← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

فائدة: ذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز للأب والجد أن يستوفيا القصاص نيابة عن موليهما الصغير والمجنون. وهذا قول بعض الحنفية، لأن ولايتهما ولاية نظر ومصلحة، فهما مخوّلان لطلب القصاص. والراجح - كما تقدم - أنه ليس لهم ذلك. لأن المقصود من القصاص التشفي ودرك الغيظ، ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي أو الوصي أو الحاكم. (الثاني: اِتِّفاقُ الأَوْلِياءِ المُشْتَرِكينَ فِيهِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ، وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِه). هذا الشرط الثاني: وهو اتفاق جميع الأولياء المشتركين في استحقاق القصاص على استيفائه. لأنه حق لجميعهم فلم يكن لبعضهم الاستقلال به. فإذا عفا أحد الأولياء سقط القصاص وانتقل الأمر إلى الدية. وهذا مذهب جمهور العلماء: أ-لقول الله تعالى (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ). فالمراد بالعفو إسقاط القصاص، و (شَيْءٌ) نكرة تعم أي شيء قل أو كثر، فإن العفو عن البعض من القصاص كالعفو عنه كله يسقط به القصاص. ب-ما رواه قتادة (أن عمر بن الخطاب رفع إليه رجل قتل رجلاً، فجاء أولاد المقتول وقد عفا أحدهم، فقال عمر لابن مسعود وهو إلى جنبه: ما تقول؟ فقال ابن مسعود: أقول له: قد أحرز من القتل، قال: فضرب على كتفه وقال: كُنَيِّفٌ ملئ علماً) رواه الطبراني فقد رأى ابن مسعود ﵁ سقوط القصاص بتنازل بعض الورثة، ووافقه عمر ﵁.

стр. 2907

ج-أن القصاص يدرأ بالشبهة كالحد، وسقوط بعضه بتنازل بعض الورثة يوجب سرايته على النفس كلها مراعاة لحرمة النفس. د- أن القصاص لا يتجزأ، فإذا سقط بعضه سقط كله ضرورة. فائدة: إن كان فيهم غائب انتظر قدومه. الذين لهم حق في استيفاء القصاص هم الورثة، ويدل لذلك قوله ﷺ (من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين) رواه أبوداود وأصله في الصحيحين، فقوله [أهله] أي ورثته. (الثَّالِثُ: أَنْ يُؤْمَنَ فِي الاسْتِيفَاءِ أَنْ يَتَعَدَّى الْجَانِيَ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَى حَامِلٍ أَوْ حَائِلٍ فَحَمَلَتْ لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ الوَلَدَ وَتُسْقِيَهُ اللَّبَأَ). هذا الشرط الثالث: الأمن من التعدي في الاستيفاء. فلو كان الجاني حاملاً لم يجز استيفاء القصاص منها حتى تضع ولدها ويستغني عنها. - قوله (أو على حائل فحملت) مثاله: امرأة ليست حاملاً، قتلت إنساناً عمداً عدواناً، ولكن قبل أن يحكم عليها بالقصاص حملت، فتترك حتى تضع. فإن قلت: كيف تترك مع أن الحق سابق على الحمل، والقاعدة أنه يقدم الأسبق فالأسبق؟ فالجواب: أن هذا التأخير لا يُضيع الحق، وغاية ما هنالك أنه يؤجل حتى يزول هذا المانع، فالقصاص يثبت. (الشرح الممتع).

стр. 2908

فصل (وَلَا يُسْتَوْفَى قِصَاصٌ إِلاَّ بِحَضْرَةِ سُلْطَانٍ أَوْ نَائِبِهِ). الأصل أن الذي يتولى استيفاء القصاص هو ولي المجني عليه إن كان يحسنه، وإلا فينيب من يتولى إقامته، أو يرجع الأمر إلى السلطان فينيب من يتولاه. فإن تشاح الأولياء كل يريد إقامته وكلهم يحسنه فيقرع بينهم. إذاً: يجوز أن يستوفي القصاص أولياء المقتول بشروط: أن يحسن القصاص - ويأمن عدم التجاوز - وبحضور السلطان أو نائبه. - ويجب حضور السلطان أو نائبه لأمرين: أ- لافتقاره إلى اجتهاده، وخوف الحيْف. ب- ولأن أولياء المقتول ربما يعتدون عليه بالتمثيل أو بسوء القتل أو بغير ذلك بسبب الغيظ الذي في قلوبهم عليه. - والدليل على أنه يجوز لولي الدم أن يتولى القصاص: قوله تعالى (فلا يسرف في القتل). (وآلَةٍ مَاضِيَةٍ). أي: لا يستوفَى القصاص إلا بآلة ماضية، يجب أن يكون الاستيفاء بآلة حادة لا كالة. أ- لقوله ﷺ (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة). ب-ولأن ذلك أرفق بالمقتول.

стр. 2909

(وَلَا يُسْتَوْفَى فِي النَّفْسِ إِلاَّ بِضَرْبِ الْعُنُقِ بِسَيْفٍ، وَلَوْ كَانَ الجَانِي قَتَلَهُ بِغَيْرِهِ). أي: يستوفى القصاص بضرب العنق دون غيره، لأنه مجمع العروق. ويكون بسيف لا بغيره ولو كان الجاني قتله بغير ذلك. أ-لحديث ابن مسعود مرفوعاً (لا قود إلا بالسيف) رواه الطبراني وهو ضعيف. ب-ولأنه أمضى ما يكون من الآلات التي يقتل بها. وذهب بعض العلماء: إلى أن الجاني يقتل بمثل ما قتل به ولا يتعين السيف. وهذا قول مالك، والشافعي، وجمهور العلماء واختاره ابن تيمية ﵀. أ-لقوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ). ب- ولقوله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ). ج- ولحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (أَنَّ جَارِيَةً وُجَدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هَذَا? فُلَانٌ. فُلَانٌ. حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا. فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اَلْيَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وهذا القول هو الصحيح. وعليه: لو قتله بالرصاص فإننا نقتله بالرصاص، وإن قتله بأن رماه من شاهق، فإننا نرميه من شاهق. لكن يستثنى ما لو قتله بوسيلة محرّمة فإننا لا نقتله بها، مثل أن يقتله باللواط أو بالسحر أو يقتله بإسقاء الخمر حتى يموت. قَالَ ابن رُشد ﵀: اختلفوا فِي صفة القصاص فِي النفس. فمنهم منْ قَالَ: يُقتصّ منْ القاتل عَلَى الصفة التي قَتَل، فمن قتل تغريقًا قُتل تغريقًا، ومن قتل بضرب بحجر قُتل بمثل ذلك، وبه قَالَ مالكٌ، والشافعي.

стр. 2910

وَقَالَ أبو حنيفة، وأصحابه: بأيّ وجه قتله لم يُقتل إلا بالسيف، وعمدتهم ما رَوى الحسن عن النبيّ ﷺ أنه قَالَ (لا قود إلا بحديدة). وعمدة الفريق الأول حديث أنس ﵁ أن يهوديّا رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبيّ ﷺ رأسه بحجر، أو قَالَ: "بين حجرين"، وقوله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) والقصاص يقتضى المماثلة. (بداية المجتهد). فصل (ويجبُ بعمدٍ القَوَدُ أو الدية، فيُخَيّرُ الولي). أي: أن الواجب في القتل العمد، القود أو الدية، وللولي اختيار التعيين، إن شاء استوفى القصاص، وإن شاء أخذ الدية من غير توقف على رضا القاتل. وهذا رأي الحنابلة، وبعض الشافعية، والظاهرية. وروي عن سعيد ابن المسيب وابن سيرين وعطاء ومجاهد وغيرهم، وهو رواية عن الإمام مالك ﵀. أ-لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ ( … وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ) متفق عليه. ب-وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ اَلْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا اَلْعَقْلِ. أَوْ يَقْتُلُوا) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. وجاء عند أبي داود (فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه) أي إذا أراد زيادة على القصاص أو الدية. ب- ولقول ابن عباس: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فأنزل الله تعالى هذه الآية (كتب عليكم القصاص في القتلى) وذهب بعض العلماء: إلى موجَب القتل العمد هو القَود عيناً أي متعيناً.

