا بعقد جديد بشرطه. (وتعودُ على ما بقي مِن طَلَاقِها، ولو نَكَحَتْ غيره). أي: إذا طلق الرجل زوجته دون ما يملك من العدد، بأن طلقها واحدة أو اثنتين، فإذا راجعها في أثناء العدة، أو أن العدة انتهت وتزوجها بعقد جديد، فإنه يعود على ما بقي من طلاقها، ولا تلتغي الطلقات السابقة.

стр. 2718

(ولو نَكَحَتْ غيره). أي: حتى ولو تزوجت. فلو أنه طلقها طلقتين، ثم انتهت عدتها، ثم تزوجت رجلاً ثم طلقها، ثم عاد الزوج الأول وعقد عليها، فإنه يعود على ما بقي له، وهنا بقي له طلقة واحدة. الخلاصة: أولاً: لا خلاف بين الفقهاء أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً ثم تزوجت غيره بعد انتهاء عدتها من الأول، ثم طلقها الثاني بعد الدخول بها أنها ترجع إلى الأول بعد انتهاء عدتها من الثاني بثلاث تطليقات. وحكم الإجماع ابن المنذر وغيره. ثانياً: لا خلاف بين الفقهاء أن الرجل إذا طلق زوجته بما دون الثلاث ثم عادت إليه برجعة أو نكاح جديد قبل زوج ثانٍ فإنها ترجع إليه على ما بقي من طلاقها. قال ابن قدامة: وَإِنْ رَغِبَ مُطَلِّقُهَا فِيهَا فَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ يَتَزَوَّجُهَا بِرِضَاهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَتَرْجِعُ إلَيْهِ بِطَلْقَتَيْنِ وَإِنْ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْم. ثالثاً: وقع الخلاف بين الفقهاء: فيما إذا طلق الرجل زوجته بأقل من ثلاث، وانتهت عدتها منه، ثم تزوجت غيره ودخل بها، ثم طلقها أو مات عنها، وانتهت عدتها من الثاني، ثم تزوجها الأول، فهل يستأنف الأول ثلاث طلقات أو تكون عنده على ما بقي من الثلاث على قولين: القول الأول: أنها تكون عنده على ما بقي من الثلاث، فإن طلقها واحدة بقي له طلقتان، وإن طلقها اثنتين بقي له واحدة. وهذا قول الجمهور.

стр. 2719

قال ابن قدامة: وَهَذَا قَوْلُ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُبَيٍّ وَمُعَاذٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُبَيْدَةُ وَالْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَابْنُ الْمُنْذِر. أ- لأنه الوارد عن كبار الصحابة كعمر وعلي وعمران. عن عمر بن الخطاب قال (أيما امرأة طلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين ثم تركها حتى تحل وتنكح زوجا غيره فيموت عنها أو يطلقها ثم ينكحها زوجها الأول فإنها تكون عنده على ما بقي من طلاقها) رواه مالك في الموطأ. قال مالك: وعلى ذلك السنة عندنا التي لا اختلاف فيها. ب- ولأَنَّ وَطْءَ الثَّانِي لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْإِحْلَالِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ فَلَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الطَّلَاقِ كَوَطْءِ. ج- وَلِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الثَّلَاثِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَتْ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْءِ الثَّانِي. القول الثاني: أنه يستأنف ثلاث طلقات. وهذا مذهب الحنفية. (وَإِنِ ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُهَا فِيهِ، أَوْ بِوَضْعِ الحَمْلِ المُمْكِنِ، وَأَنْكَرَهُ فَقَوْلُهَا). أي: إذا ادعت المرأة انقضاء عدتها فالقول قولها بشرط أن يكون في زمن يمكن انقضاؤها فيه. لأنه أمر لا يعرف إلا من قِبلها، فقبل قولها فيه. قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا، فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُهَا فِيهَا، قُبِلَ قَوْلُهَا. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ). فَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهُنَّ مَقْبُولٌ، لَمْ يُحْرِجْنَ بِكِتْمَانِهِ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ تَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهِ، كَالنِّيَّةِ مِنْ الْإِنْسَانِ فِيمَا تُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ، أَوْ أَمْرٍ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ. … (المغني).

