← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 913

دروس فقهية - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (3 390 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

(مُجْتَهِداً، وَلَوْ فِي مَذْهَبِهِ). هذا الشرط التاسع من شروط القاضي: أن يكون مجتهداً. لقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) وَلَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ. وَقَالَ (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاك اللَّهُ). وَقَالَ (فَإِنَّ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). وَرَوَى بُرَيْدَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ؛ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ، قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّار) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَالْعَامِّيُّ يَقْضِي عَلَى الْجَهْلِ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ آكَدُ مِنْ الْفُتْيَا؛ لِأَنَّهُ فُتْيَا وَإِلْزَامٌ، ثُمَّ الْمُفْتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا مُقَلِّدًا، فَالْحَكَمُ أَوْلَى. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمِنْ شَرْطِ الِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةُ سِتَّةِ أَشْيَاءَ؛ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالِاخْتِلَافِ، وَالْقِيَاسِ، وَلِسَانِ الْعَرَبِ. (المغني) فائدة: وهذه الشروط معتبرة حسب الإمكان، فإذا تعذر وجود من تتوافر فيه جميع هذه الشروط ولي الأفضل من الموجودين.

стр. 3327

(وَإِذَا حَكَّمَ اثْنَانِ بَيْنَهُمَا رَجُلاً يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ نَفَذَ حُكْمُهُ فِي كلِ ما ينفذ فيه حكم من ولاه الإمام أو نائبه). أشار إلى ما يسمى بالتحكيم: وهو أن يلجأ خصمان إلى غير قاضٍ فيختارانه ليحكم بينهما فهو جائز. فالتحكيم: اتفاق المتخاصمين على من يحكم بينهما وينهي نزاعهما ويفصل في خصومتهما. لقوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا). ب- ولحديث أبي شُرَيْح (أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللهِ، قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ) رواه أبو داود. ج-وَلِأَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا تَحَاكَمَا إلَى زَيْدٍ، وَحَاكَمَ عُمَرُ أَعْرَابِيًّا إلَى شُرَيْحٍ قَبْلَ أَنْ يُوَلِّيَهُ، وَتَحَاكَمَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَلَمْ يَكُونُوا قُضَاةً. (المغني). فائدة: ١ ويجب التزام حكم المحكّم، وإلا لم يكن في تحكيمه فائدة. قال الشيخ ابن عثيمين: المهم أنهما إذا حَكَّما رجلاً صار هذا المُحكم كالقاضي المنصوب من قبل ولي الأمر، ينفذ حكمه في كل شيء. قال ابن قدامة: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا لَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ. فائدة: ٢ إذا لم يشرع المحكّم في التحكيم جاز لكل من الخصمين العدول عنه. ووجه ذلك: أ-أن حالة ما قبل الشروع في التحكيم كحالة ما قبل الاتفاق عليه، والاتفاق عليه لا يلزم فكذلك لا يلزم الاستمرار على الاتفاق عليه قبل الشروع فيه. ب-أن عقد الوكالة يجوز فسخه قبل التصرف فكذلك التحكيم؛ لأن الكل إذن في التصرف، وتفويض فيه.

стр. 3328

قال ابن قدامة:. . . إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ الرُّجُوعَ عَنْ تَحْكِيمِهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِرِضَاهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَ عَنْ التَّوْكِيلِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ. وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتِمَّ، أَشْبَهَ قَبْلَ الشُّرُوعِ. وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا رَأَى مِنْ الْحُكْمِ مَا لَا يُوَافِقُهُ، رَجَعَ، فَيَبْطُلُ الْمَقْصُودُ بِه. (المغني). فالراجح - والله أعلم - هو القول بمنع الرجوع عن التحكيم بعد الشروع فيه. فائدة: ٣ المُحكّم يحكم في كل شيء حتى في الأموال والحدود واللعان، ولو وجد في البلد قاضٍ. فائدة: ٤ قوله (يَصْلُحُ لِلْقَضَاء) أي: تتوافر فيه صفات القاضي العشر السابقة. وهذا الشرط مختلف فيه، اختلف في اعتبار شروط القاضي في المحكم على قولين: القول الأول: أنها تشترط فيه فلا يصح تحكيم من لا تتوفر فيه. القول الثاني: أنها لا تشترط فيه فيصح تحكيم من لا تتوفر فيه.

стр. 3329

ورجح هذا الشيخ ابن عثيمين وقال ﵀: وهذا الشرط فيه نظر: لأن الفرق بين المُحكَّم والمنصوبِ من قِبل ولي الأمر ظاهر؛ لأن المُحكَّم إنما يحكم في قضية معينة لخصم معين، ليست ولايته عامة حتى نقول: لا بد فيه من توافر الشروط السابقة، أما القاضي المنصوب من قبل ولي الأمر فحكمه عام، يتحاكم الناس إليه سواء حكَّموه أم لم يحكِّموه، فكيف نشترط الشروط العشرة؟! فإذا قال رجلان: نحن نرضى هذا الإنسان وإن كان عبداً، فكيف نقول: لا يصلح للحكم؟! وإذا قال الخصمان: نحن نرضى أن نحكِّمه، وإن كان أعمى، فما المانع؟! ولهذا نص على هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: إنه لا يشترط في المُحكَّم ما يشترط في القاضي. (الشرح الممتع).

стр. 3330

بَابُ آدَابِ القَاضِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوِيّاً مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، لَيِّناً مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، حَلِيماً ذَا أَنَاةٍ وَفِطْنَةٍ وعلم). هذه بعض آداب القاضي: أَنْ يَكُونَ قَوِيّاً: لئلا يطمع فيه الظالم، والعنف ضد الرفق. مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ: حتى لا يظلم أو يمنع الخوف منه بعض الخصوم من الإفصاح عن حجته فيضيع حقه. لَيِّناً: لئلا يهابه صاحب الحق. مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ: حتى لا يستخف به الخصوم فيسيئون الأدب في مجلسه، ويتطالون عليه، ويقعون في بعضهم. قال ابن قدامة: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، لَا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ، وَلَا يَيْأَسُ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِه. (المغني). فإذا كان ضعيفا قليل البضاعة، غير مضطلع بالعلم، أحجم عن الحق، في موضع ينبغي فيه الإقدام، لقلة علمه بمواضع الإقدام، والإحجام. … (حاشية الروض). حَلِيماً: حتى لا يستفزه الخصوم ويحملونه على الغضب.

стр. 3331

ذَا أَنَاةٍ: حتى يستوعب القضية، ويستظهر الحق فيها، لئلا يحمله التسرع في الحكم على عدم استيفاء متطلباته فيحكم بغير الحق. وَفِطْنَةٍ: حتى يستوعب ما يدلي به الخصوم، ولا ينخدع بفصاحة بعضهم وعي الآخر أو يلتبس عليه الأمر فيحكم لغير المحق على المحق. وعلم: ليتمكن به من معرفة الحق والحكم به؛ لأن غير العالم لا يميز بين الحق والباطل فتضيع الحقوق عنده. فائدة: ١ قال ابن تيمية: ينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب: فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة. كما قال تعالى (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ). وقال صاحب مصر ليوسف ﵇ (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ). وقال تعالى في صفة جبريل (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) (مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ). والقوة في كل ولاية بحسبها:

стр. 3332

فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والخادعة فيها. والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام. والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمناً قليلاً، وترك خشية الناس. وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كل من حكم على الناس، في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ). ولهذا قال النبي ﷺ القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة. فرجل علم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار. لرجل قضى بين الناس على جهل، فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى به، فهو في الجنة. رواه أهل السنن. والقاضي اسم كل من قضى بين اثنين وحكم بينهما، سواء كان خليفة، أو سلطاناً، أو نائباً، أو والياً؛ أو كان منصوباً ليقضي بالشرع، أو نائباً له، حتى من يحكم بين الصبيان في الخطوط، إذا تخايروا. هكذا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ . فائدة: ٢ وقال ابن تيمية: اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل. ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول (اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة). فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والأخر أعظم قوة: قدم أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضرراً فيها. فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع -وإن كان فيه فجور- على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أميناً. كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؛ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه؛ وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين. فيغزى مع القوي الفاجر.

