← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

(وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَأْمُومَةِ وَالدَّامِغَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ). المأمومة: وهي التي تصل إلى أم الدماغ؛ أي: جلدة الدماغ. الدامغة: وهي التي تخرق تلك الجلدة. ويجب في كل واحدة من هاتين الشجتين المأمومة، والدامغة ثلث الدية. لحديث عمرو بن حزم (وفي المأمومة ثلث الدية). والدامغة أبلغ منها؛ فهي أولى منها، والغالب أن صاحبها لا يسلم، ولذلك لم يرد بخصوصها تقدير. (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلى بَاطِنِ الْجَوْفِ). الكلام الأن على الجراح. الجائفة: لجراحة التي تصل إلى باطن جوف بطن وظهر وصدر وحلق ومثانة. وفيها: ثلث الدية: لحديث عمرو بن حزم (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ). قال الإمام الموفق: "وهو قول عامة أهل العلم، منهم أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل الحديث وأصحاب الرأي. (وَفِي الضِّلَعِ وَكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيرٌ) أي: يجب في الضلع إذا جبر بعد كسره كما كان بعير. ويجب في كل واحدة من الترقوتين بعير. لما روي عن عمر ﵁ أنه قال (في الضلع جمل، وفي الرقوة جمل). والترقوة هي العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف، ولكل إنسان ترقوتان. وإن انجبر الضلع أو الترقوة بدون استقامة؛ وجب في ذلك حكومة.

стр. 2942

(وَفِي كَسْرِ الذِّرَاعِ وَهُوَ السَّاعِدُ الْجَامِعُ لِعَظْمَيِ الزِّنْدِ، وَالْعَضُدِ، وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ إِذَا جَبَرَ ذلِكَ مُسْتَقِيماً بَعِيرَان). يجب في كسر الذراع، وهو الساعد الجامع لعظمي الزند والعضد، إذا جبر مستقيماً: بعيران. كما يجب ذلك أيضا في كسر الفخذ، وكسر الساق وكسر الزند. لما روى سعيد عن عمرو بن شعيب (أن عمرو بن العاص ﵁ كتب إلى عمر في أحد الزندين إذا كسر؟، فكتب إليه عمر: أن فيه بعيرين، وإذا كسر الزندان؛ ففيهما أربعة من الإبل) ولم يظهر له مخالف من الصحابة. (وَمَا عَدَا ذلِكَ مِنَ الْجِرَاحِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَالْحُكُومَةُ: أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرِئَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ فَلَهُ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ الدِّيَة). أي: ما عدا ما سبق من الجراح وكسر العظام التي ذكرها ففيها حكومة. وعليه: شجاج الوجه والرأس خمس فيها حكومة، وخمس فيها دية مقدرة. جروح البدن كلها فيها حكومة إلا الجائفة. العظام في السن مقدرة، وفي بقية العظام حكومة، استثنوا الضلع وترقوة والزند. معنى حكومة: أن يقوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقَوّم وهي به قد برئت؛ فما نقص من القيمة؛ فللمجني عليه مثل نسبته من الدية. مثال ذلك: لو قدر أن قيمته لو كان عبدًا سليما ستون، وقيمته بالجناية خمسون؛ ففيه سدس ديته؛ لأن الناقص بالتقويم واحد من ستة، وهو سدس قيمته، فيكون للمجني عليه سدس ديته.

стр. 2943

باب العاقلة (عَاقِلَةُ الإِنْسَانِ عَصَبَاتُهُ كُلُّهُمْ مِنَ النَّسَبِ وَالوَلَاءِ، قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ حَاضِرُهُمْ وَغَائِبُهُمْ، حَتَّى عَمُودَيْ نَسَبِهِ). العاقلة: وهم عصبته والمراد بالعصبة بالنفس، فيدخل فيهم: آباؤه وأبناؤه وإخوته وعمومتهم وبنوهم. وسميت بذلك: لأن الإبل تجمع فتعقل بفناء أولياء المقتول لتسلم إليهم، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، إبلاً أو نقداً. وقيل سموا عاقلة لأنهم يمنعون عن القاتل من أن يعتدي عليه أحد. فائدة: ويشمل القريب والبعيد منهم، فكلهم يشتركون في العقْل، وحاضرهم وغائبهم. (وَلَا عَقْلَ عَلَى رَقِيق) أ-لأنه ليس من أهل النصرة. ب- ولأنه لا مال له، لأن مال المملوك لسيده. (وَغَيْرِ مُكَلَّفٍ). ولا على غير مكلف كالصغير والمجنون. أ- لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) رواه أبو داود. ب- ولأنهما ليسا من أهل النصرة. (وَلَا فَقِيرٍ). أي: ولا على فقير. لأنه ليس عنده مال. (وَلَا أُنْثَى). أي: ولا على أنثى. لأنها ليست من أهل النصرة.

стр. 2944

(ولا تَحْمِل العاقلة عمداً محضاً). أي: أن العاقلة لا تتحمل دية العمد المحض. فائدة: ١ يجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يناسبه، فيحمل الأقرب أكثر من الأبعد، والغني أكثر ممن دونه وهكذا، ولو اتفقت العاقلة فيما بينهم على تقدير معين جاز، لأن الأمر راجع إليهم. فائدة: ٢ الحكمة أن قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة: أن هذه الجنايات تكثر، ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل للإعانة له تخفيف عنه إذا كان معذور في فعله. فائدة: ٣: الأشياء التي لا تحملها العاقلة. أ- قتل العمد. لأنه لا يستحق المواساة. ب- ولا تحمل أيضاً قيمة عبد قتله الجاني. لأنه مال، والعاقلة لا تحمل بدل الأموال المتلفة. ج- ولا تحمل أيضاً صلحاً عن إنكار. مثال: جاء قوم لرجل فقالوا له: أنت قتلت أبانا، فأنكر، فاصطلحوا على أن يعطيهم مالاً وينتهي الموضوع. فالعاقلة لا تتحمل هنا.

стр. 2945

لأن هذا لم يثبت ببينة. وقد يحصل فيه مواطأة. د - ولا ما دون الثلث. كأن يجني على شخص جناية خطأ فيما دون النفس، وكانت الدية الواجبة عليه أقل من ثلث دية القتل، فلا تحمله العاقلة، لأنه قليل يمكن للجاني تحمله. لقول ابن عباس: لا تحمل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً. فائدة: ٤ هل الجاني يتحمل مع العاقلة شيئاً من الدية أو لا يتحمل؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يتحمل معهم شيئاً. وهذا هو المذهب وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز عليه ﵀ قال ابن قدامة: ولا يلزم القاتل شيء من الدية. وبهذا قال مالك، والشافعي. أ-لما روى أبو هريرة (أن النبي ﷺ قضى بدية المرأة على عاقلتها) وهذا يقتضي أنه قضى بجميعها عليهم. ب- ولأنه قاتل لم تلزمه الدية، فلم يلزمه بعضها، كما لو أمره الإمام بقتل رجل، فقتله يعتقد أنه بحق، فبان مظلوماً. ج- ولأن الكفارة تلزم القاتل في ماله، وذلك يعدل قسطه من الدية وأكثر منه، فلا حاجة إلى إيجاب شيء من الدية عليه. (المغني)

