Полный текст (3 390 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
جاء في رواية (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ) وفي رواية الأوزاعيّ (يا رسول الله، هو له) وفي رواية عكرمة (ما كنت أردت أن تُقطع يده فِي ردائي).
(قَالَ: فَهَلاَّ كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِه) أي: قبل أن ترفعه إليّ متحاكمًا، يعني أنه لو تركه قبل إحضاره عنده ﷺ ليحكم به لنفعه ذلك، وأما بعد رفعه، وثبوت السرقة عليه، فالحقّ للشرع، لا للمالك.
وجه الدلالة: أن المسروق منه - وهو صفوان بن أمية - لم يطالب بالمسروق، ومع ذلك أقام رسول الله ﷺ حد السرقة، وبيّن أن عدم المطالبة إنما ينفع قبل رفع أمر السارق إليه، فهذا دليل صريح على أنه لا يشترط مطالبة المسروق منه.
ج- أن قطع السارق حق لله، فوجب أن يقام على من ثبت عليه من دون انتظار المسروق منه ومطالبته كحد الزنا، فإنه يقام على الزاني، وإن لم يحضر المزني بها.
وهذا القول هو الصحيح، لما في ذلك من حفظ الأموال واستتاب الأمن.
فائدة:
أن تجاوز المسروق منه عن السارق بعد رفعه إلى الإمام لا يجوز.
قال ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: لا أعلم بين أهل العلم اختلافاً فِي الحدود، إذا بلغت إلى السلطان، لم يكن فيها عفو، لا له ولا لغيره، وجائز للناس أن يتعافوا الحدود ما بينهم، ما لم يبلغ السلطان، وذلك محمود عندهم.
стр. 3047
(وإنْ قُطعَ فعليه رد المسروق إن كان باقياً، أو قيمتُه إن كان تالفاً).
قَالَ ابن قدامة: لا يختلف أهل العلم فِي وجوب رد العين المسروقة عَلَى مالكها، إذا كانت باقية.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ تَالِفَةً، فَعَلَى السَّارِقِ رَدُّ قِيمَتِهَا، أَوْ مِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، قُطِعَ أَوْ لَمْ يُقْطَعْ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَالْبَتِّيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
ثم قال: وَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ يَجِبُ ضَمَانُهَا بِالرَّدِّ لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً، فَيَجِبُ ضَمَانُهَا إذَا كَانَتْ تَالِفَةً، كَمَا لَوْ لَمْ يُقْطَعْ.
وَلِأَنَّ الْقَطْعَ وَالْغُرْمَ حَقَّانِ يَجِبَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا، كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ الْمَمْلُوكِ. (المغني).
وقال في (سبل السلام): وذهب الشافعي وأحمد وآخرون ورواية عن أبي حنيفة إلى أنه يغرم.
أ- لقوله ﷺ (على اليد ما أخذت حتى تؤديه).
وحديث عبد الرحمن هذا لا تقوم به حجة مع ما قيل فيه.
ب- ولقوله تعالى (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل).
ج- ولقوله ﷺ (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه).
د- ولأنه اجتمع في السرقة حقان حق لله تعالى وحق للآدمي، فاقتضى كل حق موجبه.
هـ- ولأنه قام الإجماع أنه إذا كان موجوداً بعينه أخذ منه، فيكون إذا لم يوجد في ضمانه قياساً على سائر الأموال الواجبة.
ولا يخفى قوة هذا القول. (سبل السلام).
стр. 3048
فائدة: ١
تحرم الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطان.
قال ابن قدامة ﵀: ولا بَأْسَ بِالشَّفَاعَةِ فِي السَّارِقِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامَ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ،
فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ وَجَب).
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ، لَمْ تَجُزْ الشَّفَاعَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إسْقَاطُ حَقٍّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ شَفَعَ أُسَامَةُ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، وَقَالَ: (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى)، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي حُكْمِه. (المغني).
وقال النووي: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم الشَّفَاعَة فِي الْحَدّ بَعْد بُلُوغه إِلَى الْإِمَام، لِهَذِهِ الْأَحَادِيث، وَعَلَى أَنَّهُ يَحْرُم التَّشْفِيع فِيهِ، فَأَمَّا قَبْل بُلُوغه إِلَى الْإِمَام فَقَدْ أَجَازَ الشَّفَاعَة فِيهِ أَكْثَر الْعُلَمَاء إِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْفُوع فِيهِ صَاحِب شَرٍّ وَأَذًى لِلنَّاسِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُشْفَع فِيهِ. وَأَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَوَاجِبهَا التَّعْزِير فَتَجُوز الشَّفَاعَة وَالتَّشْفِيع فِيهَا، سَوَاء بَلَغَتْ الْإِمَام أَمْ لَا؛ لِأَنَّهَا أَهْوَن، ثُمَّ الشَّفَاعَة فِيهَا مُسْتَحَبَّة إِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْفُوع فِيهِ صَاحِب أَذًى وَنَحْوه. (نووي).
وقد ترجم البخاري - بباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان.
стр. 3049
ويؤيد هذا ما ورد في بعض روايات هذا الحديث فإنه ﷺ قَالَ لأسامة لما تشفع (لا تشفع في حد، فإن الحدود إذا انتهت إلي فليست بمتروكة).
وأخرج أبو داود حديث عمرو بن شعيب عَنْ أَبِيِهِ عن جده يرفعه (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب) وصححه الحاكم، ترجم له أبو داود: العفو عن الحد ما لم يبلغ السلطان.
وأخرج أبو داود والحاكم، وصححه من حديث ابن عمر، قَالَ: سَمِعْت رَسُول الله ﷺ يقول (من حالت شفاعته دون حد من حدود اللَّه، فقد ضاد اللَّه في أمره).
وأخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قَالَ: (لقي الزبير سارقاً فشفع فيه فقيل: حتى يبلغ الإمام، فقال: إذا بلغ الإمام فلعن اللَّه الشافع والمشفع).
فلا يجوز للإمام العفو عن الحد، ولا تجوز الشفاعة فيه إذا وصل الأمر إلى الحاكم.
ويؤيد هذا أيضاً ما أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن الجارود، والحاكم، عن صفوان بن أمية ﵁: أن الْنَّبِيّ ﷺ قَالَ لما أمر بقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه (هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟).
فائدة: ٢
هل يقتل السارق في المرة الخامسة؟
جاء في حديث جَابِر قَالَ (جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا سَرَقَ. قَالَ: «اقْطَعُوهُ» فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ.
стр. 3050
ذهب جماهير العلماء إلى أن من تكرر منه السرقة للمرة الرابعة وما بعدها أنه يعزر بالحبس ونحوه ولا يقتل.
فهذا مذهب المالكية، والحنابلة، والمشهور من مذهب الحنفية، والشافعية.
وأجابوا عن حديث جابر السابق بعدة مسالك:
المسلك الأول: أنه حديث لا يصح.
قَالَ النسائي: وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ.
وقَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: هَذَا الْحَدِيث فِي بعض إسناده مقال، وَقَدْ عارض الْحَدِيث الصحيح، وهو أن النبيّ ﷺ قَالَ: لا يحلّ دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس"، والسارق ليس بواحد منْ الثلاثة، فالوقوف عن دمه واجبٌ، ولا أعلم أحدا منْ الفقهاء، يبيح دم السارق، وإن تكررت منه السرقة مرّة بعد أخرى.
ومنهم ابن حجر إذ تعقب أسانيده بالتضعيف.
ومنهم الزيلعي حيث تعقب أسانيده بالتضعيف أيضاً.
ومنهم ابن عبد البر إذ قال (حديث القتل منكر لا أصل له).
وهذا المسلك هو الذي تقتضيه قواعد النقد وأصول المنهج في البحث والله أعلم. (الحدود عند ابن القيم).
المسلك الثاني: أن هذا الحديث جاء في حق رجل مستحق للقتل.
قال ابن القيم: ومنهم من يحسنه ويقول: هذا حكم خاص بذلك الرجل وحده لما علم رسول الله ﷺ من المصلحة في قتله.
стр. 3051
وقال ابن حجر: وقال بعضهم هو خاص بالرجل المذكور فكأن النبي ﷺ اطلع على أنه واجب القتل ولذلك أمر بقتله من أول مرة.
المسلك الثالث: أن هذا الحديث منسوخ.
وهذا محكي عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
حكاه ابن حجر، والآبادي، ومن قبلهما البيهقي رحمهم الله تعالى.
المسلك الرابع: حمل الحكم بقتله على أنه كان من المفسدين في الأرض.
حكى، الخطابي، وابن حجر، والآبادي، على أن هذا الحديث قد يخرج على مذاهب بعض الفقهاء، وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض، فيكون هذا من باب العقوبة التعزيرية للمفسدين في الأرض، وهذا يعزى للإمام مالك رحمه الله تعالى.
تنبيه:
هل قال أحد بموجب الحديث؟
قال ابن القيم: وطائفة ثالثة تقبله وتقول به، وأن السارق إذا سرق خمس مرات قتل في الخامسة وممن ذهب إلى هذا المذهب أبو مصعب من المالكية.
وقال ابن حجر: وقيل يقتل في الخامسة قاله: أبو مصعب الزهري المدني صاحب مالك.
وهذا المسلك مبني على القول بقبول الحديث وصحته.
стр. 3052
باب حد قطاع الطريق
(وهم الذين يخرجون على الناس، ويقطعون الطريق عليهم بنهب أو قتل).
(فمن قتل منهم وأخذ مالاً: قُتِل وصُلب، ومن قَتَل: تحتم قتله، ومن أخذ مالاً: قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن أخاف الناس: نُفيَ من الأرض).
هذا بيان الحكم الشرعي للمحاربين.
كما قال تعالى (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْض ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
فمن جمع بين القتل وأخذ المال: فهذا يقتل ويصلب.
ومن قتل ولم يأخذ المال: فهذا يقتل ولا يصلب.
ومن أخذ المال ولم يقتل: فهذا تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى.
ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالاً: فإنه ينفى من الأرض.
-اختلف في هذه الآية (أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم .... ) هل هي على التخيير أم الترتيب:
فقيل: على التخيير (فالإمام يخير بين القتل أو الصلب أو النفي) لأن (أو) تقتضي التخيير.
وقيل: ليست على التخيير ويكون حكمهم كالتالي:
إذا قتلوا وأخذوا المال، فإنهم يقتلون ويصلبون.
وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، فإنهم يقتلون ولا يصلبون.
стр. 3053
وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم (اليمين) وأرجلهم (اليسرى).
وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً نفوا.
هذا الترتيب في حكمهم وهو قول جمهور العلماء.
- إذا أخذ مالاً ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ويقطعان معاً، لأن الله قال (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ) والواو للجمع والاشتراك.
- فإذا لم يقتل ولم يسرق فإنه ينفى، فلا يُترك يأوي إلى بلد، وهذا قول الحنابلة لظاهر الآية (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)
وذهب بعض العلماء - وهو قول الحنفية والشافعية - أن النفي هو السجن.
وذهب بعض العلماء - وهو قول لمالك واختاره ابن جرير والشنقيطي - أنه ينفى إلى بلد آخر ويُسجن فيه.
ولا يزال منفياً حتى تظهر توبته.
فائدة: ١
إذا قتل فإنه يتحتم قتله، فيقام عليه القصاص، وليس فيه خيار لأولياء المقتول، لأن القتل هنا ليس قصاصاً، ولكنه حد، فلا يجوز العفو عنه، وآية المحاربة بينت أن عقوبة القتل عقوبة تثبت جزاء المحاربة لله تعالى، وما كان كذلك فهو حق لله تعالى لا يجوز إسقاطه، ولأن ضرر هذه الجريمة ضرر عام للمجتمع بأسره غير مختص بالمجني عليه.
فائدة: ٢
إذا قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، لقوله تعالى (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا).
والصلب: أن يربط على خشبة لها يدان معترضتان وعود قائم.
стр. 3054
قيل: يقتل ثم يصلب، وقيل: بل يصلب قبل القتل، والله أعلم.
والراجح في مدة الصلب، أنه يصلب حتى يشتهر أمره، لأن المقصود يحصل به.
فائدة: ٣
هل هناك فرق بين كون المحاربين لله ورسوله والسعي في الأرض فساداً في الأمصار أو في الطرق؟
قيل: هو خاص بمن يقطع الطريق بالصحراء دون البنيان.
وقيل: لا فرق بين كون ذلك في الأمصار أو في الصحراء، وهذا قول جمهور العلماء.
لعموم الآية.
قال ابن تيمية: بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء، لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة.
فائدة: ٤
قال الشنقيطي: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا) فَأَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُحَارِبِ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَهُمَا الْمُحَارَبَةُ، وَالسَّعْيُ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَلَمْ يَخُصَّ شَرِيفًا مِنْ وَضِيعٍ، وَلَا رَفِيعًا مِنْ دَنِيءٍ. اهـ مِنَ الْقُرْطُبِيِّ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ -: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُكَافَأَةِ فِي قَتْلِ الْحِرَابَةِ، إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ عَفْوَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِي الْحَرَّابَةِ لَغْوٌ لَا أَثَرَ لَهُ، وَعَلَى الْحَاكِمِ قَتْلُ الْمُحَارِبِ الْقَاتِلِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَسْأَلَةُ قِصَاصٍ خَالِصٍ، بَلْ هُنَاكَ تَغْلِيظٌ زَائِدٌ مِنْ جِهَةِ الْمُحَارَبَةِ. (الأضواء).
стр. 3055
فائدة: ٥
إذا تاب المحاربون بعد القدرة عليهم، فتوبتهم حينئذ لا تغير شيئاً من إقامة الحدود المذكورة عليهم، وأما إن جاؤوا تائبين قبل القدرة عليهم،
فليس للإمام عليهم حينئذ سبيل. لأنهم تسقط عنهم حدود الله، وتبقى عليهم حقوق الآدميين، فيقتص منهم في الأنفس والجراح، ويلزمهم غرم ما أتلفوه من الأموال، ولولي الدم حينئذ العفو إن شاء، ولصاحب المال إسقاطه عنهم.