стр. 2720

فائدة: ١ ما الحكم إذا ادعى الزوج بعد انقضاء عدتها أنه قد راجعها فأنكرته؟ الحكم: إن كان الزوج له بيّنه حُكم له بها. وإن لم يكن له بيّنة فالقول قولها. أ- لأن الأصل عدم الرجعة. ب-ولأن جانب العدد يرجح على جانب الزوج. فائدة: ٢ الحكم إذا راجع الرجل زوجته بالعدة وهي لا تعلم، وبعد انقضاء عدتها تزوجت؟ لو أن المرأة تزوجت بعد انقضاء عدتها، ثم ادعى زوجها الأول أنه راجعها دون علمها، وأقام البينة على ذلك: رُدت إليه. قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ إذَا رَاجَعَهَا، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ، صَحَّتْ الْمُرَاجَعَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى رِضَاهَا، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى عِلْمِهَا كَطَلَاقِهَا. فَإِذَا رَاجَعَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ جَاءَ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، ثَبَتَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَأَنَّ نِكَاحَ الثَّانِي فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ غَيْرِهِ، وَتُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵀ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، إنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَيَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَوَّلِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. … (المغني).

стр. 2721

باب الإيلاء (الإيلاء أن يحلفَ على ترك وطء زوجتهِ أبداً أو مدة تزيد على أربعة أشهر). الإيلاء لغة: الحلف. واصطلاحاً: حلف زوج على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر. مثال: كأن يقول لزوجته: والله لا أطأكِ خمسة أشهر. فقوله (حلف) أن يحلف بالله أو بصفة من صفاته على ترك الوطء. فإن حلف على ترك الوطء بغير ذلك، مثل أن يحلف بالطلاق أو العتق كأن يقول: إن وطئتك فأنتِ طالق، أو فلله عليّ صوم شهر، فقد اختلف العلماء هل يكون مولٍ أم لا؟ والجمهور أنه يكون إيلاء، وقد روي عن ابن عباس أنه قال (كل يمين منعت جماعاً فهي إيلاء). وقوله (على ترك وطء) هذا الشرط الثاني، أن يحلف على ترك الجماع في القبل، فلو حلف أن لا يباشر زوجته لمدة سنة ونيته المباشرة دون الفرج، فليس بمولٍ. وقوله (زوجته) هذا الشرط الثالث، وهو أن يكون المحلوف عليها زوجته، سواء كانت مدخولاً بها أم غير مدخول. لقوله تعالى (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ). ولأن غير الزوجة لا حق لها في وطئه فلا يكون مولياً عنها، فلو حلف على ترك وطء أجنبية ثم نكحها لم يكن مولياً لذلك.

стр. 2722

قوله (أكثر من أربعة أشهر) هذا الشرط الرابع. وهو أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر، ولا خلاف في ذلك أنه إيلاء، فإن حلف على أربعة أشهر فما دونها لم يكن مولياً، ولا يتعلق به أحكام الإيلاء، لقوله تعالى (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فجعل الله للزوج تربص أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر فما دونها فلا معنى للتربص، لأن مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك أو مع انقضائه، وتقدير التربص بأربعة أشهر يقتضي كونه في مدة يتناولها الإيلاء، وهو ما كان أكثر من أربعة أشهر. واختار بعض العلماء - ومنهم الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنه إذا حلف على ترك الوطء أربعة أشهر أو أقل فإنه يعتبر إيلاء، لأن الله قال (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) فأثبت الله الإيلاء، لكن جعل المدة التي ينظرون فيها أربعة أشهر، فلو قال: والله لا أجامع زوجتي ثلاثة أشهر، فإن هذا مولٍ، لأنه حلف أن لا يجامعها، ولكننا لا نقول له شيئاً الآن، لأنه إذا تمت المدة انحلت اليمين. فائدة: حكم الإيلاء: إن كان فوق أربعة أشهر فإنه حرام وإن كان دونها فهو جائز للمصلحة. وقد ثبت في البخاري عن أنس (أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهراً). ومعنى إيلاء النبي ﷺ هنا: اعتزال نساءه شهراً. (فإذا طلبت الزوجة حقَّها من الوطء أُمِرَ بوطئِها). أي: إذا طلبت الزوجة حقها من الوطء، فإنه يؤمر بذلك. لأن في عدم ذلك إضراراً بالزوجة.