стр. 2911

وعلى هذا فلا يُلزم الجاني بدفع الدية إن أرادها ولي الدم، فإما أن يقتص منه وإما أن يعفو مجاناً إن لم يرض الجاني بدفع الدية. وهذا رأي الحنفية، والمالكية، وقول للشافعية. أ-لقوله تعالى (كتب عليكم القصاص في القتلى) وهذا يفيد تعين القصاص واجباً متعيناً للعمد. ب- ولقوله ﷺ (من قتل عمداً فهو قَود). ج-ولأن القصاص بدل شيء متلف، فتعين الجزاء من جنسه، كسائر المتلفات. والراجح الأول. فائدة: من هم أولياء المقتول الذين لهم الحق في القصاص أو العفو، اختلف العلماء على قولين: القول الأول: أن حق القصاص والعفو عنه ثابت لكل من يرث بفرض أو تعصيب ذكوراً كانوا أو إناثاً، فيدخل الزوجان، والأخوات. وهذا مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب الشافعية والحنابلة. لقوله ﷺ (فمن قتل له قتيل فأهله بين خيريين .... ). وجه الدلالة: أن الحديث جعل حق القصاص أو العفو عنه لأهل المقتول وورثته، وهو عام يشمل من يرث بفرض أو تعصيب ويشمل الرجال والنساء. ب- ما ورد (أن عمر رفع إليه رجل قتل رجلاً، فأراد أولياء المقتول قتله، فقالت أخت المقتول - وهي زوجة القاتل - قد عفوت عن حقي من زوجي، فقال عمر: عتق الرجل من القتل) رواه البيهقي. وجه الدلالة: أن في هذا الأثر دليلاً على أن للزوجة حق العفو عن القصاص، ومعلوم أن الزوجة ليست من العصبة. ج- دليل عقلي: وهو أن الورثة من غير العصبة لما كانوا يرثون مال المقتول وديته كان لهم أن يرثوا حق القصاص من قاتله من باب القياس.

стр. 2912

القول الثاني: أن حق القصاص والعفو عنه ثابت للعصبة بالنفس فقط. وهو المشهور من مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية. قالوا: إن استيفاء القصاص شرع لدفع العار عن ورثة المقتول، فأشبه ولاية النكاح وهي خاصة بالرجال من العصبة، فكذلك ولاية القصاص مثلها. والراجح قول الجمهور. (وعَفْوُهُ مجاناً أفضلُ). تقدم ذلك. (ومَتى اختارَ الديةَ أو عفا مطلقاً، أو هلك جانٍ، تعينت الدية). هذه حالات تتعين فيها الدية: الأولى: إذا اختارها. فلو قال: رجعت إلى الدية، نقول: لا قصاص، لأنك باختيارك الدية سقط القصاص. الثانية: إذا عفا مطلقاً. بأن قال: عفوت: ولم يقيده بقصاص ولا دية فله الدية، لانصراف العفو إلى القصاص، لأنه المطلوب، الأعظم. الثالثة: إذا هلك الجاني، فإذا مات القاتل فهنا تتعين الدية. لفوات المَحل. فلو أن إنساناً وجب عليه القصاص، وقبل أن يقتص منه مات، فهنا تتعين الدية للأولياء.

стр. 2913

فائدة: حكم من قتل بعد أخذ الدية: قَالَ القرطبيّ: قوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ) شرط وجوابه: أي قَتَلَ بعد أخذ الدية، وسقوط الدم قاتلَ وَلِيِّه فله عذاب أليم. واختلف العلياء فيمن قتل بعد أخذ الدية. فَقَالَ جماعة منْ العلماء، منهم: مالك، والشافعي: هو كمن قَتَل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا، وعذابه فِي الآخرة. وَقَالَ قتادة، وعكرمة، والسُّدِّي، وغيرهم: عذابه أن يُقتَل البتة، ولا يُمَكِّن الحاكم الوليَّ منْ العفو. ورَوَى أبو داود، عن جابر بن عبد الله. قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ (لا أُعْفِي منْ قتل بعد أخذ الدية). وَقَالَ الحسن: عذابه أن يَرُدَّ الديةَ فقط، ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة. وَقَالَ عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإِمام، يصنع فيه ما يرى. (تفسير القرطبي). (وَإِنْ وَكَّلَ مَنْ يَقْتَصُّ ثُمَّ عَفَا، فَاقْتَصَّ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا). أي: و إن وكّل ولي الجناية من يقتص له ثم عفا الموكل عن القصاص، فاقتص وكيله ولم يعلم بعفوه: فلا شيء عليهما. لا على الموكل، ولا على الوكيل. أما الموكل: فلأنه محسن بالعفو، و (ما على المحسنين من سبيل). ولا على الوكيل: لأنه لا تفريط منه. مثال: كإنسان وجب له قصاص، سواء كان في النفس أو فيما دونها، فوكَّل شخصاً ليقتص له، ثم إنه عفا قبل أن ينفّذ الوكيل، ولكن الوكيل لم يعلم ونفَّذ القصاص فلا شيء عليهما. … (الشرح الممتع).

стр. 2914

بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ أي: فكما أن القصاص يكون بالنفس يكون فيما دونها لقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ). (فمن أقيدَ بأحد في النفس أقيدَ به في الطرف والجراح ومن لا فلا). الطرف: هو الأعضاء والأجزاء من البدن، كاليد، والرجل، والعين، والأنف، والأذن، والسن، والذكر. والجراح: هي الشقوق في البدن: مثل جرح يد إنسان أو ساقه، أو فخذه، أو صدره، أو ظهره. من أُقيد بأحد في النفس (أي: قتل به قصاصاً) فإنه يقاد به في الطرف والجراح. فالقصاص في الطرف والجروح فرع عن القصاص في النفس. فلو أن حراً قطع يد عبد، فإنه لا يقطع الحر، لأن الحر لا يقتل بالعبد. ولو أن مسلماً قطع يد كافر، فلا يقطع به المسلم، لأن المسلم لا يقتل بكافر، فإذا لم يقتص به في كله لا يقتص به في جزئه. فائدة: ولا يجب إلا بما يوجب القود في النفس وهو أن يكون عمداً، فلا قود في الخطأ ولا في شبه العمد. فإذا قطع أحد يد أحد عمداً وعدواناً، قطعنا يده وإلا فلا، فإن قطع يده خطأ فإنه لا يقطع.

стр. 2915

(وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي الطَّرَفِ، فَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ، وَالأْنْفُ، وَالأْذُنُ، وَالسِّنُّ، وَالْجَفْنُ، وَالشَّفَةُ، وَالْيَدُ، وَالرِّجْلُ، وَالإْصْبَعُ، وَالْكَفُّ، وَالْمِرْفَقُ، وَالذَّكَرُ، وَالْخِصْيَةُ، وَالأَلْيَةُ، وَالشُّفْرُ، كُلُّ واحدٍ مِنْ ذلِكَ بِمِثْلِهِ). والقصاص فيما دون النفس نوعان: في الطرف، وفي الجراح: الأول في الطرف: فتؤخذ العين بالعين: أي: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى. والأذن بالأذن: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى. والسن بالسن: الثنية بالثنية، والرباعية بالرباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى. والجَفْن بالجفن: وهو غطاء العين، الأيمن بالأيمن، والأعلى بالأعلى، والأيسر بالأيسر. والشّفه بالشفة: وهي حافة الفم. العليا بالعليا والسفلى بالسفلى. واليد باليد: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى. والرجل بالرجل: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى. والإصبع بالإصبع: فالإبهام بالإبهام، والأيمن بالأيمن. والخصية بالخصية: اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى. والأصل في ذلك قوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ). (وَلِلْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ شُرُوطٌ: الأْوَّلُ: الأَمْنُ مِنَ الْحَيْفِ بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ). أي: يشترط للقصاص في الطرف ثلاثة شروط: [هذه شروط زائدة عما سبق من الشروط الأربعة]. الأول: الأمن من الحيف. [أن نأمن في الاستيفاء أن تتعدى الجناية الموضع]. لأن الحيف جور وظلم، وإذا لم يمكن القصاص إلا به، لم يجز فعله.

