Полный текст (3 390 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
ثانياً: الجوارح، وهي الكواسر من السباع، كالكلاب والطير، كما سيأتي إن شاء الله.
فالنوع الأول: ماله حد يجرح كسيف، وسكين، وسهم.
فهذا يشترط له ما يشترط لآلة الذكاة:
وتقدم أن آلة الذبح يشترط فيها أن تكون غير سن ولا ظفر.
وأن يجرح.
أي: ويشترط أيضاً أن يجرح الصيد.
(فلو قتل الصيد بثقله لم يبح).
فمن أجل ثقله مات الصيد فإنه لا يحل، لأنه لا بد أن يجرح.
عَنْ عَدِي بن حاتم قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ اَلْمِعْرَاضِ فَقَالَ (إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ، فَقُتِلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِي.
(صَيْدِ اَلْمِعْرَاض) قال النووي: بكسر الميم، هي خشبة ثقيلة أو عصا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، هذا هو الصحيح في تفسيره.
وفي رواية (إذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ).
(إذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ) أي: بأن نفذ في اللحم، وقطع شيئاً من الجلد.
(فَكُلْ) لأنه قد ذكي ذكاة شرعية.
(وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ) أي: بغير طرفه المحدد.
(فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ) أي: فهو حرام، لعدّ الله تعالى الموقوذة منْ المحرّمات. و"الوقيذ": -بِالْقَافِ، وآخِره ذال مُعْجَمة، وَزْن عَظِيم، فعِيل بِمعنى مفْعُول، وهُوَ مَا قُتِل بِعصًا، أو حَجَر، أوْ مَا لا حَدّ لهُ، والموْقُوذَة: هي الَّتِي تُضْرب بِالخَشَبةِ حتَّى تَمُوت.
стр. 3152
قال النووي: وَالْوَقْذ وَالْمَوْقُوذ هُوَ الَّذِي يُقْتَل بِغَيْرِ مُحَدَّد مِنْ عَصًا أَوْ حَجَر وَغَيْرهمَا.
فهذا الحديث يفيد: أن المعراض وغيره من السلاح إن قتل الصيد بحده ونفوذه فهو مباح، لحصول المقصود وهو إنهار الدم، وإن قتله بصدمه وثقله فلا يباح، لأنه وقيذ محرم.
قال النووي: وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالْجَمَاهِير: أَنَّهُ إِذَا اِصْطَادَ بِالْمِعْرَاضِ فَقَتَلَ الصَّيْد بِحَدِّهِ حَلَّ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلّ لِهَذَا الْحَدِيث.
وَقَالَ مَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ فُقَهَاء الشَّام: يَحِلّ مُطْلَقًا. (شرح مسلم)
وقال ابن حجر: وَحَاصِله أنَّ السَّهْم، وما فِي معناهُ، إِذَا أصَابَ الصَّيد بِحدِّهِ حَلَّ، وكانت تِلك ذكاته، وإِذَا أصَابهُ بِعَرْضِهِ لمْ يحِلّ؛ لِأنَّهُ فِي مَعْنى الخَشَبة الثَّقِيلة، والحَجَر، وَنَحْو ذَلِكَ مِن المُثَقَّل.
(وَمَا لَيْسَ بِمُحَدَّدٍ كَالْبُنْدُقِ، وَالْعَصَا، وَالشَّبَكَةِ، وَالْفَخِّ لَا يَحِلُّ مَا قُتِلَ بِهِ).
أي: إذا كانت الآلة ليست محددة، فإنه لا يحل ما قتل بها:
كالبندق: واحدها بندقة، وهي عبارة عن حصاة يرمى بها.
فهذه البندق لو رمى بها صيد فمات فلا يحل، لأنه غير محدد.
العصا: أن يضرب الصيد بالعصا فيقتل فلا يحل، لأنه لا يجرح.
الشبكة والفخ: إذا مات الصيد فيها اختناقاً فلا يحل.
стр. 3153
(وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الجَارِحَةُ، فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً).
النوع الثاني من آلات الصيد: الجارحة. ويدخل فيها نوعان:
ما يصيد بمخلبه: كالصقر، والبازي، والعقاب ونحوها.
ما يصيد بنابه: كالفهد، والكلب.
وكلاهما يحل به الصيد.
لقوله (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ).
فائدة:
قال ابن قدامة: وَكُلُّ مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، وَيُمْكِنُ الِاصْطِيَادُ بِهِ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، كَالْفَهْدِ، أَوْ جَوَارِحِ الطَّيْرِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكَلْبِ فِي إبَاحَةِ صَيْدِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي قَوْله تَعَالَى (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ) هِيَ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ، وَكُلُّ طَيْرٍ تَعَلَّمَ الصَّيْدَ، وَالْفُهُودُ وَالصُّقُورُ وَأَشْبَاهُهَا.
وَبِمَعْنَى هَذَا قَالَ طاووس، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّيْدُ إلَّا بِالْكَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين) يَعْنِي كَلَّبْتُمْ مِنْ الْكِلَابِ.
وَلَنَا؛ مَا رُوِيَ عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ (سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي، فَقَالَ: إذَا أَمْسَكَ عَلَيْك، فَك).
وَلِأَنَّهُ جَارِحٌ يُصَادُ بِهِ عَادَةً، وَيَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، فَأَشْبَهَ الْكَلْب. (المغني).
стр. 3154
(إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً).
أي: يشترط لحل الصيد بهذه الجوارح أن تكون معلمة.
قال ابن قدامة: أَنْ يَكُونَ الْجَارِحُ مُعَلَّمًا، وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ.
أ- لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ).
ب- وَعَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُل) متفق عليه.
(بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لا يأكل).
هذه صفة تعليم الكلب:
أولاً: بأن يسترسل إذا أرسل.
ثانياً: وينزجر إذا زجر.
وهذا يكون لأحد غرضين: يكون بطلب وقوفه وكفه عن العدو، ويكون الزجر لإغراء الجارح بزيادة العدو في طلب الصيد.
وهذان الشرطان اتفقت المذاهب الأربعة على اعتبارهما.
(وإذا أمسك لا يأكل).
فإن أكل لم يبح.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد.
قال النووي: وبه قال أكثر العلماء.
أ-لحديث عدي -فقد جاء في رواية- (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِه). وهذا نص.
ب-ولقوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) وهذا مما لم يمسك علينا بل على نفسه.
وذهب بعض العلماء: أنه يحل.
стр. 3155
وهو قول مالك.
واستدلوا بحديث أبي ثعلبة قال (يا رسول الله، إن لي كلاباً مكلبة، فأفتني في صيدها؟ قال: كل مما أمسكن عليك، قال: وإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه) رواه أبو داود، وقال الحافظ: لا بأس بسنده.
والراجح القول الأول.
وأما الجواب عن حديث أبي ثعلبة:
أن حديث عدي مقدم عليه، لأنه أصح.
ومنهم من حمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه وفارقه ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر.
وأيضاً رواية عدي صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم، وهو خوف الإمساك على نفسه متأيّدة بأن الأصل في الميتة التحريم.
فائدة: وأما تعليم الطير فإنه يكون بأمرين:
أن يسترسل إذا أرسل - أن ينزجر إذا زجر.
واختلفوا هل يشترط أن لا يأكل أم لا على قولين:
فقيل: يشترط.
وهذا مذهب الشافعي قياساً على جارحة الكلب.
وقيل: لا يشترط.
وهذا قول الحنفية والحنابلة.
وهذا الراجح.
قال ابن قدامة: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصَّيْدِ بِالْبَازِي مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّيْدِ بِالْكَلْبِ، إلَّا تَرْكُ الْأَكْلِ، فَلَا يُشْتَرَطُ، وَيُبَاحُ صَيْدُهُ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ.