стр. 3333

وقد قال النبي ﷺ (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) وروي (بأقوام لا خلاق لهم). وإن لم يكن فاجراً، كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده. ولهذا كان النبي ﷺ يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، منذ أسلم، وقال: «إن خالداً سيف سد الله على المشركين». مع أنه أحيانا قد كان يعمل ما ينكره النبي ﷺ ، حتى إنه -مرة- قام ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد " لما أرسله إلى بني جذيمة فقتلهم، وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة، حتى وداهم النبي ﷺ ، وضمن أموالهم. ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب؛ لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفعل ما فعل بنوع تأويل. وكان أبو ذر ﵁ أصلح منه في الأمانة والصدق؛ ومع هذا قال له النبي ﷺ : يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم) رواه مسلم. نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية، لأنه رآه ضعيفاً مع أنه قد روي (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر). وأمر النبي ﷺ مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل -استعطافاً لأقاربه الذين بعثه إليهم- على من هم أفضل منه. وأمر أسامة بن زيد؛ لأجل طلب ثأر أبيه. وكذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة راجحة، مع أنه قد كان يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان. (السياسة الشرعية) فائدة: ٣ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي قَاضِيًا حَتَّى تَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ؛ عَفِيفٌ، حَلِيمٌ، عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ، يَسْتَشِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ، لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁، قَالَ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ سَبْعُ خِلَالٍ، إنْ فَاتَتْهُ وَاحِدَةٌ كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ: الْعَقْلُ، وَالْفِقْهُ، وَالْوَرَعُ، وَالنَّزَاهَةُ، وَالصَّرَامَةُ، وَالْعِلْمُ بِالسُّنَنِ، وَالْحِكَمِ.

стр. 3334

(وعليه أن يَعْدلَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي لَحْظِهِ، وَلَفْظِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَدُخُولِهِمَا عَلَيْهِ،). أي: ويجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه. لحظه: أي النظر، فلا ينظر إلى أحد الخصمين نظرة غضب وللآخر نظرة رضا. لفظه: أي كلامه، فلا يلين لأحدهما ويغلظ للآخر. لقوله تعالى (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). وقال تعالى (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا). (وَيَحْرُمُ الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ كَثِيراً). أي: يحرم على القاضي أن يحكم وهو غضبان. لحديث أبي بكرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ) متفق عليه. وَفِي رِوَايَةٍ (لا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ). وقد اختلف في النهي هل هو للتحريم أو للكراهة؟ والراجح أنه للتحريم. قال في المغني: لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه في أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان. فائدة: ١ اختلف العلماء لو خالف القاضي وحكم وهو غضبان على قولين كما سيأتي إن شاء الله. فائدة: ٢ الحكمة من النهي: لأن الغضب يمنع من تصور المسألة أولاً ثم تطبيق الحكم الشرعي عليها. قال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب، لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه.

стр. 3335

فائدة: ٣ ومثله الحاقن أو في شدة جوع أو عطش أو همٍ أو ملل. قال ابن دقيق: وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقاً يشغله عن استيفاء النظر. وقال ابن قدامة: وفي معنى الغضب كلما شغل فكره من الجوع المفرط والعطش الشديد والجوع المزعج ومدافعة أحد الأخبثين وشدة النعاس والهم والغم والحزن والفرح، فهذه كلها تمنع الحاكم لأنها تمنع حضور القلب واستيفاء الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهي بمعنى الغضب المنصوص عليه فتجري مجراه. (وَإِنْ خَالَفَ فَأَصَابَ الْحَقَّ نَفَذَ). أي: لو أن القاضي خالف فحكم وهو في حال غضب ونحوه، وأصاب الحق، فإنه ينفذ الحكم. وهذا قول الجمهور. قال النووي في حديث اللقطة: فيه جواز الفتوى في حال الغضب، وكذلك الحكم، وينفذ ولكنه مع الكراهة في حقنا ولا يكره في حقه ﷺ لأنه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف على غيره. وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا ينفذ قضاؤه. لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. والراجح قول الجمهور.

стр. 3336

- فإن قال قائل: كيف ينفذ وهو محرم، وقد قال النبي ﷺ : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، أفليست القاعدة أن مثل هذا يوجب بطلان الحكم، كما لو عقد على امرأة عقداً محرماً فإن العقد يبطل؟ فالجواب: أن يقال: إنه إنما نهي عن ذلك خوفاً من مخالفة الصواب، فإذا وقعت الإصابة فهذا هو المطلوب، إذاً هنا نقول: هذا لم يخرج عن القاعدة، وهي أن الشيء المحرم لا ينفذ ولا يصح؛ لأن العلة التي من أجلها حرم انتفت، حيث إنه أصاب الصواب، فإن لم يصب الحق فإنه لا ينفذ؛ لأنه على غير حكم الله ورسوله ﷺ . (الشرح الممتع). (وَيَحْرُمُ قَبُولُ رَشْوَةٍ). الرشوة: هي المال المدفوع من أحد الخصمين سواء كان محقاً أو مبطلاً. فالرشوة اصطلاحاً: هي ما يبذل من المال لإبطال حق أو إحقاق باطل. قال ابن عابدين: الرِّشْوَةُ مَا يُعْطِيهِ الشَّخْصُ الْحَاكِمَ وَغَيْرَهُ لِيَحْكُمَ لَهُ، أَوْ يَحْمِلَهُ عَلَى مَا يُرِيد. فالرشوة فهي بذل المال الذي يتوصل به الإنسان إلى أخذ ما ليس له، كأن يرشي القاضي ليحكم له بالباطل، أو يرشي مسئولاً ليقدمه على غيره، أو يعطيه ما لا يستحقه. وهي حرام وكبيرة من الكبائر. أ-لحديث عبد الله بن عمرو. قال (لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي) رواه الترمذي. و"الراشي" هو معطي الرشوة، و"المرتشي" هو آخذها. ب- ولأنها من أكل أموال الناس بالباطل.

стр. 3337

ولأضرارها الكبيرة، منها: أولاً: أن فيها فساد الخلق. ثانياً: أنها سبب لتغيير حكم الله. ثالثاً: أن فيها ظلماً وجوراً. رابعاً: أن فيها أكلاً للمال بالباطل. خامساً: أن في الرشوة ضياع الأمانات. فائدة: ١ أخذ الرشوة له صورتان: الصورة الأولى: أن يأخذ من أحد الخصمين ليحكم له بباطل. الصورة الثانية: أن يمتنع من الحكم بالحق لمستحقه حتى يعطيه. فائدة: ٢ متى يجوز دفع الرشوة: قال ابن حزم: ولا تحل الرشوة: وهي ما أعطاه المرء ليحكم له بباطل، أو ليولى ولاية، أو ليظلم له إنسان، فهذا يأثم المعطي والآخذ. فأما من منع من حقه فأعطى ليدفع عن نفسه الظلم فذلك مباح للمعطي، وأما الآخذ فآثم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب كانت هذه الهدية حراماً على الآخذ، وجاز للدافع أن يدفعها إليه، كما كان النبي يقول (إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها ناراً. قيل: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل). ومثل ذلك: إعطاء من أعتق وكتم عتقه، أو كان ظالماً للناس فإعطاء هؤلاء جائز للمعطي، حرام عليهم أخذه. قال الشيخ ابن عثيمين: أما الرشوة التي يتوصل بها الإنسان إلى حقه، كأن لا يمكنه الحصول على حقه إلا بشيء من المال، فإن هذا حرام على الآخذ وليس حراماً على المعطي، لأن المعطي إنما أعطى من أجل الوصول إلى حقه، لكن الآخذ الذي أخذ تلك الرشوة هو الآثم لأنه أخذ ما لا يستحق " انتهى نقلا عن "فتاوى إسلامية.

