Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
ب- لقوله ﷺ (أتردين عليه حديقته).
ج- أن الخلع عقد معاوضة، فإذا لم يكن فيه عوض خرج عن أصله فلم يصح.
د- ثم إن أخْذ الزوج للفداء فيه إنصاف وعدل، لأنه هو الذي دفع المهر وقام بتكاليف الزواج، ثم قابلت هذا الزوجة بالجحود والنكران. فمن العدل أن يُعطَى ما أعطى.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصح بدون عوض ورضي بعدم بذل العوض صح.
قال شيخ الإسلام ﵀: ويصح الخلع بغير عوض، وتقع به البينونة إما طلاقًا، وإما فسخًا على إحدى القولين، وهذا مذهب مالك المشهور عنه في رواية ابن القاسم، وهو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها الخرقي.
وهذا القول له مأخذان:
أحدهما: أن الرجعة حق للزوجين، فإذا تراضيا على إسقاطها سقطت.
والثاني: أن ذلك فرقة بعوض؛ لأنها رضيت بترك النفقة والسكن ورضي هو بترك استرجاعها. وكما أن له أن يجعل العوض إسقاط ما كان ثابتًا لها من الحقوق كالدين، فله أن يجعله إسقاط ما ثبت لها بالطلاق، كما لو خالفها على نفقة الولد. وهذا قول قوي وهو داخل في النفقة من غيره. (انتهى).
стр. 2662
قالوا: إن الخلع قطع للنكاح فصح من غير عوض كالطلاق.
ولأن المقصود من الخلع تخليص الزوجة نفسها وقد حصل هذا بدون عوض، فيصح.
ولأن العوض حق للزوج، فإذا أسقطه باختياره سقط. واختاره ابن تيمية.
(ويكرهُ بأكثر مما أعطاها).
أي: يكره الخلع بأكثر مما أعطاه في المهر.
وهذا المذهب.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يجوز للزوج أخذ الزيادة.
مثال: الصداق (١٠) آلاف، فخالعها على (٢٠) ألفاً، فعلى هذا القول يجوز.
وهذا قول الجمهور.
قال ابن قدامة: وأكثر أهل العلم على أنه يصح الخلع بأكثر من الصداق.
قال بن بطال ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاه وقال مالك لم أر أحدا ممن يقتدى به يمنع ذلك لكنه ليس من مكارم الأخلاق.
قال ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ﵏ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَادِيَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ; لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ).
أ- لقوله (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) قالوا: إن (ما) من صيغ العموم، لأنها اسم موصول تصدق على القليل والكثير.
ب- وعللوا: قالوا إن عوض الخلع كسائر الأعواض الأخرى بالمعاملات، فعلى أي شيء وقع الاتفاق جاز.
стр. 2663
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يجوز الخلع بأكثر مما أعطاها.
وهذا القول قال به عطاء والزهري، وعلى هذا القول يرد ما أخذ من غير زيادة.
واستدلوا برواية عند ابن ماجه (أن النبي ﷺ أمر ثابتاً أن يأخذ حديقته ولا يزداد).
والراجح أن الزوجة إن بذلت له الزيادة ابتداءً جاز له أخذها، مع أن هذا ليس من مكارم الأخلاق، وأما إذا طلب هو الزيادة فإنه يمنع، لأمرين:
الأمر الأول: أن الزيادة ليس لها حد، والنفوس مجبولة على حب الطمع.
الأمر الثاني: أن إباحة الزيادة قد تغري الأزواج بالعضل.
(وَإِنْ خَالَعَتْ حَامِلٌ بِنَفَقَةِ عِدَّتِهَا صَحَّ).
لأن الحامل لها نفقة على زوجها.
فلو قالت: أخالعك بنفقة حملي، فقال: قبلت، صح.
فلو فرض أن نفقة حملها ألف ريال، فتكون كأنها خالعته بألف ريال.
فائدة: ١
يجوز الخلع أثناء الحيض.
لأن الخلع لا يكون إلا بطلب من المرأة لما يلحقها من سوء عشرة زوجها، فجاز وقوعه حال الحيض لإزالة الضرر.
قال ابن قدامة: وَلَا بَأْسَ بِالْخُلْعِ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ مِنْ أَجْلِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِطُولِ الْعِدَّةِ، وَالْخُلْعُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِسُوءِ الْعِشْرَةِ وَالْمُقَامِ مَعَ مَنْ تَكْرَهُهُ وَتُبْغِضُهُ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ طُولِ الْعِدَّةِ، فَجَازَ دَفْعُ أَعْلَاهُمَا بِأَدْنَاهُمَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخْتَلِعَةَ عَنْ حَالِهَا، وَلِأَنَّ ضَرَرَ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، وَالْخُلْعُ يَحْصُلُ بِسُؤَالِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ رِضَاءً مِنْهَا بِهِ، وَدَلِيلًا عَلَى رُجْحَانِ مَصْلَحَتِهَا فِيهِ. (المغني).
стр. 2664
وقال البغوي في تفسيره: والخلع في حال الحيض، أو في طهر جامعها فيه: لا يكون بدعياً؛ لأن النبي ﷺ أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف حالها، ولولا جوازه في جميع الأحوال لأشبه أن يتعرف الحال.
وقال ابن تيمية: ولهذا جوز أكثر العلماء الخلع في الحيض، لأنه على قول فقهاء الحديث ليس بطلاق، بل فرقة بائنة.
وفي الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين: واعلم أن الخلع ليس له بدعة، بمعنى أنه يجوز حتى في حال الحيض لأنه ليس بطلاق، والله إنما أمر بالطلاق للعدة: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ الطلاق) ولهذا يجوز أن يخالعها ولو كانت حائضاً، ويجوز أن يخالعها ولو كان قد جامعها في الحال، لأنه ليس بطلاق، بل هو فداء، ولأن أصل منع الزوج من التطليق في حال الحيض، أو في حال الطهر الذي جامعها فيه، أن فيه إضراراً بها لتطويل العدة عليها، فإذا رضيت بذلك فقد أسقطت حقها. انتهى.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) ذهب جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى جواز الخلع في زمن الحيض لإطلاق قوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ولحاجتها إلى الخلاص بالمفارقة حيث افتدت بالمال.
فائدة: ٢
إذا طلق الرجل زوجته وفي أثناء عدتها طلبت الخلع فأجابها صح؛ لأنها زوجة.
قال ابن قدامة: والرجعية زوجة يلحقها طلاقه، وظهاره، وإيلاؤه، ولعانه، ويرث أحدهما صاحبه، بالإجماع، وإن خالعها صح خلعه.
فائدة: ٣
قال ابن قدامة: ولا يحصل الخلع بمجرد بذل المال وقبوله، من غير لفظ الزوج.
стр. 2665
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سلسلة
دروس فقهية
كتاب الطلاق
كتاب الطلاق - باب الرجعة - باب الإيلاء - كتاب الظهار -
كتاب اللعان - كتاب العدد - باب الإحداد - باب الاستبراء -
كتاب الرضاع - كتاب النفقات - باب الحضانة
بقلم
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
الموقع/ رياض المتقين
www.almotaqeen.net
стр. 2666
كتاب الطلاق
تعريفه:
لغة: التخلية. يقال: ناقة طالق أي مخلّاة.
