← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

(وهو نوعَان حيوانٌ وغيرهُ). اعلم أن الأطعمة نوعان: حيوانية: والحيوان بري وبحري. غير حيوانية: مثل النبات والثمار والجامدات والمائعات. (فأما غير الحيوانِ فكلهُ مباحٌ إلا ما كان نجساً أو مُضراً). لأن الأصل في الأطعمة الحل كما سبق. (إلا ما كان نجساً). أي: يستثنى من هذا النوع النجس، فلا يجوز أكله: كالدم والميتة. والدليل على تحريم ما فيه نجاسة: قوله تعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ). (أو مُضراً). ويستثنى أيضاً ما كان مضراً: كالسم ونحوه، فإنه حرام. والدليل على تحريم ما فيه مضرة: قوله تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وقال تعالى (ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ). والنهي عن قتل النفس نهي عن أسباب القتل. ولذا عُدّ من أطعم السم لغيره قاتلاً. ومثل السم الدخان، حيث أثبتت التجارب أنه مضر بالصحة، وفيه أيضاً إضاعة للمال. تنبيه: ما كان مضراً سواء كان ضرره عاماً أو خاصاً. العام: كالسم، والخاص: أكل ما فيه مضرة لهذا الشخص بعينه، كما لو كان أكله لهذا الطعام يسبب له مرضاً أو هلاكاً. وإن كان هذا الطعام لو أكله غيره لم يتضرر.

стр. 3082

(والأشربةُ كلُّها مباحٌ إلا ما أسكر). كما تقدم أن الأصل في ذلك الإباحة، إلا ما كان مسكراً فإنه يحرم كما تقدم أدلة ذلك في باب حد الخمر. فيستثنى من الأشربة المسكر فيحرم شربه. ضابط الإسكار: إذهاب العقل على وجه اللذة والطرب، ولهذا قال عمر (الخمر ما خامر العقل) أي ما غطاه. والدليل على تحريم شرب المسكر: قال تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). وقال ﷺ (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام). وقال ﷺ (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه) رواه أبوداود. وقال ﷺ (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة) متفق عليه. وقال ﷺ (كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَق فملء الكف منه حرام) رواه أبوداود. [الفرق] إناء يسع ٣ آصع. وقال ﷺ (ما أسكر كثيره فقليله حرام). معنى هذا الحديث: أن هذا الشراب لو أكثرت منه سكرت وإذا لم تكثر منه لم تَسْكر، فالقليل منه حرام. مثال: لو شربت منه قارورة سكرت، ولو شربت فنجان لم تسكر - فنقول شرب الفنجان حرام. وسبقت الأدلة.

стр. 3083

(وإنْ تخللتْ الخمرُ طهرتْ وحلّتْ). أي: إن تخللت بنفسها بدون فعل آدمي: فإنها تطهر. قال النووي: وأجمعوا على أنها إذا انقلبت بنفسها خلاً طهرت، وقد حكي عن سحنون أنها لا تطهر، فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من قبله. (وإنْ خُلِّلتْ لم تطهرْ). أي: وإن تخللت بفعل آدمي؟ كما لو تخللت بأن أضاف إليها إنسان شيئاً، أو نقلها من الشمس إلى الظل أو العكس؟ فإنها لا تطهر. وهذا مذهب جمهور العلماء. لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِك قَالَ: (سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا? قَالَ: لَا) رواه مسلم. وجاء في رواية عند أبي داود وأحمد: (أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً، فقال النبي ﷺ : أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلاً؟ قال: لا). (تُتَّخَذُ خَلًّا) المراد باتخاذها خلاً هو علاجها حتى تصير خلاً بعدما تشتد وتقذف الزبد، وذلك بوضع شيء فيها، كبصل أو خبز أو خميرة ونحو ذلك، أو ينقلها من الظل إلى الشمس أو بالعكس. ووجه الدلالة: أنه لو كان هناك طريق للانتفاع لتطهير الخمر لأرشد إليه النبي ﷺ حفظاً للأموال، وأيضاً كما في الرواية الأخرى: (كانت لأيتام) والأيتام أولى بحفظ أموالهم، فلو كان تخليلها جائزاً لأرشد إليه النبي ﷺ . وكذلك قوله (أهرقها) دليل على أنه لا يجوز تخليلها، لأنه يجب إراقتها ولا يجوز اقتناؤها.

стр. 3084

(والحيوانات قسمان: بحريّ وبريّ، فأما البحري فكلُّه حلال). أي: أن الحيوانات تنقسم إلى قسمين كما سبق بحري وبري. أما البحري: فهو حلال كله. والمراد بالبحري: ما لا يعيش إلا في البحر بحيث لو خرج من البحر لهلك. أ-قال تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة). قال ابن عباس: صيد البحر ما أخذ حي، وطعامه ما أخذ ميتاً. ب-وعن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود. وهذا دليل على حل جميع حيوان البحر سواء أخذ حياً أو ميتاً. فكلب البحر حلال، وخنزير البحر حلال. (إلا الحية). يعني إلا حية البحر فإنها لا تحل. والراجح أن جميع ما في البحر حلال. (والتمساح). أي: إلا التمساح فلا يحل. وهذا قول الجمهور. وذهب المالكية إلى الجواز، وهو رواية عن أحمد ﵀.

стр. 3085

واختاره الشيخ ابن عثيمين. وحجة من حرمه أن له نابا يفترس به. وحجة من أباحه دخوله في عموم قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ). وقول النبي ﷺ في البحر (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته). وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: أيحل أكل التمساح؟ فأجابوا: أما التمساح فقيل: يؤكل كالسمك؛ لعموم ما تقدم من الآية والحديث، وقيل: لا يؤكل؛ لكونه من ذوات الأنياب من السباع، والراجح الأول. (والضفدع). أي: وإلا الضفدع فلا يحل أكله. لنهي النبي ﷺ عن قتلها. كما في حديث عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ (أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ، يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا) رواه أبو داود والقاعدة: أن كل ما نهي عن قتله فلا يجوز أكله، إذ لو جاز أكله جاز قتله. قَالَ الخطابي: فِي هَذَا دليل عَلَى أن الضفدع مُحَرَّم الأكل، وأنه غير داخل فيما أبيح منْ دواب الماء، وكل منهي عن قتله منْ الحيوان، فإنما هو لأحد أمرين: إما لحرمة فِي نفسه، كالآدمي، وإما لتحريم لحمه، كالصرد، والهدهد، ونحوهما، وإذا كَانَ الضفدع ليس بمحرم، كالآدمي، كَانَ النهي فيه منصرفا إلى الوجه الآخر، وَقَدْ نهى رسول الله ﷺ عن ذبح الحيوان، إلا لمأكله.

стр. 3086

وقال الشنقيطي: وَالظَّاهِرُ مَنْعُ أَكْلِ الضَّفَادِعِ مُطْلَقًا; لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ»: وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ الصَّحَابِيِّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلَ طَبِيبٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ فَنَهَاهُ عَنْ قَتْلِهَا. وذهب بعض العلماء إلى جواز أكله. لعموم قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ). ولقوله ﷺ (. . . الحل ميتته). (وأما البري فمباحة). لما سبق أن الأصل في الأشياء الحل. (إِلاَّ الْحُمُرَ الأَهْليَّةَ) أي: أن الحمُر الأهلية حرام. أ-عَنْ جَابِرٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّه ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ اَلْأَهْلِيَّةِ، وَأْذَنْ فِي لُحُومِ اَلْخَيْلِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ب-و أنس قال (لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: إِنَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُر اَلْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْس) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ج- وعن ابن عمر ﷺ قال (أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية) متفق عليه. د- وعن علي ﷺ قال (إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية) متفق عليه. هـ- وعن ابن أبي أوفى قال (نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر) رواه البخاري. فهذه الأحاديث فيها النهي الصريح عن لحوم الحمر الأهلية.

