Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
فائدة: ٢
قال ابن القيم: قَوْلُهَا: (كَانَ بَطْنِي وِعَاءً) إلَى آخِرِهِ إدْلَاءٌ مِنْهَا وَتَوَسّلٌ إلَى اخْتِصَاصِهَا بِهِ كَمَا اخْتَصّ بِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثّلَاثَةِ وَالْأَبُ لَمْ يُشَارِكْهَا فِي ذَلِكَ فَنَبّهَتْ وَالْمُخَاصَمَةِ.
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَحْكَامِ وَإِنَاطَتِهَا بِهَا وَأَنّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَقِرّ فِي الْفِطَرِ السّلِيمَةِ حَتّى فِطَرِ النّسَاءِ وَهَذَا الْوَصْفُ الّذِي أَدْلَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ وَجَعَلَتْهُ سَبَبًا لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ قَدْ قَرّرَهُ النّبِيّ ﷺ وَرَتّبَ عَلَيْهِ أَثَرَهُ وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا أَلْغَاهُ بَلْ تَرْتِيبُهُ الْحُكْمَ عُقَيْبَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَأْثِيرِهِ فِيهِ وَأَنّهُ سَبَبُهُ.
وَاسْتُدِلّ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فَإِنّ الْأَبَ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ حُضُورٌ وَلَا مُخَاصَمَةٌ وَلَا دِلَالَةٌ فِيهِ لِأَنّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْمَرْأَةُ إنّمَا جَاءَتْ مُسْتَفْتِيَةً أَفْتَاهَا النّبِيّ ﷺ بِمُقْتَضَى مَسْأَلَتِهَا وَإِلّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَى الزّوْجِ إنّهُ طَلّقَهَا حَتّى يُحْكَمَ لَهَا بِالْوَلَدِ بِمُجَرّدِ قَوْلِهَا. (زاد المعاد).
والله أعلم
стр. 2872
كتاب الجنايات
تعريفها:
لغة: جمع جناية وهي التعدي على مال أو عرض أو بدن كما قال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم. . .).
واصطلاحاً: هي التعدي على البدن خاصة بما يوجب القود أو الدية.
فالسرقة (اصطلاحاً) لا تسمى جناية، والتعدي على العرض لا تسمى جناية على هذا الاصطلاح.
(القتل حرام).
أي: أن قتل المسلم بغير حق حرام وكبيرة من الكبائر.
قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).
وقال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).
وقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ).
وقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ. . .).
стр. 2873
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) متفق عليه.
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ) رواه البخاري.
وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْكَبَائِرِ قَالَ (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّور) رواه البخاري.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاء) متفق عليه.
وعن جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِي ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ). ثُمَّ قَالَ (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) متفق عليه
عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ:: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) رواه البخاري.
عَنْ ابن مسعود. قَال قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَة) متفق عليه.
стр. 2874
عَنْ ابن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْل) رواه البخاري.
عن أبي بَكْرَةَ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) متفق عليه.
عن عبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا) رواه النسائي.
فائدة: ١
هل للقاتل عمداً توبة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن القاتل عمداً له توبة.
وهذا قول جماهير العلماء.
قال النووي: هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس.
وقال ابن كثير: والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله، فإذا تاب وأناب وخشع وخضع وعمل عملاً صالحاً بدل الله سيئاته حسنات.
لقوله تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) إلى قوله تعالى (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً).
ولقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
стр. 2875
قال ابن كثير: فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك.
ب-ولقوله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
قالوا: فهذا عام في جميع الذنوب، من كفر، وشرك، ونفاق، وقتل، وفسق وغير ذلك، كل من تاب من أي ذنب تاب الله عليه.
ج-وعن أبي سعيد أنّ نَبِيَّ الله ﷺ قَالَ (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ. فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلهُ فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلى أرضِ كَذَا وكَذَا فإِنَّ بِهَا أُناساً يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى فاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، ولَا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً، مُقْبِلاً بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيراً قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَماً - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ فَإلَى أيّتهما كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلى الأرْضِ التي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحمةِ). مُتَّفَقٌ عليه
وفي رواية في الصحيح (فَكَانَ إلى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا).
стр. 2876
قالوا: وإذا كان هذا في بني إسرائيل، فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم.
د- وقالوا: إذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر - وهما أعظم إثماً من القتل - فكيف تقصر عن محو أثر القتل.
القول الثاني: أن القاتل عمداً لا توبة له.
وهذا مذهب ابن عباس.
أ-لقوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).
ب- عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ: عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، ثُمَّ اهْتَدَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ (يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا يَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا وَمَا نَسَخَهَا) رواه النسائي.
ج-وعن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً) رواه أحمد.
والصحيح القول الأول، وأما الجواب عن أدلة القول الثاني:
أما الآية:
فقيل: إن الآية على ظاهرها، لكن قد يوجد مانع يمنع من ذلك.
وهذا اختيار النووي، وابن تيمية، وابن القيم، والسفاريني، والسعدي.
وقيل: إن هذا جزاؤه إن جازاه.
وهذا اختيار الطبري، والشنقيطي، واستحسنه ابن كثير.
стр. 2877
قال الطبري: وَأَوْلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ إِنْ جَزَاهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، وَلَكِنَّهُ يَعْفُو أَوْ يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، فَلَا يُجَازِيهِمْ بِالْخُلُودِ فِيهَا، وَلَكِنَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ إِمَّا أَنْ يَعْفُوَ بِفَضْلِهِ فَلَا يُدْخِلُهُ النَّارَ، وَإِمَّا أَنْ يُدْخِلَهُ إِيَّاهَا ثُمَّ يُخْرِجَهُ مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ لِمَا سَلَفَ مِنْ وَعْدِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).
وقيل: إن هذا وعيد، وإخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح.
وذهب إلى هذا الواحدي.
وقيل: حمل الآية على عمومها، وتفسير الخلود بمعنى: المكث الطويل، اعتماداً على ما ورد في كلام العرب من إطلاق الخلود على غير معنى التأبيد، كقولهم: لأخلدن فلاناً في السجن، وقولهم: خلد الله ملكه.
ورجح هذا القول ابن حزم، ومحمد رشيد رضا، وابن عثيمين، وذهب إليه الرازي، وأبو السعود.
وقيل: إن الآية للتشديد والتخويف والتغليظ في الزجر عن قتل المؤمن.
وقيل: إن هذه الآية في القاتل المستحل.
وقال بهذا عكرمة.
فائدة: ٢
معنى قوله تعالى (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).
قيل: المعنى من قتل نبياً أو إمام عادل فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً.
وقيل: من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً.
وقيل: المعنى فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ، وقيل غير ذلك.
стр. 2878
قال ابن القيم: إن هذا تشبيه ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه مثل المشبه به في كل شيء، فإن من المعلوم قطعاً أن إثم من قتل مائة أعظم من إثم من قتل نفساً واحدة، فليس المراد التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة وإنما كون كل منهما:
عاص لله ولرسوله، مخالف لأمره متعرض لعقوبته.
أنهما سواء في استحقاق القصاص.