стр. 2946

قال الشنقيطي: ذهب الإمام أحمد و الشافعي: إلى أنه لا يلزمه من الدية شيء، لظاهر حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه المتقدم (أن النبي ﷺ قضى بالدية على عاقلة المرأة) وظاهره قضاؤه بجميع الدية على العاقلة. (أضواء البيان). القول الثاني: أنه يتحمل معهم شيئاً من الدية. - وقد سئل الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى إذا كان الجاني غنياً فهل يلزمه أن يتحمل مع العاقلة؟ فأجاب: المذهب معروف أنه لا شي عليه مطلقاً. والقول الآخر في المذهب أنه يحمل مع العاقلة لأنهم حملوا بسببه، ولا ينافي هذا أن الشارع جعل الدية على العاقلة فإنها من باب التحمل لأنها في الأصل على المتلف ولكن لمّا كانت الدية مبلغاً جسيماً ناسب أن يكون العصبة المتساعدون يتعاونون على حملها فلا يناسب ذلك إلا أن يتحمل القاتل وهو غني وهذا القول هو الذي نختاره. فائدة: ٤ إن عجزت العاقلة عن دفع الدية لفقرها أو من لا عاقلة له: فإن الدية تكون من بيت مال المسلمين، فإن لم يمكن أخذها من بيت المال، ففي المسألة خلاف؟ منهم من قال: لا شيء على القاتل. وهو المذهب عند الحنابلة. والأكثر على أنه يتحملها القاتل نفسه، وهو مذهب الأكثر. واختاره ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. قال في الإنصاف: ومن لا عاقلة له، أو لم تكن له عاقلة تحمل الجميع: فالدية أو باقيها من بيت المال، فإن لم يمكن أخذها من بيت المال، فلا شيء على القاتل، وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب … وهو من مفردات المذهب، ويحتمل أن تجب في مال القاتل. قال المصنف هنا [ابن قدامة]: وهو أولى، فاختاره " انتهى. قال الشيخ البليهي في السلسبيل: أن من لا عاقلة له أو عجزت عن الدية أو بعضها أخذه دفعة واحدة من بيت المال فإن تعذرت سقطت، واختيار الشيخ تؤخذ من الجاني عند تعذر العاقلة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الاختيارات العلمية: تؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء.

стр. 2947

باب كفارة القتل (وَمن قتل نفسا مُحرمَة غير عمد اَوْ شَارك فِيهِ فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة وَهِي ككفارة ظِهَار الا انها لَا اطعام فِيهَا وَيكفر عبد بِالصَّوْم). من قتل نفساً معصومة - وكان القتل خطأ أو شبه عمد - فإن على القاتل الكفارة. وهي: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد، أو لم يقدر على ثمنها. فصيام شهرين متتابعين. قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيماً). فائدة: ١ والحكمة في إيجاب كفارة في قتل الخطأ مع أنه لا يوصف بتحريم ولا إباحة ثلاثة أمور: أولاً: نظراً لاحترام النفس الذاهبة وعصمتها. ثانياً: لكون القتل لا يخلو من تفريط من القاتل. ثالثاً: ولئلا يخلو القاتل من تحمل شيء حيث لم يحمل الدية وإنما حملتها العاقلة.

стр. 2948

فائدة: ٢ من قتل جماعة لزمته كفارات. فمن قتل ثلاثة وجب عليه ثلاث رقاب، فإن لم يجد صام ستة أشهر، كل شهرين متتابعين فائدة: ٣ جاء في (الموسوعة الفقهية) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْقَاتِلِينَ وَاتِّحَادِ الْمَقْتُول عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى كُل مَنِ اشْتَرَكَ فِي قَتْلٍ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ. وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَالثَّوْرِي. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَجَبَتْ لَا عَلَى سَبِيل الْبَدَل عَنِ النَّفْسِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِذَا اشْتَرَكُوا فِي سَبَبِهَا، لأَنَّ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَى الْوَاحِدِ إِذَا انْفَرَدَ يَجِبُ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِذَا اشْتَرَكُوا، كَكَفَّارَةِ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ. وَبِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ، وَهِيَ مِنْ مُوجِبِ قَتْل الآْدَمِيِّ، فَكَمُلَتْ فِي حَقِّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ كَالْقِصَاص. وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة). وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَةَ (مَنْ) تَتَنَاوَل كُل قَاتِلٍ، الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ وَلَمْ تُوجِبِ الآْيَةُ إِلاَّ كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَدِيَةً، وَالدِّيَةُ لَا تَتَعَدَّدُ فَكَذَلِكَ لَا تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ. (الموسوعة الفقهية). (ولا إطعام هنا). لأن الله تعالى لم يذكره.

стр. 2949

فائدة: هذه الكفارة على الترتيب. (ولا كفارة في العمد). أي: ليس في قتل العمد كفارة. لقوله تعالى (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا) فتخصيصه بها يدل على نفيها في غيره. ولأنها لو وجبت في العمد لمحت عقوبته في الآخرة. قال ابن قدامة: وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. لمَفْهُومُ قَوْله تَعَالَى (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة). ثُمَّ ذَكَرَ قَتْلَ الْعَمْدِ، فَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ كَفَّارَةً، وَجَعَلَ جَزَاءَهُ جَهَنَّمَ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ. وَرُوِيَ (أَنَّ سُوَيْدٌ بْنَ الصَّامِتِ قَتَلَ رَجُلًا، فَأَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ الْقَوَدَ، وَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَة). (وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ قَتَلَ رَجُلَيْنِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَدَاهُمَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَة). وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ الْقَتْلَ، فَلَا يُوجِبُ كَفَّارَةً، كَزِنَى الْمُحْصَنِ. … (المغني). فائدة: ١ إذا عجز عن العتق والصيام سقطت عنه فائدة: ٢ لا تسقط الكفارة بعفو الورثة عن الدية، لأن الكفارة حق لله تعالى، والدية حق الآدمي.

стр. 2950

فائدة: ٣ لا إطعام في كفارة القتل: وإنما عتق فإن لم يجد فصيام شهرين. وهذا المذهب. لأنه لو كان واجباً لما أخّرَ بيانه عن وقت الحاجة. فائدة: ٤ وقد اختلف العلماء فيمن قتل نفسه خطأ هل تجب الكفارة في ماله أم لا؟ وهل تجب الدية فتدفع إلى ورثته أم لا؟ والراجح لا كفارة ولا دية. قال ابن قدامة: مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً، وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. لعُمُومُ قَوْله تَعَالَى (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ). وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُؤْمِنٌ مَقْتُولٌ خَطَأً، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى قَاتِلِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ. لِأَنَّ ضَمَانَ نَفْسِهِ لَا يَجِبُ، فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ، كَقَتْلِ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَصِبْيَانِهِمْ. ورجح هذا ابن قدامة وقال: وهذا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّ (عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ، قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً، وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ بِكَفَّارَةٍ). وقَوْله تَعَالَى (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً) إنَّمَا أُرِيدَ بِهَا إذَا قَتَلَ غَيْرَهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ). وَقَاتِلُ نَفْسِهِ لَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ؛ بِدَلِيلِ قَتْلِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ. (المغني).

стр. 2951

وجاء في (الموسوعة الفقهية) مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ مَنْ قَتَل نَفْسَهُ خَطَأً لَا تَجِبُ الدِّيَةُ بِقَتْلِهِ وَلَا تَحْمِل الْعَاقِلَةُ دِيَتَهُ. لأِنَّ عَامِرَ بْنَ الأْكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ، وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِدِيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهُ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْكَفَّارَةِ: فَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ وَالْحَنَابِلَةُ: تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لَا تَجِبُ؛ لأِنَّ الْكَفَّارَةَ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ الْقَتْل، فَإِذَا حَصَل الْقَتْل بَطَل الْخِطَابُ بِهَا كَمَا تَسْقُطُ دِيَتُهُ عَنِ الْعَاقِلَةِ لِوَرَثَتِه. (الموسوعة). والراجح - والله أعلم -: أن من قتل نفسه خطأ فلا تجب الدية بقتله ولا تجب الكفارة في ماله. وقد بوب البخاري ﵀ لحديث عامر بن الأكوع ﵁ بقوله: بَابُ إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ. قال ابن بطال ﵀: " اختلف العلماء في من قتل نفسه، فقالت طائفة: لا تعقل العاقلة أحدًا أصاب نفسه بشيء عمدًا أو خطأ، [أي لا تتحمل العاقلة ديته] هذا قول ربيعة ومالك والثوري وأبى حنيفة والشافعي. وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: ديته على عاقلته … وحديث سلمة بن الكوع حجة للقول الأول؛ لأن النبي ﷺ لم يوجب له دية على عاقلته ولا غيرها، ولو وجبت على العاقلة لبين ذلك؛ لأن هذا موضع يحتاج إلى بيان، وأيضًا: فإن الدية إنما وجبت على العاقلة تخفيفًا على الجاني فإذا لم يجب على الجاني لأحدٍ شيء لم يحتج إلى التخفيف عنه، وجعلت الدية أيضًا على العاقلة معونة للجاني فتؤدى إلى غيره، فمحال أن يؤدى عنه إليه. (شرح البخاري) وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: من قتل نفسه خطأ فلا دية ولا كفارة عليه، ولا يجب شيء من ذلك على أحد من قرابته.