стр. 3087

قال ابن قدامة: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ: خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَرِهُوهَا. وقال النووي: فَقَالَ الْجَمَاهِير مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ بِتَحْرِيمِ لُحُومهَا لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة، وَقَالَ اِبْن عَبَّاس: لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، وَعَنْ مَالِك ثَلَاث رِوَايَات: أَشْهَرهَا أَنَّهَا مَكْرُوهَة كَرَاهِيَة تَنْزِيه شَدِيدَة، وَالثَّانِيَة: حَرَام، وَالثَّالِثَة: مُبَاحَة، وَالصَّوَاب التَّحْرِيم كَمَا قَالَهُ الْجَمَاهِير لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَة. وقال ابن القيم: أحاديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية رواها عن النبي ﷺ علي، وجابر، والبراء، وابن أبي أوف، و. . .، والعرباض، وأبو ثعلبة، وابن عمر، وأبو سعيد، وسلمة، … فائدة: ١ العلة في النهي عنها: قيل: لحاجتهم إليها. فقد جاء في حديث ابن عمر (. . . وكان الناس قد احتاجوا إليها). لكن يرد هذا القول حديث: (أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر وأذن في لحوم الخيل) فلو كان النهي من أجل أنها حمولة الناس لكان النهي عن لحوم الخيل أولى. وقيل: لأنها كانت تأكل العذرة. عَنْ غَالِب بْن أَبْجَرَ قَالَ (أَصَابَتْنَا سَنَة فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شَيْء أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا شَيْء مِنْ حُمُر، وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ حَرَّمَ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة، فَأَتَيْت النَّبِيّ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُول اللَّه أَصَابَتْنَا السَّنَة فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا سِمَان حُمُر، وَإِنَّك حَرَّمْت لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة، فَقَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِين حُمُرك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْل جَوَّال الْقَرْيَة). (يَعْنِي بِالْجَوَّالِ الَّتِي تَأْكُل الْجُلَّة، وَهِيَ الْعُذْرَة).

стр. 3088

قال النووي: فَهَذَا الْحَدِيث مُضْطَرِب مُخْتَلَف الْإِسْنَاد شَدِيد الِاخْتِلَاف، وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الْأَكْل مِنْهَا فِي حَال الِاضْطِرَار وَاللَّهُ أَعْلَم. وقال الشنقيطي: قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ الْمُهَذَّبِ»: اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِ هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ يُخْتَلَفُ فِي إِسْنَادِهِ، يَعْنُونَ مُضْطَرِبًا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تُعَارَضُ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا. وقيل: إنه إنما حرمت لأنها رجس في نفسها. قال ابن القيم: وهذا أصح العلل، فإنها هي التي ذكرها رسول الله ﷺ بلفظه في الصحيحين. (إِنَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمر اَلْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْس). فائدة: ٢ أكل الحمر الوحشية: حلال. فقد جاء في حديث جابر قال (أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي) رواه مسلم. وفي حديث أبي قتادة قال: (قلت: يا رسول الله، أصبت حمار وحش وعندي منه فاضلة، فقال للقوم: كلوا، وهم محرمون). متفق عليه فقد أمر ﷺ الصحابة بالأكل من حمار الوحش وهم محرمون، وهذا دليل على حله.

стр. 3089

(والبغال). أي: وكذا البغال محرمة. والبغل: حيوان متولد بين الحمار والفرس. لحَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ (حَرَّمَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ) أَصْلُ حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ، بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَالشَّوْكَانِيُّ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تفسيره: وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ (ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِغَالِ وَالْحُمُرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ). قال الشنقيطي: وَهُوَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْبِغَالِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهَا مُتَوَلَّدَةٌ عَنِ الْحَمِيرِ وَهِيَ حَرَامٌ قَطْعًا; لِصِحَّةِ النُّصُوصِ بِتَحْرِيمِهَا وقال ابن قدامة: وَالْبِغَالُ حَرَامٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ حَرَّمَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهَا، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ الشَّيْءِ لَهُ حُكْمُهُ فِي التَّحْرِيمِ. قَالَ قَتَادَةُ: مَا الْبَغْلُ إلَّا شَيْءٌ مِنْ الْحِمَارِ. وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ (ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْ الْخَيْلِ). قال ابن قدامة ﵀: والبغال حرام (أي: أكلها) عند كل من حرم الحمر الأهلية; لأنها متولدة منها، والمتولد من الشيء له حكمه في التحريم. جاء في (الموسوعة الفقهية): مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَالثَّانِي حَلَالٌ مَعَ الإْباحَةِ أَوْ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الصِّنْفِ: الْبِغَال: قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْبَغْل وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُتَوَلِّدَاتِ يَتْبَعُ أَخَسَّ الأْصْلَيْنِ. وَحُجَّتُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ يَتْبَعُ أَخَسَّ الأْصْلَيْنِ، أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُمَا فَيَجْتَمِعُ فِيهِ حِلٌّ وَحُرْمَةٌ، فَيُغَلَّبُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا. وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي، أَوِ الْحَاظِرُ وَالْمُبِيحُ، غُلِّبَ جَانِبُ الْمَانِعِ الْحَاظِرِ احْتِيَاطًا.

стр. 3090

(وَمَا لَهُ نَابٌ يَفْتَرِسُ بِه). أي: ويحرم كل ما له ناب من السباع. كَالأْسَدِ، وَالنِّمْرِ، وَالذِّئْبِ، وَالْفِيلِ، وَالْفَهْدِ، وَالْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَابْنِ آوَى، وَابْنِ عِرْسٍ، وَالسِّنَّوْرِ، وَالنِّمْسِ، وَالْقِرْدِ، وَالدُّبِّ أ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ اَلسِّبَاعِ، فَأَكَلَهُ حَرَامٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ) رواه مسلم. ج- وعَنْ أَبِى ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) متفق عليه. وهذا قول جماهير العلماء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وإحدى الروايتين عن مالك. قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَدَاوُد وَالْجُمْهُور أَنَّهُ يَحْرُم أَكْل كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع وَكُلّ ذِي مِخْلَب مِنْ الطَّيْر. وقال ابن قدامة: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي نَابٍ قَوِيٍّ مِنْ السِّبَاعِ، يَعْدُو بِهِ وَيَكْسِرُ، إلَّا الضَّبُعَ. وقال الشوكاني: وفي الحديث دليل على تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وإلى ذلك ذهب الجمهور.

стр. 3091

فائدة: ١ الحكمة من تحريم أكلها: قال ابن القيم: السبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المتغذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي. وقال ابن عثيمين: ولأن الحكمة تقتضيه؛ لأن للغذاء تأثيراً على المُتَغَذِّي به، فالإنسان ربما إذا اعتاد التغذِّي على هذا النوع من اللحوم صار فيه محبة العدوان على الغير؛ لأن ذوات الناب من السباع تعتدي، فإن الذئب مثلاً إذا رأى الغنم عدى عليها، ومع ذلك فإن بعض الذئاب إذا دخل في القطيع ما يكتفي بقتل واحدة ويأكلها، بل يمر على القطيع كله فيقتله كله، ويأكل ما شاء ثم يخرج. فائدة: ٢ ما الجواب عن قوله تعالى (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) حيث استدل بها بعض العلماء على الكراهة دون التحريم؟ الجواب: أن الآية مكية نزلت قبل الهجرة، قصد بها الرد على أهل الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ثم بعد ذلك حرم أمور كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، فالآية ليس فيها إلا الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرماً إلا المذكورات في الآية، ثم أوحي إليه بتحريم كل ذي ناب من السباع. (أحكام الأطعمة الفوزان). وقال النووي: وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيث قَالُوا: وَالْآيَة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْإِخْبَار بِأَنَّهُ لَمْ يَجِد فِي ذَلِكَ الْوَقْت مُحَرَّمًا إِلَّا الْمَذْكُورَات فِي الْآيَة، ثُمَّ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِتَحْرِيمِ كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع، فَوَجَبَ قَبُوله وَالْعَمَل بِهِ.