стр. 2723

(وضربت له أربعة أشهر). أي: إذا رفض الرجوع والفيئة للوطء، وطلبت المرأة حقها، فإن القاضي يضرب له أربعة أشهر. لقوله تعالى (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وقد اختلف العلماء متى تبدأ مدة الإيلاء؟ فقيل: تبدأ من المطالبة. وقيل: تبدأ من الإيلاء، وهذا هو الصحيح. لقوله تعالى (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فجعل الله التربص مقروناً بالوصف وهو الإيلاء، ويثبت هذا الوصف من اليمين، لأنه من حين أن يحلف يصدق عليه بأنه مولي. مثال: فإذا آلى في اليوم (٢٧) من شهر محرم، ولم تطالبه إلا في (٢٧) من شهر ربيع الأول، فيكون مضى عليه شهران، فهل تبدأ المدة من (٢٧) محرم أو من (٢٧) ربيع الأول؟ تبدأ من (٢٧) محرم ويكون بقي له شهرين. (فإذا وطئ كفّر كفارة يمين). أي: إذا مضت المدة وهي أربعة أشهر، ورجع وفاء وجامع، فإنه يكفر كفارة يمين عن يمنيه. لقوله (فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (فَإِنْ فَاءُوا) أي رجعوا إليهن بالجماع. فائدة: ١ فإن وطئ في الدبر فما فاء، لأن الوطء في الدبر حرام، ولا يسمى جماعاً، لأنه لا يحصل به كمال الاستمتاع. فائدة: ٢ أو بما دون الفرج كالفخذين فما فاء، لأن هذا ليس جماعاً تحصل به كمال اللذة.

стр. 2724

(وإن امتنع ألزم بالطلاق). أي: بعد مضي أربعة أشهر - إن لم يرجع للجماع - يأمره القاضي بالطلاق إذا طلبت الزوجة ذلك، لأن الحق لها، وأما إذا لم تطلب المرأة الطلاق فلا يجوز للحاكم أن يأمره. عَنِ اِبْنِ عُمَر قَالَ: (إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَقَفَ اَلْمُؤْلِي حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اَلطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ) أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِي. فائدة: ١ ذهب جمهور العلماء إلى أن الزوجة لا تطلق بمجرد مضي المدة، وإنما يخير بين الرجوع أو الطلاق إذا طلبت الزوجة. وذهب بعض العلماء: إلى أنه بمجرد مضي المدة تطلق المرأة من زوجها، وهذا القول ضعيف. فائدة: ٢ إن ترك الوطء إضراراً بها بلا يمين ولا عذر. فقال بعضهم: يعتبر إيلاء، وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي، لا يكون مولياً، وهذا القول هو الصحيح. وإنما يطالب بالمعاشرة بالمعروف وإلا تملك الفسخ أو الطلاق. فائدة: ٣ هل إذا طلق الحاكم يكون طلاقاً بائناً أم رجعياً؟ قيل: إذا فرق الحاكم بينهما فإنه يكون طلاقاً رجعياً. وهذا قول الجمهور. وقيل: يكون طلاقاً بائناً. لأنه طلاق شرع لرفع الضرر عن المرأة. والأول أصح.