стр. 2952

فائدة: ٥ الكافر المعصوم ثلاثة أنواع: الذمي. وهو من بيننا وبينه عقد الذمة. المعاهَد. من بيننا وبين قومه عهد على ترك القتال. المستأمِن. وهو من دخل بلاد الإسلام بأمان، كمن دخلها للتجارة أو العمل أو زيارة قريب أو ما أشبه ذلك. فمن قتل كافراً معصوماً فعليه شيئان: الأول: الدية، تسلم إلى أهله. وهذا إذا كان أهله غير محاربين. وأما إذا كان أهله محاربين لنا فلا يستحقون الدية، لأن أموالهم ودماءهم لا حرمة لها. الثاني: الكفارة وهذا قول جمهور العلماء. قال ابن قدامة: وَتَجِبُ (تعني الكفارة) بِقَتْلِ الْكَافِرِ الْمَضْمُونِ، سَوَاءٌ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ; لقوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. فَمَفْهُومُهُ أَنْ لا كَفَّارَةَ فِي غَيْرِ الْمُؤْمِنِ. وَلَنَا، قوله تعالى: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. وَالذِّمِّيُّ لَهُ مِيثَاقٌ، وَهَذَا مَنْطُوقٌ يُقَدَّمُ عَلَى دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَلأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَقْتُولٌ ظُلْمًا، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ، كَالْمُسْلِمِ اهـ. وقد اختار هذا القول جماعة من المفسرين منهم: الطبري (٩/ ٤٣) والقرطبي (٥/ ٣٢٥) وابن كثير (٢/ ٣٧٦) قال ابن جرير الطبري: ثم اختلف أهل التأويل في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق أهو مؤمن أو كافر؟ فقال بعضهم: هو كافر، إلا أنه لزمت قاتله ديته؛ لأن له ولقومه عهدا، فواجب أداء ديته إلى قومه للعهد الذي بينهم وبين المؤمنين، وأنها مال من أموالهم، ولا يحل للمؤمنين شيء من أموالهم بغير طيب أنفسهم. . .

стр. 2953

ثم قال الطبري: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك المقتول من أهل العهد، لأن الله أبهم ذلك، فقال: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم) ولم يقل: "وهو مؤمن" كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب فكان في تركه وصفه بالإيمان الذي وصف به القتيلين الماضي ذكرهما قبل، الدليلُ الواضح على صحة ما قلنا في ذلك. فائدة: ٦ قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا حصل الحادث فإما أن يكون بتفريط من قائد السيارة أو بتعدٍ منه، والتفريط ترك ما يجب مثل أن يدع الإنسان تفقد السيارة في حال يحتمل أن يكون فيها خلل، فيدع تفقدها ثم يحصل الحادث من جراء هذا التفريط: فيكون في ذلك ضامناً لأنه ترك ما يجب عليه، أو بتعدٍ منه والتعدي فعل ما لا يجوز، مثل أن يسير في خط معاكس للسير أو يقطع الإشارة، أو يسرع سرعةً تُمنَع في مثل هذا المكان، وما أشبه هذا، المهم أن القاعدة هو أنه إذا كان الإنسان الذي حصل منه الحادث متعدياً بفعل ما لا يجوز، أو مفرطاً بترك ما يجب، فإنه يجب عليه لهذا الحادث شيئان إذا تلفت منه نفس: الشيء الأول: الكفارة وهي حق لله تعالى، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما يوماً واحداً إلا بعذر حسي أو شرعي. والأمر الثاني مما يجب عليه: الدية، لكن الدية تتحملها عنه عاقلته، وهذه حق لأولياء المقتول، وهم ورثته؛ إن عفوا عنها سقطت. أما الكفارة فإنها حقٌ لله ولابد منها، حتى لو عفا أولياء المقتول عن الدية فإن الكفارة لا تسقط؛ لأن الكفارة حق لله والدية حق للآدميين، ولا يلزم من سقوط أحد الحقين سقوط الآخر، كما أن هذا لو كان لا يجد الرقبة، ولا يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين، فإن الكفارة تسقط عنه وإن كانت الدية تجب لأولياء المقتول.

стр. 2954

كتاب الحدود تعريف الحدود: الحدود جمع حد، والحد لغة: هو الحاجز بين الشيئين فيمنع اختلاطهما، والحد المنع، ومنه قيل: للبواب حداداً، لأنه يمنع الناس عن الدخول، وللسجان أيضاً؛ لأنه يمنع من الخروج، أو لأنه يعالج الحديد من القيود. وسميت العقوبات حدوداً، لأنها موانع من ارتكاب أسبابها ومعاودتها، وحدود الله محارمه؛ لأنه ممنوع عنها. واصطلاحاً: عقوبة مقدرة شرعاً لمنع الجناة من العود إلى المعاصي وزجر غيرهم وتكفير ذنب صاحبها. قوله (مقدرة شرعاً) خرج به العقوبة التي قدرها القاضي كالتعزير. فائدة: الحكمة من الحدود: أولاً: ردع العصاة ومنع انتشار الفساد. ثانياً: التكفير والتطهير للعاصي. (لَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلَى بَالِغٍ، عَاقِلٍ). أي: يجب الحد على كل عاقل بالغ، فلا يقام على صغير أو مجنون. فيشترط: أن يكون مكلفاً. (وهو البالغ العاقل).

стр. 2955

قال في الشرح: أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد وصحة الإقرار. أ- لحديث (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق). ب- وفي حديث ابن عباس - في قصة ماعز - (أن النبي ﷺ سأل قومه: أمجنون هو؟ قالوا: ليس به بأس. وفي رواية (أنه سأل عنه، أمجنون هو؟ قالوا: ليس به بأس). ج- ولأنهما لا قصد لهما. (مُلْتَزِمٍ). أي: ملتزم لأحكام المسلمين، وهو المسلم والذمي. ودليل ذلك حديث ابن عمر (أن رسول الله ﷺ رجم اليهوديين لما زنيا) متفق عليه. (عَالِمٍ بالتَّحْرِيمِ). فإن كان جاهلاً، كحديث عهد بالإسلام، أو ناشئ في بادية بعيدة عن المسلمين فلا حدّ عليه. أ- لأن الحد يدرأ بالشبهة، والجهل بالشبهة. ب- وقد قال تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا). جاء في الحديث عن الله تعالى (قد فعلت). ج- وقال عمر وعلي وعثمان (لا حد إلا على من علمه). فمن كان جاهلاً بالحكم المنهيِّ عنه، وفعله، وكان في إتيانه حدٌّ أو كفارةٌ: فلا شيء عليه. وقد قال ﷺ لمن اعترف على نفسه بالزنا (فهلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟). رواه أبو داود، والحديث أصله في الصحيحين. قال ابن القيم - وصحَّحَ رواية أبي داود - فيه: أنَّ الحدَّ لا يجب على جاهلٍ بالتحريم؛ لأنَّه ﷺ سأله عن حكم الزنى، فقال " أَتَيْتُ مِنْها حَرَاماً ما يأتي الرجل من أهله حلالاً. (زاد المعاد).

стр. 2956

فائدة: هل يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة؟ لا يشترط ذلك. فلو سرق - وهو يعلم أنه حرام - لكنه لا يعلم أن في السرقة قطع اليد، فإنه يقام عليه الحد. قال ابن القيم في فوائد حديث ماعز: فيه أن الجهل بالعقوبة لا يسقط الحد إذا كان عالماً بالتحريم، فإن ماعزاً لم يعلم أن عقوبته القتل، ولم يُسقط هذا الجهل الحد عنه. (فَيُقِيمُهُ الإْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) أي: لا يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه. أ- لأن النبي ﷺ كان يقيم الحد في حياته وخلفاؤه بعده. ب- ولأن إقامة الحد من غير الإمام أو نائبه فيها مفاسد. ج- ولأجل أن يؤمن الحيْف في استيفائه. ولا يلزم حضور الإمام: لقوله ﷺ (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها). وأمر برجم ماعز ولم يحضر. فائدة: وينبغي للإمام أن ينوي بإقامة الحد أموراً ثلاثة: أولاً: الامتثال لأمر الله في إقامة الحدود. ثانياً: أن ينوي رفع الفساد. ثالثاً: أن ينوي إصلاح الخلق.