стр. 3338

فائدة: ٣ الواجب على من وقع في الرشوة أن يتوب إلى الله تعالى، فيقلع عنها، ويعزم على عدم العود إليها، ويندم على ما فات. وهل يلزمه رد الرشاوى إلى أصحابها؟ في ذلك تفصيل: أ- إن كان دافع الرشوة إنما دفعها ليتوصل بها إلى حق له، فيلزم رد ماله إليه؛ لأنه مال مأخوذ بالباطل والظلم والتعدي. ب- وإن كان قد دفع الرشوة ليتوصل بها إلى غير حقه، وقد حصل له ذلك، فإن الرشوة لا ترد إليه؛ حتى لا يجمع بين العوضين، بين الوصل إلى غرضه ومنفعته - التي لا تحق له - وبين عودة ماله إليه. ويلزم التائب حينئذ أن يتخلص من الرشاوى التي لا تزال بيده، بإنفاقها على الفقراء والمساكين أو في المصالح العامة ونحو ذلك من أوجه الخير. قال ابن القيم: إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض، كالزانية والمغنى وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم ثم تاب والعوض بيده. فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لصاحبه في مقابلته نفع مباح. وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أصوب القولين. (وَكَذَا هَدِيَّةٍ، إِلاَّ مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حُكُومَةٌ). أي: ويحرم كذلك على القاضي قبول هدية من أحد. أ-عن أبي حميد الساعدي، أن رسول الله ﷺ قال (هدايا العمال غلول) رواه أحمد. ب-عن بريدة. أن النبي ﷺ قال (من استعملناه على عملٍ فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غُلول) رواه أبو داود. قال الشوكاني: هذا الحديث فيه دليلٌ على أنه لا يحل للعامل زيادةٌ على ما فرض له مَن استعمله، وأن ما أخذه بعد ذلك فهو مِن الغُلول "أي سرقة".

стр. 3339

ج-عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ (اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتَبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَهَلاَّ جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلاَّنِي اللَّهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلاَّ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) متفق عليه. قال الخطابي: في هذا الحديث بيان أن هدايا العمال سُحت، وأنه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحات، وإنما يهدى إليه للمحاباة، وليخفف عن المهدي، ويسوغ له ترك بعض الواجبات عليه، وهو خيانة منه، وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله. وقال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: بَيَان أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّال حَرَام وَغُلُول؛ لِأَنَّهُ خَانَ فِي وِلَايَته وَأَمَانَته … وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ فِي نَفْس الْحَدِيث السَّبَب فِي تَحْرِيم الْهَدِيَّة عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا بِسَبَبِ الْوِلَايَة، بِخِلَافِ الْهَدِيَّة لِغَيْرِ الْعَامِل، فَإِنَّهَا مُسْتَحَبَّة، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان حُكْم مَا يَقْبِضهُ الْعَامِل وَنَحْوه بِاسْمِ الْهَدِيَّة، وَأَنَّهُ يَرُدّهُ إِلَى مُهْدِيه، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَإِلَى بَيْت الْمَال. قال ابن المنير: يؤخذ من قوله ﷺ (هلَّا جلَس في بيت أبيه وأمه) جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك. ثم قال ابن حجر العسقلاني معقبًا على كلام ابن المنير: ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم يزد على العادة. قال الجصاص - في معرض حديثه عن القاضي - أما من كان يهاديه قبل القضاء وقد علم أنه لم يُهده إليه لأجل القضاء، فجائز له قبوله على حسب ما كان يقبله قبل ذلك. قال البغوي: روي عن علي بن أبي طالب: أنه كان يرد الهدايا التي تأتيه أثناء خلافته إلى بيت مال المسلمين.

стр. 3340

فائدة: ١ الحكمة من تحريم الهدية للقاضي. أ-أن المهدي يدل بهديته على القاضي ويجرؤ بها عليه. ب- أن الهدية تكسر شخصية القاضي بالنسبة للمهدي وتحمله على مراعاته ولين الجانب له أو محاباته. قال الشوكاني: إن للإحسان تأثيرًا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولةٌ على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدي إليه ميلًا يؤثر الميل عن الحق عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك، ويظن أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه، والرِّشوة لا تفعل زيادةً على هذا. (إِلاَّ مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حُكُومَةٌ). هذه حالة يجوز للقاضي أن يقبل الهدية وهي: إذا كانت الهدية من أحد كان يهادية قبل أن يتولى القضاء وليست له حكومة، فإن كان له حكومة فلا يجوز للقاضي أن يقبلها. جاء في (الموسوعة الفقهية) يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي قَبُول الْهَدِيَّةِ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا. أَمَّا مَنْ لَيْسَتْ لَهُ خُصُومَةٌ فَإِنْ كَانَ مِنْ خَوَاصِّ قَرَابَتِهِ أَوْ صُحْبَتِهِ أَوْ جَرَتْ لَهُ عَادَةٌ بِمُهَادَاتِهِ قَبْل الْقَضَاءِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَبُول، وَالأْوْلَى إِنْ قَبِل الْهَدِيَّةَ - مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ خُصُومَةٌ - أَنْ يُعَوِّضَ الْمُهْدِيَ عَنْهَا، وَيَحْسُنُ بِهِ سَدُّ بَابِ قَبُول الْهَدَايَا مِنْ كُل أَحَدٍ؛ لأِنَّ الْهَدِيَّةَ تُورِثُ إِدْلَال الْمُهْدِي وَإِغْضَاءَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، إِلاَّ الْهَدِيَّةُ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ - مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ خُصُومَةٌ - فَالأْوْلَى قَبُولُهَا لِصِلَةِ الرَّحِمِ؛ وَلأِنَّ فِي رَدِّهَا قَطِيعَةً لِلرَّحِمِ وَهِيَ حَرَامٌ. وَأَمَّا الرِّشْوَةُ فَحَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ لِحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْم. … (الموسوعة).

стр. 3341

(ولا الحُكم قبلَ معرفةِ الحق). أي: يحرم على القاضي أن يحكم قبل معرفة الحق. لقوله تعالى (فاحكم بين الناس بالحق)، ومن لم يعرف الحق كيف يحكم؟ (فإنْ أشكلَ عليهِ شاورَ فيه أهلُ العلمِ والأمانة). لقوله تعالى (وشاورهم في الأمر). وقد شاور رسول الله ﷺ أصحابه في غزوة بدر، وفي مصالحة الكفار يوم الخندق، وفي لقاء الكفار يوم بدر. فائدة: قال السعدي: قوله تعالى (وشاورهم في الأمر) أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره: منها: أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله. ومنها: أن فيها تسميحاً لخواطرهم، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس -إذا جمع أهل الرأي، والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة. ومنها: أن في الاستشارة تنور الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول. ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله ﷺ وهو أكمل الناس عقلاً وأغزرهم علماً، وأفضلهم رأياً: (وشاورهم في الأمر) فكيف بغيره؟!

стр. 3342

(وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ). أي: لا يصح أن يحكم القاضي لنفسه، وإنما يتحاكم إلى قاضٍ آخر. قال ابن قدامة: ولا يجوز له أن يحكم لنفسه؛ لأنه لا يجوز أن يكون شاهداً لها، ويتحاكم هو وخصمه إلى قاض آخر. ويجوز أن يحاكمه إلى بعض خلفائه؛ لأن عمر حاكم أبياً إلى زيد، وحاكم عثمان طلحة إلى جبير. ولا يجوز أن يحكم لوالده وإن علا، ولا لولده وإن سفل؛ لأنه متهم في حقهما، فلم يجز حكمه لهما، كنفسه. (الكافي). (وَلَا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) أي: ولا يصح أن يحكم لمن لا تقبل شهادته له، كأصوله، وفروعه، وزوجه. لأنه متهم في حقهما، فلم يجز حكمه لهما، كنفسه. (الكافي). مثال: حدثت قضية بين ابنه وبين شخص، فلا يحكم.