стр. 2725

كتاب الظهار (والظهار أن يقول لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي). هذا تعريف الظهار، وهو أن يقول لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي. مثال: أن يقول الرجل لامرأته أنتِ عليّ كظهر أمي. قال في المغني: والظِّهَارُ: مُشْتَقُّ مِنْ الظَّهْرِ، وَإِنَّمَا خَصُّوا الظَّهْرَ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَرْكُوبٍ يُسَمَّى ظَهْرًا، لِحُصُولِ الرُّكُوبِ عَلَى ظَهْرِهِ فِي الْأَغْلَبِ، فَشَبَّهُوا الزَّوْجَةَ بِذَلِكَ. فائدة: ١ وقد ذكر المفسرون أن آيات الظهار نزلت في أوس بن الصامت الأنصاري الخزرجي، لما ظاهر من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة، فأرادها فأبت عليه حتى تأتي النبي ﷺ ، فجاءت النبي ﷺ وجعلت تجادله، والنبي ﷺ يحاورها، والله يسمع ذلك، فأنزل الله الآيات من أول سورة المجادلة. فائدة: ٢ قوله (أن يقول لزوجته) يَصِحُّ الظِّهَار مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً، مُمْكِنًا وَطْؤُهَا أَوْ غَيْرَ مُمْكِنٍ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. أ- لعُمُومُ الْآيَةِ. ب- وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلَاقُهَا، فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا، كَغَيْرِهَا.

стр. 2726

فائدة: ٣ قوله (أن يقول لزوجته) فيه أن الظهار يكون من الزوجة، فلا يصح من أجنبية. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي. أ- لقوله تعالى (والذين يظاهرون من نسائهم) والأجنبية ليست من نسائه. ب-وَلِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِحُكْمِهَا مُقَيَّدًا بِنِسَائِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا فِي الْأَجْنَبِيَّة. وذهب بعض العلماء: إلى انه يصح الظهر من الأجنبية. وهذا قول مالك وهو المذهب. فإذا قال لأجنبية: أنتِ عليّ كظهر أمي، فإنه لا يطؤها إذا تزوجها حتى يكفّر. لأنها يمين مكفّرة فصح انعقادها قبل النكاح. وأجاب هؤلاء عن الآية بأنها خرجت مخرج الغالب. قال ابن قدامة: أَمَّا الْآيَةُ، فَإِنَّ التَّخْصِيصَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُظَاهِرُ مِنْ نِسَائِهِ، فَلَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِهِنَّ. (المغني). فائدة: ٤ قوله (كظهر أمي) من شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ فهو ظهار وهو على ثلاث أضرب: الضرب الأول: إذا شبه زوجته بأمه، كأنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَهَذَا ظِهَارٌ إجْمَاعًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ تَصْرِيحَ الظِّهَارِ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيِّ. وَفِي حَدِيثِ خُوَيْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ.

стр. 2727

الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُشَبِّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ، كَجَدَّتِهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ وَأُخْتِهِ. فَهَذَا ظِهَارٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قال ابن قدامة مستدلاً لهذا القول: أ- وَلَنَا أَنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ بِالْقَرَابَةِ، فَأَشْبَهْنَ الْأُمَّ فَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ قَالَ فِيهَا (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا). وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَجَرَى مَجْرَاهُ. ب- وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْأُمِّ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهَا إذَا كَانَتْ مِثْلَهَا. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يُشَبِّهَهَا بِظَهْرِ مِنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ سِوَى الْأَقَارِبِ، كَالْأُمَّهَاتِ الْمُرْضِعَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَحَلَائِلِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَالرَّبَائِبِ اللَّائِي دَخَلَ بِأُمِّهِنَّ، فَهُوَ ظِهَارٌ أَيْضًا. وَالْخِلَافُ فِيهَا كَالَّتِي قَبْلَهَا. فائدة: ٥ اختلف العلماء: إذَا شَبَّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا؛ كَأُخْتِ امْرَأَتِهِ، وَعَمَّتِهَا. فقيل: لا يكون ظهاراً. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِهَا ظِهَارًا. وقيل: يكون ظهاراً. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَقَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ. لأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمُحَرَّمَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِالْأُمِّ. وهذا ظاهر اختيار ابن قدامة.