واصطلاحاً: حل قيد النكاح أو بعضهِ [لأن النكاح ربط بين الزوجين] فإن كان بائناً فهو حل لكله، وإن كان رجعياً فهو لبعضه.
والطلاق ينقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث البينونة وعدمها:
النوع الأول: الطلاق البائن بينونة كبرى، وهو الطلاق الثلاث، (المستكمل للعدد).
فإذا كان الرجل قد طلق زوجته مرتين سابقتين ثم طلقها الثالثة فنقول: إن هذا الطلاق بائن بينوة كبرى، فلا تحل له إلا بعد زوج.
النوع الثاني: طلاق بائن بينونة صغرى.
وهو الطلاق الذي لا يستطيع فيه المطلِّق ارجاع زوجته بإرادته المنفردة كما كان له ذلك في الطلاق الرجعي.
والفرق بينه وبين الطلاق البائن بينوة كبرى، أن في الطلاق البائن بينوة صغرى لا يمكن أن ترجع إليه إلا بعقد جديد، بخلاف البينونة الكبرى فإنها لا تحل إلا بعد زوج.
كالطلاق على عوض، والفسخ إذا حصل فسخ بموجب [فقد شرط أو وجود عيب] والرجعية إذا خرجت من العدة، والطلاق قبل الدخول والخلوة.
стр. 2667
النوع الثالث: الطلاق الرجعي.
وهو: إذا طلق دون مالَه من العدد، كأن يطلق مرة أو مرتين، وسمي رجعياً لأنه يستطيع فيه الزوج خلال فترة العدة التي يجب على المرأة أن تبقى في بيت زوجها مراجعتها وإعادة الحياة الزوجية.
(يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ).
أي: أن الطلاق يكون مباحاً عند الحاجة.
فإذا كانت الزوجة فيها بعض القصور في أداء بعض حقه، وكذلك إذا ساءت العشرة بينهما ولم يستطع على الإصلاح، وإذا كان لا يستطيع الصبر على امرأته.
وهذا يدخل فيه كل ما يتصور منه القصور في النساء: الجسماني والخلقي والخَلقي.
جاء في (الروض المربع) كسوء خلق المرأة، والتضرر بها مع عدم حصول الغرض بالزوجة.
لكن يحث الزوج على إمساك المرأة وإن كانت سيئة الخلق وفيها شيء من القصور، فهذا خير من أن يطلقها، وقد قال تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً).
стр. 2668
(وَيُكْرَهُ لِعَدَمِهَا).
أي: يكره الطلاق لعدم الحاجة (مع استقامة الحال).
أ-لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) رواه أبو داود.
ب- ولحديث جابر. قال: قال رسول الله ﷺ (إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِئُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ ثُمَّ يَجِئُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ - قَالَ - فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ) رواه مسلم.
د- ولما فيه من تشتيت الأسرة، وكسر قلب المرأة.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلضَّرَرِ).
أي: ضرر المرأة.
فإذا كان في دوام النكاح ضرر على المرأة، أو لكونها غير راغبة في الزوج، فيؤجر الزوج في فراقها.
وكذلك إذا كانت الزوجة مقصرة في حق الله.
وفي الحديث (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي) وفي الحديث الآخر (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه).
(ويجب للإيلاء).
أي: ويجب الطلاق في الإيلاء (وهو أن يحلف الزوج على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر). [وسيأتي مباحثه].
فهنا تضرب له أربعة أشهر، فإن فاء ورجع عن يمينه يكفر عن يمينه والنكاح باق، وإن لم يرجع فإنه يقال له: إما أن ترجع أو تطلق، الطلاق هنا - إن لم يرجع - واجب، فيطلِّق عليه الحاكم، لأن فيه دفعاً للضرر الحاصل على الزوجة.
وكذلك يجب الطلاق إذا كانت تفعل الفاحشة ولم يمكنه الإصلاح ويمنعها، لأنه لو لم يفعل صار ديوثاً.
стр. 2669
(وَيَحرُمُ للبدعة).
الطلاق البدعي المحرم.
أولاً: أن يطلقها في الحيض.
عَنِ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ (أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَتَهُ - وَهِيَ حَائِضٌ - فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ? فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ اَلْعِدَّةُ اَلَّتِي أَمَرَ اَللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا اَلنِّسَاءُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا)
فهذا الحديث دليل على تحريم الطلاق حال الحيض وفاعله عاصٍ لله إذا كان عالماً بالنهي، ويؤخذ هذا الحكم من وجهين:
أولاً: لقوله (فتغيظ رسول الله ﷺ ومعلوم أن النبي ﷺ لا يتغيظ إلا على أمرٍ محرم.
ثانياً: أن النبي ﷺ أمر ابن عمر بإمساكها بعد المراجعة ثم تطليقها في الطهر، فدل على أن تطليقها في الحيض محرماً، إذ لو لم يكن محرماً لأقر النبي ﷺ التطليق في الحيض ويغني عن الطلقة التي تأتي في الطهر.
وقد نقل جماعة من العلماء: الإجماع على أن الطلاق حال الحيض محرم (ابن المنذر - ابن قدامة - النووي).
وهذا التحريم خاص بالمدخول بها، أما غير المدخول بها فيجوز تطليقها مطلقاً حائضاً أو طاهراً، لأن غير المدخول بها ليس عليها عدة. [وهذا مذهب الأئمة الأربعة]
- ويستثنى: ما إذا كان الطلاق على عوض (فيجوز أن يخالعها وهي حائض).
стр. 2670
ثانياً: أن يطلقها في طهر مسها فيه.
لقوله ﷺ (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ).
وفي رواية ( … ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا).
ثالثاً: أن يطلق امرأته ثلاث تطليقات بلفظ واحد.
(ولا يَصِحّ الطلاقُ إلا من زوجٍ).
أي: لا يصح الطلاق إلا إذا كان من زوج أو من يقوم مقامه كوليه.
فإذا طلق غير الزوج فلا يصح ولا يقع.
- وقوله (من زوج) فلو طلق قبل الزواج فلا يصح.
فمن قال: إذا تزوجت فلانة فهي طالق فقوله لا يعتبر ولا تقع به طلقة ولا غيرها.
أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ). فذكر الله النكاح قبل الطلاق،
ب- ولحديث المسور مرفوعاً (لا طلاق قبل نكاح) رواه ابن ماجه وحسنه ابن حجر.
(مُكلّف).
أي: يشترط أن يكون الزوج مكلفاً: بالغاً عاقلاً.
فالمجنون لا يصح طلاقه، لحديث: (رفع القلم عن ثلاث: وعن المجنون حتى يفيق).
فالصبي الغير المميز لا يقع طلاقه بالاتفاق.
أما المميز فيه قولان:
فقيل: لا يقع طلاقه.
стр. 2671
وهذا قول الجمهور.
لحديث: (رفع القلم عن ثلاثة: … وعن الصبي حتى يبلغ).
وقيل: يقع.
جاء في (الموسوعة الفقهية) الطَّلَاقُ رَفْعُ قَيْدِ الزَّوَاجِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْتِزَامَاتٌ مَالِيَّةٌ، فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ طَلَاقُ الصَّبِيِّ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ طَلَاقَ مُمَيِّزٍ يَعْقِل الطَّلَاقَ وَلَوْ كَانَ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَبِينُ مِنْهُ وَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ إِذَا طَلَّقَهَا.