وهذا قول أكثر العلماء مع الإجماع على سقوط حدود الله عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم، كما هو صريح قوله تعالى (إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ) الآية، وإنما لزم أخذ ما بأيديهم من الأموال، وتضمينهم ما استهلكوا. لأن ذلك غصب، فلا يجوز لهم تملكه.
(ويُدفعُ صائلٌ بالأخفِ فالأخفَّ، فإنْ لم يندفعْ إلا بالقتل فلا ضمان، ويلزمُ الدفعُ عن نفسهِ وحرمتهِ دون مالهِ).
الصائل: الصول في اللغة: التعدي.
وأما في الاصطلاح: فهو التعدي على النفس أو المال أو العرض.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَالصَّائِل هُوَ مَنْ قَصَدَ غَيْرَهُ بِشَرٍّ سَوَاءٌ أَكَانَ الصَّائِل مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا أَمْ عَبْدًا أَمْ حُرًّا أَمْ صَبِيًّا أَمْ مَجْنُونًا أَمْ بَهِيمَةً، فَيَجُوزُ دَفْعُهُ عَنْ كُل مَعْصُومٍ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ طَرَفٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ، وَعَنِ الْبُضْعِ، وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَعَنِ الْمَال وَإِنْ قَل.
стр. 3056
فإذا صال على الإنسان يعنى أراد نفسه أو ماله أو عرضه فإنه يدفعه بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بقتله فلا ضمان لا شيء عليه.
أ- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَالَ «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي قَالَ «قَاتِلْهُ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي قَالَ «فَأَنْتَ شَهِيدٌ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ «هُوَ فِي النَّارِ) رواه مسلم.
ب- وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) متفق عليه.
قال النووي: وَفِيهِ جَوَاز قَتْل الْقَاصِد لِأَخْذِ الْمَال بِغَيْرِ حَقّ سَوَاء كَانَ الْمَال قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِعُمُومِ الْحَدِيث.
وَهَذَا قَوْلٌ لِجَمَاهِير الْعُلَمَاء.
وَقَالَ بَعْض أَصْحَاب مَالِك: لَا يَجُوز قَتْله إِذَا طَلَبَ شَيْئًا يَسِيرًا كَالثَّوْبِ وَالطَّعَام وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَالصَّوَاب مَا قَالَهُ الْجَمَاهِير.
وقال القرطبي: مذهب ابن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان، وبهذا يقول عوام أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلماً، للأخبار التي جاءت عن النبي ﷺ لم يخص وقتاً دون وقت، ولا حالاً دون حال إلا السلطان. فإن جماعة أهل الحديث كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه. (التفسير).
وجاء في (الموسوعة الفقهية) إِنْ قَتَل الْمَصُول عَلَيْهِ الصَّائِل دِفَاعًا عَنْ نَفْسِهِ وَنَحْوِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ وَلَا قِيمَةٍ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، لأِنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ.
стр. 3057
فائدة: ١
كيفية مقاتلة الصائل:
قال العلماء: لا يقتله بمجرد طلبه، بل يدافع بالأسهل فالأسهل، فإن دفع بالأسهل لم يجز ما فوقه، وإن لم يندفع إلا بالقتل فليقتله، فإن كان يندفع بقطع يديه، بأن يكون مع المعتدى عليه سيف يستطيع أن يبتر به يديه، فإنه لا يجوز أن يقتله، لأن قطع اليدين أهون من القتل.
فقد جاء في رواية (فانشده بالله) وفي رواية (ذكّره بالله).
فائدة: ٢
أنه لا فرق بين أن يكون المال قليلاً أو كثيراً لعموم الحديث وهو قول الجماهير من العلماء، كما تقدم.
وقال بعض أصحاب مالك لا يجوز قتله إذا طلب شيئاً يسيراً كالثوب والطعام، وهذا ليس بشيء والصواب ما قاله الجماهير.
قال الشوكاني: وَأَحَادِيثُ الْبَابِ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ مُقَاتَلَةُ مَنْ أَرَادَ أَخْذَ مَالِ إنْسَانٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إذَا كَانَ الْأَخْذُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَالْحَافِظُ فِي الْفَتْح.
فائدة: ٣
هل دفع الصائل واجب أم لا؟
أولاً: الدفاع عن المال واجب أم مباح؟
أكثر العلماء على أنه مباح غير واجب.
فالمعتدى عليه مخير بين أن يدفع عن ماله، وبين أن يعطيه المال.
стр. 3058
قال النووي: وَالْمُدَافَعَة عَنْ الْمَال جَائِزَة غَيْر وَاجِبَة.
ثانياً: الدفاع عن العرض.
يجب الدفاع عن العرض.
لحديث سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) رواه النسائي.
قال النووي: وَأَمَّا الْمُدَافَعَة عَنْ الْحَرِيم فَوَاجِبَة بِلَا خِلَاف.
ثالثاً: الدفاع عن النفس.
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ دَفْعِ الصَّائِل عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا.
فقيل: يجب، وقيل: يجب إلا في وقت الفتنة، وقيل: لا يجب إذا كان الصائل مسلماً.
جاء في (الموسوعة الفقهية) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ دَفْعِ الصَّائِل عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ الأْصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إِلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِل عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الصَّائِل كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا، عَاقِلاً أَوْ مَجْنُونًا، بَالِغًا أَوْ صَغِيرًا، مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ، آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ ....
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ:
أ-بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).
فَالاِسْتِسْلَامُ لِلصَّائِل إِلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ لِلتَّهْلُكَةِ، لِذَا كَانَ الدِّفَاعُ عَنْهَا وَاجِبًا.
стр. 3059
ب-وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ).
ج-وعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ، فَهُوَ شَهِيد).
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الصَّائِل كَافِرًا، وَالْمَصُول عَلَيْهِ مُسْلِمًا وَجَبَ الدِّفَاعُ … أمَّا إِنْ كَانَ الصَّائِل مُسْلِمًا غَيْرَ مَهْدُورِ الدَّمِ فَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ فِي الأْظْهَرِ، بَل يَجُوزُ الاِسْتِسْلَامُ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّائِل صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، وَسَوَاءٌ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِغَيْرِ قَتْلِهِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ ....
عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي» قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: «كُنْ كَابْنِ آدَمَ).
وعَنِ الحَسَنِ، قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الفِتْنَةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» قِيلَ: فَهَذَا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِه).
وَلأِنَّ عُثْمَانَ ﵁ تَرَكَ الْقِتَال مَعَ إِمْكَانِهِ، وَمَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ نَفْسَهُ، وَمَنَعَ حُرَّاسَهُ مِنَ الدِّفَاعِ عَنْهُ - وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ يَوْمَ الدَّارِ وَقَال: مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ حُرٌّ، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ ﵃ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
стр. 3060
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِل عَنِ النَّفْسِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْفِتْنَةِ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).
وَلأِنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْل نَفْسِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِبَاحَةُ قَتْلِهَا.
أَمَّا فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ.
لِقَوْلِهِ ﷺ (فَإِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ ثَوْبَكَ عَلَى وَجْهِكَ).
وَلأِنَّ عُثْمَانَ ﵁ تَرَكَ الْقِتَال عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ غَيْرَهُ قِتَالَهُمْ، وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لأَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. . . . اهـ (الموسوعة الفقهية)
فائدة: ٤
ما الحكم إن قتل المصول عليه الصائل؟
إِنْ قَتَل الْمَصُولُ عَلَيْهِ الصَّائِل دِفَاعًا عَنْ نَفْسِهِ وَنَحْوِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ وَلَا قِيمَةٍ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، لأِنهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ.
أَمَّا إِذَا تَمَكَّنَ الصَّائِل مِنْ قَتْل الْمَصُول عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
стр. 3061
فائدة: ٥
كيف يدفع الصائل؟
تقدم أنه يدفع بالأخف فالأخف.
جاء في (الموسوعة الفقهية) يُدْفَعُ الصَّائِل بِالأْخَفِّ فَالأْخَفِّ إِنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِكَلَامٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ بِالنَّاسِ حَرُمَ الضَّرْبُ، أَوْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِضَرْبٍ بِيَدٍ حَرُمَ بِسَوْطٍ، أَوْ بِسَوْطٍ حَرُمَ بِعَصًا، أَوْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِقَطْع عُضْوٍ حَرُمَ دَفْعُهُ بِقَتْلٍ، لأِنَّ ذَلِكَ جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الأْثْقَل مَعَ إِمْكَانِ تَحْصِيل الْمَقْصُودِ بِالأْخَفِّ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عُدِيَ عَلَى مَالِي؟ قَالَ: " انْشُدِ اللهَ، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ، قَالَ: " انْشُدِ اللهَ "، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ، قَالَ: " فَانْشُدِ اللهَ "، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ، قَالَ: " فَقَاتِلْ، فَإِنْ قُتِلْتَ فَفِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ قَتَلْتَ فَفِي النَّارِ) رواه أحمد.
قال الشوكاني: ولكنه ينبغي تقديم الأخف فالأخف فلا يعدل المدافع إلى القتل مع امكان الدفع بدونه ويدل على ذلك امره ﷺ بإنشاد الله قبل المقاتلة.
فائدة: ٦
هل يستثنى من ذلك شيء؟
اسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ صُوَرًا مِنْهَا:
أ - لَوْ كَانَ الصَّائِل يَنْدَفِعُ بِالسَّوْطِ أَوِ الْعَصَا وَنَحْوِهِمَا، وَالْمَصُولُ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ إِلاَّ السَّيْفَ فَلَهُ الضَّرْبُ بِهِ، لأِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ إِلاَّ بِهِ، وَلَيْسَ بِمُقَصِّرٍ فِي تَرْكِ اسْتِصْحَابِ السَّوْطِ وَنَحْوِهِ.
ب - لَوِ الْتَحَمَ الْقِتَال بَيْنَهُمَا، وَاشْتَدَّ الأْمْرُ عَنِ الضَّبْطِ فَلَهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا لَدَيْهِ، دُونَ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ.
стр. 3062
ج - إِذَا ظَنَّ الْمَصُولُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّائِل لَا يَنْدَفِعُ إِلاَّ بِالْقَتْل فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ دُونَ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، وَكَذَا إِنْ خَافَ أَنْ يَبْدُرَهُ بِالْقَتْل إِنْ لَمْ يَسْبِقْ هُوَ بِهِ فَلَهُ ضَرْبُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ، أَوْ يَقْطَعُ طَرَفَهُ. وَيُصَدَّقُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ إِمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِدُونِ مَا دَفَعَ بِهِ، لِعُسْرِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ.
د - إِذَا كَانَ الصَّائِل مُهْدَرَ الدَّمِ - كَمُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَزَانٍ مُحْصَنٍ - فَلَا تَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي حَقِّهِ بَل لَهُ الْعُدُول إِلَى قَتْلِهِ، لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ.
فائدة: ٧
هل يجب عليه الهرب إذا أمكنه ذلك؟
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ الْمَصُول عَلَيْهِ أَنْ يَهْرُبَ أَوْ يَلْتَجِئَ إِلَى حِصْنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ حَاكِمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْقِتَال، لأِنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَخْلِيصِ نَفْسِهِ بِالأْهْوَنِ فَالأْهْوَنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْدِل إِلَى الأْشَدِّ مَعَ إِمْكَانِ الأْسْهَل وَلأِنَّهُ أَمْكَنَهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ إِضْرَارِ غَيْرِهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ.
فائدة: ٨
في الحديث: أن من قتل دون ماله فهو شهيد.
المراد أنه شهيد الآخرة دون الدنيا، بل يغسل ويكفن ويصلى عليه. لأن الشهداء أقسام.
стр. 3063
قال النووي: اعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام:
أحدها: المقتول في حرب الكفار بسبب من أسباب القتال.
فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفى أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسل ولا يصلى عليه.
والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا.
وهو المبطون، والمطعون، وصاحب الهدم، ومن قتل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيداً، فهذا يغسل ويصلى عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
والثالث: من غل في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيداً إذا قتل في حرب الكفار.
فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يغسل ولا يصلى عليه وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة.
وقال النووي في المجموع: والدليل للقسم الثاني أن عمر وعثمان وعلياً ﵃ غسلوا وصلي عليهم بالاتفاق واتفقوا على أنهم شهداء. والله أعلم
стр. 3064
بَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْيِ
(إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ عَلَى الإْمَامِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ فَهُمْ بُغَاةٌ).
البغاة جمع باغ، وهو لغة: الظلم ومجاوزة الحد، سموا بذلك لظلمهم وعدولهم عن الحق.
واصطلاحاً: هم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ ولهم شوكة.
سموا بغاة لعدولهم عن الحق وما عليه أئمة المسلمين.
-والأصل في هذا الباب الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
وقوله ﷺ (من خرج على أمتي وهم جميع، فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) رواه مسلم.
وقال ﷺ (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله) رواه مسلم.
والبغي حرام، والبغاة آثمون.
قوله (إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ. . . .).
- يشترط في الخارجين على الإمام لكي يكونوا بغاة شروط:
أولاً: أن يكونوا مسلمين.
قال تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا … ).
فإذا خرج على الإمام ذميون أو مستأمنون فلا يعتبرون بغاة ولهم أحكامهم الخاصة.
стр. 3065
ثانياً: أن يكون لهم منعة وشوكة.
وهو أن يكون للبغاة منعة وقوة وشوكة يحتاج معها الإمام إلى إعداد جيش لقتالهم.
ثالثاً: أن يكون لهم تأويل سائغ.
والدليل على ذلك: هو ما حصل من الخارجين على علي من أهل الجمل وصفين، وذلك بأن قالوا إن علياً يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لمواطأته إياهم، وهذا تأويل اعتقدوا به على جواز الخروج على الإمام وهو علي بن أبي طالب.