стр. 2916

لأن المماثلة في غير ذلك غير ممكنة. وذلك بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه، فإن لم يكن كذلك لم يجز القصاص. فلو أن رجلاً قطع يد رجل من نصف الذراع فلا يقتص منه، لأن القطع ليس من مفصل. (الثاني: التماثل بين عضوي الجاني والمجني عليه في الاسم والموضع). هذا الشرط الثاني من شروط القصاص في الطرف: المماثلة في الاسم والموضع. في الموضع: يمين بيمين، وفي الاسم: خنصر بخنصر، يداً بيد. فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين من الأيدي والأرجل والأعين والآذان ونحوها، ولا تؤخذ خنصراً ببنصر. العلة: أ-لأن لفظ القصاص يشعر بالمماثلة والمساواة، ولا يتحقق إلا بهذا. ب-ولأن الأعضاء تتفاوت في المنفعة بتفاوت مكانها واسمها. فائدة: لا يجوز ولو تراضيا بذلك. (الثالث: استواء العضوين من الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال). هذا الشرط الثالث من شروط القصاص في الطرف: لا يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه. فلا يؤخذ يد صحيحة بيد شلاء، أو رجل صحيحة برجل شلاء، ولا تؤخذ عين صحيحة بعين قائمة - وهي التي بياضها وسوادها صافيان غير أنها لا تبصر - لعدم التساوي، ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس.

стр. 2917

مثال: إذا كانت يد الجاني سليمة، ويد المجني عليه مشلولة، فإنه لا يؤخذ يد الجاني بيد المجني عليه، فلا قصاص، لأن يد الجاني أكمل وإذا كانت عين الجاني صحيحة، وعين المجني عليه قائمة، فلا قصاص، لعدم التساوي. • ويؤخذ العضو الناقص بالعضو الكامل، فتؤخذ الشلاء بالصحيحة، وناقصة الأصابع بكاملة الأصابع، لأن المقتص يأخذ بعض حقه فلا حيف، وإن شاء أخذ الدية بدل القصاص. فصل (النَّوْعُ الثَّانِي: الْجِرَاحُ، فَيُقْتَصُّ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إِلَى عَظْمٍ، كَالْمُوضِحَةِ). أي: النوع الثاني من القصاص فيما دون النفس: القصاص في الجراح: (فيُقْتَص في كلِ جرحٍ ينتهي إلى عَظْمٍ) لإمكان الاستيفاء فيه بلا حيف ولا زيادة. وذلك كالموضحة: وهي التي توضح العظم في الرأس والوجه خاصة، فإذا جنى شخص على آخر عمداً، وكشط جلد رأسه ولحمه حتى وصل إلى العظم فإنه يقتص منه، لأنه جرح ينتهي إلى عظم. وكذلك جرح العضد والساق والفخذ والقدم. لأن الذي لا ينتهي إلى عظم لا يمكن القصاص منه. فلا قصاص في الهاشمة: هي الجرح الذي يبرز العظم ويهشمه، فهذه لا قصاص فيها. ولا في المنقِّلَة: وهي التي تهشم الرأس وتنقل العظام. ولا في المأمومة: هي الشجة التي تصل إلى جلدة الدماغ.

стр. 2918

فائدة: وأما القصاص في الضربة بيده أو بعصا أو سوط ونحوه ذلك: قال ابن تيمية: فقالت طائفة: لا قصاص فيه، بل فيه التعزير، والمأثور عند الخلفاء وغيرهم من الصحابة والتابعين: أن القصاص مشروع في ذلك، وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء، وبذلك جاءت سنة رسول الله ﷺ ، وهو الصواب. قال عمر: إني ما أرسل عمالي ليضربوا أبشاركم، فوالذي نفسي بيده؛ من فعل؛ لأقصنه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه، رواه أحمد. ومعناه أن يضرب الوالي رعيته ضربا غير جائز، فأما الضرب المشروع؛ فلا قصاص فيه بالإجماع. وقال ابن القيم: قال الشافعية والحنفية والمالكية ومتأخرو الأصحاب: لا قصاص في اللطمة والضربة، وحكى بعضهم الإجماع، وخرجوا عن محض القياس وموجب النصوص وإجماع الصحابة، وقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ). فالواجب للملطوم أن يفعل بالجاني عليه كما فعل به، فلطمة، وضربة بضربة، في محلها، بالآلة التي لطمه بها، أو مثلها أقرب إلى المماثلة المأمور بها حسا وشرعا من تعزير بغير جنس اعتدائه وصفته، وهذا هدي الرسول ﷺ وخلفائه، ومحض القياس، ونصوص أحمد. (وَسِرَايَةُ الجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ فِي النَّفْسِ فَمَا دُونَها) أي: السراية التي سببها الجناية مضمونة. قال ابن قدامة: وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ بِلَا خِلَافٍ. لِأَنَّهَا أَثَرُ الْجِنَايَةِ، وَالْجِنَايَةُ مَضْمُونَةٌ، فَكَذَلِكَ أَثَرُهَا. (المغني). فلو قطع إصبعاً، فتآكلت الإصبع الأخرى أو اليد وسقطت من مفصله؛ وجب القود في اليد، وإن، سرت الجناية إلى النفس، فمات المجني عليه؛ وجب القصاص. والقاعدة: (ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون) فكل شيء ترتب على شيء لم يؤذن فيه، لا شرعاً ولا عرفاً، فإنه يكون مضموناً. (الشرح الممتع)

стр. 2919

(وَسِرايَةُ الْقَوَدِ مَهْدُورَةٌ). معناه: إذا قطع طرفاً يجب القود فيه فاستوفى منه المجني عليه ثم مات الجاني بسراية الجراح لم يلزم المستوفى شيء. أ-لما روي أن عمر وعلياً قال (من مات من حد أو قصاص لا دية له، الحق قتله) أخرجه البيهقي. ب-ولأنه قطع مستحق مقدر فلا يضمن سرايته كقطع السارق. قال الشيخ ابن عثيمين: في الممتع: قوله: (وسراية القود مهدورة) القود أي: القصاص، فلو اقتصصنا من الجاني ثم سرت الجناية فإنها هدر، أي: لا شيء فيها؛ لأننا نقول: أنت المعتدي، فلا شيء لك. وهذا الضابط مبني على قاعدة عند أهل العلم وهي (ما ترتب على المأذون فليس بمضمون) وهنا القود مأذون فيه، فإذا استقدنا من هذا الرجل، وقطعنا يده ثم سرى القود، فقد ترتب هذا على شيء مأذون فلا يكون مضموناً، (وَلَا يُقْتَصُّ مِنْ عُضْوٍ وَجُرْحٍ قَبْلَ بُرْئِهِ، كَمَا لَا تُطْلَبُ لَهُ دِيَةٌ). قال ابن قدامة: ولَا يَجُوزُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ إلَّا بَعْدَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى الِانْتِظَارَ بِالْجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ. … (المغني). أ-عَنْ عَمْرِوِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ; ﵁ (أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَاءَ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَقِدْنِي. فَقَالَ: "حَتَّى تَبْرَأَ". ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عَرِجْتُ، فَقَالَ: "قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ اَللَّهُ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ". ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ. (بِقَرْنٍ) بفتح القاف وسكون الراء، عظم ينبت في رأس الحيوان. (أَقِدْنِي) بفتح الهمزة، أمر من القود، وهو من الاقتصاص من الجاني. فهذا الحديث دليل على أنه لا يقتص من عضو أو جرح حتى يبرأ. ب- ولاحتمال السراية. والسراية: تجاوز العطب من محل الجناية إلى غيرة.