стр. 3156
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّخَعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
لإجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ، فَلَا تَأْكُلْ مِنْ الصَّيْدِ، وَإِذَا أَكَلَ الصَّقْرُ، فَكُلْ؛ لِأَنَّك تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْرِبَ الْكَلْبَ، وَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْرِبَ الصَّقْرَ.
وَلِأَنَّ جَوَارِحَ الطَّيْرِ تُعَلَّمُ بِالْأَكْلِ، وَيَتَعَذَّرُ تَعْلِيمُهَا بِتَرْكِ الْأَكْلِ، فَلَمْ يَقْدَحْ فِي تَعْلِيمِهَا، بِخِلَافِ الْكَلْبِ وَالْفَهْدِ. (المغني).
(الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الآلَةِ قَاصِداً).
هذا الشرط الثالث: إرسال الآلة بنوعيها قاصداً الصيد.
لأن الكلب أو البازي آلة، والذبح لا يحصل بمجرد الآلة بل لا بد من الاستعمال، وذلك فيهما: بالإرسال مع القصد.
قال ابن قدامة الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أَنْ يُرْسِلَ الْجَارِحَةَ عَلَى الصَّيْدِ، فَإِنْ اسْتَرْسَلَتْ بِنَفْسِهَا فَقَتَلَتْ، لَمْ يُبَحْ.
وَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك، وَسَمَّيْت، فَكُلْ).
وَلِأَنَّ إرْسَالَ الْجَارِحَةِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ، وَلِهَذَا اُعْتُبِرْت التَّسْمِيَةُ مَعَهُ.
(فَإِنِ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ أَوْ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُبَحْ).
أي: إذا استرسل الكلب بنفسه فقتل صيداً، لم يحل.
لفقدان الشرط، وهو الإرسال، لأن الإرسال يقوم مقام التذكية.
стр. 3157
(إِلاَّ أَنْ يَزْجُرَهُ فَيَزِيدَ فِي عَدْوِهِ فِي طَلَبِهِ فَيَحِلُّ).
أي: إذا استرسل الكلب بنفسه على صيد فزجره صاحبه وسمى فزاد في عدوه وقتل، فإنه يحل.
لأن زجره أثّر في عدوه فصار كما لو أرسله.
وذهب بعض العلماء: أنه لا يحل.
وهو مذهب الشافعي.
لاجتماع الاسترسال المانع والإغراء المبيح، فتغلب جانب المنع.
فائدة:
حكم من أرسل كلبه على صيد فاصطاد غيره؟
يحل.
وهذا قول الجمهور.
لعموم قوله ﷺ (كل ما أمسك عليك).
وقال مالك: لا يحل.
والراجح الأول.
(الرَّابِعُ: التَّسْمِيَةُ عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ أَوِ الْجَارِحَةِ،)
هذا الشرط الرابع: التسمية، بأن يقول: باسم الله عند إرسال السهم أو الجارحة لا عند التعبئة.
وقد تقدم حكمها في الذكاة: وأنها شرط لا تسقط مطلقاً، حتى لو تركها نسياناً أو جاهلاً فلا تحل.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الراجح.
стр. 3158
(وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ مَعَهَا: اللهُ أَكْبَرُ، كَالذَّكَاة).
أي: يسن أن يقول مع التسمية: الله أكبر.
فالتسمية (واجبة) والله أكبر (سنة).
فائدة: ١
قوله ﷺ (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلّم … ) في إطلاقه دليل لإباحة الصيد بجميع أنواع الكلاب المعلمة من الأسود وغيرها.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجوز الاصطياد بجميع الكلاب المعلمة من الأسود وغيرها.
قال النووي: وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء.
لعموم النص (إذا أرسلت كلبك المعلم).
القول الثاني: يحرم الصيد بالكلب الأسود البهيم.
قال النووي: وبه قال الحسن البصري، والنخعي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق.
لأنه شيطان.
والأول أرجح.
(ويحرم اقتناء الكلب إلا ما استثني).
اقتناء الكلاب حرام إلا ما ورد الشرع بجواز اقتنائه، ككلب الصيد، والحراسة، والزرع.
أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، اِنْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
стр. 3159
(مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً) وفي رواية (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا) قَالَ القرطبيّ: اقتنى، واتّخذ، واكتسب كلّها بمعنى واحد (قِيرَاطٌ) قَالَ النوويّ: القيراط هنا مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء منْ أجزاء عمله.
فهذا الحديث: دليل على تحريم اقتناء الكلاب - إلا ما استثني - وأن من فعل ذلك نقص من أجره كل يوم قيراط.
ب-عن أبي طلحة. قال: قَال ﷺ (لَا تَدْخُل الْمَلَائِكَة بَيْتًا فِيهِ كَلْب وَلَا صُورَة) رواه مسلم.
قال النووي: وقد اتفق أصحابنا وغيرهم على أنه يحرم اقتناء الكلب لغير حاجة، مثل أن يقتني كلبا إعجابا بصورته، أو للمفاخرة به: فهذا حرام، بلا خلاف.
وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها: فقد ورد هذا الحديث بالترخيص لأحد ثلاثة أشياء، وهي الزرع والماشية والصيد، وهذا جائز بلا خلاف. واختلف أصحابنا في اقتنائه لحراسة الدور والدروب، وفي اقتناء الجرو ليُعَلَّم.
فمنهم من حرمه، لأن الرخصة إنما وردت في الثلاثة المتقدمة.
ومنهم من أباحه، وهو الأصح؛ لأنه في معناها. (شرح مسلم).
وقال النووي: وَسَبَب اِمْتِنَاعهمْ مِنْ بَيْت فِيهِ كَلْب لِكَثْرَةِ أَكْله النَّجَاسَات، وَلِأَنَّ بَعْضهَا يُسَمَّى شَيْطَانًا كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيث، وَالْمَلَائِكَة ضِدّ الشَّيَاطِين، وَلِقُبْحِ رَائِحَة الْكَلْب وَالْمَلَائِكَة تَكْرَه الرَّائِحَة الْقَبِيحَة، وَلِأَنَّهَا مَنْهِيّ عَنْ اِتِّخَاذهَا؛ فَعُوقِبَ مُتَّخِذهَا بِحِرْمَانِهِ دُخُول الْمَلَائِكَة بَيْته، وَصَلَاتهَا فِيهِ، وَاسْتِغْفَارهَا لَهُ، وَتَبْرِيكهَا عَلَيْهِ وَفِي بَيْته، وَدَفْعهَا أَذًى لِلشَّيْطَانِ. (شرح مسلم)
قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: فِي هَذَا الْحَدِيث إِبَاحَة اِتِّخَاذ الْكِلَاب لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَة، وَكَذَلِكَ الزَّرْع.
стр. 3160
فائدة: ١
الجمع بين رواية (اِنْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ) وفي رواية أخرى (نقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَان):
قال الحافظ العيني ﵀:
أ- يجوز أنْ يكونا في نوعين مِن الكلاب، أحدُهما أشدُّ إيذاءً.
ب- وقيل: القيراطان في المدن والقرى، والقيراط في البوادي.
جـ- وقيل: هما في زمانين، ذكر القيراط أولاً، ثم زاد التغليظ، فذكر القيراطين. (عمدة القارئ).
فائدة: ٢
هل يجوز اقتناء الكلب لحراسة البيوت؟
قال النووي: اختلف في جواز اقتنائه لغير هذه الأمور الثلاثة كحفظ الدور والدروب، والراجح: جوازه قياساً على الثلاثة عملاً بالعلَّة المفهومة من الحديث وهي: الحاجة. (شرح مسلم).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وعلى هذا فالمنزل الذي يكون في وسط البلد لا حاجة أنْ يتخذ الكلب لحراسته، فيكون اقتناء الكلب لهذا الغرض في مثل هذه الحال محرماً لا يجوز وينتقص من أجور أصحابه كل يوم قيراط أو قيراطان، فعليهم أنْ يطردوا هذا الكلب وألا يقتنوه، وأما لو كان هذا البيت في البر خالياً ليس حوله أحدٌ فإنَّه يجوز أنْ يقتني الكلب لحراسة البيت ومَن فيه، وحراسةُ أهلِ البيت أبلغُ في الحفاظ مِن حراسة المواشي والحرث. (مجموع فتاوى ابن عثيمين).