ولا بد أن يكون التأويل سائغاً يصلح أن يعتمد عليه.
وقد ذكر ابن تيمية في تفريقه بين البغاة والخوارج بأن قتال أهل الجمل وصفين علياً كان بسبب اعتمادهم على تأويل سائغ.
أما المارقون من الخوارج فقاتلهم علي بسب تأويلهم الفاسد.
-فإن اختل شرط من ذلك بأن لم يخرجوا على إمام أو خرجوا على إمام بلا تأويل أو بتأويل غير سائغ أو كانوا جمعاً يسيراً لا شوكة لهم فقطاع طريق.
стр. 3066
فائدة:
ويعتبرون بغاة ولو كان الإمام ظالماً جائراً ما لم يحدث كفراً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح برٌ أو يُستراح من فاجر، ويدل لذلك قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ).
فهذه الآية دلت على وجوب طاعة ولي الأمر ولم تشترط عدالته.
(وعلى الإمام مراسلة البغاة، وإزالة ما ينقمون عليه مما لا يجوز وكشف شبههم).
هذا موقف الإمام من البغاة:
وهو أن يراسلهم فيسألهم ما ينقمون منه، لأن علياً أرسل ابن عباس إلى الخوارج الذين خرجوا عليه ليناظرهم، فناظرهم فرجع كثير منهم إلى الحق.
(فإن ذكروا مظلمة أزالها).
لقوله تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا).
لأن إزالة المظلمة وسيلة إلى الصلح المأمور به.
(وَإِنِ ادَّعَوْا شُبْهَةً كَشَفَهَا).
لأن في كشف شبهتهم رجوعاً إلى الحق.
لأن الله أمر بالإصلاح أولاً، والإصلاح إنما يكون بمراسلتهم وكشف شبهتهم وإزالة ما يدعونه من مظلمة.
стр. 3067
(فَإِنْ فَاؤُوا، وَإِلاَّ قَاتَلَهُمْ).
أي: انتهوا ورجعوا إلى صوابهم فهذا المطلوب، وإلا قاتلهم وجوباً لدفع شرهم.
أ-لقوله تعالى (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ).
ب-ولدفع شرهم وأذاهم على المسلمين.
ج- وللحفاظ على وحدة الدولة الإسلامية وعزتها.
(وعلى رعيته: معونته على قتالهم).
أي: ويجب على رعية الإمام مساعدته وتأييده على قتال البغاة.
لأن الصحابة قاتلوا مانعي الزكاة مع أبي بكر، وقاتلوا الخوارج مع علي.
ولأنهم لو تركوا معونة الإمام لقهره أهل البغي وظهر الفساد في الأرض.
(وإن قُتِل الدافع كان شهيداً).
الدافع: هو الذي يقاتل مع الإمام، لأن الإمام يلزمه قتال هؤلاء البغاة حتى يكف شرهم. فإذا قُتلَ هذا الدافع كان شهيداً لأنه قتل
مظلوماً، فهو يقاتل مع أهل الحق ضد أهل البغي.
(ولا يتّبع لهم مدبر)
أي: لا يقاتَل مدبرهم.
والمدبر: من ولى دبره وهرب.
(ولا يجهز على جريح).
أي: لا يقتل لهم جريح.
стр. 3068
(ولا يُغنمُ لهم مال).
أي: لا يجوز أخذ مال البغاة، لأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم.
(ولا تُسبَى لهم ذرية).
الذرية النساء والصبيان، والسبي الأخْذ.
فهؤلاء لا يجوز سبيهم.
لأن قتال البغاة إنما هو لدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم.
(ومن مات منهم غُسّل وكُفّنَ وصُليَ عليه).
لأنهم مسلمون.
الخلاصة:
أن قتال أهل البغي يختلف عن قتال الكفار من حيث القصد والهدف:
لأن القصد من قتالهم ردهم إلى الطاعة وردعهم عن التمرد ودرء الفتنة، لأنهم مسلمون.
الفرق بين قتالهم وقتال المشركين:
أولاً: أن القصد من قتالهم ردعهم بخلاف المشركين.
ثانياً: عدم جواز الإجهاز على جريح البغاة بعكس جريح المشركين فإنه يجوز الإجهاز عليه.
ثالثاً: أنه لا يقتل أسير البغاة بخلاف أسير المشركين فإنه يجوز قتله.
رابعاً: لا يتبع مدبرهم.
خامساً: أن أموال البغاة لا يجوز قسمتها ولا تسبى ذريتهم، لأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، بخلاف أموال المشركين فإنها غنيمة للمسلمين.
سادساً: أنه لا ينصب عليهم المنجنيق ومثله في عصرنا الحاضر المدافع والقنابل والطيارات.
سابعاً: لا تحرق مساكن البغاة ولا مصانعهم ولا يقطع نخيلهم وأشجارهم ولا يقطع الماء عنهم، بخلاف المشركين فإنه يستعمل معهم الوسائل المؤدية إلى استسلامهم والنصر عليهم.
стр. 3069
باب حكم المرتد
(وهو: من خرج عن دين الإسلام إلى الكفر بفعل أو قولٍ أو اعتقاد أو شك).
المرتد لغة: هو الراجع.
واصطلاحاً: هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر.
(فمن ارتد وهو مكلف مختار استتيب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل).
فالمرتد كافر يقتل كفراً لا حداً.
قال ابن قدامة: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَمُعَاذٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَخَالِدٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ، فَكَانَ إجْمَاعاً.
أ-عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ - (لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأُمِرَ بِهِ، فَقُتِلَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ (وَكَانَ قَدْ اُسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ) متفق عليه.
ب-وَعَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
стр. 3070
ج-وعن ابن مسعود. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه.
د-وقال ﷺ (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب وإلا فاضرب عنقه، وإيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها) سنده حسن كما قال الحافظ ابن حجر.
وهذا يدل على أن المرأة كالرجل وهو قول أكثر العلماء.
قال الترمذي بعد روايته لحديث (من بدل دينه فاقتلوه) هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ فِي المُرْتَدد.
وقال ابن عبد البر: وفقه هذا الحديث، أن من ارتد عن دينه حل دمه وضربت عنقه، والأمة مجتمعة على ذلك، وإنما اختلفوا في استتابته. (التمهيد).
وجاء في (الموسوعة الفقهية) اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِ تُهْدِرُ دَمَهُ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ (لَا يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُول اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ) رواه البخاري ومسلم، وَلِقَوْلِهِ ﷺ (مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) رواه البخاري، وَيَقْتُلُهُ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُه.
قال الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - والمرتد في الاصطلاح: هو الذي يكفر بعد إسلامه طوعاً، بنطق، أو اعتقاد، أو شك، أو فعل.
стр. 3071
والمرتد: له حكم في الدنيا، وحكم في الآخرة:
أما حكمه في الدنيا: فقد بيَّنه الرسول ﷺ بقوله: (مَنْ بدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)، وأجمع العلماء على ذلك، وما يتبع ذلك من عزل زوجته عنه، ومنعه من التصرف في ماله قبل قتله.