(مُختار).
أي: لا بد أن يكون الزوج مختاراً غير مكره.
- فلا يقع طلاق المكره.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ- لقوله تعالى (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ).
وجه الدلالة: أن الإنسان إذا أكره على الكفر وتلفظ به ظاهراً فلا يكون كافراً، وهذا في العقيدة، فلئلا يقع طلاقاً عند الإكراه على الطلاق من باب أولى وأحرى.
ب-ولحديث اِبْنِ عَبَّاس عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي اَلْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ). رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ
ج- ولحديث عائشة قالت. سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) رواه أبو داود.
والمكره مغلق عليه.
стр. 2672
د-ولأن المكرَه لم يكن قاصداً وقوع الطلاق، وإنما قصد دفع الأذى والضرر عن نفسه.
هـ- قال علي بن أبي طالب ﵁ موقوفاً (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمكره).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يقع طلاقه.
وهذا مذهب الحنفية.
معللين ذلك بأنه طلاق من مكلف في محل يملكه فوقع.
والراجح الأول.
ففي الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية: ولا يقع طلاق المكره، والإكراه يحصل إما بالتهديد أو بأن يغلب على ظنه أنه يضره في نفسه أو ماله بلا تهديد إكراها. انتهى.
وفي القوانين الفقهية لابن جزي المالكي: وأما من أكره على الطلاق بضرب أو سجن أو تخويف فإنه لا يلزمه عند الإمامين وابن حنبل خلافا لأبي حنيفة. انتهى. يقصد بالإمامين مالك والشافعي.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: أفتى الصحابة بعدم وقوع طلاق المكره وإقراره. (زاد المعاد).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا أكره الإنسان على فعل محرم، فهل يترتب على هذا الفعل إثم أو فدية أو كفارة؟
الجواب: لا يترتب، ودليل هذا قول الله ﵎ في القرآن الكريم: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النحل/ ١٠٦. فإذا كان الرجل لا يؤاخذ في الإكراه على الكفر وهو أعظم المعاصي، فعدم مؤاخذته في الإكراه على ما دونه من باب أولى.
سئل ﵀: ما تقولون في رجل أجبرته زوجته على أن يطلقها، وقالت: إما أن تطلق وإما أن تقتل نفسها، وهي قادرة على أن تنفذ هذا، السكين بيدها، فطلق، هل يقع الطلاق أو لا؟
لا يقع الطلاق لأنه مكره.
стр. 2673
فائدة: ١
شروط الإكراه:
ذكر أهل العلم شروطاً للإكراه منها:
قال ابن قدامة: مِنْ شَرْطِ الْإِكْرَاهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ قَادِرٍ بِسُلْطَانِ أَوْ تَغَلُّبٍ، كَاللِّصِّ وَنَحْوِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: إنَّ أَكْرَهَهُ اللِّصُّ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ وَقَعَ.
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لِأَنَّ اللِّصَّ يَقْتُلُهُ.
وَعُمُومُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي دَلِيلِ الْإِكْرَاهِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ، وَاَلَّذِينَ أَكْرَهُوا عَمَّارًا لَمْ يَكُونُوا لُصُوصًا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَعَمَّارٍ (إنْ عَادُوا فَعُدْ).
وَلِأَنَّهُ إكْرَاهٌ، فَمَنَعَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، كَإِكْرَاهِ اللُّصُوصِ.
الثَّانِي: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ نُزُولُ الْوَعِيدِ بِهِ، إنْ لَمْ يُجِبْهُ إلَى مَا طَلَبَهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَسْتَضِرُّ بِهِ ضَرَرًا كَثِيرًا، كَالْقَتْلِ، وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَالْقَيْدِ، وَالْحَبْسِ الطَّوِيلِ، فَأَمَّا الشَّتْمُ، وَالسَّبُّ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْمَالِ الْيَسِيرِ.
فَأَمَّا الضَّرَرُ الْيَسِيرُ فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُبَالِي بِهِ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ، عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ إخْرَاقًا بِصَاحِبِهِ،
وَغَضًّا لَهُ، وَشُهْرَةً فِي حَقِّهِ، فَهُوَ كَالضَّرْبِ الْكَثِيرِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَإِنْ تَوَعَّدَ بِتَعْذِيبِ وَلَدِهِ، فَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا حَقَّ بِغَيْرِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ إكْرَاهًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَعْظَمُ مِنْ أَخْذِ مَالِهِ، وَالْوَعِيدُ بِذَلِكَ إكْرَاهٌ، فَكَذَلِكَ هَذَا. (المغني).
فائدة: ٢
معنى الإغلاق الوارد في الحديث (لا طلاق وعتاق في إغلاق):
قال الحافظ في التلخيص: الإغلاق فسره علماء الغريب بالإكراه، وقال: هو قول ابن قتيبة والخطابي وابن السيد وغيرهم، وقيل: الجنون، وقيل: الغضب، ووقع في سنن أبي داود في رواية ابن الأعرابي، وكذا فسره أحمد
стр. 2674
وقال ابن القيم: أما الإغلاق فقد نص عليه صاحب الشرع، والواجب حمل كلامه فيه على عمومه اللفظي والمعنوي، فكل من أغلق عليه باب قصده وعلمه كالمجنون والسكران والمكره والغضبان فقد تكلم في الإغلاق. ومن فسره بالجنون أو السكر أو بالغضب أو بالإكراه فإنما قصد التمثيل لا التخصيص، ولو قدر أن اللفظ يختص بنوع من هذه الأنواع لوجب تعميم الحكم بعموم العلة، فإن الحكم إذا ثبت لعلة تعدى بتعديها وانتفى بانتفائه.
(فلا يصح طلاق المكرهِ)
وقد تقدم ذلك قبل قليل.
(ولا زائل العقل).
أي: ولا يقع طلاق زائل العقل، كطلاق النائم، والمغمى عليه، والمجنون.
لأنه ليس قاصداً للطلاق. ولأنه معذور بزوال عقله.
فائدة: ١
اختلف العلماء في زوال العقل بالسكر، هل يقع طلاق السكران أم لا؟
طلاق السكران: له حالتان:
الحالة الأولى: أن يقع السكر عن غير عمد.
كأن يشرب الخمر يظنها عصيراً، فهذا لا يقع الطلاق بإجماع.
стр. 2675
الحالة الثانية: أن يتعمد السكر، ففيه قولان:
القول الأول: يقع الطلاق.
وهذا المذهب.
قال في المغني: وهو مذهب سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة.
أ- لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى).
فنهاهم حال السكر من قربان الصلاة، وهذا يقتضي عدم زوال التكليف.
ب- لأنه عاص بشربه هذا المسكر، والعاصي لا يناسبه التخفيف.
القول الثاني: لا يقع طلاقه.
وهو قول عثمان، ومذهب عمر بن عبد العزيز، واختاره ابن تيمية.
قال الإمام البخاري ﵀: وَقَالَ عُثْمَانُ: لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ.
قال ابن المنذر ﵀: هذا ثابت عن عثمان، ولا نعلم أحدا من الصحابة خلافه.