فائدة: ٣
هل الكلاب التي يباح اقتناؤها تمنع دخول الملائكة للبيت؟
قيل: لا تمنع.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا لَا تَدْخُل الْمَلَائِكَة بَيْتًا فِيهِ كَلْب أَوْ صُورَة مِمَّا يَحْرُم اِقْتِنَاؤُهُ مِنْ الْكِلَاب وَالصُّوَر، فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِحِرَامٍ مِنْ كَلْب الصَّيْد وَالزَّرْع وَالْمَاشِيَة وَالصُّورَة الَّتِي تُمْتَهَن فِي الْبِسَاط وَالْوِسَادَة وَغَيْرهمَا فَلَا يَمْتَنِع دُخُول الْمَلَائِكَة بِسَبَبِهِ.
стр. 3161
وقيل: تمنع.
قال النووي: وَالْأَظْهَر أَنَّهُ عَامّ فِي كُلّ كَلْب، وَكُلّ صُورَة، وَأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنْ الْجَمِيع.
لِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيث.
وَلِأَنَّ الْجِرْو الَّذِي كَانَ فِي بَيْت النَّبِيّ ﷺ تَحْت السَّرِير كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْر ظَاهِر؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَم بِهِ، وَمَعَ هَذَا اِمْتَنَعَ جِبْرِيل ﷺ مِنْ دُخُول الْبَيْت، وَعَلَّلَ بِالْجِرْوِ، فَلَوْ كَانَ الْعُذْر فِي وُجُود الصُّورَة وَالْكَلْب لَا يَمْنَعهُمْ لَمْ يَمْتَنِع جِبْرِيل. وَاللَّه أَعْلَم. (نووي).
وتعقبه العراقي بقوله: فِيمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ نَظَرٌ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ مِمَّا نَقَلَ هُوَ عَنْ الْعُلَمَاءِ التَّعْلِيلَ بِهِ أَنَّهَا مَنْهِيٌّ عَنْ اتِّخَاذِهَا، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ، وَلَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُهُ بِذَلِكَ الْجَرْوِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِي اتِّخَاذِهِ بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَّا أَنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ بِهِ أَسْقَطَ الْإِثْمَ فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ لِلْغَفْلَةِ عَنْهُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ دُخُولِهِمْ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي اتِّخَاذِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى أَصْحَابِ الْبَيْتِ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ. امْتِنَاعُهُمْ مِنْ دُخُولِ بَيْتٍ فِيهِ كَلْبٌ مَأْذُونٌ فِي اتِّخَاذِهِ؛ لِعَدَمِ التَّقْصِيرِ مَعَ الْإِذْنِ، وَمَا جَاءَ نُقْصَانُ أَجْرِ الْعَمَلِ إلَّا مَعَ عَدَمِ الْإِذْنِ فِي الِاتِّخَاذِ فَكَذَلِكَ امْتِنَاعُ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (طرح التثريب).
وعليه: فالأظهر: أن الكلب المأذون في اقتنائه لا يمنع دخول الملائكة.
فائدة: ٤
قتل الكلاب.
أولاً: اتفق أهل العلم على جواز قتل الكلب العقور الذي يعتدي على الناس، والكلب الكَلِب أي المصاب بداء الكلب.
قال النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قتل الكلْب الكلِب والكلب العقور واختلفوا في قتل مالا ضَرَرَ فِيه.
ثانياً: وكذلك اتفق أهل العلم على حرمة قتل الكلب الذي أذن الشرع في اقتنائه مثل كلب الصيد والماشية.
стр. 3162
قال ابن قدامة: أَمَّا قَتْلُ الْمُعَلَّمِ فَحَرَامٌ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ ظَالِمٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كَلْبٍ مُبَاحٍ إمْسَاكُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ، فَحُرِّمَ إتْلَافُهُ، كَالشَّاةِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافاً.
ثالثاً: اختلف أهل العلم في حكم قتل ما سوى ذلك من الكلاب على عدة أقوال:
الأول: أن الأمر بقتل الكلاب منسوخ، ولا يجوز قتل شيء منها سوى المؤذي فقط.
وهو قول الحنفية، والمعتمد عند الشافعية.
الثاني: جواز قتل الكلاب إلا كلب الصيد والماشية.
وهو قول الإمام مالك.
الثالث: أنه يجوز قتل الكلب الأسود البهيم.
وهو المعتمد عند الحنابلة.
قال ابن قدامة: فَأَمَّا قَتْلُ مَا لَا يُبَاحُ إمْسَاكُهُ، فَإِنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ يُبَاحُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ: سَأَلْت أَبَا ذَرٍّ فَقُلْت: " مَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنْ الْأَحْمَرِ مِنْ الْأَبْيَضِ؟ فَقَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتنِي، فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْت بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيم. (المغني).
وسبب الخلاف بين أهل العلم في ذلك:
هو التعارض الظاهري بين النصوص الواردة في المسألة.
فقد وردت أحاديث بالأمر بقتل الكلاب عامة دون تخصيص.
عن ابن عمر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَاب) متفق عليه.
ووردت أحاديث أخرى بالأمر بقتل الكلاب باستثناء كلب الصيد والماشية.
стр. 3163
عَنِ ابْنِ عُمَر (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَة) رواه مسلم.
ووردت أحاديث تبين أن أول الأمرين كان الأمر بقتل الكلاب، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها بعد ذلك.
عن عبد الله بْنِ الْمُغَفَّلِ، قَال (أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟ " ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: " إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَاب).
ووردت أحاديث بالتنصيص على قتل نوعين من الكلاب خاصة، وهما الكلب العقور، والكلب الأسود البهيم، وفي بعض هذه الأحاديث ما يفيد أنها كانت بعد النهي عن قتل الكلاب.
فأما الكلب العقور: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُور) متفق عليه.
وأما الكلب الأسود البهيم: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: (عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَان) رواه مسلم.
تفسيره كما قال النووي: معنى البهيم: الخالص السواد، وأما النقطتان فهما نقطتان معروفتان بيضاوان فوق عينيه، وهذا مشاهد معروف".
والراجح من هذه الأقوال: هو النهي عن قتل الكلاب إلا الكلب العقور والأسود البهيم.
تنبيه: الأمر بقتل الكلب الأسود ليس على سبيل الوجوب، حتى عند من قال إن الأمر بقتله لم ينسخ.
قال ابن مفلح: وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا صَرَّحَ بِوُجُوبِ قَتْلِه. … (الفروع).
وعلى ذلك: فلا إثم على من ترك قتله، لا سيما إذا لم يكن مملوكاً له.
стр. 3164
كِتَابُ الأَيْمَانِ
تعريف الأيمان:
الأيمان جمع يمين.
قال الجوهري: سميت اليمين بذلك لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم بيمينه على يمين صاحبه.
وهي شرعاً: توكيد الشيء بذكر اسم الله أو صفة لله.
فائدة: ١
الأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ).
وقال تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ).
كما أن الله أمر نبيه بالقسم في ثلاثة مواضع من كتابه.
فقال تعالى (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ).
وقال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ).
وقال تعالى (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ).
وأما من السنة فأحاديث كثيرة:
منها قوله ﷺ (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) متفق عليه.
وكان أكثر قسم رسول الله ﷺ (ومقلب القلوب) رواه البخاري.
قال ابن قدامة: وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها.