стр. 3343

بَابُ طَرِيقِ الحُكْمِ وَصِفَتِهِ (فمن ادعى مالاً ونحوه فعليه البينة). أي: أن من ادعى مالاً ونحوه على شخص فعليه البينة، أي: يطالب أن يقيم المطالب الدليل على صدقه ويُظهر الحجة، وهي البينة. والبينة. ما يظهر به الحق ويبين به، كالشهود وغيرهم. - فإن جاء بالبينة سمعها وكان ذات عدل: حكم بنقتضاها. (فإن لم يكن له بينة - ولم يقر المدعَى عليه - حلف المدَّعَى عليه وبرئ وخَلّى سبيلَه). أي: فإن لم يكن للمدعِي بينة - لا رجلان، ولا رجل وامرأتان، ولا رجل ويمين - ولم يقر بالحق، فإن القاضي يطلب من المدعى عليه أن يحلف على البراءة فيقول: والله ما له عندي شيء، ويبرأ ويخلي سبيله. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْه). متفق عليه وجاء عند البيهقي بلفظ (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) حديث حسن. قال السعدي: هذا الحديث عظيم القدر، وهو أصل من أصول القضايا والأحكام، فإن القضاء بين الناس إنما يكون عند التنازع، هذا يدعي على هذا حقاً من الحقوق، فينكره، وهذا يدعي براءته من الحق الذي كان ثابتاً عليه، فبين ﷺ أصلاً بفض نزاعهم، ويتضح به المحق من المبطل، فمن ادعى عيناً من الأعيان، أو ديناً، أو حقاً من الحقوق وتوابعها على غيره، وأنكره ذلك الغير، فالأصل مع المنكر، فهذا المدعي إن أتى ببينة تثبت ذلك الحق، ثبت له، وحُكمَ له به، وإن لم يأت ببينة، فليس له على الآخر إلا اليمين. أن البينة على المدعي، أي يقيم المطالب الدليل على صدقه ويُظهر الحجة، ومن البينة الشهود، الذين يشهدون على صدقه.

стр. 3344

فائدة: ١ الحكمة في كون البينة على المدعي. لأنه يدعي أمراً خفياً بحاجة إلى إظهار، والبينة دليل قوي لإظهار ذلك. فائدة: ٢ أنه إذا لم يجد المدعي بينة ولا شهوداً، فإن القاضي يطلب من المدعَى عليه أن يحلف أن ما ادعاه عليه المدعي غير صحيح ويكون الحكم له بيمينه. فائدة: ٣ يجب الحذر من الأيمان الكاذبة، فقد جاء الوعيد في ذلك: قال ﷺ (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، قيل: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً، قال: وإن كان قضيباً من أراك) متفق عليه. فائدة: ٤ بين ﷺ في هذا الحديث الحكم، وبين الحكمة في هذه الشريعة الكلية، وأنها عين صلاح العباد في دينهم ودنياهم، وأنه لو يعطى الناس بدعواهم لكثر الشر والفساد، ولادعى رجال دماء قوم وأموالهم.

стр. 3345

(ولا يحكم بعلمهِ). أي: لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه. وهذا قول مالك وأحمد ونصره ابن القيم. لحديث أُمّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ اَلنَّارِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لقوله ﷺ (فأقضي له نحو ما أسمع) فدل على أنه يقضي فيما يسمع لا فيما يعلم. قال القرطبي: قوله تعالى (يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ … ). هَذِهِ الْآيَةُ تَمْنَعُ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ، لِأَنَّ الْحُكَّامَ لَوْ مُكِّنُوا أَنْ يَحْكُمُوا بِعِلْمِهِمْ لَمْ يَشَأْ أَحَدُهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْفَظَ وَلِيَّهُ وَيُهْلِكَ عَدُوَّهُ إِلَّا ادَّعَى عِلْمَهُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ. وَنَحْوَ ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، مَا أَخَذْتُهُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرِي. وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى عُمَرَ فَقَالَتْ لَهُ: احْكُمْ لِي عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا فَإِنَّكَ تَعْلَمُ مَا لِي عِنْدَهُ. فَقَالَ لَهَا: إِنْ أَرَدْتِ أَنْ أَشْهَدَ لَكِ فَنَعَمْ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَلَا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اشْتَرَى فَرَسًا فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ، فَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ وَقَالَ: "مَنْ يَشْهَدُ لِي "فَقَامَ خُزَيْمَةُ فَشَهِدَ فَحَكَمَ. خَرَّجَ الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُه وذهب بعض العلماء: إلى جواز ذلك. وهو قول أبي يوسف وأبي ثور واختاره المزني وهو قول الظاهرية.

стр. 3346

واستدلوا بحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ - امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ) متفق عليه. فحكم لها من غير بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها. وقالوا: إن علم القاضي أقوى من الشهادة، لأن علمه يقين، والشهادة قد تكون كذباً. والراجح الأول. قال ابن قدامة: فأما حديث أبي سفيان فلا حجة فيه لأنه فتيا لا حكم، بدليل أن النبي ﷺ أفتى في حق أبي سفيان من غير حضوره، ولو كان حكماً عليه لم يحكم عليه في غيبته. وقال ابن القيم: ولا دليل فيه، لأن أبا سفيان كان حاضراً في البلد لم يكن مسافراً، والنبي ﷺ لم يسألها البينة ولا يُعطى المدعي بمجرد دعواه، وإنما كان هذا فتوى منه ﷺ . فائدة: حديث أُم سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ … ). فيه دليل على أن حكم القاضي لا يغير حكماً شرعياً في الباطن فلا يحل حراماً.

стр. 3347

مثال: لو شهدا شاهدا زور لإنسان بمال، فحكم القاضي بهذا المال لهذا الشخص فإنه لا يحل له بناء على هذه الشهادة، وهذا مذهب جماهير العلماء، وعلى هذا فيكون قضاء القاضي نافذاً ظاهراً لا باطناً. وجه الدلالة: لأنه توعد من حكم له بأنه يقتطع له قطعة من نار. (وَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: إِنْ حَلَفْتَ وَإِلاَّ قَضَيْتُ عَلَيْكَ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قَضَى عَلَيْهِ). أي: وإن رفض المدعَى عليه أن يحلف، فإنه يقضَى عليه بالنكول، بمعنى أنه يحكم عليه بما ادعي عليه به. والنكول: هو الامتناع عن اليمين الموجهة من الحاكم إلى المدعى عليه، أو المدعي. أ- لورود ذلك عن عثمان. ب- ولأن امتناعه عن اليمين قرينة ظاهرة تدل على صدق المدعِي، فإنه لولا صدقه لدفع المدعىَ عليه دعواه باليمين، فلما نكل عنها كان نكوله قرينة ظاهرة دالة على صدق المدعِي، فقدمت على أصل براءة الذمة. فيقضى عليه بالنكول بمجرد رفضه الحلف ولا ترد على المدعي. مثال: ادعى زيد على عمرو (١٠٠) ريال، فقيل لزيد: هات البينة، فقال: ليس عندي بيّنة، وطلب أن يحلف المُنكر - الذي هو عمرو - فقال عمرو: لا أحلف، فعلى هذا القول: يحكم عليه بالنكول ولا نقول لزيد - المدعي - احلف أنك تطلبه كذا وكذا. لقوله ﷺ (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فلم يجعل في جانب المدعي إلا البينة. وذهب بعض العلماء: إلى أن اليمين ترد على المدعي (وهو طالب الحق)، وهو إن كان صادقاً في دعواه فالحلف لا يضره، وإن كان كاذباً فقد يهاب الحلف ولا يحلف. [الشرح الممتع: ١٥/ ٣٢١]