وأما حكمه في الآخرة: فقد بيَّنه الله تعالى: بقوله (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون).
والردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام، سواء كان جادّاً، أو هازلاً، أو مستهزئاً، قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُم). (الملخص الفقهي).
فائدة: ١
هل المرأة المرتدة كالرجل تقتل كما يقتل؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن المرأة المرتدة تقتل كالرجل.
قَالَ ابْن الْمُنْذِر: قَالَ الْجُمْهُور: تُقْتَل الْمُرْتَدَّة.
وقال ابن قدامة: أنه لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل.
روي ذلك عن أبي بكر، وعلي ﵄.
وبه قال الحسن، والزهري، والنخعي، وحماد، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق. (المغني).
أ- لعموم (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ).
стр. 3072
ب- وللحديث السابق (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب وإلا فاضرب عنقه، وإيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن
عادت وإلا فاضرب عنقها) سنده حسن كما قال الحافظ ابن حجر.
وهذا يدل على أن المرأة كالرجل وهو قول أكثر العلماء.
قال ابن حجر: وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث مَعَاذ ﷺ (أنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمَّا أَرسَلَهُ إِلَى الْيَمَن، قَالَ لَهُ: "أَيّمَا رَجُل ارْتَدَّ عَنْ الإسْلَام، فَادْعُهُ، فَإِنْ عَادَ، وَإلَّا فَاضْرِبْ عُنُقه، وَأَيّمَا امْرَأَة ارْتَدَّتْ عَنْ الإسْلَام، فادْعُها، فَإِنْ عَادَتْ، وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقها)
وَسَنَده حَسَن، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِع النِّزَاع، فَيَجِب الْمَصِير إِلَيْهِ.
وُيؤيِّدهُ اشْتِرَاك الرِّجال والنِّسَاء فِي الْحُدُود كُلّهَا، الزِّنَا، وَالسَّرِقَة، وَشُرْب الْخَمْر، وَالقَذْف، وَمِنْ صُوَر الزِّنَا رَجْم الْمُحْصَن حَتَّى يَمُوت، فَاسْتُثنِي ذَلِكَ مِنْ النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء، فَكَذَلِكَ يُسْتَثْنَى قَتْل الْمُرْتَدَّة. (الفتح).
стр. 3073
فائدة: ٢
الحكمة من قتل المرتد دون الكافر الأصلي.
قال ابن تيمية ﵀: فإنه لَوْ لَمْ يُقْتَلْ ذَلِكَ - أي المرتد - لَكَانَ الدَّاخِلُ فِي الدِّينِ يَخْرُجُ مِنْهُ، فَقَتْلُهُ حِفْظٌ لِأَهْلِ الدِّينِ وَلِلدِّينِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ النَّقْصِ، وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيه.
وقال ابن عاشور: وَحِكْمَةُ تَشْرِيعِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ - مَعَ أَنَّ الْكَافِرَ بِالْأَصَالَةِ لَا يُقْتَلُ - أَنَّ الِارْتِدَادَ خُرُوجُ فَرْدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَهُوَ بِخُرُوجِهِ مِنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، يُنَادِي عَلَى أَنَّهُ لَمَّا خَالَطَ هَذَا الدِّينَ وَجَدَهُ غَيْرَ صَالِحٍ، وَوَجَدَ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلَحَ، فَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالدِّينِ وَاسْتِخْفَافٌ بِه.
وَفِيهِ أَيْضًا تَمْهِيدُ طَرِيقٍ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْسَلَّ مِنْ هَذَا الدِّينِ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى انْحِلَالِ الْجَامِعَةِ، فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ لِذَلِكَ زَاجِرٌ، مَا انْزَجَرَ النَّاسُ، وَلَا نَجِدُ شَيْئًا زَاجِرًا مِثْلَ تَوَقُّعِ الْمَوْتِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ الْمَوْتُ هُوَ الْعُقُوبَةَ لِلْمُرْتَدِّ، حَتَّى لَا يَدْخُلَ أَحَدٌ فِي الدِّينِ إِلَّا عَلَى بَصِيرَةٍ، وَحَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْهُ أَحَدٌ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنِ الْإِكْرَاهِ فِي الدِّينِ الْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ هُوَ إِكْرَاهُ النَّاسِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَدْيَانِهِمْ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا هَذَا فَهُوَ مِنِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَقَاءِ فِي الْإِسْلَام. … (التحرير والتنوير).
فائدة: ٣
هل يستتاب أم لا؟
بعد أن اتفق أهل العلم على وجوب قتل المرتد، اختلفوا في وجوب استتابته على قولين:
القول الأول: أنه يستتاب وإلا قتل.
وهذا مذهب أكثر أهل العلم.
стр. 3074
قال ابن قدامة: المرتد لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ; مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. . . . لأَنَّ الرِّدَّةَ إنَّمَا تَكُونُ لِشُبْهَةٍ، وَلا تَزُولُ فِي الْحَالِ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْتَظَرَ مُدَّةً يَرْتَئِي فِيهَا، وَأَوْلَى ذَلِكَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ اهـ.
القول الثاني: أنه لا يجب استتابته.
وهذا قول الحسن وطاووس وأهل الظاهر.
لقوله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) ولم يذكر الاستتابة.
والراجح أن الأمر راجع إلى رأي الإمام ينظر حسب المصلحة.
فائدة: ٤
من الذي يتولى قتل المرتد؟
ولي الأمر.
قال ابن قدامة الحنبلي ﵀: قتل المرتد إلى الإمام، حراً كان أو عبداً، وهذا قول عامة أهل العلم، إلا الشافعي، في أحد الوجهين في العبد.
ويقول الحافظ ابن رجب ﵀: لا يجوز الافتئات عَلَى الأئمة ونوابهم، ولا إظهار مخالفتهم، ولو كانوا مفرطين في نفس الأمر، فإن تفريطهم عليهم لا عَلَى من لم يفرط، كما قال النبي ﷺ في الأئمة (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم) خرَّجه البخاري.
стр. 3075
فائدة: ٥
ما الفرق بين الكافر الأصلي والمرتد؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة.
منها: أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي.
ومنها: أن المرتد يقتل وإن كان عاجزا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد.
ومنها: أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي … إلى غير ذلك من الأحكام.
فائدة: ٦
بعض أسباب الردة:
قال مرعي الكرمي (في دليل الطالب) المرتد وهو من كفر بعد إسلامه ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور:
بالقول: كسب الله تعالى ورسوله أو ملائكته أو ادعاء النبوة أو الشرك له تعالى.
وبالفعل: كالسجود للصنم ونحوه وكإلقاء المصحف في قاذورة.
وبالاعتقاد: كاعتقاده الشريك له تعالى أو أن الزنا أو الخمر حلال أو أن الخبز حرام ونحو ذلك مما أجمع عليه إجماعا قطعيا.
стр. 3076
وبالشك في شيء من ذلك.