стр. 3092

وقال الشنقيطي: الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحَانُهُ بِالدَّلِيلِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ: مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِطَرِيقٍ صَحِيحَةٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُّنَّةٍ فَهُوَ حَرَامٌ، وَيُزَادُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَاتِ، وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ أَيُّ مُنَاقَضَةٍ لِلْقُرْآنِ; لِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَزِيدَةَ عَلَيْهَا حُرِّمَتْ بَعْدَهَا، … فَوَقْتُ نُزُولِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا غَيْرَ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَحَصْرُهَا صَادِقٌ قَبْلَ تَحْرِيمِ غَيْرِهَا بِلَا شَكٍّ، فَإِذَا طَرَأَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ آخَرَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، فَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْحَصْرَ. (غَيْرَ الضَّبُعِ). أي: فإنه حلال. و (اَلضَّبُع) هو الواحد الذكر والأنثى ضبعان ولا يقال ضبعة، ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكراً، وسنة أنثى فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بني آدم. (نيل الأوطار). فالمذهب أنه حلال. وروى ابن أبي شيبة في (المصنف) وعبد الرزاق في (المصنف) هذا القول عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري ﵃ جميعاً. وعزاه ابن المنذر في (الأوسط) لأكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: وقد اختلف أهل العلم في أكل الضبع فرخص أكثر أهل العلم فيه. وعَنْ اِبْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ (قُلْتُ لِجَابِرٍ: اَلضَّبُعُ صَيْدُ هِيَ? قَالَ: نِعْمَ. قُلْتُ: قَالَهُ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: نِعْمَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةَ. ولفظ أبي داود عن جابر قال (هو صيد ويجعل فيه كبش إذا أصابه المحرم). وجه الدلالة من الحديث: أن جعل الضبع صيداً.

стр. 3093

وذهب بعض العلماء: إلى أنه حرام. وهو قول الحنفية وجماعة من العلماء. واستدلوا بعموم حديث (نهى عن كل ذي ناب من السباع). قالوا: والضبع لها ناب تصيد به فتدخل تحت الحديث. والراجح الأول. فائدة: فإن قيل: ما الجواب عن حديث (نهى عن كل ذي ناب من السباع)؟ أجابوا بجوابين: الأول: قالوا بتخصيص الضبع من عموم حديث تحريم كل ذي ناب من السباع، ودليل التخصيص هو حديث جابر ﵁، فيحرم كل ذي ناب من السباع إلا الضبع. الثاني: أجاب بعضهم بأن الضبع لا يشمله حديث التحريم أصلاً، لأنه ليس من السباع العادية. قال ابن القيم: فإنه ﷺ إنما حرم ما اشتمل على الوصفين، أن يكون له ناب وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد، والذئب، والنمر، والفهد، وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين؛ وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المتغذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمتغذي، ولا ريب أن القوة السبعية في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تعد الضبع من السباع لغة ولا عرفاً. (إعلام الموقعين).

стр. 3094

وقال ﵀: فَحرم على الأمة أكلها (أي السباع ذوات الأنياب) وَلم يحرم عَلَيْهِم الضبع وان كَانَ ذَا نَاب فَإِنَّهُ لَيْسَ من السبَاع عِنْد أحد من الأمم، وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا كَانَ لما تضمن الوصفين أن يكون ذَا نَاب وأن يكون من السبَاع. (مفتاح دار السعادة). تنبيه: استدل بعضهم على تحريم أكل الضبع بما أخرجه الترمذي من حديث خزيمة بن جزء قال (سألت رسول الله ﷺ عن الضبع فقال أو يأكل الضبع أحد) وفي رواية (ومن يأكل الضبع) فيجاب بأن هذا الحديث ضعيف لأن في إسناده عبد الكريم بن أمية وهو متفق على ضعفه والراوي عنه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. (نيل الأوطار). (وَمَا لَهُ مِخْلَبٌ مِنَ الطَّيْرِ يَصِيدُ بِهِ). أي: ومما يحرم أكله ماله مخلب من الطير يصيد به. للأحاديث السابقة. كَالْعُقَابِ، وَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالبَاشِقِ، وَالحِدَأَةِ، وَالْبُومَةِ، وَمَا يَأْكُلُ الجِيَفَ كَالنِّسْرِ، وَالرَّخْمِ، وَاللَّقْلَقِ، وَالْعَقْعَقِ، وَالْغُرَابِ الأْبْقَعِ، وَالْغُدَافِ، وَهُوَ أَسْوَدُ صَغِيرٌ أَغْبَرُ، وَالْغُرَابِ الأْسْوَدِ الْكَبِير. (وجميع الخبائث محرمة كالحشرات ونحوها). لأنها مستخبثة، وقد قال تعالى (ويحرم عليهم الخبائث). كالخنافس والذباب والصراصير والعقارب والحيات والوزغ. قال الشنقيطي: هذه خبائث لا يكاد طبع سليم يستسيغها، فضلاً عن أن يستطيبها، والذين يأكلون مثل هذه الحشرات من العرب إنما يدعوهم لذلك شدة الجوع.

стр. 3095

فائدة: حكم ما تولد بين نوعين: ما تولد بين نوعين حلالين: فهذا حلال ولا إشكال. ما تولد بين نوعين محرّمين، فهذا محرم ولا إشكال. ما تولد بين نوعين أحدهما محرم والآخر مباح: فهذا محرم. كالبغل فإنه تولد من الفرس والحمار، فهذا حرام وهو قول الجماهير. لأنه اجتمع فيه حل (نظراً إلى الفرس) وحرمة (نظراً إلى الحمار) فيغلب جانب الحرمة احتياطاً. (وكل ما أمر الشارع بقتله، أو نهى عن قتله فهو حرام). هذه قاعدة مفيدة: فالذي نهى النبي ﷺ عن قتلها: عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعِ مِنْ اَلدَوَابِّ: اَلنَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ) رواه أبو داود. فنستفيد: تحريم أكل هذه الدواب، لأنه لو حلّ أكلها لما نهي عن قتلها، فكل شيء نهى الشرع عن قتله فأكله حرام. ولأنا لو قتلناه لوقعنا فيما نهى الشارع عنه. ولأنه لو كان حلال الأكل لما نهىَ عن قتله. والذي أمر النبي ﷺ بقتله: عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (خَمْسٌ مِنَ اَلدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي [اَلْحِلِّ وَ] اَلْحَرَمِ: اَلْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ اَلْعَقُورُ) متفق عليه. وكذلك الوزغ (فقد أمر النبي ﷺ بقتلها) متفق عليه. فهذه يحرم أكلها: لأنه لو كان الانتفاع بأكلها جائزاً لما أذن ﷺ بقتلها. ولما فيها من الإيذاء والتعدي.

