Полный текст (3 390 стр.). Показаны 3361–3390 · переход к 3366.
стр. 3361
أَوْ أَهْلِهِ: كأن يقتل ولده.
لقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار).
جاء في (الموسوعة الفقهية) فَإِذَا تَضَرَّرَ فِي التَّحَمُّل أَوِ الأْدَاءِ، أَوْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ لَا تَنْفَعُ، بِأَنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَل شَهَادَتُهُ، أَوْ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّبَذُّل فِي التَّزْكِيَةِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ). وَقَوْلُهُ ﷺ (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ).
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لأِنَّ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ لَا يَحْصُل مِنْهُ. وَقَدْ يَكُونُ تَحَمُّلُهَا وَأَدَاؤُهَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَرْضًا عَيْنِيًّا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُ ذَلِكَ الْعَدَدِ مِنَ الشُّهُودِ الَّذِي يَحْصُل بِهِ الْحُكْمُ، وَخِيفَ ضَيَاعُ الْحَقِّ. (الموسوعة).
(وَلَا يَحِلُّ كِتْمَانُهَا).
أي: يحرم كتمان الشهادة.
لقوله تعالى (ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ).
وإنما خص القلب بالإثم لأنه موضع العلم بها.
فائدة:
هل يجوز أخذ الأجرة على الشهادة؟
المذهب: لا يجوز.
لأن هذا واجب، وكل واجب لا يجوز للإنسان أن يأخذ عنه عوضاً.
وقيل: يجوز إذا كان محتاجاً. وهذا اختيار ابن تيمية.
стр. 3362
جاء في (الموسوعة الفقهية) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ: لَا يَحِل لِلشَّاهِدِ أَخْذُ الأْجْرَةِ عَلَى أَدَائِهِ الشَّهَادَةَ إِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ لأِنَّ إِقَامَتَهَا فَرْضٌ، قَال تَعَالَى (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) أَمَّا إِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، وَكَانَ مُحْتَاجًا، وَكَانَ أَدَاؤُهَا يَسْتَدْعِي تَرْكَ عَمَلِهِ وَتَحَمُّل الْمَشَقَّةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى: عَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ الأْجْرَةِ عَلَيْهَا، لَكِنْ لَهُ أُجْرَةُ الرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِعِ الأْدَاءِ.
قَال تَعَالَى (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ).
وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى: الْجَوَازِ؛ وَذَلِكَ لأِنَّ إِنْفَاقَ الإْنْسَانِ عَلَى عِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَالشَّهَادَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلَا يُشْتَغَل عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا أَخَذَ الرِّزْقَ جَمَعَ بَيْنَ الأْمْرَيْنِ. وَلأِنَّ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أُجْرَةً كَمَا يَجُوزُ عَلَى كَتْبِ الْوَثِيقَةِ.
(وَلَا أَنْ يَشْهَدَ إِلاَّ بِمَا يَعْلَمُهُ).
أي: فلا يجوز أن يشهد أحد بالقرينة أو بغلبة الظن بل لا بد بما يعلمه يقيناً.
أ- لقوله تعالى (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
قال المفسرون هنا: وهو يعلم ما شهد به؛ عن بصيرة وإيقان.
ب- ولأن الشهادة خبر عن أمر واقع فلا بد أن يعلم هذا الأمر الواقع.
ج- وقد جاء في الحديث عن ابن عباس (أن النبي ﷺ قال لرجل: ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع) رواه ابن عدي وهو ضعيف، لكن معناه صحيح، فهو يدل على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه يقيناً، كما تُعلم الشمس بالمشاهدة.
د- ويؤيد ذلك قوله تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) فإن معنى الآية: النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به.
стр. 3363
فائدة:
فإن شهد الشاهد بما لم يتيقنه: كان آتيا بشهادة زور.
وشهادة الزور من كبائر الذنوب التي توجب غضب الله سبحانه وسخطه.
عن أبي بكرة ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ). متفق عليه
ففيه تحريم شهادة الزور وأنها من الكبائر.
وهي الكذب متعمداً في الشهادة، فكما أن شهادة الزور سبب لإبطال الحق، فكذلك كتمان الشهادة سبب لإبطال الحق.
وإنما كانت من أكبر الكبائر، لأنها يتوصل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، فلا شيء في الكبائر أعظم ضرراً ولا أكثر فساداً منها بعد الشرك.
قال الحافظ: قَوْلُهُ (وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اهْتَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّكِئًا وَيُفِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمَ قُبْحِهِ.
وَسَبَبُ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ الزُّورِ أَوْ شَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلَ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ وَالْعُقُوقَ يَصْرِفُ عَنْهُ الطَّبْعُ وَأَمَّا الزُّورُ فَالْحَوَامِلُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا فَاحْتِيجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الْإِشْرَاكِ قَطْعًا بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَةِ الزُّورِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى غَيْرِ الشَّاهِدِ بِخِلَافِ الشِّرْكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِباً. (الفتح)
وقوله (فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) أَيْ: شَفَقَةً عَلَيْهِ وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ ﷺ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْه.
стр. 3364
وقال النووي: وَأَمَّا قَوْله: (فَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) فَجُلُوسه ﷺ لِاهْتِمَامِهِ بِهَذَا الْأَمْر، وَهُوَ يُفِيد تَأْكِيد تَحْرِيمه، وَعِظَم قُبْحه.
وَأَمَّا قَوْلهمْ (لَيْتَهُ سَكَتَ) فَإِنَّمَا قَالُوهُ وَتَمَنَّوْهُ شَفَقَة عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ وَكَرَاهَة لِمَا يُزْعِجهُ وَيُغْضِبهُ.
وجاء في (سبل السلام) وَإِنَّمَا اهْتَمَّ ﷺ بِإِخْبَارِهِمْ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَجَلَسَ، وَأَتَى بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، وَكَرَّرَ الْإِخْبَارَ؛ لِكَوْنِ قَوْلِ الزُّورِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ: أَسْهَلَ عَلَى اللِّسَانِ، وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ؛ وَلِأَنَّ الْحَوَامِلَ عَلَيْهِ (قول الزور) كَثِيرَةٌ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا، فَاحْتِيجَ إلَى الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ، بِخِلَافِ الْإِشْرَاكِ، فَإِنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَتَعَدَّى مَفْسَدَتُهُ إلَى غَيْرِ الْمُشْرِكِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الزُّورِ، فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى مَنْ قِيلَ فِيه. (سبل السلام).
- وكثرة شهادة الزور من علامات الساعة:
جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قوله ﷺ (إن بين يدي الساعة … شهادة الزور وكتمان شهادة الحق) رواه أحمد.