وهذا القول هو الصحيح الذي رجع إليه الإمام أحمد حيث كان يقول بطلاق السكران فرجع عنه.
أ-لقوله تعالى: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى).
فهذه الآية دلت على أن السكران غير مكلف، لأن الله أسقط الصلاة عنه حال السكر.
ب- لقول علي (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله) رواه البخاري.
стр. 2676
ج- ولأن السكران زائل العقل كالمجنون فهو لا يدري ما يقول.
د- ولأنه مفقود الإرادة أشبه المكره.
هـ- ولأن العقل شرط التكليف ولا يتوجه التكليف إلى من لا يفهمه.
و- ولأن النبي ﷺ لم يؤاخذ حمزة لما سكر فقال: وهل أنتم إلا عبيد أبي.
وهذا القول هو الصحيح.
فائدة: ٢
طلاق الغضبان.
الغضب ثلاثة أقسام:
الأول: أن يحصل للإنسان مبادئ الغضب وأوائله بحيث لا يتغير عليه عقله ويعلم ما يقول.
فهذا يقع طلاقه بلا إشكال؛ فإنه مكلف عالم بأقواله ومريد للتكلم بها.
الثاني: أن يبلغ به الغضب نهايته فيزيل عقله فلا يعلم ما يقول.
وهذا لا يقع طلاقه، قال ابن القيم (بلا نزاع).
وذلك أنه لم يعلم صدور الطلاق منه، فهو أشبه ما يكون بالنائم والمجنون ونحوهم.
الثالث: أن يستحكم الغضب بصاحبه ويشتد به فهو قد تعدى مبادئه ولم ينته إلى آخره.
стр. 2677
فهذا موضع خلاف بين العلماء على قولين:
القول الأول: وقوع طلاقه.
وهذا مذهب المالكية والحنابلة.
أ- عن خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أنها راجعت زوجها فغضب فظاهر منها، وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه وضجر، وإنها جاءت إلى النبي ﷺ فجعلت تشكوا إليه ما تلقى من سوء خلقه، فأنزل الله آية الظهار وأمره رسول الله ﷺ بالكفارة في قصة طويلة.
فهذا الرجل ظاهر في غضبه فألزم بالكفارة ولم يلغه؛ لكونه غضباناً والظهار كالطلاق.
ب- ما روي عن مجاهد عن ابن عباس أن رجلاً قال له: إني طلقت امرأتي ثلاثا وأنا غضبان. فقال: ابن عباس لا أستطيع أن أحل لك ما حرم الله عليك، عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك.
ج - قول الحسن: طلاق السنة أن يطلقها واحدة طاهراً من غير جماع، وهو بالخيار ما بينه وبين أن تحيض ثلاث حيض، فإن بدا له أن يراجعها كان أملك بذلك، فإن كان غضبان ففي ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض، ما يذهب غضبه.
القول الثاني: عدم وقوعه.
وهذا مذهب الحنفية.
أ- لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق).
والإغلاق يتناول الغضبان؛ فإنه قد انغلق عليه رأيه.
ب- قوله تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) قال ابن عباس: (لغوا اليمين أن تحلف وأنت غضبان) فلما رفع الله المؤاخذة عن الغضبان فيما تلفظ به علمنا إلغاءه لكلامه ومنه طلاقه.
стр. 2678
ج-حديث أبي بكرة مرفوعاً (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان)، ولولا أن الغضب يؤثر في قصده وعلمه لم ينه عن الحكم حال الغضب، فدل على نفي القصد فيبطل قوله ومنه طلاقه.
د-أن السكران بسبب مباح طلاقه غير واقع؛ لأنه غير قاصد للطلاق، ومعلوم أن الغضبان كثيراً ما يكون أسوأ حالا من السكران.
فصل
(وَالسُّنَّةُ: أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْ فِيهِ).
هذا بيان طلاق السنة:
أي: وَالسُّنَّةُ لِمَنْ أَرَادَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ.
قوله (أن يطلقها واحدة) فلو طلقها مرتين، بأن قال: أنت طالق طلقتين، أو أنت طالق ثنتين، أو أنت طالق مرتين، أو أنت طالق أنت طالق، فهذا ليس بسنة.
قوله (أن يكون في طهر) خرج ما لو طلقها وهي حائض، فليس بسنة، وتقدم أن طلاق الحائض طلاق بدعي.
وقوله (في طهر لم يجامع فيه) خرج ما لو طلقها في طهر جامع فيه فليس بسنة.
لقوله ﷺ في حديث ابن عمر ( … فليطلقها قبل أن يمسها … ).
قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).
стр. 2679
(فَتَحْرُمُ الثَّلَاثُ إِذاً).
أي: يحرم إيقاع الطلقات الثلاث جميعاً: بأن يقول: أنتِ طالق ثلاثاً، أو يقول: أنتِ طالق، أنت طالق، أنت طالق.
فإنه لا فرق بين الصورتين كما نص على ذلك ابن تيمية. (فقه الدليل).
والقول بالتحريم: هو مذهب الحنفية والمالكية، وإحدى الروايتين عن أحمد، وقول شيخ الإسلام وابن القيم:
لحديث مَحْمُود بْنِ لَبِيدٍ قَالَ (أُخْبِرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ اِمْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ". حَتَّى قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَلَا أَقْتُلُهُ?) رَوَاهُ النَّسَائِي.
قال ابن قدامة: وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ طَلَاقُ بِدْعَةٍ، مُحَرَّمٌ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو حَفْصٍ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ،.
قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا يُطَلِّقُ أَحَدٌ لِلسُّنَّةِ فَيَنْدَمُ.
وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إذَا أُتِيَ بِرَجُلٍ طَلَّقَ ثَلَاثًا، أَوْجَعَهُ ضَرْبًا.
وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا. فَقَالَ: إنَّ عَمَّك عَصَى اللَّهَ، وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ، فَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ مخرَجًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ:
أ- قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) إلَى قَوْلِهِ (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا). (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).
وَمَنْ جَمَعَ الثَّلَاثَ لَمْ يَبْقَ لَهُ أَمْرٌ يَحْدُثُ، وَلَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا وَلَا مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا.
стр. 2680
ب- وَرَوَى النَّسَائِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ (أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟. حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَقْتُلُهُ).
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا؟ قَالَ: إذَا عَصَيْت رَبَّك، وَبَانَتْ مِنْك امْرَأَتُك).
ج- وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْبُضْعِ بِقَوْلِ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَحُرِّمَ كَالظِّهَارِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُهُ بِالتَّكْفِيرِ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ لِلزَّوْجِ إلَى رَفْعِهِ بِحَالٍ، وَلِأَنَّهُ ضَرَرٌ وَإِضْرَارٌ بِنَفْسِهِ وَبِامْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ، وَرُبَّمَا كَانَ وَسِيلَةً إلَى عَوْدِهِ إلَيْهَا حَرَامًا، أَوْ بِحِيلَةٍ لَا تُزِيلُ التَّحْرِيمَ، وَوُقُوعِ النَّدَمِ، وَخَسَارَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ مِنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، الَّذِي ضَرَرُهُ بَقَاؤُهَا فِي
الْعِدَّةِ أَيَّامًا يَسِيرَةً، أَوْ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ، الَّذِي ضَرَرُهُ احْتِمَالُ النَّدَمِ بِظُهُورِ الْحَمْلِ؛ فَإِنَّ ضَرَرَ جَمْعِ الثَّلَاثِ يَتَضَاعَفُ عَلَى ذَلِكَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً.