فائدة: ٢
أحرف القسم ثلاثة هي: الباء، والواو، والتاء.
الباء: مثال (أقسم بالله لأفعلن .. ).
الواو: مثال (والله لأفعلن) (والرحمن لأفعلن). وهي أكثر شيوعاً في الاستعمال من الباء.
التاء: مثال: قوله تعالى (تالله لأكيدن أصنامكم) وهي لا تدخل إلا على لفظ الجلالة.
стр. 3165
فائدة: ٣
يجوز الحلف على الشيء ابتداء وإن لم يطلب من الحالف الحلف.
قال ﷺ (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً … ).
وقال ﷺ (والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة).
(لا تنعقد اليمين إلا بالله تعالى)
أي: أن اليمين - التي تجب فيها الكفارة إذا حنث - هي اليمين بالله.
كقول: والله لا أزور فلاناً.
(أو اسمٍ منْ أسمائِهِ).
كقول: والرحمن لأفعلن كذا - ورب العالمين لا أزور فلاناً.
(أَوْ صِفةٍ م صفاتهِ، كعزة اللهِ وقدرتهِ).
كأن يقول: أقسم بعزة الله _ أو بوجه الله.
والأدلة على جواز الإقسام بصفات الله تعالى.
قال تعالى (فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أجمعين).
وعن أَنَس أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ ﵎ قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ) رواه البخاري.
وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً، وفيه قول الذي يخرج من النار (وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ) متفق عليه.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ) رواه البخاري.
стр. 3166
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَهَا، ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَهَا).
(وتنعقِدُ بالقرآن وبالمصحف).
لأن القرآن كلام الله، وكلام الله تعالى صفة من صفاته لذلك يجوز القسم به.
فائدة:
الحلف بآيات الله ينقسم إلى قسمين:
الآيات الكونية: كالليل والنهار، والشمس والقمر، والجبال والأشجار، فهذا لا يجوز الحلف بها لأنها قَسَم بالمخلوق.
الآيات الشرعية: كالقرآن فهذا يجوز.
(وَالحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ مُحَرَّمٌ).
الحلف بغير الله حرام، ولو كان المحلوف به ملكاً أو نبياً.
أ-عَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ (أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ اَلْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ، وَعُمَرَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَلَا إِنَّ اَللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ب-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال ﷺ (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاَللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاَللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ).
стр. 3167
ج- وعن ابْن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلاَّ بِاللَّهِ). وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا فَقَالَ (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) رواه مسلم.
د-وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِى وَلَا بِآبَائِكُم) رواه مسلم.
هـ- وعن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) رواه أبوداود.
د- وعن ابن مسعود قال (لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ أن أحلف بغيره صادقاً) رواه عبدالرزاق.
لأن الحلف بغير الله شرك، والحلف بالله محرم إذا كان الحالف كاذباً.
قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله إجماعاً.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الحلف بغير الله من الملائكة والأنبياء والمشايخ والملوك وغيرهم فإنه منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة.
قال ابن القيم: ومن الكبائر- الحلف بغير الله، كما قال رسول الله ﷺ (من حلف بغير الله، فقد أشرك)، وقد قصّر ما شاء أن يقصر من قال: إن ذلك مكروه، وصاحب الشرع يجعله شركا؛ فرتبته فوق رتبة الكبائر. (إعلام الموقعين).
فائدة: ١
لماذا خص حديث عمر النهي عن الحلف بغير الله بالآباء؟
وإنما خصّ في حديث عمر بالآباء؛ لوروده على سبب، وهو أنه ﷺ مرّ به، وهو يحلف بأبيه، فقال له ذلك.
أو خصّ لكونه غالبًا عليهم، كما بيّنه في رواية (وكانت قريش تحلف بآبائها) ويدلّ على التعميم قوله: من كان حالفًا، فلا يحلف إلا باللَّه.
فائدة: ٢
ما الحكمة من النهي عن الحلف بغير الله؟
لأن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده.
قال ابن حجر: قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة لله وحده.
وقال ابن قدامة: وَلِأَنَّ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ عَظَّمَ غَيْرَ اللَّهِ تَعْظِيمًا يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الرَّبِّ ﵎، وَلِهَذَا سُمِّيَ شِرْكًا؛ لِكَوْنِهِ أَشْرَكَ غَيْرَ اللَّهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَعْظِيمِهِ بِالْقَسَمِ بِهِ.
стр. 3168
فائدة: ٣
متى يعتبر الحلف بغير الله شركاً أكبر؟
إذا اعتقد أن المحلوف به مساوٍ لله تعالى في العظمة.
قال الشيخ ابن باز: وقد يكون الشرك الأصغر شركاً أكبر إذا اعتقد صاحبه أن من حلف بغير الله أو قال: ما شاء الله وشاء فلان، فإن له التصرف في الكون، أو أن له إرادة تخرج عن إرادة الله وعن مشيئته سبحانه، أو أن له قدرة يضر وينفع من دون الله، أو اعتقد أنه يصلح أن يعبد من دون الله وأن يستغاث به، فإنه يكون بذلك مشركاً شركاً أكبر بهذا الاعتقاد.
أما إذا كان مجرد حلف بغير الله من دون اعتقاد آخر، لكن ينطق لسانه بالحلف بغير الله؛ تعظيماً لهذا الشخص، يرى أنه نبي أو صالح أو
لأنه أبوه أو أمه وتعظيمها لذلك، أو ما أشبه ذلك فإنه يكون من الشرك الأصغر وليس من الشرك الأكبر.
قال الشيخ ابن عثيمين: والحلف بغير الله شرك أكبر؛ إن اعتقد أن المحلوف به مساو لله تعالى في التعظيم والعظمة، وإلا؛ فهو شرك أصغر.
فائدة: ٤
- فإن قيل: ما الجواب عن حديث طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ نَسْمَعُ دَوِىَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ. فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ فَقَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ. وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْلَحَ [وأَبِيهِ] إِنْ صَدَقَ) رواه مسلم.
стр. 3169
كيف حلف بأبيه مع أن الحلف بغير الله شرك؟
قد أجاب العلماء عن هذا بعدة أجوبة:
قيل: يحتمل أن هذا قبل النهي.
وقيل: إن هذا ليس حلفاً وإنما كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة حقيقة الحلف، ورجحه النووي.
قال النووي: قَوْله ﷺ (أَفْلَحَ وَأَبِيهِ) لَيْسَ هُوَ حَلِفًا إِنَّمَا هُوَ كَلِمَة جَرَتْ عَادَة الْعَرَب أَنْ تُدْخِلَهَا فِي كَلَامهَا غَيْرَ قَاصِدَةٍ بِهَا حَقِيقَةَ الْحَلِفِ. وَالنَّهْي إِنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ قَصَدَ حَقِيقَة الْحَلِف لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْظَام الْمَحْلُوفِ بِهِ وَمُضَاهَاتِهِ بِهِ اللَّهَ . فَهَذَا هُوَ الْجَوَاب الْمَرْضِيُّ. وَقِيلَ: يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا قَبْل النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى وَاَللَّه أَعْلَمُ.
وقيل: أن ذلك كان جائزاً ثم نسخ.
قال في الفتح: قاله الماوردي وحكاه البيهقي، وقال السبكي أكثر الشراح عليه حتى قال ابن العربي: وروى أنه ﷺ كان يحلف بأبيه حتى نهى عن ذلك.
وقيل: إن في الجواب حذفاً تقديره: أفلح ورب أبيه، ذكره البيهقي.
وقيل: إن ذلك خاص بالشارع دون غيره من أمته وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. (الفتح).
فائدة: ٥
ما الجواب عن القسم بغير الله الوارد في القرآن؟
قال في (الفتح) وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير اللَّه، ففيه جوابان:
أحدهما: أن فيه حذفاً، والتقدير ورب الشمس، ونحوه.