- ومن صفات عباد الرحمن التي ذكرها الله في القرآن في آخر سورة الفرقان أنهم لا يشهدون الزور.
كما في قوله تعالى (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَاذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا).
وتدبر قوله تعالى في سورة الحج (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) ففي هذه الآية أمر الله تعالى باجتناب الشرك واجتناب قول الزور.
- ومن شناعة شهادة الزور أو قول الزور أنه يخدش صيام الصائم.
لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). رواه البخاري
стр. 3365
(بِرُؤْيَةٍ، أَوْ سَمَاعٍ، أَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ فِيْمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ بِدُونِهَا، كَنَسَبٍ، وَمَوْتٍ، ونكاح).
هذه طرق العلم:
بِرُؤْيَةٍ: أي: رؤية المشهود به.
كما سبق لقوله تعالى (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
قال الشيخ ابن عثيمين: لا يشترط علم المشهود عليه بوجود الشاهد، فلو أن صاحب الحق أتى بالمطلوب في مكان وجعل واحداً يشهد مختبئاً، فإن ذلك يجوز، لأن هذا الذي عليه الحق إذا كان منفرداً صاحب الحق أقر له وإذا كان عنده أحد أنكر، فتحيّل صاحب الحق وفعل ذلك، وهذه حيلة لكنها حيلة جائزة للتوصل للحق.
أَوْ سَمَاعٍ: هذه الطريقة الثانية: وهي السماع من المشهود عليه.
مثل: أن يسمعه وهو يطلق امرأته أو يسمعه وهو يبيع أو ينكح، أو يسمعه يقر أن لفلان عليه ديناً، أو استأجر منه داره أو اشترى منه سيارة وما أشبه ذلك.
أَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ فِيْمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ بِدُونِهَا: هذه الطريقة الثالثة من طرق العلم: وهي الاستفاضة.
وهي انتشار الخبر وشيوعه بأن يشتهر المشهود به بين الناس فيتسامعون به بإخبار بعضهم بعضاً، فيشهد الشاهد على واقعة لم يشهدها ببصره ولم يدركها بسمعه.
- والاستفاضة لا تقبل إلا فيما يتعذر علمه في الغالب بدونها، كالنسب والولادة والموت والرضاع.
لأنه لو منع من الشهادة بالاستفاضة فيما ذكر لوقع الناس في حرج عظيم، لأن مثل هذه الأمور تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدة أسبابها.
стр. 3366
(وإِنْ شَهِدَ بِرَضَاعٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ شُرْبٍ، أَوْ قَذْفٍ فَإِنَّهُ يَصِفُهُ).
أي: إذا شهد برضاع، أو سرقة، أو شرب خمر، أو قذف فإنه يصف ذلك.
ففي الرضاع: يذكر عدد الرضعات، وأنه شرب من ثديها، أو لبن حلب منه، ولا يكفي أن يشهد أنه ابنها من الرضاع.
جاء في (حاشية الروض) لأن الناس يختلفون في عدد الرضعات، وفي الرضاع المحرم، ولا بد من ذكر أنه في الحولين، فلا يكفي أن يشهد أنه ابنها من الرضاع، لاختلاف الناس فيما يصير به ابنها.
وفي السرقة: يذكر المسروق والنصاب والحرز وصفة السرقة، كأن يخبر أنه أخذ من البيت، ومن ثوبه وهو نائم ونحو ذلك.
جاء في (حاشية الروض) أي: [يذكر] صفة السرقة، بأن يقول مثلاً: خلع الباب ليلاً وأخذ، أو أزال رأسه عن ردائه، وهو نائم، وأخذه لتتميز السرقة الموجبة للقطع، من غيرها.
وفي الشرب: يصف الخمر من الأشياء هو.
وفي القذف: يذكر اللفظ الذي قذف به، بأن يقول: أشهد أنه قال: يا زاني أو يا لوطي، ونحوه، ليعلم هل الصيغة صريح فيه، أو كناية.
(وَيَصِفُ الزِّنَا بِذِكْرِ الزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ، وَالْمَزْنِي بِهَا).
يشترط في الشهادة بالزنا أن يذكر تفاصيل الواقعة، وماناً ومكاناً وصفة.
فيقول مثلاً: زنى فلان بفلانة في مكان كذا، في زمن كذا، وأنه رأى ذكره في فرجها.
والحكمة في ذكر المزني بها: لئلا تكون ممن تحل له، أوله في وطئها شبهة.
والحكمة في ذكر أنه رأى ذكره في فرجها: لأن اسم الزنا، يطلق على ما لا يوجب الحد، وقد يعتقد الشاهد، ما ليس بزنا زناً، فاعتبر ذكر صفته.
стр. 3367
فَصْلٌ
هذا الفصل في ذكر من تقبل شهادتهم.
(وشُرُوطُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ سِتَّةٌ: البُلُوغُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ).
أولاً: البلوغ فلا تقبل شهادة الصبيان.
قال ابن رشد: اتفقوا على أن البلوغ يشترط حيث تشترط العدالة.
لقوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) والصبي لا يسمى رجلاً.
ولأن الصبي لا يقبل قوله على نفسه، فلأن لا يقبل قوله على غيره بطريق الأولى.
والمراد هنا أنه لا يقبل أداؤه للشهادة، أما لو تحملها وهو صغير وعَقَل ما تحمله، وشهد به بعد بلوغه صحت شهادته.
فائدة:
واختلف في شهادتهم في الأمور التي لا يطلع عليها إلا الصبيان غالباً، كالذي يقع بينهم من القتل أو الجراحات.
القول الأول: أن شهادتهم لا تقبل مطلقاً.
وهذا هو المذهب، وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
القول الثاني: أن شهادتهم تقبل فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان كالجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها.
وهذا قول في مذهب مالك واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀.
حفظاً للدماء التي تقع بينهم، فإنهم في غالب أحوالهم يخلُونَ بأنفسهم، وقد يسطوا بعضهم على بعض، فلو لم يقبل قول بعضهم على بعض لأهدرت دماؤهم.
قال الشيخ ابن عثيمين: وقال بعض العلماء: بل شهادة الصبيان فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان غالباً مقبولة، إذا لم يتفرقوا، وما قاله هؤلاء أصح.
стр. 3368
(الثَّانِي: الْعَقْلُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَجْنُونٍ، وَلَا مَعْتُوهٍ، وَتُقْبَلُ مِمَّنْ يُخْنَقُ أَحْيَاناً فِي حَالِ إِفَاقَتِهِ).
ثانياً: العاقل، فلا تقبل شهادة المجنون.
قال ابن قدامة: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَيْسَ بِعَاقِلٍ، إجْمَاعًا، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَسَوَاءٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ طُفُولِيَّةٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَصِّلٍ، وَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِكَذِبِهِ، وَلَا يَتَحَرَّزُ مِنْهُ. (المغني).