стр. 3348

وفي هذه الحالة: إذا حلف أخذ ما ادعى به واستحق المتنازع عليه. واستدل أصحاب هذا القول بحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق) رواه الدارقطني وهو حديث ضعيف [معنى رد الحق: تنقل من المدعَى عليه إلى المدعِي]. ولأنه إذا رفض المدعي عليه أن يحلف ظهر صدق المدعي، فقوي جانبه، فتشرع اليمين في حقه كما كانت تشرع في حق المدعى عليه قبل نكولهِ. [اليمين في حق من جانبه أقوى دائماً]. قوله (فَيَقُولُ: إِنْ حَلَفْتَ وَإِلاَّ قَضَيْتُ عَلَيْكَ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قَضَى عَلَيْه). أي: يقول القاضي للمدعَى عليه: إن امتنعت عن الحلف، فإنه يترتب على ذلك أنني أقضي عليك، فإن حلف فإن القاضي يخلي سبيله كما سبق. فائدة: إذا توجهت اليمين على المدعى عليه ونكل عن اليمين، فهل يعتبر نكوله عن اليمين إقراراً منه بما يدعيه المدعي؟ قيل: أن النكول عن اليمين إقرار من الناكل أو بدل عنه. وقيل: أن النكول عن اليمين يعتبر كالبذل والإباحة والترك، وعدم المطالبة. وقيل: أن النكول عن اليمين كإقامة البينة. وهذا مذهب الحنابلة. قال ابن القيم: وَالصَّحِيحُ: أَنَّ النُّكُولَ يَقُومُ مَقَامَ الشَّاهِدِ وَالْبَيِّنَةِ، لَا مَقَامَ الْإِقْرَارِ وَلَا الْبَذْلِ، لِأَنَّ النَّاكِلَ قَدْ صَرَّحَ بِالْإِنْكَارِ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُدَّعِي بِهِ. وَهُوَ مِصْرُ عَلَى ذَلِكَ، مُتَوَرِّعٌ عَنْ الْيَمِينِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّهُ مُقِرٌّ، مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَيُجْعَلُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ؟ وَأَيْضًا، لَوْ كَانَ مُقِرًّا لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ بَيِّنَةُ نُكُولِهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْأَدَاءِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ، وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ وَشَهَادَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُقِرًّا شَاهِدًا عَلَى نَفْسِهِ بِنُكُولِهِ، وَالْبَذْلُ إبَاحَةٌ وَتَبَرُّعٌ، وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِهِ.

стр. 3349

(وَإِنْ حَلَفَ المُنْكِرُ ثُمَّ أَحْضَرَ المُدَّعِي بَيِّنَةً حَكَمَ بِهَا، وَلَم تَكُنِ الْيَمِينُ مُزِيْلَةً لِلْحَقِّ). أي: حينما حلف المدعَى عليه، فإن اليمين تزيل الخصومة ولا تزيل الحق. لقوله ﷺ ( … فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ اَلنَّارِ). وبناء على هذا: لو أن المدعي بعد حلف المدعى عليه وجد بينة، فإن القاضي يحكم بهذه البينة، ولا تكون يمين المدعَى عليه مزيلة للحق. (ولَا يُسْتَحْلَفُ فِي الْعِبَادَاتِ). أي: لا يستحلف المنكر في العبادات، لأنه حق لله تعالى. فلو قيل لشخص: أنت ما صليت، قال: صليت، فلا نحلِّفه، لأن هذا لحق الله، أو قيل لإنسان: أنت صمت؟ قال: نعم، قلنا: ما صمت، قال: بل صمت، فلا نحلِّفه، وفي الزكاة كذلك، قلنا: أديت الزكاة؟ قال: أديتها، فلا نحلفه، وهل نقول: إلى مَنْ أديت؟ الجواب: لا. فائدة: والقاعدة العامة في هذا: أن ما كان من حقوق الآدميين فإنه يحلف فيه، وما كان من حقوق الله فإنه لا يحلف فيه؛ لأن حقوق الآدميين فيها خصم وهو الآدمي، فيحتاج إلى التبرئة إن كان مدعًى عليه وهو ينكر. أو التقوية إن كان مدعي ومعه شاهد فيحتاج إلى التبرئة أو التقوية باليمين، أما إذا كان الحق لغير الآدمي فهذا لا يستحلف فيه ولا نتعرض له؛ لأن هذا الحق بين الإنسان وبين ربه. (الشرح الممتع). (وَلَا فِي حُدُودِ اللهِ). أي: لا يشرع الاستحلاف في الحدود للمنكر. (ما يوجب الحد). أ-لأنه يحب سترها. ب-ولأنه لو أقر بها ثم رجع عن إقراره؛ قبل منه، وخلي سبيله، فلئلا يستحلف مع عدم الإقرار أولى. فلو قيل لشخص: أنت زنيت، فقال: ما زنيت، فلا نقول: احلف؛ لأنه لو لم يحلف لم نحُدَّه؛ لأننا لا نحده حتى يقر، ويبقى على إقراره إلى أن يقام عليه الحد.

стр. 3350

(وَيُسْتَحْلَفُ الْمُنْكِرُ فِي كُلِّ حَقٍّ لآدَمِيٍّ). أي: ويستحلف المنكر، إذا توجهت عليه اليمين، في دعوى صحيحة على صفة جواب المنكر، بطلب خصمه، وإن لم يطلب خصمه اليمين، لم يستحلف والاستحلاف لا يكون إلا في مجلس الحاكم. وقد تقدم الحديث ( … واليمين على من أنكر). قال الشيخ ابن عثيمين: وفي الحديث إشارة إلى أن المراد حقوق الآدميين، لأنه ليس هناك مدعٍ ومدعى عليه إلا في حقوق الآدميين. (وَالْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ الْيَمِينُ بِاللهِ). وتقدمت أحكامها، وهي الحلف بالله أو بصفة من صفاته. (وَلَا تُغَلَّظُ إِلاَّ فِيْمَا لَهُ خَطَرٌ). تغليظ اليمين: هو توكيدها وتشديدها. فتغليظ اليمين لا يكون إلا في أمر له خطر.

стр. 3351

باب الدعاوَى الدعاوى: جمع دعوى، وهي: أن يضيف الإنسان إلى نفسه حقاً على غيره. (وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إِلاَّ مُحَرَّرَةً، مَعْلُومَةَ المُدَّعَى بِهِ). أي: يشترط لصحة الدعوى أن تكون محررة. المراد بتحرير الدعوَى: تمييزها عما تلتبس به، بحيث يُعلم المدعَى به، فيُذكر قدره وجنسه وصفته وكل ما يحتاج إليه القاضي، حتى يبقى متميزاً ظاهراً. وإنما اشترط تحريرها، لأن الحكم مرتب عليها. ولذلك قال ﷺ (إنما أقضي على نحو ما أسمع). (مَعْلُومَةَ المُدَّعَى بِهِ). أي: ويشترط أيضاً لصحة الدعوى العلم بالمدعَى به. فلا يكفي أن يقول أدعي عليه دراهم، بل لا بد ان يذكر قدرها ونوعها. (تُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ ظَاهِراً وَبَاطِناً). البينة: كل ما أبان الحق وأظهره، والمراد بالبينة هنا الشهود. فيشترط أن يكون الشهود عدولاً في الظاهر والباطن. لقوله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم). والعدالة: صلاح الدين [بأداء الواجبات وترك المحرمات من إتيان الكبائر أو الاصرار على الصغائر] واستعمال المروءة [وهي استعمال ما يجمله ويزينه]. وذهب ابن تيمية أن العدل من كان معروفاً بالصدق في أقواله، وأخباره، مرضياً عند الناس، حتى وإن لم يكن متصفاً بجميع الصفات التي اشترطها الفقهاء في العدالة.