أنهما سواء في الجرأة على سفك الدم الحرام.
أن كلاً منهما يسمى فاسقاً عاصياً بقتله نفساً واحدة.
فائدة: ٣
متى يحل دم المسلم:
يحل بإحدى ثلاث التي ذكرها النبي ﷺ :
عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا يَحِلُّ دَمُ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ; يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اَللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: اَلثَّيِّبُ اَلزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ; اَلْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٌ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ اَلْإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنْ اَلْأَرْضِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ،
وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِم.
(اَلثَّيِّبُ اَلزَّانِي) فإنه يرجم، وهذا باتفاق، بخلاف البكر الزاني.
(وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) إذا قتل معصوماً عمداً فإنه يقتل.
стр. 2879
(وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ; اَلْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَة) المرتد فإنه يقتل لقوله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه).
فائدة: ٤
قال النووي: قَوْله ﷺ (أَوَّل مَا يُقْضَى بَيْن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي الدِّمَاء) فِيهِ تَغْلِيظُ أَمْر الدِّمَاء، وَأَنَّهَا أَوَّل مَا يُقْضَى فِيهِ بَيْن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة، وَهَذَا لِعِظَمِ أَمْرهَا وَكَثِير خَطَرهَا، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيث مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُور فِي السُّنَن: "أَوَّل مَا يُحَاسَب بِهِ الْعَبْد صَلَاته"؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث الثَّانِي فِيمَا بَيْن الْعَبْد وَبَيْن اللَّه تَعَالَى، وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَهُوَ فِيمَا بَيْن الْعِبَاد. وَاللَّهُ أَعْلَم بِالصَّوَابِ.
وقال الحافظ ابن حجر: [ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة ﵁ رفعه: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته) الحديث أخرجه أصحاب السنن لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين ولفظه: (أول ما يحاسب العبد عليه صلاته وأول ما يقضي بين الناس في الدماء)].
(القتلُ: عمْدٌ - يختص القَوَد به -، وشبْهُ عمدٍ، وخطأ).
أن القتل (من حيث القصد وعدمه) ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قتل عمد، وقتل شبه عمد، وقتل خطأ.
وعلى هذا التقسيم أكثر العلماء.
ويدل لهذا التقسيم قوله ﷺ (ألا إن دية الخطأ وشبه العمد ما كان بالعصا والسوط، مائة من الإبل، منها أربعون في بطون أولادها) رواه أبوداود.
стр. 2880
ويدل عليه حديث أبي هريرة قال (اقتتلت امرأتان من هذيْل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمَة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها) متفق عليه.
فالحديث يدل على أن القتل في هذه الحال كان شبه عمد، ولم يكن عمداً، لأنه لا ذكر للقصاص فيه، ولم يكن خطأ، لأن الضرب على ذلك الوجه لا يكون خطأ.
وذهب الإمام مالك إلى أن القتل ينقسم إلى قسمين: خطأ وعمد.
واستدلوا: بأنه لم يذكر في القرآن إلا العمد والخطأ. فالعمد في قوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) والخطأ في قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا).
- قوله (يختص العمد به)
(فَالْعَمْدُ أَنْ يَقْصِدَ مَنْ يَعْلَمُهُ آدَمِيّاً مَعْصُوماً فَيَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ).
هذا اتعريف قتل العمد: أَنْ يَقْصِدَ مَنْ يَعْلَمُهُ آدَمِيّاً مَعْصُوماً فَيَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ.
قوله (أن يقصد) أي لا بد أن يكون للقاتل قصداً، وأما الصغير والمجنون فعمدهما خطأ، لأنها ليس لهما قصد صحيح.
قوله (من يعلمه آدمياً) فلا يظنه صيداً ولا هدفاً ولا غير ذلك.
قوله (معصوماً) أي معصوم الدم فليس من المحاربين للإسلام.
стр. 2881
(والآدمي المعصوم أربعة أصناف: المسلم والذمي والمستأمن والمعاهد).
قوله (فيقتله) فلو قصد الجناية بما يقتل غالباً لكن المجني عليه سَلِم، بأن ضَرَبه بالفأس على رأسه يريد قتله حتى انفلق، لكنه عُولج حتى برئ فهذا ليس بقتل عمد؛ لأنه لا بد أن يقتله.
(بما يغلب على الظن موتُه به) لا بد أن تكون الجناية بما يغلب على الظن أنها تقتل، مثل أن يضربه بسيف أو يرميه بسهم ونحو ذلك مما يغلب على الظن أنه يقتله به.
فائدة: ١
لو ادعى القاتل أنه لم يقصد القتل؟ الجواب: لا يقبل قوله إلا ببينة.
فائدة: ٢
اختلف العلماء إذا أذِنَ المجني عليه للجاني بقتله، فهل هذا من العمد؟
القول الأول: هذا قتل عمد ويجب فيه القود.
وهذا قول المالكية.
قالوا: بأنه إذْنٌ في غير محله، فكأنه غير موجود، لأن الإنسان لا يملك نفسه فضلاً عن أن يأذن لغيره أن يقتله.
القول الثاني: شبه عمد.
وهذا قول الأحناف.
قالوا: إن قصد الاعتداء والقتل موجود، ولكن وجود الإذن شبهة تمنع من إلحاقه بالقتل العمد.
стр. 2882
القول الثالث: أن هذا القتل فيه الإثم، ولا قصاص فيه ولا دية.
وهذا قول الشافعية والحنابلة.
قالوا: لأن القصاص والدية شرعاً لحق المجني عليه وقد تنازل عن حقه. والراجح الأول
(مِثْلُ أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ فِي الْبَدَنِ، أَوْ يَضْرِبَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ حَائِطاً، أَوْ يُلْقِيَهُ مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ فِي نَارٍ، أَوْ مَاءٍ يُغْرِقُهُ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُمَا، أَوْ يَخْنِقَهُ أَوْ يَحْبِسَهُ وَيَمْنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرَابَ فَيَمُوتَ مِنْ ذلِكَ فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِيهَا غَالِباً، أَوْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ، أوْ بِسُمٍّ).
هذه بعض صور قتل العمد:
أن يضربه بمحدد: وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين.
أن يضربه بحجر كبير ونحوه: أي بمثقل، لا بحجر صغير، لأن الحجر الصغير لا يقتل غالباً.
ويدل على أن القتل بالمثقل من القتل العمد، حديث أنس (أن يهودياً رض رأس جارية … الحديث: فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بين حجرين).
أن يلقيه من شاهق أو في نار أو يلقي عليه حائط.
أو يلقيه في ماء يغرقه ولا يمكن التخلص منه.
أن يخنقه بحبل.
أو يقتله بسحر يقتل غالباً، قال في المغني (فيلزمه القود لأنه قتله بما يقتل غالباً فأشبه ما لو قتله بسكين).
أن يقتله بسم: بأن يطعمه السم.
стр. 2883
(فهذا يخيّر الولي فيه بين القتل والدية).
أي: يجب بالقتل العمد القود أو الدية. يخير الولي بينهما.