فائدة:
المجنون مسلوب العقل، الذي ليس له عقل بالكلية، والمعتوه الذي له عقل، لكنه مغلوب عليه، ما يميز ذاك التمييز البين، فهو كالطفل الذي لا يميز، أو ربما نقول: كالطفل الذي يميز، لكن ليس عنده ذاك الإدراك الجيد.
(الثَّالِثُ: الْكَلَامُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَخْرَسِ، وَلَوْ فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ، إِلاَّ إِذَا أَدَّاهَا بِخَطِّهِ).
ثالثاً: الكلام، فلا تقبل شهادة الأخرس.
قالوا: لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين، وذلك لا يحصل مع فقد الكلام.
وذهب بعض العلماء إلى أن شهادة الأخرس تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فُهمتْ، وهذا الصحيح.
قال ابن قدامة: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ بِحَالٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ﵁ فَقَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ قِيلَ لَهُ: وَإِنْ كَتَبَهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: تُقْبَلُ إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ فِي أَحْكَامِهِ، مِنْ طَلَاقِهِ، وَنِكَاحِهِ، وَظِهَارِهِ، وَإِيلَائِهِ، فَكَذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِ.
стр. 3369
وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشَارَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الصَّلَاةِ إلَى النَّاسِ وَهُمْ قِيَامٌ، أَنَّ اجْلِسُوا. فَجَلَسُوا.
وَلَنَا؛ أَنَّهَا شَهَادَةٌ بِالْإِشَارَةِ، فَلَمْ تَجُزْ، كَإِشَارَةِ النَّاطِقِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَقِينُ، وَلِذَلِكَ لَا يَكْتَفِي بِإِيمَاءِ النَّاطِقِ، وَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِالْإِشَارَةِ، وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِإِشَارَتِهِ فِي أَحْكَامِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يُمْضِي حُكْمَهُ إذَا وَجَدَ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ، وَالشَّاهِدُ لَا يَشْهَدُ بِرُؤْيَةِ خَطِّهِ، فَلَأَنْ لَا حُكْمَ بِخَطِّ غَيْرِهِ أَوْلَى.
وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ، وَعَمِلَ بِإِشَارَتِهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَلَوْ شَهِدَ النَّاطِقُ بِالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ، لَمْ يَصِحَّ إجْمَاعًا، فَعُلِمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ مُفَارِقَةٌ لِغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ. (المغني).
جاء في (الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي) اشترط الحنفية والشافعية والحنابلة أن يكون الشاهد ناطقاً، فلا تقبل شهادة الأخرس، وإن فهمت إشارته، لأن الإشارة لا تعتبر في الشهادات، لأنها تتطلب اليقين، وإنما المطلوب التلفظ بالشهادة.
وأجاز المالكية قبول شهادة الأخرس إذا فهمت إشارته.
لأنها تقوم مقام نطقه في طلاقه ونكاحه وظهاره، فكذلك في شهادته.
(الرَّابِعُ: الإِسْلَامُ).
رابعاً: الإسلام.
فلا تقبل شهادة الكافر.
جاء في (الفقه الإسلامي وأدلته) اتفق الفقهاء على اشتراط كون الشاهد مسلماً، فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم؛ لأنه متهم في حقه.
أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا).
ب- وإذا كان الفاسق يجب علينا اليقين في خبره، فما بالك بالكافر (فالكافر محل الخيانة).
ج- وقال تعالى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) والكافر ليس بعدل.
د- وقال تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) والكافر ليس منا، ولا ممن نرضاه.
стр. 3370
فائدة:
لكن شهادة الكفار بعضهم على بعض تقبل.
(الْخَامِسُ: الْحِفْظُ).
خامساً: الحفظ.
فلا تقبل الشهادة من مغفل، ومعروف بكثرة سهو وغلط، لأنه لا تحصل الثقة بقوله.
قال ابن قدامة: أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا حَافِظًا لَا يَشْهَدُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُغَفَّلًا، أَوْ مَعْرُوفًا بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُه.
فائدة:
لو كان كثير النسيان والغفلة، فقيد الشهادة فقال: أنا لا أذكر ولكن قيدت كل ما شهدت به في كتاب عندي، فإن الراجح له أن يشهد بذلك ما دام أنه كتب شهادته بخطه، سواء تذكرها أم لم يتذكرها، ما دام يعلم أن هذا خطه.
(السَّادِسُ: الْعَدَالَةُ: وَيُعْتَبَرُ لَهَا شَيْئَانِ: الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ: وَهُوَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِسُنَنِهَا الرَّاتِبَةِ، وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ بِأَنْ لَا يَأْتِي كَبِيرَةً، وَلَا يُدْمِنُ عَلَى صَغِيرَةٍ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ).
سادساً: العدالة، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ.
جاء في (الفقه الإسلامي) اتفق العلماء على اشتراط العدالة في الشهود.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَشْهَدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ لِذَلِكَ.
وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) فَأَمَرَ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ نَبَأِ الْفَاسِقِ، وَالشَّهَادَةُ نَبَأٌ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ عَنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ).
وَلِأَنَّ دِينَ الْفَاسِقِ لَمْ يَزَعْهُ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ لَا يَزَعَهُ عَنْ الْكَذِبِ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِخَبَرِهِ. (المغني).
стр. 3371
فائدة:
والعدل: الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ: وَهُوَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِسُنَنِهَا الرَّاتِبَةِ، وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ بِأَنْ لَا يَأْتِي كَبِيرَةً، وَلَا يُدْمِنُ عَلَى صَغِيرة واسْتِعْمَالُ الْمُرُوءَةِ، وَهُوَ فِعْلُ مَا يُجَمِّلُهُ، وَيَزِينُهُ، وَاجْتِنابُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ.
هذا هو العدل.
وقد تقدم اختيار ابن تيمية، واختاره بعض العلماء: من رضيه الناس.
للآية (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ). فكل مرضيٍّ عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته فهو مقبول.
قال السعدي: وهذا أحسن الحدود، ولا يسع الناس العمل بغيره.
قال ابن تيمية: بَابُ الشَّهَادَةِ مَدَارُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الشَّهِيدُ مَرْضِيًّا أَوْ يَكُونَ ذَا عَدْلٍ يَتَحَرَّى الْقِسْطَ وَالْعَدْلَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَالصِّدْقَ فِي شَهَادَتِهِ وَخَبَرِهِ وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ هَذَا مَعَ الْإِخْلَالِ بِكَثِيرِ مِنْ تِلْكَ الصِّفَات.