стр. 2957

(فِي غَيْرِ مَسْجِد). أي: لا يجوز إقامة الحدود في المسجد. وهذا قول أكثر العلماء. أ- لحديث ابن عباس. أن النبي ﷺ قال (لا تقام الحدود في المساجد ولا يقتل والد بولده) رواه الترمذي. ويمكن أن يستدل أيضاً: ب- بحديث ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا رده الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا) رواه مسلم. (وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ قَائِماً). أي: يضرب الرجل إذا أقيم عليه الحد قائماً. أ- لقول علي (لكل موضع من الجسد حظ إلا الوجه والفرج). ب- ولأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب. قال ابن قدامة: أَنَّ الرَّجُلَ يُضْرَبُ قَائِمًا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. لقَوْلُ عَلِيٍّ ﵁: لِكُلِّ مَوْضِعٍ فِي الْجَسَدِ حَظٌّ - يَعْنِي فِي الْحَدِّ - إلَّا الْوَجْهَ وَالْفَرْجَ. وَقَالَ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْ، وَأَوْجِعْ، وَاتَّقِ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ. وَلِأَنَّ قِيَامَهُ وَسِيلَةٌ إلَى إعْطَاءِ كُلِّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنْ الضَّرْبِ. وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُقْصَدُ سَتْرُهَا، وَيُخْشَى هَتْكُهَا. (المغني).

стр. 2958

(بِسَوْطٍ لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ). أي: يكون الضرب بسوط. لقوله ﷺ (إذا شرب فاجلدوه) والجلد إنما يفهم من إطلاقه الضرب بالسوط. ويكون بسوط لا جديد ولا خَلَق. لأن الجديد يجرح الجلد، والقديم: لا يحصل به التأديب المطلوب. قال علي (ضرب بين ضربين، وسوط بين سوطين) يعني وسطاً. (وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُجَرَّدُ). لا يمد: أي على الأرض. ولا يربط: أي لا يقيد. ولا يجرد من ثيابه. قال ابن مسعود (ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد). وجلد أصحاب رسول الله ﷺ من ثبت عليه جريمة فلم ينقل عن أحد منهم شيء من ذلك. (وَيُتَّقى الرَّأْسُ وَالْوَجْهُ وَالْفَرْجُ وَالْمَقَاتِلُ). أي: يجب أن يُتقَى الوجه والرأس والفرج والمقاتل كالقلب والكبد. الوجه: لقوله ﷺ (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) متفق عليه. تتقى هذه: لأنها مقاتل وليس القصد قتله، وإنما المقصود هو التأديب.

стр. 2959

قال ابن قدامة: فَإِنَّ الضَّرْبَ يُفَرَّقُ عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ؛ لِيَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ حِصَّتَهُ، وَيُكْثِرُ مِنْهُ فِي مَوَاضِعِ اللَّحْمِ، كَالْأَلْيَتَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ، وَيَتَّقِي الْمَقَاتِلَ، وَهِيَ الرَّأْسُ وَالْوَجْهُ وَالْفَرْجُ، مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا. (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِيهِ إِلاَّ أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً، وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا لِئَلاَّ تَنْكَشِفَ). أي: أن المرأة في إقامة الحد كالرجل، لأن الأصل أن ما ثبت للرجال ثبت للنساء، وما ثبت للنساء ثبت للرجال إلا بدليل. إلا أن المرأة تختلف في أشياء: أولاً: تضرب جالسة. لأنه أستر لها. ثانياً: وتشد عليها ثيابها: لأنه ربما مع الضرب تضطرب وتتحرك وتنفك ثيابها. ثالثاً: وتمسك يداها. لئلا تكشف. وجاء في حديث عمران بن حصين قال (فأمر بها النبي ﷺ فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت) رواه مسلم. (مَنْ مَاتَ فِي حَدٍّ فَالْحَقُّ قَتَلَهُ). أي: من مات في حد الجلد أو القطع فالحق قتله، لأن كل ما ترتب على الحق المأذون فيه فليس بمضمون. لكن بشرط: عدم التعدي في إقامة الحد على الجاني بزيادة في الكم أو الكيف. قال ابن قدامة: وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ، أَنَّهُ إذَا أُتِيَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَنْ تَلِفَ بِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فَعَلَهَا بِأَمْرِ اللَّهِ، وَأَمْرِ رَسُولِهِ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ التَّلَفُ مَنْسُوبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 2960

وَإِنْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ فَتَلِفَ، وَجَبَ الضَّمَانُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ الْحَدِّ. وقال النووي: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدّ فَجَلَدَهُ الْإِمَام أَوْ جَلَّاده الْحَدّ الشَّرْعِيّ فَمَاتَ فَلَا دِيَة فِيهِ وَلَا كَفَّارَة، لَا عَلَى الْإِمَام، وَلَا عَلَى جَلَّاده وَلَا فِي بَيْت الْمَال. • وكذا لو مات من التعزير: لا ضمان فيه ولا كفارة أيضاً. قال النووي: وَأَمَّا مَنْ مَاتَ مِنْ التَّعْزِير: فَمَذْهَبنَا وُجُوب ضَمَانه بِالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَة، … هَذَا مَذْهَبنَا. وَقَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء: لَا ضَمَان فِيهِ لَا عَلَى الْإِمَام وَلَا عَلَى عَاقِلَته وَلَا فِي بَيْت الْمَالِ. (شرح مسلم). وقال القرطبي: وجمهور العلماء على أنه لا شيء عليه. (ومن كان مريضاً يُرجَى برؤه أُخِّرَ حتى يبرأ). أي: من كان سيقام عليه الحد مريضاً مرضاً يرجى السلامة منه فإنه يؤخر عنه الجلد حتى يبرأ. عن عليّ قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبي ﷺ فَقَالَ: أَحْسَنْتَ) رواه مسلم. فائدة: فإن كان المرض لا يرجى برؤه: قال ابن قدامة: الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْحَالِ وَلَا يُؤَخَّرُ، بِسَوْطٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ، كَالْقَضِيبِ الصَّغِيرِ، وَشِمْرَاخِ النَّخْلِ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، جُمِعَ ضِغْثٌ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَضُرِبَ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

стр. 2961

وَأَنْكَرَ مَالِكٌ هَذَا، وَقَالَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) وَهَذَا جَلْدَةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ اشْتَكَى حَتَّى ضَنِيَ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَهَشَّ لَهَا، فَوَقَعَ بِهَا، فَسُئِلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذُوا مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ. وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، أَوْ لَا يُقَامَ أَصْلًا، أَوْ يُضْرَبَ ضَرْبًا كَامِلًا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَلَا يَجُوزُ جَلْدُهُ جَلْدًا تَامًّا؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إتْلَافِهِ، فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَاهُ. (المغني). (وإنِ اجتمعتْ حدودٌ لله تعالى فيها قتلٌ قُتلَ وسقطَ سائرُها). مثال ذلك: إن شرب، وسرق، وزنا وهو محصن، فإنها تتداخل ويستوفَى القتل ويسقط سائرها. وهذا قول الجمهور. قال ابن مسعود: إذا جاء القتل محا كل شيء. قال ابن قدامة: إذَا اجْتَمَعَتْ الْحُدُودُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَتْلٌ، مِثْلَ أَنْ يَسْرِقَ، وَيَزْنِيَ وَهُوَ مُحْصَنٌ، وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ، وَيَقْتُلَ فِي الْمُحَارَبَةِ، فَهَذَا يُقْتَلُ، وَيَسْقُطُ سَائِرُهَا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. لقول ابْنِ مَسْعُودٍ: إذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ، أَحَدُهُمَا الْقَتْلُ، أَحَاطَ الْقَتْلُ بِذَلِكَ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ يَكْفِيهِ الْقَتْلُ.

