Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
فإن قيل: أي فرق بينها وبين البائن في حال الحياة؟
الجواب: أن البائن في حال الحياة ـ إذا كانت حاملاً أوجبنا الإنفاق على زوجها في ماله، وأما المتوفى عنها زوجها فالمال انتقل للورثة فكيف نجعل النفقة في التركة؟! فنقول: لا نفقة لها وإن كانت حاملاً.
فإن قيل: ماذا نصنع فيما إذا حملت، وقد قلنا فيما سبق: إن النفقة للحمل، لا لها من أجله؟
يقولون: إن النفقة تجب في حصة هذا الجنين من التركة، فإن لم يكن تركة، كأن يموت أبوه ولا مال له، فإن النفقة تجب على من تلزمه نفقته من الأقارب، كأن يكون له إخوة أغنياء أو أعمام. (الشرح الممتع).
ولا خلاف بين الفقهاء في أن المعتدة من وفاة إن كانت حائلا (غير حامل) لا نفقة لها في العدة، وجمهورهم على أنه لا نفقة لها أيضاً إن كانت حاملاً. (الموسوعة الفقهية).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر حديث فاطمة بنت قيس هنا مع أنه ليس في المتوفى عنها، والمعنى: أنه إذا كانت البائن حال الحياة لا نفقة لها فالمتوفى عنها من باب أولى.
- وأما قوله تعالى (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهم) فهذه في الحامل المبتوتة وهو قول أكثر المفسرين.
قال الشوكاني: فأما الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال عليّ، وابن عمر، وابن مسعود، وشريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، وابن أبي ليلى، وسفيان وأصحابه: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع.
وقال ابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه: لا ينفق عليها إلاّ من نصيبها، وهذا هو الحق للأدلة الواردة في ذلك من السنة.
стр. 2837
(وَمَنْ حُبِسَتْ وَلَوْ ظُلْماً، أَو نَشَزَتْ، أَوْ تَطَوَّعَتْ بِلَا إِذْنِهِ بِصَوْمٍ، أَوْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا وَلَوْ بإِذْنِهِ سَقَطَتْ).
هذه مسقطات النفقة:
أولاً: (وَمَنْ حُبِسَتْ وَلَوْ ظُلْماً).
فإذا حبست الزوجة سقطت نفقتها.
وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة.
لفوات التمكين، المقابل للنفقة، وله البيتوتة معها في حبسها. … (الروض المربع).
وذهب بعض العلماء: إلى أنها لو حبست ظلماً فإن نفقتها لا تسقط.
قال الشيخ ابن عثيمين: لأن تعذر استمتاعه بها ليس من قبلها، فيكون كما لو تعذر استمتاعه بها لمرض أو نحو ذلك.
ثانياً: (أَو نَشَزَتْ).
فلا نفقة للناشز ما دامت قائمة على نشوزها.
قال ابن قدامة: معنى النشوز: معصيتها لزوجها فيما له عليها مما أوجبه له النكاح .. فمتى امتنعت من فراشه أو خرجت من منزله بغير
إذنه أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها أو السفر معه فلا نفقة لها ولا سكنى في قول عامة أهل العلم.
فائدة:
إذا نشزت المرأة وهي حامل، فهل يلزم الزوج نفقة الحمل، أم لا؟
فيه خلاف بين الفقهاء، وهو مبني على اختلافهم في نفقة الحامل، هل هي للحمل أم للحامل؟ وجمهور العلماء على أن الناشز الحامل لها النفقة، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وقول للشافعية
قال ابن قدامة ﵀: وَهَلْ تَجِبُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ لِلْحَامِلِ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ أَوْ لِلْحَمْلِ، فِيهِ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: تَجِبُ لِلْحَمْلِ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِوُجُودِهِ، وَتَسْقُطُ عِنْدَ انْفِصَاله، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: تَجِبُ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، فَكَانَتْ لَهُ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ، وَلِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، فَأَشْبَهَتْ نَفَقَتَهَا فِي حَيَاتِهِ.
стр. 2838
وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فُرُوعٌ وَإِنْ نَشَزَتْ امْرَأَةُ إنْسَانٍ، وَهِيَ حَامِلٌ، وَقُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ وَلَدِهِ لَا تَسْقُطُ بِنُشُوزِ أُمِّهِ وَإِنْ قُلْنَا: لَهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ. (المغني).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "هذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، فمنهم من يقول:
إن النفقة للحامل من أجل الحمل، ومنهم من يقول: إن النفقة للحمل، لا للحامل من أجله .... وهذا القول الثاني أرجح، لكنه لما كان لا طريق لنا إلى إيصال النفقة إلى الحمل إلا عن طريق تغذيته بالأم، صار الإنفاق على هذه الأم من أجل الحمل.
ينبني على هذا الخلاف: لو كانت الزوجة ناشزاً وهي حامل، فهل لها نفقة؟
إن قلنا: النفقة للحمل [وهو الأرجح كما سبق] وجب لها النفقة، لأن الحمل ليس بناشز، وإن قلنا: إن النفقة لها، سقطت نفقتها، لأنها ناشز. (الشرح الممتع).
وعلى هذا؛ فنفقة الحمل واجبة على الأب، حتى ولو كانت أمه ناشزاً.
ثالثاً: (أَوْ تَطَوَّعَتْ بِلَا إِذْنِهِ بِصَوْمٍ).
أي: إذا صامت الزوجة تطوعاً بلا إذن الزوج سقطت نفقتها، وكذلك إذا حجت.
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَال (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ (غَيْرَ رَمَضَانَ).
стр. 2839
فلا يجوز للزوجة أن تصوم نفلاً إلا بأذن زوجها.
أ-لهذا الحديث.
ب- لأن حق الزوج فرض فلا يجوز تركه بنفل.
فائدة:
في قوله ﷺ (وزوجها شاهد) نستفيد: أن الزوج إذا كان غائباً فيجوز لها أن تصوم ولا تحتاج إلى إذنه.
أ- لمفهوم الحديث.
ب- ولأن صيامها لا يضيع عليه حقاً من حقوقه.
ج- ولأن المعنى المراد من المنع لا يوجد.
فائدة: ٢
صوم الفرض كرمضان لا يحتاج إذن الزوج.
لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
فائدة: ٣
هل يجب على الزوجة أن تستأذن زوجها في قضاء رمضان أم لا؟
هذه المسألة لا تحلو من حالين:
الحال الأولى: أن يضيق الوقت، بأن لم يبق من شعبان إلا بمقدار ما عليها من رمضان.
فهنا لا يجب أن تستأذنه.
الحال الثانية: إذا لم يضق الوقت، (الوقت موسع للقضاء) فهنا اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجب أن تستأذنه.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
أ- لحديث عائشة قالت (كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) متفق عليه.
ب- أنه ليس لها أن تمنع الزوج حقه الذي هو على الفور بما ليس على الفور.
القول الثاني: أنه لا يجب أن تستأذنه.
стр. 2840
وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (لا تصومن امرأة تطوعاً وبعلها شاهد إلا بإذنه) رواه البخاري ومسلم وعبد الرزاق وهذا لفظه.
فمفهوم المخالفة من هذا الحديث يدل على أن لها أن تصوم بغير إذنه إذا لم يكن تطوعاً.
ب- أنه ليس للزوج منع الزوجة من المبادرة إلى قضاء رمضان إلا باختيارها، لأن لها حقاً في إبراء ذمتها من الفرض الذي لزمها
وهذا القول هو الصحيح.
رابعاً: (أَوْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا وَلَوْ بإِذْنِهِ سَقَطَتْ).
أحوال سفر المرأة:
أولاً: إذا سافرت المرأة بغير إذن زوجها، سقط حقها من القسم، وكذلك سقط حقها من النفقة.
لأن القسم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع وقد منعت ذلك بالسفر. [قاله النووي]
معنى قولنا (إن سافرت بغير إذنه فلا قسم) أي: لا يلزمه القضاء إذا رجعت.
ثانياً: فإن سافرت بإذن زوجها لحاجتها، للتجارة مثلاً، أو للحج، أو للعمرة، أو لزيارة أقاربها.