(وَمَتَى زَالَتِ الْمَوَانِعُ، فَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَتَابَ الْفَاسِقُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُم)
أي: إذا زال المانع الذي منع من قبول الشهادة، فإنه تقبل شهادتهم.
لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
стр. 3372
بَابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ وَعَدَدِ الشُّهُودِ
(لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَمُودَيِ النَّسَبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ).
أي: فلا تقبل شهادة الوالد لولده وإن نزل، وشهادة الولد لوالده وإن نزل.
العلة: للتهمة بقوة القرابة.
عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ).
وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ، وَالْأَبُ يُتَّهَمُ لِوَلَدِهِ.
قال ابن تيمية: أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْوَالِدِ وَشَهَادَةَ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ لَا تُقْبَل.
وقال الشوكاني: اخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَالْعَكْسُ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَعَلَّلُوا بِالتُّهْمَةِ فَكَانَ كَالْقَانِعِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَشُرَيْحٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْعِتْرَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ: إنَّهَا تُقْبَلُ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: (ذَوَيْ عَدْلٍ)، وَهَكَذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي شَهَادَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لَلْآخَرِ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقَرَابَةَ وَالزَّوْجِيَّةَ مَظِنَّةٌ لَلتُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِمَا الْمُحَابَاة. (نيل الأوطار).
(وَلَا شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ).
لوجود الصلة بينهم، وهي مظنة النهمة.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ تُهْمَةِ الْمَحَبَّةِ وَالإْيثَارِ فِي شَهَادَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى رَدِّ شَهَادَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ.
وَقَالُوا: لأِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ الآْخَرَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ وَتَتَبَسَّطُ الزَّوْجَةُ فِي مَال الزَّوْجِ، وَتَزِيدُ نَفَقَتُهَا بِغِنَاهُ فَلَمْ تُقْبَل شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلآْخَرِ بِتُهْمَةِ جَرِّ النَّفْع.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَل شَهَادَةُ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ؛ لأِنَّ الأْمْلَاكَ بَيْنَهُمَا مُتَمَيِّزَةٌ وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ لِثُبُوتِهِ ضِمْنًا فَلَا تُهْمَة.
стр. 3373
فائدة: ١
جاء في (الموسوعة الفقهية) أَصْل رَدِّ الشَّهَادَةِ، وَمَبْنَاهُ التُّهْمَةُ: وَالشَّهَادَةُ خَبَرٌ يَحْتَمِل الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَحُجَّتُهُ بِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهِ، فَإِذَا شَابَتِ الْحُجَّةَ شَائِبَةُ التُّهْمَةِ ضَعُفَتْ، وَلَمْ تَصْلُحْ لِلتَّرْجِيح.
فائدة: ٢
قال القرافي: اعلم أن الأمة مجمعة على رد الشهادة بالتهمة من حيث الجملة لكن وقع الخلاف في بعض الرتب، وتحرير ذلك أن التهمة ثلاثة أقسام:
مجمع على اعتبارها لقوتها، ومجمع على إلغائها لخفتها، ومختلف فيها هل تلحق بالرتبة العليا فتمنع أو بالرتبة الدنيا فلا تمنع.
(وَتُقْبَلُ عَلَيْهِمْ)
أي: تقبل شهادة الابن على أبيه، والأب على ابنه، والزوج على زوجته والعكس.
قال ابن قدامة: فَأَمَّا شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَتُقْبَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ).
فَأَمَرَ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَمَا أَمَرَ بِهَا.
وَلِأَنَّهَا إنَّمَا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ فِي إيصَالِ النَّفْعِ، وَلَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ، كَشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيِّ، بَلْ أَوْلَى، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لِنَفْسِهِ لَمَّا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ فِي إيصَالِ النَّفْعِ إلَى نَفْسِهِ، كَانَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ مَقْبُولًا. (المغني).
стр. 3374
(وَلَا مَنْ يَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعاً، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَراً).
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَلَمْ يَخْتَلِفْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي رَدِّ شَهَادَةِ كُل مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي مَوْضُوعِ الشَّهَادَةِ بِتُهْمَةِ جَرِّ النَّفْعِ لِنَفْسِهِ أَوْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا، كَالشَّرِيكِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ عَلَى عَمَلٍ قَامَ بِهِ هُوَ كَمَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ يَتَحَمَّلُونَهُ، وَشَهَادَةُ الْغُرَمَاءِ بِفِسْقِ شُهُودِ دَيْنٍ آخَرَ وَذَلِكَ بِتُهْمَةِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ.
(وَلَا عَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ).
كمن شهد على من قذفه، أو قطع الطريق عليه.
جاء في (حاشية الروض) وهو مذهب مالك، والشافعي، وحجتهم قوله (لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين) رواه أبو داود، وقال ابن القيم: منعت الشريعة، من قبول شهادة العدو على عدوه، لئلا تتخذ ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه، بالشهادة الباطلة.
وقد أجمع الجمهور، على تأثيرها في الأحكام الشرعية. (الحاشية).
جاء في (الموسوعة الفقهية) تُرَدُّ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لِتُهْمَةِ قَصْدِ الإْضْرَارِ وَالتَّشَفِّي إِذَا كَانَتِ الْعَدَاوَةُ دُنْيَوِيَّةً عِنْدَ الأْكْثَرِ؛ لأِنَّ الْعَدُوَّ قَدْ يَجُرُّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ، وَهُوَ التَّشَفِّي مِنَ الْعَدُوِّ فَيَصِيرُ مُتَّهَمًا كَشَهَادَةِ الْقَرِيبِ لِقَرِيبِهِ. أَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ فَلَا تَمْنَعُ قَبُول الشَّهَادَةِ اتِّفَاقًا. (الموسوعة).
فإذا قذف رجل شخصاً بالزنا، ثم في يوم من الأيام شهد المقذوف على من قذفه بالزنا، فإن الشهادة لا تقبل؛ لأن قذفه إياه بالزنا سببٌ للعداوة، أما من شهد بأن فلاناً قذفه فليس هذا مراد، لأن هذا ليس بشاهد ولكنه مدعٍ.
وإذا شهد رجل على من قطع الطريق عليه، نقول: إن شهادته لا تقبل؛ من أجل التهمة. (الشرح الممتع).
(مَنْ سَرَّهُ مَسَاءَةُ شَخْصٍ، أَوْ غَمَّهُ فَرَحُهُ فَهُوَ عَدُوُّهُ).
هذا ضابط العدو: هو الذي يفرح بحزنك، ويغمه فرحك.
стр. 3375
فَصْلٌ
هذا الفصل في بيان عدد الشهود في الشهادة وهو يختلف باختلاف المشهود به.