стр. 2920

كتاب الديات الدية: جمع دية: وهي المال المؤدى إلى المجني عليه أو لوليه بسبب الجناية. فقوله (المؤدى إلى المجني عليه) هذا فيما إذا كانت الجناية فيما دون النفس. (أو وليه) فيما إذا كانت الجناية بالنفس - وفيما إذا كانت الجناية فيما دون النفس لكن المجني عليه غير مكلف (كأن يكون صغيراً أو مجنوناً). والدية واجبة. قال تعالى (ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله .. ). وفي الحديث (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدي وإما أن يقتل). (كُلُّ مَنْ أَتْلَفَ إِنْسَاناً بِمُبَاشَرَةٍ، أَوْ سَبَبٍ لَزِمَتْهُ دِيَتُهُ). مثال المباشرة: أن يأخذ الإنسان آلة تقتل، فيقتل بها هذا الإنسان، سواء عمداً أو خطأ، أو يلقيه من شاهق. مثال السبب: أن يحفر حفرة في طريق الناس، فيقع فيها إنساناً، فهذا لم يباشر لكنه تسبب، فيكون عليه الضمان. (فَإِنْ كَانَتْ عَمْداً مَحْضاً فَفِي مَالِ الْجَانِي حَالَّةً). أي: فإن كانت الجناية عمداً محضاً فإن الدية تكون على الجاني. قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل ولا تحملها العاقلة. لأن الأصل: أن من أتلف شيئاً فعليه ضمانه. ولأن الجاني في العمد غير معذور فلا يناسبه التخفيف. فدية العمد مغلظة من وجوه: أولاً: أنها على الجاني ولا تحملها العاقلة. قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل ولا تحملها العاقلة. ثانياً: أنها حالة غير مؤجلة. قال ابن قدامة: وبهذا قال مالك والشافعي. ثالثاً: أنها مثلثة كلها إناث ليس فيها ذكور.

стр. 2921

(وَشِبْهُ العَمْدِ وَالخَطَأُ عَلَى عَاقِلَتِهِ). أي: وإن كانت الجناية شبه عمد أو خطأ، فعلى عاقلته. ففي الخطأ على العاقلة بالإجماع. ولأن الخطأ يكثر وقوعه، فلو أوجبنا الدية على الجاني لأجحف ذلك في ماله. قال ابن قدامة: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَضَى بِدِيَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ. وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَةَ عَمْدِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ دِيَةَ الْخَطَأِ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ تَكْثُرُ، وَدِيَةَ الْآدَمِيِّ كَثِيرَةٌ، فَإِيجَابُهَا عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ، فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ إيجَابَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ، وَالْإِعَانَةِ لَهُ، تَخْفِيفًا عَنْهُ، إذْ كَانَ مَعْذُورًا فِي فِعْلِهِ، وَيَنْفَرِدُ هُوَ بِالْكَفَّارَةِ. (المغني). وفي شبه العمد، على العاقلة أيضاً على القول الصحيح، وهو المذهب. وهو مذهب الشافعية. وبه قال الشعبي والنخعي والثوري وإسحاق. لما ثبت في الصحيحين لحديث أبي هريرة. قال (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ أن دية جنينها عبداً أو أمة وقضى بدية المرأة على عاقلتها) متفق عليه وذهب بعض العلماء: إلى أن العاقلة لا تتحمل دية شبه العمد بل تكون في مال القاتل. وهو مذهب المالكية، واختاره ابن تيمية. لأن القاتل في شبه العمد قصد الجناية، فهو معتد ظالم آثم، فلا يستحق التخفيف بتحمل دية جنايته غيره.

стр. 2922

فائدة: ١ من أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك به لم يضمنه. مثال: أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئراً، فلما نزل زلت قدمه فسقط في البئر فمات، فلا ضمان على الآمر، لأن النازل بالغ عاقل، إلا إذا كان الآمر يعلم أن في البئر ما يكون سبباً للهلاك ولم يخبره، فعليه الضمان، لأنه غره، وكذلك لو كان في البئر حية. فائدة: ٢ وما ترتب على الفعل المأذون به شرعاً من تلف؛ فهو غير مضمون. كما لو أدب الرجل ولده أو زوجته، أو أدب سلطان أحدًا من رعيته، ولم يسرف واحد من هؤلاء في التأديب، ومات المؤدَّب. لم يجب شيء على المؤدب. لأنه فعل ما له فعله شرعاً، ولم يتعدَّ فيه. فإن أسرف في التأديب فزاد فوق المعتاد، فتلف المؤدَّب؛ ضمنه لتعديه بالإسراف. فائدة: ٣ ومن أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئرًا أو يصعد شجرة ونحوها، ففعل، وهلك بسبب نزوله أو صعوده. لم يضمنه الآمر، لأنه لم يجن ولم يتعد عليه في ذلك. فإن كان المأمور غير مكلف؛ ضمنه الآمر؛ لأنه تسبب في إتلافه. ولو استأجر شخصا لنزول البئر وصعود الشجرة فمات بسبب ذلك؛ لم يضمنه المستأجر؛ لأنه لم يجن ولم يتعد. ومن دعا من يحفر له بئرًا بداره، فمات بهدمه لم يلقه عليه أحد؛ فهو هدر؛ لعدم التعدي عليه.

стр. 2923

باب مقادير ديات النفس (دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةُ بَعِيرٍ). قال ابن قدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ. وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ؛ مِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي دِيَةِ خَطَأِ الْعَمْدِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ. (المغني). لقوله (وَإِنَّ فِي اَلنَّفْسِ اَلدِّيَةَ مِائَةً مِنْ اَلْإِبِلِ). ويشهد لهذا حديث القسامة وفيه (. . . فوداه النبي ﷺ بمائةٍ من إبل الصدقة). فقوله (الحر) نخرج العبد المملوك فديته قيمته. وقوله (المسلم) نخرج الكافر فديته تختلف كما سيأتي. وهذا يشمل الصغير والكبير والعاقل والمجنون والعالم والجاهل. فائدة: ما الأصل في الدية؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: قال ابن قدامة: وظاهر كلام الخرقي أن الأصل في الدية الإبل لا غير. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد ﵀ ذكر ذلك أبو الخطاب. وهو قول طاووس، والشافعي، وابن المنذر.

стр. 2924

وقال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية الإبل والذهب والورق والبقر والغنم، فهذه خمسة لا يختلف المذهب فيها. وهذا قول عمر، وعطاء، وطاووس، وفقهاء المدينة السبعة. لأن عمرو بن حزم روى في كتابه، أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن (وأن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار) رواه النسائي. وروى ابن عباس. (أن رجلا من بني عدي قتل، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفاً) رواه أبو داود، وابن ماجه. وروى الشعبي، أن عمر جعل على أهل الذهب ألف دينار. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن عمر قام خطيباً، فقال: ألا إن الإبل قد غلت، فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة). رواه أبو داود ثم قال ابن قدامة مرجحاً القول الأول: أ- ولنا، قول النبي ﷺ (ألا إن في قتيل عمد الخطأ، قتيل السوط والعصا، مائة من الإبل). ولأن النبي ﷺ فرق بين دية العمد والخطأ، فغلظ بعضها، وخفف بعضها، ولا يتحقق هذا في غير الإبل. ج- ولأنه بدل متلف حقا لآدمي، فكان متعينا كعوض الأموال. وحديث ابن عباس يحتمل أن النبي ﷺ أوجب الورق بدلا عن الإبل، والخلاف في كونها أصلاً. وحديث عمرو بن شعيب يدل على أن الأصل الإبل، فإن إيجابه لهذه المذكورات على سبيل التقويم، لغلاء الإبل، ولو كانت أصولا بنفسها، لم يكن إيجابها تقويما للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك، ولا لذكره معنى. وقد روي أنه كان يقوم الإبل قبل أن تغلو بثمانية آلاف درهم، ولذلك قيل: إن دية الذمي أربعة آلاف درهم، وديته نصف الدية، فكان ذلك أربعة آلاف حين كانت الدية ثمانية آلاف درهم.