ففي هذه المسألة قولان:
القول الأول: لا نفقة.
لأن النفقة في مقابل الاستمتاع، وقد تعذر بسبب من جهتها، فتسقط.
стр. 2841
القول الثاني: لها النفقة.
لأنها سافرت بإذنه، فأشبه إذا سافرت معه، فهو الذي أسقط حقه في الاستمتاع.
وهذا الراجح.
ثالثاً: إن سافرت بإذنه لحاجته فلها النفقة والقسم.
مثلاً؛ له أم في المستشفى في بلد آخر، وسافرت بإذنه، فالحاجة له هو، ففي هذه الحال نقول: لها النفقة، لأن ذلك لحاجته.
- والخلاصة: سفر المرأة له أحوال:
أولاً: أن تسافر من غير إذنه: فلا قسم لها، ولا نفقة لها لأنها ناشز.
ثانياً: أن تسافر بإذنه لحاجتها، فلا قسم لها، ولها النفقة على الراجح.
ثالثاً: أن تسافر بإذنه لحاجته هو: فهذه لها القسم والنفقة.
(ومتَى لم يُنْفِقْ تبقىَ في ذمتِهِ).
أي: إذا لم ينفق الزوج فإن النفقة تبقى في ذمته ولا تسقط بمضي الزمان.
قال ابن قدامة: وَمَنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ لَامْرَأَته مُدَّةً، لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ، وَكَانَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا لَعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ، فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
أ- وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ، يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى.
стр. 2842
ب- وَلِأَنَّهَا حَقٌّ يَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، كَأُجْرَةِ الْعَقَارِ وَالدُّيُونِ.
ج-قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذِهِ نَفَقَةٌ وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَزُولُ مَا وَجَبَ بِهَذِهِ الْحُجَجِ إلَّا بِمِثْلِهَا.
د- وَلِأَنَّهَا عِوَضٌ وَاجِبٌ فَأَشْبَهْت الْأُجْرَةَ. … (المغني).
فصل
في هذا الباب النفقة على الأقارب.
الأقارب: جمع قريب، وهو الاتصال بين شخصين بولادة قريبة أو بعيدة.
والمراد بالأقارب هنا: من يرثه بفرض أو تعصيب.
(وعلى الإنسان نفقة أصوله وفروعه الفقراء إذا كان غنياً، وكذلك من يرثه بفرض أو تعصيب).
- قوله (وعلى الإنسان نفقة … ) دليل على وجوب النفقة على الأقارب.
والأدلة على وجوب نفقة الأقارب.
أ- قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما، بل هو من أعظم الإحسان.
ب- وقوله تعالى (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
ج- وقوله تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ).
د- وَعَنْ طَارِقِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ (قَدِمْنَا اَلْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: "يَدُ اَلْمُعْطِي اَلْعُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) رَوَاهُ النَّسَائِي.
هـ_ وعن عائشة. قالت. قال رسول الله ﷺ (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم).
стр. 2843
- قوله (. . . الفقراء إذا كان غنياً. .) هذه شروط النفقة على الأقارب:
الشرط الأول: قوله (إذا كان غنياً) أي: غِنَى المنفِق.
فإن كان فقيراً فإنه لا يلزمه الإنفاق.
والمراد بالغنى هنا: أن يفضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يوم وليلته.
والدليل على هذا الشرط:
أ-قوله ﷺ (ابدأ بنفسك) رواه مسلم.
ب-ولقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار).
الشرط الثاني: قوله (الفقراء .. ) أي: عجز المنفَق عليه [أن يكونوا فقراء]، بأن يكون معدماً عاجزاً عن التكسب.
فالمراد بالفقر هنا: فقر مال [بأن لا يجد مالاً] وفقر عمل [ما لكونه ضعيفاً لا يستطيع العمل، وإما لكونه لا يجد عملاً].
فإن كان غنياً بماله أو بكسبه فإنه لا نفقة له، لأنه إن كان غنياً بماله فالمال عنده، وإن كان غنياً بكسبه فإننا نلزمه بأن يكتسب.
الشرط الثالث: قوله (وكذلك من يرثه بفرض أو تعصيب) أي: أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض أو تعصيب (سوى عمودي النسب فلا يشترط).
стр. 2844
والدليل على وجوب نفقة القريب الذي يرثه المنفِق بفرض أو تعصيب:
أ- قوله تعالى (وعلى الوارث مثل ذلك).
ب- ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث من سائر الناس.
الشرط الرابع: اتفاق الدين بين المنفق وبين المنفق عليه.
لأن الله قطع الموالاة بين الكافرين والمسلمين.
وهناك قول آخر في المسألة: أن هذا شرط إلا في عمودي النسب، فالأب ينفق عليه وإن كان كافراً، والولد ينفق عليه وإن كان كافراً، أما الأخ فلا ينفق عليه إلا أن يكون مسلماً.
وقيل: أن هذا لا يشترط مطلقاً لعموم قوله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)، وهكذا قوله: (وبالوالدين إخساناً) وقوله: (وآت ذا القربى حقه) فالأدلة عامة، نعم لو كان من المحاربين للإسلام فإنه لا ينفق عليه لأن الحربي المقصود اتلاف نفسه لا إبقاؤه.
أمثلة:
رجل عنده أب فقير وجد فقير، فيجب أن ينفق على أبيه، لأنه ابنه ووارثه، ويجب أن ينفق على جده مع أنه لا يرثه في هذه الصورة.
رجل غني، وأبُ أمهِ فقير، فإنه يجب أن ينفق عليه مع أنه لا يرثه، لأنه من عمودي النسب.
رجل غني له ابن عم فقير، وليس هناك غيرهما من القرابة، فتجب عليه النفقة، لأنه يرثه بالتعصيب.
ابن أخت غني وخاله فقير، فعلى المذهب لا يجب عليه النفقة، وعلى القول الراجح تجب النفقة.
رجل فقير، أمه فقيرة، وجدته موسرة، فنفقته على الجدة وإن كانت غير وارثة، لأن الأصول والفروع لا يشترط فيهم التوارث.
стр. 2845
فائدة: ١
هل تجب النفقة لذوي الرحم أم لا؟ اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: أن النفقة لا تجب على ذوي الأرحام.
وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة.
أ- أن الأصل عدم وجوب النفقة إلا بدليل، ولم يوجد دليل صريح في ذلك.
أن قرابة ذوي الأرحام ضعيفة، بدليل أنها لا تمنع من دفع الزكاة لهم ولا يدخلون في العاقلة، ولذا لا تجب بهذه القرابة النفقة.
القول الثاني: أن النفقة تجب على ذوي الأرحام مطلقاً حتى لو لم يرثوا.
وهذا اختيار ابن تيمية.
لقوله تعالى (وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ).
وجه الدلالة: أن الآية دلت على أن ذوي الأرحام أولى وأحق ببعض، وإذا كان كذلك دل على وجوب النفقة فيما بينهم.
ب- ولقوله تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ).
وجه الدلالة: أن ذوي الأرحام من القرابة، وقد أمر الله بإيتائهم حقهم، ومن حقهم النفقة عليهم.
مثال: ابن أختٍ غني له خال فقير، وهذا الخال ليس له أحد يرثه سوى ابن أخته، الراجح يجب الإنفاق عليه لأنه يرث.
فائدة: ٢
من يقدم بالنفقة؟
الزوجة. لأنها معاوضة، فتطالب بها أو لها الفسخ.
стр. 2846
عَنْ جَابِرٍ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا، بَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِك).
وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (تَصَدَّقُوا. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ. فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ. قَالَ: أَنْتَ أَبْصر). رواه أبو داود.
وتسمية النبي ﷺ النفقة على الأهل صدقة لا يعني أنها مستحبة فقط.