(وَلَا يُقْبَلُ فِي الزِّنَا وَالإِقْرَارِ بِهِ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ)
أولاً: ما يشترط فيه أربعة شهود: وهو الزنا.
لقوله تعالى (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ).
وقال تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ).
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ).
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرَأَيْت لَوْ وَجَدْت مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا، أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (نَعَمْ) رَوَاهُ مَالِكٌ، فِي الْمُوَطَّأ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِه. …
قال ابن قدامة: أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود وقد نص الله تعالى عليه بقوله سبحانه: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ).
فائدة: ١
لا تقبل فيه النساء.
جمهور العلماء على أنه يشترط أن يكونوا رجالاً أحراراً فلا تقبل شهادة النساء ولا العبيد.
قال ابن قدامة: وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِحَالٍ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ عَطَاءٍ وَحَمَّادٍ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ. وَهُوَ شُذُوذٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْأَرْبَعَةِ اسْمٌ لِعَدَدِ الْمَذْكُورِينَ، وَيَقْتَضِي أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِأَرْبَعَةٍ.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَرْبَعَةَ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ نِسَاءً لَا يُكْتَفَى بِهِمْ، وَإِنَّ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ خَمْسَةٌ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ.
وَلِأَنَّ فِي شَهَادَتِهِنَّ شُبْهَةً؛ لِتَطَرُّقِ الضَّلَالِ إلَيْهِنَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
стр. 3376
فائدة: ٢
يشترط أن يصرح بحقيقة الوطء.
أ- فإن النبي ﷺ قال لماعز (أنكْتَها؟ قال: نعم، قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب الميل في المكحلة أو الرِّشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً).
وفي حديث ابن عباس: (فقال: أنكتها؟ قال: نعم، قال: أتدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تطهرني، فأمر به فرجم).
ب- التعليل: لأنه ربما يظن ما ليس بزنا زناً موجباً للحد، فاشترط فيه التصريح.
(وَيُقْبَلُ فِي بَقِيَّةِ الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَمَا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِباً، كَنِكَاحٍ، وَطَلَاقٍ، وَرَجْعَةٍ، وَخُلْعٍ، وَنَسَبٍ، وَوَلَاءٍ، وَإِيْصَاءٍ إِلَيْهِ يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلَانِ).
ما لا بد فيه من شاهدين رجلين ولا تقبل النساء.
في النكاح والطلاق والرجعة وبقية الحدود - غير الزنا واللواط - كالقذف والسرقة والقصاص والخمر: اثنان ولا تقبل شهادة النساء.
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَمِنْهَا مَا يُقْبَل فِيهِ شَاهِدَانِ لَا امْرَأَةَ فِيهِمَا.
وَهُوَ مَا سِوَى الزِّنَى مِنَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَحَدِّ الْحِرَابَةِ، وَالْجَلْدِ فِي الْخَمْرِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال غَالِبًا، مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ مِنْهُ مَالٌ: كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالإْيلَاءِ، وَالظِّهَارِ، وَالنَّسَبِ، وَالإْسْلَامِ، وَالرِّدَّةِ، وَالْجَرْحِ، وَالتَّعْدِيل، وَالْمَوْتِ وَالإْعْسَارِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْوِصَايَةِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ لَا امْرَأَةَ فِيهِمَا.
وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى شَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالْوَصِيَّةِ.
فَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ).
стр. 3377
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَقَوْلُهُ (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ).
وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي النِّكَاحِ: لَا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ.
وَقِيسَ عَلَيْهَا مَا شَارَكَهَا فِي الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ.
(وَيُقْبَلُ فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ كَالْبَيْعِ، وَالأَجَلِ، وَالْخِيَارِ فِيهِ، وَنَحْوِهِ رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ وامْرَأَتَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي).
ما يكفي في الشهادة به رجلان أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي.
المال وما يقصد به المال، كالبيع والإجارة والأجل والقرض والرهن والوديعة ونحو ذلك من العقود المالية، فيقبل فيه شهادة الرجلين أو الرجل والمرأتين.
لقوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ).
قال ابن حجر: وقول الله تعالى (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) قال ابن المنذر: أجمع العلماء على القول بظاهر هذه الآية، فأجازوا شهادة النساء مع الرجال، وخص الجمهور ذلك بالديون والأموال، وقالوا: لا تجوز شهادتهن في الحدود والقصاص، واختلفوا في النكاح والطلاق والنسب والولاء فمنعها الجمهور، وأجازها الكوفيون. (فتح الباري).
جاء في (الموسوعة الفقهية) وَقَصَرَ الْجُمْهُورُ قَبُول شَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الرَّجُل وَالْمَرْأَتَيْنِ عَلَى مَا هُوَ مَالٌ أَوْ بِمَعْنَى الْمَال، كَالْبَيْعِ، وَالإْقَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالضَّمَانِ، وَالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، كَالْخِيَارِ، وَالأْجَل، وَغَيْرِ ذَلِك.
(ومَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ، وَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ، وَالْحَيْضِ، وَالْوِلَادَةِ، وَالرَّضَاعِ، وَالاِسْتِهْلَالِ وَنَحْوِهِ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَدْلٍ).
ما يكفي فيه شهادة امرأة عدلة واحدة، وهو ما لا يطلع عليه الرجال غالباً.
لحديث عُقْبَة بْن الْحَارِثِ (أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِى إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ». فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجاً غَيْرَه) رواه البخاري.
стр. 3378
فائدة:
ما يثبت إلا بثلاثة رجال.
إذا ادعى - من عرف بالغنى - بالفقر فلا تقبل هذه الدعوى إلا إذا شهد ثلاثة.
لحديث قبيصة أن النبي ﷺ قال (يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَاناً فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتاً يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتاً) رواه مسلم.
(وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يُنْقَضْ، وَيَلْزَمُهُمُ الْضَّمَانُ دُوْنَ منْ زَكَّاهُمْ).
الرجوع في الشهادة: هو أن ينفي الشاهد ما أثبته أولاً بشهادته بأن يقول: رجعت عما شهدت به، أو كذبت في شهادتي، أو ما أشبه ذلك من الأقوال.
فإذا حكم القاضي بأمر مالي بناء على شهادة شهود، وبعد الفراغ من الحكم رجع الشهود عن دعواهم وشهادتهم فإن حكم القاضي لا ينقض.
لأن حق المشهود له وجب بالحكم، فلا يسقط بعد وجوبه بقول الشهود واعترافهم بالكذب، لأنه يحتمل كذبهم فيه.
فإن قالوا: تعمدنا الكذب، فقد شهدوا على أنفسهم بالفسق فيلزمهم بذل المال الذي شهدوا به.