стр. 2962

و عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءٍ أَنَّهُمْ قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وَهَذِهِ أَقْوَالٌ انْتَشَرَتْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا مُخَالِفٌ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا. وَلِأَنَّهَا حُدُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا قَتْلٌ، فَسَقَطَ مَا دُونَهُ، كَالْمُحَارِبِ إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِقَتْلِهِ، وَلَا يُقْطَعُ. وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحُدُودَ تُرَادُ لِمُجَرَّدِ الزَّجْرِ، وَمَعَ الْقَتْلِ لَا حَاجَةَ إلَى زَجْرِهِ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَلَا يُشْرَعْ. (المغني). (ولو زنَى مراراً، أو سرق مراراً ولم يُحَد فحدٌّ واحد). هذه المسألة في حكم تكرار الزنا: الحالة الأولى: إن زنا ثم أقيم عليه الحد، فإنه إن زنا ثانية فإنه يقام عليه الحد. اتفق الفقهاء علي أن من زنا مرة وأقيم عليه الحد ثم زنا أخرى أنه يجب عليه حد آخر. قال النووي: الزَّانِي إِذَا حُدَّ ثُمَّ زَنَى ثَانِيًا يَلْزَمهُ حَدٌّ آخَر، فَإِنْ زَنَى ثَالِثَة لَزِمَهُ حَدّ آخَر، فَإِنْ حُدَّ ثُمَّ زَنَى لَزِمَهُ حَدّ آخَر، وَهَكَذَا أَبَدًا. الحالة الثانية: إذا تكرر منه الزنا ولم يقم عليه الحد. هذه الحالة اختلف العلماء فيها: هل يقام حد واحد أو يقام عليه لكل مرة حد؟ على قولين: جمهور العلماء على أن من زنا مراراً ولم يقم عليه الحد فلا يجب عليه إلا حد واحد. قال النووي: فَأَمَّا إِذَا زَنَى مَرَّات وَلَمْ يُحَدّ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَيَكْفِيه حَدّ وَاحِد لِلْجَمِيعِ. واستدلوا بالإجماع والمعقول: أما الإجماع: أ- فقد قال ابن قدامة: قد أجمعوا أنه إذا تكرر الحد قبل إقامته أجزأ حد واحد. أما المعقول:

стр. 2963

ب- أن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بالحد الواحد، لأن الغرض هنا من جنس واحد فوجب التداخل كالكفارات. ج- أنها طهارة سببها واحد فتداخلت. د- أن تكرار الزنا كتكرار الإيلاج و الاجتراع جرعة بعد جرعة لأن ذلك كالأحداث إذا تواترت قبل الطهارة. (وإنْ اجتمعتْ حدودٌ من أجناسٍ لا قتلَ فيها، اسْتُوفِيتْ كلُّها، ويُبدأُ بالأخفِ فالأخف منها). مثال ذلك: شرب الخمر، وزنا غير محصن، فإنها لا تتداخل ويستوفى كلها. لأن أسبابها مختلفة فلم تتداخل. ويبدأ بالأخف فالأخف: لأننا إذا بدأنا بالأغلظ لم نأمن أن يموت فيفوت به سائرها. قال ابن قدامة: وأخفها حد الشرب إن قلنا: هو أربعون، فيبدأ به، ثم بحد القذف، وإن قلنا: هو ثمانون، بدئ بحد القذف؛ لأنه كحد الشرب في عدده، ويرجح لكونه حق آدمي، ثم بحد الشرب، ثم بحد للزنا، ثم بقطع للسرقة، ولا يقام الثاني حتى يبرأ من الأول؛ لأننا لا نأمن من تلفه بموالاتها، والمقصود زجره لا قتله. … (الكافي). قال ابن قدامة: النوْعُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا قَتْلٌ، فَإِنَّ جَمِيعَهَا يُسْتَوْفَى مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَيُبْدَأُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ، فَإِذَا شَرِبَ وَزَنَى وَسَرَقَ، حُدَّ لِلشُّرْبِ أَوَّلًا، ثُمَّ حُدَّ لِلزِّنَا، ثُمَّ قُطِعَ لِلسَّرِقَةِ. وَلَا يُوَالِي بَيْنَ هَذِهِ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى تَلَفِهِ، بَلْ مَتَى بَرِئَ مِنْ حَدٍّ أُقِيمَ الَّذِي يَلِيهِ. … (المغني). فائدة: ١ قال ابن قدامة: وَيَجِبُ أَنْ يَحْضُرَ الْحَدَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ). قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالطَّائِفَةُ وَاحِدٌ فَمَا فَوْقَهُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ.

стр. 2964

وقال الشوكاني: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين) أي: ليحضره زيادة في التنكيل بهما، وشيوع العار عليهما، وإشهار فضيحتهما، والطائفة الفرقة التي تكون حافة حول الشيء، من الطوف، وأقلّ الطائفة ثلاثة، وقيل: اثنان، وقيل: واحد، وقيل: أربعة، وقيل: عشرة. (فتح القدير). تنبيه: وقد اختلفوا في حكم حضور الطائفة، هل للوجوب أو للاستحباب؟ فقال الشافعي: إنها للاستحباب، وقال غيره: بالوجوب، وهذا الرأي هو الراجح لدلالة قوله تعالى (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ). فائدة: ٢ قال ابن قدامة: وَلَا يَجِبُ أَنْ يَحْضُرَ الْإِمَامُ، وَلَا الشُّهُودُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ، وَلَمْ يَحْضُرْهُمَا، وَالْحَدُّ ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِمَا. وَقَالَ (يَا أُنَيْسُ، اذْهَبْ إلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) وَلَمْ يَحْضُرْهَا. وَلِأَنَّهُ حَدٌّ، فَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَحْضُرَهُ الْإِمَامُ، وَلَا الْبَيِّنَةُ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَخَلُّفَهُمْ عَنْ الْحُضُورِ، وَلَا امْتِنَاعَهُمْ مِنْ الْبُدَاءَةِ بِالرَّجْمِ، شُبْهَةٌ.

стр. 2965

باب حد الزنا هو فعل الفاحشة في قُبُل ودبر وزاد بعضهم: من آدمي. قوله (في قُبُل) المراد تغييب الحشفة أو قدرها، أي: تغييب الزاني حشفته، والحشفة: القسم المكشوف من رأس الذكر بعد الختان. قوله (ودبر) أي: تغييب الحشفة في دبر امرأة أجنبية، فإن هذا يعتبر زنا. قال ابن قدامة: والوطء في الدبر مثله - أي مثل الوطء في القبل - في كونه زنا. وهذا مذهب الجمهور (أي وطء المرأة في دبرها يعتبر زنا). قوله (من آدمي) احترازاً من غير الآدمي، بأن يطأ بهيمة فلا يعتبر زنا، لا لغة ولا شرعاً، ولا يجب فيه الحد، بل يعزر على القول الراجح، لأنه فعل محرماً مجمعاً عليه، فاستحق العقوبة. (والزنا حرام). الزنا حرام بالكتاب والسنة والإجماع. أ- قال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً). ب- وقال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً). ج- وعن ابن مسعود قال: (سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ فقال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك). متفق عليه. (حليلة جارك: زوجة جارك). د- وقال ﷺ (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). هـ- وقال ﷺ (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر). رواه مسلم

стр. 2966

قال القرطبي: وقد أجمع أهل الملل على تحريمه، فلم يحل في ملة قط، ولذا كان حده أشد الحدود؛ لأنه جناية على الأعراض والأنساب، وهو من جملة الكليات الخمس، وهي حفظ النفس والدين والنسب والعقل والمال. وقال ابن القيم: ومن خاصيته أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس. ومن خاصيته أيضاً: أنه يشتت القلب، ويمرضه إن لم يمته، ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك، ويقربه من الشيطان. فائدة: الزنا بعضه أشد من بعض: فالزنا بالجارة أعظم من الزنا بالبعيدة: لحديث ابن مسعود السابق (. . . قال: أن تزني بحليلة جارك). ولحديث المقداد بن الأسود قال: قال ﷺ (لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره) رواه أحمد. قال النووي: حليلة جارك: أي تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزنا وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزاني وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قبحاً وأعظم جرماً، لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية القبح.