стр. 3096

فائدة: اختلف العلماء في أكل القنفذ على قولين: القول الأول: أنه حلال. وهذا مذهب الشافعي. واختاره ابن حزم، وابن المنذر، والشوكاني، وابن باز. لأن العرب تستطيبه لطيب أكله. القول الثاني: أنه حرام. وهذا قول الحنفية والحنابلة. لحديث اِبْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اَلْقُنْفُذِ، فَقَالَ (قُلْ لَا أَجدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ) فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: - ذُكِرَ عِنْدَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ (خِبْيثَة مِنْ اَلْخَبَائِثِ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيف. حيث جعل القنفذ من جملة الخبائث. وهذا الحديث ضعيف لا يصح. قال الإمام البيهقي: لم يرو إلا من وجه واحد وهو ضعيف لا يحتج به، فلم يثبت شيء في تحريم القنفذ. قال ابن حزم: والخبر الذي فيه (أن القنفذ خبيث من الخبائث) فهو عن شيخ مجهول لم يسمّ، ولو صح لقلنا به وما خالفناه. وجاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) القنفذ حلال أكله.

стр. 3097

(وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَحَلَالٌ). أي: ما عدا ما سبق من المحرمات فحلال، لأنه الأصل. (كَالْخَيْلِ). فالخيل حلال، أكلها رسول الله ﷺ وأذنَ في أكلها. وهذا مذهب جماهير العلماء. قال النووي: فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَالْجُمْهُور مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف أَنَّهُ مُبَاح لَا كَرَاهَة فِيهِ، وَبِهِ قَالَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَفَضَالَة بْن عُبَيْد وَأَنَس بْن مَالِك وَأَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر وَسُوَيْد بْن غَفَلَة وَعَلْقَمَة وَالْأَسْوَد وَعَطَاء وَشُرَيْح وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ وَحَمَّاد بْن سُلَيْمَان وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد وَدَاوُد وَجَمَاهِير الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرهم. (شرح مسلم) وقال في المجموع: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه حلال لا كراهة فيه وبه قال أكثر العلماء. أ-عَنْ جَابِرٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ اَلْأَهْلِيَّةِ، وَأْذَنْ فِي لُحُومِ اَلْخَيْلِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ب-عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ (نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ) متفق عليه. وَفِي رِوَايَةٍ (وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ). ج- وعن جابر قال: (سافرنا مع رسول الله ﷺ وكنا نأكل لحم الخيل ونشرب ألبانها) رواه الدارقطني والبيهقي. قال النووي: بإسناد صحيح.

стр. 3098

ج- وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ مُسْتَطَابٌ، لَيْسَ بِذِي نَابٍ وَلَا مِخْلَبٍ، فَيَحِلُّ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْمُبِيحَةِ. (المغني) وذهب بعض العلماء إلى أنها حرام. وهذا مذهب أبي حنيفة، والأشهر عند مالك. أ- لقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً). وجه الدلالة من الآية: (ذكرها ابن حجر في الفتح). أَحَدهَا: أنَّ اللام لِلتَّعْلِيلِ، فَدَلَّ عَلَى أنَّها لَمْ تُخْلَق لغَيْرَ ذَلِكَ، لأَنَّ الْعِلَّة المَنْصُوصَة، تُفِيد الْحَصْر، فَإِبَاحَة أَكْلهَا تَقْتَضِي خِلَاف ظَاهِرِ الآيَة. ثَانِيهَا: عَطْف الْبِغَال، وَالْحَمِير، فَدَلَّ عَلَى اشْتِرَاكهَا مَعَهَا فِي حُكْم التَّحْرِيم، فَيَحْتَاجُ مَنْ أَفْرَدَ حُكْمهَا عَن حُكْم مَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيل. ثَالِثهَا: أَنَّ الآية سِيقَتْ مَسَاق الامْتِنَان، فَلَوْ كَانَت يُنْتَفَع بِها فِي الأَكْل، لَكَانَ الامْتِنَان بهِ أَعْظَم؛ لأَنَّهُ يَتَعَلَّق بِهِ بَقَاء الْبنْيَة، بِغَيْرِ وَاسِطَة، وَالْحَكِيم لا يَمْتَنّ بِأَدْنَى النِّعَم، وَيَترُكَ أَعْلاهَا، وَلاسِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ الامْتِنَان بِالأَكْلِ فِي المَذْكُورَات قَبْلهَا. رَابِعِهَا: لَوْ أُبِيحَ أَكْلهَا، لَفَاتَتِ الْمَنْفَعَة بِهَا، فِيْمَا وَقَعَ بِهِ الامْتِنَان، مِنْ الرُّكُوب، وَالزِّينَة، هَذَا مُلَخَّص مَا تَمَسَّكُوا بِهِ منْ هَذِهِ الآيَة. (الفتح) ب- ولحديث خالد بن الوليد قال (غزوت مع رسول الله ﷺ خيبر، فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد شرعوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله ﷺ : ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام حمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع) رواه أبو داود. والصحيح الأول.

стр. 3099

وأما الجواب عن الآية: فإنها نزلت في مكة اتفاقاً، والإذن في أكل لحوم الخيل يوم خيبر، كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين. وأما الحديث فلا يصح. قال النووي: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث وَغَيْرهمْ عَلَى أَنَّهُ حَدِيث ضَعِيف وَقَالَ بَعْضهمْ: هُوَ مَنْسُوخ، رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ مُوسَى بْن هَارُون الْحَمَّال (بِالْحَاءِ) الْحَافِظ قَالَ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف، قَالَ: وَلَا يُعْرَف صَالِح بْن يَحْيَى وَلَا أَبُوهُ، وَقَالَ الْبُخَارِيّ: هَذَا الْحَدِيث فِيهِ نَظَر، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا إِسْنَاد مُضْطَرِب، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي إِسْنَاده نَظَر، قَالَ: وَصَالِح بْن يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه لَا يُعْرَف سَمَاع بَعْضهمْ مِنْ بَعْض، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيث مَنْسُوخ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: حَدِيث الْإِبَاحَة أَصَحّ، قَالَ: وَيُشْبِه إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا أَنْ يَكُون مَنْسُوخًا. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِأَحَادِيث الْإِبَاحَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم وَغَيْره، وَهِيَ صَحِيحَة صَرِيحَة، وَبِأَحَادِيث أُخَر صَحِيحَة جَاءَتْ بِالْإِبَاحَةِ، وَلَمْ يَثْبُت فِي النَّهْي حَدِيث. (نووي).

стр. 3100

وقال ابن حجر: من حجج من منع أكل الخيل حديث خالد بن الوليد المخرج في السنن (أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الخيل) وتعقب بأنه شاذ منكر لأن في سياقه أنه شهد خيبر وهو خطأ فإنه لم يسلم الا بعدها على الصحيح والذي جزم به الأكثر أن إسلامه كان سنة الفتح. (الفتح). وقَالَ ﵀ فِي " فَتْحِ الْبَارِي " فِي بَابِ " لُحُومِ الْخَيْلِ " مَا نَصُّهُ: وَقَدْ ضَعَّفَ حَدِيثَ خَالِدٍ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْخَطَّابِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَعَبْدُ الْحَقِّ، وَآخَرُونَ. (وَبَهِيمَةِ الأْنْعَامِ) وبهيمة الأنعام حلال، وهي الإبل، والبقر، والغنم. أ-قال تعالى (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ). ونقل الإجماع ابن المنذر فقال: دلت أخبار رسول الله ﷺ على إباحة لحوم الأنعام، وأجمع أهل العلم على القول به. ب- أنَّ العُلَماءَ أجمعوا على جوازِ التَّضحيةِ مِن جَميعِ بَهيمةِ الأنعامِ، وإذا أجمَعوا على جوازِ التَّضحيةِ بها، كان إجماعًا لحِلِّ أكلِها؛ لقَولِه تعالى (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ). (وَالدَّجَاجِ). أي: والدجاج حلال، فقد أكله ﷺ . عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ دَجَاجًا) متفق عليه.

