Полный текст (3 390 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
فجعل الله تعالى تحريم الحلال يميناً.
ب-وقد نزلت بسبب قول النبي ﷺ لإحدى زوجاته: شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له.
عن عَائِشَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إِلَى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً) متفق عليه.
ج- عن ابْن عَبَّاس قَالَ فِي الْحَرَامِ: يمين يُكَفَّرُ وَقَالَ: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَة) متفق عليه.
د-وقد ثبت عَنْ اِبْن مَسْعُود ﵁ (أَنَّهُ جِيءَ عِنْده بِطَعَامٍ فَتَنَحَّى رَجُل، فَقَالَ: إِنِّي حَرَّمْته أَنْ لَا آكُلَهُ فَقَالَ: إِذَنْ فَكُلْ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينك، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين) (الفتح).
هـ-وروى ابن أبي شيبة عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبَّاسٍ وعائشة وَعَنِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ ومَكْحُولٍ أنهم قالوا: الْحَرَامُ يَمِين.
وقال ابن قدامة: إذا قال: هذا حرام علي إن فعلت وفعل، أو قال: ما أحل الله علي حرام إن فعلت ثم فعل، فهو مخير، إن شاء ترك ما حرمه على نفسه، وإن شاء كفر، وإن قال: هذا الطعام حرام علي فهو كالحلف على تركه. (المغني).
فائدة:
قوله (سوى زوجته) تقدم الخلاف في تحريم الزوج لزوجته، وأن فيه خلافاً طويلاً.
стр. 3187
فصل
(يُخَيَّرُ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بَيْنَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينِ، أَوْ كِسْوَتِهِمْ، أَوْ عَتْقِ رَقَبَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعة).
كفارة اليمين تتمثل فيما يلي:
إطعام عشرة مساكين أو أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
قال تعالى (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ).
فالثلاثة الأولى على التخيير (إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة).
فإن لم يجد فإنه ينتقل لصيام ثلاثة أيام، فلا يجوز أن يصوم وهو قادر على الإطعام أو الكسوة أو العتق.
فائدة: ١
كفارة اليمين واجبة إذا حنث الحالف.
لقوله تعالى (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم).
والمراد بالتحلَّة هي الكفارة قبل الحنث.
ولقوله ﷺ ( … وكفر عن يمينك).
فائدة: ٢
وقت وجوبها هو الحنث [وهو فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله].
стр. 3188
فائدة: ٣
الصحيح أنه لا يجزئ إخراج القيمة في الكفارة، لقوله تعالى (فكفارته إطعام عشرة مساكين … ).
قال ابن قدامة: لا يُجْزِئُ في الكفارة إِخراج قيمة الطعام ولا الكسوة، لأن الله ذكر الطعام فلا يحصل التكفير بغيره، ولأن الله خَيَّرَ بين الثلاثة أشياء ولو جاز دفع القيمة لم يكن التَخْيِيرُ منحصراً في هذه الثلاث. (المغني).
فائدة: ٤
كيفية الإطعام:
أن يصنع طعاماً ويدعو إليه عشرة مساكين فيعشيهم أو يغديهم، أو أن يعطي كل واحد بنفسه.
فائدة: ٥
يجب استيعاب العشرة، فلا يجوز أن يعطي خمسة مساكين مرتين، لأن الله نص على عدد عشرة.
فائدة: ٦
لم يرد تحديد كم الإطعام فيرجع فيه إلى العرف.
فائدة: ٧
الذي يجزئ في الكسوة: قيل: ما يجزئ في الصلاة كالقميص أو الإزار والرداء، وقيل: يرجع فيه إلى العرف لأنه لم يرد تحديده في الشرع وهذا الراجح.
فائدة: ٨
يشترط في عتق الرقبة أن تكون مؤمنة لقوله ﷺ (أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم.
فائدة: ٩
يجب التتابع في الصوم، لقراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعة).
стр. 3189
فائدة: ١٠
اختلف أهل العلم ﵏ في وجوب أداء الكفارة، هل هو على الفور أم على التراخي؟
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَأَنَّهَا تَجِبُ بِالْحِنْثِ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إلَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ تَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي.
فائدة: ١١
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن رجلٍ حلف على شيء ثم حنث في يمينه، وصام مع قدرته على الإطعام، فما الحكم؟
هل يجزئه الصيام مع أن الله بدأ بالإطعام وجعل الصيام عند عدم الاستطاعة، ولو كان غير عالم بالحكم هل يختلف الحكم؟
فأجاب:
إذا صام الإنسان في كفارة اليمين وهو قادر على إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن الصوم يكون نافلة، وعليه أن يأتي بالكفارة، لكن الصوم لا يضيع، يكون نافلة له، وليطعم.
ولقد اشتهر عند كثير من الناس أن كفارة اليمين هي الصيام، ولهذا إذا حلف على أخيه وقال: والله أن تفعل كذا، يقول: لا
تجعلني أصوم ثلاثة أيام، وهذا خطأ، الإطعام مقدم أو الكسوة أو عتق الرقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة " انتهى.
(وهو مُخيّر بين تقديم الكفارة على الحِنثِ وتأخيرِها عنه).
أي: من وجب عليه التكفير فهو مخير بين أن يكفر قبل الحنث أو بعده.
وهذه المسألة لها أحوال: (وقت دفع الكفارة).
أولاً: أن تكون قبل اليمين.
فهذه لا تجزئ بالإجماع.
قال النووي: وأجمعوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَقْدِيمهَا عَلَى الْيَمِين.
стр. 3190
وقال ابن قدامة: فَأَمَّا التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْيَمِينِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ قَبْلَ الْجَرْحِ.
جاء في (الموسوعة الفقهية) لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز التكفير قبل اليمين؛ لأنه تقديم الحكم قبل سببه، كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب، وكتقديم الصلاة قبل دخول وقتها.
ثانياً: أن تكون بعد الحلف والحنث.
فهذه تجزئ اتفاقاً.
ثالثاً: أن تكون بعد الحلف وقبل الحنث.
فهذه موضع خلاف، وجماهير العلماء على جواز ذلك.
لحديث أبي موسى. قال: قال ﷺ (. . . وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) متفق عليه.
وجاء عند أبي داود (كفّر عن يمينك ثم ائتِ الذي هو خير).
وهذا صريح في جواز تقديم الكفارة على الحث، لأن ثم تفيد الترتيب.
قال الخطابي: فيه دليل على جواز تقديم الكفارة على الحنث، وهو قول أكثر أهل العلم.
قال النووي: وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازهَا بَعْد الْيَمِين وَقَبْل الْحِنْث:
فَجَوَّزَهَا مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيّ وَأَرْبَعَة عَشَر صَحَابِيًّا وَجَمَاعَات مِنْ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْل جَمَاهِير الْعُلَمَاء، لَكِنْ قَالُوا: يُسْتَحَبّ كَوْنهَا بَعْد الْحِنْث.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَأَشْهَب الْمَالِكِيّ: لَا يَجُوز تَقْدِيم الْكَفَّارَة عَلَى الْحِنْث بِكُلِّ حَال.
وَدَلِيل الْجُمْهُور ظَوَاهِر هَذِهِ الْأَحَادِيث، وَالْقِيَاس عَلَى تَعْجِيل الزَّكَاة. (نووي).
стр. 3191
وقال ابن قدامة: فَأَمَّا كَفَّارَةُ سَائِرِ الْأَيْمَانِ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ، صَوْمًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ جَوَازُ تَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ ﵃، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَرَبِيعَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد.
أ-لحديث عَبْدُ الرَّحْمَن بْن سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ (وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ).
ب- وَلِأَنَّهُ كَفَّرَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ، فَأَجْزَأَ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ بَعْدَ الْجَرْحِ، وَقَبْلَ الزَّهُوقِ، وَالسَّبَبُ هُوَ الْيَمِينُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ). (المغني).