стр. 3352

وفي هذا المجال يقول ﵀: وَأَمَّا تَفْسِيرُ " الْعَدَالَةِ " الْمَشْرُوطَةِ فِي هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءِ: فَإِنَّهَا الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةُ وَالصَّلَاحُ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْكَبِيرَةِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغِيرَةِ. و " الصَّلَاحُ فِي الْمُرُوءَةِ " اسْتِعْمَالُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ وَاجْتِنَابُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ فَإِذَا وُجِدَ هَذَا فِي شَخْصٍ كَانَ عَدْلًا فِي شَهَادَتِهِ وَكَانَ مِنْ الصَّالِحِينَ الْأَبْرَارِ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَشْهَدُ أَحَدٌ فِي وَصِيَّةٍ أَوْ رَجْعَةٍ فِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ حَتَّى يَكُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ بَلْ هَذَا صِفَةُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي أَكْمَلَ إيمَانَهُ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَبَّاتِ لَمْ يُكْمِلْهَا. وقال: بَابُ الشَّهَادَةِ مَدَارُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الشَّهِيدُ مَرْضِيًّا أَوْ يَكُونَ ذَا عَدْلٍ يَتَحَرَّى الْقِسْطَ وَالْعَدْلَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَالصِّدْقَ فِي شَهَادَتِهِ وَخَبَرِهِ وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ هَذَا مَعَ الْإِخْلَالِ بِكَثِيرِ مِنْ تِلْكَ الصِّفَات. (وَمَنْ جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ سُئِلَ عَنْهُ). أي: إذا جهل القاضي عدالة الشهود، فإنه يسأل عنهم، وذلك بأن يطلب من يزكيهم ويعرفهم. (وَإِنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُ عَمِلَ بِهَا). أي: إن علم القاضي عدالتهم، فإنه يعمل بهذه البينة، ولا حاجة إلى من يزكيهم. (وَإِنْ جَرَحَ الْخَصْمُ الشُّهُودَ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ بِهِ وَأُنْظِرَ لَهُ ثَلَاثاً إِنْ طَلَبَهُ). أي: إذا جرح الخصم في الشهود، فإنه يطلب منه إقامة البينة على الجرح، وذكر سبب الجرح، فإن طالب الإنظار، فإن القاضي ينظره ثلاثة أيام حتى يأتي ببينة جرح الشهود. (وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ). أي: للمدعِي أن يلازم المدعَى عليه مدة الإنظار لئلا يهرب فيضيع حقه. (فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ حَكَمَ عَلَيْه) أي: إذا لم يأتِ ببينة تشهد بما ادعاه من الجرح، فإنه يُحكم عليه، لأن الحكم تمّت شروطه، وانتفت موانعه.

стр. 3353

(ويَحكمُ على الغائبِ إذا ثَبتَ عليه الحق). أي: أن القاضي يحكم للمدعي إذا كان المدعَى عليه غائباً عن البلد (كأن يكون مسافراً أو مستتر في البلد). قال ابن قدامة: أَنَّ مَنْ ادَّعَى حَقًّا عَلَى غَائِبٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَطَلَبَ مِنْ الْحَاكِمِ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ، وَالْحُكْمَ بِهَا عَلَيْهِ، فَعَلَى الْحَاكِمِ إجَابَتُهُ، إذَا كَمُلَتْ الشَّرَائِطُ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةُ وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَسَوَّارٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. أ-لحديث عَائِشَة قَالَتْ (دَخَلَتْ بِنْتُ عُتْبَةَ -اِمْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنْ اَلنَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلِيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ? فَقَالَ: "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيك) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وجه الدلالة: قضاء النبي ﷺ على أبي سفيان لزوجته وهو غائب. قال ابن المنذر: هذا حكم منه بالنفقة، وأبو سفيان ليس بحاضر ولم ينتظر حضوره. ب- صح عن رسول الله ﷺ أنه حكم على الغائب، كما حدث في حادثة العرنيين الذين قتلوا الرعاء، وسملوا أعينهم، وفروا، فأرسل إليهم القائف يتبعهم وهم غيب، حتى أدركوا، واقتص منهم. ج-صح عن عمر، وعثمان ﵄ القضاء على الغائب، ولا مخالف لهما من الصحابة. د- المدعي له بينة مسموعة عادلة فجاز الحكم بها، كما لو كان الخصم حاضراً. وذهب بعض العلماء: إلى عدم جواز ذلك. أ-لحديث أُمّ سَلَمةَ أَن رسول اللَّه ﷺ قال (إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض، فأَقْضِي لَهُ بِنحْو ما أَسْمَعُ). قال ابن رشد: هذا الحديث عمدة من منع القضاء على الغائب.

стр. 3354

وجه الدلالة: قوله (فأَقْضِي لَهُ بِنحْو ما أَسْمَعُ) وهذا يدل على أن القاضي لا يحكم إلا بما يسمع من الخصمين. ب- ولحديث عليّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ، حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اَلْآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي) قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد. وجه الدلالة: نهيه ﷺ عن الحكم لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر، والحكم على الغائب حاله هكذا، يقضَى للمدعِي في غيبة المدعى عليه، فهو قضاء لأحدهما قبل سماع كلام الآخر، وهذا منهي عنه. والراجح الأول. تنبيه: الاستدلال بحديث هند في قصة أبي سفيان فيه نظر من وجهين: الوجه الأول: أن أبا سفيان لم يكن غائباً عن مكة بل كان في مكة اثناء هذا القضاء، وهم لا يقولون بالقضاء على الغائب في البلد. الوجه الثاني: أن هذا من باب الفتوى وليس من باب القضاء بدليل أن النبي ﷺ لم يسألها البينة. قال ابن القيم: وَقَدْ احْتَجّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا وَالنّبِيّ ﷺ لَمْ يَسْأَلْهَا الْبَيّنَةَ وَلَا يُعْطَى الْمُدّعِي بِمُجَرّدِ دَعْوَاهُ وَإِنّمَا كَانَ هَذَا فَتْوَى مِنْهُ ﷺ . (زاد المعاد). فائدة: ذهب جمهور العلماء إلى عدم صحة القضاء على الغائب عن مجلس الحكم إذا كان غيابه داخل البلد. فهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة. أ-أن الغائب خارج البلد غيبته تطول غالباً، أما من كان في البلد فلا تطول، ولذا لزم حضوره مجلس القاضي، فلعله يجد مطعناً ودفعاً لما ادعي عليه. ب-أن إحضار من كان غائباً داخل البلد فيه تسهيل للقضاء، وسلوك أقرب الطرق واجب في القضاء.

стр. 3355

(والْمُدَّعِي مَنْ إِذَا سَكَتْ تُرِكَ، وَالْمُدَّعَى عليه مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ). هذا الفرق بين المدعِي والمدعَى عليه: الْمُدَّعِي مَنْ إِذَا سَكَتْ تُرِكَ، وَالْمُدَّعَى عليه مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ. والمعنى: أنَّ المدعي هو: مَن يُطالب بشيء مدعيًا أنه له، فإذا أحجم عن إكمال دعواه فإنَّ القاضي يتركه، ولا يلزمه بإكمال الدعوى، لأنه مدعٍ. وأما المدعى عليه فهو المطلوب، ولا يسوغ له الامتناع عن إجابة طلب القاضي وسماع الدعوى، ما دام المدعي مقيمًا على دعواه؛ لأنه لا يمكن إنهاءُ الخصومة القائمة التي استمر فيها المدعي إلا بالاستمرار في جلساتها عند القاضي، كي تنتهي بحكمٍ لأحد الطرفين بحسب ما لديهما من بينات وحججٍ، أو بما أداه الطرفان من أيْمانٍ على ما ذكراه عند القاضي. (وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالإِنْكَارُ إِلاَّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ). أي: إنما تصح الدعوى من جائز التصرف: وهو الحر، المكلف، الرشيد. لأن من لا يصح تصرفه لا قول له في المال، والدعوى قول يترتب عليه حكم شرعي، فلم يصح من غير جائز التصرف. (وَإِذَا تَدَاعَيَا عَيْناً بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، إلاَّ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا يَحْلِفُ). إذا تداعيا عيناً - ككتاب، أو ثوب ونحوهما - فادعى كل واحد منهما أنها له لم تخلُ من أقسام: أحدها: أن تكون العين في يد أحد المتنازعين ولا بيّنَة تثبت صاحب الحق. فإنها تكون لمن هي بيده مع يمينه. لحديث ابن عباس أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) متفق عليه، ومن معه العين مدعى عليه، فعليه اليمين.