جاء في (الموسوعة الفقهية) الرِّدَّةُ: هِيَ كُفْرُ الْمُسْلِمِ بِقَوْلٍ صَرِيحٍ، أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ، أَوْ هِيَ: قَطْعُ الإِسْلَامِ بِنِيَّةِ الْكُفْرِ، أَوْ قَوْل الْكُفْرِ، أَوْ فِعْلٍ مُكَفِّرٍ، سَوَاءٌ قَالَهُ اسْتِهْزَاءً، أَمْ عِنَادًا، أَمِ اعْتِقَادًا، وَالرِّدَّةُ أَفْحَشُ الْكُفْرِ وَأَغْلَظُهُ حُكْماً.
وقال ابن قدامة: الْمُرْتَدُّ: هُوَ الرَّاجِعُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ إلَى الْكُفْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ.
فائدة: ٧
من ارتد في عهد النبوة:
أ-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رواه أبو داود والحاكم.
وقد بيّنت رواية أخرى أن النبي ﷺ أجاره بسبب أنه جاء تائبا من ردته، ورجع إلى الإسلام، وبايع الرسول ﷺ .
ب-وعَن البَرَاءِ، قَالَ: (مَرَّ بِي خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ وَمَعَهُ لِوَاءٌ، فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ؛ أَنْ آتِيَهُ بِرَأْسِه) رواه الترمذي.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى: سألت أبي عن حديث النبي ﷺ (أن رجلا تزوج امرأة أبيه، فأمر النبي ﷺ بقتله، وأخذ ماله) قال أبي: نرى، والله أعلم: أن ذلك منه على الاستحلال، فأمر بقتله بمنزلة المرتد، وأخذ ماله؟
стр. 3077
قال أبي: وكذلك المرتد: لا يرثه أهله، لأن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر). انتهى. "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله).
ج- وعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( … اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، إِلَى اليَمَنِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، قَالَ: انْزِلْ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: اجْلِسْ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ). فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. . .) رواه البخاري ومسلم.
فائدة: ٨
إشكال:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: (لَمَّا نَزَلْنَا عَلَى تُسْتَرَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي الْفَتْحِ، وَفِي قُدُومِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ عُمَرُ: يَا أَنَسُ! مَا فَعَلَ الرَّهْطُ السِّتَّةُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ فَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: فَأَخَذْتُ بِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِيَشْغَلَهُ عَنْهُمْ، قَالَ: مَا فَعَلَ الرَّهْطُ السِّتَّةُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ فَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قُتِلُوا فِي الْمَعْرَكَةِ، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهَلْ كَانَ سَبِيلُهُمْ إِلَّا الْقَتْلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَوَا اسْتَوْدَعْتُهُمُ السِّجْنَ) رواه البيهقي.
وهذا الأثر، لا يدل على أن عمر ﵁ كان لا يرى قتل المرتد، فقد نقل أهل العلم اتفاق السلف على قتل المرتد، ولم يذكروا أن عمر خالف في ذلك، وإنما غاية ما نقلوا عنه أنه كان يرى استتابة المرتد والتأنّي به قبل قتله.
стр. 3078
وقد ورد عنه الأمر بقتل المرتد:
فقد روى عبد الرزاق عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (أَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَوْمًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنْ اعْرِضْ عَلَيْهِمْ دِينَ الْحَقِّ، وَشَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ قَبِلُوهَا فَخَلِّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوهَا فَاقْتُلْهُمْ، فَقَبِلَهَا بَعْضُهُمْ فَتَرَكَهُ، وَلَمْ يَقْبَلْهَا بَعْضُهُمْ فَقَتَلَه).
ولهذا قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى عن رواية السجن تلك: يعني استودعتهم السجن حتى يتوبوا، فإن لم يتوبوا قتلوا، هذا لا يجوز غيره؛ لقول رسول الله ﷺ (من بدل دينه، فاضربوا عنقه). … (الاستذكار).
فائدة: ٩
المرتد إذا قُتل فإنه يموت كافراً فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويوم القيامة يكون من أصحاب النار الذي هم فيها خالدون.
وقد لفظت الأرض مرتدّاً في زمان النبي ﷺ ، عبرةً وعظة للناظرين.
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَعَادَ نَصْرَانِيًّا فَكَانَ يَقُولُ مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلاَّ مَا كَتَبْتُ لَهُ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقُوهُ فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَأَلْقَوْه) رواه البخاري ومسلم وفي آخره - عنده - فتركوه منبوذاً -.
стр. 3079
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فهذا الملعون الذي افترى على النبي ﷺ أنه ما كان يدري إلا ما كتب له قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مراراً، وهذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذا كان عقوبة لما قاله وأنه كان كاذباً إذ كان عامَّة الموتى لا يصيبهم مثل هذا، وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد؛ إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا، وأن الله منتقم لرسوله ﷺ ممن طعن عليه وسبَّه، ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذ لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد. (الصارم).
فائدة: ١٠
قتل المرتد لا يعتبر حدًّا، وإنما هو عقوبة دنيوية يعقبها العقاب الأخروي، ومن الخطأ إدخاله في الحدود.
قال في (كشاف القناع) ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه، حرا كان المرتد أو عبدا لأنه قتل لحق الله تعالى، فكان إلى الإمام أو نائبه، كقتل
الحر، ولا يعارضه قوله ﷺ (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)؛ لأن قتل المرتد لكفره، لا حداً " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين: الحد إذا بلغ الإمام لا يستتاب صاحبه، بل يقتل بكل حال. أما الكفر، فإنه يستتاب صاحبه.
وهذا هو الفرق بين الحد، وبين عقوبة الكفر.
وبهذا نعرف خطأ من أدخل حكم المرتد في الحدود، وذكروا من الحدود قتل الردة، فقتل المرتد ليس من الحدود؛ لأنه يستتاب، فإذا تاب، ارتفع عنه القتل.
وأما الحدود، فلا ترتفع بالتوبة؛ إلا أن يتوب قبل القدرة عليه، ثم إن الحدود كفارة لصاحبها، وليس بكافر.
والقتل بالردة ليس كفارة، وصاحبها كافر، لا يصلى عليه، ولا يغسل، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
стр. 3080
كِتَابُ الأْطْعِمَةِ
الطعام في اللغة يطلق في الغالب على ما يؤكل، وقد يطلق على ما يشرب بقلة.
كقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ).
وقال ﷺ في زمزم (إنها طعام طُعْم).
(الأَصْلُ فِيهَا الْحِلُّ).
أي: أن الأصل في الأطعمة الحل.
أ-لقوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً).
قال في تفسير المنار: وهذه نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء: أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، والمراد إباحة الانتفاع بها أكلاً وشرباً ولباساً وتداوياً وركوباً وزينة.
ب- وقال تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ).
دلت هذه الآية على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة، لأن الاستفهام في (مَن) للإنكار، ومن هذا يعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في هذه الأشياء التي هي من أنواع الزينة وكل ما يتجمل به ومن الطيبات من الرزق هو الحل.