ثم قال ابن قدامة:
وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا فِي عَصْرِهِمْ خِلَافُ قَوْلِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا. (المغني).
стр. 2681
فائدة: ١
حكم الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، كقولك: أنت طالق بالثلاث؟
اختلف العلماء في حكم الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، هل يقع ثلاثاً أم واحدة على قولين:
القول الأول: أن طلاق الثلاث واحدة.
وهذا اختيار ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم.
أ- لقوله تعالى (الطلاق مرتان).
وجه الدلالة: أن المرتين في لغة العرب إنما تكون مرة بعد مرة، وهذا ما يدل عليه القرآن أيضاً كما في قوله تعالى (سنعذبهم مرتين).
ب- ولقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن).
وجه الاستدلال: أن الآية بينت أن الطلاق المشروع هو ما كان للعدة، أي: لاستقبال العدة، بأن تطلق المرأة واحدة لتستقبل العدة، والقول بجمع الثلاث مخالف لمقتضى الآية، لأنه لا يكون فيه استقبال لعدتها حيث تكون الطلقة الثانية والثالثة في وقت عدتها فلا تصح وإذا لم يصح لم يقع.
ج-ولحديث اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (كَانَ اَلطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ اَلثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ: إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ اِسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ? فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ) رَوَاهُ مُسْلِم.
وجه الدلالة: أن الطلاق بلفظ واحد كان يعد طلقة واحدة في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر، وأن عمر لم يجعله ثلاثاً إلا لما رأى استعجال الناس في جمع الطلاق، وهذا من باب السياسة الشرعية التي توجد مع الحاجة والمصلحة، وإلا فإن الأمر مستقر عند الصحابة في ذلك.
стр. 2682
د- عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ أُمَّ رُكَانَةَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ رَاجِعِ امْرَأَتَكَ "، فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا. قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: (طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ اِمْرَأَتَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلَاثًا، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَإِنَّهَا وَاحِدَةٌ) وَفِي سَنَدِهَا اِبْنُ إِسْحَاقَ، وَفِيهِ مَقَالٌ.
وجه الاستدلال: ظاهر حيث جعل ﷺ الثلاث واحدة.
القول الثاني: أن طلاق الثلاث يقع ثلاثاً.
وهذا قول جماهير العلماء، بل حكي إجماعاً.
قال ابن قدامة: وإن طلق ثلاثاً بكلمة واحدة وقع الثلاث وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين قبل الدخول وبعده، روي ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وأنس، وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين، والأئمة بعدهم.
وقال القرطبي: قال علماؤنا: واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول الجمهور.
قال ابن القيم: أنه يقع، وهذا قول الأئمة الأربعة، وجمهور التابعين وكثير من الصحابة.
وقال ابن عبد الهادي: قال ابن رجب: اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام- شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: وعلى هذا القول -أي: اعتبارها ثلاثاً- جل الصحابة وأكثر العلماء منهم الأئمة الأربعة. ا. هـ
أ- لقوله تعالى (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ).
وجه الدلالة: أن قوله (الطلاق مرتان) يدل على جواز جمع التطليقتين معاً وأنه يقع بهما، وإذا وقع بالاثنتين وقع بالثلاث إذا جمعت.
стр. 2683
ب-قال النووي: واحتج الجمهور بقوله تعالى (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).
قالوا: معناه: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه إلا رجعياً فلا يندم.
قال الشنقيطي: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ الْقُرْآنِيَّ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَرُدُّهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ فَيَرْكَبُ الْأُحْمُوقَةَ، ثُمَّ يَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، إِنَّ اللَّهَ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَإِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ، فَلَا أَجِدُ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ.
وَأَخْرَجَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ مُتَابَعَاتٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلْآيَةِ بِأَنَّهَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهَا وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ وَلَمْ يَجْمَعِ الطَّلَاقَ فِي لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا بِالرَّجْعَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَّقِهِ فِي ذَلِكَ بِأَنْ جَمَعَ الطَّلَقَاتِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا بِالرَّجْعَةِ; لِوُقُوعِ الْبَيْنُونَةِ بِهَا مُجْتَمِعَةً، هَذَا هُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ، الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ. وَهُوَ قَوِيٌّ جِدًّا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ; لِأَنَّهُ مُفَسِّرٌ بِهِ قُرْآنًا، وَهُوَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ وَقَدْ قَالَ ﷺ (اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ) وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ جُلُّ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةِ. وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ.
ج- سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ (أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِىٍّ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ أَرَأَيْتَ يَا عَاصِمُ لَوْ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَسَلْ لِي عَنْ ذَلِكَ يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
стр. 2684
فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا. قَالَ عُوَيْمِرٌ وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا. فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِى صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا». قَالَ سَهْلٌ فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا. فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْن) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن عويمراً جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد ومع ذلك لم ينكر عليه رسول الله ﷺ هذا الطلاق مما يدل على أنه جائز وواقع.
د-عن عائشة ﵂ (أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلقت، فسئل النبي ﷺ أتحل للأول؟ قال: حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول) متفق عليه.
وجه الدلالة: ذكر البخاري هذا الحديث تحت ترجمة (باب من أجاز الطلاق ثلاثاً) وقال ابن حجر والعيني: هو ظاهر في كونها مجموعة.
هـ- ثبت في الصحيحين من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن (أن فاطمة بنت قيس أخبرته: أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثاً، ثم انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله ﷺ في بيت ميمونة أم المؤمنين فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثاً فهل لها نفقة؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس لها نفقة وعليها العدة).
стр. 2685
وجه الدلالة: أن فاطمة أخبرت بأن زوجها طلقها ثلاثاً، ومع ذلك لم ينكره رسول الله ﷺ مما يدل على أنه جائز وواقع.
لكن هذا الاستدلال فيه نظر، لأن المراد: أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات كما جاء عند مسلم، وليس المراد الثلاث المجتمعة.
و- حديث ركانة (أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي ﷺ وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله ﷺ : والله ما أردت إلا واحدة؟ قال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله ﷺ .
ووجه الاستدلال بهذا الحديث يتضح في أن النبي ﷺ حلف ركانة، أنه ما أراد بالبتة إلا واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر لوقع ما أراده ولو لم يفترق الحال لم يحلفه، وممن استدل بهذا الحديث لمذهب الجمهور أبو بكر الرازي الجصاص قال: لو لم تقع الثلاث إذا أرادها لما استحلفه بالله ما أردت إلا واحدة.
وكذلك ابن قدامة قال: ومتى طلقها ثلاثاً بكلمة واحدة أو بكلمات حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره؛ لما روي أن «ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله ﷺ والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فقال: هو ما أردت فردها إليه رسول الله) رواه الترمذي والدارقطني وأبو داود وقال: الحديث صحيح. فلو لم تقع الثلاث لم يكن للاستحلاف معنى.