стр. 3356

ولقوله ﷺ في قصة الأشعث بن قيس وخصمه (شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك). ولأن اليد دليل الملك الظاهر. فإن كان مع أحدهما بيّنة: فتكون لمن أقام البينة. لقوله ﷺ (البيّنة على المدعي. . .) والبينة أن يأتي من هي بيده بشهود أنها له. (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ، قُضِيَ لِلْخَارِجِ بِبَيِّنَتِهِ، وَلَغَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ). الداخل: من كانت العين بيده، والخارج: من لم تكن العين بيده. هنا: إذا أقام كل واحد منهما بيّنة، فلمن تكون؟ يقضى بها للخارج، وهو الذي ليس يده عليها. لأنه هو المدعي، وفي الحديث (البينة على المدعي. . .) فإذا أقام البينة قضي له. وذهب بعض العلماء: إلى أنه يقضى بها للداخل وهو من كانت تحت يده (وهو المدعى عليه). وهذا قول الجمهور. وهذا أرجح. فائدة: إذا كانت العين في يد كل واحد من المتنازعين، كبعير كل منهما ممسك بزمامه. فيتحالفان، فيحلف كل واحد منهما لصاحبه (إذا لم يكن هناك بينة) ثم تقسم العين بينهما.

стр. 3357

باب الشهادة الشهادة لغة: تطلق الشهادة في اللغة على معان منها: الحضور، ومنه قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). والمعاينة، ومنه قوله تعالى: (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ). والقسم، ومنه قوله تعالى: (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ). والخبر القاطع، ومنه قوله: (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا). واصطلاحاً: إخبار بحق يعلمه للغير على الغير. قولنا (يعلمه) فلا بد من علمه بالشيء، فلا يمكن أن يشهد بالظن. والأصل فيها: قوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء). وقوله تعالى (وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ). وقوله تعالى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ). وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالإشهاد، والأمر دليل المشروعية. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ: عن الأشْعَث بْنَ قَيْس قال (كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ) رواه مسلم. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ طلب الشهادة صراحة فقال: شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ.

стр. 3358

وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال (الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) وَالْبَيِّنَةُ هِيَ الشَّهَادَةُ. وقَدِ انْعَقَدَ الإْجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا لإِثْبَاتِ الدَّعَاوَى. أَمَّا الْمَعْقُول: فَلأِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا لِحُصُول التَّجَاحُدِ بَيْنَ النَّاسِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا. - والشهادة تنقسم إلى قسمين: تحمل، وأداء. تحمل: ويكون ذلك بشهود الواقعة (التزام الإنسان بالشهادة). وأداء: ويكون ذلك عند الحاكم وهو الإخبار عن الواقعة المشهود بها. مثال: لو أردت أن أبيع بيتي على شخص، وقلت لشخصين تعالا فاشهدا، فهذا يسمى تحملاً، ولو وصل الأمر إلى القاضي بسبب عيب أو غير ذلك، وطلب منهما الشهادة عنده، فشهادتهما تسمى أداءً. (تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ حَقِّ اللهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ مَنْ يَكْفِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ) أي: أن تحمل الشهادة في حقوق الآدميين فرض كفاية (إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقي). لقوله تعالى (وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) أي: إذا دعوا. وعلى هذا فإذا طلب منك شخص أن تشهد على إقرار دين بحق له، فالشهادة فرض كفاية، إن قام بها من يكفي سقطت عن الباقي وإلا وجبت عليك. - فإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه (فرض عين). مثال: دعاك شخص لتشهد على إقرار زيد بحق له، وليس في المكان غيرك، فيجب أن تجيب، لأنه لايوجد من يقوم بالكفاية. [الشرح الممتع] - وجه تعين تحمل الشهادة إذا لم يوجد إلا الكفاية: أن الواجب لا يتم إلا بهم فتكون المسؤولية على جميعهم. (وَأَدَاؤُهَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَهَا، مَتَى دُعِيَ إِلَيْهِ). أي: وأداء الشهادة - على من تحملها - عند القاضي فرض عين. أ-لقوله تعالى (ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)، [وإنما خص القلب بالإثم لأنه موضع العلم بها]. ب-ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات. ج-ولأن امتناعه من أداء الأمانة التي تحملها قد يكون سبباً في ضياع الحقوق.

стр. 3359

لكن بشرط أن يدعى إليها، فإن لم تطلب منه الشهادة فلا تجب، إلا في حالة واحدة وهي: إذا كان صاحب الحق لا يعلم عن هذه الشهادة، أو نسي البينة، ففي هذه الحال تتعين الشهادة. مثاله: تبايع رجلان، وكان هناك رجل ثالث أو رابع يسمعان هذا العقد، ثم إنه حصل منازعة عند القاضي بين هذين المتبايعين، فهنا صاحب الحق لا يعلم بشهادة الشهود، فيجب عليهما أن يأتيا ويشهدا. وكذلك لو أن صاحب الحق نسي الشاهد، فهنا يجب أن يأتي ويشهد. جاء في (الموسوعة الفقهية) تَحَمُّل الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) وقَوْله تَعَالَى (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) وَقَوْلُهُ (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ). وَلأِنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا كَسَائِرِ الأْمَانَاتِ. فَإِذَا قَامَ بِهَا الْعَدَدُ الْكَافِي سَقَطَ الإْثْمُ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنِ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ أَثِمُوا كُلُّهُمْ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْمُمْتَنِعُ إِذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِالشَّهَادَةِ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ تَنْفَع. فائدة: إذاً: لا يجب أداء الشهادة إلا إذا دعي إليها كما سبق، لكن هل يستحب أن يأتي ويشهد بدون أن يدعى أم لا؟ اختلف العلماء: القول الأول: أنه مذموم. لحديث عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ). قَالَ عِمْرَانُ فَلَا أَدْرِى أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤتمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ). ولأن الذي يبادر للشهادة قبل أن يُسألها قد يتهم بأنه متحيزاً للمشهود له.

стр. 3360

القول الثاني: أن ذلك محمود. لحديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِى يَأْتِى بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا) رواه مسلم. والصحيح التفصيل: إن كان المشهود له لا يعلم بالشهادة، فإن الشاهد يؤديها وإن لم يسألها، وإن كان المشهود له عالماً ذاكراً فإنه لا يشهد حتى تطلب منه الشهادة. قال الحافظ ابن حجر: وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اَلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَأَجَابُوا بِأَجْوِبَة أَحَدُهَا: أَنَّ اَلْمُرَادَ بِحَدِيثِ زَيْد: مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَة لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُهَا فَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِهَا أَوْ يَمُوتُ صَاحِبُهَا اَلْعَالِمُ بِهَا وَيَخْلُفُ وَرَثَةً فَيَأْتِي اَلشَّاهِدُ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى مَنْ يَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ فَيُعْلِمُهُمْ بِذَلِكَ، وَهَذَا أَحْسَنُ اَلْأَجْوِبَةِ، وَبِهَذَا أَجَابَ يَحْيَى بْن سَعِيد شَيْخُ مَالِك، وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا. (وَقَدِرَ). هذا الشرط الثاني: أن يكون قادراً على الأداء. فإن كان عاجزاً فإنه لا يلزمه. لقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم). وقوله تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها). والقاعدة: لا واجب مع العجز. (بِلَا ضَرَرٍ فِي بَدَنِهِ، أَوْ عِرْضِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ أَهْلِهِ، وَكَذَا فِي التَّحَمُّلِ) هذا الشرط الثالث: انتفاء الضرر. فإذا تضمنت شهادته ضرراً في بدنه، أو عرضه، أو ماله، أو أهله فإنه لا يلزمه. فِي بَدَنِهِ: كأن يضرب أو يقتل. أَوْ مَالِهِ: كأن يتلف ماله.

стр. 3361

أَوْ أَهْلِهِ: كأن يقتل ولده. لقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار). جاء في (الموسوعة الفقهية) فَإِذَا تَضَرَّرَ فِي التَّحَمُّل أَوِ الأْدَاءِ، أَوْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ لَا تَنْفَعُ، بِأَنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَل شَهَادَتُهُ، أَوْ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّبَذُّل فِي التَّزْكِيَةِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ). وَقَوْلُهُ ﷺ (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ). وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لأِنَّ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ لَا يَحْصُل مِنْهُ. وَقَدْ يَكُونُ تَحَمُّلُهَا وَأَدَاؤُهَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَرْضًا عَيْنِيًّا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُ ذَلِكَ الْعَدَدِ مِنَ الشُّهُودِ الَّذِي يَحْصُل بِهِ الْحُكْمُ، وَخِيفَ ضَيَاعُ الْحَقِّ. (الموسوعة). (وَلَا يَحِلُّ كِتْمَانُهَا). أي: يحرم كتمان الشهادة. لقوله تعالى (ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ). وإنما خص القلب بالإثم لأنه موضع العلم بها. فائدة: هل يجوز أخذ الأجرة على الشهادة؟ المذهب: لا يجوز. لأن هذا واجب، وكل واجب لا يجوز للإنسان أن يأخذ عنه عوضاً. وقيل: يجوز إذا كان محتاجاً. وهذا اختيار ابن تيمية.