ج- وقال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ).
وجه الدلالة: أنه إذا كان ما في الأرض مسخراً لنا، جاز استمتاعنا به، وهذا معنى الإباحة.
وقال ﷺ (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) رواه الدار قطني.
стр. 3081
(وهو نوعَان حيوانٌ وغيرهُ).
اعلم أن الأطعمة نوعان:
حيوانية: والحيوان بري وبحري.
غير حيوانية: مثل النبات والثمار والجامدات والمائعات.
(فأما غير الحيوانِ فكلهُ مباحٌ إلا ما كان نجساً أو مُضراً).
لأن الأصل في الأطعمة الحل كما سبق.
(إلا ما كان نجساً).
أي: يستثنى من هذا النوع النجس، فلا يجوز أكله: كالدم والميتة.
والدليل على تحريم ما فيه نجاسة:
قوله تعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ).
(أو مُضراً).
ويستثنى أيضاً ما كان مضراً: كالسم ونحوه، فإنه حرام.
والدليل على تحريم ما فيه مضرة:
قوله تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وقال تعالى (ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ).
والنهي عن قتل النفس نهي عن أسباب القتل. ولذا عُدّ من أطعم السم لغيره قاتلاً.
ومثل السم الدخان، حيث أثبتت التجارب أنه مضر بالصحة، وفيه أيضاً إضاعة للمال.
تنبيه:
ما كان مضراً سواء كان ضرره عاماً أو خاصاً. العام: كالسم، والخاص: أكل ما فيه مضرة لهذا الشخص بعينه، كما لو كان أكله لهذا الطعام يسبب له مرضاً أو هلاكاً. وإن كان هذا الطعام لو أكله غيره لم يتضرر.
стр. 3082
(والأشربةُ كلُّها مباحٌ إلا ما أسكر).
كما تقدم أن الأصل في ذلك الإباحة، إلا ما كان مسكراً فإنه يحرم كما تقدم أدلة ذلك في باب حد الخمر.
فيستثنى من الأشربة المسكر فيحرم شربه.
ضابط الإسكار: إذهاب العقل على وجه اللذة والطرب، ولهذا قال عمر (الخمر ما خامر العقل) أي ما غطاه.
والدليل على تحريم شرب المسكر:
قال تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال ﷺ (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام).
وقال ﷺ (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه) رواه أبوداود.
وقال ﷺ (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة) متفق عليه.
وقال ﷺ (كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَق فملء الكف منه حرام) رواه أبوداود. [الفرق] إناء يسع ٣ آصع.
وقال ﷺ (ما أسكر كثيره فقليله حرام).
معنى هذا الحديث: أن هذا الشراب لو أكثرت منه سكرت وإذا لم تكثر منه لم تَسْكر، فالقليل منه حرام.
مثال: لو شربت منه قارورة سكرت، ولو شربت فنجان لم تسكر - فنقول شرب الفنجان حرام.
وسبقت الأدلة.
стр. 3083
(وإنْ تخللتْ الخمرُ طهرتْ وحلّتْ).
أي: إن تخللت بنفسها بدون فعل آدمي: فإنها تطهر.
قال النووي: وأجمعوا على أنها إذا انقلبت بنفسها خلاً طهرت، وقد حكي عن سحنون أنها لا تطهر، فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من قبله.
(وإنْ خُلِّلتْ لم تطهرْ).
أي: وإن تخللت بفعل آدمي؟ كما لو تخللت بأن أضاف إليها إنسان شيئاً، أو نقلها من الشمس إلى الظل أو العكس؟
فإنها لا تطهر.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِك قَالَ: (سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا? قَالَ: لَا) رواه مسلم.
وجاء في رواية عند أبي داود وأحمد: (أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً، فقال النبي ﷺ : أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلاً؟ قال: لا).
(تُتَّخَذُ خَلًّا) المراد باتخاذها خلاً هو علاجها حتى تصير خلاً بعدما تشتد وتقذف الزبد، وذلك بوضع شيء فيها، كبصل أو خبز أو
خميرة ونحو ذلك، أو ينقلها من الظل إلى الشمس أو بالعكس.
ووجه الدلالة: أنه لو كان هناك طريق للانتفاع لتطهير الخمر لأرشد إليه النبي ﷺ حفظاً للأموال، وأيضاً كما في الرواية الأخرى: (كانت لأيتام) والأيتام أولى بحفظ أموالهم، فلو كان تخليلها جائزاً لأرشد إليه النبي ﷺ .
وكذلك قوله (أهرقها) دليل على أنه لا يجوز تخليلها، لأنه يجب إراقتها ولا يجوز اقتناؤها.
стр. 3084
(والحيوانات قسمان: بحريّ وبريّ، فأما البحري فكلُّه حلال).
أي: أن الحيوانات تنقسم إلى قسمين كما سبق بحري وبري.
أما البحري: فهو حلال كله.
والمراد بالبحري: ما لا يعيش إلا في البحر بحيث لو خرج من البحر لهلك.
أ-قال تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة).
قال ابن عباس: صيد البحر ما أخذ حي، وطعامه ما أخذ ميتاً.
ب-وعن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود.
وهذا دليل على حل جميع حيوان البحر سواء أخذ حياً أو ميتاً.
فكلب البحر حلال، وخنزير البحر حلال.
(إلا الحية).
يعني إلا حية البحر فإنها لا تحل.
والراجح أن جميع ما في البحر حلال.
(والتمساح).
أي: إلا التمساح فلا يحل.
وهذا قول الجمهور.
وذهب المالكية إلى الجواز، وهو رواية عن أحمد ﵀.
стр. 3085
واختاره الشيخ ابن عثيمين.
وحجة من حرمه أن له نابا يفترس به.
وحجة من أباحه دخوله في عموم قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ).
وقول النبي ﷺ في البحر (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته).
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: أيحل أكل التمساح؟
فأجابوا: أما التمساح فقيل: يؤكل كالسمك؛ لعموم ما تقدم من الآية والحديث، وقيل: لا يؤكل؛ لكونه من ذوات الأنياب من السباع، والراجح الأول.
(والضفدع).
أي: وإلا الضفدع فلا يحل أكله.
لنهي النبي ﷺ عن قتلها.
كما في حديث عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ (أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ، يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا) رواه أبو داود
والقاعدة: أن كل ما نهي عن قتله فلا يجوز أكله، إذ لو جاز أكله جاز قتله.
قَالَ الخطابي: فِي هَذَا دليل عَلَى أن الضفدع مُحَرَّم الأكل، وأنه غير داخل فيما أبيح منْ دواب الماء، وكل منهي عن قتله منْ الحيوان، فإنما
هو لأحد أمرين: إما لحرمة فِي نفسه، كالآدمي، وإما لتحريم لحمه، كالصرد، والهدهد، ونحوهما، وإذا كَانَ الضفدع ليس بمحرم، كالآدمي، كَانَ النهي فيه منصرفا إلى الوجه الآخر، وَقَدْ نهى رسول الله ﷺ عن ذبح الحيوان، إلا لمأكله.
следующие страницы →