стр. 2925

فائدة: قال ابن قدامة: وإن قلنا: الأصل الإبل خاصة. فعليه تسليمها إليه سليمة من العيوب، وأيهما أراد العدول عنها إلى غيرها، فللآخر منعه؛ لأن الحق متعين فيها، فاستحقت، كالمثل في المثليات المتلفة. وإن أعوزت الإبل، ولم توجد إلا بأكثر من ثمن المثل، فله العدول إلى ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم. وهذا قول الشافعي القديم. وقال في الجديد: تجب قيمة الإبل، بالغة ما بلغت؛ لحديث عمرو بن شعيب عن عمر في تقويم الإبل، ولأن ما ضمن بنوع من المال، وجبت قيمته، كذوات الأمثال، ولأن الإبل إذا أجزأت إذا قلت قيمتها، ينبغي أن تجزئ وإن كثرت قيمتها، كالدنانير إذا غلت أو رخصت. وهكذا ينبغي أن نقول إذا غلت الإبل كلها، فأما إن كانت الإبل موجودة بثمن مثلها، إلا أن هذا لم يجدها، لكونها في غير بلده، ونحو ذلك، فإن عمر قوم الدية من الدراهم اثني عشر ألفا وألف دينار. (المغني). فائدة: ٢ أسنان الإبل في قتل العمد: القول الأول: مائة من الإبل مثلّثة: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلِفة. عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ وَهِىَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ) وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ. وهذا مذهب الشافعي.

стр. 2926

والقول الثاني: أن أسنان دية العمد: تؤخذ مغلظة أرباعاً. خمس وعشرون بنت مخاض، وهي التي دخلت في السنة الثانية. وخمس وعشرون بنت لبون، وهي التي دخلت في السنة الثالثة. وخمس وعشرون حقة، وهي التي دخلت في السنة الرابعة. وخمس وعشرون جذعة، وهي التي دخلت في السنة الخامسة. وهذا مذهب الحنفية. فائدة: جاء في زاد المستقنع (فَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَشِبْهِهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً … ). قال الشيخ ابن عثيمين: علم من قوله (ففي قتل العمد وشبهه) أن العمد وشبهه متفقان في أسنان الإبل. فائدة: ٣ تقدم أن دية العمد مغلظة من وجوه: أولاً: أنها على الجاني ولا تحملها العاقلة. قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل ولا تحملها العاقلة. ثانياً: أنها حالة غير مؤجلة. قال ابن قدامة: وبهذا قال مالك والشافعي. ثالثاً: أنها مثلثة كلها إناث ليس فيها ذكور. وشبه العمد مغلظة من وجه ومخففة من وجهين: مغلظة كونها مثلثة، ومخففة بكونها على العاقلة، ومؤجلة.

стр. 2927

فائدة: ٣ أسنان الإبل في دية الخطأ: دية الخطأ مخففة أخماساً: عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ. قال البسام: هذا الحديث أفاد أنَّ دية قتل الخطأ دية مخففة، فهي تقسم أخماسًا: عشرون حِقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مَخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون، وهذا التحديد هو مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور السلف، إِلاَّ أنَّهم اختلفوا في الخامس: فقال أبو حنيفة: (إنَّه بنو مخاض). وقال الآخرون: (هو بنو لبون) وإسناد الدارقطني أقوى، وفيه (بنو لبون) فهو أرجح. قال ابن حجر: وإسناد هذا الحديث أقوى من الروايات الأخر، فهو أصل في تعبين أسنان إبل الدية. (توضيح الأحكام). فائدة: ٤ دية الخطأ مخففة من ثلاثة أوجه: أولاً: كونها على العاقلة. قال ابن قدامة: ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن دية الخطأ على العاقلة. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به. وقد جعل النبي ﷺ دية عمد الخطأ على العاقلة، بما قد رويناه من الأحاديث، وفيه تنبيه على أن العاقلة تحمل دية الخطأ، والمعنى في ذلك أن جنايات الخطأ تكثر، ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة، على سبيل المواساة للقاتل، والإعانة له، تخفيفاً عنه، إذ كان معذوراً في فعله، وينفرد هو بالكفارة. (المغني).

стр. 2928

ثانياً: كونها مؤجلة. قال ابن قدامة: ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين؛ فإن عمر، وعلياً، ﵄، جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين. ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفاً، واتبعهم على ذلك أهل العلم، ولأنه مال يجب على سبيل المواساة، فلم يجب حالاً كالزكاة، وكل دية تحملها العاقلة، تجب مؤجلة؛ لما ذكرنا. ثالثاً: كونها مخمسة. وأدخل فيها الذكور، والذكور عند الناس أقل رغبة من الإناث. (ودِيةُ الحرة المسلمة على النصفِ من ذلك). أي: أن دية المرأة المسلمة الحر على النصف من دية الرجل. قال النووي: دية المرأة نصف دية الرجل، هذا قول العلماء كافة إلا الأصم وابن علية فإنهما قالا: ديتها مثل دية الرجل. وقال القرطبي في تفسيره: وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل. وقال ابن قدامة (ودية الحرة المسلمة، نصف دية الحر المسلم) قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن علية، والأصم، أنهما قالا: ديتها كدية الرجل؛ لقوله ﵇ (في نفس المؤمنة مائة من الإبل). وهذا قول شاذ، يخالف إجماع الصحابة، وسنة النبي ﷺ فإن في كتاب عمرو بن حزم (دية المرأة على النصف من دية الرجل). وهي أخص مما ذكروه، وهما في كتاب واحد، فيكون ما ذكرنا مفسراً لما ذكروه، مخصصاً له، ودية نساء كل أهل دين على النصف من دية رجالهم، على ما قدمناه في موضعه.

стр. 2929

فائدة: قالَ القرطبي: قَالَ أبو عمر: إنما صارت ديتها -والله أعلم- عَلَى النصف منْ دية الرجل منْ أجل أن لها نصف ميراث الرجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا إنما فِي دية الخطأِ، وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء؛ لقوله (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) وقوله (الْحُرُّ بِالْحُرِّ). (تفسير القرطبي). (وديةُ الكتابي نصفُ ديةِ المسلم). أي: أن دية الحر الكتابي نصف دية المسلم. لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي ﷺ قضى بأن عَقْل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين) رواه أبوداود. ومعنى (عَقْل أهل الكتاب) أي: ديتهم، وسميت عقْلاً، لأن من عادتهم أن دافع الدية يأتي بالإبل إلى بيت من هي له، ويعقلها. (ودية الكتابية على النصف من رجالهم). أ في: أن دية الكتابيات كاليهودية والنصرانية نصف دية الرجال منهم، وهذا مجمع عليه، فتكون ديتها خمساً وعشرين من الإبل. (وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ). روي هذا عن عمر وابن مسعود في المجوسي، ولا مخالف لهم في عصرهم، وألحق به سائر المشركين لأنهم دونه. (وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ كَالْمُسْلِمِين). أي: فتكون دية المجوسية (٤٠٠) درهم.

стр. 2930

(ويَستوي الذكر والأنثى فيما يوجب ثلث الدية). أي: دية المرأة على النصف من الرجل وهذا فيما فوق الثلث، أما ما دون الثلث فيستوي فيه الذكر والأنثى. وقد جاء في الحديث (عَقْلُ اَلْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ اَلرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ اَلثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا). مثال: ثلث الدية ٣٣ بعيراً وثلث، مثال: لو قطع أصبعاً من امرأة ففيها عشر من الإبل، وكذا لو قطع إصبعاً من رجُل فيه عشر من الإبل. مثال: لو أتلف سناً من امرأة ففيه خمس من الإبل، وكذا لو أتلف سناً من رجُل فيه خمس كذلك. مثال: لو قطع ٤ أصابع من امرأة فيه ٢٠ من الإبل، نصف الرجل لأنها فوق الثلث. (وَدِيَةُ قِنٍّ قِيمَتُهُ). القن هو العبد المملوك الذي يباع ويشترى، ويُسمَّى رقيقاً. فدية القن قيمته بالغةً ما بلغت، وعلى هذا فتختلف الدية في الأرقاء. والعلة: لأنه متقوم، فضمن بقيمته مهما بغت. مثال: فلو أن أحداً قتل رقيقاً شاباً قوياً عالماً صناعياً ماهراً في كل الميادين، فهذا قيمته غالية جداً، بل يكون كدية الحر أو أكثر، ولو قتل قناً كبيراً أعمى العينين أشَل، فهذا ديته قليلة جداً. قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم أن في العبد، الذي لا تبلغ قيمته دية الحر، قيمته. وإن بلغت قيمته دية الحر أو زادت عليها: فذهب أحمد ﵀ إلى أن فيه قيمته، بالغة ما بلغت، وإن بلغت ديات، عمداً كان القتل أو خطأ، سواء ضمن باليد أو بالجناية. وهذا قول سعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وإياس بن معاوية، والزهري، ومكحول، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف.