стр. 2967

والزنا بزوجات المجاهدين أعظم من غيرهن. عن بريدة. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ الْمُجَاهِدِينَ في أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلاَّ وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ فَمَا ظَنُّكُم) رواه مسلم. وزنا الشيخ الكبير أعظم من زنا الشاب. لقوله ﷺ (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر). رواه مسلم وقال ﷺ (أربعة يبغضهم الله: البياع الحلاف، والفقير المحتال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر) رواه النسائي. والزنا بالمحارم أعظم من الزنا بغير المحارم. قال ﷺ (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) رواه الترمذي. (إِذَا زَنَا الْمُحْصَنُ رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ). أي: حد الزاني إذا كان محصناً الرجم حتى الموت. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ اَلْجُهَنِيِّ ﵄ (أَنَّ رَجُلًا مِنَ اَلْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَنْشُدُكَ بِاَللَّهِ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اَللَّهِ، فَقَالَ اَلْآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ - نَعَمْ. فَاقَضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اَللَّهِ، وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ: "قُلْ". قَالَ: إنَّ اِبْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِاِمْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنْ عَلَى اِبْنِي اَلرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمَائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلَتُ أَهْلَ اَلْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي: أَنَّمَا عَلَى اِبْنِيْ جَلْدُ مَائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى اِمْرَأَةِ هَذَا اَلرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ ا للَّهِ ﷺ "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اَللَّهِ، اَلْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى اِبْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى اِمْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اِعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، هَذَا وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

стр. 2968

وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ اَلصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، اَلْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ ﵁ (أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ اَلْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيْهِ آيَةُ اَلرَّجْمِ. قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ اَلرَّجْمَ فِي كِتَابِ اَللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اَللَّهُ، وَإِنَّ اَلرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اَللَّهِ عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أُحْصِنَ مِنْ اَلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ اَلْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ اَلْحَبَلُ، أَوْ اَلِاعْتِرَافُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. د- ورجم النبي ﷺ ماعزاً - كما في حديث أبي هريرة الآتي (أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ: دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَهَلْ أُحْصِنْت؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) متفق عليه. هـ- ورجم اليهوديين: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: (إنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلاً زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ، فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَك. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ: فَرَأَيْت الرَّجُلَ: يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ) متفق عليه.

стр. 2969

قال ابن القيم ﵀: الَّذِينَ رَجَمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الزِّنَا مَضْبُوطُونَ مَعْدُودُونَ، وَقِصَصُهُمْ مَحْفُوظَةٌ مَعْرُوفَةٌ. وَهُمْ: الْغَامِدِيَّةُ، وَمَاعِزٌ، وَصَاحِبَةُ الْعَسِيفِ، وَالْيَهُودِيَّان (الطرق الحكمية). فائدة: ١ فالرجم خاص بالمحصن: قال ابن قدامة: الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم. أ- قال عمر (إن الرجم حق على من زنا وقد أحصن). ب- وقال ﷺ (لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث: … والزاني الثيب)، وفي رواية (أو زنا بعد إحصان). فائدة: ٢ من هو المحصن؟ الشروط التي يكون الإنسان فيها محصناً: الشرط الأول: الوطء في القبل. قال ابن قدامة: وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ). وَالثِّيَابَةُ تَحْصُلُ بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ. (المغني). فلابد من الوطء في القبل، فلو وطئها في الدبر أو بين الفخذين فإنه لا يكون محصناً. قال في المغني: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ الْخَالِيَ عَنْ الْوَطْءِ، لَا يَحْصُلُ بِهِ إحْصَانٌ؛ سَوَاءٌ حَصَلَتْ فِيهِ خَلْوَةٌ، أَوْ وَطْءٌ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ، أَوْ لَمْ يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ ثَيِّبًا، وَلَا تَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَدِّ الْأَبْكَارِ.

стр. 2970

الشرط الثاني: أَنْ يَكُونَ فِي نِكَاحٍ. لِأَنَّ النِّكَاحَ يُسَمَّى إحْصَانًا؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ) يَعْنِي الْمُتَزَوِّجَاتِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ الزِّنَى، وَوَطْءَ الشُّبْهَةِ، لَا يَصِيرُ بِهِ الْوَاطِئُ مُحْصَنًا. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ التَّسَرِّيَ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِنِكَاحٍ، وَلَا تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ. (المغني). الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً. احترازاً من النكاح الباطل. فلو تبين بعد أن تزوجها وجامعها أنها أخته من الرضاع، فإنه لا يكون محصناً، لأن النكاح غير صحيح. الشرط الرابع: أن يكون حراً. قال ابن قدامة: الحرية، وهي شرط في قول أهل العلم كلهم إلا أبا ثور. (المغني). فإذا تزوج وهو عبد رقيق ووطئ، ثم طلقها ثم أعتق ثم زنى، فإنه لا يكون محصناً، لأنه حين النكاح ليس حراً. خامساً: البلوغ، العقل. فلو وطئ وهو صغير أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصناً. - فلو عقد على امرأة وباشرها لكنه لم يجامعها، ثم زنى، فإنه لا يرجم، وهي لو زنت فإنها لا ترجم، إلا إذا كانت قد تزوجت من زوج قبله وحصل الجماع، فإنها ترجم. - لو تزوجها وهي صغيرة لم تبلغ وجامعها، ثم زنى فإنه لا يرجم، لأنه ليس بمحصن، لأنها لم تبلغ. - لو تزوج مجنونة وجامعها، ثم زنى، فإنه لا يرجم، لأنه ليس بمحصن. فائدة: ٣ الراجح من أقوال أهل العلم أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان. فالذمي يحصن الذمية، وإذا تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين. وهذا مذهب الشافعي وأحمد، ورجحه ابن القيم. ويدل عليه حديث رجم النبي ﷺ لليهوديين كما سبق.

стр. 2971

فائدة: ٤ هل يشترط للإحصان الاستمرار؟ لا يشترط للإحصان استمرار. فلو أن رجلاً تزوج ثم بعد ذلك طلق، فإن زنى فإنه يعتبر محصناً. وكذلك لو أن امرأة مطلقة، فإنها تعتبر محصنة، فلو زنت فإنها ترجم. جاء في (الموسوعة الفقهية) وَمِمَّا تَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَقَاءُ النِّكَاحِ لِبَقَاءِ الْإِحْصَانِ، فَلَوْ نَكَحَ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً ثُمَّ طَلَّقَ وَبَقِيَ مُجَرَّدًا، وَزَنَى رُجِم. وقال الشيخ سيد سابق ﵀: ولا يلزم بقاء الزواج لبقاء صفة الإحصان، فلو تزوج مرة زواجاً صحيحاً، ودخل بزوجته، ثم انتهت العلاقة الزوجية، ثم زنى وهو غير متزوج فإنه يرجم، وكذلك المرأة إذا تزوجت، ثم طلقت فرنت بعد طلاقها، فإنها تعتبر محصنة وترجم. فائدة: ٥ اختلف العلماء فيمن وجب عليه الرجم، هل يجلد أولاً أم لا؟ القول الأول: أن الزاني المحصن يرجم فقط ولا يجلد. وهذا مذهب جمهور العلماء. أ- لحديث أبي هريرة السابق (فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر الجلد. ب- والنبي ﷺ رجم ماعزاً ولم يجلده. ج- ورجم الغامدية ولم يجلدها. د- ورجم اليهوديين ولم يجلدهما. هـ- ولأن الحد الأصغر ينطوي في الحد الأكبر، وذلك إنما وضع للزجر، فلا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم.