والثاني: أن ذلك يختصّ باللَّه تعالى، فهذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به، وليس لغيره ذلك.
стр. 3170
فائدة: ٦
اختلف أهل العلم في حكم قول المسلم (لعمري)، أو (لعمرك) وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: الجواز.
وهو قول أكثر أهل العلم، بل ما زال العلماء يستعملون هذه الكلمات في كتبهم وخطاباتهم.
ويمكن الاستدلال لهذا القول بأدلة كثيرة، منها
أولاً: ثبوت هذا اللفظ من كلام النبي ﷺ .
عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ (أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ. فَأَتَوْهُ بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ، فَرَقَاهُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، وَكُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ ثُمَّ تَفَلَ، فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا،
فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَهُ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (كُلْ فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ بَاطِلٍ لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةٍ حَق) رواه أبو داود.
ثانياً: كما ورد إقرار النبي ﷺ لمن تكلم بهذه الكلمة.
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَنَّهُ قَال (نَزَلْتُ أَنَا وَأَهْلِي بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَقَالَ لِي أَهْلِي: اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلُهُ. فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ مِنْ حَاجَتِهِم، فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ رَجُلًا يَسْأَلُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيكَ. فَتَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ وَهُوَ يَقُولُ: لَعَمْرِي إِنَّكَ لَتُعْطِي مَنْ شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَغْضَبُ عَلَيَّ أَنْ لَا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ، مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا. قَالَ الْأَسَدِيُّ: فَقُلْتُ: لَلِقْحَةٌ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
قَالَ: فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ شَعِيرٌ وَزَبِيبٌ فَقَسَمَ لَنَا مِنْهُ أَوْ كَمَا قَالَ حَتَّى أَغْنَانَا اللَّهُ . رواه أبو داود
ثالثاً: وقد ثبت عن نحو سبعة من الصحابة أنهم قالوا في معرض كلامهم: " لعمري "، أو " لعمرك ".
стр. 3171
القول الثاني: التحريم.
باعتبارها حلفا بغير الله.
القول الثالث: الكراهة.
لما يخشى أن يكون فيه شبه من الحلف بغير الله، أو ذريعة للوقوع بذلك.
والراجح الأول.
تنبيه:
قوله تعالى (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).
أكثر المفسرين من السلف والخلف، بل لا يعرف عن السلف فيه نزاع، أن هذا قسم من الله بحياة رسوله، وهذا من أعظم فضائله، أن يقسم الرب بحياته، وهذه مزية لا تعرف لغيره.
قال ابن عباس ﵄: (لعمرك) أي: وحياتك. قال: وما أقسم الله تعالى بحياة نبي غيره. (التبيان في أقسام القرآن).
وقال الشنقيطي: وَقَوْلُهُ (لَعَمْرُكَ) مَعْنَاهُ: أُقْسِمُ بِحَيَاتِكَ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لَهُ أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَمْ يُقْسِمْ فِي الْقُرْآنِ بِحَيَاةِ أَحَدٍ إِلَّا نَبِيِّنَا ﷺ ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ ﷺ مَا لَا يَخْفَى.
وَلَا يَجُوزُ لِمَخْلُوقٍ أَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت)، وَقَوْلُهُ: لَعَمْرُكَ، مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي. (أضواء البيان).
стр. 3172
فائدة: ٧
وقال الشيخ ابن عثيمين: الحلف وهو اليمين والقسم: لا يجوز إلا بالله تعالى أو صفة من صفاته … ، وإذا حلف بالله : فإنه لا حاجة إلى أن يأتي بالمصحف؛ ليحلف عليه، فالحلف على المصحف أمر لم يكن عند السلف الصالح، لم يكن في عهد النبي ﷺ ولا في عهد الصحابة، حتى بعد تدوين المصحف لم يكونوا يحلفون على المصحف، بل يحلف الإنسان بالله بدون أن يكون ذلك على المصحف. … (فتاوى نور على الدرب لابن عثيمين).
فائدة: ٨
عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِاللاَّتِ. فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ. فَلْيَتَصَدَّقْ) متفق عليه.
اللات والعزى: وثنان كان العرب يعبدونهما في الجاهلية.
واللات: اسم صنم لرجل كما في البخاري عن ابن عباس قال: كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج.
قال ابن حجر: كان اللات بالطائف، وقيل: بنخلة، وقيل: بعكاظ، والأول أصح، وهدمها المغيرة بن شعبة بأمر النبي ﷺ .
في الحديث أمْر من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله.
قال الخطابي: اليمين إنما تكون بالمعبود المعظم، فإذا حلف باللات ونحوها فقد ضاهى الكفار، فأمر أن يتدارك بكلمة التوحيد.
وقال القرطبي: قال العلماء: فأمر رسول الله ﷺ من نطق بذلك أن يقول بعده لا إله إلا الله تكفيراً لتلك اللفظة، وتذكيراً من الغفلة، وإتماما للنعمة، وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها. (التفسير).
стр. 3173
وقال السندي: قوله (باللات) أي بلا قصد بل على طريق جرى العادة بينهم، لأنهم كانوا قريبي العهد بالجاهلية، وقوله: لا إله إلا الله استدراك لما فاته من تعظيم الله تعالى في محله ونفى لما تعاطى من تعظيم الأصنام صورة، وأما من قصد الحلف بالأصنام تعظيما لها فهو كافر نعوذ بالله منه.
(وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ).
أي: لا تنعقد هذه اليمين التي بغير الله.
فلو حلف بالملك أو بالصنم أو بالنبي فإن هذه اليمن غير منعقدة.
قال ابن قدامة: وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِالْحَلِفِ بِمَخْلُوقٍ؛ كَالْكَعْبَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهَا، هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْحَلِفُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا حَلَفَ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَنِثَ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيْ الشَّهَادَةِ، فَالْحَلِفُ بِهِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ، كَالْحَلِفِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ).
وَلِأَنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَلَمْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَلِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِالْحَلِفِ بِهِ، كَإِبْرَاهِيمَ ﵇.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
стр. 3174
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ عَلَى اسْمِهِ؛ لِعَدَمِ الشَّبَهِ، وَانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ. (المغني).
وقال ابن حزم: من حلف بغير الله فليس حالفاً، ولا هي يميناً، وهو باطل ليس فيه إلا استغفار الله تعالى والتوبة فقط.
وقال ابن تيمية: الحلف بالمخلوقات كالكعبة والملائكة، والمشايخ والملوك والآباء وتربتهم ونحو ذلك يمين غير منعقدة ولا كفارة فيها باتفاق العلماء، بل هي منهي عنها باتفاق أهل العلم، والنهي نهي تحريم في أصح قوليهم. (الفتاوى الكبرى).
- قول من قال: يجوز الحلف بالنبي ﷺ ، وأنها يمين منعقدة موجبة للكفارة، قول ضعيف.
قال ابن قدامة: وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِالْحَلِفِ بِمَخْلُوقٍ؛ كَالْكَعْبَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهَا، هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وقال ابن تيمية: ولو حلف حالف بحق المخلوقين لم تنعقد يمينه، ولا فرق في ذلك بين الأنبياء والملائكة وغيرهم.
وقال القرطبي: لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِذَا حَلَفَ بِالنَّبِيِّ ﷺ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، لِأَنَّهُ حَلَفَ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ حَلَفَ بِاللَّهِ.
وَهَذَا يَرُدُّهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ، وَهَذَا حَصْرٌ فِي عَدَمِ الْحَلِفِ بكل شي سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا.
(ويُكرهُ كثرة الحلف).
لأن كثرة الحلف يدل على الاستخفاف وعدم التعظيم لله، وغير ذلك مما ينافي التوحيد الواجب أو كماله.
ويستدل لذلك:
أ- بقوله تعالى (ولا تطع كل حلاف مهين).
قال الطبري: ولا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل.
وقال القرطبي: الحلاف: كثير الحلف.
ب- قوله تعالى (واحفظوا أيمانكم).
стр. 3175
فقد ورد في تفسير هذه الآية جملة أقوال أحدها: أن المراد بحفظ اليمين هو عدم الإكثار منها.
ج - قوله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم).
فقد ورد في تفسيرها عدة أوجه، من هذه الأوجه ما يفيد أن المقصود منها عدم الإكثار من الحلف.
قال ابن الجوزي: وفي معنى الآية ثلاثة أقوال، الثالث: أن معناها لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارين مصلحين، فإن كثرة الحلف بالله ضرب من الجرأة عليه.
قال ابن قدامة: وَيُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِين) وَهَذَا ذَمٌّ لَهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ فِعْلِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْإِفْرَاطِ، فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يُوجِبُ كَرَاهَتَهُ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْأَيْمَانُ كُلُّهَا مَكْرُوهَةٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُم).
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْلِفُ كَثِيرًا، وَقَدْ كَانَ يَحْلِفُ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ أَيْمَانًا كَثِيرَةً، وَرُبَّمَا كَرَّرَ الْيَمِينَ الْوَاحِدَةَ ثَلَاثًا.
فَإِنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَةِ الْكُسُوفِ: وَاَللَّهِ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا.
وَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، مَعَهَا أَوْلَادُهَا، فَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً.
وَلَوْ كَانَ هَذَا مَكْرُوهًا، لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ.
وَلِأَنَّ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ تَعْظِيمٌ لَهُ، وَرُبَّمَا ضَمَّ إلَى يَمِينِهِ وَصْفَ اللَّهِ تَعَالَى بِتَعْظِيمِهِ وَتَوْحِيدِهِ، فَيَكُونُ مُثَابًا عَلَى ذَلِكَ.
стр. 3176
وَأَمَّا الْإِفْرَاطُ فِي الْحَلِفِ، فَإِنَّمَا كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ الْكَذِبِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُم).
فَمَعْنَاهُ لَا تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ بِاَللَّهِ مَانِعَةً لَكُمْ مِنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ بِرًّا وَلَا تَقْوَى وَلَا يُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ يَمْتَنِعَ مِنْ فِعْلِهِ، لِيَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَلَا يَحْنَثَ فِيهَا، فَنُهُوا عَنْ الْمُضِيِّ فِيهَا. (المغني).
(ويشترط لوجوب الكفارة: أن يكون عاقلاً).
فلا تجب الكفارة على مجنون، ومغمى عليه.
فالمجنون لا تنعقد يمينه.
أ-لقوله تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ).
والمجنون لا يصح عقد اليمين منه، لأنه لا قصد له معتبر.
ب- ولحديث (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير جتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل).
ج- ولأن المجنون غير مخاطب ولا مكلف بالأحكام الشرعية.
(بالغاً).
فغير البالغ - الصبي - لا تنعقد يمينه.
والصبي لا يخلو من حالين:
أولاً: إن كان غير مميز: فلا عبرة بيمينه.
للحديث السابق (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ).
ب- أن الصبي في أول أحواله عديم التمييز، فكان كالمجنون، بل أدنى حالاً منه.
стр. 3177
ثانيا: أن يكون مميزاً لكنه لم يبلغ.
فالجمهور أن يمينه غير منعقدة.
للأدلة المتقدمة في عدم انعقاد يمين المجنون.
(مختاراً).
أي: مختاراً لليمين، فإن كان مكرهاً فلا تنعقد يمينه.
وهذا مذهب الجمهور.
لقوله ﷺ (إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه.
(كونهُ قاصداً لليمين، فلا تنعقد ممن سبق على لسانه بلا قصد كقوله: لا والله، وبلى والله، في عرض حديثه).
لأنه لا مؤاخذة إلا بقصد ونية، ولذلك أسقط الله ﵎ الكفارة في لغو اليمين.
فإذا لم يقصد اليمين فليست منعقدة، وهي لغو اليمين.
والمراد بها: ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد كقول الرجل في معرض كلامه: لا والله لن أذهب، بلى والله سأذهب ونحو ذلك. فهذه لا كفارة فيها.
لقوله تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ).
عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ اَلرَّجُلِ: لَا وَاَللَّهِ. بَلَى وَاَللَّهِ). أَخْرَجَهُ اَلْبُخَارِيُّ
فلغو اليمين أن يتلفظ بالقسم وهو لا ينوي ولا يريد القسم.
ولغو اليمين: لا كفارة فيها.
стр. 3178
قال ابن جزي في (القوانين الفقهية) فاللغو لا كفارة فيه بالاتفاق.
قال ابن قدامة: وجملته أن اليمين اللغو لا كفارة فيها في قول أغلب أهل العلم.
وجه ذلك قول الله تَعَالَى (لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ).
فَجَعَلَ الْكَفَّارَةَ لِلْيَمِينِ الَّتِي يُؤَاخَذُ بِهَا، وَنَفَى الْمُؤَاخَذَةَ بِاللَّغْوِ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا إيجَابَ الْكَفَّارَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي لَا مَأْثَمَ فِيهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْمُؤَاخَذَةُ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ، فَقَدْ نَفَاهَا فِي اللَّغْوِ، فَلَا تَجِبُ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ، وَبَيَانِ الْأَيْمَانِ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ، خَرَجَ مِنْهَا تَفْسِيرًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ مَقْبُول.
(وكونها على أمرٍ مستقبل).
أي: أن من شروط اليمين التي توجب الكفارة: أن تكون على أمر مستقبل.
مثال: كأن يقول: والله لأسافرنّ غداً، أو يقول: والله لا أدخل دار فلان.
والدليل:
أ-قوله تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ).
فقوله (إِذَا حَلَفْتُمْ) أي: إذا حصل منكم الحنث بترك ما حلفتم على فعله، أو فعل ما حلفتم على تركه، فدل على أن اليمين المنعقدة هي التي يحلفها على أمر مستقبل.
ب-وحديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال ( … وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) متفق عليه.
فالحديث ظاهر في أن اليمين المكفَّرة هي التي تكون على أمر مستقبل.
стр. 3179
(فإنْ حَلَفَ على أمرٍ ماضٍ كاذباً عالماً فهي الغَموس).
أي: إذا حلف الإنسان على أمر ماضٍ، وهو يعلم كذبه فهو آثم.
وهذه هي اليمين الغموس:
تعريفها: أن يحلف كاذباً عالماً على أمر ماض.
كأن يقول: والله لقد سافرت إلى الرياض، وهو لم يسافر.
وكأن يقول: والله ما قرأت هذا الكتاب، وهو قد قرأه.
سميت بذلك:
لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار.
وهي حرام ومن كبائر الذنوب:
أ-عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ). رواه البخاري
ب-وعَنْ ابن مسعود عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ الآيَةَ) متفق عليه.
ج-وعنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ). فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (وَإِنْ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ) متفق عليه.
وقد ذهب بعض العلماء: إلى أن اليمين الغموس هي التي يقتطع فيها مال امرئ مسلم للحديثين السابقين.
стр. 3180
(ولا كفارة فيها).
وهذا قول جمهور العلماء، أن اليمين الغموس لا كفارة فيها، وإنما التوبة والاستغفار.
قال ابن قدامة: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
وَهَذِهِ الْيَمِينُ تُسَمَّى يَمِينَ الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ.
وقال القرطبي: اخْتُلِفَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ هَلْ هِيَ يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ أَمْ لَا؟ فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا يَمِينُ مَكْرٍ وَخَدِيعَةٍ وَكَذِبٍ فَلَا تَنْعَقِدُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، لِأَنَّهَا مُكْتَسَبَةٌ بِالْقَلْبِ، مَعْقُودَةٌ بِخَبَرٍ، مَقْرُونَةٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. (التفسير).
جاء في (الموسوعة الفقهية) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ.
الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ. (الموسوعة).
واستدل الجمهور بما يلي:
أ-عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قال (كُنَّا نَعُدُّ الذَّنْبَ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ، أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُل عَلَى مَال أَخِيهِ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَهُ)
وهذا قول صحابي ولا يعلم له مخالف له من الصحابة.
بل نقل محمد بن نصر في اختلاف العلماء ثم ابن المنذر ثم ابن عبد البر اتفاق الصحابة على عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس.
ب- أنّ الأحاديث التي فيها تحريم اليمين الغموس لم يأت فيها ذكر الكفارة.
جاء في (فتاوى اللجنة الدائمة) اليمين الغموس من كبائر الذنوب، ولا تجدي فيها الكفارة لعظيم إثمها، ولا تجب فيها الكفارة على الصحيح من قولي العلماء، وإنما تجب فيها التوبة والاستغفار.
стр. 3181
(الحنث بفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله).
أي: من شروط وجوب الكفارة: الحنث، وهو: أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختاراً.
مثال: لو أن رجلاً قال: والله لأصومن غداً، فلما جاء الغد صام، فإنه لا كفارة عليه لأنه لم يحنث.
(ذاكراً).
فلو حنث ناسياً فلا شيء عليه.
كأن يقول: والله لا أسافر إلى مكة، ثم نسي فسافر إلى مكة، فإنه لا يحنث، لكن لا تنحل يمينه بل لا تزال باقية.
(وَمَنْ قَالَ فِي يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ).
أي: إذا حلف الإنسان يميناً تدخلها الكفارة، ثم استثنى فيها وقال: إن شاء الله، فإنه حينها لا يحنث لو خالف ما حلف عليه، فلا تلزمه الكفارة.
مثال: قال: والله لا ألبس هذا الثوب إن شاء الله، ثم لبسه فليس عليه شيء؛ لأنه قال: إن شاء الله.
ولو قال: والله لألبسن هذا الثوب اليوم إن شاء الله، فغابت الشمس ولم يلبسه، فليس عليه شيء.
أ-عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ (قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ نَبِيُّ اللَّهِ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِى بِغُلَامٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَوِ الْمَلَكُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِىَ. فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ إِلاَّ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ غُلَامٍ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِي حَاجَته) متفق عليه.
стр. 3182
ب- وعن اِبْنِ عُمَر أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ قَال (مَنْ حَلِفِ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اَللَّهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أبوداود.
فهذا الحديث يفيد: أن اليمين إذا علقها الحالف بالمشيئة لم بحنث ولم تلزمه كفارة.
قال الترمذي: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ إِذَا كَانَ مَوْصُولاً بِالْيَمِينِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
وقال ابن قدامة: وَإِذَا حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْيَمِينِ كَلَامٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَهَذَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً.
فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال (مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ اسْتَثْنَى) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْنَاءً، وَأَنَّهُ مَتَى اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ لِمَ يَحْنَثْ فِيهَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد (مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) وَلِأَنَّهُ مَتَى قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ، وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. (المغني).
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث قوله: (لم يحنث) فيه دليل على أن التقييد بمشيئة الله مانع من انعقاد اليمين أو يحل انعقادها، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور.
وقال الشيخ ابن عثيمين: والأفضل لكل حالف أن يعلق يمينه بالمشيئة لأن في ذلك فائدتين:
الأمر الأول: تيسير الأمر كما قال تعالى (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً).
الأمر الثاني: أن الإنسان إذا حنث لم تلزمه الكفارة.
стр. 3183
فائدة: شروط الاستثناء:
أولاً: يشترط في الاستثناء أن يكون بلسانه فلو استثنى بقلبه لم ينفعه بالإجماع.
قال ابن قدامة: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بِلِسَانِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْقَلْبِ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا.
أ-لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ) وَالْقَوْلُ هُوَ النُّطْقُ.
ب- وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ. (المغني).
ثانياً: وأن يكون متصل بيمينه حقيقة وحكماً:
حقيقة: والله لا أكلم فلاناً اليوم إن شاء الله [هذا اتصال حقيقي].
حكماً: لو قال والله لا ألبس هذا الثوب - فأخذه عطاس وجلس ربع ساعة وهو يعاطس - فلما هدأ قال: إن شاء الله [هذا اتصال حكماً لأنه منعه مانع من اتصال الكلام].
قال ابن قدامة: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ، بِحَيْثُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ، وَلَا يَسْكُتُ بَيْنَهُمَا سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، فَأَمَّا السُّكُوتُ لِانْقِطَاعِ نَفَسِهِ أَوْ صَوْتِهِ، أَوْ عَيٍّ، أَوْ عَارِضٍ، مِنْ عَطْسَةٍ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِهَا، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَثُبُوتَ حُكْمِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ الرَّأْيِ.
أ-لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى) وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَقِيبَهُ.
ب-وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ، فَاعْتُبِرَ اتِّصَالُهُ بِهِ، كَالشَّرْطِ وَجَوَابِهِ، وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا.
ج- وَلِأَنَّ الْحَالِفَ إذَا سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ يَمِينِهِ، وَانْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِحُكْمِهَا، وَبَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ.
стр. 3184
فائدة:
اشترط بعض العلماء: أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه.
وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
لكنه قول ضعيف، والراجح أن هذا ليس بشرط.
ويدل لذلك:
حديث أبي هريرة السابق (. . . قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ نَبِيُّ اللَّهِ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِى بِغُلَامٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَوِ الْمَلَكُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِىَ. فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ. . .).
وجه الدلالة: أن سليمان لم ينو الاستثناء، ولو استثنى كان دركاً لحاجته ونفَعه ذلك، فدل ذلك على عدم اشتراط النية.
(وَيُسَنُّ الحِنْثُ فِي الْيَمِينِ إِذَا كَانَ خَيْراً).
أي: يسن للحالف أن يحنث في اليمين إذا كان حلفه على ترك مندوب أو فعل مكروه.
عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ اَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ (فَائِت اَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ).
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ (فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ اِئْتِ اَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ) وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ.
قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث: دَلَالَة عَلَى مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل شَيْء أَوْ تَرْكه، وَكَانَ الْحِنْث خَيْرًا مِنْ التَّمَادِي عَلَى الْيَمِين، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْث، وَتَلْزَمهُ الْكَفَّارَة وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ. (شرح مسلم).
والخيرية في الحنث تارة تكون واجبة، وتارة تكون مستحبة، فإن كانت خيرية واجبة كان الحنث واجباً، وإن كانت خيرية تطوع صار الحنث تطوعاً.
стр. 3185
مثال:
قال: والله لا أصلي اليوم، فهذا حلف على ترك واجب، فالحنث واجب.
قال: والله ما أوتر، هنا الأفضل أن يحنث، فنقول أوتر وكفر عن يمينك.
- والمسألة لها [٣] أحوال:
الأولى: أن يكون الحنث خير، فإنه يحنث.
للحديث السابق (فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ اَلَّذِي هُوَ خَيْر).
مثال: قال والله لا أدخل دار خالي، فهنا نقول الأفضل أن يحنث ويدخل دار خاله ويكفر عن يمينه.
ثانياً: أن يكون عدم الحنث خير، فإنه لا يحنث.
ثالثاً: أن يتساوى الأمران، فالأفضل أن لا يحنث.
(وَمَنْ حَرَّمَ حَلَالاً - سِوَى زَوْجَتِهِ - مِنْ أَمَةٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ لِبَاسٍ، أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحْرُمْ، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ).
أي: إذا حرم الإنسان على نفسه أمراً حلالاً عليه، فلا يحرم عليه، وعليه كفارة يمين إن فعله.
مثال: أن يقول هذا التفاح حرام عليّ، أو يقول: حرام عليّ أن آكل طعامك.
فإذا حرم الرجل على نفسه شيئاً حلالاً، فحكمه حكم اليمين، فإن حنث فعليه كفارة يمين.
أ- لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ثم قال سبحانه: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ).
стр. 3186
فجعل الله تعالى تحريم الحلال يميناً.
ب-وقد نزلت بسبب قول النبي ﷺ لإحدى زوجاته: شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له.
عن عَائِشَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إِلَى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً) متفق عليه.
ج- عن ابْن عَبَّاس قَالَ فِي الْحَرَامِ: يمين يُكَفَّرُ وَقَالَ: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَة) متفق عليه.
د-وقد ثبت عَنْ اِبْن مَسْعُود ﵁ (أَنَّهُ جِيءَ عِنْده بِطَعَامٍ فَتَنَحَّى رَجُل، فَقَالَ: إِنِّي حَرَّمْته أَنْ لَا آكُلَهُ فَقَالَ: إِذَنْ فَكُلْ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينك، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين) (الفتح).
هـ-وروى ابن أبي شيبة عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبَّاسٍ وعائشة وَعَنِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ ومَكْحُولٍ أنهم قالوا: الْحَرَامُ يَمِين.
وقال ابن قدامة: إذا قال: هذا حرام علي إن فعلت وفعل، أو قال: ما أحل الله علي حرام إن فعلت ثم فعل، فهو مخير، إن شاء ترك ما حرمه على نفسه، وإن شاء كفر، وإن قال: هذا الطعام حرام علي فهو كالحلف على تركه. (المغني).
فائدة:
قوله (سوى زوجته) تقدم الخلاف في تحريم الزوج لزوجته، وأن فيه خلافاً طويلاً.
стр. 3187
فصل
(يُخَيَّرُ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بَيْنَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينِ، أَوْ كِسْوَتِهِمْ، أَوْ عَتْقِ رَقَبَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعة).
كفارة اليمين تتمثل فيما يلي:
إطعام عشرة مساكين أو أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
قال تعالى (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ).
فالثلاثة الأولى على التخيير (إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة).
فإن لم يجد فإنه ينتقل لصيام ثلاثة أيام، فلا يجوز أن يصوم وهو قادر على الإطعام أو الكسوة أو العتق.
فائدة: ١
كفارة اليمين واجبة إذا حنث الحالف.
لقوله تعالى (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم).
والمراد بالتحلَّة هي الكفارة قبل الحنث.
ولقوله ﷺ ( … وكفر عن يمينك).
فائدة: ٢
وقت وجوبها هو الحنث [وهو فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله].
стр. 3188
فائدة: ٣
الصحيح أنه لا يجزئ إخراج القيمة في الكفارة، لقوله تعالى (فكفارته إطعام عشرة مساكين … ).
قال ابن قدامة: لا يُجْزِئُ في الكفارة إِخراج قيمة الطعام ولا الكسوة، لأن الله ذكر الطعام فلا يحصل التكفير بغيره، ولأن الله خَيَّرَ بين الثلاثة أشياء ولو جاز دفع القيمة لم يكن التَخْيِيرُ منحصراً في هذه الثلاث. (المغني).
فائدة: ٤
كيفية الإطعام:
أن يصنع طعاماً ويدعو إليه عشرة مساكين فيعشيهم أو يغديهم، أو أن يعطي كل واحد بنفسه.
فائدة: ٥
يجب استيعاب العشرة، فلا يجوز أن يعطي خمسة مساكين مرتين، لأن الله نص على عدد عشرة.
فائدة: ٦
لم يرد تحديد كم الإطعام فيرجع فيه إلى العرف.
فائدة: ٧
الذي يجزئ في الكسوة: قيل: ما يجزئ في الصلاة كالقميص أو الإزار والرداء، وقيل: يرجع فيه إلى العرف لأنه لم يرد تحديده في الشرع وهذا الراجح.
فائدة: ٨
يشترط في عتق الرقبة أن تكون مؤمنة لقوله ﷺ (أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم.
فائدة: ٩
يجب التتابع في الصوم، لقراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعة).
стр. 3189
فائدة: ١٠
اختلف أهل العلم ﵏ في وجوب أداء الكفارة، هل هو على الفور أم على التراخي؟
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَأَنَّهَا تَجِبُ بِالْحِنْثِ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إلَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ تَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي.
فائدة: ١١
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن رجلٍ حلف على شيء ثم حنث في يمينه، وصام مع قدرته على الإطعام، فما الحكم؟
هل يجزئه الصيام مع أن الله بدأ بالإطعام وجعل الصيام عند عدم الاستطاعة، ولو كان غير عالم بالحكم هل يختلف الحكم؟
فأجاب:
إذا صام الإنسان في كفارة اليمين وهو قادر على إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن الصوم يكون نافلة، وعليه أن يأتي بالكفارة، لكن الصوم لا يضيع، يكون نافلة له، وليطعم.
ولقد اشتهر عند كثير من الناس أن كفارة اليمين هي الصيام، ولهذا إذا حلف على أخيه وقال: والله أن تفعل كذا، يقول: لا
تجعلني أصوم ثلاثة أيام، وهذا خطأ، الإطعام مقدم أو الكسوة أو عتق الرقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة " انتهى.
(وهو مُخيّر بين تقديم الكفارة على الحِنثِ وتأخيرِها عنه).
أي: من وجب عليه التكفير فهو مخير بين أن يكفر قبل الحنث أو بعده.
وهذه المسألة لها أحوال: (وقت دفع الكفارة).
أولاً: أن تكون قبل اليمين.
فهذه لا تجزئ بالإجماع.
قال النووي: وأجمعوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَقْدِيمهَا عَلَى الْيَمِين.
стр. 3190
وقال ابن قدامة: فَأَمَّا التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْيَمِينِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ قَبْلَ الْجَرْحِ.
جاء في (الموسوعة الفقهية) لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز التكفير قبل اليمين؛ لأنه تقديم الحكم قبل سببه، كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب، وكتقديم الصلاة قبل دخول وقتها.
ثانياً: أن تكون بعد الحلف والحنث.
فهذه تجزئ اتفاقاً.
ثالثاً: أن تكون بعد الحلف وقبل الحنث.
فهذه موضع خلاف، وجماهير العلماء على جواز ذلك.
لحديث أبي موسى. قال: قال ﷺ (. . . وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) متفق عليه.
وجاء عند أبي داود (كفّر عن يمينك ثم ائتِ الذي هو خير).
وهذا صريح في جواز تقديم الكفارة على الحث، لأن ثم تفيد الترتيب.
قال الخطابي: فيه دليل على جواز تقديم الكفارة على الحنث، وهو قول أكثر أهل العلم.
قال النووي: وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازهَا بَعْد الْيَمِين وَقَبْل الْحِنْث:
فَجَوَّزَهَا مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيّ وَأَرْبَعَة عَشَر صَحَابِيًّا وَجَمَاعَات مِنْ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْل جَمَاهِير الْعُلَمَاء، لَكِنْ قَالُوا: يُسْتَحَبّ كَوْنهَا بَعْد الْحِنْث.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَأَشْهَب الْمَالِكِيّ: لَا يَجُوز تَقْدِيم الْكَفَّارَة عَلَى الْحِنْث بِكُلِّ حَال.
وَدَلِيل الْجُمْهُور ظَوَاهِر هَذِهِ الْأَحَادِيث، وَالْقِيَاس عَلَى تَعْجِيل الزَّكَاة. (نووي).
следующие страницы →