стр. 2931

(وَفِي جِرَاحِهِ مَا نَقَصَهُ بَعْدَ البرء). أي: أن دية جراح القن ما نقص من قيمته بعد البرء من الجناية. مثال ذلك: رجل جنى على رقيق، فقطع إبهام يده اليسرى وبرئ، فكيف نعرف دية هذه الأصبع؟ نقول: يُقوَّم الرقيق سليماً، ويقوَّم بعد البرء، فإذا كانت قيمته سليماً عشرة آلاف درهم، وقيمته مقطوع الإبهام تسعة آلاف درهم، فتكون دية الإبهام ألف درهم. (وَيَجِبُ فِي الْجَنِينِ ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ غُرَّةٌ). دية الجنين غرة (عبد أو امرأة) والمتخير في ذلك من يغرم وهو القاتل، فإذا أتى بعبد لزم أولياء الجنين قبوله، وإذا أتى بأمَة لزم أولياؤه قبولها. وإذا لم يوجد عبد ولا أمة يرجع إلى خمس من الإبل يعطى أولياء الجنين. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (اِقْتَتَلَتِ اِمْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا اَلْأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا: غُرَّةٌ; عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ اَلْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا. وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. فَقَالَ حَمَلُ بْنُ اَلنَّابِغَةِ اَلْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! كَيْفَ يَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ، وَلَا اِسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ اَلْكُهَّانِ"; مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ اَلَّذِي سَجَعَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الجنين الذي يموت في بطن أمه له أحوال: الأول: أن يموت معها قبل أن يخرج. فهذا لا شيء فيه، وإنما الدية في الأم، فهو لا دية له لأنه كعضو من أعضائها. الثاني: أن يخرج حياً فيستهل أو يعطس أو يشرب، ثم يموت متأثراً بالجناية، ففيه دية كاملة إن خرج لوقت يعيش لمثله [بعد ستة أشهر].

стр. 2932

مثال: إنسان دفع حامل ولجنينها سبعة أشهر في بطنها، وسقط حياً حياة مستقرة ثم مات. فعليه دية كاملة، لأنه قتل نفساً، فيلزم الجاني دية كاملة. وهذا قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الجنين يسقط حياً من الضرب، دية كاملة، منهم: زيد ابن ثابت، وعروة، والزهري، والشعبي، وقتادة، وابن شبرمة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وذلك لأنه مات من جنايته بعد ولادته، في وقت يعيش لمثله، فأشبه قتله بعد رضعه ". الثالث: أن يخرج ميتاً، أو يخرج حياً لوقت لا يعيش لمثله فيموت. فهذا فيه غرة (عبد أو أمة). لحديث أبي هريرة السابق. ومقدار الغرة: خمس من الإبل في قول عامة أهل العلم. • على من تكون الدية الجنين؟ على القاتل لا على العاقلة. لأنها أقل من الثلث، وما كان أقل من ثلث الدية فإن العاقلة لا تحمله. (وَعُشْرُ قِيمَتِهَا إِنْ كَانَ مَمْلُوكاً). أي: إذا كانت أم الجنين رقيقة، وكان ولدها مملوكاً، فديته عُشر قيمة أمه. مثال: قيمة المرأة التي اعتدي على جنينها تساوي عشرون ألفاً، فدية الجنين إذاً: ألفي ريال. مثال آخر: هذه المرأة التي قُتل جنينها تساوي عشرة آلاف ريال، فدية جنينها ألف ريال. تنبيه: وتكون رقيقة وولدها مملوك إذا وطئها غير سيدها كما لو تزوجت وهي أمة، أما لو وطئها سيدها فولدها منه حر.

стр. 2933

(وَإِنْ جَنَى رَقِيقٌ خَطَأً أَوْ عَمْداً لَا قَوَدَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ قَوَدٌ وَاخْتِيرَ فِيهِ الْمَالُ، أَوْ أَتْلَفَ مَالاً بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ تَعَلَّقَ ذلِكَ بِرَقَبَتِهِ، فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ يُسَلِّمَهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكَهُ، أَوْ يَبِيعَهُ وَيَدْفَعَ ثَمَنَه). هذه حالات تتعلق الجناية فيها برقبة الرقيق الجاني: (وإن جنى رقيق خطأ) إذا جنى الرقيق خطأ، فليس هناك قود وإنما الدية. مثاله: رجل له عبد مملوك، وهذا العبد أراد أن يرمي صيداً فأصاب إنساناً، فالجناية خطأ، فتجب الدية ويتعلق ذلك برقبته، أي: أن موجَب الجناية يتعلق برقبة العبد. (أو عمداً لا قود فيه) مثل أن يقتل هذا الرقيق المسلم كافراً عمداً، فلا قود؛ لأنه أفضل منه في الدين، ومن شروط القصاص أن لا يفضل القاتل المقتول في الدين. (أو فيه قود واختير فيه المال) يعني أن شروط القصاص تامة، ولكنَّ أولياء المقتول اختاروا المال، كما لو قتل مسلماً، أو قطع يده واختار الأولياء الدية. (أو أتلف مالاً بغير إذن سيده) يعني أن هذا الرقيق وجد سيارة لشخص وأحرقها، أو وجد كتاباً فأحرقه أو وجد خبزاً فأكله. ففي هذه الحالات يُخيّر سيد هذا الرقيق بين أحد أمور ثلاثة: (أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ) سماه فداءً؛ لأن الجناية تعلقت برقبته، فكأن السيد إذا دفع موجب الجناية فداه. (أَوْ يُسَلِّمَهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكَهُ) أي: أن السيد يسلم هذا الرقيق إلى ولي الجناية فيملكه. (أَوْ يَبِيعَهُ وَيَدْفَعَ ثَمَنَه) أي: أن السيد يبيع هذا الرقيق ويسلم ثمنه لولي الجناية.

стр. 2934

باب ديات الأعضاء (مَنْ أَتْلَفَ مَا فِي الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيءٌ وَاحِدٌ، كَالأْنْفِ، وَاللِّسَانِ، وَالذَّكَرِ، فَفِيهِ دِيَةُ النَّفْسِ. . . . وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، كَالْعَيْنَيْنِ، وَالأُذُنَيْنِ. . . . فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُها). هذه قاعدة ديات الأعضاء ومنافعها: من أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية كاملة. كَالأْنْفِ، وَاللِّسَانِ، وَالذَّكَرِ، فَفِيهِ دِيَةُ النَّفْسِ. وقد جاء في حديث عمرو بن حزم (. . . وَأَنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ مِئَةً مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَة، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ. . .) رواه النسائي. وما في الإنسان منه شيئان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها. كَالْعَيْنَيْنِ، وَالأْذُنَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَاللَّحْيَيْنِ، وَثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ، وَثَنْدُؤَتَيِ الرَّجُلِ، وَاليَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالأَلْيَتَيْنِ، وَالأْنْثَيَيْنِ، وَإِسْكَتَيِ المَرْأَةِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا. وقد جاء في حديث عمرو بن حزم (. . . وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ). (وَفِي الأْجْفَانِ الأْرْبَعَةِ الدِّيَةُ). وفي كل جفن ربع الدية. لأن في الأجفان جمالاً وكمالاً ونفعاً كثيراً، لأنها تقي العينين مما يؤذيهما.