стр. 3101

(وَالْوَحْشِيِّ مِنَ الْحُمُرِ). أي: الحمار الوحشي حلال. عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّه قال (أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ وَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ) رواه مسلم. عن أَبِى قَتَادَة قَالَ (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا وَخَرَجْنَا مَعَهُ - قَالَ - فَصَرَفَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ «خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى تَلْقَوْنِي، قَالَ فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ. فَلَمَّا انْصَرَفُوا قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلاَّ أَبَا قَتَادَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا - قَالَ - فَقَالُوا أَكَلْنَا لَحْمًا وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ - قَالَ - فَحَمَلُوا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِ الأَتَانِ فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا فَقُلْنَا نَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ. فَحَمَلْنَا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِهَا. فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ». قَالَ قَالُوا لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِهَا). متفق عليه وفي رواية (فَقَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالُوا مَعَنَا رِجْلُهُ. قَالَ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلَهَا). قال الشوكاني: وأما الحمر الوحشية فالإجماع على حلها ثابت. وقال الصنعاني: عند حديث أبي قتادة - فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ. فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُ لَحْمِهِ وَهُوَ إجْمَاعٌ. وَفِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ أَنَّهُ إذَا عُلِفَ وَأُنِسَ صَارَ كَالْأَهْلِيِّ.

стр. 3102

(وَالْبَقَرِ) أي: الوحشي، فهو حلال. (وَالضبِ). وهو حلال. وهذا قول جماهير العلماء. حيث أكلَ على مائدة رسول الله ﷺ . أ-عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ. وَالنَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ) متفق عليه. (محنوذ) أي مشوي بالحجارة المحماة، (لم يكن بأرض قومي) جاء في رواية: (هذا لحم لم آكله قط). وجه الدلالة: إقرار النبي ﷺ لخالد على أكله، وإقرار النبي ﷺ دليل على الجواز. ب- وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال (الضب لست آكله ولا أحرمه). وفي رواية عند مسلم عن ابن عمر قال (سئل النبي ﷺ عن الضب فقال: لست بآكله ولا محرمه). وفي رواية عند مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (كلوا فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي).

стр. 3103

وهذا نص صريح على عدم الحرمة الشرعية، وإشارة إلى الكراهة الطبيعية. قال النووي: ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم وَغَيْره. . . وَأَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الضَّبّ حَلَال لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة مِنْ كَرَاهَته، وَإِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ قَوْم أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ حَرَام، وَمَا أَظُنّهُ يَصِحّ عَنْ أَحَد، وَإِنْ صَحَّ عَنْ أَحَد فَمَحْجُوج بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاع مَنْ قَبْله. (شرح مسلم). فائدة: قوله (وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي) نستفيد بيان علة عدم أكل النبي ﷺ من الضب، وهو قوله ﷺ (لم يكن بأرض قومي). قال ابن حجر: وقد ورد سبب آخر أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار، فذكر نص حديث ابن عباس وفي آخره (قال النبي ﷺ : كلا - يعني لخالد بن الوليد، وعباس - فإنني يحضرني من الله حاضرة). قال المازري: يعني الملائكة، وكأن للحم الضب ريحاً فترك أكله لأجل ريحه، وهذا إن صح يمكن ضمه إلى الأول ويكون لتركه الأكل من الضب سببان. (فتح الباري). (وَالظِّبَاءِ) وهو حلال، بناء على الأصل. ولأن في صيده حال الإحرام فدية، وكل شيء فيه فدية فهو حلال. (وَالنَّعَامَةِ). حلال، بناء على الأصل. وقد نص الفقهاء على حل النعام في مواضع، منها: الذبح: فعند ذكر ما يريح الحيوان قالوا: وأن يكون الذبح في العنق لما قصر عنقه، وفي اللبة لما طال عنقه كالإبل والنعام والإوز لأنه أسهل لخروج الروح.

стр. 3104

جزاء صيد المحرم: قال الشافعي: فإذا أصاب المحرم نعامة ففيها بدنة. (الأم). حِلُّ أجزائه: قال ابن حزم: ومن حلف أن لا يأكل بيضاً لم يحنث إلا بأكل بيض الدجاج خاصة ولم يحنث بأكل بيض النعام وسائر الطير، ولا بيض السمك لما ذكرنا؛ وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان. (المحلى). (وَالأْرْنَبِ). وهو حلال. عَنْ أَنَسٍ - فِي قِصَّةِ اَلْأَرْنَبِ - قَالَ (فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَبِلَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قال النووي: وَأَكْل الْأَرْنَب حَلَال عِنْد مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِي وَأَحْمَد وَالْعُلَمَاء كَافَّة، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ وَابْن أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمَا كَرِهَاهَا. دَلِيل الْجُمْهُور هَذَا الْحَدِيث مَعَ أَحَادِيث مِثْله، وَلَمْ يَثْبُت فِي النَّهْي عَنْهَا شَيْء. وقال ابن قدامة: وَالْأَرْنَبُ مُبَاحَةٌ، أَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَاللَّيْثُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَائِلًا بِتَحْرِيمِهَا، إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

стр. 3105

وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ (أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا، فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَخَذْتهَا، فَجِئْت بِهَا إلَى أَبِي طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا - أَوْ قَالَ - فَخِذِهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهَا حَيَوَانٌ مُسْتَطَابٌ، لَيْسَ بِذِي نَابٍ؛ فَأَشْبَهَ الظَّبْيَ. (المغني). (مَعْنَى اِسْتَنْفَجْنَا: أَثَرْنَا وَنَفَرْنَا). وقال ابن حجر: وفي الحديث جواز أكل الأرنب وهو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمرو من الصحابة، وعن عكرمة من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء. واحتج بحديث خزيمة بن جزء (قلت يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه، قلت فإني أكل ما لا تحرمه ولم يا رسول الله قال نبئت أنها تدمى) وسنده ضعيف ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة. جاء في (الموسوعة الفقهية) الأْرْنَبُ حَلَالٌ أَكْلُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَال: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَخَذْتُهَا وَجِئْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بِوَرِكِهَا - أَوْ قَال: بِفَخِذِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهُ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ (أَوْ صَفْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَنَّهُ قَال: صِدْتُ أَرْنَبَيْنِ فَذَبَحْتُهُمَا بِمَرْوَةَ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا. ثُمَّ إِنَّهَا مِنَ الْحَيَوَانِ الْمُسْتَطَابِ، وَلَيْسَتْ ذَاتَ نَابٍ تَفْتَرِسُ بِهِ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهَا، فَهَذِهِ الْمَنَاطَاتُ تَسْتَوْجِبُ حِلَّهَا كَمَا سَيُرَى فِي الأْنْوَاعِ الْمُحَرَّمَةِ. وَقَدْ أَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. فائدة: قد يستخبث العرب أو أكثرهم نوعاً من الأطعمة كأن يستخبثوا حيواناً معيناً لم يرد نص بتحريمه أو تحليله، فهل يؤثر استخباثهم لذلك الشيء فيكون حراماً؟ أو لا يؤثر؟ اختلف العلماء: فقيل: عدم تأثير استخباث العرب في تحريم الأطعمة.