стр. 2686
ز- حديث محمود بن لبيد وقد تقدم ..
وجه الاستدلال: أنه لو كانت الثلاث المجموعة لا تقع، لبيّن ذلك النبي ﷺ ، لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة
ك- واستدلوا بحديث ابن عباس: بأن عمر بن الخطاب ﵁ أمضاها على الناس.
وجه الدلالة: أن هذا قول عمر وقد وافقه الصحابة ولم يخالفوه، فكأنه إجماع منهم على ذلك، وهو ليس مخالفة لما كان على عهد رسول الله ﷺ ، لأنه قد يكون عند الصحابة ما ينسخ جعل الثلاث واحدة، إذ يبعد أن يجمعوا على أمر مخالف لما كان عليه رسول الله ﷺ .
والله أعلم.
فائدة: ٢
أجاب الجمهور عن حديث ابن عباس (كَانَ اَلطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ اَلثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ … ). بأجوبة:
أولاً: أنه منسوخ.
قال ابن حجر: دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال يشبه أن يكون بن عباس علم شيئاً نسخ ذلك قال البيهقي: ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن بن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً فنسخ ذلك.
стр. 2687
وممن رجح النسخ ابن حجر فقال بعد بحث للمسألة: فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء، أعني: قول جابر: أنها كانت تفعل في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث؛ للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحداً في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود.
الجواب الثاني: حمل الحديث على غير المدخول بها.
قال ابن حجر: وهو جواب إسحاق بن راهويه وجماعة وبه جزم زكريا الساجي من الشافعية.
قال الشيخ الشنقيطي: وحجة هذا القول: أن بعض الروايات كرواية أبي داود جاء فيها التقييد بغير المدخول بها، والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا.
الجواب الثالث: ليس في الحديث ما يدل على أن الرسول ﷺ هو الذي جعل ذلك ولا أنه علم به وأقر عليه، وهذا جواب ابن المنذر وابن حزم ومن وافقهما.
وهناك أجوبة أخرى ذكرها ابن حجر والشنقيطي.
فائدة: ٣
قال ابن رجب في آخر كتابه: اعلم أن ما قضى به عمر على قسمين:
أحدهما: ما جمع فيه عمر الصحابة وشاورهم فيه فأجمعوا معه عليه، فهذا لا يشك أنه الحق كهذه المسألة، والعمريتين، وكقضائه فيمن جامع في إحرامه أنه يمضي في نسكه وعليه القضاء والهدي ومسائل كثيرة.
الثاني: ما لم يجمع الصحابة فيه مع عمر، بل مختلفين فيه في زمنه، وهذا يسوغ فيه الاختلاف كمسائل الجد مع الإخوة.
стр. 2688
(وَإِنْ طَلَّقَ مَدْخُولًا بِهَا فِي حَيْضٍ أَوْ طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ فبِدْعَةٌ، مُحَرَّمٌ).
وقد تقدم ذلك في الكلام على حديث ابن عمر لما طلق امرأته.
فالطلاق حال الحيض أو حال الطهر الذي جامع فيه بدعة محرم.
(ويقع).
أي: مع تحريمه لكنه إذا طلقها وهي حائض فإن هذا الطلاق واقع.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال ابن قدامة: فإن طلقها للبدعة، وهو أن يطلقها حائضاً … وقع طلاقه في قول عامة أهل العلم.
أ-لقوله تعالى (الطلاق مرتان … ).
ب- وقوله تعالى (فإن طلقها فلا تحل … ).
стр. 2689
وجه الدلالة: أن الآيات عامة تدل على وقوع الطلاق في أي وقت ممن له حق وقوعه، فلم يفرق بين أن يكون الطلاق في حال الحيض أو الطهر، ولم يخص حالاً دون حال توجب حمل الآيات على العموم.
ج- ولحديث ابن عمر لما طلق امرأته قال ﷺ : ( … مره فليراجعها … ) فهذا دليل على أن الطلاق يقع، إذ لا تكون المراجعة إلا بعد الطلاق الذي يعتد به.
د- وروى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: (حسبت علي تطليقة).
وفي رواية للدار قطني: (أن عمر قال: يا رسول الله، فيحسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم).
وعن نافع عن ابن عمر: (أنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ وذكر ذلك له فجعلها واحدة) رواه الدار قطني.
قال الحافظ في الفتح: وهو نص في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه.
هـ- أن ابن عمر مذهبه الاعتداد بها، وهو صاحب القصة، وصاحب القصة أعلم.
قال النووي: أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَحْرِيم طَلَاق الْحَائِض الْحَائِل بِغَيْرِ رِضَاهَا فَلَوْ طَلَّقَهَا أَثِمَ وَوَقَعَ طَلَاقه وَيُؤْمَر بِالرَّجْعَةِ لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر الْمَذْكُور فِي الْبَاب، وَشَذَّ بَعْض أَهْل الظَّاهِر، فَقَالَ: لَا يَقَع طَلَاقه لِأَنَّهُ غَيْر مَأْذُون لَهُ فِيهِ فَأَشْبَهَ طَلَاق الْأَجْنَبِيَّة. وَالصَّوَاب الْأَوَّل، وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاء كَافَّة وَدَلِيلهمْ أَمْره بِمُرَاجَعَتِهَا وَلَوْ لَمْ يَقَع لَمْ تَكُنْ رَجْعَة. فَإِنْ قِيلَ الْمُرَاد بِالرَّجْعَةِ الرَّجْعَة اللُّغَوِيَّة وَهِيَ الرَّدّ إِلَى حَالهَا الْأَوَّل لَا أَنَّهُ تُحْسَب عَلَيْهِ طَلْقَة قُلْنَا هَذَا غَلَط لِوَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّ حَمَلَ اللَّفْظ عَلَى الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة يُقَدَّم عَلَى حَمَلَهُ عَلَى الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة كَمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُول الْفِقْه، الثَّانِي أَنَّ اِبْن عُمَر صَرَّحَ فِي رِوَايَات مُسْلِم وَغَيْره بِأَنَّهُ حَسَبَهَا عَلَيْهِ طَلْقَة وَاَللَّه أَعْلَم. (نووي).
стр. 2690
وذهب بعض العلماء: إلى عدم وقوعه.
وهذا قول الظاهرية، واختيار شيخ الإسلام، ونصره ابن القيم، واختاره ابن باز، وابن عثيمين.
أ- لقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن).
وجه الدلالة: أن المطلق في حال الحيض لا يكون مطلقاً للعدة، لأن الطلاق المشروع المأذون فيه أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، وما عدا هذا لا يكون طلاقاً للعدة في حق المدخول بها.
ب- واستدلوا بما رواه أبو داود من حديث أبي الزبير عن ابن عمر (أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ … قال عبد الله: فردها عليّ ولم يرها شيئاً).
والجواب عن هذا:
أن قوله (ولم يرها شيئاً) بأنها لا تصح، فإن أبا الزبير خالف في روايته رواية الجمهور، وهي أكثر عدداً وأثبت حفظاً، فروايتهم أولى من روايته.
قال ابن عبد البر: قوله: (ولم يرها شيئاً) منكر، لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف فيمن هو أثبت منه.