стр. 2935

(وَفِي أَصَابِعِ اليَدَيْنِ الدِّيَةُ كَأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، وَفِي كُلِّ أُصْبَعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ). أي: في أصابع اليدين الدية كاملة، وكذا أصابع الرجلين دية كاملة إذا قطعت جميعاً. وفي كل أصبع عُشْر الدية. ففي حديث عمرو بن حزم ( … وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ). وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (دِيَةُ الأَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُع) رواه الترمذي. وعنه. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ يَعْنِي الْخِنْصَرَ وَالإِبْهَام) رواه البخاري. قال الشيخ الفوزان: فدل الحديثان على وجوب الدية في أصابع اليدين والرجْلين، وأن في كل أصبع عُشرها. فائدة: وفي كل أنملة من أصابع اليدين والرجلين ثلث عشر الدية؛ لأن في كل إصبع ثلاثة مفاصل، فتقسم دية الإصبع على عددها، كما قسمت دية اليد على الأصابع بالسوية، والإبهام فيه مفصلان، في كل مفصل منهما نصف عشر الدية لما سبق. (وفي السن خمسٌ من الإبل). أي: أن دية السن خمس من الإبل، ففي كل سن خمس من الإبل ولو اختلفت منافعها. وعلى هذا فيكون في جميع الأسنان (١٦٠) بعيراً. ففي حديث عمرو بن حزم (. . . وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ).

стр. 2936

فصل (وَفِي كُلِّ حَاسَّةٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَهِيَ السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ هذا بيان دية المنافع. وأما المنافع؛ فالمراد بها منافع تلك الأعضاء المذكورة، كالسمع، والبصر، والشم، والكلام، والمشي؛ فكل عضو له منفعة خاصة. ومن ذلك الحواس الأربع: وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق. ففي كل حاسة منها إذا ذهبت بسبب الجناية دية كاملة. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن في السمع الدية. وقال الموفق: لا خلاف في وجوب الدية بذهاب السمع. وفي كتاب عمرو بن حزم (وفي المشام الدية). ولقضاء عمر ﵁ في رجل ضرب رجلاً فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات والرجل حي، ولا يعرف له مخالف من الصحابة. (وَكَذَا فِي الكَلَامِ) أي: إذا اعتدى عليه حتى أذهبه بالكلية حتى صار أخرسَ فعليه دية كاملة (وَالْعَقْلِ). أي: إذا جنى عليه حتى أذهب عقله فعليه دية كاملة. (وَمَنْفَعَةُ الْمَشْيِ، وَالأْكْلِ، وَالنِّكَاحِ، وَعَدَمِ استِمْسَاكِ الْبَوْلِ، أَوِ الْغَائِط). منفعة المشي: أي: لو جني عليه حتى أذهب منفعة مشيه، كأن شُلَّت رجلاه فأصبح لا يمشي، وهذا يقع كثيراً كما لو ضرب صلبه مثلاً، وفصل المخ حتى صار لا يتصل بالأسفل فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب منفعة لا نظير لها في الجسم. منفعة والأكل: بأن تذهب شهوة الطعام، أو الانتفاع به، وعدم الاستطاعة عليه.

стр. 2937

منفعة النكاح: أي: جني عليه حتى صار لا يشتهي النساء، أو يشتهي ولكنه لا يستطيع الجماع، كأن يصير عنيناً، أو يجامع ولكن لا ينزل، أو ينزل ولكنه لا يلقح، فإذا أفسد واحدة من هذه الأربع ففيه الدية كاملة. عدم استمساك البول أو الغائط: فإذا جنى عليه حتى صار لا يستطيع إمساك البول أو الغائط، فعليه كاملة. لأن في كل واحدة من هذه منفعة كبيرة، ليس في البدن مثلها. (وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعُورِ الأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَهِيَ شَعْرُ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ). لما في الشعر من الجمال، ولما فيه من منفعة للبدن والوقاية به. وقد روي عن علي وزيد بن ثابت (في الشعر الدية). (وَفِي عَيْنِ الأْعْوَرِ الدِّيَةُ كَامِلَةً). أي: إذا جنى على عين الأعور السليمة فأصبح لا يرى وذهب بصره. فعلى الجاني الدية كاملة. لأنه الوارد عن الصحابة كعمر وعثمان وعلي. ولأن عين الأعور تقام مقام العينين في البصر، ففي إتلافها إذهاب لمنفعة البصر التي فيها الدية.

стр. 2938

بَابُ الشِّجَاجِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ (الشَّجَّةُ: الْجُرْحُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً) الشجاج جمع شجة، وهي الجراح في الوجه والرأس خاصة، وفي غيرها لا تسمى شجة. سميت بذلك من الشج، وهو لغة: القطع لأنها تقطع الجلد، فإن كان القطع في غير الرأس والوجه؛ سمي جرحا لا شجة. (وَهِيَ عَشْرٌ). الشجة لها عشر مراتب، وهذه العشر خمس منها الدية فيها مقدرة، وخمس لا دية فيها وإنما فيها حكومة. الْحَارِصَةُ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ، أَيْ: تَشُقُّهُ قَليلاً وَلَا تُدْمِيهِ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ الدَّامِيَةُ الدَّامِعَةُ وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ الْغَائِصَةُ فِي اللَّحْمِ، ثُمَّ السِّمْحَاقُ وَهِيَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ، فَهذِهِ الْخَمْسُ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا، بَلْ حُكُومَةٌ). الحارصة: وهي التي تحرص الجلد؛ أي: تشقه قليلاً ولا تدميه، وتسمى القاشرة؛ أي: لأنها تقشر الجلد. البازلة: وهي التي يسيل منها الدم قليلاً، وتسمى الدامعة؛ تشبيها بخروج الدمع من العين. الباضعة: وهي التي تبضع اللحم، أي: تشقه بعد الجلد. المتلاحمة: وهي الغائصة في اللحم، ولذلك اشتقت منه. السمحاق: وهي التي تنفذ من اللحم، ولا يبقى بينها وبين العظم سوى جلدة رقيقة تسمى السمحاق، سميت الجارحة الواصلة إليها باسمها. وهذه الخمس المذكورة من الشجاج ليس في ديتها مبلغ مقدر من الشارع، فيقدر فيها حكومة، يجتهد الحاكم في تقديرها.

стр. 2939

(وَفِي الْمُوضِحَةِ وَهِيَ مَا تُوضِحُ اللَّحْمَ وَتُبْرِزُهُ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ). فالموضحة: هي التي توضح العظم وتبرزه حيث بدأ شيء منه من الجناية. ففيها: خمسة أبعرة. ففي حديث عمرو بن حزم (. . . وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِل). فائدة: ١ - وإنما كان فيها القصاص: أولاً: لأن الله نص على القصاص في الجروح في قوله (والجروح قصاص) فلو لم يجب ههنا لسقط حكم الآية. ثانياً: ولأنه يمكن استيفاؤها بغير حيف ولا زيادة، لأن السكين تنتهي إلى عظم فوجب فيها القصاص. فائدة: ٢ وإذا كان الفقهاء قد اتفقوا على مشروعية القصاص في الموضحة لإمكان المماثلة، فإنهم اختلفوا في معنى المماثلة على قولين: الجمهور: أن المماثلة تتحقق بالاستيفاء بالمساحة، فيؤخذ من رأس الجاني بطول ما أخذ من رأس المجني عليه. فائدة: ٣ القصاص فيما فوق الموضحة. لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا قصاص فيما فوق الموضحة من الشجاج. قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً خالف في ذلك. وقال ابن قدامة: وليسَ فِي شَيْءٍ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ قِصَاصٌ سِوَى الْمُوضِحَةِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا دُون الْمُوضِحَةِ، كَالْحَارِصَةِ، وَالْبَازِلَةِ، وَالْبَاضِعَةِ، وَالْمُتَلَاحِمَةِ، وَالسِّمْحَاقِ، وَمَا فَوْقَهَا، وَهِيَ الْهَاشِمَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ وَالْآمَّةُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. فَأَمَّا مَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ فِيهَا الْقِصَاصَ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ أَقَادَ مِنْ الْمُنَقَّلَةِ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْهُ.