стр. 2728

فائدة: ٦ أذا قال لزوجته: أنتِ عليّ كأبي يريد تحريمها؟ فقيل: يكون ظهاراً. وقيل: ليس بظهار. وهذا قول جمهور العلماء. لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل لاستمتاع الرجال. فائدة: ٧ إذا قال لزوجته أنتِ عندي أو مني كظهر أمي فإنه يعتبر ظهاراً. لأنه بمنزلة [عليّ]، لأن هذه الألفاظ بمعناها. قال ابن قدامة: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي. أَوْ: مِثْلُ أُمِّي. وَنَوَى بِهِ الظِّهَارَ، فَهُوَ ظِهَارٌ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ; مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَإِنْ نَوَى بِهِ الْكَرَامَةَ وَالتَّوْقِيرَ، أَوْ أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي الْكِبَرِ، أَوْ الصِّفَةِ، فَلَيْسَ بِظِهَارٍ. وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّته. (المغني) سئل شيخ الإسلام: عن رَجُلٍ قَالَ لامْرَأَتِهِ: أَنْت عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي، وَأُخْتِي؟ فَأَجَابَ: "إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي وَأُخْتِي فِي الْكَرَامَةِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ يُشَبِّهُهَا بِأُمِّهِ وَأُخْتِهِ فِي " بَابِ النِّكَاحِ " فَهَذَا ظِهَارٌ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ فَإِذَا أَمْسَكَهَا فَلا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ ظِهَار.

стр. 2729

فائدة: ٧ إذا قال الرجل لزوجته: إن فعلت كذا أو إن لم تفعلي كذا، فأنت حرام علي كأمي، أو تكونين حراما كأمي، أو كظهر أمي، فهذا ظهار معلق على شرط، والجمهور على أنه إن وقع الشرط وقع الظهار. (وهو محرّم). أي: الظهار حرام. أ- لقوله تعالى (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً). [منكراً] أي: حرام. [وزوراً] أي كذب، لأن إخبار الرجل عن زوجته أنها أمه كذب. ب- ولحديث ابن عباس (أن رجلاً ظاهر من امرأته، ثم وقع عليها، فأتى النبي ﷺ فقال: إني وقعتُ عليها قبل أن أكفرَ، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله) رواه أبو داود. وجه الدلالة على التحريم: أنه أمِر بالكفارة. وقد نقل الصنعاني الإجماع على تحريمه. (ولا تحرمُ الزوجة به). أي: لا يصير الظهار طلاقاً. أ- لقوله تعالى (. . . فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) ولو كان طلاقاً لم تحلها الكفارة. ب- وأيضاً لو جعلناه طلاقاً لكنا قد وافقنا حكم الجاهلية، لأنهم في الجاهلية يجعلون الظهار طلاقاً.

стр. 2730

(وإنْ قالتْهُ لزوجها فليس بظهارٍ، وعليها كفارَتُه). أي: إذا قالت المرأة لزوجها أنتَ علي كظهر أبي فليس بظهار. وهذا قول أكثر العلماء. لأن الله خصه بالرجال دون النساء بقوله (والذين يظاهرون منكم من نسائهم … ). لكن عليها: عليها كفارته، أي: كفارة الظهار. وذهب بعض العلماء: إلى أنها عليها كفارة يمين. وهذا الراجح. (ويصح منجزاً ومعلقاً ومطلقاً ومؤقتاً). أي: يصح الظهار أن يكون: منجزاً: كأن يقول أنتِ عليّ كظهر أمي. ومعلقاً: كأن يقول: إن قمتِ فأنت علي كظهر أمي، إن كلمت زيداً فأنت علي كظهر أمي. ومؤقتاً: كأن يقول أنتِ عليّ كظهر أمي شهر رمضان. قال ابن قدامة: وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُؤَقَّتًا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرًا، أَوْ حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ. فَإِذَا مَضَى الْوَقْتُ زَالَ الظِّهَارُ، وَحَلَّتْ الْمَرْأَةُ بِلَا كَفَّارَةٍ، وَلَا يَكُونُ عَائِدًا إلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.