стр. 2972

القول الثاني: الجمع بين الجلد والرجم، فيجلد مائة ثم يرجم. وهذا القول مروي عن علي وابن عباس. أ- لحديث عبادة السابق (خذوا عني خذوا عني … والثيب بالثيب جلد مائة والرجم). ب- ومن الأدلة: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَلَدَ شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةَ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والراجح القول الأول. وأما الجواب عن حديث عبادة: أنه منسوخ. فإن الأدلة التي بها الرجم فقط كلها متأخرة عن حديث عبادة، ويدل لذلك قوله ﷺ : (قد جعل الله لهن سبيلاً) فهو دليل على أن حديث عبادة هو أول نص ورد في الزنا. قال الشنقيطي: وَأَقْرَبُهُمَا عِنْدِي: أَنَّهُ يُرْجَمُ فَقَطْ، وَلَا يُجْلَدُ مَعَ الرَّجْمِ لِأُمُورٍ: مِنْهَا: أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمِنْهَا: أَنَّ رِوَايَاتِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الرَّجْمِ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ، وَالْجُهَنِيَّةِ، وَالْغَامِدِيَّةِ، وَالْيَهُودِيِّيْنِ، كُلَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ بِلَا شَكٍّ عَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَقَدْ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلٍّ مِنْهَا الْجَلْدُ مَعَ الرَّجْمِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ مَعَ تَعَدُّدِ طُرُقِهَا. وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ الثَّابِتَ فِي الصَّحِيح (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)، تَصْرِيحٌ مِنْهُ ﷺ بِأَنَّ جَزَاءَ اعْتِرَافِهَا رَجْمُهَا، وَالَّذِي يُوجَدُ بِالشَّرْطِ هُوَ الْجَزَاءُ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الرَّجْمُ فَقَطْ. وَمِنْهَا: أَنَّ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِنَسْخِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ عَلَى أَدْنَى الِاحْتِمَالَاتِ لَا تَقِلُّ عَنْ شُبْهَةٍ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْخَطَأَ فِي تَرْكِ عُقُوبَةٍ لَازِمَةٍ أَهْوَنُ مِنَ الْخَطَأِ فِي عُقُوبَةٍ غَيْرِ لَازِمَةٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 2973

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُؤَيِّدُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْقَتْلَ بِالرَّجْمِ أَعْظَمُ الْعُقُوبَاتِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ عُقُوبَةٌ، فَلَا دَاعِيَ لِلْجَلْدِ مَعَهُ; لِانْدِرَاجِ الْأَصْغَرِ فِي الْأَكْبَرِ. (أضواء البيان). وقال النووي: وَاخْتَلَفُوا فِي جَلْد الثَّيِّب مَعَ الرَّجْم: فَقَالَتْ طَائِفَة: يَجِب الْجَمْع بَيْنهمَا، فَيُجْلَد ثُمَّ يُرْجَم. وَبِهِ قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ﵁ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَإِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ وَدَاوُد وَأَهْل الظَّاهِر وَبَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ، وَقَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء: الْوَاجِب الرَّجْم وَحْده. وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْحَدِيث أَنَّهُ يَجِب الْجَمْع بَيْنهمَا، إِذَا كَانَ الزَّانِي شَيْخًا ثَيِّبًا، فَإِنْ كَانَ شَابًّا ثَيِّبًا اُقْتُصِرَ عَلَى الرَّجْم، وَهَذَا مَذْهَب بَاطِل لَا أَصْل لَهُ. وَحُجَّة الْجُمْهُور أَنَّ النَّبِيّ ﷺ اِقْتَصَرَ عَلَى رَجْم الثَّيِّب فِي أَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا قِصَّة (مَاعِز) وَقِصَّة الْمَرْأَة الْغَامِدِيَّة) وَفِي قَوْله ﷺ : "وَاغْدُ يَا أُنَيْس عَلَى اِمْرَأَة هَذَا فَإِنْ اِعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا "قَالُوا: وَحَدِيث الْجَمْع بَيْن الْجَلْد وَالرَّجْم مَنْسُوخ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي أَوَّل الْأَمْر. (شرح مسلم) فائدة: ٦ قال العلامة ابن القيم ﵀: شرع في حق الزاني المحصن القتل بالحجارة: ليصل الألم إلى جميع بدنه حيث وصلت إليه اللذة بالحرام. ولأن تلك القتلة أشنع القتلات والداعي إلى الزنا داع قوي في الطباع، فجعلت غلظة هذه العقوبة في مقابلة قوة الداعي. ولأن في هذه العقوبة تذكيراً لعقوبة الله لقوم لوط بالرجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة. (الصلاة وحكم تاركها).

стр. 2974

(وَيُغَسَّلَانِ، وَيُكَفَّنَانِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِمَا وَيُدْفَنَانِ). لَا خِلَافَ فِي تَغْسِيلِهِمَا وَدَفْنِهِمَا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: سُئِلَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ شُرَاحَةَ وَكَانَ رَجَمَهَا، فَقَالَ: اصْنَعُوا بِهَا كَمَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ. وَصَلَّى عَلِيٌّ عَلَى شُرَاحَةَ. وعَنْ عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ، فِي حَدِيثِ الْجُهَنِيَّةِ (فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَتْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَصَلَّوْا عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْت أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا؟) وَفِيهِ: فَرُجِمَتْ، وَصَلَّى عَلَيْهَا. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ). وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَدِّ صُلِّيَ عَلَيْهِ، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَهُ، كَالسَّارِقِ. وَأَمَّا خَبَرُ مَاعِزٍ: في قول جابر حَدِيثِ مَاعِزٍ: فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحْضُرْهُ، أَوْ اشْتَغَلَ عَنْهُ بِأَمْرٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْنَاهُ. (المغني).

стр. 2975

(وَإِذَا زَنَا الحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَغُرِّبَ عَاماً). هذا حكم الزاني غير المحصن الحر: الجلد مائة، والتغريب عن وطنه سنة. أما الجلد فلا خلاف فيه. لقوله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ). وعليه تغريب عام بالنسبة للذكر. وهذا قول أكثر العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة. أ- لحديث عبادة السابق (البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة). ب- ولحديث أبي هريرة وزيد (وعلى ابنِك جلد مائة وتغريب عام). وذهب الحنفية إلى أن الزاني البكر لا يغرّب إلا إذا رأى الإمام. واستدلوا بالآية (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) فقالوا: إن الحد هو الجلد ولم تذكر الآية التغريب. والراجح مذهب الجمهور. قال ابن كثير: إذا كان -الزاني- بكراً لم يتزوج، فإن حده مائة جلدة كما في الآية، ويزاد على ذلك أن يُغَرَّب عاما عن بلده عند جمهور العلماء، خلافا لأبي حنيفة، ﵀؛ فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام، إن شاء غرب وإن شاء لم يغرب. فائدة: هل تغرب المرأة إذا زنت وهي غير محصنة؟ اختلف العلماء على أقوال: القول الأول: تغرب مع محرمها. وهذا قول الشافعية والحنابلة. لعموم حديث عبادة السابق. قال النووي في شرحه لحديث عبادة السابق: وأما قوله ﷺ في البكر (ونفي سنة) ففيه حجة للشافعي والجماهير: أنه يجب نفيه سنة، رجلاً كان أو امرأة.