قال الخطابي: لم يرو أبو الزبير حديثاً أنكر من هذا.
ج- قالوا: المراد بالمراجعة هنا إمساكها على حالها، لان المراجعة لها معنى أعم من إعادة المطلقة.
стр. 2691
(وتُسَنُّ رجعَتُها).
أي: إذا طلقها وهي حائض - فإنه يقع الطلاق كما تقدم - لكن يسن رجعتها، لكي يطلقها في طهر لم يجامع فيه.
لحديث اِبْنِ عُمَر (أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَتَهُ -وَهِيَ حَائِضٌ- فِي عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ? فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا … ).
قال النووي: أجمعوا على أنه إذا طلقها يؤمر برجعتها.
- لكن اختلف العلماء: هل الرجعة واجبة أم مستحبة على قولين:
فقيل: مستحبة.
وهذا مذهب جمهور العلماء، كما نقله النووي والشوكاني.
قالوا: لأن ابتداء النكاح لا يجب، فاستدامته كذلك، فكان القياس قرينة على أن الأمر للندب.
وقيل: واجب.
فمن طلق زوجته وهي حائض وجب مراجعتها.
وهو قول جماعة من العلماء كداود وغيره.
للأمر به (مره فليراجعها).
وقالوا: لما كان الطلاق في حال الحيض محرماً كان استدامة النكاح واجبة.
وقالوا: لأن المراجعة تتضمن الخروج من المعصية.
والراجح الوجوب للأمر به في قوله (مره … ).
стр. 2692
فائدة:
الحكمة من الأمر برجعتها وإعادتها إلى عصمتها:
قيل: لأجل أن يقع الطلاق الذي أذن الله فيه في زمن الإباحة (وهو زمن الطهر الذي لم يجامعها فيه).
وقيل: عقوبة المطلق الذي طلق في زمن الحيض، فعوقب بنقيض قصده.
وقيل: ليزول المعنى الذي حرم الطلاق في الحيض لأجله (وهو تطويل العدة).
(وَلَا سُنَّةَ وَلَا بِدْعَةَ لِمُسْتَبِينٍ حَمْلُهَا، وَ صَغِيرَةٍ، وَ آيِسَةٍ، وَ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا).
في هذه الأصناف الأربعة لا يوجد طلاق سنة ولا بدعة في الزمن، بل يصح أن يطلق في أي وقت، سواء أكانت طاهرة أم حائضاً.
الحامل:
ففي حديث ابن عمر (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلاً).
قوله: (فليطلقها حاملاً … ).
قال النووي: فيه دلالة لجواز طلاق الحامل التي تبين حملها، وهو مذهب الشافعي، قال ابن المنذر: وبه قال أكثر العلماء.
وقال الحافظ ابن حجر: وقد تمسك بهذه الزيادة: (ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً) من استثنى من تحريم الطلاق في طهر جامع فيه ما إذا ظهر الحمل، فإنه لا يحرم، والحكمة فيه أنه إذا ظهر الحمل فقد أقدم على ذلك على بصيرة فلا يندم على الطلاق، وأيضاً فإن زمن الحمل زمن رغبته في الوطء، فإقدامه على الطلاق فيه يدل على رغبته عنها، ومحل ذلك أن يكون الحمل من المطلق.
стр. 2693
الصغيرة:
وهي من لم يأتها الحيض.
الآيسة:
وهي التي لا ترجو الحيض حيث انقطع عنها لكبرها.
لأنها لا تعتد بالأقراء، فلا تختلف عدتها.
وغير مدخول بها.
لأنها لا عدة عليها فتتضرر بتطويلها.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا).
فائدة:
طلاق هؤلاء لا يوصف ببدعة ولا سنة من حيث الزمن، أما من حيث العدد فالصواب أنه يوصف بالبدعة.
стр. 2694
(وصريحه لفظ الطلاق وما تصرف منه فيقع وإن لم ينوِهِ).
أي: أن ألفاظ الطلاق تنقسم إلى قسمين: صريحه، وكناية.
النوع الأول: الصريحة.
وهي الألفاظ الموضوعة له التي لا تحتمل غيره. (وهو لفظ الطلاق وما تصرف منه).
وحكمه: يقع الطلاق بمجرد نطقه به ولو لم ينوه، لأنه فراق معلق على لفظ فحصل به، وليس عملاً يتقرب به الإنسان إلى ربه حتى نقول: إنما الأعمال بالنيات. [قاله الشيخ ابن عثيمين ﵀].
مثل: أنتِ طالق، أنتِ مطلقة، طلقتك، فلو قال رجل لزوجته: أنت طالق، فإنها تطلق ولو لم ينوه.
فائدة:
لو قال الزوج: أنا أقصد بقولي: أنتِ طالق، طالق من وثاق، فهل يقبل؟ فيه تفصيل: أما حكماً فلا يقبل، بمعنى أن الزوجة لو حاكمته عند القاضي فلا يقبل، لأن هذا اللفظ صريح في الطلاق لا يحتمل غيره، لكن إن ديّنته الزوجة (وكلته إلى دينِه) فلا يقع في الظاهر، فلها ذلك (فالزوجة تخير) فإن كان زوجها معروفاً بالصدق فلتدينه، وإن كان معروفاً بالكذب والفجور فيجب أن تديّنه.
(جاد أو هازل).
أي: يقع الطلاق من الجاد ومن الهازل.
والفرق بين الجاد والهازل: الجاد قصد اللفظ والحكم، والهازل: قصد اللفظ دون الحكم.
فيقع الطلاق من الهازل.
стр. 2695
وهذا قول الأكثر، وهو قول الحنفية والشافعية.
قال ابن القيم: أما طلاق الهازل فيقع عند الجمهور.
فإذا تلفظ ولو هازلاً بصريح لفظ الطلاق فإن الطلاق يقع.
أ-لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (ثَلَاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: اَلنِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ). رَوَاهُ اَلْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ
والحديث مختلف في صحته، لكن قد ورد معناه موقوفاً على بعض الصحابة:
فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال (أربع جائزات إذا تكلم بهن: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والنذر).
وعن علي ﵁: (ثلاث لا لعِب فيهن: الطلاق، والعتاق، والنكاح).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (ثلاث اللعب فيهن كالجد: الطلاق، والنكاح، والعتق).
ب- ولو قلنا لا يقع لصار مفسدة، وهي أن كل إنسان يطلق امرأته ثم يقول: إنه لم ينوِ.
قال ابن قدامه: قدْ ذَكَرْنَا أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، بَلْ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْقَوْلُ يَكْتَفِي فِيهِ بِهِ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، إذَا كَانَ صَرِيحًا فِيهِ، كَالْبَيْعِ.
وَسَوَاءٌ قَصَدَ الْمَزْحَ أَوْ الْجِدَّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ؛ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ جِدَّ الطَّلَاقِ وَهَزْلَهُ سَوَاءٌ. (المغني).