قَالَ الْمُهَلَّب: النَّفَقَة عَلَى الْأَهْل وَاجِبَة بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا الشَّارِع صَدَقَة خَشْيَة أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ قِيَامهمْ بِالْوَاجِبِ لَا أَجْر لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ عَرَفُوا مَا فِي الصَّدَقَة مِنْ الْأَجْر فَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا لَهُمْ صَدَقَة، حَتَّى لَا يُخْرِجُوهَا إِلَى غَيْر الْأَهْل إِلَّا بَعْد أَنْ يَكْفُوهُمْ; تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي تَقْدِيم الصَّدَقَة الْوَاجِبَة قَبْل صَدَقَة التَّطَوُّع ". نقله عنه في " فتح الباري" (٩/ ٦٢٣)
قال الْخَطَّابِيُّ: " هَذَا التَّرْتِيب إِذَا تَأَمَّلْته عَلِمْت أَنَّهُ ﷺ قَدَّمَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى وَالْأَقْرَب فَالْأَقْرب.
وقال النووي: إذا اجتمع على الشخص الواحد محتاجون ممن تلزمه نفقتهم، نظرَ: إن وفَّى ماله أو كسبه بنفقتهم فعليه نفقة الجميع قريبهم وبعيدهم، وإن لم يفضل عن كفاية نفسه إلا نفقة واحد، قدَّم نفقة الزوجة على نفقة الأقارب … لأن نفقتها آكد، فإنها لا تسقط بمضي الزمان، ولا بالإعسار.
وقال المرداوي: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُ نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا، وَأَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا بِالْمَعْرُوفِ … إذَا فَضَلَ عَنْ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ.
والشوكاني: وقد انعقد الإجماع على وجوب نفقة الزوجة، ثم إذا فضل عن ذلك شيء فعلى ذوي قرابته.
стр. 2847
فلم يختلف العلماء في تقديم الزوجة على الوالدين في النفقة، وإنما اختلفوا في الزوجة والولد أيهما يقدم؟
قال الشيخ ابن عثيمين: فالصواب أنه يبدأ بنفسه، ثم بالزوجة، ثم بالولد، ثم بالوالدين، ثم بقية الأقارب.
(وإن كان للفقير وارثان فأكثر، فنفقته عليهم على قدْر إرثهم).
لأن الله تعالى علق وجوب النفقة على الإرث، والحكم يدور مع علته فبقدر الإرث يلزم بالنفقة.
أمثلة:
رجل فقير له أم موسرة، وجد موسر.
فهنا يكون على الأم الثلث وعلى الجد الباقي وهو الثلثان، لأنه لو مات ميت عن أم وجد من قِبل أبيه لورثه كما ذكرنا: الأم الثلث والجد الباقي.
(إلا من له أبٌ فإن نفقتَه على أبيهِ خاصةً).
أي: أن الأب ينفرد بنفقة ولده.
أ-لقوله تعالى (وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
ب- ولحديث هند السابق في قوله ﷺ (خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك).
قال ابن القيم: وفيه دليل على تفرد الأب بنفقة أولاده ولا يشاركه فيها الأم وهذا إجماع من العلماء إلا قول شاذ لا يلتفت إليه، وأن على الأم من النفقة بقدر ميراثها. (زاد المعاد).
المراد بالأب هنا الأب الأدنى، وليس المراد به الجد.
فإذا وجد أم أغنية وأب غني ولهما ولد، فالنفقة على الأب.
стр. 2848
فائدة:
مسألة: لو كان رجل فقير، وله أب غني وابن غني، فهل ينفرد الأب بالنفقة؟ أو نقول: إنها على الابن، أو نقول: إن على الأب السدس والباقي على الابن؛ لأنهما يرثان كذلك؟
أمَّا المذهب فظاهر كلامهم في هذه الصورة أن النفقة على الأب، لعموم قوله تعالى: (وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
والقول الثاني: اختاره ابن عقيل من أصحابنا، أن النفقة على الابن.
والقول الثالث: أن على الأب السدس، والباقي على الابن.
ويمكن أن نجيب على القول الأول بأن الآية في الرضيع، والرضيع ليس له ولد، والله ـ تعالى ـ يقول في الرضيع: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) (وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ) فالآية ليست شاملة، إنما هي حكم في صورة معيَّنة، وهي أمٌّ ترضع طفلاً لشخص، فعليه أن ينفق عليه، أما الصورة التي ذكرناها فلا تدخل في الآية.
والراجح في المسألة أن يقال: إنها تجب على الابن فقط؛ وذلك لأن الابن مأمورٌ بِبِرِّ أبيه أكثر من أمر الأب ببرِّ ابنه.
ولأن النبي ﷺ يقول: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم).
ويقول (أنت ومالك لأبيك).
ويقول في فاطمة ﵂ (إنها بضعة مني)، فالإنسان جزء من أبيه. (الشرح الممتع).
стр. 2849
(وَعلَى الأَبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهِ وَيُؤَدِّيَ الأُجْرَةَ).
أي: أن الزوجة إذا طلبت من زوجها أجرة على إرضاعها أولادها منه وجب عليه ذلك.
لقول الله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ).
وهذا مذهب الإمام أحمد ﵀.
ولكن الصحيح في ذلك أن الزوجة إذا كانت في عصمة الزوج، فلا يجوز لها أن تطلب أجرة مقابل إرضاعها لأولادها.
لأن ذلك واجب عليها، وليس لها حينئذ إلا النفقة فقط.
لقول الله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
وأما إذا كانت مطلقة، وليست في عصمة زوجها، فلها أن تطلب أجرة على إرضاعها أولادها منه، وذلك لقوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ)، فهذه الآية في حق المطلقة، والآية الأولى في حق الزوجة.
وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ورجحه من المعاصرين الشيخ ابن عثيمين ﵀.
قال ابن تيمية: وإرضاع الطفل واجب على الأم، بشرط أن تكون مع الزوج، وهو قول ابن أبي ليلى وغيره من السلف. ولا تستحق أجرة المثل زيادة على نفقتها وكسوتها، وهو اختيار القاضي وقول الحنفية؛ لأن الله تعالى يقول: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) فلم يوجب لهن إلا الكسوة والنفقة بالمعروف، وهو الواجب بالزوجية.
стр. 2850
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وظاهر كلام المؤلف أن عليه أن يؤدي الأجرة سواء كانت الأم معه، أو بائناً منه، فإذا طلبت الأم من زوجها أن يؤدي الأجرة عن إرضاع الولد، ولو كانت تحته، فعليه أن يؤدي الأجرة، نأخذ ذلك من قول المؤلف (وعلى الأب أن يسترضع لولده) ولم يقيده بما إذا كانت الأم بائناً، والدليل على ذلك عموم قوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو المشهور من المذهب [يعني: مذهب الإمام أحمد] وأن الأجرة حق لها.
واختار شيخ الإسلام: أنه إذا كانت المرأة تحت الزوج فليس لها إلا الإنفاق فقط، وليس لها طلب الأجرة.
وما قاله الشيخ أصح؛ لأن الله قال: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وهذا في المطلقات، والمطلقة ليست مع الزوج، وأما التي مع زوجها فقال تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) فإن قلت: إذا كانت زوجة فعلى الزوج النفقة والكسوة بالزوجية، سواء أرضعت أم لم ترضع؟ قلنا: لا مانع من أن يكون للإنفاق سببان، فإذا تخلف أحدهما بقي الآخر، فلو كانت الزوجة في هذه الحال ناشزاً، فليس لها الإنفاق بمقتضى الزوجية، لكن بمقتضى الإرضاع لها نفقة، ومن المعلوم أنك لو استقرأت أحوال الناس من عهد الرسول ﷺ إلى اليوم ما وجدت امرأة من النساء تطالب زوجها بأجرة إرضاع الولد، وهذا
هو القول الصحيح. (الممتع).
النفقة على المماليك
стр. 2851
(وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ طَعَاماً، وَكِسْوَةً، وَسُكْنَى).
أي: يجب على الإنسان أن ينفق على رقيقه.
أ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ اَلْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ب- وعَن أبي ذر. قال: قال ﷺ (إِخْوَانُكُمْ أَخَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدَيْهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ عَلَيْه) متفق عليه.
قال ابن قدامة: وأجمع العلماء على وجوب نفقة المملوك على سيده، ولأنه لا بد له من نفقة، ومنافعه لسيده، وهو أخص الناس به، فوجبت نفقته عليه، كبهيمته.
فائدة:
مقدار النفقة على الرقيق: بالمعروف.
ينفق عليه بالمعروف من المسكن والملبس والمأكل ما يكفيه. (بالمعروف: ما تعارف عليه الناس).
والنفقة على الرقيق على قسمين:
نفقة واجبة (أن ينفق عليه ما يكفيه وإن كان دون ما يأكل هو ويلبس).
ونفقة مستحبة (أن ينفق عليه من جنس ما ينفق على نفسه من المطعم والملبس والمسكن).
قال ابن قدامة: والواجب من ذلك قدر كفايته من غالب قوت البلد، سواء كان قوت سيده، أو دونه، أو فوقه، وأدم مثله بالمعروف.
стр. 2852
لقوله ﷺ (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف).
والمستحب أن يطعمه من جنس طعامه.
لقوله ﷺ (فليطعمه مما يأكل).
فجمعنا بين الخبرين، وحملنا خبر أبي هريرة على الإجزاء، وحديث خبر أبي ذر على الاستحباب.
(وأن يُزوّجَه إن طلب).
أي: إن طلب العبد من السيد تزويجه وجب على السيد أن يزوجه.
لقوله تعالى (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ).
ولأن تزويجه من الإنفاق.
أو يبيعه على شخص يغلب على الظن تزويجه.
(وَإِنْ طَلَبَتْهُ أَمَةٌ وَطِئَهَا، أَوْ زَوَّجَهَا، أَوْ بَاعَهَا).
إذا طلبت الأمَة الزواج فيلزم السيد إعفافها بواحدة من أمور ثلاثة:
إما بأن يطأها. . . أو يزوجها. . . أو يبيعها.
(ويحرم أن يكلفه ما لا يطيق).
للأحاديث السابقة:
(ولا يكلف ما لا يطيق).
(وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ عَلَيْه).
стр. 2853
(وأن يضربه على وجهه).
أي: يحرم أن يضرب عبده على وجهه. (وقد تقدمت أدلة تحريم ضرب الوجه في كتاب النكاح)
وعن ابْنَ عُمَر. قال: قال ﷺ (مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَه) رواه مسلم.
(ويجبُ أن يريحَه وقت القيلولة، ووقت النوم، ووقت الصلاة).
أي: يجب على السيد أن يريح رقيقه من الخدمة في هذه الأوقات الثلاثة:
وقت القيلولة: ليأخذ نصيبه من النوم والراحة.
ووقت النوم بالليل.
ووقت الصلاة المفروضة ليؤديها.
(ويُسَن مداواته إن مرِض).
أي: يسن أن يعالج رقيقه إذا مرض.
إزالة للضرر عنه.
وذهب بعض العلماء: إلى وجوب ذلك.
لأنه محبوس عليه.
وهذا أرجح.
النفقة على البهائم
стр. 2854
(وعلَى مالكِ البهيمة إطعامها وسقيها).
أي: يجب على الإنسان نفقة بهائمه بالمعروف من علفها وسقيها وما يصلحها ويقيها من البرد والحر.
أ- عنِ ابنِ عُمر أنّْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال (عُذِّبتِ امْرَأةٌ في هِرَّةٍ حبستها حَتَّى ماتَتْ، فَدَخلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أطْعمتْهَا وسقَتْها، إذ هي حبَستْهَا وَلَا هِي تَرَكتْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرض) متفق عليه.
فدل هذا الحديث على وجوب النفقة على الحيوان المملوك، لأن السبب في دخول تلك المرأة النار ترك الهرة بدون إنفاق.
ب- وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ) رواه مسلم.
(فإنْ امتنع اُجبِر).
أي: إن امتنع من النفقة على بهائمه أجبره الحاكم على ذلك.
(فَإِنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهَا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، أَوْ إِجَارَتِهَا، أَوْ ذَبْحِهَا، إِنْ أُكِلَتْ).
أي: إذا عجز مالك البهيمة عن الإنفاق عليها فإنه يخير بين:
بيعها. . . أو يؤجرها. . . أو يذبحها إن كانت مما تؤكل.
لأن بقاءها مع عدم الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته.
فائدة:
وإن كانت لا تؤكل ولا تشترى وهو عاجز عن الإنفاق عليها فإنه يسيبها.
لحديث جابر (أنه كان يسير على جمل له قد أعْيا، فأراد أن يسيبَه، … ) متفق عليه.
стр. 2855
(ويَحرُم لعنُها).
أي: يحرم لعن الحيوان.
أ-عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ (بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَامْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ». قَالَ عِمْرَانُ فَكَأَنِّى أَرَاهَا الآنَ تَمْشِى فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ. رواه مسلم.
ب-عَنْ أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ (بَيْنَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ الْقَوْمِ إِذْ بَصُرَتْ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَتَضَايَقَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَقَالَتْ حَلْ اللَّهُمَّ
الْعَنْهَا. قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُصَاحِبُنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ) رواه مسلم.
(حَلْ) كلمة تقال لزجر الإبل حتى تسرع المشي.
قال النووي: قَوْله ﷺ فِي النَّاقَة الَّتِي لَعَنَتْهَا الْمَرْأَة: (خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَة) وَفِي رِوَايَة: (لَا تُصَاحِبنَا نَاقَة عَلَيْهَا لَعْنَة): إِنَّمَا قَالَ هَذَا زَجْرًا لَهَا وَلِغَيْرِهَا، وَكَانَ قَدْ سَبَقَ نَهْيهَا، وَنَهْي غَيْرهَا عَنْ اللَّعْن، فَعُوقِبَتْ بِإِرْسَالِ النَّاقَة. وَالْمُرَاد النَّهْي عَنْ مُصَاحَبَته لِتِلْكَ النَّاقَة فِي الطَّرِيق، وَأَمَّا بَيْعهَا وَذَبْحهَا وَرُكُوبهَا فِي غَيْر مُصَاحَبَته ﷺ ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَات الَّتِي كَانَتْ جَائِزَة قَبْل هَذَا: فَهِيَ بَاقِيَة عَلَى الْجَوَاز; لِأَنَّ الشَّرْع إِنَّمَا وَرَدَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُصَاحَبَة، فَبَقِيَ الْبَاقِي كَمَا كَانَ" انتهى.
وقال الخطابي: قلت: زعم بعض أهل العلم أن النبي ﷺ إنما أمرهم بذلك فيها لأنه قد استجيب لها الدعاء عليها باللعن: واستدل على ذلك بقول: فإنها ملعونة، وقد يحتمل أن يكون إنما فعل ذلك عقوبة لصاحبتها، لئلا تعود إلى مثل قولها" انتهى.
وقال ابن القيم: وَالصَّوَاب أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عُقُوبَة لَهَا، لِئَلَّا تَعُود إلى مِثْل قَوْلهَا، وَتَلْعَن مَا لَا يَسْتَحِقّ اللَّعْن …
стр. 2856
(وتحميلها مشقاً).
أي: يحرم أن يحمل فوق الحيوان ما يشق عليه.
لما في ذلك من الضرر عليها.
(وضربها في وجهها ووسمها فيه).
وقد جاء الأحاديث في تحريم ذلك.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) ق. ولمسلم (إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ).
وفي رواية (إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) م.
عَنْ جَابِرٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ) م.
وفي لفظ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الَّذِى وَسَمَهُ) م.
قال النووي: وأما الوسم في الوجه فمنهي عنه بالإجماع للحديث … وقال جماعة من أصحابنا: يكره، وقال البغوي من أصحابنا: لا يجوز، فأشار إلى تحريمه، وهو الأظهر، لأن النبي ﷺ لعن فاعله، واللعن يقتضي التحريم. (نووي).
وأما الوسم في غير الوجه؛ فقد نص الفقهاء على أنه يجوز الوسم في الأذن ويجوز في غير الأذن من بدن البهيمة.
قال النووي ﵀: وأما وسم غير الوجه من غير الآدمي فجائز بلا خلاف عندنا". انتهى
وقد ورد في السنة ما يدل على أن الرسول ﷺ وسم الدابة في أذنها:
فعن أنس رضي الله عن قال: (دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِرْبَدًا وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا. قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ فِى آذَانِهَا.) رواه مسلم.
стр. 2857
باب الحضانة
(وهي حفظ الطفل عما يضره والقيام بمصالحه).
هذا تعريف الحضانة: هي حفظ الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه في سن معينة.
قال النووي: هي القيام بحفظ من لم يميز ولا يستقل بأمره، وتربيته بما يصلحه، ووقايته عما يؤذيه.
وقال الماوردي: هي الحفظ والمراعاة وتدبير الولد والنظر في مصالحه.
فائدة: ١
وهي من محاسن الشريعة الإسلامية وعنايتها ورعايتها بالضعفاء والمحتاجين، لأن المقصود منها أمور ثلاثة:
الأول: القيام بمؤن المحضون من طعامه وشرابه ولباسه ومضجعه وتنظيف جسمه.
الثاني: حفظه عما يؤذيه برعاية حركاته وسكناته في منامه ويقظته.
الثالث: تربيته بما يصلحه، سواء كان ذلك في دينه أو دنياه.
فائدة: ٢
وسبب الحضانة: الفراق بين الزوجين، فان الحضانة لا يأتي موضوعها الا إذا حصل نزاع بين الزوجين بطلاق أو غيره وبينهما أطفال.
- وليُعلم أن مدة الحضانة هي إلى سن التمييز والاستغناء، أي: أنه تستمر الحضانة إلى أن يميِّز المحضون ويستغني عن حاضنه، بمعنى أن يأكل وحده ويشرب وحده، ويستنجي وحده ونحو ذلك.
(وهي واجبة على من تجب عليه النفقة).
أي: أن رعاية المحضون واجبة على الحاضن، لأنه قد يهلك بترك الحفظ، فوجب حفظه عن الهلاك، فهي في حق من وجبت عليه تعد من الواجبات العينية خاصة إذا لم يوجد إلا الحاضن، أو وجِد ولكن لم يقبل الصبي غيره، أما في حالة تعدد الحاضن فيكون الوجوب كفائياً.
قال ابن قدامة: كَفَالَةُ الطِّفْلِ وَحَضَانَتُهُ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ حِفْظُهُ عَنْ الْهَلَاكِ، كَمَا يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَإِنْجَاؤُهُ مِنْ الْمَهَالِكِ وَيَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِقَرَابَتِهِ، لِأَنَّ فِيهَا وِلَايَةً عَلَى الطِّفْلِ وَاسْتِصْحَابًا لَهُ، فَتَعَلَّقَ بِهَا الْحَقُّ، كَكَفَالَةِ اللَّقِيط.
стр. 2858
(وَالأَحَقُّ بِهَا أُمٌّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى، ثُمَّ أَبٌ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذلِكَ، ثُمَّ جَدٌّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذلِكَ، ثُمَّ أُخْتٌ لأَبَوَيْنِ ثُمَّ لأَمٍّ، ثُمَّ لأَبٍ، ثُمَّ خَالَةٌ لأِبَوَيْنِ، ثُمَّ لأِمٍّ، ثُمَّ لأِبٍ، ثُمَّ عَمَّاتٌ كَذلِكَ، ثُمَّ خَالَاتُ أُمِّهِ، ثُمَّ خَالَاتُ أَبِيهِ، ثُمَّ عَمَّاتُ أَبِيهِ، ثُمَّ بَنَاتُ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، ثُمَّ بَنَاتُ أَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ، ثُمَّ بَنَاتُ أَعْمَامِ أَبِيهِ، وَبَنَاتُ عَمَّاتِ أَبِيهِ، ثُمَّ لِبَاقِي الْعَصَبَةِ، الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ).
أي: أن الأحق بحضانة الطفل أمه، لشفقتها.
ولحديث عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ (أَنَّ اِمْرَأَةً قَالَتْ: - يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ اِبْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
فائدة: ١
نستفيد: أن الأم أحق بالحضانة من الزوج مالم تتزوج وكانت صالحة للحضانة.
قال ابن المنذر ﵀: أجمعوا أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أن الأم أحق به ما لم تنكح، وأجمعوا على أن لا حق للأم في الولد إذا تزوجت.
وقال في المغني: وجملته أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل، فأمه أولى الناس بكفالته إذا كملت الشرائط فيها ذكراً كان أو أنثى.
وهذا قول يحيي الأنصاري والزهري والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ولا نعلم أحداً خالفهم. (المغني).
وقال ابن القيم ﵀: ودل الحديث - أي: حديث (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) - على أنه إذا افترق الأبوان وبينهما ولد: فالأم أحق به من الأب، ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وهذا ما لا يُعرف فيه نزاع.
стр. 2859
فائدة: ٢
الحكمة من هذا التفصيل:
هذا التفصيل من الشارع الحكيم راعى فيه حق الطفل وحق الزوج الجديد، فالأم قبل الزواج متفرغة للطفل وإصلاح شؤونه فحقه عليها باق، أما بعد الزواج فإنها ستهمل أحد الحقين إما حق زوجها وهو آكد وإما أن تعتني بزوجها فتهمل الطفل الذي يحتاج إلى العناية
الدائمة.
فائدة: ٣
الأم إذا تزوجت سقطت حضانتها.
لحديث الباب (أنت أحق به ما لم تنكحي).
فائدة: ٤
الحكمة من سقوط حضانتها بالزواج؟
التمس الفقهاء عدة حكم لسقوط حضانتها إذا تزوجت:
أولاً: لأنها قد تكون مشغوله عن الولد بمعاشرة الزوج الجديد.
ثانياً: أن هذا الصغير قد يلحقه شيء من الجفاء والغلظة من قِبَل الزوج الجديد، وهذا يؤثر على الطفل.
فائدة: ٥
متى يسقط حقها من الحضانة إذا تزوجت؟
فقيل: يسقط حقها من الحضانة بمجرد العقد.
وهذا مذهب الجمهور
فإذا عقد على المرأة ونازعها زوجها سقط حقها من الحضانة.
стр. 2860
قالوا: لأنها قد تكون مشغولة بمهام زوجها ومتطلبات الحياة الزوجية الجديدة.
وقيل: إن الحضانة لا تسقط إلا بالدخول.
وهذا قول المالكية.
قالوا: إن الدخول هو الأمر الذي تنشغل به الأم عن طفلها.
والراجح القول الأول.
قال ابن القيم: وَالْأَشْبَهُ سُقُوطُ حَضَانَتِهَا بِالْعَقْدِ لِأَنّهَا حِينَئِذٍ صَارَتْ فِي مَظِنّةِ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْوَلَدِ وَالتّهَيّؤِ لِلدّخُولِ وَأَخْذِهَا حِينَئِذٍ فِي أَسْبَابِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
فائدة: ٦
قوله في الحديث (ما لم تنكحي) هل هو على ظاهره أم لا؟
ذهب بعض العلماء أنه على ظاهره، سواء تزوجت قريباً للمحضون أو بعيداً.
لكن ذهب بعض العلماء إلى أنها إذا تزوجت بقريب من الطفل المحضون فلا تسقط حضانتها، لأن القريب له حق في الحضانة وله شفقة تحمله على رعاية الطفل.
اختار ابن القيم واختاره أيضاً الشيخ السعدي أن الأم أحق بالحضانة إذا رضي الزوج، وذلك لأن حقها سقط لحق الزوج الجديد، فإذا رضي بإسقاط حقه في حضانة هذه المرأة فلا وجه لإسقاط حقها.
فائدة: ٧
للوالد الحق في زيارة ولده المحضون عند أمه، وذلك باتفاق العلماء.
جاء في (الموسوعة الفقهية) لكل من أبوي المحضون إذا افترقا حق رؤيته وزيارته، وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء، لكنهم يختلفون في بعض التفاصيل " انتهى.
стр. 2861
وجاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) إذا خرجت الزوجة من بيت الزوجية أو حصلت فرقة بين الزوجين بطلاق مثلا، وبينهما مولود أو أكثر: فإنه لا يجوز في الشريعة الإسلامية أن يمنع أحدهما الآخر من رؤية المولود بينهما وزيارته، فإذا كان المولود مثلا في حضانة أمه، فلا يجوز لها منع والده من رؤيته وزيارته؛ لأن الله سبحانه أوجب صلة الأرحام بقوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى) وفي الحديث: (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة).
فائدة: ٨
قال ابن قدامة: وَإِنْ تَرَكْت الْأُمُّ الْحَضَانَةَ مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا لَهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَنْتَقِلُ إلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ أُمَّهَاتِهَا فَرْعٌ عَلَيْهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا، سَقَطَ فُرُوعُهَا وَالثَّانِي: تَنْتَقِلُ إلَى أُمِّهَا وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَبْعَدُ، فَلَا تَنْتَقِلُ الْحَضَانَةُ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ. (المغني).
(ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى).
فأمهات الأم مقدمات على الأب، وعلى أمهات الأب.
فلو تنازعت جدة لأم مع الأب في حضانة الولد فإن هذه الجدة تقدم على الأب؛ لأنها مدلية بالأم، والأم أحق من الأب، فصارت هي أحق من الأب أيضاً، وإن كانت من حيث الدرجة أبعد.
وهذا قول جمهور العلماء: أن أحق الناس بالحضانة بعد الأم إذا ماتت أو لم تكن أهلاً للحضانة: أمهاتها المدليات بإناث، القربى فالقربى، أي جدة الطفل لأمه، وإن علت.
стр. 2862
قال ابن المنذر ﵀: أجمع مالك والشافعي وأبو ثور والنعمان على: أن الرجل إذا طلق امرأته، ولها منه أولاد صغار، أنها أحق بولدها، ما داموا صغاراً، فإن تزوجت، فإنها أحق بهم إن كان لها أم. (الإشراف).
وفي " فتاوى اللجنة الدائمة: أحق الناس بحضانة الطفل أمه إذا افترق الزوجان، فإن تزوجت انتقلت الحضانة إلى أم الأم، فإن عدمت انتقلت إلى أم الأب؛ لأن الحضانة للنساء، وأمه أشفق عليه من غيرها.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أن الأب مقدم على أم الأم.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.
(ثُمَّ أَبٌ)
أي: إن لم يكن هناك أم، ولا أمهات للأم، انتقلت الحضانة إلى الأب.
لقوله ﷺ : أنتِ أحق به، أي: منه، فيدل على أن درجته بعدها.
ولأن الأب هو أصل النسب فكان أولى من غيره.
(ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذلِكَ).
لأنهن يدلين بعصبة قريبة.
(ثُمَّ الجَدٌّ) لأب.
لأنه في معنى الأب.
ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذلِكَ، ثُمَّ أُخْتٌ لأَبَوَيْنِ ثُمَّ لأَمٍّ ثُمَّ لأَبٍ، ثُمَّ خَالَةٌ لأِبَوَيْنِ، ثُمَّ لأِمٍّ، ثُمَّ لأِبٍ، ثُمَّ عَمَّاتٌ كَذلِكَ، … الخ.).
ذهب جمهور العلماء: إلى أن الخالة مقدمة على العمة المشاحة.
لقوله ﷺ (الخالة بمنزلة الأم) متفق عليه.
ولأن الخالة تدلي بالأم، والعمة تدلي بالأب.
ولأن الخالة أشفق - غالباً - بولد أختها من العمة.
стр. 2863
وذهب ابن تيمية أن العمة أحق من الخالة.
والراجح مذهب الجمهور.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه: وهذا الترتيب الذي ذكره المؤلف ليس مبنياً على أصل من الدليل، ولا من التعليل، وفيه شيء من التناقض، والنفس لا تطمئن إليه، ولهذا اختلف العلماء في الترتيب في الحضانة على أقوال متعددة، ولكنها كلها ليس لها أصل يعتمد عليه، لذلك ذهب شيخ الإسلام ﵀: إلى تقديم الأقرب مطلقاً، سواء كان الأب، أو الأم، أو من جهة الأب، أو من جهة الأم، فإن تساويا قدمت الأنثى، فإن كانا ذكرين أو أنثيين فإنه يقرع بينهما في جهة واحدة، وإلا تقدم جهة الأبوة.
(ولا تَثبتُ لمن فيه رق).
فالحضانة لا تكون لمن فيه رق، فلو كانت الأم رقيقة فلا حق لها في الحضانة.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لأن النبي ﷺ قال للمرأة [أنت أحق به ما لم تنكحي]، فأسقط حقها بالنكاح وذلك لحق الزوج فإن المرأة تنشغل بحق زوجها فكانت أحق به ما لم تنكح، وكذلك الرقيق مشغول بحق سيده ولا شك أن شغله في حق سيده أعظم من شغل المرأة بحق زوجها.
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْحَضَانَةَ لَا تَثْبُتُ لِلرَّقِيقِ.
لأِنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَ نَفْسِهِ، وَالْحَضَانَةُ إِنَّمَا تَحْصُل بِتِلْكَ الْمَنَافِعِ.
стр. 2864
وَلأِنَّ الْحَضَانَةَ وِلَايَةٌ، وَلَا وِلَايَةَ لِرَقِيقٍ.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَتْ أُمُّ الطِّفْل مَمْلُوكَةً وَكَانَ وَلَدُهَا حُرًّا فَحَضَانَتُهُ لِمَنْ يَلِي الأْمَّ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَضَانَةِ إِنْ كَانَ حُرًّا، وَكَذَا إِنْ كَان الأْبُ عَبْدًا فَلَا حَضَانَةَ لَهُ. (الموسوعة).
واختار ابن القيم: أن له حقاً في الحضانة، إذ لا دليل على إسقاط حقه عنها، ولأنه أشفق من غيره.
فقال ﵀: وَأَمّا اشْتِرَاطُ الْحُرّيّةِ فَلَا يَنْتَهِضُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يَرْكَنُ الْقَلْبُ إلَيْهِ وَقَدْ اشْتَرَطَهُ أَصْحَابُ الْأَئِمّةِ الثّلَاثَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي حُرّ لَهُ وَلَدٌ مِنْ أَمَةٍ إنّ الْأُمّ أَحَقّ بِهِ إلّا أَنْ تُبَاعَ فَتَنْتَقِلُ فَيَكُونُ الْأَبُ أَحَقّ بِهَا وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ. (زاد المعاد).
(ولا لكافرٍ على مسلم).
أي: أنه يشترط أن يكون الحاضن مسلماً، فلا حضانة لكافر.
أ- لقوله تعالى (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً).
ب- ولأن الفاسق لا حضانة له [عند الجمهور] فالكافر من باب أولى.
ج- ولأن الفتنة بالأب الكافر أو الأم الكافرة عظيمة جدا فإن ذلك فتنة عن دينه وقد قال ﷺ [فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه] ولا سيما بعد تمييزه أي حيث صار الطفل مميزاً وأصبح يتلقى ويتعلم ويتربى.
قال ابن قدامة: وَلَنَا، أَنَّهَا وِلَايَةٌ، فَلَا تَثْبُتُ لَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْمَالِ، وَلِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلْفَاسِقِ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى، فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ، فَإِنَّهُ يَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، وَيُخْرِجُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ بِتَعْلِيمِهِ الْكُفْرَ، وَتَزْيِينِهِ لَهُ، وَتَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَعْظَمُ الضَّرَرِ وَالْحَضَانَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ لَحَظِّ الْوَلَدِ، فَلَا تُشْرَعُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ هَلَاكُهُ وَهَلَاكُ دِينه. (المغني).
стр. 2865
وقال ابن القيم: لا حضانة لكافرٍ على مسلم لوجهين:
أحدهما: أن الحاضن حريص على تربية الطفل على دينه وأن ينشأ عليه ويتربى عليه فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه، وقد يغيِّره عن فطرة الله التي فطر عليها عباده فلا يراجعها أبداً كما قال النبي ﷺ (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه) فلا يُؤمن تهويدُ الحاضن وتنصيره للطفل المسلم.
فإن قيل: الحديث إنما جاء في الأبوين خاصة، قيل: الحديث خرج مخرج الغالب، إذ الغالب المعتاد نشوء الطفل بين أبويه فإن فقد أو أحدهما قام ولي الطفل من أقاربه مقامهما.
الوجه الثاني: أن الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفار، وجعل المسلمين بعضَهم أولياء بعض، والكفار بعضهم مِن بعض، والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله بين الفريقين. (زاد المعاد).
(ولا لفاسق).
أي: أن من شروط الحاضن أن يكون عدلاً فلا حضانة لفاسق. (الفاسق: من أتى بكبيرة ولم يتب منها أو أصر على صغيرة).
وهذا مذهب جماهير العلماء أنه لا حضانة لفاسق.
أ- لأنه لا يوثق بحضانته.
ب- ولأن في الحضانة ذريعة إلى إفساد الطفل وتربيته على مساوئ الأخلاق.
واختار ابن القيم واختاره الشيخ السعدي: أن الفاسق له حق في الحضانة، قالوا: وعليه العمل المستمر في الأعصار والأمصار وأن الحضانة تكون للوالد أباً كان أو أماً وإن كان فاسقاً، ولأن الناس في عهد النبي ﷺ لم يكونوا يخلون من الفسق ومع ذلك لم يثبت أن النبي
ﷺ نزع الحضانة من أحد ممن ثبت فسقه وللو كان هذا ثابتاً لنقل إلينا نقلاً بيناً.
стр. 2866
(ولا لِمزوجةٍ بأجنبي من محضون).
أي: أن هذه المرأة لو تزوجت سقطت حضانتها إذا تزوجت بأجنبي من المحضون. (من ليس قريباً للمحضون).
ومفهوم هذا الكلام: أنها لو تزوجت بقريب من المحضون لا تسقط حضانتها.
فلو تزوجت هذه المرأة بابن عم زوجها مثلاً، فإن حضانتها لا تسقط، لأنها تزوجت بقريب للمحضون.
- فتلخص أن لزواج الأم مع الحضانة حالتان:
الأولى: زواجها بأجنبي عن المحضون.
فهنا تسقط حضانتها.
وبهذا قال أكثر العلماء.
الثانية: زواجها بقريب للمحضون كعمه.
فلا تسقط حضانتها.
وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة.
وقيل: وتسقط حضانتها.
لأن الدليل لم يفصل، والله أعلم.
فائدة: ١
تقدم أن المرأة إذا تزوجت بأجنبي فإنها حضانتها تسقط بمجرد العقد.
وهذا مذهب الجمهور
فإذا عقد على المرأة ونازعها زوجها سقط حقها من الحضانة.
قالوا: لأنها قد تكون مشغولة بمهام زوجها ومتطلبات الحياة الزوجية الجديدة.
فائدة: ٢
قال ابن قدامة: وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ لَطِفْلٍ، وَلَا مَعْتُوهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَنْ يَكْفُلُهُ، فَكَيْفَ يَكْفُلُ غَيْرَهُ.
وقال ابن القيم: الْعَقْلُ مُشْتَرَطٌ فِي الْحَضَانَةِ فَلَا حَضَانَةَ لِمَجْنُونٍ وَلَا مَعْتُوهٍ وَلَا طِفْلٍ لِأَنّ هَؤُلَاءِ يَحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يَحْضُنُهُمْ وَيَكْفُلُهُمْ فَكَيْفَ يَكُونُونَ كَافِلِينَ لِغَيْرِهِمْ.
стр. 2867
وجاء في (الموسوعة الفقهية) تَسْقُطُ الْحَضَانَةُ بِوُجُودِ مَانِعٍ مِنْهَا، أَوْ زَوَال شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ اسْتِحْقَاقِهَا، كَأَنْ تَتَزَوَّجَ الْحَاضِنَةُ بِأَجْنَبِيٍّ عَنِ الْمَحْضُونِ، وَكَأَنْ يُصَابَ الْحَاضِنُ بِآفَةٍ كَالْجُنُونِ وَالْعَتَهِ، أَوْ يَلْحَقَهُ مَرَضٌ يَضُرُّ بِالْمَحْضُونِ كَالْجُذَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ.
(ومتى زال المانع عاد الحق إليه).
أي: إذا زال المانع الموجود في الحاضن عاد حق الحضانة إليه.
لزوال المانع.
فإذا تاب الفاسق عادت إليه الحضانة، وإذا طلقت الأم عادت إليها الحضانة.
قال ابن قدامة: وَكُلُّ قَرَابَةٍ تُسْتَحَقُّ بِهَا الْحَضَانَةُ، مَنَعَ مِنْهَا مَانِعٌ، كَرِقٍّ، أَوْ كُفْرٍ، أَوْ فُسُوقٍ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ صِغَرٍ، إذَا زَالَ الْمَانِعُ، مِثْلُ أَنْ عَتَقَ الرَّقِيقُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَعَدَلَ الْفَاسِقُ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَبَلَغَ الصَّغِيرُ، عَادَ حَقُّهُمْ مِنْ الْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبهَا قَائِمٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِمَانِعٍ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ، عَادَ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الْمُلَازِمِ، كَالزَّوْجَةِ إذَا طَلُقَتْ.
(فإذا بلغ سبعاً، فإن كان ذكراً خيّر بين أبويهِ فكان مع من اختار).
أي: إذا بلغ المحضون سبع سنوات [وهو سن التمييز]، فإن كان ذكراً خير بين أبويه.
لحديث أبي هريرة. (أن امرأة قالت يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، فجاء زوجها، فقال النبي ﷺ : يا غلام! هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهِما شئت، فأخذ بيد أمِه فانطلقتْ به) رواه أبوداود.
وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
قال ابن قدامة: وجملته أن الغلام إذا بلغ سبعاً، وليس بمعتوه، خير بين أبويه، إذا تنازعا فيه، فمن اختاره منهما، فهو أولى به قضى بذلك عمر، وعلي، وشريح وهو مذهب الشافعي.
стр. 2868
للحديث السابق.
قال ابن قدامة: إنما يُخَيَّرُ الْغُلَامُ [يعني: يخير بين أبويه إذا بلغ سبع سنوات] بِشَرْطَيْن:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، كَانَ كَالْمَعْدُومِ، وَيُعَيَّنُ الْآخَرُ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ الْغُلَامُ مَعْتُوهًا، فَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا كَانَ عِنْدَ الْأُمِّ، وَلَمْ يُخَيَّرْ; لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ بِمَنْزِلَةِ الطِّفْلِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِكَفَالَةِ وَلَدِهَا الْمَعْتُوهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَلَوْ خُيِّرَ الصَّبِيُّ، فَاخْتَارَ أَبَاهُ، ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ، رُدَّ إلَى الْأُمِّ، وَبَطَلَ اخْتِيَارُهُ; لِأَنَّهُ إنَّمَا خُيِّرَ حِينَ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا زَالَ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ، كَانَتْ الْأُمُّ أَوْلَى; لِأَنَّهَا أَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَأَقْوَمُ بِمَصَالِحِهِ، كَمَا فِي حَالِ طُفُولِيَّتِهِ " انتهى
فائدة: ١
قال العلماء: إذا كان بين الأبوين فرق فلا اعتبار باختيار الطفل في هذه الحالة، لأن الطفل قد يؤثر البطالة واللعب، فربما يختار من يجد عنده اللعب والتساهل والعبث، فلا يعرف مصلحة نفسه.
قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخنا ﵀ أي: ابن تيمية - يقول: تنازع أبوان صبيّاً عند بعض الحكام، فخيَّره بينهما فاختار أباه، فقالت له أمه: سله لأي شيء يختار أباه فسأله، فقال: أمي تبعثني كل يوم للكتَّاب والفقيه يضربني، وأبي يتركني للعب مع الصبيان، فقضى به للأم قال: أنت أحق به
فائدة: ٢
قالوا: وإن خير فلم يختر فإنه يقرع بينهما. أو اختارهما معاً، فإنه يقرع بينهما.
стр. 2869
فائدة: ٣
قال العلماء: إذا اختار الطفل أباه كان عنده ليلاً ونهاراً، من أجل أن يحفظه ويعلمه ويؤدبه ولكن لا يجوز له أن يمنعه من زيارة أمهِ، وأما إذا اختار أمه فإنه يكون عندها بالليل ويكون عند أبيه بالنهار، من أجل أن يحفظه ويعلمه ويؤدبه.
(وإن كانت أنثى فعند أبيها)
أي: أن الأنثى بعد السابعة تكون عند أبيها.
وهذا مذهب الحنابلة.
لأنه أحفظ لها، بشرط حفظها والعناية بها، ولا يتركها عند ضرة تسيء لها، وإلا فلا حضانة له.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها تكون عند أمها. [قال بعضهم: حتى تبلغ، وبعضهم قال حتى تتزوج].
وهذا قول مالك وأبي حنيفة ورجحه ابن القيم.
لأن الأم أعلم بما يصلح ابنتها وأقوم بتربيتها وتعليمها ما تحتاج إليه من شؤون النساء.
وذهب بعضهم: إلى أنها تخير كالغلام.
وهذا قول الشافعي.
والراجح الله أعلم.
(ويَكونُ الذَّكرُ بعد رشدهِ حيث شاء).
أي: أن الذكر بعد رشده يملك نفسه.
قال في الروض: لأنه لم يبق عليه ولاية لأحد.
وقال الحاشية: ولقدرته على إصلاح أموره، إلا أن يكون أمرد يخاف عليه الفتنة، فيمنع من مفارقتهما.
стр. 2870
(ولا يترك المحضون بيد من لا يَصونه ويصلحه).
أي: لا يترك المحضون بيد من لا يَصونه ويصلحه، لفوات المقصود من الحضانة.
لأن المقصود من الحضانة رعاية المحضون وتربيته وإصلاحه والقيام عليه بما ينفعه في الدنيا والآخرة
قال في (الروض المربع) ولا يقر محضون بيد من لا يَصونه ويصلحه لفوات المقصود من الحضانة.
وقال ابن قدامة: والحضانة إنما تثبت لحظ الولد فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه.
وقال ابن القيم: على أنا إذا قدمنا أحد الأبوين فلا بد أن نُراعي صيانته وحفظَه للطفل، ولهذا قال مالك والليث: إذا لم تكن الأم في موضع حرزٍ وتحصين، أو كانَتْ غيرَ مرضية، فللأب أخذُ البنت منها، وكذلك الإِمامُ أحمد ﵀ في الرواية المشهورة عنه، فإنه يعتبر قدرتَه على الحفظ والصيانة. فإن كان مهملاً لذلك، أو عاجزاً عنه، أو غيرَ مرضي، أو ذا دِياثة والأم بخلافه، فهي أحقُّ بالبنتِ بلا ريب، قال شيخنا: وإذا ترك أحدُ الأبوين تعليم الصبي، وأمره الذي أوجبه اللّه عليه، فهو عاصٍ، ولا وِلاية له عليه، بل كُلُّ من لم يقم بالواجب في ولايته، فلا ولاية له، بل إما أن تُرفع يدُه عن الولاية ويُقام من يفعل الواجب، وإما أن يُضم إليه مَنْ يقومُ معه بالواجب، إذ المقصودُ طاعةُ الله ورسوله بحسب الإِمكان … فلو قدر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته، ولا تقوم بها وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرة، فالحضانة للأم قطعاً. (زاد المعاد).
وقال الشيخ السعدي: فأما إذا أهمل أحدها ما يجب عليه من حضانة ولده وأهمله عما يصلحه فإن ولايته تسقط ويتعين الآخر.
فائدة: ١
قال ابن قدامة: وإن تركت الأم الحضانة مع استحقاقها لها، ففيه وجهان:
أحدهما: تنتقل إلى الأب؛ لأن أمهاتها فرع عليها في الاستحقاق، فإذا أسقطت حقها، سقط فروعها.
والثاني: تنتقل إلى أمها وهو أصح؛ لأن الأب أبعد، فلا تنتقل الحضانة إليه مع وجود أقرب منه. (المغني).
стр. 2871
فائدة: ٢
قال ابن القيم: قَوْلُهَا: (كَانَ بَطْنِي وِعَاءً) إلَى آخِرِهِ إدْلَاءٌ مِنْهَا وَتَوَسّلٌ إلَى اخْتِصَاصِهَا بِهِ كَمَا اخْتَصّ بِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثّلَاثَةِ وَالْأَبُ لَمْ يُشَارِكْهَا فِي ذَلِكَ فَنَبّهَتْ وَالْمُخَاصَمَةِ.
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَحْكَامِ وَإِنَاطَتِهَا بِهَا وَأَنّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَقِرّ فِي الْفِطَرِ السّلِيمَةِ حَتّى فِطَرِ النّسَاءِ وَهَذَا الْوَصْفُ الّذِي أَدْلَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ وَجَعَلَتْهُ سَبَبًا لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ قَدْ قَرّرَهُ النّبِيّ ﷺ وَرَتّبَ عَلَيْهِ أَثَرَهُ وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا أَلْغَاهُ بَلْ تَرْتِيبُهُ الْحُكْمَ عُقَيْبَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَأْثِيرِهِ فِيهِ وَأَنّهُ سَبَبُهُ.
وَاسْتُدِلّ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فَإِنّ الْأَبَ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ حُضُورٌ وَلَا مُخَاصَمَةٌ وَلَا دِلَالَةٌ فِيهِ لِأَنّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْمَرْأَةُ إنّمَا جَاءَتْ مُسْتَفْتِيَةً أَفْتَاهَا النّبِيّ ﷺ بِمُقْتَضَى مَسْأَلَتِهَا وَإِلّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَى الزّوْجِ إنّهُ طَلّقَهَا حَتّى يُحْكَمَ لَهَا بِالْوَلَدِ بِمُجَرّدِ قَوْلِهَا. (زاد المعاد).
والله أعلم
стр. 2872
كتاب الجنايات
تعريفها:
لغة: جمع جناية وهي التعدي على مال أو عرض أو بدن كما قال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم. . .).
واصطلاحاً: هي التعدي على البدن خاصة بما يوجب القود أو الدية.
فالسرقة (اصطلاحاً) لا تسمى جناية، والتعدي على العرض لا تسمى جناية على هذا الاصطلاح.
(القتل حرام).
أي: أن قتل المسلم بغير حق حرام وكبيرة من الكبائر.
قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).
وقال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).
وقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ).
وقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ. . .).
стр. 2873
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) متفق عليه.
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ) رواه البخاري.
وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْكَبَائِرِ قَالَ (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّور) رواه البخاري.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاء) متفق عليه.
وعن جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِي ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ). ثُمَّ قَالَ (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) متفق عليه
عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ:: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) رواه البخاري.
عَنْ ابن مسعود. قَال قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَة) متفق عليه.
стр. 2874
عَنْ ابن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْل) رواه البخاري.
عن أبي بَكْرَةَ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) متفق عليه.
عن عبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا) رواه النسائي.
فائدة: ١
هل للقاتل عمداً توبة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن القاتل عمداً له توبة.
وهذا قول جماهير العلماء.
قال النووي: هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس.
وقال ابن كثير: والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله، فإذا تاب وأناب وخشع وخضع وعمل عملاً صالحاً بدل الله سيئاته حسنات.
لقوله تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) إلى قوله تعالى (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً).
ولقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
стр. 2875
قال ابن كثير: فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك.
ب-ولقوله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
قالوا: فهذا عام في جميع الذنوب، من كفر، وشرك، ونفاق، وقتل، وفسق وغير ذلك، كل من تاب من أي ذنب تاب الله عليه.
ج-وعن أبي سعيد أنّ نَبِيَّ الله ﷺ قَالَ (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ. فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلهُ فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلى أرضِ كَذَا وكَذَا فإِنَّ بِهَا أُناساً يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى فاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، ولَا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً، مُقْبِلاً بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيراً قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَماً - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ فَإلَى أيّتهما كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلى الأرْضِ التي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحمةِ). مُتَّفَقٌ عليه
وفي رواية في الصحيح (فَكَانَ إلى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا).
следующие страницы →