стр. 3362

جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ: لَا يَحِل لِلشَّاهِدِ أَخْذُ الأْجْرَةِ عَلَى أَدَائِهِ الشَّهَادَةَ إِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ لأِنَّ إِقَامَتَهَا فَرْضٌ، قَال تَعَالَى (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) أَمَّا إِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، وَكَانَ مُحْتَاجًا، وَكَانَ أَدَاؤُهَا يَسْتَدْعِي تَرْكَ عَمَلِهِ وَتَحَمُّل الْمَشَقَّةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى: عَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ الأْجْرَةِ عَلَيْهَا، لَكِنْ لَهُ أُجْرَةُ الرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِعِ الأْدَاءِ. قَال تَعَالَى (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ). وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى: الْجَوَازِ؛ وَذَلِكَ لأِنَّ إِنْفَاقَ الإْنْسَانِ عَلَى عِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَالشَّهَادَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلَا يُشْتَغَل عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا أَخَذَ الرِّزْقَ جَمَعَ بَيْنَ الأْمْرَيْنِ. وَلأِنَّ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أُجْرَةً كَمَا يَجُوزُ عَلَى كَتْبِ الْوَثِيقَةِ. (وَلَا أَنْ يَشْهَدَ إِلاَّ بِمَا يَعْلَمُهُ). أي: فلا يجوز أن يشهد أحد بالقرينة أو بغلبة الظن بل لا بد بما يعلمه يقيناً. أ- لقوله تعالى (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). قال المفسرون هنا: وهو يعلم ما شهد به؛ عن بصيرة وإيقان. ب- ولأن الشهادة خبر عن أمر واقع فلا بد أن يعلم هذا الأمر الواقع. ج- وقد جاء في الحديث عن ابن عباس (أن النبي ﷺ قال لرجل: ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع) رواه ابن عدي وهو ضعيف، لكن معناه صحيح، فهو يدل على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه يقيناً، كما تُعلم الشمس بالمشاهدة. د- ويؤيد ذلك قوله تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) فإن معنى الآية: النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به.

стр. 3363

فائدة: فإن شهد الشاهد بما لم يتيقنه: كان آتيا بشهادة زور. وشهادة الزور من كبائر الذنوب التي توجب غضب الله سبحانه وسخطه. عن أبي بكرة ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ). متفق عليه ففيه تحريم شهادة الزور وأنها من الكبائر. وهي الكذب متعمداً في الشهادة، فكما أن شهادة الزور سبب لإبطال الحق، فكذلك كتمان الشهادة سبب لإبطال الحق. وإنما كانت من أكبر الكبائر، لأنها يتوصل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، فلا شيء في الكبائر أعظم ضرراً ولا أكثر فساداً منها بعد الشرك. قال الحافظ: قَوْلُهُ (وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اهْتَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّكِئًا وَيُفِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمَ قُبْحِهِ. وَسَبَبُ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ الزُّورِ أَوْ شَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلَ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ وَالْعُقُوقَ يَصْرِفُ عَنْهُ الطَّبْعُ وَأَمَّا الزُّورُ فَالْحَوَامِلُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا فَاحْتِيجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الْإِشْرَاكِ قَطْعًا بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَةِ الزُّورِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى غَيْرِ الشَّاهِدِ بِخِلَافِ الشِّرْكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِباً. (الفتح) وقوله (فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) أَيْ: شَفَقَةً عَلَيْهِ وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ ﷺ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْه.

стр. 3364

وقال النووي: وَأَمَّا قَوْله: (فَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) فَجُلُوسه ﷺ لِاهْتِمَامِهِ بِهَذَا الْأَمْر، وَهُوَ يُفِيد تَأْكِيد تَحْرِيمه، وَعِظَم قُبْحه. وَأَمَّا قَوْلهمْ (لَيْتَهُ سَكَتَ) فَإِنَّمَا قَالُوهُ وَتَمَنَّوْهُ شَفَقَة عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ وَكَرَاهَة لِمَا يُزْعِجهُ وَيُغْضِبهُ. وجاء في (سبل السلام) وَإِنَّمَا اهْتَمَّ ﷺ بِإِخْبَارِهِمْ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَجَلَسَ، وَأَتَى بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، وَكَرَّرَ الْإِخْبَارَ؛ لِكَوْنِ قَوْلِ الزُّورِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ: أَسْهَلَ عَلَى اللِّسَانِ، وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ؛ وَلِأَنَّ الْحَوَامِلَ عَلَيْهِ (قول الزور) كَثِيرَةٌ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا، فَاحْتِيجَ إلَى الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ، بِخِلَافِ الْإِشْرَاكِ، فَإِنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَتَعَدَّى مَفْسَدَتُهُ إلَى غَيْرِ الْمُشْرِكِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الزُّورِ، فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى مَنْ قِيلَ فِيه. (سبل السلام). - وكثرة شهادة الزور من علامات الساعة: جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قوله ﷺ (إن بين يدي الساعة … شهادة الزور وكتمان شهادة الحق) رواه أحمد. - ومن صفات عباد الرحمن التي ذكرها الله في القرآن في آخر سورة الفرقان أنهم لا يشهدون الزور. كما في قوله تعالى (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَاذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا). وتدبر قوله تعالى في سورة الحج (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) ففي هذه الآية أمر الله تعالى باجتناب الشرك واجتناب قول الزور. - ومن شناعة شهادة الزور أو قول الزور أنه يخدش صيام الصائم. لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). رواه البخاري

стр. 3365

(بِرُؤْيَةٍ، أَوْ سَمَاعٍ، أَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ فِيْمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ بِدُونِهَا، كَنَسَبٍ، وَمَوْتٍ، ونكاح). هذه طرق العلم: بِرُؤْيَةٍ: أي: رؤية المشهود به. كما سبق لقوله تعالى (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). قال الشيخ ابن عثيمين: لا يشترط علم المشهود عليه بوجود الشاهد، فلو أن صاحب الحق أتى بالمطلوب في مكان وجعل واحداً يشهد مختبئاً، فإن ذلك يجوز، لأن هذا الذي عليه الحق إذا كان منفرداً صاحب الحق أقر له وإذا كان عنده أحد أنكر، فتحيّل صاحب الحق وفعل ذلك، وهذه حيلة لكنها حيلة جائزة للتوصل للحق. أَوْ سَمَاعٍ: هذه الطريقة الثانية: وهي السماع من المشهود عليه. مثل: أن يسمعه وهو يطلق امرأته أو يسمعه وهو يبيع أو ينكح، أو يسمعه يقر أن لفلان عليه ديناً، أو استأجر منه داره أو اشترى منه سيارة وما أشبه ذلك. أَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ فِيْمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ بِدُونِهَا: هذه الطريقة الثالثة من طرق العلم: وهي الاستفاضة. وهي انتشار الخبر وشيوعه بأن يشتهر المشهود به بين الناس فيتسامعون به بإخبار بعضهم بعضاً، فيشهد الشاهد على واقعة لم يشهدها ببصره ولم يدركها بسمعه. - والاستفاضة لا تقبل إلا فيما يتعذر علمه في الغالب بدونها، كالنسب والولادة والموت والرضاع. لأنه لو منع من الشهادة بالاستفاضة فيما ذكر لوقع الناس في حرج عظيم، لأن مثل هذه الأمور تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدة أسبابها.
следующие страницы →