стр. 3106

وهو المشهور من مذهب الحنفية، والمالكية، وهو اختيار ابن تيمية. أ-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ فَأَهْوَى إِلَيْهِ لِيَأْكُلَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُ ضَبٌّ فَأَمْسَكَ يَدَهُ فَقَالَ خَالِدٌ أَحَرَامٌ هُوَ قَالَ: لا وَلَكِنَّهُ لَا يَكُونُ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ فَأَكَلَ خَالِدٌ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ) متفق عليه. وجه الدلالة: أن رسول الله ﷺ كره لحم الضب ولم يعتبر ذلك تحريماً له، فدل على أن استخباث قريش أو غيرها من العرب لطعام ما ليس له أثر في تحريمه. ب- أن بعض العرب بل قريش نفسها كانوا في الجاهلية يأكلون بعض الخبائث ويعافون بعض الطيبات، فكيف إذاً يعتبر استخباثهم في تحريم الطعام. وقيل: أن ما استخبثته العرب وإن لم يرد نص بتحريمه - فهو حرام -. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة. لقوله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث). وجه الاستدلال: أن الله تعالى بيّن أنه حرم الخبائث، وحيث لم يرد نص بتعيينها فيرجع في ذلك إلى من نزل القرآن بلغتهم وفي أرضهم، وهم العرب، فما استخبثوه كان حراماً. والراجح الأول.

стр. 3107

(وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى مُحَرَّمٍ ـ غَيْرَ السُّمِّ ـ حَلَّ لَهُ مِنْهُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ). أي: من ألجأته الضرورة إلى محرّم من المأكولات حل له أن يأكل من هذا المحرّم - كالميتة - ما يسد رمقه. ويدل لذلك: قوله تعالى (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ). وقوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وأجمع العلماء على ذلك: قال ابن قدامة: أجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ حَالَ الِاخْتِيَارِ، وَعَلَى إبَاحَةِ الْأَكْلِ مِنْهَا فِي الِاضْطِرَارِ، وكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ. (المغني) وقال ابن حزم: واتفقوا على أن الميتة والدم ولحم الخنزير حلال لمن خشي على نفسه الهلاك من الجوع.

стр. 3108

• وهنا مباحث: أولاً: تعريف الضرورة لغة وشرعاً: قال ابن منظور: الاضطرار الاحتياج إلى الشيء وقد اضطره إليه أمر. وشرعاً: للضرورة تعاريف متقاربة في المعنى عند الفقهاء، ومن ذلك ما يأتي: قيل: إنها بلوغه حداً إن لم يتناول الممنوع هلك إذا قارب وهذا يبيح تناول الحرام. وقيل: ومعنى الضرورة هاهنا خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل، والمعنى متقارب. ثانياً: الدليل على جواز الأكل من الميتة عند الضرورة. قال ابن قدامة: أجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ حَالَ الِاخْتِيَارِ، وَعَلَى إبَاحَةِ الْأَكْلِ مِنْهَا فِي الِاضْطِرَارِ. وَتقدمت الأدلة. ثالثاً: بيان حد الاضطرار الذي يبيح تناول المحرم: حد الاضطرار هنا يتبين من مجموع الآيات الواردة في الموضوع، وهي: قوله تعالى (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ). فأطلق في هذه الآية الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها. قوله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ). فقيد الإباحة في هذه الآية بأن يكون المضطر غير باغ ولا عاد لكنه لم يبين سبب الاضطرار ولم يبين المراد بالباغي والعادي.

стр. 3109

قوله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). فبين سبحانه سبب الاضطرار وهو المخمصة. وإذاً: يمكننا أن نقول: إن حد الاضطرار المبيح لتناول المحرم: هو أن يخاف على نفسه التلف بسبب الجوع ولم يجد ما يتغذى به من الحلال، بشرط أن يكون غير متجانف لإثم، وهو الباغي والعادي. قال ابن قدامة: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الضَّرُورَةَ الْمُبِيحَةَ، هِيَ الَّتِي يَخَافُ التَّلَفَ بِهَا إنْ تَرَكَ الْأَكْلَ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جُوعٍ، أَوْ يَخَافُ إنْ تَرَكَ الْأَكْلَ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ، وَانْقَطَعَ عَنْ الرُّفْقَةِ فَهَلَكَ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْ الرُّكُوبِ فَيَهْلَكُ، وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مَحْصُورٍ. (المغني). وقال الشنقيطي: حَدُّ الِاضْطِرَارِ الْمُبِيحِ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَهُوَ الْخَوْفُ مِنَ الْهَلَاكِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا. رابعاً: اختلف العلماء في المراد بالباغي والعادي على قولين: القول الأول: أن المراد بالباغي هو الخروج على إمام المسلمين، والإثم الذي يتجانف إليه العادي هو إخافة الطريق وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل سفر معصية لله، لأن في ذلك إباحة على المعصية وذلك لا يجوز. فعلى هذا القول: الباغي: الخارج على الإمام، والعادي: قاطع الطريق، وكل مسافر سفر معصية. القول الثاني: أن المراد بالباغي: الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه.

стр. 3110

ورجح هذا التفسير شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: وأما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب، وهو قول أكثر السلف. . . وليس في الشرع ما يدل على أن العاصي بسفره لا يأكل الميتة ولا يقصر، بل نصوص الكتاب والسنة عامة مطلقة. ورجح هذا القول القرطبي والإمام ابن جرير. خامساً: بيان حكم تناول الطعام المحرم في حال الضرورة. اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يجب على المضطر الأكل من الميتة ونحوها. وهذا قول الحنفية، والصحيح من مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة، وأصح الوجهين عند الشافعية. لقوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ). ولقوله تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). وترك الأكل مع إمكانه في هذه الحال؛ إلقاء بيده إلى التهلكة. ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحل الله له فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال. القول الثاني: أنه لا يلزمه في هذه الحال الأكل من المحرم. لأن له غرضاً في تركه وهو أن يتجنب ما حرم عليه، ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص. والراجح القول الأول أنه يجب عليه أن يأكل في هذه الحال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث قال: قال ابن تيمية: ويجب على المضطر أن يأكل ويشرب ما يقيم به نفسه، فمن اضطر إلى الميتة أو الماء النجس فلم يشرب ولم يأكل حتى مات دخل النار.

стр. 3111

وقال الشنقيطي: هَلْ يَجِبُ الْأَكْلُ مِنَ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا إِنْ خَافَ الْهَلَاكَ، أَوْ يُبَاحُ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ الْوُجُوبُ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، وَقَوْلِهِ: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا). سادساً: بيان مقدار ما يباح للمضطر تناوله من المحرم. يباح له أكل ما يسد به الرمق ويأمن معه الموت بالإجماع، ويحرم ما زاد على الشبع بالإجماع. قال ابن قدامة: وَيُبَاحُ لَهُ أَكْلُ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ، وَيَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ بِالْإِجْمَاعِ، وَيَحْرُمُ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ، بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا. (المغني). واختُلف في حكم الشبع على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يباح له الشبع. وهو قول أبي حنيفة وأحد الروايتين عن أحمد وأحد القولين للشافعي. وهو قول ابن الماجشون من المالكية. قالوا: لأن الآية دلت على تحريم ما ذكر فيها، واستثنى ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل الأكل كحال الابتداء. ولأنه بعد سد الرمق غير مضطر فلم يحل له الأكل للآية، يحققه أن حاله بعد سد رمقه كحاله قبل أن يضطر وثم لم يبح له الأكل كذا هاهنا.