стр. 2731

لحَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَقَوْلُهُ (ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ) وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ أَصَابَهَا فِي الشَّهْرِ، فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ. وَلَمْ يَعْتَبِرْ عَلَيْهِ تَقْيِيدَهُ، وَلِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهَا بِيَمِينٍ لَهَا كَفَّارَةٌ، فَصَحَّ مُؤَقَّتًا كَالْإِيلَاءِ. … (المغني). ومثّل الشيخ ابن عثيمين ﵀ للظهار المؤقت بقوله: وهذا ربما يجري ويحصل من الإنسان أن يغضب من زوجته لإساءة عشرتها فيقول: أنت علي كظهر أمي كل هذا الأسبوع، أو كل هذا الشهر، أو ما أشبه ذلك، فهذا يصح ظهاراً، وليس معنى قولنا: "إنه يصح" أنه يحِل، بل المعنى أنه ينعقد. فإذا مضت المدة التي وقّت بها الظهار وجامعها بعد مضي الوقت لا تجب الكفارة؛ لأن المدة انتهت فزال حكم الظهار. فإن وطئ الزوج زوجته في الوقت الذي وقّت فيه الظهار وجبت عليه الكفارة، وإن فرغ الوقت ووطئ بعد الفراغ زال الظهار. (الشرح الممتع)

стр. 2732

جاء في (الموسوعة الفقهية) الأْصْل فِي الظِّهَارِ إِنْ أَطْلَقَهُ أَنْ يَقَعَ مُؤَبَّدًا، فَإِنْ أَقَّتَهُ كَأَنْ يُظَاهِرَ مِنْ زَوْجَتِهِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الأْظْهَرِ إِلَى أَنَّهُ يَقَعُ مُؤَقَّتًا، وَلَا يَكُونُ الْمُظَاهِرُ عَائِدًا إِلاَّ بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتِ الْمُدَّةُ سَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ، وَبَطَل الظِّهَارُ عَمَلاً بِالتَّأْقِيتِ؛ لأِنَّ التَّحْرِيمَ صَادَفَ ذَلِكَ الزَّمَنَ دُونَ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْقَضِيَ بِانْقِضَائِهِ. وَلأِنَّ الظِّهَارَ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْل وَزُورٌ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ كَالظِّهَارِ الْمُعَلَّقِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي غَيْرِ الأْظْهَرِ إِلَى أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَقْبَل التَّأْقِيتَ، فَإِنْ قَيَّدَهُ بِوَقْتٍ تَأَبَّدَ كَالطَّلَاقِ، فَيُلْغَى تَقْيِيدُهُ، وَيَصِيرُ مُظَاهِرًا أَبَدًا لِوُجُودِ سَبَبِ الْكَفَّارَةِ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَهُمْ أَنَّ الظِّهَارَ الْمُؤَقَّتَ لَغْوٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَبِّدِ التَّحْرِيمَ فَأَشْبَهَ مَا إِذَا شَبَّهَهَا بِامْرَأَةٍ لَا تَحْرُمُ عَلَى التَّأْبِيد. (الموسوعة). (وَيَحْرُمُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ وَطْءٌ وَدَوَاعِيهِ مِمَّنْ ظَاهَرَ مِنْهَا). أي: يحرم على المظاهر وطء زوجته حتى يخرج الكفارة. أ-لقوله تعالى (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا .. ) أي: من قبل أن يمس أحدهما الآخر بالجماع. ب- ولحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال للمظاهر (فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به). فالإخراج شرط لحل الوطء. فإذا كفّر زال حكم التحريم. فائدة: ١ قوله (قبل أَنْ يُكَفِّرَ) لا فرق بين أن تكون الكفارة عتقاً، أو صوماً، أو إطعاماً.