стр. 2940

وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ؛ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ ذَلِكَ. وَلِأَنَّهُمَا جِرَاحَتَانِ لَا تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا، أَشْبَهَا الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ. … (المغني). فائدة: ٤ إذا كانت الشجة فوق الموضحة، فأحب أن يقتص موضحة جاز. ذهب إليه الشافعية، والحنابلة. لأنه يقتصر على بعض حقه، ويقتص من محل جنايته. (ثُمَّ الْهَاشِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتُهْشِمُهُ وَفِيهَا عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ). الهاشِمة: هي التي توضح العظم وتُبينه، وتهشمه وتكسره. فيها: عشرة أبعرة. روي ذلك عن زيد بن ثابت ولم يعرف له في عصره مخالف من الصحابة. (ثُمَّ الْمُنْقِلَةُ وَهِيَ مَا تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتَهْشِمُهُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإْبِلِ). الْمُنْقِلَةُ: وهي التي توضح العظم وتهشمه وتنقل العظام بحيث تحتاج إلى جمع لتلتئم. فيها: خمس عشرة من الإبل. ففي حديث عمرو بن حزم (وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ).

стр. 2941

(وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَأْمُومَةِ وَالدَّامِغَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ). المأمومة: وهي التي تصل إلى أم الدماغ؛ أي: جلدة الدماغ. الدامغة: وهي التي تخرق تلك الجلدة. ويجب في كل واحدة من هاتين الشجتين المأمومة، والدامغة ثلث الدية. لحديث عمرو بن حزم (وفي المأمومة ثلث الدية). والدامغة أبلغ منها؛ فهي أولى منها، والغالب أن صاحبها لا يسلم، ولذلك لم يرد بخصوصها تقدير. (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلى بَاطِنِ الْجَوْفِ). الكلام الأن على الجراح. الجائفة: لجراحة التي تصل إلى باطن جوف بطن وظهر وصدر وحلق ومثانة. وفيها: ثلث الدية: لحديث عمرو بن حزم (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ). قال الإمام الموفق: "وهو قول عامة أهل العلم، منهم أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل الحديث وأصحاب الرأي. (وَفِي الضِّلَعِ وَكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيرٌ) أي: يجب في الضلع إذا جبر بعد كسره كما كان بعير. ويجب في كل واحدة من الترقوتين بعير. لما روي عن عمر ﵁ أنه قال (في الضلع جمل، وفي الرقوة جمل). والترقوة هي العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف، ولكل إنسان ترقوتان. وإن انجبر الضلع أو الترقوة بدون استقامة؛ وجب في ذلك حكومة.

стр. 2942

(وَفِي كَسْرِ الذِّرَاعِ وَهُوَ السَّاعِدُ الْجَامِعُ لِعَظْمَيِ الزِّنْدِ، وَالْعَضُدِ، وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ إِذَا جَبَرَ ذلِكَ مُسْتَقِيماً بَعِيرَان). يجب في كسر الذراع، وهو الساعد الجامع لعظمي الزند والعضد، إذا جبر مستقيماً: بعيران. كما يجب ذلك أيضا في كسر الفخذ، وكسر الساق وكسر الزند. لما روى سعيد عن عمرو بن شعيب (أن عمرو بن العاص ﵁ كتب إلى عمر في أحد الزندين إذا كسر؟، فكتب إليه عمر: أن فيه بعيرين، وإذا كسر الزندان؛ ففيهما أربعة من الإبل) ولم يظهر له مخالف من الصحابة. (وَمَا عَدَا ذلِكَ مِنَ الْجِرَاحِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَالْحُكُومَةُ: أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرِئَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ فَلَهُ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ الدِّيَة). أي: ما عدا ما سبق من الجراح وكسر العظام التي ذكرها ففيها حكومة. وعليه: شجاج الوجه والرأس خمس فيها حكومة، وخمس فيها دية مقدرة. جروح البدن كلها فيها حكومة إلا الجائفة. العظام في السن مقدرة، وفي بقية العظام حكومة، استثنوا الضلع وترقوة والزند. معنى حكومة: أن يقوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقَوّم وهي به قد برئت؛ فما نقص من القيمة؛ فللمجني عليه مثل نسبته من الدية. مثال ذلك: لو قدر أن قيمته لو كان عبدًا سليما ستون، وقيمته بالجناية خمسون؛ ففيه سدس ديته؛ لأن الناقص بالتقويم واحد من ستة، وهو سدس قيمته، فيكون للمجني عليه سدس ديته.

стр. 2943

باب العاقلة (عَاقِلَةُ الإِنْسَانِ عَصَبَاتُهُ كُلُّهُمْ مِنَ النَّسَبِ وَالوَلَاءِ، قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ حَاضِرُهُمْ وَغَائِبُهُمْ، حَتَّى عَمُودَيْ نَسَبِهِ). العاقلة: وهم عصبته والمراد بالعصبة بالنفس، فيدخل فيهم: آباؤه وأبناؤه وإخوته وعمومتهم وبنوهم. وسميت بذلك: لأن الإبل تجمع فتعقل بفناء أولياء المقتول لتسلم إليهم، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، إبلاً أو نقداً. وقيل سموا عاقلة لأنهم يمنعون عن القاتل من أن يعتدي عليه أحد. فائدة: ويشمل القريب والبعيد منهم، فكلهم يشتركون في العقْل، وحاضرهم وغائبهم. (وَلَا عَقْلَ عَلَى رَقِيق) أ-لأنه ليس من أهل النصرة. ب- ولأنه لا مال له، لأن مال المملوك لسيده. (وَغَيْرِ مُكَلَّفٍ). ولا على غير مكلف كالصغير والمجنون. أ- لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) رواه أبو داود. ب- ولأنهما ليسا من أهل النصرة. (وَلَا فَقِيرٍ). أي: ولا على فقير. لأنه ليس عنده مال. (وَلَا أُنْثَى). أي: ولا على أنثى. لأنها ليست من أهل النصرة.

стр. 2944

(ولا تَحْمِل العاقلة عمداً محضاً). أي: أن العاقلة لا تتحمل دية العمد المحض. فائدة: ١ يجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يناسبه، فيحمل الأقرب أكثر من الأبعد، والغني أكثر ممن دونه وهكذا، ولو اتفقت العاقلة فيما بينهم على تقدير معين جاز، لأن الأمر راجع إليهم. فائدة: ٢ الحكمة أن قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة: أن هذه الجنايات تكثر، ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل للإعانة له تخفيف عنه إذا كان معذور في فعله. فائدة: ٣: الأشياء التي لا تحملها العاقلة. أ- قتل العمد. لأنه لا يستحق المواساة. ب- ولا تحمل أيضاً قيمة عبد قتله الجاني. لأنه مال، والعاقلة لا تحمل بدل الأموال المتلفة. ج- ولا تحمل أيضاً صلحاً عن إنكار. مثال: جاء قوم لرجل فقالوا له: أنت قتلت أبانا، فأنكر، فاصطلحوا على أن يعطيهم مالاً وينتهي الموضوع. فالعاقلة لا تتحمل هنا.

стр. 2945

لأن هذا لم يثبت ببينة. وقد يحصل فيه مواطأة. د - ولا ما دون الثلث. كأن يجني على شخص جناية خطأ فيما دون النفس، وكانت الدية الواجبة عليه أقل من ثلث دية القتل، فلا تحمله العاقلة، لأنه قليل يمكن للجاني تحمله. لقول ابن عباس: لا تحمل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً. فائدة: ٤ هل الجاني يتحمل مع العاقلة شيئاً من الدية أو لا يتحمل؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يتحمل معهم شيئاً. وهذا هو المذهب وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز عليه ﵀ قال ابن قدامة: ولا يلزم القاتل شيء من الدية. وبهذا قال مالك، والشافعي. أ-لما روى أبو هريرة (أن النبي ﷺ قضى بدية المرأة على عاقلتها) وهذا يقتضي أنه قضى بجميعها عليهم. ب- ولأنه قاتل لم تلزمه الدية، فلم يلزمه بعضها، كما لو أمره الإمام بقتل رجل، فقتله يعتقد أنه بحق، فبان مظلوماً. ج- ولأن الكفارة تلزم القاتل في ماله، وذلك يعدل قسطه من الدية وأكثر منه، فلا حاجة إلى إيجاب شيء من الدية عليه. (المغني)
следующие страницы →