стр. 2696
وقال البغوي في شرح السنة: اتفق أهلُ العلم على أن طلاق الهازل يقع، فإذا جرى صريح لفظ الطلاق على لسان العاقل البالغ لا ينفعه أن يقول: كنت فيه لاعباً أو هازلاً لأنه لو قُبِلَ ذلك منه، لتعطلت الأحكام، وقال كل مطلِّق، أو ناكح، إني كنت في قولي هازلاً فيكون في ذلك إبطال أحكام الله تعالى، فمن تكلم بشئ مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه، وخص هذه الثلاث بالذكر لتأكيد أمر الفرج. والله أعلم.
وذهب بعض العلماء: إلى أن طلاق الهازل لا يقع.
وهو قول جماعة من العلماء.
واستدلوا بقوله تعالى (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فدل على اعتبار العزم، والهازل لا عزم له.
قالوا: ولأن الهازل لم يرد الطلاق ولا نوى معناه، فكيف يترتب عليه مقتضاه؟
والراجح قول الجمهور.
(وغيره كناية: كنحو أنتِ خَليّة، وبريّة، وبَتّة، فيقع بنيته).
الكناية: هي الألفاظ التي تحتمل الطلاق وغيره.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكِنَائِيَّ فِي الطَّلاقِ هُوَ: مَا لَمْ يُوضَعِ اللَّفْظُ لَهُ، وَاحْتَمَلَهُ، وَغَيْرَهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ أَصْلا لَمْ يَكُنْ كِنَايَةً، وَكَانَ لَغْوًا لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين: كل ما يحتمل الفراق، فهو كناية " انتهى من " الشرح الممتع "
стр. 2697
مثال: كأن يقول الحقي بأهلك، أنت حرة، أنت خلية، اذهبي.
حكمه: لا يقع به الطلاق إلا مع نية أو قرينة.
فإنه إذا قال الحقي بأهلك فإنه يحتمل مجرد الطلب إليها أن تذهب إلى أهلها، ويحتمل إرادة الطلاق.
مع النية: أن يقول لها: الحقي بأهلك، وينوي أنه طلاق.
فائدة:
اختلف العلماء في لفظ (السراح، والفراق) هل يعد التلفظ بها طلاقاً دون اعتبار النية على قولين:
قيل: أن هذين اللفظين (السراح والفراق) لفظان صريحان في الطلاق، فيقع بهما الطلاق دون اعتبار النية.
فلو قال الرجل لزوجته (فارقيني) أو (سرحتك) فإن هذا طلاق ولا ينظر في ذلك إلى النية.
لكونهما جاءا في القرآن بمعنى الطلاق في قوله (وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً) وقوله (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ).
وقوله (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ).
فإن هذه الآيات صريحة في الطلاق، لأنها وردت في القرآن بهذا اللفظ، أي: بمعنى الطلاق.
وقيل: أن هذين اللفظين لا بد من اعتبار النية فيهما كغيرهما كسائر الكنايات.
وهذا اختيار ابن تيمية.
وهذا الراجح.
стр. 2698
(وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي»: تَطْلُقُ فِي الحَالِ).
لأنه ما قبل موته يكون من حين تلفظه.
(وبعدَه لا تَطلق).
لِحُصُولِ البَيْنُونَةِ بِالمَوْتِ.
لأن الموت أعظم فرقة.
ولأن من شرط صحة الطلاق كونه من زوج، وهو بعد موته ليس زوجاً.
وفي "الاختيارات الفقهية" لابن تيمية (١/ ٥٧٦): "وإذا قال: أنت طالق مع موتي أو مع موتك فليس هذا بشيء" انتهى.
وفي "الروض المربع" (٦/ ٥٢٩): "إذا قال: أنت طالق مع موتي أو بعده فلا يقع؛ لأن البينونة حصلت بالموت، فلم يبق نكاح يزيله الطلاق" انتهى.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ (فِي هَذَا الشَّهْرِ»، أَوْ فِي هَذَا اليَوْمِ»، أَوْ فِي هَذِهِ السَّنَة: تَطْلُقُ فِي الحَالِ).
قال لها: أنت طالق في هذا الشهر، فإنها تطلق في الحال.
لأن ما يلي لفظه من الشهر.
لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ وَاليَوْمَ وَالسَّنَةَ ظَرْفًا لِوُقُوعِهِ، فَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا صَالِحٌ لِلْوُقُوعِ فِيهِ.
стр. 2699
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا»، أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ» وَنَحْوَهُ: تَطْلُقُ بِأَوَّلِهِ).
لأنه علق الطلاق على صفة متى وجدت وجد الطلاق.
(وَإِنْ قَالَ: إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ: فَأَنْتِ طَالِقٌ»: تَطْلُقُ بِمُضِيِّ اِثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا).
لأنه علقه على صفة وقد وجدت.
الخلاصة:
متى علق الطلاق على زمن فوجد الزمن تطلق بأوله
لأنه علق الطلاق على صفة وقد وجدت.
(ومن قال لزوجته أنتِ عليّ حرام فهو ظهارٌ ولو نوى بهِ الطلاق).
اختلف العلماء: في تحريم الرجل زوجته على أقوال كثيرة:
القول الأول: يكون ظهاراً.
وهذا هو المشهور من المذهب، واختاره ابن تيمية والشنقيطي.
القول الثاني: أنه يمين مطلقاً، يكفرها بكفارة يمين.
القول الثالث: أنه لغو لا يترتب عليه شيء، واختاره الصنعاني.
القول الرابع: التفصيل على حسب نيته:
إن نوى الظهار فهو ظهار.
وإن نوى الطلاق فهو طلاق.
وإن نوى اليمين فهو يمين.
وإن لم ينو شيئاً ففيه كفارة يمين. واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀.
стр. 2700
باب تعليق الطلاق
(ويقع الطلاقُ منجزاً).
أي: ويقع الطلاق منجزاً، والطلاق المنجز هو الذي يقع في الحال، كأن يقول: هي طالق، فتطلق من الآن، أي: يقع الطلاق في الحال.
(أو معلقاً على شرط كقوله: إذا جاء الوقت الفلاني فأنت طالق، فمتى وجد الشرط الذي علق عليه الطلاق وقع).
تعليق الطلاق ينقسم إلى أقسام:
أولاً: أن يكون تعليقاً محضاً. (سمي محضاً لأنه لا اختيار للزوج فيه).
كأن يقول: إذا طلعت الشمس فأنتِ طالق، فيقع الطلاق إذا طلعت الشمس. (فطلوع الشمس لا تملك منعه).
ومثله: إذا دخل رمضان فأنت طالق، وإذا غربت الشمس فأنت طالق.
ثانياً: أن يعلق الطلاق على فعل زوجته أو فعله هو، كأن يقول لزوجته: إن دخلت دار فلان فأنت طالق، أو ذهبت لبيت أختك فأنت طالق:
فهذه إن قصد إيقاع الطلاق بالفعل إذا حصل المعلق عليه، فإن هذا الطلاق يقع عند حصول ما عُلق عليه قولاً واحداً بلا خلاف.
وإن لم يقصد الطلاق ولكنه يريد بذلك حملها على فعل أو منعها من فعل، فهذه اختلف فيها العلماء على قولين:
القول الأول: يقع الطلاق إذا حصل المعلق عليه.
وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
القول الثاني: أنه لا يقع الطلاق إذا حصل ما علق عليه، وإنما فيه كفارة يمين.
وهذا مذهب داود الظاهري وجماعة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. والله أعلم.
следующие страницы →