стр. 3112

القول الثاني: أن له الشبع. وهذا قول مالك وأحد القولين في مذهب الشافعي. لحديث جابر بن سمرة (أن رجلاً نزل الحرة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته: اسلخها حتى نقدر شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله?، فسأله فقال: (هل عندك غنى يغنيك؟) قال: لا، قال: فكلوها) فأطلق النبي ﷺ الأمر بأكل ولم يحدد. القول الثالث: التفصيل بين من يخشى استمرار الضرورة فيحل له الشبع، ومن ضرورته مرجوة الزوال فلا يحل له إلا سد الرمق، لأن من ضرورته مستمرة إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب ولا يتمكن من البعد من الميتة مخافة الضرورة، ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه بخلاف من ليست ضرورته مستمرة فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل له. وهذا احتمال في مذهب الحنابلة، ذكره صاحب المغني، وقول في مذهب الشافعي. وهذا القول هو الراجح. سابعاً: هل يجوز للمضطر أن يتزود من الطعام المحرم؟ الصحيح أنه يجوز له ذلك، وهذا قول مالك ورواية عن أحمد وهو قول الشافعية. لأنه لا ضرر في استصحابها ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته، ولا يأكل منها إلا عند ضرورته. ثامناً: كل المحرمات إذا اضطر إليها، وزالت بها الضرورة كانت مباحة. قلنا (وزالت بها الضرورة) احترازاً مما لا تزول به الضرورة، كما إذا ما اضطر الإنسان إلى أكل سم، فلا يجوز أن يأكل، لأنه لا تزول بها ضرورته، بل يموت به، ولو اضطر إلى شرب خمر لعطش لم يحل له، لأنه لا تزول به ضرورته، ولذلك لو احتاج إلى شربه لدفع لقمة غص بها حل له، لأنه تزول به ضرورته.

стр. 3113

قال الشيخ ابن عثيمين: ليس هناك ضرورة تبيح المحرم إلا بشرطين: أن نعلم أنه لا تزول ضرورته إلا بهذا. أن نعلم أن ضرورته تزول به. (لقاء الباب المفتوح). الخلاصة: فشروط إباحة المحرم للضرورة هي: الأول: وجود الضرورة. الثاني: ألا توجد وسيلة لدفع الضرر إلا بفعل هذا المحرم. الثالث: أن يكون فعل المحرم مزيلاً للضرورة قطعاً، فإن حصل شك هل تزول الضرورة بهذا الفعل أم لا؟ فلا يجوز فعل المحرم حينئذ. الرابع: ألا يعارض هذه الضرورة ما هو مثلها أو أعظم منها. تاسعاً: لو اضطر لميتة آدمي. فالمشهور عند الحنابلة أنه لا يجوز أن يأكلها، وقالت الشافعية: إنه يجوز أكلها عند الضرورة. (وإنْ وجدَ متفقاً على تحريمهِ ومُختلفاً فيه أكلَ من المُختلف فيه). لأنه أخف تحريماً. كالخنزير متفق على تحريمه والثعلب مختلف فيه والقنفذ وما شاكل ذلك، فهنا يأكل من المختلف فيه، لأنه أخف تحريماً من المتفق عليه. (فإن لم يجد إلا طعامًا لغيرهِ به مِثْلُ ضرورتهِ لم يبح له أخذُهُ). لأن صاحب الطعام ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة. لأن المالك يزيد على غيره بالملكية ويتساوى معه في الاضطرار فقدّم. قال الشيخ ابن عثيمين: إذا اضطر إلى مال الغير، فإن صاحب المال إن كان مضطراً إليه فهو أحق به.

стр. 3114

مثاله: رجل معه خبزة وهو جائع وصاحبه جائع، وليس معه خبز، فالصاحب محتاج إلى عين مال الغير، لكن الغير - أيضاً - محتاج إليه، ففي هذه الحال لا يحل للصاحب أن يأخذ مال الغير؛ لأن صاحبه أحق به منه. (الشرح الممتع). ولكن هل يجوز لصاحبه أن يؤثره أو لا؟ لا يجوز له إيثاره على نفسه، لأن ذلك يعتبر قتلاً للنفس وهو محرم. وقال الشيخ ابن عثيمين: المذهب أن الإيثار في هذه الحال لا يجوز، وقد سبق لنا قاعدة في ذلك، وهي أن الإيثار بالواجب غير جائز، ومن أمثلتها في باب التيمم إذا كان الإنسان ليس معه من الماء إلا ما يكفي لطهارته، ومعه آخر يحتاج إلى ماءٍ فلا يعطيه إياه والثاني يتيمَّم؛ لأن هذا إيثار بالواجب، والإيثار بالواجب حرام. وعلى هذا فإذا كان صاحب الطعام محتاجاً إليه، يعني مضطراً إليه كضرورة الصاحب فإنه لا يجوز أن يؤثر به الصاحب؛ لأن هذا يجب عليه أن ينقذ نفسه، وقد قال النبي ﵇ (ابدأ بنفسك) فلا يجوز أن يؤثر غيره؛ لوجوب إنقاذ نفسه من الهلكة قبل إنقاذ غيره، هذا هو المشهور من المذهب. (الشرح الممتع). (وإن كان مستغنيًا عنه أخذَهُ منه بثمنهِ). أي: وإن كان صاحب الطعام غير مضطر له لزمه بذله للمضطر. لأن فيه إنقاذ حياة آدمي معصوم فلزمه بذله. قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). ففي هذه الآية دليل على أن إنقاذ النفس من أسباب الهلاك كأنه إحياء للناس جميعاً. قال النووي: إذا لم يكن المالك مضطراً فيلزمه إطعام المضطر مسلماً أو ذمياً أو مستأمناً. - وعلى آكل طعام الغير عند الضرورة ضمان ما أكل. وهذا قول الجمهور.

стр. 3115

فائدة: عند جمهور العلماء: أن المضطر إلى طعام غيره لا يجوز له أن يشبع، بل يأكل مقدار ما يسد الرمق فقط. (فإنْ منعَهُ منهُ، أخذَهُ قهْراً، وضمِنَهُ له متى قَدِرَ). أي: فإن أبَى صاحب الطعام أن يعطيه، فللمضطر أن يأخذه قهراً بالقوة. (فإنْ قُتِلَ المضطرّ فهو شهيد، وعلى قاتله ضمانه، وإن قُتِلَ المانع فلا ضمان فيه). أي: إن لم يتمكن المضطر من أخذ الطعام إلا بالقتال فإنه يقاتله. فإن قُتل المضطر فهو شهيد، وإن قتل صاحب المال فهو ظالم. قوله (وعلى قاتله ضمانه) أي: إذا مات المضطر فإن صاحب الطعام يضمنه. لأنه تعدى بترك الواجب عليه. فائدة: ١ أذا وجد المضطر الميتة وطعام الغير: فإنه يقدِّمُ المَيْتةَ على طعامِ الغيرِ. وهذا مذهبُ الشَّافعيَّةِ- في أصحِّ الأوجُه، والحنابلة، وهو قولُ بعضِ السَّلف، واختارَه ابنُ تيميَّة. أ - لأنَّ حقوقَ اللهِ تعالى مَبنيَّةٌ على المُسامحةِ والمُساهلةِ، وحقوقَ الآدميِّ مَبنيَّةٌ على الشُّحِّ والتَّضييقِ؛ ولأنَّ حقَّ الآدميِّ تَلزَمُه غَرامتُه، وحقَّ اللهِ لا عِوَضَ له. ب- أنَّ أكْلَ المَيْتةِ مَنصوصٌ عليه، ومالَ الآدميِّ مُجتهَدٌ فيه؛ والعُدولُ إلى المنصوصِ عليه أَوْلى. وذهب بعض العلماء: إِلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ مَالَ الْغَيْرِ إِنْ لَمْ يَخَفْ أَنْ يُجْعَلَ سَارِقًا وَيُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ. وهذا قول مالك.

стр. 3116

فَفِي «مُوَطَّئِهِ» مَا نَصُّهُ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَيَأْكُلُ مِنْهَا وَهُوَ يَجِدُ ثَمَرًا لِقَوْمٍ، أَوْ زَرْعًا، أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ ذَلِكَ؟ قَالَ مَالِكٌ: إِنْ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ، أَوِ الزَّرْعِ، أَوِ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ حَتَّى لَا يُعَدَّ سَارِقًا فَتُقْطَعُ يَدُهُ، رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ، وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ. وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَلَّا يُصَدِّقُوهُ، وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ; فَإِنْ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي، وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ. فائدة: ٢ إذا خاف الإنسان على نفسه الهلاك من الجوع ولم يجد إلا إنساناً حياً معصوماً لم يبح له قتله إجماعاً، ولا قطع عضو من أعضائه لأنه مثله. فلا يجوز له أن يبقي نفسه بإتلاف غيره، لأن الضرر لا يزال بضرر مثله ولا بأكثر منه، وهذا لا خلاف فيه. فائدة: ٣ حكم أكل المضطر من الآدمي الميت؟ قيل: لا يجوز. وهو قول الجمهور: من الحنفية، والمالكية، والحنابلة. أ-لقوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم).

стр. 3117

وجهُ الدَّلالةِ: أنَّ مِن إكرامِ بَني آدَمَ حمايةَ جسدِه مِنَ الاعتِداءِ حَيًّا ومَيِّتًا؛ فلا يُباحُ لأحدٍ أكْلُه. ب-وعن عائشة. أن رسول الله ﷺ قال (كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ ككَسْرِه حَيّاً) رواه ابن ماجه. وجهُ الدَّلالة: أنَّ الميِّتَ كالحيِّ في الحُرمةِ؛ فيَحرُمُ أذيَّتُه في جِسمِه كعظْمِه. ج- أنَّ الآدميَّ لا يُسمَّى مَيْتةً؛ فلمْ يَجُزْ للمُضطَرِّ أنْ يَأكُلَه بإباحةِ اللهِ تعالى له أكْلَ المَيْتة. وقيل: يجوز. لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، فيجوز الأكل من الميت قدر الحاجة فقط. قال ابن قدامة: وإن وجد معصوماً ميتا لم يبح أكله في قول أصحابنا، وقال الشافعي وبعض الحنفية يباح، وهو أولى لأن حرمة الحي أعظم. وقال الشيخ ابن عثيمين: لكن إذا كان ميتًا فالمشهور عندنا -يعني في مذهب الحنابلة- أنه لا يجوز أكله حتى وإن كان ميتًا؛ لقول النبي ﷺ (كسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَياً) فإذا قال: يا جماعة، أنا أموت إذا لم آكل منه، قلنا: ولتمت، هذا أجلك، وذهب بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي أنه يجوز للحي أن يأكل الميت عند الضرورة، وعلّلوا ذلك بأن حُرمة الحي أعظم من حرمة الميت. فائدة: ٤ اختلف الفقهاء في حكم الأكل للمضطر من الآدمي الحي غير المعصوم (كالحربي مثلاً): فقيل: له قتله وأكله. وقيل: لا يجوز للمضطر أن يقتل الإنسان ليأكله وإن كان غير معصوم.

стр. 3118

(وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرِ بُسْتَانٍ فِي شَجَرَةٍ، أَوْ مُتَسَاقِطٍ عَنْهُ، وَلَا حَائِطَ عَلَيْهِ، وَلَا نَاظِرَ، فَلَهُ الأَكْلُ مِنْهُ مَجَّاناً مِنْ غَيْرِ حَمْل). إذا مرّ الإنسان على بستان فيه ثمر فله الأكل منه مجاناً بشروط: أولاً: أن يكون الثمر على الشجر، أو متساقط منه. ثانياً: ألا يكون على البستان ناظر وليس له حائط. فإن كان له ناظر أو حائط فلا بد من الإذن، لأن وضعها قرينة على عدم الرضى بالأكل. ثالثاً: أن لا يحمل شيئاً. فإن حمل أو أخذ شيئاً فهو حرام. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. (غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً) بضم الخاء المعجمة، وسكون الباء الموحّدة، ونون- قَالَ الخطّابيّ: الخُبْنة: ما يأخذه الرجل فِي ثوبه، فيرفعه إلى فوقُ، ويقال للرجل إذا رفع ذيله فِي المشي: قد رفع خُبْنته. انتهى.

стр. 3119

وَقَالَ فِي (النهاية) الْخُبْنة: مِعْطف الإزار، وطرف الثوب: أي لا يأخذ منه فِي ثوبه، يقال: أخبن الرجل: إذا خبأ شيئًا فِي خُبْنة ثوبه، أو سراويله. وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً) ورواه ابن ماجه بلفظ: (إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِحَائِطٍ فَلْيَأْكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إِذَا أَتَيْتَ عَلَى رَاعٍ فَنَادِهِ ثَلاثَ مِرَارٍ فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلا فَاشْرَبْ فِي غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ، وَإِذَا أَتَيْتَ عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ فَنَادِ صَاحِبَ الْبُسْتَانِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلا فَكُلْ فِي أَنْ لا تُفْسِدَ). فدلت هذه الأحاديث على جواز أن يأكل الإنسان من ثمر غيره، دون أن يحمل معه، بشرط أن ينادي صاحبه أولاً ثلاثاً، فإن أجابه استأذنه، وإن لم يجبه أكل. واشترط بعضهم: ليس عليه حائط. فإن كان عليه حائط فإنه لا يأكل منه؛ لأن تحويط صاحبه عليه دليل على أنه لا يرضى أن يأكله أحد. قال الشيخ ابن عثيمين: اشتراط انتفاء الحائط فيه نظر؛ لأن لفظ الحديث (من دخل حائطاً) والحائط هو المحوطُ بشيء، وعلى هذا فلا فرق بين الشجر الذي ليس عليه حائط، وبين الشجر الذي عليه حائط. فالذي تبين من السنة أن الشرط هو أن يأكل بدون حمل، وألا يرمي الشجر، بل يأخذ بيده منه، أو ما تساقط في الأرض، وأيضاً يشترط أن ينادي صاحبه ثلاثاً، إن أجابه استأذن، وإن لم يجبه أكل.

стр. 3120

هذا الذي دل عليه الحديث هو ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀. (الشرح الممتع). وذهب جمهور العلماء: إلى أن ذلك ليس بجائز. قَالَ النوويّ فِي "شرح المهذب": اختلف العلماء، فيمن مر ببستان، أو زرع، أو ماشية، قَالَ الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئاً، إلا فِي حال الضرورة، فيأخذ، وَيغرَم عند الشافعيّ، والجمهور. (المجموع). لأن الأصل في مال المسلم التحريم، فلا يجوز بغير إذنه. وأجابوا عن أحاديث الجواز: بأن حديث النهي أصح، فهو أولى بأن يُعمل به. وبأنه معارِضٌ للقواعد القطعية، فِي تحريم مال المسلم، بغير إذنه، فلا يُلتفت إليه. ومنهم منْ جمع بين الحديثين بوجوه منْ الجمع، منها: حمل الإذن عَلَى ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي عَلَى ما إذا لم يعلم. ومنها: تخصيص الإذن بابن السبيل، دون غيره، أو بالمضطرّ، أو بحال المجاعة مطلقاً، وهي متقاربة. وحكى ابن بطال عن بعض شيوخه: أن حديث الإذن كَانَ فِي زمنه ﷺ وحديث النهي أشار به إلى ما سيكون بعده منْ التشاح، وترك المواساة. (الفتح). قال الشوكاني في (نيل الأوطار) عند كلامه على هذا الحديث: وأحاديث في الباب بمعناه: ظاهر أحاديث الباب جواز الأكل من حائط الغير، والشرب من ماشيته بعد النداء المذكور من غير فرق بين أن يكون مضطراً إلى الأكل أو لا إلى أن يقول: والممنوع إنما هو الخروج بشيء من ذلك من غير فرق بين القليل والكثير.
следующие страницы →