فيخير الولي بين القصاص أو الدية، إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا إلى غير شيء.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُودَ وإما أن يقاد) متفق عليه.
وفي حديث آخر ( … فأهله بين خيرين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية) رواه أبوداود.
وسيأتي إن شاء الله مزيد بحث لهذه المسألة.
(والعفو مجاناً أفضل).
لقوله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).
وقال ﷺ (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) رواه مسلم.
وعن أنس. قال (ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو) رواه أبوداود.
стр. 2884
فائدة:
العفو: هو إسقاط مستحق الدم حقه في القصاص لا إلى بدل.
قال الشوكاني: ولا خلاف في مشروعية العفو في الجملة وإنما وقع الخلاف فيما هو الأولى للمظلوم هل العفو عن ظالمه أو الترك.
(وإنْ صالحَ القاتلُ بأكثر من الديةِ جازَ).
أي: أنه إذا اختار القصاص، ثم إن القاتل وأهله قالوا لولي المقتول لا تقتله، ونحن نعطيك بدل الدية ديتين، أو ثلاث ديات، أو أربعاً، أو عشراً، فهذا جائز.
مثال: إذا كانت الدية مثلاً مائة ألف، فقال الولي: أنا لا أقبل إلا مائتي ألف، أو مليون مثلاً فرضي القاتل بذلك فله الحق بذلك.
لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. أن رسول الله ﷺ قال (من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا أخذوا الدية، .. وما صولحوا عليه فهو لهم) رواه الترمذي.
والشاهد منه قوله (وما صالحوا عليه فهو لهم) فلم يقيد الصلح على الدية بشيء، فدل ذلك على جوازه بمثلها أو أكثر أو أقل منها.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ، لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ، وَبِقَدْرِهَا وَأَقَلِّ مِنْهَا، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
стр. 2885
لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ قَتَلَ عَمْدًا دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ؛ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ.
وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ الْقَتْل) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَرَوَيْنَا أَنَّ هُدْبَةَ بْن خَشْرَمٍ قَتَلَ قَتِيلًا، فَبَذَلَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ لِابْنِ الْمَقْتُولِ سَبْعَ دِيَاتٍ، لِيَعْفُوَ عَنْهُ، فَأَبَى ذَلِكَ، وَقَتَلَهُ.
وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِ مَالٍ، فَجَازَ الصُّلْحُ عَنْهُ بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، كَالصَّدَاقِ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَلِأَنَّهُ صُلْحٌ عَمَّا لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، فَأَشْبَهَ الصُّلْحَ عَنْ الْعُرُوضِ. … (المغني).
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا تصح المصالحة عن الدية بأكثر منها، بل على الدية أو دونها.
وبه قال بعض الحنفية، ورجحه ابن القيم.
(وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَقْصِدَ جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِباً وَلَمْ يَجْرَحْهُ بِهَا، كَمَنْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ مَقْتلٍ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصَا صَغِيرَةٍ).
هذا شبه العمد.
قلنا (في غير مقتَل) لأن الضرب بمقتل ولو كان بشيء صغير حقير فإنه يعتبر قتل عمد كالقلب أو من النخاع.
وسمي بذلك: لتردده بين هذين النوعين (الخطأ والعمد).
فالفرق بين القتل العمد وشبه العمد: أنهما يشتركان في قصد الجناية، ويختلفان في الآلة التي حصلت الجناية بها.
(والخَطَأُ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ، مِثْلُ أَنْ يَرْمِيَ مَا يَظُنُّهُ صَيْداً، أَوْ غَرَضاً، أَوْ شَخْصاً، فَيُصِيبَ آدميّاً لَمْ يَقْصِدْهُ).
أي: و قتل الخطأ: أن يفعل ما له فعله، مثل أن يرمي ما يظنه صيداً، أو يري غرضاً، أو يرمي شخصاً مباح الدم، كحربي، وزان محصن فيصيب آدمياً معصوماً لم يقصده بالقتل فيقتله.
стр. 2886
فائدة:
ما الحكم لو فعل ما لا يباح له (كقتل شاة الغير عدواناً وانتقاماً) فأصاب إنساناً فقتله؟ (هو لم يقصد قتل الآدمي لكنه قصد قتل البهيمة).
فقيل: يكون عمداً.
لأنه فعل ما لا يباح له.
وقيل: خطأ.
وهو الصواب.
(وَعَمْدُ الْصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خطأ).
أي: فإذا تعمد الصبي أو المجنون القتل فهو خطأ.
لأنهما لا قصد لهما.
قال ابن قدامة: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ زَائِلِ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ، مِثْلَ النَّائِمِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَنَحْوِهِمَا.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ).
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَزَائِلِ الْعَقْلِ كَالْحُدُودِ، وَلِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ صَحِيحٌ، فَهُمْ كَالْقَاتِلِ خَطَأً.
стр. 2887
(ففيه الدية والكفارة، فالدية تكون في مال العاقلة، والكفارة تكون في مالهما).
(ففي القِسْميْن الأخيرين: الكفارة على القاتل والدية على العاقلة).
أي: في قتل الخطأ وشبه العمد الكفارة على القاتل والدية على العاقلة.
الأول: الكفارة.
كما قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا).
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) أي: يمتنع شرعاً أن يقتل المؤمن أخاه عمداً، لكن قد يقتله عن طريق الخطأ (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: ومن قتل مؤمناً خطأ فعليه كفارة: تحرير وتخليص رقبة مؤمنة من الرق وإعتاقها، ويجب أن تكون مؤمنة (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) الدية: ما يعطى عوضاً عن دم القتيل إلى أوليائه جبراً لقلوبهم وعوضاً عما فاتهم من قريبهم (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) أي: يعفوا عن الدية.
الثاني: الدية وتكون على عاقلة القاتل.
لقوله تعالى (. . . وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (اِقْتَتَلَتِ اِمْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا اَلْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا: غُرَّةٌ; عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ اَلْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا … ) متفق عليه.
فهذا الحديث يدل على النوع الثالث من أنواع القتل وهو شبه العمد، حيث أن قتلها كان عن عمد لكن الآلة لا تقتل غالباً لأنه حجر صغير.
стр. 2888
وقد ذهب جمهور العلماء من الأحناف والشافعية والحنابلة، إلى إثبات القتل شبه العمد كما تقدم.
استدلالاً بهذا الحديث (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر. . .).
وجه الدلالة:
أولاً: أن النبي ﷺ أوجب فيه الدية، ولو كان عمداً لذكر القصاص.
ثانياً: أن النبي ﷺ قضى بدية المرأة إلى عاقلتها، والعاقلة لا تحمل عمداً بإجماع العلماء.
- والدية في قتل شبه العمد [وكذا الخطأ] تكون على العاقلة (أي عاقلة القاتل).
للحديث (فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها).
مباحث العاقلة:
والدية تكون على العاقلة:
والعاقلة: هم عصبته، والمراد بالعصبة بالنفس، فيدخل فيهم: آباؤه وأبناؤه وإخوته وعمومتهم وبنوهم.