لأنهم كانوا السبب في إخراجه من ملك صاحبه، فبشهادتهم الباطلة حالوا بين المالك، فلزمهم الضمان.
فائدة:
الشهادة على الشهادة:
تعريفها:
وهي: أن يقول شخص لآخر: اشهد على شهادتي بكذا، أو اشهد أني أشهد بكذا، ونحو ذلك؛ ففيها معنى النيابة، ويسمى الشاهد الأصلي شاهد الأصل، والنائب عنه شاهد الفرع.
شروطها:
أولاً: أن يأذن شاهد الأصل لشاهد الفرع؛ لأنها في معنى النيابة، ولا ينوب عنه إلا بإذنه.
ثانياً: أن يكون فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وهو حقوق الآدميين دون حقوق الله تعالى.
ثالثاً: أن تتعذر شهادة الأصل بموت أو مرض أو غيبة مسافة قصر أو خوف من سلطان أوغيره.
رابعاً: أن يستمر عذر شاهد الأصل إلى الحكم.
خامساً: دوام عدالة شاهد الأصل وشاهد الفرع إلى صدور الحكم.
سادساً: أن يعين شاهد الفرع شاهد الأصل الذي تحمل عنه الشهادة.
стр. 3379
باب الإقرار
ختم المصنف ﵀ الكتاب بباب الإقرار، تفاؤلاً بالإقرار بالشهادة عند الوفاة لقوله ﷺ (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود.
(وهو اعتراف الإنسان بحق عليه).
الإقرار: هو اعتراف الإنسان بما عليه لغيره من حقوق.
وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ).
وقال ﷺ (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها … ).
وحديث ماعز، فإن النبي ﷺ حدّه بإقراره.
وكذلك الغامدية حدها الله لما اعترفت بالزنا.
وأجمع المسلمون على صحة الإقرار.
وهو أقوى الأدلة لإثبات دعوى المدعى عليه، ولهذا يقولون: إنه سيد الأدلة.
ولهذا يبدأ القاضي بسؤال المدَّعى عليه، فإن أقرَّ بالشيء المدَّعى به، لَم يَحتَجْ إلى طلب البيِّنة، فيبدأ القاضي بالسؤال عنه قبل السؤال عن الشهادة، على أنَّ حُجيَّته قاصرة على المقرِّ وحده؛ لقصور ولاية المُقر عن غيره، فيقتصر عليه، فلا يصحُّ إلزامُ أحدٍ بعقوبة نتيجة إقرار آخرَ بأنه شارَكه في جريمته.
(بكلِ لفظٍ دالٍ على الإقرار).
أي: أن الإقرار يصح بكل لفظ دال عليه.
стр. 3380
(بشرط كون المقر مكلفاً).
أي: يشترط لصحة الإقرار: أن يكون المقر مكلفاً، أي: بالغاً عاقلاً، فلا يصح من صبي أو مجنون.
لحديث (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، … ).
ولأنه قول ممن لا يصح تصرفه فلم يصح، كفعله.
فلا يصح من صبي، ولا من مجنون.
فلا يصح الإقرار من السكران لأنه لا عقل له، ولذلك لم يؤاخذ النبي ﷺ عمه حمزة حينما قال له: هل أنتم إلا عبيد أبي.
قال ابن قدامة: وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ إلَّا مِنْ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ.
فَأَمَّا الطِّفْلُ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْمُبَرْسَمُ، وَالنَّائِمُ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمْ لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَقَدْ قَالَ ﷺ (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ).
فَنَصَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَالْمُبَرْسَمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ غَائِبِ الْعَقْلِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمٌ، كَالْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ.
(مُختاراً).
ومن الشروط: أن يكون المقر مختاراً، فلا يصح الإقرار من مكره.
أ-لأن الله رفع حكم الكفر عن المكره لقوله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان).
ب-ولعموم قوله ﷺ (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه.
وقال تعالى (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم). فكل العقود لا بد فيها من التراضي.
стр. 3381
- فإن ادعى الإكراه فإنه لا يقبل إلا ببينة، كأن يظهر عليه أثر ضربٍ أو حبس.
قال ابن قدامة: وَإِنْ أَقَرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْإِقْرَارِ لِرَجُلٍ، فَأَقَرَّ لِغَيْرِهِ، أَوْ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ، فَيُقِرَّ بِغَيْرِهِ، أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ، فَأَقَرَّ بِطَلَاقِ أُخْرَى، أَوْ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً.
فائدة:
ومن الشروط: ألا يكون محجور عليه.
فالمحجور عليه لحظ الغير لا يصح إقراره في أعيان ماله، ويصح في ذمته ويطالب بذلك بعد فك الحجر.
(وهو من أبلغ البينات).
أي: أن الإقرار أبلغ وأقوى الأدلة لإثبات دعوى المدعى عليه، ولهذا يقولون: إنه سيد الأدلة، وهو أقوى من الشهادة.
لأنه اعتراف ممن عليه الحق، فلا يحتمل الشبهة.
(وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ مَالٍ فَبَاعَ مُلْكَهُ لِذَلِكَ صَحَّ).
أي: وإن أُكرهَ إنسان على دفع مالٍ لإنسان فذهب وباع شيئاً يملكه كسيارة، أو بيت ونحوه ليحصل هذا المال الذي أكره على بيعه فالبيع صحيح.
لأنه إنما أكره على المال ولم يُكره على بيع ماله.
قال ابن قدامة: وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ، فَبَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِيُؤَدِّيَ ذَلِكَ، صَحَّ بَيْعُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْبَيْعِ.
جاء في (حاشية الروض) أي: وإن أكره على دفع مقدار من المال، كأسير يقال له: ما نفك إسارك إلا بكذا وكذا فباع ملكه لذلك، كره الشراء منه، أو لبيعه بدون ثمن مثله في الغالب، وهو بيع المضطر، وصح الشراء منه، لأنه غير مكره على البيع.
واختار الشيخ: الصحة من غير كراهة، لأن الناس لو امتنعوا من الشراء منه، كان أشد ضرراً عليه.
стр. 3382
(وَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ).
لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالَةً عَلَى الْإِكْرَاهِ، كَالْقَيْدِ وَالْحَبْسِ وَالتَّوْكِيلِ بِهِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ تَدُلُّ عَلَى الْإِكْرَاهِ.
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ حَالَ إقْرَارِهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ حَتَّى يُعْلَمَ غَيْرُهَا. (المغني).
(وَمَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِشَيْءٍ فَكَإِقْرَارِهِ فِي صِحَّتِهِ).
أي: أن الأصل في إقرار المريض معتبر صحيح كالإقرار حال الصحة، ولو كان المرض مخوفاً.
لأنه لا يتهم بذلك، بل إن حالة المرض أقرب إلى الاحتياط للنفس، والتخلص مما عليه من الحقوق.