стр. 2976

القول الثاني: لا تغرب. وهذا قول المالكية. لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْتَاجُ إلَى حِفْظٍ وَصِيَانَةٍ. وَلِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ التَّغْرِيبِ بِمَحْرَمٍ أَوْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، لَا يَجُوزُ التَّغْرِيبُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ). وَلِأَنَّ تَغْرِيبَهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ إغْرَاءٌ لَهَا بِالْفُجُورِ، وَتَضْيِيعٌ لَهَا، وَإِنْ غُرِّبَتْ بِمَحْرَمٍ، أَفْضَى إلَى تَغْرِيبِ مَنْ لَيْسَ بِزَانٍ، وَنَفْيِ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَإِنْ كُلِّفَتْ أُجْرَتَهُ، فَفِي ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى عُقُوبَتِهَا بِمَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، كَمَا لَوْ زَادَ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ. وَالْخَبَرُ الْخَاصُّ فِي التَّغْرِيبِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الصَّحَابَةُ ﵃، وَالْعَامُّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِعُمُومِهِ مُخَالَفَةُ مَفْهُومِهِ، فَإِنَّهُ دَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الزَّانِي أَكْثَرُ مِنْ الْعُقُوبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ، وَإِيجَابُ التَّغْرِيبِ عَلَى الْمَرْأَةِ يَلْزَمُ مِنْهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَفَوَاتُ حِكْمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ وَجَبَ زَجْرًا عَنْ الزِّنَا، وَفِي تَغْرِيبِهَا إغْرَاءٌ بِهِ، وَتَمْكِينٌ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُخَصَّصُ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ بِإِسْقَاطِ الْجَلْدِ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، فَتَخْصِيصُهُ هَاهُنَا أَوْلَى. ورجح هذا القول ابن قدامة. القول الثالث: أن التغريب ليس من تمام الحد، وإنما هو عقوبة تعزيرية راجعة إلى رأي الإمام حسب المصلحة. والراجح إن وجد محرم متبرعاً بالسفر معها فإنها تغرب عملاً بأحاديث التغريب، وإن لم يوجد فلا تغرب عملاً بأحاديث النهي عن السفر بدون محْرَم. فائدة: ٢ ما فوائد التغريب؟ أولاً: أنه يبتعد عن محل الفاحشة لئلا تحدثه نفسه بالعودة إليها. ثانياً: أن التغريب يكون منشغل البال غير مطمئن.

стр. 2977

فائدة: ٣ حكم الزناة في أول الإسلام: قال الله تعالى في سورة النساء: (وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً). قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت ولهذا قال: "واللاتي يأتين الفاحشة" يعني الزنا "من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً. فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك. قال ابن عباس ﵁: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم. وكذا رُوِيَ عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة وهو أمر متفق عليه. وقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: هذه أول عقوبات الزناة، وكان هذا في ابتداء الإسلام .. قاله ابن عباس والحسن. زاد ابن زيد: وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه .. غير أن ذلك الحكم كان ممدوداً إلى غاية .. وهي قوله ﵇ في حديث عبادة بن الصامت: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) .. وقد قال بعض العلماء: أن الأذى والتعيير باق مع الجلد، لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بإجماع .. والله أعلم. (والرَّقِيقُ خَمْسِينَ جَلْدَةً وَلَا يُغَرَّبُ). أي: أن الرقيق - وهو المملوك - إذا زنا فإنه يجلد ٥٠ جلدة. لقوله تعالى (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ). قال ابن قدامة: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ خَمْسُونَ جَلْدَةً بِكْرَيْنِ كَانَا أَوْ ثَيِّبَيْنِ. فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، وَالْعَنْبَرِي.

стр. 2978

وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمَةِ، فَالتَّنْصِيصُ عَلَى أَحَدِهِمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْآخَرِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ) ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْأَمَةِ، ثُمَّ إنَّ الْمَنْطُوقَ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. (المغني). وقال النووي: وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَبْد وَالْأَمَة لَا يُرْجَمَانِ، سَوَاء كَانَا مُزَوَّجَيْنِ أَمْ لَا، لِقَوْله ﷺ (فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدّ) وَلَمْ يُفَرِّق بَيْن مُزَوَّجَة وَغَيْرهَا. وقال الشنقيطي: أَمَّا إِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَإِنَّهَا تُجْلَدُ نِصْفَ الْمِائَةِ وَهُوَ خَمْسُونَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْإِمَاءِ (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، وَالْمُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ هُنَا: الْحَرَائِرُ وَالْعَذَابُ الْجَلْدُ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحُرَّةِ الزَّانِيَةِ: مِائَةُ جَلْدَةٍ وَالْأَمَةُ عَلَيْهَا نِصْفُهُ بِنَصِّ آيَةِ «النِّسَاءِ» هَذِهِ، وَهُوَ خَمْسُونَ; فَآيَةُ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّانِيَةِ الْأُنْثَى. وَعُمُومُ الزَّانِي فِي آيَةِ «النُّورِ» هَذِهِ، مُخَصَّصٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَيْضًا مَرَّةً أُخْرَى، بِكَوْنِ جَلْدِ الْمِائَةِ خَاصًّا بِالزَّانِي الْحُرِّ، أَمَّا الزَّانِي الذَّكَرُ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ نِصْفَ الْمِائَةِ، وَهُوَ الْخَمْسُونَ. وَوَجْهُ هَذَا التَّخْصِيصِ: إِلْحَاقُ الْعَبْدِ بِالْأَمَةِ فِي تَشْطِيرِ حَدِّ الزِّنَى بِالرِّقِّ; لِأَنَّ مَنَاطَ التَّشْطِيرِ الرِّقُّ بِلَا شَكٍّ; لِأَنَّ الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحُدُودِ وَصْفَانِ طَرْدِيَّانِ، لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا حُكْمٌ، فَدَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آيَةِ «النِّسَاءِ» فِي الْإِمَاءِ: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ، أَنَّ الرِّقَّ مَنَاطُ تَشْطِيرِ حَدِّ الزِّنَى، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي الْحُدُود.

стр. 2979

فائدة: العبد لا يُغرب. وهذا المذهب وقول مالك. قال ابن قدامة: لَا تَغْرِيبَ عَلَى عَبْدٍ وَلَا أَمَةٍ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ. أ-لقوله ﷺ لما سئل عن الأمَة إذا ولم تحصن فقال (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير) وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَغْرِيبًا، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِهِ. ب- وَلحَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمْ الْحَدَّ، مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ؛ فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ غَرَّبَهَا. - وَلِأَنَّ التَّغْرِيبَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ عُقُوبَةٌ لِسَيِّدِهِ دُونَهُ، فَلَمْ يَجِبْ فِي الزِّنَى، كَالتَّغْرِيمِ. بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْعَبْدَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَغْرِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرِيبٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَيُتْرِفُهُ بِتَغْرِيبِهِ مِنْ الْخِدْمَةِ، وَيَتَضَرَّرُ سَيِّدُهُ بِتَفْوِيتِ خِدْمَتِهِ، وَالْخَطَرِ بِخُرُوجِهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ، وَالْكُلْفَةِ فِي حِفْظِهِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مَعَ بُعْدِهِ عَنْهُ، فَيَصِيرُ الْحَدُّ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ غَيْرِ الزَّانِي، وَالضَّرَرُ عَلَى غَيْرِ الْجَانِي. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يُغَرَّبُ نِصْفَ عَامٍ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ) وَحَدَّ ابْنُ عُمَرَ مَمْلُوكَةً لَهُ، وَنَفَاهَا إلَى فَدَكَ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.

стр. 2980

(ولا يَثبتُ الزنا إلا بأحدِ أمرين: إقرارهُ بهِ أربعَ مراتٍ، مُصرِّحاً بذكرِ حقيقتهِ). الزنا يثبت بالإقرار. لقوله ﷺ في الحديث المتقدم - ( … وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ). لكن يشترط أن يقر به أربع مرات. وهذا المذهب. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (أَتَى رَجُلٌ مِنْ اَلْمُسْلِمِينَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي اَلْمَسْجِدِ- فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ. دَعَاهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَ "أَبِكَ جُنُونٌ? " قَالَ. لَا. قَالَ: "فَهَلْ أَحْصَنْتَ? ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اِذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وجه الدلالة: النبي ﷺ لم يقم عليه الحد حتى شهد أربع مرات. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يثبت الزنا بإقراره مرة واحدة، ولا يشترط التكرار أربعاً. وهذا مذهب مالك، والشافعي، ورجحه الشوكاني. أ-لحديث (واغدوا يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر تكراراً. ب- وأن النبي ﷺ رجم اليهوديين، ولم ينقل أن النبي ﷺ كرر عليهما الإقرار. ج- والنبي ﷺ رجم امرأة من جهينة ولم تقر إلا مرة واحدة. رواه مسلم قالوا: فلو كان تربيع الإقرار شرطاً لما تركه النبي ﷺ في مثل هذه الواقعات التي يترتب عليها سفك الدماء وهتك الحرم. وأجاب هؤلاء عن حديث ماعز.
следующие страницы →