وسميت بذلك: لأن الإبل تجمع فتعقل بفناء أولياء المقتول لتسلم إليهم، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، إبلاً أو نقداً، وقيل سموا عاقلة لأنهم يمنعون عن القاتل من أن يعتدي عليه أحد.
• ويشمل القريب والبعيد منهم، فكلهم يشتركون في العقْل.
• وحاضرهم وغائبهم.
• ولا عقل على رقيق:
أولاً: لأنه ليس من أهل النصرة، ثانياً: أنه لا مال له، لأن مال المملوك لسيده.
стр. 2889
• ولا على غير مكلف كالصغير والمجنون.
لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) رواه أبو داود.
ولأنهما ليسا من أهل النصرة.
• ولا على فقير، لأنه ليس عنده مال.
• ولا على أنثى، لأنها ليست من أهل النصرة.
• ويجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يناسبه، فيحمل الأقرب أكثر من الأبعد، والغني أكثر ممن دونه وهكذا، ولو اتفقت العاقلة فيما بينهم على تقدير معين جاز، لأن الأمر راجع إليهم.
• والمذهب: أن الجاني ليس عليه شيء من الدية ولو كان غنياً، والقول الآخر في المذهب: أنه يحمل مع العاقلة، لأنهم حملوا بسببه، ولا ينافي ذلك أن الشارع جعل الدية على العاقلة، فإنها من باب التحمل، وهذا اختيار الشيخ السعدي ﵀.
• لا تحمل العاقلة قتل العمد كما تقدم.
(وَمَنْ أَكْرَهَ مُكَلَّفاً عَلَى قَتْلِ مُكَافِئِهِ فَقَتَلَهُ فَالقَتْلُ أَوِ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا).
أي: إذا أكره مكلف مكلفاً على قتل معصوم فقتله، فالضمان عليهما: على المكرِه والمكرَه.
أي القتل عليهما إذا اختير، أو الدية إن عفي عنه.
كأن يقول له: اقتل فلان أو قتلتك فقتله.
وهذا قول مالك وأحمد.
стр. 2890
واستدلوا:
لأن المكرِه تسبب إلى قتله بشيء يُفضي إليه غالباً، فوجب عليه القصاص، كما لو ألسعه حية، أو ألقاه إلى أسد في زريبة، وأما المكرَه
- بفتح الراء - فلأنه قتل شخصاً ظلماً لاستبقاء نفسه، أشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله.
القول الثاني: أن القصاص على المكرَه - بفتح الراء - دون المكرِه.
وهذا قول للشافعية وبعض الحنفية.
لأن المكرَه مباشر، وليس له أن يقتل غيره لاستبقاء نفسه.
القول الثالث: أن القصاص على المكرِه - بكسر الراء -.
وهذا قول أبي حنيفة.
لأنه هو الملجئ لغيره، والمكرَه مضطر، ولولا إكراه ذلك ما قتله.
لكن هذا تعليل ضعيف.
والراجح أن القصاص عليهما أو على المكرَه.
стр. 2891
(وَإِنْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ أَوْ مُكَلَّفاً يَجْهَلُ تَحْرِيمَهُ، فَقَتَلَ، فَالقَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ عَلَى الآمِرِ).
كما لو قال للصغير: اذهب إلى ذلك الرجل النائم واقتله، ففعل ذلك الصغير ما أُمِر به وقتل الشخص ومثله لو أمر مجنوناً بقتل شخص فقتله.
فالضمان على الآمر، فالقصاص على الآمر، فإن عفى صاحب الحق فعليه الدية.
لأنه توصل إلى قتله بشيء يقتل غالباً، والصبي والمجنون والجاهل بالتحريم بمنزلة الآلة، كما لو أنهشه حية فقتلته.
فائدة:
ما الحكم إذا كان المأمور كبيراً عاقلاً عالماً بالتحريم؟
إذا كان المأمور كبيراً عاقلاً عالماً بالتحريم فالقصاص على القاتل بلا خلاف.
(وَإِنِ اشْتَرَكَ فِيهِ اِثْنَانِ لَا يَجِبُ القَوَدُ عَلَى أَحَدِهِمَا مُنْفَرِداً لأِبُوَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَالْقَوَدُ عَلَى الشَّرِيك).
أي: يكون القود على الشريك وعلى الثاني نصف الدية.
مثاله: لو اشترك أب وأجنبي في قتل الولد، فالأجنبي يقتل بالولد، والأب لا يقتل بولده، فيكون القود على الشريك، والثاني (وهو الأب) لا قود عليه، لوجود المانع وهو الأبوة، وإذا نفذنا القصاص على الأجنبي فإن الأب يكون عليه نصف الدية، لأن الدية تتبعض، والقصاص لا يتبعض.
مثال آخر: رقيق وحر اشتركا في قتل رقيق، فالحر لا يقتل بالرقيق، والرقيق يقتل به، ففي هذه الحال يقتل الرقيق ولا يقتل الحر، ولكن عليه نصف ديته، أي نصف قيمته.
стр. 2892
(وإنْ أمسكَ إنساناً لآخرَ ليقتله فقتلَه، قُتِلَ القاتل، وحُبِسَ الممسكُ حتى يموت).
أما القاتل فلا خلاف في قتله.
قال ابن قدامة: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ.
وأما الممسك الذي أمسكه ليقتله القاتل، فقد اختلف العلماء على أقوال:
فالمذهب: أن القاتل يقتل ويمسك الممسك حتى يموت.
وهذا المشهور من مذهب الحنابلة.
لحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا أَمْسَكَ اَلرَّجُلُ اَلرَّجُلَ، وَقَتَلَهُ اَلْآخَرُ، يُقْتَلُ اَلَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ اَلَّذِي أَمْسَكَ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ.
قال ابن قدامة: ولنا، ثم ذكر حديث الباب.
ولأنه حبسه إلى الموت، فيحبس الآخر إلى الموت، كما لو حبسه عن الطعام والشراب حتى مات، فإننا نفعل به ذلك حتى يموت.
وقيل: لا قصاص على الممسك.
وهذا قول أبي حنيفة والشافعي.
قال ابن قدامة: وقال أبو حنيفة، والشافعي وأبو ثور وابن المنذر: يعاقب، ويأثم، ولا يقتل.
أ- لأن النبي ﷺ قال (إن أعتى الناس على الله، من قتل غير قاتله) والممسك غير قاتل.
ب- ولأن الإمساك سبب غير ملجئ، فإذا اجتمعت معه المباشرة، كان الضمان على المباشر، كما لو لم يعلم الممسك أنه يقتله.
وقيل: القصاص عليهما جميعاً.
وهذا قول مالك.
стр. 2893
لأنه لو لم يمسكه ما قدر على قتله، وبإمساكه تمكن من قتله، فالقتل حاصل بفعلهما فيكونان شريكان فيه.
والراجح المذهب.
(وتُقتلُ الجماعةُ بالواحد).
أي: لو اشترك جماعة في قتل شخص عمداً، فإنه يجب عليهم القصاص جميعاً.
أ- لعموم الأدلة على مشروعية القصاص.
ب- وَعَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ (قُتِلَ غُلَامٌ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ اِشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ) رواه البخاري.
ج- وسداً للذريعة، فإنه لو لم يقتل الجماعة بالواحد لأدّى ذلك إلى سقوط القصاص بهذه الحيلة، فكل من أراد قتل شخص تعاون مع آخرين ليسقط عنه القصاص، فيؤدي ذلك إلى إسقاط حكمة الردع والزجر.
فائدة:
وشرط القصاص منهم جميعاً: أن يكون فعل كل واحد منهم يصلح لقتله لو انفرد، كأن يصوّب ثلاثة أشخاص مسدساً ضد شخص واحد ويقتلونه في آن واحد.
وهذا الحكم: حيث كان فعل كل واحد منهم يوجب القصاص لو انفرد، كأن يجتمعوا على ضربه بسيوف، كل واحد لو انفردت ضربته لقتلت غالباً.
(وإن سقطَ القَوَد أدَّوْا دِيةً واحدةً).
أي: إذا سقط القود عن الجماعة بشيء من مسقطاته - كما لو عفَى أولياء المقتول - فإن الدية تكون على الجماعة، فيؤدون دية واحدة يشتركون فيها، لأن المقتول واحد.
стр. 2894
فائدة: ١
الفرق بين القتل العمد وبين شبه العمد:
أولاً: أن القصد في القتل العمد هو إزهاق روح المجني عليه، أما في شبه العمد فالقصد هو الضرب دون القتل، فيقصد الجاني ضرب المجني عليه بما لا يقتل غالباً.
ثانياً: الآلة.
أن الآلة المستخدمة في القتل العمد يغلب على الظن موت المجني عليه بها، كأن يقتله بسيف أو سكين أو بخنجر كبير يقتل غالباً، أما في شبه العمد فإن الآلة فيه لا تقتل غالباً كأن يضربه بخشبة صغيرة.
ثالثاً: الموجَب.
موجب القتل العمد هو القود أو الدية، والقود هو قتل القاتل لمن قتله، وأما موجب قتل شبه العمد فهو الدية.
رابعاً: الدية.
الدية في القتل العمد تجب في مال القاتل فلا تحملها العاقلة، قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة، أما الدية في شبه العمد فلا تجب في مال القاتل، بل تحملها العاقلة. (وسيأتي تعريف العاقلة).
стр. 2895
خامساً: تأجيل الدية.
ذهب جمهور العلماء إلى أن الدية في القتل العمد تجب حالة غير مؤجلة أو مقسطة إلا برضا ولي الدم، لأن الجاني قد ارتكب جريمة القتل باختياره والواجب فيه القصاص حالاً، والدية بدل القصاص فتكون حالة، وأما دية شبه العمد فإنها مؤجلة، قال ابن قدامة: ولا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافاً بين أهل العلم.
وذلك تخفيفاً على الجاني، لأنه لم يقصد القتل، وصفة التأجيل أنها توزع على ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها.
سادساً: الكفارة.
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب في القتل العمد كفارة، لأن القتل العمد أعظم من أن تمحوها الكفارة، أما القتل شبه العمد فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى وجوب الكفارة على القاتل.
سابعاً: العقاب الأخروي.
فإن الله توعد قاتل العمد بقوله (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)، وأما شبه العمد، فهو وإن كان القاتل آثماً فإنه لا يدخل في هذا الوعيد.
فائدة: ٢
يشترك الخطأ وشبه العمد في أمور:
أنه لا قصاص فيهما.
أن فيهما الدية.
أن الدية على العاقلة.
стр. 2896
ويختلفان في:
أن شبه العمد قصد، والخطأ ليس بقصد.
أن دية شبه العمد مغلظة، ودية الخطأ غير مغلظة.
أن شبه العمد فيه إثم، والخطأ لا إثم عليه.
فائدة: ٣
القتل من حيث ما يوجبه ويترتب عليه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: قتل يوجب القود فقط، وهو القتل العمد.
القسم الثاني: قتل يوجب الكفارة والدية، وهو قتل شبه العمد والخطأ.
القسم الثالث: قتل يوجب الكفارة فقط وهذا له صور:
الصورة الأولى: إذا قتل في صف كفار من ظنه حربياً فبان مسلماً ففيه الكفارة.
الصورة الثانية: وإذا قتل مسلم ورثته كفار وهم أعداء لنا، لقوله تعالى (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ). والمعنى: وإن كان القتيل من قوم كفار محاربين فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة فقط، ولم يذكر الدية، لأنه لا دية على القاتل، لأن أهل المقتول كفار محاربون، لا عهد لهم ولا ذمة، وقد يتفقون بها على حرب المسلمين، ولأنه مؤمن وهم كفار، والكافر لا يرث المؤمن.
стр. 2897
شروط القصاص
هذه الشروط إذا فقد منها شرط سقط حد القصاص.
(وهي أربعة، كون القاتل مكلفاً).
هذا الشرط الأول: أن يكون القاتل مكلفاً (عاقلاً بالغاً).
فلا قصاص على صغير ولا مجنون.
لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق .. ).
وأما الصبي والمجنون فحكم قتلهما قتل خطأ لأن عمدهما خطأ لكونهما لا يصح منهما قصد صحيح.
فائدة:
اختلف العلماء في حكم جناية السكران على قولين:
القول الأول: أنه يقتص منه.
وهذا قول الجمهور.
أ- لأن الصحابة أقاموا سكره مقام قذفه، فأوجبوا عليه حد القذف، فقد جاء في الموطأ (أن عمر استشار الناس في شأن شارب الخمر فقال علي: يا أمير المؤمنين، إن الشارب إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى وحد المفتري ثمانون جلدة، أرى أن تجلده ثمانين جلدة، فأعجب ذلك عمر وجعل عقوبته ثمانين جلدة) فإذا وجب حد القذف على الشارب فالقصاص المتمحض حق آدمي أولى.
ب- ولأن في ذلك سداً للذريعة، إذ لو لم يجب القصاص والحد لأفضَى إلى أن من أراد أن يعصي الله شرب ما يسكره ثم قتل وزنى وسرق ولا يلزمه عقوبة، فيصير عصيانه سبباً لسقوط العقوبة عنه.
стр. 2898
القول الثاني: أنه لا يقتص منه.
وهذا وجه في مذهب الحنابلة.
قياساً على المجنون، فإن كلاً منهما زائل العقل.
ولما ثبت في صحيح البخاري (أن حمزة قال للنبي ﷺ وهو ثمل: وهل أنتم إلا عبيد أبي) ولم يقم النبي ﷺ عليه حد الردة.
والراجح القول الأول.
وأما قياسه على المجنون، فهذا قياس مع الفارق، فإن السكران فقد عقله باختياره عصياناً بخلاف المجنون.
وأما قصة حمزة، فهذا كان قبل تحريم الخمر، فلا يصح الاستدلال به، وبأنه قول والقتل فعل، والفعل أشد.
(الثاني: عصمة المقتول).
هذا الشرط الثاني: أن يكون المقتول معصوماً، فإن كان حربياً أو مرتداً فلا ضمان فيه.
والعلة في ذلك: لأن القصاص شرع لحفظ الدم المعصوم دون الدم المهدر.
فائدة:
والمعصومون أربعة أصناف: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن.
فالمسلم واضح.
الذمي: وهو من بين قومه وبين المسلمين عقد ذمة، أي: أنهم يدفعون الجزية للمسلمين.
والمستأمن: وهو الحربي الذي يدخل بلاد المسلمين بأمان من الإمام أو نائبه، فيؤمَّن حتى يسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه.
والمعاهد: وهو من بين قومه وبين المسلمين عهد، أي: صلح.
(والثالث: المكافأة في الإسلام والرق أو الحرية).
هذا الشرط الثالث: أن المساواة بين القاتل والمقتول في الإسلام والحرية أو الرق.
فإن كان القاتل أعلى من المقتول في دين أو حرية فلا قصاص.
стр. 2899
(فلا يُقتلُ مسلمٌ بكافر).
لو قتل مسلم كافراً معصوماً، فلا يقتل به.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لما ثبت في البخاري مرفوعاً في صحيفة علي (لا يقتل مسلم بكافر).
ب-ولحديث علي مرفوعاً (المؤمنون تتكافأ دماؤهم … ولا يقتل مؤمن بكافر) رواه أبوداود.
فهذا يدل على أن غير المؤمن لا يكافئ المؤمن.
ج- ولأن المسلم أعلى وأكرم عند الله من الكافر، والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه كما قال تعالى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) وقال تعالى (َفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ).
وذهب الحنفية: إلى أنه يقتل المسلم بالذمي خاصة.
واستدلوا بالعمومات الدالة على أن النفس بالنفس كقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
وبحديث ورد عن النبي ﷺ (أنه ﷺ أقاد مسلماً بذمي، وقال: أنا أحق من وفى بذمته).
والراجح قول الجمهور، وأما الحديث (أنه ﷺ أقاد مسلماً بذمي … ) فهو حديث ضعيف جداً.
(ولا حرٌ بعبدٍ).
فالحر لا يُقتل بالعبد إذا قتله.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
فهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة.
أ- لقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى).
وجه الدلالة: أن قوله (الحر بالحر) يفيد الحصر، أي: لا يقتل الحر إلا بالحر، ومفهوم ذلك عدم قتل الحر بالعبد.
ب-وعن ابن عباس. عن النبي ﷺ قال (لا يقتل حر بعبد) رواه الدارقطني لكنه ضعيف.
ج-وعن علي (من السنة: أن لا يقتل حر بعبدٍ) أخرجه ابن أبي شيبة وسنده لا يصح.
د- ولأن العبد لا يكافئ الحر، فإنه منقوص بالرق.
стр. 2900
وذهب بعض العلماء: إلى أن الحر يقتل بالعبد.
وهو قول داود الظاهري وبعض السلف.
لعموم الأدلة في وجوب القصاص، كقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
ولقوله ﷺ (المؤمنون تتكافأ دماؤهم) رواه أبوداود.
فدل الحديث على أن دماء المؤمنين متكافئة، وأن العبرة بأصل الإيمان، وليست العبرة بالحرية أو الرق.
وهذا قول قوي، لقوة أدلته.
(وعكسُهُ يُقتل).
فإذا قَتلَ الكافر مسلماً، فإنه يقتل به.
وكذا إذا قتل الرقيق حراً، فإنه يقتل به.
(ويُقتلُ الذكرُ بالأنثى، والأنثى بالذكر).
إذا قتلت أنثى ذكراً: فإنها تقتل به.
وإذا قتل الذكر أنثى: فإنه يقتل بها.
قال في المغني: هذا قول عامة أهل العلم.
لقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
ولحديث أنس (أن النبي ﷺ قتل يهودياً بجارية قتلها على أوضاح لها) متفق عليه.
стр. 2901
(الرابع: عدم الولادة، فلا يُقتلُ أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سَفَلَ).
هذا الشرط الرابع: وهو أن يكون الجاني غير الأصل، فلا يقتل الوالد بولده.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لحديث عمر. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا يقاد الوالد بالولد) رواه الترمذي.
هذا الحديث ورد من طرق متعددة، وبألفاظ متقاربة يثبت بمجموعها، وقد صححه الحاكم في المستدرك، والسيوطي في الجامع الصغير، والألباني.
وضعفه جمع من أهل العلم.
قال ابن عبد البر: هذا حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يستغني بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلفاً.
وقال الجصاص: وهذا خبر مستفيض مشهور.
ب-ولأن الأب سبب لوجود الولد فلا يكون الولد سبباً لإعدامه.
ج- ولعموم الأدلة الموجبة لبر الوالدين، والإحسان إليهما.
د- أن الحدود تدرأ بالشبهات وقد قال النبي ﷺ (أنت ومالك لأبيك) فإذا لم يكن ذلك على حقيقته فلا أقل من أن يكون شبهة تدرأ الحد.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يقتل الوالد بولده.
وهذا قول داود الظاهري، وابن المنذر.
لعموم الأدلة في وجوب القصاص من القاتل، وعدم ورود ما يقوَى على تخصيصها.
وقالوا: وأما التعليل بأن الوالد سبب إيجاد الولد فلا يكون سبباً في إعدامه، فهو مردود، فإن الولد لم يكن سبباً في إعدامه، بل هو سبب إعدام نفسه.
стр. 2902
قال الشيخ ابن عثيمين: والدليل الحديث المشهور: «لا يقتل والد بولده»، هذا من الأثر، ومن النظر: أن الوالد سبب في إيجاد الولد، فلا ينبغي أن يكون الولد سببا في إعدامه.
ولننظر في هذه الأدلة، أما الحديث فقد ضعفه كثير من أهل العلم، فلا يقاوم العمومات الدالة على وجوب القصاص، وأما تعليلهم النظري، فالجواب عنه أن الابن ليس هو السبب في إعدام أبيه، بل الوالد هو السبب في إعدام نفسه بفعله جناية القتل.
والصواب: أنه يقتل بالولد، والإمام مالك ﵀ اختار ذلك، إلا أنه قيده بما إذا كان عمدا، لا شبهة فيه إطلاقا، بأن جاء بالولد وأضجعه وأخذ سكينا وذبحه، فهذا أمر لا يتطرق إليه الاحتمال، بخلاف ما إذا كان الأمر يتطرق إليه الاحتمال فإنه لا يقتص منه، قال: لأن قتل الوالد ولده أمر بعيد، فلا يمكن أن نقتص منه إلا إذا علمنا علم اليقين أنه أراد قتله.
والراجح في هذه المسألة: أن الوالد يقتل بالولد، والأدلة التي استدلوا بها ضعيفة لا تقاوم النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على العموم، ثم إنه لو تهاون الناس بهذا لكان كل واحد يحمل على ولده، لا سيما إذا كان والدا بعيدا، كالجد من الأم، أو ما أشبه ذلك ويقتله ما دام أنه لن يقتص منه. (الشرح الممتع).
وقول الجمهور أرجح.
فائدة: ١
هل الأم كالأب في هذا؟
نعم، فلا تقتل بابنها.
قال ابن قدامة (وَالْأُمُّ فِي ذَلِكَ كَالْأَبِ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْد مُسْقِطِي الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ).
وَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ، فَأَشْبَهْت الْأَبَ.
وَلِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْبِرِّ، فَكَانَتْ أَوْلَى بِنَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْهَا.
وَالْجَدَّةُ وَإِنْ عَلَتْ فِي ذَلِكَ كَالْأُمِّ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْجَدِّ. (المغني).
стр. 2903
فائدة: ٢
هل يقتل الجد إذا قتل ولد ولده؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يقتص من الجد بقتل حفيده.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
قال في الحاوي: ولا يقتل الجد بابن ابنه.
وقال ابن قدامة: والجد وإن علا كالأب في هذا، وسواء كان من قبل الأب أو من قبل الأم، في قول أكثر مسقطي القصاص عن الأب.
أ- للحديث السابق (لا يقتل والد بولده).
وجه الاستدلال: أن الجد يعد والداً وأباً فيدخل في عموم هذا النص.
ب- أن عدم القصاص من الأب سببه الولادة، فاستوى فيه من كانت ولادته قريبة، ومن كانت بعيدة كالجد، وذلك كالمحرمية.
ج- أن الأب يشارك الجد في كثير من الأحكام، ولذلك كان مثله هنا في عدم الاقتصاص منه.
القول الثاني: أنه يقتص من الجد إذا قتل ولد ولده.
وهذا اختيار ابن تيمية.
واستدلوا: بأن الأصل القصاص من كل قاتل إلا ما ورد استثناؤه وتخصيصه بحكم من الشارع، وقد جاءت السنة بأنه لا يقتل الأب بولده، وقياس الجد على الأب في عدم القصاص منه بعيد لا يصح فيبقى على الأصل وهو القصاص.
والراجح الأول.
(ويُقتلُ الولدُ بكلٍّ منهما).
أي: إذا قتل الولد أحد الأبوين فيقتل.
قال في المغني: هذا قول عامة أهل العلم لعموم الأدلة الدالة على وجوب القصاص.
стр. 2904
شروط استيفاء القصاص
هذه الشروط إذا توفرت يتم استيفاء القصاص.
الشروط الماضية - شروط القصاص - وهي الشروط التي يثبت بها القصاص.
فالشروط السابقة: شروط لثبوته.
وهذه الشروط: لتنفيذه.
(يُشْتَرَطُ لَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: كَوْنُ مُسْتَحِقِّهِ مُكَلَّفاً، فَإِنْ كَانَ صَبِيّاً، أَوْ مَجْنُوناً لَمْ يُسْتَوْفَ، وَحُبِسَ الْجَانِي إِلَى البُلُوغِ وَالإِفَاقَةِ).
هذا الشرط الأول: كون مستحق القصاص مكلفاً. (بالغاً عاقلاً).
أي: يشترط أن يكون ورثة المقتول مكلفين، فَإِنْ كَانَ صَبِيّاً، أَوْ مَجْنُوناً لَمْ يُسْتَوْفَ.
إذاً: ماذا يفعل بالجاني؟
يحبس حتى يبلغ الصغير ويعقل المجنون فيطالب أو يعفو.
أ- لأن معاوية حبس هُدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل.
وبذل الحسن والحسين وسعيد بن العاص سبع ديات لابن القتيل فلم يقبلها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر فكان إجماعاً.
ب- ولأنه لا يؤمن هربه فيضيع الدم.
قال الشافعي في الأم: ويحبس القاتل إلى اجتماع غائبهم وبلوغ صغيرهم.
стр. 2905
وقال ابن قدامة: وَكُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ تَأْخِيرُ الِاسْتِيفَاءِ، فَإِنْ الْقَاتِلَ يُحْبَسُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ، وَيَعْقِلَ الْمَجْنُونُ، وَيَقْدَمَ الْغَائِبُ، وَقَدْ حَبَسَ مُعَاوِيَةُ هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ فِي قِصَاصٍ حَتَّى بَلَغَ ابْنُ الْقَتِيلِ، فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ، وَبَذَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لِابْنِ الْقَتِيلِ سَبْعَ دِيَاتٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يُخْلَى سَبِيلُهُ كَالْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ فِي تَخَلَّيْتِهِ تَضْيِيعًا لِلْحَقِّ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ هَرَبُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْسِرِ مِنْ وُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ لَا يَجِبُ مَعَ الْإِعْسَارِ، فَلَا يُحْبَسُ بِمَا لَا يَجِبُ، وَالْقِصَاصُ هَاهُنَا وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ الْمُسْتَوْفِي.
الثَّانِي، أَنَّ الْمُعْسِرَ إذَا حَبَسْنَاهُ تَعَذَّرَ الْكَسْبُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ، فَلَا يُفِيدُ، بَلْ يَضُرُّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَهَا هُنَا الْحَقُّ نَفْسُهُ يَفُوتُ بِالتَّخْلِيَةِ لَا بِالْحَبْسِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ اُسْتُحِقَّ قَتْلُهُ، وَفِيهِ تَفْوِيتُ نَفْسِهِ وَنَفْعِهِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ تَفْوِيتُ نَفْسِهِ، جَازَ تَفْوِيتُ نَفْعِهِ لِإِمْكَانِهِ. (المغني).
وقال الشيخ ابن عثيمين: فلو كان المستحق للقصاص صغيراً وله أب، كما لو قتل رجل، وورثه أبوه وابنه الصغير، فليس للأب أن يستوفي القصاص؛ لأن أحد مستحقيه صغير لم يبلغ.
والعلة أن القصاص إنما وجب للتشفي من القاتل، وليذهب الإنسان ما في قلبه من الغيظ على هذا القاتل الذي قتل مورِّثه، وهذا لا يمكن أن يقوم به أحد عن أحد؛ لأن التشفي معنى يقوم بالنفس، فأبو الرجل لا يتشفّى عن ابن ابنه.
ولهذا يحبس حتى البلوغ أو الإفاقة.
وقال في الروض: ولأن معاوية ﵁ حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر. (الشرح الممتع)
стр. 2906
فائدة:
ذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز للأب والجد أن يستوفيا القصاص نيابة عن موليهما الصغير والمجنون.
وهذا قول بعض الحنفية، لأن ولايتهما ولاية نظر ومصلحة، فهما مخوّلان لطلب القصاص.
والراجح - كما تقدم - أنه ليس لهم ذلك.
لأن المقصود من القصاص التشفي ودرك الغيظ، ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي أو الوصي أو الحاكم.
(الثاني: اِتِّفاقُ الأَوْلِياءِ المُشْتَرِكينَ فِيهِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ، وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِه).
هذا الشرط الثاني: وهو اتفاق جميع الأولياء المشتركين في استحقاق القصاص على استيفائه.
لأنه حق لجميعهم فلم يكن لبعضهم الاستقلال به.
فإذا عفا أحد الأولياء سقط القصاص وانتقل الأمر إلى الدية.
وهذا مذهب جمهور العلماء:
أ-لقول الله تعالى (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ).
فالمراد بالعفو إسقاط القصاص، و (شَيْءٌ) نكرة تعم أي شيء قل أو كثر، فإن العفو عن البعض من القصاص كالعفو عنه كله يسقط به القصاص.
ب-ما رواه قتادة (أن عمر بن الخطاب رفع إليه رجل قتل رجلاً، فجاء أولاد المقتول وقد عفا أحدهم، فقال عمر لابن مسعود وهو إلى جنبه: ما تقول؟ فقال ابن مسعود: أقول له: قد أحرز من القتل، قال: فضرب على كتفه وقال: كُنَيِّفٌ ملئ علماً) رواه الطبراني
فقد رأى ابن مسعود ﵁ سقوط القصاص بتنازل بعض الورثة، ووافقه عمر ﵁.
стр. 2907
ج-أن القصاص يدرأ بالشبهة كالحد، وسقوط بعضه بتنازل بعض الورثة يوجب سرايته على النفس كلها مراعاة لحرمة النفس.
د- أن القصاص لا يتجزأ، فإذا سقط بعضه سقط كله ضرورة.
فائدة:
إن كان فيهم غائب انتظر قدومه.
الذين لهم حق في استيفاء القصاص هم الورثة، ويدل لذلك قوله ﷺ (من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين) رواه أبوداود وأصله في الصحيحين، فقوله [أهله] أي ورثته.
(الثَّالِثُ: أَنْ يُؤْمَنَ فِي الاسْتِيفَاءِ أَنْ يَتَعَدَّى الْجَانِيَ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَى حَامِلٍ أَوْ حَائِلٍ فَحَمَلَتْ لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ الوَلَدَ وَتُسْقِيَهُ اللَّبَأَ).
هذا الشرط الثالث: الأمن من التعدي في الاستيفاء.
فلو كان الجاني حاملاً لم يجز استيفاء القصاص منها حتى تضع ولدها ويستغني عنها.
- قوله (أو على حائل فحملت) مثاله: امرأة ليست حاملاً، قتلت إنساناً عمداً عدواناً، ولكن قبل أن يحكم عليها بالقصاص حملت، فتترك حتى تضع.
فإن قلت: كيف تترك مع أن الحق سابق على الحمل، والقاعدة أنه يقدم الأسبق فالأسبق؟
فالجواب: أن هذا التأخير لا يُضيع الحق، وغاية ما هنالك أنه يؤجل حتى يزول هذا المانع، فالقصاص يثبت. (الشرح الممتع).
стр. 2908
فصل
(وَلَا يُسْتَوْفَى قِصَاصٌ إِلاَّ بِحَضْرَةِ سُلْطَانٍ أَوْ نَائِبِهِ).
الأصل أن الذي يتولى استيفاء القصاص هو ولي المجني عليه إن كان يحسنه، وإلا فينيب من يتولى إقامته، أو يرجع الأمر إلى السلطان فينيب من يتولاه.
فإن تشاح الأولياء كل يريد إقامته وكلهم يحسنه فيقرع بينهم.
إذاً: يجوز أن يستوفي القصاص أولياء المقتول بشروط:
أن يحسن القصاص - ويأمن عدم التجاوز - وبحضور السلطان أو نائبه.
- ويجب حضور السلطان أو نائبه لأمرين:
أ- لافتقاره إلى اجتهاده، وخوف الحيْف.
ب- ولأن أولياء المقتول ربما يعتدون عليه بالتمثيل أو بسوء القتل أو بغير ذلك بسبب الغيظ الذي في قلوبهم عليه.
- والدليل على أنه يجوز لولي الدم أن يتولى القصاص:
قوله تعالى (فلا يسرف في القتل).
(وآلَةٍ مَاضِيَةٍ).
أي: لا يستوفَى القصاص إلا بآلة ماضية، يجب أن يكون الاستيفاء بآلة حادة لا كالة.
أ- لقوله ﷺ (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة).
ب-ولأن ذلك أرفق بالمقتول.
стр. 2909
(وَلَا يُسْتَوْفَى فِي النَّفْسِ إِلاَّ بِضَرْبِ الْعُنُقِ بِسَيْفٍ، وَلَوْ كَانَ الجَانِي قَتَلَهُ بِغَيْرِهِ).
أي: يستوفى القصاص بضرب العنق دون غيره، لأنه مجمع العروق.
ويكون بسيف لا بغيره ولو كان الجاني قتله بغير ذلك.
أ-لحديث ابن مسعود مرفوعاً (لا قود إلا بالسيف) رواه الطبراني وهو ضعيف.
ب-ولأنه أمضى ما يكون من الآلات التي يقتل بها.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الجاني يقتل بمثل ما قتل به ولا يتعين السيف.
وهذا قول مالك، والشافعي، وجمهور العلماء واختاره ابن تيمية ﵀.
أ-لقوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ).
ب- ولقوله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ).
ج- ولحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ جَارِيَةً وُجَدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هَذَا? فُلَانٌ. فُلَانٌ. حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا. فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اَلْيَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وهذا القول هو الصحيح.
وعليه: لو قتله بالرصاص فإننا نقتله بالرصاص، وإن قتله بأن رماه من شاهق، فإننا نرميه من شاهق.
لكن يستثنى ما لو قتله بوسيلة محرّمة فإننا لا نقتله بها، مثل أن يقتله باللواط أو بالسحر أو يقتله بإسقاء الخمر حتى يموت.
قَالَ ابن رُشد ﵀: اختلفوا فِي صفة القصاص فِي النفس.
فمنهم منْ قَالَ: يُقتصّ منْ القاتل عَلَى الصفة التي قَتَل، فمن قتل تغريقًا قُتل تغريقًا، ومن قتل بضرب بحجر قُتل بمثل ذلك، وبه قَالَ مالكٌ، والشافعي.
стр. 2910
وَقَالَ أبو حنيفة، وأصحابه: بأيّ وجه قتله لم يُقتل إلا بالسيف، وعمدتهم ما رَوى الحسن عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ (لا قود إلا بحديدة).
وعمدة الفريق الأول حديث أنس ﵁ أن يهوديّا رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبيّ ﷺ رأسه بحجر، أو قَالَ: "بين حجرين"، وقوله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) والقصاص يقتضى المماثلة. (بداية المجتهد).
فصل
(ويجبُ بعمدٍ القَوَدُ أو الدية، فيُخَيّرُ الولي).
أي: أن الواجب في القتل العمد، القود أو الدية، وللولي اختيار التعيين، إن شاء استوفى القصاص، وإن شاء أخذ الدية من غير توقف على رضا القاتل.
وهذا رأي الحنابلة، وبعض الشافعية، والظاهرية.
وروي عن سعيد ابن المسيب وابن سيرين وعطاء ومجاهد وغيرهم، وهو رواية عن الإمام مالك ﵀.
أ-لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ ( … وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ) متفق عليه.
ب-وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ اَلْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا
اَلْعَقْلِ. أَوْ يَقْتُلُوا) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
وجاء عند أبي داود (فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه) أي إذا أراد زيادة على القصاص أو الدية.
ب- ولقول ابن عباس: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فأنزل الله تعالى هذه الآية (كتب عليكم القصاص في القتلى)
وذهب بعض العلماء: إلى موجَب القتل العمد هو القَود عيناً أي متعيناً.
следующие страницы →