стр. 2733

فائدة: ٢ قال السعدي: لعل الحكمة في وجوب الكفارة قبل المسيس، أن ذلك أدعى لإخراجها، فإنه إذا اشتاق إلى الجماع، وعلم أنه لا يمكّن من ذلك إلا بعد الكفارة بادر إلى إخراجها. فائدة: ٣ الصحيح من أقوال العلماء فيمن جامع امرأته قبل الكفارة: أنها لا تسقط عنه، ولا تتضاعف عليه، بل تلزمه الكفارة ذاتها، مع وجوب التوبة، والكف الفوري عن جماعها حتى يكفِّر قال ابن القيم: الكفارة لا تسقُط بالوطء قبلَ التكفير، ولا تتضاعف، بل هي بحاله، كفارةٌ واحدة، كما دل عليه حكمُ رسول الله ﷺ الذي تقدم، قال الصلتُ بنُ دينار: سألتُ عشرة مِن الفقهاء عن المظاهر يُجامع قبل أن يُكفر، فقالوا: كفارة واحدة، قال: وهم الحسنُ، وابنُ سيرين، ومسروق، وبكر، وقتادة، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وعكرمة، قال: والعاشر: أراه نافعاً، وهذا قولُ الأئمة الأربعة. (زاد المعاد). (وَدَوَاعِيهِ). أي: دواعي الوطء: كالتقبيل، والنظر إليها بشهوة، وتكراره، والضم، فهذه أيضاً تحرم. أ-أخذاً بعموم الآية. ب- والنظر يقتضي ذلك: فإن لفظ المظاهر يقتضي ذلك: فإنه قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، وهذا يقتضي المنع من الدواعي، لأن الدواعي محرمة عليه تجاه أمه، وقد شبه امرأته بأمه. ج- ولأن القبلة والمس ونحوهما من ذرائع الوطء. وذهب بعض العلماء: إنه لا يحرم. قالوا: لأن لفظ المسيس كناية عن الجماع، فيقتصر عليه. والراجح الأول.

стр. 2734

فصل (كَفَّارَتُهُ عِتْقُ رَقَبةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً). أي: وكفارة الظهارة: عتق رقبة، فإن يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. والدليل على ذلك: قال تعالى (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا). عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ قَالَ: ابْنُ الْعَلَاءِ الْبَيَاضِيُّ قَالَ: كُنْتُ امْرَأً أُصِيبُ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُ غَيْرِي، فَلَمَّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ خِفْتُ أَنْ أُصِيبَ مِنَ امْرَأَتِي شَيْئًا يُتَابَعُ بِي حَتَّى أُصْبِحَ، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَبَيْنَا هِيَ تَخْدُمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ، إِذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ نَزَوْتُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ خَرَجْتُ إِلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ، وَقُلْتُ امْشُوا مَعِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا: لَا وَاللَّهِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ؟ قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ مَرَّتَيْنِ وَأَنَا صَابِرٌ لِأَمْرِ اللهِ، فَاحْكُمْ فِيَّ مَا أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ: حَرِّرْ رَقَبَةً، قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَهَا، وَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي، قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلاَّ مِنَ الصِّيَامِ، قَالَ: فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا) رواه أبو داود.

стр. 2735

أولاً: عتق رقبة. [أي تخليصها من الرق]. أولاً: قال ابن قدامة: أَنَّ كَفَّارَةَ الْمُظَاهِرِ الْقَادِرِ عَلَى الْإِعْتَاقِ، عِتْقُ رَقَبَةٍ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. ثانياً: يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة. وهذا مذهب جمهور العلماء. أ- حملاً للمطلق هنا على المقيد في آية القتل ب- ولحديث الجارية (قال لها رسول الله: أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم. وجه الدلالة: أنه علل جواز إعتاقها عن الرقبة بأنها مؤمنة فدل على أنه لا يجزئ عن الرقبة التي عليه إلا مؤمنة. ثالثاً: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا رَقَبَةٌ سَالِمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَمْلِيكُ الْعَبْدِ مَنَافِعَهُ، وَيُمْكِنُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا مَعَ مَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا، فَلَا يُجْزِئُ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ فِي أَكْثَرِ الصَّنَائِعِ، وَلَا الْمُقْعَدُ، وَلَا الْمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ آلَةُ الْبَطْشِ، فَلَا يُمْكِنْهُ الْعَمَلُ مَعَ فَقْدِهِمَا، وَالرِّجْلَانِ آلَةُ الْمَشْيِ، فَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعَمَلِ مَعَ تَلَفِهِمَا، وَالشَّلَلُ كَالْقَطْعِ فِي هَذَا. وَلَا يُجْزِئُ الْمَجْنُونَ جُنُونًا مُطْبِقًا، لِأَنَّهُ وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَيَانِ، ذَهَابُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَحُصُولُ الضَّرَرِ بِالْعَمَلِ. وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي. (المغني).
следующие страницы →