فإذا أقر ببيع ثبت، وإذا أقر بديْن ثبت.
(إِلاَّ فِي إِقْرَارِهِ بِالْمَالِ لِوَارِثٍ فَلَا يُقْبَلُ).
هذا مما يستثنى: إذا أقرّ لوارثٍ بمالٍ فإنه لا يقبل إلا ببينة أو إجازة الورثة.
مثاله: شخص مريض مرضاً مخوفاً، فقال: اشهدوا بأن في ذمتي لولدي فلان عشرة آلاف ريال، وله عدة أولاد.
فإقراره هنا غير مقبول، إلا ببينة أو إجازة الورثة.
لأنه متهم، ولأننا لو أثبتنا هذا الإقرار لكان في ذلك تعدٍّ لحدود الله في قسمة المواريث.
جاء في (حاشية الروض) قال القيم من الحيل الباطلة: إذا أراد أن يخص بعض ورثته، ببعض الميراث، وقد علم أن الوصية لا تجوز، وأن العطية في مرضه وصية، أن يقول: كنت وهبت له كذا، وكذا، في صحتي، أو يقر له بدين فيتقدم به، وهذا باطل، والإقرار في مرض الموت لا يصح، للتهمة عند الجمهور، بل مالك يرده للأجنبي، إذا ظهرت التهمة، وقوله هو الصحيح.
стр. 3383
فائدة:
إن أقر لأجنبي:
فقيل: يصح ولو زاد على الثلث.
لأنه غير متهم فيه، كالإقرار في الصحة، يحققه أن حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه وإبراء ذمته وتجري الصدق، فكان أولى بالقبول.
وقيل: لا يصح إقراره لأجنبي بما زاد على الثلث.
(ولا يلزمُ الورثةَ وفاءُ ديْنٍ).
أي: لا يلزم الورثة قضاء دين على مورثهم.
قال ابن قدامة: فَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ تَرِكَةً لَمْ يُلْزَمْ الْوَارِثُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ دَيْنِهِ إذَا كَانَ حَيًّا مُفْلِسًا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَيِّتًا.
ولعموم قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
(إلا أنْ يُخَلّفَ تركةً فيتعلقُ بها).
أي: إلا أن يخلف المورّث المدين تركة، فيتعلق الديْن بها، كسائر الحقوق المتعلقة بعين التركة، ويلزم قضاؤه منها، ويُبدأ قبل الوصية بالإجماع، وقد تقدم ذلك.
(ولا يُقبل رجوع المقر عن إقرارهِ).
مفهوم الرجوع في الإقرار: هو أن يصدر من المقر قولاً أو فعلاً يناقض إقراره السابق.
قال ابن قدامة:. . . فَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
стр. 3384
فائدة:
الرجوع عن الإقرار ينقسم إلى أقسام:
أ-الرجوع عن الإقرار في الحدود.
ب- الرجوع عن الإقرار في حقوق الآدميين.
أما الرجوع في الإقرار في حقوق الآدميين فقد تقدم أنه لا يقبل.
وأما الرجوع عن الإقرار في الحدود فاختلف العلماء على أقوال:
صورة المسألة: إذا أقرَّ إنسان بالتهمة الموجهة إليه بعد أن قبض عليه إما تلبساً بها تامة أو غير تامة، دون أن يثبت ذلك ببينةٍ (الشهود) أو يأتي تائباً يريد التطهير.
فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن رجوع المُقِرِّ عن إقراره غير مقبولٍ في الحدود مطلقاً، ويقام عليه الحدُّ بناءً على إقراره الأول.
وهذا هو المروي عن ابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وهو قولٌ للإمام أحمد.
واختار هذا القول: داود بن علي، وابن حزمٍ، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، والعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين.
أ-لأنه وردَ في حديث ماعزٍ ﵁ في الصحيحين وغيرهما أنه هرب عندما رُجِمَ ومع ذلك تَبِعَهُ الصحابة ﵃ ورجموه حتى مات؛ فلم يُنْكِر عليهم النبي ﷺ .
стр. 3385
ب- أننا لو قبلنا مجرد رجوع المقرِّ عن إقراره لَمَا أُقيم حدٌّ في الدنيا، لأن كلَّ من يعرف أنه سيحد سيرجع عن إقراره إلا مَنْ صَدَقَ في توبته وأراد تطهير نفسه من الذنب.
ج- أنَّ الحدَّ حقٌ وجبَ بإقراره؛ فلم يُقبل منه الرجوع كسائر الحقوق.
القول الثاني: أنَّ رجوع المقر عن إقراره في الحدود مقبولٌ مطلقاً سواء قبل الحكم أو بعده أو عند تنفيذه.
وهذا هو قول الحنفية، والمالكية في المشهور عنهم، والشافعية، والحنابلة، وهو اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم.
أ-لما ورد في بعض روايات حديث ماعزٍ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال للصحابة ﵃ لمَّا تبعوا ماعزاً: (هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله عليه).
وقد قال ابن عبد البر في التمهيد: ثبت من حديث أبي هريرة، وجابر، ونعيم بن هزال، ونصر بن دهر وغيرهم.
وجه الاستدلال: أنَّ النبي ﷺ جعل الهرب الدال على الرجوع مسقطاً للحدِّ؛ فسقوطه بالرجوع الصريح أولى.
ب- أنَّ رجوع المقرِّ عن إقراره شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، والشبهة هنا: احتمال كذبه على نفسه.
(ومنْ باعَ أو وهب أو أعتق ثم أقرّ بذلك لغيرهِ لم يُقبل ولم ينفسخ البيع، ويغرمُه لمُقر له).
مثال: إنسان باع سيارة على شخص، ثم بعد ذلك أقر وقال: السيارة التي بعتها لك ليس ملكاً لي.
وكذلك في الهبة والعتق. فلا يقبل إقراره:
لأنه إقرار على غيره بعد أن نفذ تصرفه.
ولإنه قد يتخذ حيلة على إبطال البيع.
ويغرمُه لمُقر له: لأنه فوّتَه عليه.
стр. 3386
صورة ذلك أن يبيع شاة ويستلم ثمنها أو يهب كيساً أو يعتق عبداً على أن هذه كلها ملكه، وبعد ذلك اعترف وقال: أعترف الآن أن العبد الذي أعتقته ليس لي، ولكنه لابن أخي، أو لأخي أو لابن عمي، فهل يقبل منه؟
لا يقبل منه.
بمعنى: أنه لا يرجع العبد عبداً، بل يبقى على حريته.
وكذلك أيضاً: هل تسترد الهبة التي وهبها ثم ادعى أنها شاة لابن عمه أو لجاره؟ لا ترد.