تنبيه:
اختلف القائلون بجواز إخراج الكفارة قبل الحنث، هل الأفضل إخراجها قبله أو بعده على ثلاثة أقوال:
قيل: أن التكفير قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة.
وهذا المذهب عند الحنابلة.
لورود النصوص بكل منهما.
وقيل: أن الأفضل بعد الحنث.
وهو قول مالك، والشافعي.
لما فيه من الخروج من الخلاف، وحصول اليقين ببراءة الذمة.
وقيل: أنه قبل الحنث أفضل.
لما فيه من تعجيل النفع للفقراء.
والله أعلم.
стр. 3192
فائدة:
إذا كرر اليمين فلها أحوال:
الحالة الأولى: إذا كرر اليمين على شيء واحد.
كأن يقول: والله لا آكل هذا الخبز، والله لا آكل هذا الخبز.
فهذه تعتبر يميناً واحدة ولا تجب فيها إلا كفارة واحدة، وهذا قول أكثر العلماء.
الحالة الثانية: تكرار اليمين على أشياء مختلفة.
كأن يقول: والله لا آكل اليوم، والله لا أشرب اليوم، والله لا أسافر اليوم.
فهذه إن كفر عن الأولى ثم حنث في الثانية تلزمة كفارة ثانية.
قال ابن قدامة: لا أعلم فيه خلافاً.
فإن لم يكفر عن الثانية (هذا موضع خلاف):
والراجح قول الجمهور: بكل يمين كفارة إن حنث فيها.
قال ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم.
الحالة الثالثة: أن يكون المحلوف عليه متعدد واليمين واحدة.
كأن يقول: والله لا أكلت، ولا شربت، ولا لبست، فحنث في الجميع.
فهذه تلزمه كفارة واحدة، لأن اليمين واحدة.
قال ابن قدامة: لا أعلم فيه خلافاً.
стр. 3193
(ويرجع في الأيْمان إلى نية الحالف).
أي: إذا حلف إنسان على أمر، فإنه يرجع في تحديد المحلوف عليه إلى نية الحالف، لكن بشرط أن يحتملها اللفظ.
والدليل قوله تعالى (ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ).
وقال ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه.
لكن بشرط أن يحتملها اللفظ، بأن يكون هذا اللفظ يمكن أن يراد به ما نواه الحالف، فإن لم يمكن لم يقبل.
مثال ما يحتمله اللفظ:
والله لا أنام الليلة إلا على فراش ليّن، فخرج وذهب ونام في الصحراء على الرمل، فلما قيل له: كفّر، قال: لا أكفر، لأني نويت بالفراش الأرض، فهنا يصح، لأن اللفظ يحتمله، قال تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً) والرمل لين، فلا شيء عليه.
مثال آخر: قال: والله لأبيتنّ اليلة على وتد، فذهب إلى جبل وبات عليه، فقلنا له: كفّر، فقال: لقد بت على الوتد، وقد أردت بالوتد الجبل، فهنا لا شيء عليه لأن اللفظ يحتمله.
ومثله: لو نوى بالسقف السماء ونحو ذلك، قدمت نيته على عموم لفظه. لو حلف ألا ينام إلا تحت سقف، ثم خرج إلى البر ووضع فراشه ونام، وليس فوقه إلا السماء، فقيل له: عليك أن تكفر، لأنك لم تنم تحت سقف، فقال: أردت السماء، فهذا يصح لقوله تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً).
• أما إذا كان اللفظ لا يحتمله فلا يقبل:
مثال: قال: والله لا أشتري اليوم خبزاً، فذهب واشترى خبزاً، فقيل له: كفر عن يمينك، فقال: لا، لأني أردت بقولي: والله لا أشتري اليوم خبزاً، يعني والله لا أكلم فلاناً، فهذا لا يصح، لأن اللفظ لا يحتمله.
стр. 3194
(ثم إلى السبب الذي هيّج اليمين).
أي: فإن عدمت النية يرجع إلى سبب اليمين وما هيّجها، فتحمل اليمين عليه.
مثال: قيل لرجل: إن ابنك يصاحب الأشرار، فقال: والله لا أكلمه ما حييت، فجاءه شخص وقال: إن ابنك يصاحب الأخيار وليس الأشرار، فكلمه أبوه، فليس على الوالد كفارة، لأنه عندما حلف، كان سبب اليمين، من أجل أن ابنه يصاحب الأشرار، فلما ظهر أنه يصاحب الأخيار علم أنه لم يكن قصده الحلف المطلق، وإنما الحلف المقيد ولم يتحقق هذا الشرط، فكأنه قال: إن كان ابني مصاحباً للأشرار فلا أكلمه، وهو وإن لم يقل هذا الشرط بلفظه فهو مضمر له في نفسه.
مثال آخر: قال والله لا أكلم زيداً لشربه الخمر، فكلمه وقد تركه، لم يحنث، لدلالة الحال على أن المراد ما دام على ذلك، وقد انقطع ذلك.
(ثم إلى التعيين).
أي إذا عدم السبب فإننا نرجع إلى التعيين، فإذا قصد عين الشيء المحلوف عليه [قصد ذاته] فإننا نرجع إلى ذلك.
فإذا حلف ألا يأكل من لحم هذه السخلة ثم إن السخلة أصبحت شاة فلا يأكل من لحمها، لأنها نفس العين التي حلف عليها
وكذلك لو قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم إن هذا الثوب شقق وأصبح سراويل، فإنه لا يلبسه، لأنه عيّن الثوب.
إلا إذا نوى أنه ما دام على تلك الصفة فهو نيته كما سبق: أن النية هي المرجع الأول، فلو قال، أنا قلت: والله لا ألبس هذا القميص،
ولم أقصد عين القميص لكن قصدي صفته، أي: لا ألبسه ما دام قميصاً، فشققه وجعله سراويل، فلا يحنث.
(ومن تأوَّلَ في يمينهِ فله تأويلُه إلا يكونَ ظالماً فلا ينفعُهُ تأويلُه).
التأويل في اليمين: أن يقصد بكلامه شيئاً محتملاً يخالف ظاهر اللفظ.
كأن يقول: والله إنه أخي، ويريد أخوة الإسلام، أو يقول، والله فلان ما هو بموجود، يريد محلاً معيناً.
وحكم هذا التأويل: لا بأس به في اليمين إلا يكون ظالماً فلا ينفعه.
стр. 3195
وقد قسم العلماء التأويل في اليمين إلى ثلاثة أقسام:
قال ابن قدامة: وَإِذَا حَلَفَ، فَتَأَوَّلَ فِي يَمِينِهِ، فَلَهُ تَأْوِيلُهُ إذَا كَانَ مَظْلُومًا.
وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا، لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُهُ.
لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُك) مَعْنَى التَّأْوِيلِ، أَنْ يَقْصِدَ بِكَلَامِهِ مُحْتَمَلًا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، نَحْوَ أَنْ يَحْلِفَ إنَّهُ أَخِي، يَقْصِدُ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ، أَوْ الْمُشَابَهَةَ.
وَلَا يَخْلُو حَالُ الْحَالِفِ الْمُتَأَوِّلِ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا، مِثْلَ مَنْ يَسْتَحْلِفُهُ ظَالِمٌ عَلَى شَيْءٍ، لَوْ صَدَقَهُ لَظَلَمَهُ، أَوْ ظَلَمَ غَيْرَهُ، أَوْ نَالَ مُسْلِمًا مِنْهُ ضَرَرٌ.
فَهَذَا لَهُ تَأْوِيلُهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُوَيْد بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ (خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا، فَحَلَفْت أَنَّهُ أَخِي، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ).
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ) يَعْنِي سَعَةَ الْمَعَارِيضِ الَّتِي يُوهِمُ بِهَا السَّامِعَ غَيْرَ مَا عَنَاهُ.
стр. 3196
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: الْكَلَامُ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ ظَرِيفٌ يَعْنِي لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَكْذِبَ؛ لِكَثْرَةِ الْمَعَارِيضِ، وَخَصَّ الظَّرِيفَ بِذَلِكَ؛ يَعْنِي بِهِ الْكَيِّسَ الْفَطِنَ، فَإِنَّهُ يَفْطِنُ لِلتَّأْوِيلِ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْكَذِبِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ ظَالِمًا، كَاَلَّذِي يَسْتَحْلِفُهُ الْحَاكِمُ عَلَى حَقٍّ عِنْدَهُ.
فَهَذَا يَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ الَّذِي عَنَاهُ الْمُسْتَحْلِفُ، وَلَا يَنْفَعُ الْحَالِفَ تَأْوِيلُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: الْيَمِينُ عَلَى مَا وَقَعَ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ سَاغَ التَّأْوِيلُ، لَبَطَلَ الْمَعْنَى الْمُبْتَغَى بِالْيَمِينِ، إذْ مَقْصُودُهَا تَخْوِيفُ الْحَالِفِ لِيَرْتَدِعَ عَنْ الْجُحُودِ، خَوْفًا مِنْ عَاقِبَةِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، فَمَتَى سَاغَ التَّأْوِيلُ لَهُ، انْتَفَى ذَلِكَ، وَصَارَ التَّأْوِيلُ وَسِيلَةً إلَى جَحْدِ الْحُقُوقِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
الْحَالُ الثَّالِثُ: لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا وَلَا مَظْلُومًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ لَهُ تَأْوِيلَهُ. (المغني).
стр. 3197
باب النذر
تعريفه: لغة: الإيجاب.
واصطلاحاً: إلزام المكلف نفسه شيئاً يملكه غير محال.
قوله (شيئاً يملكه) فإن نذر شيئاً لا يملكه لا يلزمه الوفاء به.
لحديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال (لا وفاء بنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد).
ولحديث ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ (لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَم) رواه أبو داود.
(وهُوَ منهي عنه).
أي: أن النذر وردت أحاديث في النهي عنه.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ قَالَ إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ) ق.
وفي رواية (النَّذْرُ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ).
وفي رواية (إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ).
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا تَنْذُرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِى مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيل) م.
قال النووي: وَأَمَّا قَوْله ﷺ (يُسْتَخْرَج بِهِ من الْبَخِيل) فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لا يَأْتِي بِهَذِهِ الْقُرْبَة تَطَوُّعًا مَحْضًا مُبْتَدِئًا وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهَا فِي مُقَابَلَة شِفَاء الْمَرِيض وَغَيْره مِمَّا تَعَلَّقَ النَّذْر عَلَيْهِ. (شرح مسلم).
стр. 3198
- الحكمة من النهي عن النذر:
أولاً: أن النذر لم تتمحض فيه نية التقرب إلى الله تعالى، بل سلك الناذر فيه سبيل المعاوضات.
مثل: إن نجحت في الاختبار فسأصوم كذا، فهو لن يصوم ذلك الصيام إلا بتحقق النجاح فإن لم ينجح فلن يصوم ذلك الصوم، وهذا من عمل البخلاء، كما قال ﷺ (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل).
ثانياً: أن الناذر يتوهم أنه إن نذر ربما حصل له ما علق النذر عليه، وهذا وهم جاء الشرع بإبطاله.
فيظن أن الله تعالى يفعل ذلك الغرض لأجل النذر وإذا لم ينذر لا يحققه سبحانه له، وهذا باطل، فكأن الناذر غير واثق بالله ، بحيث يعتقد أن الله لا يعطيه الشفاء إلا إذا أعطاه مقابله؛ ولهذا إذا أيس بعض الناس من الشفاء ذهبوا ينذرون! وفي هذا سوء ظن بالله .
ثالثاً: أن النذر لا يقدِّم ولا يؤخر شيئاً من قضاء الله وقدره.
فلا يقع به ما لم يكن في قضاء الله وقدره أنه سيقع، ولا يدفع به ما كان واقعاً، ولهذا في الحديث (النَّذْرُ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ).
رابعاً: أن الشرع لم يمدح عقد النذر، وإنما مدح الموفين به.
وفرق بين الأمرين، فمن وفى بنذره مُدح شرعاً؛ لأنه أدى ما وجب عليه، ولكنه لا يمدح لإيجابه ذلك الواجب على نفسه.
خامساً: أن النذر إلزام للإنسان بما جعله الله في حل منه.
وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه، ففيه زيادة واجبات على المرء قد لا يتمكن من القيام بها أو يتساهل فيها فيكون مذموماً عند الله.
سادساً أن الغالب أن الذي ينذر يندم.
وتجده يسأل العلماء يمينًا وشمالاً يريد الخلاص مما نذر لثقله ومشقته عليه.
سابعاً: أن النذر لو كان مستحبًا لفعله رسول الله ﷺ وأصحابه. (مقال في موقع الألوكة).
стр. 3199
قال النووي: قَالَ الْمَازِرِيّ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب النَّهْي عَنْ كَوْن النَّذْر يَصِير مُلْتَزَمًا لَهُ، فَيَأْتِي بِهِ تَكَلُّفًا بِغَيْرِ نَشَاط، قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَبه كَوْنه يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ الَّتِي اِلْتَزَمَهَا فِي نَذْره عَلَى صُورَة الْمُعَاوَضَة لِلْأَمْرِ الَّذِي طَلَبَهُ فَيَنْقُص أَجْره، وَشَأْن الْعِبَادَة أَنْ تَكُون مُتَمَحِّضَة لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَيَحْتَمِل أَنَّ النَّهْي لِكَوْنِهِ قَدْ يَظُنّ بَعْض الْجَهَلَة أَنَّ النَّذْر يَرُدّ الْقَدَر، وَيَمْنَع مِنْ حُصُول الْمُقَدَّر فَنَهَى عَنْهُ خَوْفًا مِنْ جَاهِل يَعْتَقِد ذَلِكَ، وَسِيَاق الْحَدِيث يُؤَيِّد هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم).
- وقد اختلف العلماء في حكم النذر على أقوال:
القول الأول: أنه حرام.
للأحاديث السابقة.
القول الثاني: أنه مكروه.
وهذا قول أكثر العلماء.
للأحاديث السابقة في النهي عنه، قالوا: والصارف عن التحريم أن الله أثنى على الموفين فقال (يوفون بالنذر).
القول الثالث: أنه مستحب، والذي ورد النهي عنه هو نذر المجازاة.
ونذر المجازاة هو: أن يعلق فعل الطاعة على وجود النعمة أو دفع النقمة كما لو قال: إن شفى الله مريضي فلله عليّ أن أصوم شهراً، قالوا: هذا هو المنهي عنه، أما ماعدا ذلك كما لو قال: لله عليّ أن أصوم شهراً، فهذا مستحب.
واختار هذا القول النووي.
стр. 3200
فائدة:
عقوبة من لم يفِ بالنذر:
أولاً: أن الشرع جاء بذمه، وبيَّن أنهم سيأتون بعد خير القرون.
عن عِمْرَان بْن حُصَيْن عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ فَمَا أَدْرِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَن). متفق عليه
ثانياً: ويخشى إذا لم يفعله أن يُعاقبه الله تعالى بالنِّفاق في قلبه.
قال تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ* وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ).
(ولا ينعقد إلا بالقول).
أي: أن النذر لا ينعقد إلا بالتلفظ به.
قال النووي (الصحيح بالاتفاق أنه لا يصح إلا بالقول، ولا تنفع النية وحدها، وليس له صفة معينة، بل كل ما دل على النذر فهو نذر مثل: لله علي عهد. . .، ولله على نذر. . .).
وقال في (الإنصاف) ولا يصح (النذر) إلا بالقول، فإن نواه من غير قول: لم يصح، بلا نزاع. انتهى.
فلو نذر بقلبه فهذا لا عبرة به، فلو نوى إن شفى الله مريضه أن يصوم شهراً، فلا يلزمه شيء ما دام أنه لم يتلفظ به.
(من مكلف مختار).
أي: أن النذر لا يصح إلا من بالغ عاقل مختار.
لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة .. وذكر: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق).
стр. 3201
فائدة:
يصح النذر من الكافر.
لحديث عمر قال: (قلت يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: فأوف بنذرك) متفق عليه.
فإن وفى به حال كفره برئت ذمته، وإن لم يف به لزمه أن يوفي به بعد إسلامه.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يشترط إسلام الناذر.
جاء في (الموسوعة الفقهية) فَيُشْتَرَطُ إِسْلَامُ النَّاذِرِ، لأِنَّ النَّذْرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً، وَفِعْل الْكَافِرِ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ قُرْبَةً. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَيَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. قَال صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ: وَيَصِحُّ النَّذْرُ مِنْ كَافِرٍ وَلَوْ بِعِبَادَةٍ، لِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ قَال: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ. (الموسوعة).
فائدة:
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ فَصَرَّحَ فِي صِيغَتِهِ اللَّفْظِيَّةِ أَوِ الْكِتَابِيَّةِ بِلَفْظِ (النَّذْرِ) أَنَّهُ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ، وَيَلْزَمُهُ مَا نَذَرَ.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي صِيغَةِ النَّذْرِ إِذَا خَلَتْ مِنْ لَفْظِ (النَّذْرِ) كَمَنْ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، وَلَمْ يَقُل نَذْرًا، وَعَمَّا إِذَا كَانَ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَيَلْزَمُهُ مَا نَذَرَ أَمْ لَا؟ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:
الاِتِّجَاهُ الأْوَّل: يَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّ النَّذْرَ يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُ النَّاذِرَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِي صِيغَتِهِ بِلَفْظِ النَّذْرِ، إِذَا أَتَى بِصِيغَةٍ تُفِيدُ الْتِزَامَهُ بِذَلِكَ.
رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ إِذْ قَال فِي رَجُلٍ قَال: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى الْكَعْبَةِ لِلَّهِ. هَذَا نَذَرَ فَلْيَمْشِ.
стр. 3202
وَقَال بِمِثْل قَوْلِهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَال أَصْحَابُ هَذَا الاِتِّجَاهِ: إِنَّ عَدَمَ ذِكْرِ لَفْظِ النَّذْرِ فِي الصِّيغَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي لُزُومِ النَّذْرِ إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِالأْقَاوِيل الَّتِي مَخْرَجُهَا مَخْرَجُ النَّذْرِ النَّذْرَ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِلَفْظِ النَّذْرِ.
وَقَالُوا كَذَلِكَ: إِنَّ مَنْ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ النَّذْرِ، فَإِنَّ لَفْظَةَ " عَلَيَّ " فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلإْيجَابِ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا قَال عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ قَال: هُوَ عَلَيَّ نَذْرٌ.
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: يَرَى مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّ النَّذْرَ لَا يَنْعَقِدُ إِلاَّ إِذَا صَرَّحَ فِي صِيغَتِهِ بِلَفْظِ النَّذْرِ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الاِتِّجَاهِ بِالْمَعْقُول فَقَالُوا: إِنَّ النَّذْرَ إِخْبَارٌ بِوُجُوبِ شَيْءٍ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّاذِرِ إِلاَّ أَنْ يُصَرِّحَ بِجِهَةِ الْوُجُوبِ. (الموسوعة).
(والصَّحِيحُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ، الْمُطْلَقُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئاً فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ).
هذا النوع الأول من أنواع النذر: النذر المطلق.
فلو نذر المسلم نذراً ولم يسم المنذور بل تركه مطلقا من غير تسمية أو تعيين كأن يقول: عليَّ نذر إن شفى الله مرضي ولم يُسمّ شيئا كان عليه كفارة يمين.
لحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (كَفَّارَةُ اَلنَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَزَادَ اَلتِّرْمِذِيُّ فِيهِ (إِذَا لَمْ يُسَمِّ) وَصَحَّحَه.
وَلِأَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعاً (مِنْ نَذَرَ نَذْراً لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً فِي مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ; إِلَّا أَنَّ اَلْحُفَّاظَ رَجَّحُوا وَقْفَهُ.
стр. 3203
قال النووي في ما معنى حديث (كَفَّارَةُ اَلنَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهِ، فَحَمَلَهُ جُمْهُور أَصْحَابنَا عَلَى نَذْر اللِّجَاج، وَهُوَ أَنْ يَقُول إِنْسَان يُرِيد الِامْتِنَاع مِنْ كَلَام زَيْد مَثَلًا: إِنْ كَلَّمْت زَيْدًا مَثَلًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّة أَوْ غَيْرهَا، فَيُكَلِّمهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْن كَفَّارَة يَمِين وَبَيْن مَا اِلْتَزَمَهُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا.
وَحَمَلَهُ مَالِك وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ عَلَى النَّذْر الْمُطْلَق، كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْر.
وَحَمَلَهُ أَحْمَد وَبَعْض أَصْحَابنَا عَلَى نَذْر الْمَعْصِيَة، كَمِنْ نَذَرَ أَنْ يَشْرَب الْخَمْر.
وَحَمَلَهُ جَمَاعَة مِنْ فُقَهَاء أَصْحَاب الْحَدِيث عَلَى جَمِيع أَنْوَاع النَّذْر، وَقَالُوا: هُوَ مُخَيَّر فِي جَمِيع النُّذُورَات بَيْن الْوَفَاء بِمَا اِلْتَزَمَ، وَبَيْن كَفَّارَة يَمِين. وَاللَّهُ أَعْلَم. (شرح مسلم).
وقال الشوكاني: والظاهر اختصاص الحديث بالنذر الذي لم يسم لأن حمل المطلق على المقيد واجب.
قال ابن قدامة: النَّذْرُ الْمُبْهَمُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَى نَذْرٌ.
فَهَذَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الشَّافِعِيَّ، قَالَ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ النَّذْرِ مَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
أ-وَلَنَا، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمِّهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ب-وَلِأَنَّهُ نَصٌّ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
стр. 3204
(الثاني: نذر الطاعة، فيجب الوفاء به).
هذا النوع الثاني من أنواع النذر: نذر الطاعة.
فهذا يجب الوفاء به، سواء كان مطلقاً أو معلقاً.
مثال المطلق: لله عليّ أن أصلي ركعتين.
مثال المعلق: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أصوم شهر.
عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ) رواه البخاري.
قال ابن قدامة: نَذْرُ طَاعَةٍ وَتُبَرَّرُ.
فَهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِلْآيَتَيْنِ وَالْخَبَرَيْنِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ.
أَحَدُهَا: الْتِزَامُ طَاعَةٍ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ اسْتَجْلَبَهَا، أَوْ نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَهَا، كَقَوْلِهِ: إنْ شَفَانِي اللَّهُ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ.
فَتَكُونُ الطَّاعَةُ الْمُلْتَزَمَةُ مِمَّا لَهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ بِالشَّرْعِ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ.
فَهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْتِزَامُ طَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ ابْتِدَاءً: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ.
فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: نَذْرُ طَاعَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ، كَالِاعْتِكَافِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ.
فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ فَرْعٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ. (المغني).
فائدة:
من شق عليه وعجز عن الاستمرار في النذر الواجب، فعليه أن يكفر كفارة يمين.
لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ، فَلْيَفِ بِهِ) رواه أبو داود.
стр. 3205
قال الحافظ ابن حجر: رواته ثقات، لكن أخرجه ابن أبي شيبة موقوفاً، وهو أشبه".
قال ابن قدامة: وجملته أن من نذر طاعة لا يطيقها، أو كان قادراً عليها فعجز عنها: فعليه كفارة يمين.
وقال الشوكاني: النذور المسماة إن كانت طاعة، فإن كانت غير مقدورة ففيها كفارة يمين وإن كانت مقدورة وجب الوفاء بها ـ سواء كانت متعلقة بالبدن، أو بالمال.
فائدة:
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقُرْبَةِ الْمَنْذُورَةِ أَنْ لَا تَكُونَ وَاجِبَةً عَلَى الإْنْسَانِ ابْتِدَاءً، كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ؛ لأِنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ لَهُ.
(الثالث: نذرُ المعصيةِ كشربِ خمْرٍ، وصوم يومِ الحيْض، فلا يجوز الوفاءُ به ويُكفّر).
هذا النوع الثالث من أنواع النذر: نذر المعصية.
فهذا لا يجوز الوفاء به، وعليه كفارة يمين.
مثال: رجل قال: لئن حدث كذا وكذا فلله علي نذر أن أشرب الخمر، فهذا لا يجوز أن يشرب الخمر.
لحديث عائشة السابق (. . . وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ).
- وعليه كفارة يمين.
وهذا المذهب.
لحديث عائشة قالت: قال ﷺ (لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين) رواه أبوداود، واحتج به أحمد وكذا إسحاق وصححه الطحاوي.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا كفارة عليه.
стр. 3206
وهذا قول جماهير العلماء.
لحديث عائشة - السابق - ( .. ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) قالوا: لو كانت الكفارة واجبة لذكرها النبي ﷺ ، فدل ذلك على عدم وجوبها.
قال الشنقيطي: فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ بِأَنَّهُ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ»، وَنَفْيُ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ أَثَرِهِ، فَإِذَا انْتَفَى النَّذْرُ مِنْ أَصْلِهِ انْتَفَتْ كَفَّارَتُهُ; لِأَنَّ التَّابِعَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْمَتْبُوعِ.
قَالُوا: وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنَ الْكَفَّارَةِ.
قَالُوا: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِأَنَّهُ (لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ).
وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: «إِنَّمَا النَّذْرُ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ»، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. وَفِي إِسْنَادِهِ مُنَاقَشَاتٌ تَرَكْنَاهَا اخْتِصَارًا (أضواء البيان).
والراجح القول الأول.
(الرابع: نذرُ المُباح، كلبسِ ثوبهِ، وركوبِ دابته، فيُخيّر بين فعلهِ، وكفارة يمين).
هذا النوع الرابع من أنواع النذر: نذر المباح.
فهذا حكمه أنه يخيّر بين فعله وبين كفارة يمين.
كأن يقول الرجل: لله علي نذر أن ألبس هذا الثوب.
فهنا يخير بين فعله وبين كفارة اليمين.
فنقول هو بالخيار: إن شئت البس الثوب وإن شئت كفر.
стр. 3207
فائدة:
وقد ذهب بعض العلماء: إلى أن نذرح المباح لا ينعقد ولا تجب فيه كفارة.
جاء في (الموسوعة الفقهية) نَذْرُ الْمُبَاحِ: هُوَ نَذْرُ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَرْغِيبٌ مِنْ قِبَل الشَّارِعِ، كَالأْكْل وَالشُّرْبِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالنَّوْمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ هَذَا النَّذْرِ وَصِحَّةِ الاِلْتِزَامِ بِالْمُبَاحَاتِ وَحُكْمِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ بِهَا إِنْ قِيل بِانْعِقَادِهِ وَصِحَّتِهِ، وَذَلِكَ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:
الاِتِّجَاهُ الأْوَّل: يَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ مُبَاحًا فَلَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ بِالأْوْلَى، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ انْعِقَادِ هَذَا النَّذْرِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ:
بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَال (بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذْ هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَل عَنْهُ فَقَالُوا: هَذَا أَبُو إِسْرَائِيل نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِل وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِل وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ).
وَبِحَدِيثِ (لَا نَذْرَ إِلاَّ فِيمَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ).
وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَال (نَذَرَتِ امْرَأَةٌ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَسُئِل نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِهَا، مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ).
وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَقَال: مَا بَال هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَال: إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ).
стр. 3208
فَقَدْ أَفَادَتْ هَذِهِ الأْحَادِيثُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرٌ لَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، وَنَذْرُ الْمَشْيِ أَوِ الْوُقُوفِ أَوْ تَرْكِ الاِسْتِظْلَال أَوِ الْكَلَامِ لَيْسَ نَذْرًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُهُ سُبْحَانَهُ، وَمِثْل هَذَا النَّذْرِ لَا يَنْعَقِدُ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ هَذِهِ الأْمُورِ بِالنَّذْرِ، وَلِهَذَا أَمَرَ مَنْ نَذَرَ الْقِيَامَ بِالْقُعُودِ، وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ بِالرُّكُوبِ، وَمَنْ نَذَرَ تَرْكَ الاِسْتِظْلَال بِأَنْ يَسْتَظِل، وَمَنْ تَرَكَ الْكَلَامَ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ، وَهَذَا مِنْهُ ﷺ يَدُل عَلَى عَدَمِ انْعِقَادِ النَّذْرِ بِذَلِكَ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَمَرَ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ سَاكِتَةً بِأَنْ تَتَكَلَّمَ).
وَقَالُوا: إِنَّ الْمُبَاحَ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ قُرْبَةٌ لاِسْتِوَاءِ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ.
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: يَرَى مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّ مَنْ نَذَرَ مُبَاحًا فَنَذْرُهُ مُنْعَقِدٌ وَصَحِيحٌ، إِلاَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، بَل يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْفِعْل وَالتَّرْكِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ.
وَاسْتَدَل هَؤُلَاءِ عَلَى ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ:
مِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ قَال (خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْهَا جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ. فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ صَالِحًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى. فَقَال لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلاَّ فَلَا، فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ).
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ قَدِ الْتَزَمَتْ بِمُقْتَضَى هَذَا النَّذْرِ أَنْ تَضْرِبَ بِالدُّفِّ، وَأَنْ تُغَنِّيَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ إِنْ رَدَّهُ اللَّهُ سَالِمًا مِنَ الْغَزْوِ، وَالضَّرْبُ بِالدُّفِّ وَالْغِنَاءُ عِنْدَ قُدُومِ الْغَائِبِ أَبَاحَهُ الْفُقَهَاءُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا الْتَزَمَتْهُ بِالنَّذْرِ، فَدَل هَذَا عَلَى أَنَّ نَذْرَ الْمُبَاحِ مُنْعَقِدٌ وَصَحِيحٌ، وَأَنَّ لِلنَّاذِرِ أَنْ يَفِيَ بِهِ إِنْ شَاءَ.
стр. 3209
وَقَالُوا: إِنَّ مِنَ الْمَعْقُول أَنَّ الْمَرْءَ لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ بَرَّ بِفِعْلِهِ، فَكَذَلِكَ إِذَا نَذَرَهُ، لأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ.
(الخامس: نَذْرُ اللِّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَهو تَعْلِيقُ نَذرِهِ بِشَرْطٍ يَقْصِدُ الْمَنْعَ مِنْهُ، أَوِ الْحَمْلَ عَلَيْهِ، أَوِ التَّصْدِيقَ أَوِ التَّكْذِيبَ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ، وكَفَّارَةِ يَمِينٍ).
هذا النوع الخامس من أنواع النذر: نذر اللجاج والغضب.
أي النذر الذي سببه الخصومة أو المنازعة، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب.
فهذا يخير بين فعله أو كفارة يمين.
[أن يقصد المنع منه] كأن يقول: لله علي نذر أن أصوم سنة إن فعلت كذا.
[أن يقصد الحمل عليه] كأن يقول: إن لم أصل في الجماعة في المسجد فلله علي صوم سنة.
[أو تصديق خبره] كرجل قيل له - لما أخبر بخبر - أنت كاذب، فقال: إن كنت كاذباً فلله علي صوم سنة.
[أو تكذيبه] كأن يقول السامع: إن كنت صادقاً فلله علي أن أصوم سنة.
فإذا كان المراد منه المنع أو الحمل على الفعل أو التصديق أو التكذيب فقد جرى مجرى اليمين فيخير بين فعله وبين كفارة اليمين
فإذا قال مثلاً: إن زرت فلاناً فعليّ صيام سنة، فنقول: إن شئت أن تزوره وعليك كفارة يمين وإن شئت ألا تزوره.
مثال آخر: لو قال: إن لم أسافر اليوم إلى مكة فعليّ صيام شهر، ولم يسافر، فحكمه هنا حكم اليمين، فهو مخير، إن سافر فلا شيء عليه، وإن لم يسافر فعليه كفارة يمين.
ودليل ذلك: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (من نذر في غضب فعليه كفارة يمين) رواه أبوداود.
لكن الحديث إسناده ضعيف لكنه ثابت عن عمر، وعن عائشة كما في موطأ مالك.
قال ابن قدامة: إذَا أَخْرَجَ النَّذْرَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، بِأَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بِهِ شَيْئًا، أَوْ يَحُثَّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا، فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ، أَوْ صَدَقَةُ مَالِي، أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ.
стр. 3210
فَهَذَا يَمِينٌ، حُكْمُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَبَيْنَ أَنْ يَحْنَثَ، فَيَتَخَيَّرَ بَيْنَ فِعْلِ الْمَنْذُورِ، وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَيُسَمَّى نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ نَذْرُ التَّبَرُّرِ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْقَاسِمُ، وَالْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَرِيكٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
أ-لمَا رَوَى عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
ب-وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ، أَوْ الْهَدْيِ، أَوْ جَعْلِ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ فِي الْمَسَاكِينِ، أَوْ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ).
ج- وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ.
د- وَلِأَنَّهُ يَمِينٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ).
وَدَلِيلُ أَنَّهُ يَمِينٌ، أَنَّهُ يُسَمَّى بِذَلِكَ، وَيُسَمَّى قَائِلُهُ حَالِفًا، وَفَارَقَ نَذْرَ التَّبَرُّرِ؛ لِكَوْنِهِ قَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْبِرَّ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، وَهَا هُنَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ قُرْبَةً وَلَا بِرًّا، فَأَشْبَهَ الْيَمِينَ مِنْ وَجْهٍ وَالنَّذْرَ مِنْ وَجْهٍ، فَخُيِّرَ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِهِ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ. (المغني).
стр. 3211
(وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ).
من نذر صوم شهر لزمه التتابع. كأن يقول: لله علي نذر أن أصوم شهراً، فيلزمه التتابع.
وذلك لأن هذا هو مقتضى إطلاق اللفظ.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يلزمه التتابع إلا بنية أو شرط.
وهذا القول هو الصحيح.
لقوله تعالى في الكفارة (فصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فلو كان إطلاق الشهر يقتضي التتابع لما احتيج أن يقيده الله تعالى بالتتابع.
تنبيه:
إن نذر صوم شهراً بعينه كصفر، فهذا يلزمه التتابع.
فائدة:
إذا نذرت المرأة أن تصوم شهراً، فإنها تقضي أيام حيضها، كما أنها تقضي أيام حيضها في شهر رمضان.
وجاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) يجب عليك صوم الشهر الذي نذرت صيامه، وإن أفطرت منه شيئا بسبب الحيض فعليك قضاء عدد الأيام التي أفطرتيها من الشهر.
(وَإِنْ نَذَرَ أَيَّاماً مَعْدُودَةً لَمْ يَلْزمْهُ إِلاَّ بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ).
أي: إن نذر صيام أيام لم يلزمه التتابع إلا بشرط أو نية.
فإذا قال: لله علي نذر أن أصوم ثلاثة أيام، لم يلزمه التتابع، فيجوز أن يصومها متتابعة أو متفرقة.
إلا أن يشترط أو ينوي.
يشترط: كأن يقول لله علي أن أصوم ثلاثة أيام متتابعة فهنا يلزمه التتابع.
ينوي: كأن يقول لله علي أن أصوم ثلاثة أيام، وينوي أنها متتابعة فيلزمه التتابع.
стр. 3212
قال البهوتي ﵀: وإن نذر صيام أيام معدودة ولو ثلاثين يوماً لم يلزمه تتابع؛ لأن الأيام لا دلالة لها على التتابع بدليل قوله تعالى (فعدة من أيام أخر) إلا بشرط؛ بأن يقول: متتابعة أو نية فيلزمه الوفاء بنذره. (كشاف القناع).
(وإنْ جمعَ في النذرِ بين الطاعة وغيرِها، فعليهِ الوفاء بالطاعة وحدَها).
أي: إن جمع بين نذر مباح أو نذر معصية، ونذر طاعة، فيجب أن يفي بالطاعة، وأما المباحة فهو مخير بين أن يأتي بها، وبين أن يتركها.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ، وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) رواه البخاري.
قال الشنقيطي: وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ نَذْرِهِ مِنْ جِنْسِ الطَّاعَةِ، وَهُوَ الصَّوْمُ أَمَرَهُ ﷺ بِإِتْمَامِهِ، وَفَاءً بِنَذْرِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرِهِ مُبَاحًا لَا طَاعَةً، كَتَرْكِ الْكَلَامِ، وَتَرْكِ الْقُعُودِ، وَتَرْكِ الِاسْتِظْلَالِ، أَمَرَهُ بِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِهِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ. (الأضواء)
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ (نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اَللَّهِ حَافِيَةً، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْخَمْسَةِ فَقَالَ (إِنَّ اَللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئاً، مُرْهَا: [فَلْتَخْتَمِرْ] وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ).
(نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اَللَّهِ حَافِيَةً) أي: بدون نعل، جاء في رواية (أن تحج ماشية).
стр. 3213
وعند أحمد وأصحاب السنن (أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة)، وعند أبي داود (أن عقبة سأل النبي ﷺ فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت وشكا إليه ضعفها).
(فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ (لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ) قال النووي: مَعْنَاهُ تَمْشِي فِي وَقْت قُدْرَتهَا عَلَى الْمَشْي، وَتَرْكَب إِذَا عَجَزَتْ عَنْ الْمَشْي أَوْ لَحِقَتْهَا مَشَقَّة ظَاهِرَة فَتَرَكَّبَ.
في هذا الحديث نذرت هذه المرأة أن تمشي إلى بيت الله الحرم حافية، فاشتمل هذا النذر على أمرين:
الأمر الأول: أن تقصد المسجد الحرام.
الأمر الثاني: أن تذهب للمسجد الحرام حافية.
وحيث إن النذر إذا اشتمل على عبادة وعلى أمر غير عبادة، فلكل واحد حكمه:
فنذر العبادة (وهو قصد البيت الحرم) يجب الوفاء به.
ونذر المباح (أن تمشي حافية) فإنها تكفر عن يمينها، لأن نذر الذهاب للمسجد حافية ليس من مقصود العبادة.
ففي هذا الحديث حكم من نذر طاعة وغير طاعة:
- فما كان طاعة فإنه يجب الوفاء به.
لقوله ﷺ (من نذر أن يطيع الله فليطعه) رواه البخاري.
- وما كان غير طاعة [مباح] فهو مخير وإن تركه فعليه كفارة يمين.
стр. 3214
(ومَنْ نذرَ الصدقةَ بمالهِ أجزأهُ ثُلُثهُ).
أي: من نذر أن يتصدق بجميع ماله أجزأ عنه إخراج الثلث.
وهذه المسألة وقع فيها خلاف بين العلماء، ذكر هذا الخلاف ابن قدامة.
قال ابن قدامة: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ.
لقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي لُبَابَةَ، حِينَ قَالَ: إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ: يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ).
وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ (قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْضَ مَالِكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَبِي دَاوُد (يُجْزِئُ عَنْك الثُّلُثُ).
القول الثاني: أنه يتصدق بجميع ماله.
وَهذا قولَ الشَّافِعِيُّ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ).
وَلِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَنَذْرِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. (المغني).
والراجح: الله أعلم.
стр. 3215
قال الشنقيطي: الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ جَمِيعَ مَالِهِ لِلَّهِ لِيُصْرَفَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَنَّهُ يَكْفِيهِ الثُّلُثُ وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُ الْجَمِيعِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْعُلَمَاءِ عَشَرَةُ مَذَاهِبَ أَظْهَرُهَا عِنْدَنَا: هُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَيَلِيهِ فِي الظُّهُورِ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ كُلُّهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالنَّخَعِيِّ.
ثم ذكر ﵀ حديث كعب (إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) ثم قال: فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ كَعْبًا غَيْرُ مُسْتَشِيرٍ بَلْ مُرِيدُ التَّجَرُّدِ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ، كَمَا فِي تَرْجَمَةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَمَرَهُ ﷺ بِأَنْ يُمْسِكَ بَعْضَ مَالِهِ، وَصَرَّحَ لَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ الْبَعْضَ الَّذِي يُمْسِكُهُ بِالثُّلُثَيْنِ، وَأَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِهِ، فَيَسْتَدِلُّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ) وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى إِيفَائِهِ بِنَذْرِهِ، وَلَوْ أَتَى عَلَى كُلِّ الْمَالِ، إِلَّا أَنَّ دَلِيلَ مَا قَبْلَهُ أَخَصُّ مِنْهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَالْأَخَصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَعَمِّ.
فائدة: ١
وجاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) من نذر نذراً يترتب عليه إطعام طعام فالأصل أن الناذر لا يأكل من نذره إلا أن يشترط أو ينوي أن يأكل من نذره، فإنه يباح له الأكل كما اشترط أو نوى.
فائدة: ٢
إذا نذر شخص الصلاة في أحد المساجد الثلاثة لزمه الوفاء بنذره.
لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا) متفق عليه.
• لو نذر الصلاة في المسجد الأقصى جاز أن يصليها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي.
стр. 3216
• لو نذر الصلاة في المسجد النبوي جاز أن يصليها في المسجد الحرام ولم يجز أن يصليها في المسجد الأقصى.
• لو نذر أن يصلي في المسجد الحرام فإنه لا يجوز له أداؤها إلا فيه لعدم جواز الانتقال من الأفضل إلى المفضول.
ويدل لذلك:
ما جاء في حديث جابر (أن رجلاً قام يوم الفتح فقال يا رسول الله! إني نذرت لله إن فتح عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: صل ههنا، ثم أعاد عليه، فقال: صل ههنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذاً) رواه أبوداود.
فائدة: ٣
مسألة نقل النذر، هذه المسألة لها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن ينقله من المفضول إلى الفاضل: فهذا لا بأس به.
مثال: لو نذر أن يصوم يوم الثلاثاء، ثم صام يوم الإثنين، فهنا لا يحنث، لأنه نقل نذره من مفضول إلى فاضل، فهو أتى بالمفضول وزيادة.
الحالة الثانية: أن ينقله من مساوٍ إلى مساو: فهذا تلزمه كفارة يمين.
مثال: لو نذر أن يصوم يوم الأربعاء فصام يوم الثلاثاء.
الحالة الثالثة: أن ينقل من فاضل إلى مفضول.
مثال: لو نذر صيام يوم الإثنين، ثم صام يوم الثلاثاء، فليس له ذلك، وعليه أن يصوم يوم الإثنين، لأن النذر لم يقع موقعه.
فائدة: ٤
النذر لا يصح الرجوع فيه.
لقول عمر ﵁: (أربع جائزة في كل حال [أي ماضية نافذة]: العتق والطلاق والنكاح والنذر) رواه ابن أبي شيبة.
وعن علي (أربع لا رجوع فيهن إلا بالوفاء: النكاح، والطلاق، والعتاق، والنذر) ذكره ابن حزم في المحلى.
стр. 3217
كتاب الجهاد
الجهاد لغة: استفراغ الوسع والطاقة من قول أو فعل.
واصطلاحاً: قال الحافظ ابن حجر: بذل الجهد في قتال الكفار.
(فضلُهُ عظِيم).
أي: أن الجهاد فضله عظيم، جاءت النصوص الكثيرة في بيان فضله وعلو منزلته في الإسلام.
أولاً: أن الروحة في سبيل الله خير من الدنيا بما فيها.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا). متفق عليه
قوله (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) قولان:
قيل: فَضْل الْغَدْوَة وَالرَّوْحَة فِي سَبِيل اللَّه وَثَوَابهمَا خَيْر مِنْ نَعِيم الدُّنْيَا كُلّهَا لَوْ مَلَكهَا الْإِنْسَان، وَتَصَوَّرَ تَنَعُّمه بِهَا كُلّهَا؛ لِأَنَّهُ زَائِل وَنَعِيم الْآخِرَة بَاقٍ.
وقيل: أن ثواب الغدوة والروحة أفضل من الدنيا وما فيها لو ملكها مالك، فأنفقها في وجوه البر والطاعة غير الجهاد.
قال ابن دقيق العيد: والثاني: أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله تعالى.
قلت -ابن حجر- ويؤيد هذا الثاني ما رواه بن المبارك في كتاب الجهاد من مرسل الحسن قال بعث رسول الله ﷺ جيشاً فيهم عبد الله بن رواحة فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم، والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد. (الفتح).
стр. 3218
قال النووي: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ فَضْل الْغَدْوَة وَالرَّوْحَة فِي سَبِيل اللَّه وَثَوَابهمَا خَيْر مِنْ نَعِيم الدُّنْيَا كُلّهَا لَوْ مَلَكهَا الْإِنْسَان، وَتَصَوَّرَ تَنَعُّمه بِهَا كُلّهَا؛ لِأَنَّهُ زَائِل وَنَعِيم الْآخِرَة بَاقٍ، قَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ فِي مَعْنَاهُ وَمَعْنَى نَظَائِره مِنْ تَمْثِيل أُمُور الْآخِرَة وَثَوَابهَا بِأُمُورِ الدُّنْيَا: أَنَّهَا خَيْر مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَوْ مَلَكَهَا إِنْسَان، وَمَلَكَ جَمِيع مَا فِيهَا وَأَنْفَقَهُ فِي أُمُور الْآخِرَة، قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَلَيْسَ تَمْثِيل الْبَاقِي بِالْفَانِي عَلَى ظَاهِر إِطْلَاقه.
ثانياً: أنه من أفضل الأعمال.
أ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُور) متفق عليه.
ب- وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: (سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِه) متفق عليه.
قال ابن حجر: وفي الحديث أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان.
ج- وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ (يَا رَسُولَ اللهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ: لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ). رواه البخاري
فالرسول ﷺ في هذا الحديث أقر عائشة على قولها: نرى الجهاد أفضل العمل، ثم بيّن أن الحج بالنسبة إلى النساء هو أفضل من الجهاد.
ثالثاً: أن المجاهد أفضل الناس.
عن أَبَي سَعِيد الْخُدْرِي. قَالَ (قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ قَالُوا ثُمَّ مَنْ قَالَ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّه) متفق عليه.
стр. 3219
رابعاً: الجهاد لا يعدله شيء.
عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالى) متفق عليه.
ولفظ البخاري: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ قَالَ: لَا أَجِدُهُ قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ، وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ، وَلَا تُفْطِرَ قَالَ، وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ).
قال النووي: قَوْله ﷺ (مَثَل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه كَمَثَلِ الصَّائِم الْقَائِم الْقَانِت بِآيَاتِ اللَّه … إِلَى آخِره) مَعْنَى الْقَانِت هُنَا: الْمُطِيع. وَفِي هَذَا الْحَدِيث عَظِيم فَضْل الْجِهَاد؛ لِأَنَّ الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْقِيَام بِآيَاتِ اللَّه أَفْضَل الْأَعْمَال، وَقَدْ جَعَلَ الْمُجَاهِد مِثْل مَنْ لَا يَفْتُر عَنْ ذَلِكَ فِي لَحْظَة مِنْ اللَّحَظَات، وَمَعْلُوم أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : " لَا تَسْتَطِيعُونَهُ " وَاللَّهُ أَعْلَم. (نووي).
خامساً: للمجاهدين مائة درجة في الجنة.
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) رواه البخاري.
سادساً: الجهاد سبب للنجاة من النار.
عن أَبي عَبْس. أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ) رواه البخاري.
وفي لفظ (مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ).
(ما اغبرت) جاء عند أحمد (ساعة من نهار)، (في سبيل الله) لا من أجل وطنية أو قبلية أو رياء.
قال الحافظ ابن حجر: وفي ذلك إشارة إلى عظم قدر التصرف في سبيل الله، فإذا كان مجرد مسّ الغبار للقدم يحرم عليها النار، فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفذ وسعه؟.
стр. 3220
سابعاً: من أسباب دخول الجنة.
أ- قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ).
ب- عن أبَي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ) متفق عليه.
ج- وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أَوْفَى. قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوف) متفق عليه.
والمعنى: وَالسَّبَب الْمُوَصِّل إِلَى الْجَنَّة عِنْد الضَّرْب بِالسُّيُوفِ فِي سَبِيل اللَّه، وَمَشْي الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيل اللَّه، فَاحْضُرُوا فِيهِ بِصِدْقِ وَاثْبُتُوا.
د- وعن أبي موسى. قال: قال ﷺ (إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوف) رواه مسلم.
قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ: إِنَّ الْجِهَاد وَحُضُور مَعْرَكَة الْقِتَال طَرِيق إِلَى الْجَنَّة وَسَبَب لِدُخُولِهَا.
قال القرطبي: قوله (. . . الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوف) هذا الكلام من النفيس البديع الذي جمع ضروب البلاغة مع جزالة اللفظ وعذوبته وحسن استعارته، وشمول المعاني الكثيرة مع الألفاظ المقبولة الوجيزة بحيث يعجز الفصحاء اللسن البلغاء عن إيراد مثله، وأن يأتوا بنظيره وشكله، فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد والإخبار بالثواب عليه.
هـ- وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال (لا يلجُ النارَ رجلٌ بكى من خشية الله، حتَّى يعودَ اللَّبَنُ في الضّرع، ولا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنَّم) رواه الترمذي.
стр. 3221
ثامناً: المجاهد يكون الله في عونه.
عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَاف) رواه الترمذي.
تاسعاً: الجهاد ذروة سنام الإسلام.
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ». قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَاد) رواه الترمذي. ذروة الشيء: أعلاه.
عاشراً: نفى سبحانه التسوية بين المؤمنين المجاهدين وغير المجاهدين.
قال تعالى (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً).
الحادي عشر: أن الجهاد سبب لمغفرة الذنوب.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
стр. 3222
(وفي تركهِ الذلُ والهَوَان).
أي: أن ترك الجهاد له عواقب وخيمة وكبيرة:
أولاً: سبب للذل والهوان.
عن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) رواه أبو داود.
وقد بوّب البخاري باباً على هذا المعنى في الصحيح فقال:
باب مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاِشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ، أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ.
ثم ذكر حديثاً:. . .، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلاَّ أُدْخِلَهُ الذُّلُّ.
قال العيني: المقصود الترغيب والحث على الجهاد.
وقد جاء عند الترمذي قال ﷺ (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا).
الضيعة: التجارة والصناعة والزراعة وغير ذلك. (النهاية).
ثانياً: سبب للبلاء.
قال ﷺ (من لم يغزو أو يجهز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة) رواه أبو داود.
والقارعة هي الدَاهِيَة المُهْلِكَة التي تأتي فجأة، يقال: قَرَعَهُ أَمْرٌ إِذَا أَتَاهُ فَجْأَة.
стр. 3223
ثالثاً: سبب لعذاب الله وبطشه.
قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير).
وَقَالَ تَعَالَى (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ) فَسّرَ أَبُو أَيّوبَ الْأَنْصَارِيّ الْإِلْقَاءَ بِالْيَدِ إلَى التّهْلُكَةِ بِتَرْكِ الْجِهَاد.
روى الترمذي عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ (كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّومِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ! يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاحِهَا، وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
قال في (تحفة الأحوذي) وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِلْقَاءِ الْأَيْدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ الإِقَامَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ وَتَرْكُ الْجِهَاد.
стр. 3224
رابعاً: تركه من خصال المنافقين.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاق) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
(وَلَمْ يَغْزُ) أي: لم يخرج للجهاد في سبيل اللَّه تعالى. (وَلَمْ يُحَدِّث نَفْسَهُ بِغَزْوٍ) من التحديث، قيل: بأن يقول في نفسه: يا ليتني كنت غازيًا، أو المراد: ولم ينو الجهاد، وعلامته إعداد الآلات، كما قال اللَّه تعالى (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً). (مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاق) بضمّ الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: أي خلق من أخلاق المنافقين. قيل: أشبه المنافقين المتخلّفين عن الجهاد.
قال النووي: الْمُرَاد أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَشْبَهَ الْمُنَافِقِينَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْجِهَاد فِي هَذَا الْوَصْف، فَإِنَّ تَرْك الْجِهَاد أَحَد شُعَب النِّفَاق.
قال ابن تيمية: ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد فإنه من خصال المنافقين.
خامساً: سبب لإفساد أهل الأرض بالقضاء على دينهم.
قال تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين).
سادساً: ترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة للمسلمين.
منها الأجر والثواب والشهادة والمغنم والتربية الإيمانية التي لا تحصل بدون الجهاد ودفع شر الكفار وإذلالهم.
قال ابن تيمية: فَإِذَا تَرَكَ النَّاسُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ يَبْتَلِيهِمْ بِأَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ حَتَّى تَقَعَ بَيْنَهُمْ الْفِتْنَةُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ إذَا اشْتَغَلُوا بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَمَعَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَأَلَّفَ بَيْنَهُمْ وَجَعَلَ بَأْسَهُمْ عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّهِم.
стр. 3225
فائدة:
من كلمات ابن تيمية في الجهاد وفضله:
قال ابن تيمية: الجهاد في سبيل الله مقصوده أن يكون الدين كلّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا.
وقال ﵀: نفع الجهاد عامٌ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتملٌ من محبة الله تعالى، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله، وسائر أنواع العمل: على ما لا يشتمل عليه عملٌ آخر.
وقال ﵀: ولمّا كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلاّ بالشجاعة والكرم: بيّن سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، فقال (يا أيها الذين آمنوا! ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؟ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ قليل. إلاّ تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضرّوه شيئاً، والله على كلّ شيء قدير). وقال تعالى (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم لفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم). وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل السابقين، فقال (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى). وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله، ومدحه في غير آية من كتابه، وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه، فقال (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين).
وقال: الأمر بالجهاد، وذكر فضائله في الكتاب والسنة: أكثر من أن يحصر. ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة، ومن الصلاة التطوع، والصوم التطوع، كما دلّ عليه الكتاب والسنة.
وقال: لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه.
следующие страницы →