وكذلك لا يرد البيع، إذا قال: أنا بعتك ولكني ما ذكرت لك أن البيت ليس لي، إنما هو لجاري، وبعته ظناً أنه سيجيز البيع، والآن أريد أن أرده.
فلا يرد؛ لأنه قد لزم.
وفي هذه الأحوال يلزمه الغرامة لمن أقر له.
لأنه فوته عليه بالبيع أو الهبة.
فائدة:
إذا باع شيئاً وادعى أنه لم يكن ملكاً له فله ٣ حالات:
الأولى: أن يصدقه المشتري بهذه الدعوى: فهنا يبطل العقد
لان المشتري بتصديقه أقر أنه لا حق له في هذا المبيع. (أنتَ صدقته أن هذا ملك لفلان، فكيف تشتري شيئاً من شخص لا يملكه).
الثانية: أن يضيف البائع المبيع إلى نفسه (بعتك سيارتي - داري).
فلا يقبل أنه ليس ملكاً له ولو أتى ببينة. لأنه يكذبها.
الثالثة: أن لا يضيف العين لنفسه كأن يقول (بعتك هذه السيارة). ثم يقول لم يكن ملكي
فهذا يقبل ببينة.
стр. 3387
(ويجب على الإنسان أن يعترف بجميع الحقوق التي عليه للآدميين ليخرج من التبعة بأداء أو استحلال).
أي: يجب على الإنسان أن يبادر أن يقر بما عليه من حقوق للآدميين، حتى يسلم من إثمها وذلك يكون بأمرين:
إما بأدائها إلى أصحابها - أو باستحلالهم من ذلك.
فإن حقوق الآدميين مبناها على المشاحاة.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخيه مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَىْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) رواه البخاري.
[منْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخيه] اللام في قوله (له) بمعنى (على) أي: من كانت عليه مظلمة لأخيه، وقد جاء في رواية عند البخاري (من كانت عنده مظلمة لأخيه) وللترمذي (رحم الله عبداً كانت له عند أخيه مظلمة).
[مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَىْءٍ] أي: من الأشياء، وهو من عطف العام على الخاص، فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها، وعند الترمذي (من عرض أو مال).
[فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ] أي: يستبرئ ذمته منه بأدائه أو بعفوه.
[الْيَوْمَ] أي: في الدنيا.
[قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ] وذلك في يوم القيامة.
[وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ] أي: صاحب المظلمة.
[فَحُمِلَ عَلَيْهِ] أي: على الظالم.
ففي هذا الحديث أنه يجب على الإنسان أن يرد ما عليه من حقوق الآدميين، قبل أن يموت وينتقل إلى دار
الآخرة فتكون عليه وتؤخذ من حسناته إن كان له عمل صالح، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه.
стр. 3388
وعن أَبي هريرة ﵁ أَن رسولَ اللَّه ﷺ قال (أَتَدْرُون من الْمُفْلِسُ؟ قالُوا: الْمُفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ. فقال: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقيامةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وزَكَاةٍ، ويأْتِي وقَدْ شَتَمَ هذا، وقذَف هذَا وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسفَكَ دَم هذَا، وَضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذَا مِنْ حسَنَاتِهِ، وهَذا مِن حسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حسناته قَبْلَ أَنْ يقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرحَتْ علَيْه، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ). رواه مسلم
وعن أُمِّ سَلَمةَ أَن رسول اللَّه ﷺ قال (إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض، فأَقْضِي لَهُ بِنحْو ما أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) متفق عليه. «أَلْحَنَ» أَيْ: أَعْلَم.
وعن أَبي قَتَادَةَ الْحارثِ بنِ ربعي ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ : (أَنَّهُ قَام فِيهمْ، فذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهادَ فِي سبِيلِ اللَّه، وَالإِيمانَ بِاللَّه أَفْضلُ الأَعْمالِ، فَقَامَ رَجلٌ فقال: يا رسول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّه، تُكَفِّرُ عنِي خَطَايَايَ؟ فقال لَهُ رسولُ اللَّه ﷺ : نعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّه
وأَنْتَ صَابر مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غيْرَ مُدْبرٍ، ثُمَّ قال رسول اللَّه ﷺ : كيْف قُلْتَ؟ قال: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيل اللَّه، أَتُكَفرُ عني خَطَاياي؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : نَعمْ وأَنْت صابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقبِلٌ غَيْرَ مُدْبِرٍ، إِلاَّ الدَّيْن فَإِنَّ جِبْرِيلَ قال لِي ذلِكَ). رواه مسلم
فحقوق العباد يجب أن يتحلل منها في الدنيا قبل أن يحاسب عليها في الآخرة.
стр. 3389
وحقوق العباد تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن تكون في النفس.
مثل أن يكون قد جنى عليه، أو ضربه حتى جرحه، أو قطع عضواً من أعضائه، فإنه يتحلل منه بأن يُمكّن صاحب الحق من القصاص، أو بذل الدية إذا لم يكن القصاص.
القسم الثاني: أن تكون في المال.
فإنه يعطيه ماله ويرجع لصاحبه، فإن كان صاحبه قد مات فإنه يسلمه إلى ورثته، فإن لم يعرف مكانه فإنه يتصدق به عنه.
القسم الثالث: وإن كانت المظلمة في العرض كسب أو شتم، فاختلف العلماء في كيفية التحلل منه على قولين:
القول الأول: اشتراط الإعلام والتحلل.
واحتج أصحاب هذا القول: بأن الذنب حق آدمي، فلا يسقط إلا بإحلاله منه وإبرائه.
القول الثاني: إنه لا يشترط الإعلام بما نال من عِرضه وقذفه واغتيابه، بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدِّل غيبته بمدحه والثناء عليه.
وهذا اختيار أبي العباس ابن تيمية.
стр. 3390
واحتج أصحاب هذه المقالة: بأن إعلامه مفسدة محضة، لا تتضمن مصلحة، فإنه لا يزيده إلا أذى وخنقاً وغماً، وقد كان مستريحاً قبل سماعه.
قالوا: وربما كان إعلامه به سبباً للعداوة والحرب بينه وبين القائل.
وقالوا: إن الفرق بين ذلك وبين الحقوق المالية وجنايات الأبدان من وجهين:
أحدهما: أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه، فلا يجوز إخفاؤها عنه، فإنه محض حقه، فيجب عليه أداؤه إليه، بخلاف الغيبة والقذف، فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه.
الثاني: أنه إذا أعلمه بها لم تؤذه، ولم تهج منه غضباً ولا عداوة، بل ربما سرّه ذلك وفرح به.
وهذا القول الثاني هو الراجح والله أعلم بالصواب.
تم الشرح بفضل الله وتوفيقه
أخوكم/ سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء