Полный текст (3 390 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
(ويتأكد عند صلاة).
أي: أن السواك يتأكد أكثر عند الصلاة.
لحديث أبي هريرة السابق (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمتي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ).
• وهذا يشمل صلاة الفرض والنفل.
• قوله ﷺ (عند كُلِّ صلاة) أي قُربها، وكُلَّما قَرُبَ منها فهو أفضل، وأما قول بعضهم (عند الصَّلاة) إِن المراد به الوُضُوء، فغير صحيح؛ لأن الوُضُوء قد يتقدَّمُ على الصَّلاة كثيراً، ثم إِنَّ للوُضُوء استياكاً خاصًّا، وليس من شروط التَّسوُّك عند الصَّلاة أن يكون الفمُ وسخاً. (الشرح الممتع).
(ووضوء).
أي: ومن المواضع التي يتأكد فيها السواك أيضاً عند الوضوء.
لحديث أبي هريرة السابق (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ) رواه أحمد.
• واختلف العلماء في تحديد مكان السواك عند الوضوء:
القول الأول: قبل الوضوء، فيستاك ثم يتوضأ.
لرواية (عند كل وضوء).
القول الثاني: في أثناء الوضوء، وذلك عند المضمضة.
لرواية (مع كل وضوء)، فإن (مع) تفيد المصاحبة.
والراجح الأول لأمرين:
أولاً: لأنه لم يحفظ عنه ﷺ أنه تسوك أثناء الوضوء.
ثانياً: جاء في حديث ابن عباس لما بات عند خالته ميمونة ووصف قيام النبي ﷺ لصلاة الليل وفيه (فاستيقظ وتسوك وتوضأ … ). (منحة العلام).
стр. 72
(ودخول منزل).
أي: ويتأكد السواك أيضاً عند دخول المنزل.
لحديث عائشة. قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك) رواه مسلم.
(في تسوكه ﷺ عند دخول المنزل أدب يتمثل في حسن معاشرته الأهل فيبدأ بالسواك أول ما يدخل بيته).
(وعند انتباه من نوم).
أي: ويتأكد السواك أيضاً عند الانتباه من النوم.
لحديث حُذَيْفَة بْن الْيَمَانِ ﵄ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ) متفق عليه.
• قوله (إذا قام من الليل) يعني لصلاة التهجد، وتدل عليه رواية لمسلم (إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك). (يَشُوصُ) أي: يدلك ورجحه النووي.
• الحديث دليل على مشروعية السواك عند القيام من الليل.
قال ابن دقيق العيد: وعلته، أن النوم مقتض لتغير الفم، والسواك هو آلة التنظيف للفم، فيسن عند مقتضي التغير.
• ظاهر قوله (من الليل) عام في كل حاله، ويحتمل أن يخص بما إذا قام إلى الصلاة، لرواية (إذا قام للتهجد)، وحديث ابن عباس يشهد له.
(وتغيُّر فم).
أي: ويتأكد أيضاً عند تغير رائحة الفم.
لحديث أبي بَكْر الصِّدِّيق ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ) رواه أحمد.
• وتغير الفم يكون بأشياء منها: ترك الأكل والشرب، ومنها: أكل ماله رائحة كريهة، ومنها: طول السكوت، ومنها: كثرة الكلام.
стр. 73
(لا بإصبع أو خرقة).
أي: لا يشرع التسوك بإصبع أو خرقة.
أ- لأن الشرع لم يرد به، ولا يحصل به الإنقاء كالعود.
ب- أن الأصبع لا تسمى سواكاً، ولا هي في معناه.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يصيب السنة.
وقد جاء حديث (يجزئ من السواك الأصبع) وهو حديث ضعيف.
وذهب بعضهم: إلى أنه يصيب السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء، واختاره ابن قدامة.
قال ابن قدامة: يصيب السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء، ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها. [قاله في المغني].
وهذا القول هو الراجح.
• هل يستاك باليد اليسرى أم باليد اليمنى؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: باليمنى.
واختيار ابن قدامة وغيره من الحنابلة، وبعض الشافعية كابن الملقن.
لأنَّه سنَّة، والسَّنَّة طاعة لله فلا تكون باليسرى.
ففي حديث عائشة (أنَّ النبي ﷺ كان يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كلِّه) متفق عليه.
وزاد أبو داود (وسواكه).
القول الثاني: أنه يستاك باليسرى.
وهذا مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وقال به شيخ الإسلام والعلامة ابن باز، لكن يرون أن يبدأ بالجهة اليمنى من الفم.
لأنه من باب إزالة الأذى.
стр. 74
وقد سُئِلَ شيخ الاسلام ﵀ عن السواك: هل هو باليد اليسرى أولي من اليد اليمني أو بالعكس؟ وهل يسوغ الإنكار على من يستاك باليسرى؟ وأيهما أفضل؟
الحمد لله رب العالمين، الأفضل أن يستاك باليسرى، نص عليه الإمام أحمد في رواية ابن منصور الكَوْسَج، ذكره عنه في مسائله وما علمنا
أحدًا من الأئمة خالف في ذلك؛ وذلك لأن الاستياك من باب إماطة الأذى، فهو كالاستنثار والامتخاط؛ ونحو ذلك مما فيه إزالة الأذى، وذلك باليسرى، كما أن إزالة النجاسات كالاستجمار ونحوه باليسرى، وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى.
القول الثالث: إن تسوك لتطهير الفم فيكون باليسار، وإن تسوك لتحصيل السنة تسوك باليمنى.
وهذا قول بعض المالكية. والله أعلم.
سنن الفطرة
عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ) متفق عليه.
وعنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ». قَالَ زَكَرِيَّا قَالَ مُصْعَبٌ وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. زَادَ قُتَيْبَةُ قَالَ وَكِيعٌ انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِى الاِسْتِنْجَاء) رواه مسلم.
стр. 75
• تعريف الْفِطْرَةُ:
قيل المراد بها: السنة، ونسبه الخطابي للجمهور. وقيل: هي الدين.
قال النووي: تفسير الفطرة هنا بالسنة هو الصواب، ففي حديث البخاري عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من السنة: قص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر).
• سميت هذه فطرة.
قال القرطبي: وهذه الخصال مجتمعة في أنها محافظة على حُسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخِلقة التي خُلقَ الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يشوه الإنسان ويقبحه، بحيث يُستقذر ويُجتنب، فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى.
(يسن تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة).
أي: من سنن الفطرة هذه الأشياء:
أولاً: تقليم الأظافر.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ) متفق عليه.
وتقليم الأظفار: أي تقطيع ما طال منها.
• وحكمه سنة.
قال النووي: مجمع على أنه سنة، وسواء في الرجل والمرأة واليدان والرجلان.
قال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ، وَيَتَفَاحَشُ إذَا تَرَكَهَا، وَرُبَّمَا حَكَّ بِهِ الْوَسَخَ، فَيَجْتَمِعُ تَحْتَهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُنْتِنَةِ، فَتَصِيرُ رَائِحَةُ ذَلِكَ فِي رُءُوسِ الْأَصَابِعِ، وَرُبَّمَا مَنَعَ وُصُولَ الطَّهَارَةِ إلَى مَا تَحْتَهُ. (المغني).
قال ابن حجر: لم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث.
стр. 76
وقال ﵀ أيضاً: لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث لكن جزم النووي في شرح مسلم بأنه يستحب البداءة بمسبحة اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام، وفي اليسرى البداءة بخنصرها إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ولم يذكر للاستحباب مُستَنَداً
• الحكمة في ذلك: النظافة لما يكون تحتها من الأوساخ، والترفع عن التشبه بمن يفعل ذلك من الكفار، وعن التشبه بذوات المخالب والأظفار من الحيوانات.
• قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: ذكر بعض أهل العلم أن دفن الشعر والأظافر أحسن وأولى، وقد أُثِرَ ذلك عن بعض
الصحابة كابن عمر، وأما كون بقائه في العراء أو إلقائه في مكان ما يوجب إثماً فلا.
- اختار ابن قدامة أنه يعفى عن الوسخ تحت الظفر الذي يمنع وصول الماء، وأنه لا تجب إزالته.
فقال: لِأَنَّ هَذَا يَسْتُرُ عَادَةً، فَلَوْ كَانَ غَسْلُهُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ
ثانياً: نتف الإبط.
حكم نتفه: سنة.
قال النووي: سنة بالاتفاق.
• الأفضل فيه النتف لمن قوي عليه، ويحصل أيضاً بالحلق.
قال ابن قدامة: وَنَتْفُ الْإِبْطِ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ، وَيَفْحُشُ بِتَرْكِهِ، وَإِنْ أَزَالَ الشَّعْرَ بِالْحَلْقِ أَوْ النُّورَةِ جَازَ، وَنَتْفُهُ أَفْضَلُ لِمُوَافَقَتِهِ الْخَبَر.
• قال الحافظ العراقي: الحكمة في اختصاص الإبط بالنتف والعانة بالحلق على وجه الأفضلية، أن الإبط محل الرائحة الكريهة، والنتف يضعف الشعر، فتخف الرائحة الكريهة، والحلق يكثف الشعر فتكثر فيه الرائحة الكريهة.
стр. 77
• قال الحافظ ابن حجر: يفترق الحكم في نتف الإبط، وحلق العانة، بأن نتف الإبط وحلقه يجوز أن يتعاطاه الأجنبي بخلاف حلق العانة فيحرم إلا في حق من يباح له المس والنظر، كالزوج والزوجة.
• قال الشوكاني: يستحب الابتداء بالإبط الأيمن لحديث (كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره) وكذلك يستحب أن يبدأ في قص الشارب بالجانب الأيمن لهذا الحديث.
ثالثاً: الاستحداد.
• تعريفه: هو حلق العانة [الشعر الذي حول ذكر الرجل وفرج المرأة]، سمي استحداداً لاستعمال الحديدة.
قال النووي: سُمِّيَ اِسْتِحْدَادًا لِاسْتِعْمَالِ الْحَدِيدَة وَهِيَ الْمُوسَى، وَهُوَ سُنَّة، وَالْمُرَاد بِهِ نَظَافَة ذَلِكَ الْمَوْضِع، وَالْأَفْضَل فِيهِ الْحَلْق، وَيَجُوز بِالْقَصِّ وَالنَّتْف وَالنُّورَة، وَالْمُرَاد (بِالْعَانَةِ) الشَّعْر الَّذِي فَوْق ذَكَرِ الرَّجُل وَحَوَالَيْهِ، وَكَذَاك الشَّعْر الَّذِي حَوَالَيْ فَرْج الْمَرْأَة.
• حكمه: يسن حلقه.
قال ابن قدامة: وَالِاسْتِحْدَادُ: حَلْقُ الْعَانَةِ.
وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ، وَيَفْحُشُ بِتَرْكِهِ، فَاسْتُحِبَّتْ إزَالَتُهُ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَزَالَهُ صَاحِبُهُ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إزَالَتُهُ.
• نقل النووي في وجوب الاستحداد على المرأة إذا طلب منها زوجها الاستحداد قولين في المذهب وقال: أصحهما الوجوب، وهذا إذا لم يفحش بحيث ينفر التواق، فإن فحش بحيث نفره وجب قطعاً.
رابعاً: قص الشارب.
• السنة هو القص، كما في حديث الباب، وفي حديث: (جزوا الشوارب … ).
• أن حلقه ليس من السنة، وكان الإمام مالك يرى تأديب من حلقه.
стр. 78
وجاء التحذير من عدم الأخذ منه: عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يأخذ من شاربه فليس منّا). رواه الترمذي.
• قال ابن دقيق: والأصل في قص الشوارب وإحفائها وجهان:
أحدهما: مخالفة زي الأعاجم وقد وردت هذه العلة منصوصة في الصحيح حيث قال (خالفوا المجوس).
والثاني: أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة وأنزه من وضر الطعام.
فوائد:
o حدد النبي ﷺ أقصى مدة لهذه الأشياء، هي [٤٠] يوماً.
عن أَنَس قال (وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ وَنَتْفِ الإِبْطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَة). رواه مسلم
قال النووي: وَأَمَّا وَقْت حَلْقِهِ فَالْمُخْتَارِ أَنَّهُ يُضْبَط بِالْحَاجَةِ وَطُوله، فَإِذَا طَالَ حُلِقَ، وَكَذَلِكَ الضَّبْط فِي قَصّ الشَّارِب وَنَتْف الْإِبْط وَتَقْلِيم الْأَظْفَار. وَأَمَّا حَدِيث أَنَس (وَقَّتَ لَنَا فِي قَصَّ الشَّارِب وَتَقْلِيم الْأَظْفَار وَنَتْف الْإِبْط وَحَلْق الْعَانَة لَا يُتْرَك أَكْثَر مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَة) فَمَعْنَاهُ لَا يُتْرَك تَرْكًا يَتَجَاوَز بِهِ أَرْبَعِينَ لَا أَنَّهُمْ وَقَّتَ لَهُمْ التَّرْك أَرْبَعِينَ. وَاَللَّه أَعْلَم.
o هذه هي أقصى المدة وغايتها، لكن لو طالت الأظافر أو كثر الشعر في الإبط والشارب قبل الأربعين فإنه يقص.
o قال الحافظ ابن حجر: لكن لا يمنع من التفقد يوم الجمعة فإن المبالغة في التنظيف فيه مشروع.
o قوله (خمس من الفطرة) ليس المراد الحصر، فقد ثبت بأحاديث أخرى زيادة على ذلك كما في حديث (عشر من الفطرة. . .) وغيرها، فدل على أن الحصر غير مراد.
стр. 79
(ويجب الختان على الرجال).
أي: أن الختان واجب على الرجال دون النساء.
وهذا اختيار ابن قدامة، وجماعة من العلماء، ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀.
ويدل لوجوبه على الرجال:
أ-قوله تعالى (أن اتبع ملة إبراهيم) وإبراهيم اختتن وهو ابن ثمانين سنة.
ب-وقال ﷺ لرجل أسلم: (ألقِ عنك شعر الكفر واختتن). رواه أبو داود
ج-حديث أبي هريرة السابق (خمس من الفطرة … وذكر منها: الختان).
د-أن ستر العورة واجب، فلولا أن الختان واجب لم يجز هتك حرمة المختون بالنظر إلى عورته من أجله.
هـ- ولأنه شعار المسلمين، فكان واجباً كسائر شعارهم.
وهذا القول هو الراجح.
قال السعدي: لا يجب على الأنثى لعدم الأمر به في حقها، ولعدم المعنى الموجود في ختان الذكر، لأنه يتوصل إلى الطهارة.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه سنة في حق الرجال والنساء.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الختان سنة للرجال والنساء.
وهو قول الحنفية والمالكية.
قال ابن حجر: وهو قول أكثر أهل العلم.
وذهب بعضهم: إلى وجوبه على الرجال والنساء.
стр. 80
• تعريف الختان:
بالنسبة للذكر قطع الجلدة التي فوق الحشفة، وللأنثى قطع لحمة زائدة فوق محل الإيلاج. قال الفقهاء أنها تشبه عرف الديك.
• أول من اختتن إبراهيم.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول من اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم). متفق عليه
(القدوم: بالتشديد هو اسم مكان بالشام، وبالتخفيف آلة النجار).
قال ابن حجر: وَالرَّاجِح أَنَّ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث الآلَة، فَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن رَبَاح قَالَ: "أُمِرَ إِبْرَاهِيم بِالْخِتَانِ، فَاخْتَتَنَ بِقَدُّوم فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ عَجِلْت قَبْل أَنْ نَأْمُرك بِآلَتِهِ، فَقَالَ: يَا رَبّ كَرِهْت أَنْ أُؤَخِّر أَمْرك.
• الختان زمن الصغر أفضل إلى التمييز، لأنه أسرع برءاً لينشأ على أكمل الأحوال.
• يجب الختان عند البلوغ.
فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يختتن أحد بعد الموت.
• قال ابن القيم: والختان كان من الخصال التي ابتلى الله سبحانه بها إبراهيم خليله فأتمهن وأكملهن فجعله إماماً للناس، وقد روي أنه أول من اختتن كما تقدم، والذي في الصحيح اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة، واستمر الختان بعده في الرسل وأتباعهم حتى في المسيح فإنه اختتن والنصارى تقر بذلك ولا تجحده كما تقر بأنه حرَّم لحم الخنزير.
стр. 81
• الحكمة من مشروعية الختان
أما للرجل فلأنه لا يتمكن من الطهارة من البول إلا بالختان، لأن قطرات من البول تتجمع تحت الجلدة فلا يُؤمن أن تسيل فتنجس ثيابه وبدنه. ولذلك كان عبد الله بن عباس ﵄ يشدد في شأن الختان. قال الإمام أحمد: وكان ابن عباس يشدد في أمره، ورُوي عنه أنه لا حج له ولا صلاة. يعني: إذا لم يختتن. (المغني).
وأما حكمة الختان بالنسبة للمرأة فتعديل شهوتها حتى تكون وسطاً.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن المرأة: هل تختتن أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، نعم، تختتن، وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التي كعرف الديك، قال رسول الله للخافضة وهي الخاتنة: (أشمي ولا تنهكي، فإنه أبهى للوجه، وأحظى لها عند الزوج) يعني: لا تبالغي في القطع، وذلك أن المقصود بختان الرجل تطهيره من النجاسة المحتقنة في القُلْفَة، والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها فإنها إذا كانت قلفاء [يعني: غير مختتنة] كانت مغتلمة شديدة الشهوة. ولهذا يقال في المشاتمة: يا بن القلفاء فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر. ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر ونساء الإفرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين. وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت الشهوة فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال. (مجموع الفتاوى).
• ويجوز دفع المال للختَّان.
قال ابن قدامة: ويجوز الاستئجار على الختان، والمداواة، لا نعلم فيه خلافا؛ ولأنه فعل يحتاج إليه، مأذون فيه شرعا، فجاز الاستئجار عليه، كسائر الأفعال المباحة.
(ويكره القزع).
القزع: حلق بعض الرأس وترك بعضه.
والدليل على كراهته.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (نَهَى عَنْ الْقَزَعِ) قيل لنافع: ما القزع؟: قال: (أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه) متفق عليه.
وعنه. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ شَعَرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: احْلِقُوا كُلَّهُ أَوْ اتْرُكُوا كُلَّه) رواه أحمد.
والنهي في هذه الأحاديث الواردة عن القزع، محمول على الكراهة لا التحريم.
стр. 82
قال النووي ﵀: " وَأَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى كَرَاهَة الْقَزَع إِذَا كَانَ فِي مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة، إِلَّا أَنْ يَكُون لِمُدَاوَاةٍ وَنَحْوهَا، وَهِيَ كَرَاهَة تَنْزِيه. (شرح مسلم).
وقال في المجموع: يُكْرَهُ الْقَزَعُ، وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْقَزَعِ). … (المجموع).
• قال ابن القيم ﵀: وأما كحلق بعضه وترك بعضه فهو مراتب:
أشدها: أن يحلق وسطه ويترك جوانبه كما تفعل شمامسة النصارى.
ويليه: أن يحلق جوانبه ويدع وسطه كما يفعل كثير من السفلة وأسقاط الناس.
ويليه: أن يحلق مقدم رأسه ويترك مؤخره.
وهذه الصور الثلاث داخلة في القزع الذي نهى عنه رسول الله ﷺ وبعضها أقبح من بعض. (أحكام أهل الذمة).
• وقال ﵀: والقزع أَن يحلق بعض رَأس الصَّبِي ويدع بعضه. قَالَ شَيخنَا-يعني ابن تيمية-: وَهَذَا من كَمَال محبَّة الله وَرَسُوله للعدل، فَإِنَّهُ أَمر بِهِ، حَتَّى فِي شَأْن الانسان مَعَ نَفسه، فَنَهَاهُ أَن يحلق بعض رَأسه وَيتْرك بعضه، لِأَنَّهُ ظلم للرأس حَيْثُ ترك بعضه كاسيا، وَبَعضه عَارِيا، وَنَظِير هَذَا أَنه نهى عَن الْجُلُوس بَين الشَّمْس والظل، فَإِنَّهُ ظلم لبَعض بدنه، وَنَظِيره نهى أَن يمشي الرجل فِي نعل وَاحِدَة، بل إِمَّا أَن ينعلهما أَو يحفيهما.
والقزع أَرْبَعَة أَنْوَاع:
أَحدهَا: أَن يحلق من رَأسه مَوَاضِع من هَا هُنَا وَهَا هُنَا، مَأْخُوذ من تقزع السَّحَاب، وَهُوَ تقطعه.
الثَّانِي: أَن يحلق وَسطه وَيتْرك جوانبه، كَمَا يَفْعَله شمامسة النَّصَارَى.
الثَّالِث: أَن يحلق جوانبه وَيتْرك وَسطه، كَمَا يَفْعَله كثير من الأوباش والسفل.
الرَّابِع: أَن يحلق مقدمه وَيتْرك مؤخره، وَهَذَا كُله من القزع. … (تحفة المودود).
стр. 83
(ويحرم حلق اللحية).
وقد جاءت الأدلة بتحريم ذلك:
أ- عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ، أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَه) رواه البخاري.
ب- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوس) رواه مسلم.
ج- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْفُوا اللِّحَى) رواه مسلم.
وفي لفظ (أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى) رواه مسلم.
د- وعن أبي أمامة. قال: قال ﷺ (قصوا سِبالَكم، ووفروا عثانينَكم، وخالفوا أهل الكتاب) رواه أحمد.
(عثانينكم) جمع عثنون وهي اللحية، (سبالكم) جمع سبلة - بالتحريك - الشارب.
(وفروا) هو بتشديد الفاء من التوفير، وهو الإبقاء، أي: اتركوها وافرة.
(أوفوا) أي: اتركوها وافية كاملة لا تقصوها.
(أرخوا) أي: اتركوها ولا تتعرضوا لها بتغيير من قولك: أرخيت الشيء إذا أرسلته.
قال ابن حزم: اتفقوا على أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز
قال النووي: وَجَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ (وَفِّرُوا اللِّحَى) فَحَصَلَ خَمْس رِوَايَات: أَعْفُوا، وَأَوْفُوا، وَأَرْخُوا، وَأَرْجُوا، وَوَفِّرُوا، وَمَعْنَاهَا كُلّهَا: تَرْكُهَا عَلَى حَالهَا، هَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْ الْحَدِيث الَّذِي تَقْتَضِيه أَلْفَاظه، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء.
قال الشيخ ابن عثيمين: وهذه الأحاديث تدل على وجوب ترك اللحية على ما هي عليه وافية موفرة عافية مستوفية، وأن في ذلك فائدتين عظيمتين.:
إحداهما: مخالفة المشركين حيث كانوا يقصونها أو يحلقونها، ومخالفة المشركين فيما هو من خصائصهم أمر واجب، ليظهر التباين بين المؤمنين والكافرين في الظاهر كما هو حاصل في الباطن.
стр. 84
الفائدة الثانية: أن في إعفاء اللحية موافقة للفطرة التي فطر الله الخلق على حسنها وقبح مخالفتها، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته. وبهذا علم أنه ليست العلة من إعفاء اللحية مخالفة المشركين فقط بل هناك علة أخرى وهي موافقة الفطرة.
فائدة:
وأما حديث (أن رسول الله ﷺ كان يأخذ من لحيته عرضها وطولها) رواه الترمذي، فهو حديث لا يصح.
• ذهب بعض العلماء: إلى الأخذ من اللحية ما زاد على القبضة.
لفعل ابن عمر:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ، أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَه) رواه البخاري.
وقيل: لا يجوز.
لعموم الأحاديث المانعة.
وأما فعل ابن عمر: فروي عنه النهي عن التقصير، وإذا تعارض رأي الصحابي وروايته، فروايته مقدمة على رأيه.
قال الشيخ ابن باز: من احتج بفعل ابن عمر ﵄ أنه كان يأخذ من لحيته في الحج ما زاد على القبضة. فهذا لا حجة فيه، لأنه اجتهاد من ابن عمر ﵄، والحجة في روايته لا في اجتهاده. وقد صرح العلماء ﵏: أن رواية الراوي من الصحابة ومن بعدهم الثابتة عن النبي ﷺ هي الحجة، وهي مقدمة على رأيه إذا خالف السنة.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في رسالته (تحريم حلق اللحى) ورخص بعض أهل العلم في أخذ ما زاد عن القبضة لفعل ابن عمر، وأكثر العلماء يكرهه، وهذا أظهر لما تقدم، وقال النووي: والمختار تركها على حالها وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلاً … وقال في الدر المختار: وأما الأخذ منها وهي دون القبضة فلم يبحه أحد.
стр. 85
(ويسن النظر في المرآة وقول الدعاء الوارد).
لورود حديث في ذلك (أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ إِذَا نَظَرَ وَجْهَهُ فِي الْمِرْآةِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقي) وهذا الحديث له طرق كلها ضعيفة لا تصح.
ولكن، صح هذا الدعاء عنه ﷺ مطلقاً دون تقييد بالنظر في المرآة:
فروى أحمد، وأبو يعلى عَنِ عائشة قالت (كَانَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: اللهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي، فَأَحْسِنْ خُلُقِي).
سنن الوضوء
السنة لغة: الطريقة.
واصطلاحاً: ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام.
وحكمه: يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
الوضوء: بالضم الفعل، وبفتحها الماء المتوضأ به، وإن أريد الفعل ضم الحرف الأول.
والوضوء لغة: النظافة والإنارة.
سمي بذلك: لأنه ينظف المتوضئ ويحسنه.
ففي الدنيا بإزالة الأوساخ والأقذار.
وفي الآخرة بالنور الذي يحصل منه، كما قال ﷺ : (تدعون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء).
واصطلاحاً: التعبد لله تعالى بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.
стр. 86
(والوضوء فضله عظيم).
أ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ اَلْوُضُوءِ، فَمَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
أي: أنهم يدعون يوم القيامة من بين الأمم، ووجوههم وأيديهم تتلألأ نوراً وبياضاً من آثار الوضوء.
ب-وعن أبي مالك الأشعري. قال: قال ﷺ (الطهور شطر الإيمان) رواه مسلم.
ج-وعن عثمان. قال: قال ﷺ (مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلاَّ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ) رواه مسلم.
د-وعن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ
الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ) رواه مسلم.
هـ- وعن عُثْمَان بْن عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِه) رواه مسلم.
و- وعنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ». قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاط) رواه مسلم.
ز- وعَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ (أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلة) رواه مسلم.
стр. 87
• قوله (إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ) دليل على فضل إسباغ الوضوء على المكاره وأن ذلك يمحو الخطايا ويرفع الدرجات.
وقد جاء في حديث اختصام الملأ الأعلى ( … الكفارات: نقل الأقدام إلى الجمعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على الكريهات) رواه أحمد.
• قال ابن رجب: المراد أن يكون على حالة تكره النفس فيها الوضوء، وقد فسّر بحال نزول المصائب، فإن النفس حينئذ تطلب الجزع، فالاشتغال عنه بالصبر والمبادرة إلى الوضوء والصلاة من علامة الإيمان.
وفسّرت الكريهات بالبرد الشديد، ويشهد له أن في بعض روايات حديث معاذ ( … إسباغ الوضوء على السبرات) والسبرة شدة البرد، ولا ريب أن إسباغ الوضوء في البرد يشق على النفس وتتألم به، وكل ما يؤلم النفس ويشق عليها فإنه كفارة للذنوب وإن لم يكن للإنسان فيه صنع ولا تسبب كالمرض وغيره كما دلت النصوص الكثيرة على ذلك، ويجب الصبر على الألم بذلك، فإن حصل به الرضى فذلك مقام خواص العارفين المحبين، وينشأ الرضا بذلك عن ملاحظة أمور:
أحدها: تذكر فضل الوضوء من حطه للخطايا، ورفعه للدرجات، وحصول الغرة والتحجيل به.
قال بعض العارفين: من لم يعرف ثواب الأعمال ثقُلت عليه في جميع الأحوال.
الثاني: تذكر ما أعده الله لمن عصاه من العذاب بالبرد والزمهرير، فإن شدة برد الدنيا يذكر بزمهرير جهنم، فملاحظة هذا الألم الموعود يهون الإحساس بألم برد الماء.
الثالث: ملاحظة جلال من أمر بالوضوء، ومطالعة عظمته وكبريائه، وتذكر التهيؤ للقيام بين يديه ومناجاته في الصلاة، فذلك يهوّن كل ألم ينال العبد في طلب مرضاته من برد الماء وغيره، وربما لم يشعر بألمه بالكلية كما قال بعض العارفين: بالمعرفة هانت على العاملين العبادة.
стр. 88
الرابع: استحضار اطلاع الله على عبده في حال العمل له، وتحمل المشاق لأجله، فمن تيقن أن البلاء بعين من يحبه هان عليه الألم كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله لنبيه ﷺ (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا).
الخامس: الاستغراق في محبة من أمر بهذه الطاعة، وأنه يرضى بها ويحبها كما قال تعالى (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) فمن امتلأ قلبه من محبة الله أحب ما يحبه وإن شق على النفس وتألمت به، كما يقال: المحبة تهوّن الأثقال.
فإسباغ الوضوء على المكاره من علامات المحبين. (ابن رجب شرح حديث اختصام الملأ).
وقد روى ابن سعد في (الطبقات الكبرى) بإسناده عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه وصى ابنه عند موته فقال له: " أي بني! عليك بخصال الإيمان ". قال: وما هي؟ قال: " الصوم في شدة الحر أيام الصيف، وقتل الأعداء بالسيف، والصبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، وتعجيل الصلاة في يوم الغيم، وترك ردغة الخبال "، قال: وما ردغة الخبال؟ قال: " شرب الخمر.
• الوضوء كان مشروعاً في الأمم السابقة:
لقصة سارة مع الملك، أن سارة لما هم الملك بالدنو منها، قامت تتوضأ وتصلي.
ولقصة جُرَيْج الراهب أيضاً، قام فتوضأ وصلى، ثم كلم الغلام.
ولحديث: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي). رواه ابن ماجه. قال ابن حجر: حديث ضعيف.
والذي اختصت به هذه الأمة هي الغرة والتحجيل.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ اَلْوُضُوءِ، فَمَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ.) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 89
ورجح هذا ابن حجر، فقال: واستدل الحليمي بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وفيه نظر، لأنه ثبت عند المصنف في قصة سارة ﵂ مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي.
وفي قصة جريج الراهب أيضا أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام.
فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة أيضا مرفوعا قال (سيما ليست لأحد غيركم) وله من حديث حذيفة نحوه و (سِيما) أي: علامة. (الفتح).
(من سنن الوضوء: السواك).
وتقدمت مباحثه.
(والتسمية).
أي: ومن سنن الوضوء التسمية.
وهذا قول جماهير العلماء.
ورجحه ابن قدامة، وابن المنذر، وابن حزم، وابن كثير، واختاره ابن باز.
قال ابن حزم: وتستحب تسمية الله على الوضوء، وإن لم يفعل فوضوؤه تام.
أ- لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا … ) حيث أن الله لم يأمر بالتسمية.
ب- ولحديث عبد الله بن عمرو (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً .... ) رواه أبو داود، فذكر له النبي ﷺ الوضوء ولم يذكر التسمية.
ج- قوله ﷺ للأعرابي ( … توضأ كما أمرك الله … ) الحديث، وليس فيه التسمية، فدل على عدم وجوبها، ولو كانت واجبة لعلمها هذا الأعرابي إذْ هو جاهل.
стр. 90
د- أن الصحابة الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ وصفاً كاملاً، لم يذكر أحد منهم أنه سمى في أول وضوئه، ولو كانت التسمية واجبة لم يتركها ﷺ .
هـ- حديث عثمان في قوله ﷺ (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّر فَيُتِمّ الطَّهُور الَّذِي كَتَبَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَات الْخَمْس إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَة لِمَا بَيْنهنَّ) رواه مسلم.
قال النووي: هَذِهِ الرِّوَايَة فِيهَا فَائِدَة نَفِيسَة وَهِيَ قَوْله ﷺ (الطُّهُور الَّذِي كَتَبَهُ اللَّه عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ اِقْتَصَرَ فِي وُضُوئِهِ عَلَى طَهَارَة الْأَعْضَاء الْوَاجِبَة وَتَرَكَ السُّنَن وَالْمُسْتَحَبَّات كَانَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَة حَاصِلَة لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ أَتَى بِالسُّنَنِ أَكْمَلَ وَأَشَدّ تَكْفِيرًا. وَاَللَّه أَعْلَم. (شرح مسلم).
قالوا ويكون حديث (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله) أي: لا وضوء كامل لمن لم يذكر اسم الله عليه.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها واجبة.
وهذا قول الظاهرية، ورواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه، ورجحه الألباني.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اِسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَلِلترْمِذِيِّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.
قالوا: والمراد بالنفي نفي الصحة، أي: لا وضوء صحيح لمن لم يذكر اسم الله عليه.
• رجح الشيخ دبيان الدبيان [في أحكام الطهارة] أنها غير مشروعة.
لأن الأصل في العبادات المنع حتى يقوم دليل صحيح على المشروعية، ولم يثبت في الباب حديث صحيح.
ولم يرد ذكر التسمية في الأحاديث الصحيحة التي سيقت في صفة وضوء النبي ﷺ .
كحديث عثمان، وعبد الله بن زيد، وعلي، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم. والله أعلم.
стр. 91
فائدة:
حديث (لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اِسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ) اختلف العلماء في هذا الحديث هل هو صحيح أم ضعيف؟
والحديث قد ورد من عدة طرق:
فقد جاء من حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود وفي إسناده ضعف لجهالة يعقوب بن سلمة ولجهالة والده.
وجاء من حديث أبي سعيد عند أحمد في مسنده وفي سنده مقال.
وجاء من حديث سعيد بن زيد عند أحمد والترمذي وفي سنده اضطراب وجهالة.
وجاء من حديث سهل بن سعد عند ابن ماجه وسنده ضعيف جداً.
فذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يصح شيء منها، منهم: الإمام أحمد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والعقيلي، والبزار، وابن المنذر.
وذهب جماعة إلى تحسينها بمجموع طرقها، منهم: ابن سيد الناس، وابن حجر، والسيوطي، وابن القيم، والشوكاني، والألباني.
والراجح أنه لا يصح منها شيء.
لأنها مخالفة لما نقل عن الرسول ﷺ في صفة الوضوء، فلم ينقل واحد من الذين وصفوا الوضوء بأنه كان يسمي.
فائدة:
عقد البخاري في صحيحه باباً قال: باب التسمية على كل حال، وعند الوقاع، ثم ذكر حديث ابن عباس.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِىَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ).
قال العيني: قوله (على كل حال) لما كان حال الوقاع أبعد حال من ذكر الله تعالى ومع ذلك تسن التسمية فيه ففي سائر الأحوال بالطريق الأولى فلذلك أورده البخاري في هذا الباب للتنبيه على مشروعية التسمية عند الوضوء.
فإن قلت كان المناسب أن يذكر حديث (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)؟
قلت: هذا الحديث ليس على شرطه وإن كثرت طرقه، وقد طعن فيه الحفاظ واستدركوا على الحاكم تصحيحه بأنه انقلب عليه إسناده واشتبه وقال الإمام أحمد لا أعلم في التسمية حديثا ثابتاً. (عمدة القارئ).
стр. 92
(وغسل الكفين ثلاثاً).
أي: يسن للمتوضئ في بداية وضوئه غسل كفيه ثلاثاً.
أ-لحديث حُمْرَان (أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، … ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) مُتَّفَقٌ عليه.
ب- ولحديث علي - في صفة الوضوء - ( … فغسل كفيه حتى أنقاهما … ) رواه أبو داود.
ج- وجاء في الصحيحين: (أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ نَعَمْ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَهُ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا … ) متفق عليه.
قال النووي: قَوْله (فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاث مَرَّات) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ غَسْلهمَا فِي أَوَّل الْوُضُوء سُنَّة، وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء
وقال ابن قدامة: وليس ذلك - يعني غسل الكفين في الوضوء - بواجب عند غير القيام من النوم بغير خلاف نعلمه.
وقال ابن المنذر: فأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن غسل اليدين في ابتداء الوضوء سنة يستحب استعمالها.
وقال: لِأَنَّهَا الَّتِي تَغْمِسُ فِي الْإِنَاءِ وَتَنْقُلُ الْوُضُوءَ إلَى الْأَعْضَاءِ، فَفِي غَسْلِهِمَا إحْرَازٌ لِجَمِيعِ الْوُضُوء.
وقال الشيخ ابن عثيمين: لأنها آلة الماء.
стр. 93
(ويجبُ من نوم ليلٍ).
أي: ويجب غسل الكفين ثلاثاً إذا قام من نوم ليل، وأراد أن يغمسهما في الإناء.
لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي اَلْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِم.
وهذا مذهب أحمد وداود.
لأن الحديث فيه أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الأمر للاستحباب.
وهذا مذهب الجمهور. … [الفتح].
أ-واستدلوا بعدم الوجوب، بالتعليل المذكور بالحديث (فإن أحدكم لا يدري … ) لأن التعليل بأمر يقتضي الشك، فهذه قرينة صارفة عن الوجوب إلى الندب.
ب-وبقوله (فليغسلها ثلاثاً … ) قالوا النجاسة المقيد إزالتها لا يجب العد في غسلها، فذكر العدد في الحديث يدل على أن الأمر للاستحباب.
ج-ولحديث أنه ﷺ توضأ من الشن المعلق بعد قيامه من النوم، ولم يرو أنه غسل يده في حديث ابن عباس. [نيل الأوطار].
والراجح الأول، لظاهر الأمر.
стр. 94
• اختلف العلماء في المراد بالنوم في قوله (إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ) على أقوال:
القول الأول: المراد كل نوم، فلا فرق بين نوم الليل ونوم النهار، ورجحه الشيخ ابن باز.
أ- لقوله: (من نومه).
قال ابن حجر: أخذ بعمومه الشافعي والجمهور فاستحبوه عقب كل نوم.
ب- وللتعليل (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) فإن ذلك يقتضي بإلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة.
القول الثاني: المراد نوم الليل خاصة.
وهذا مذهب أحمد وداود.
أ- لما جاء في رواية أبي داود (إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل … ).
ب- ولقوله (أين باتت يده … ) والبيتوتة لا تكون إلا بالليل.
وهذا القول هو الراجح.
• الحكمة من غسل اليدين ثلاثاً بعد الاستيقاظ من النوم قبل إدخالها في الإناء:
قيل: أن الحكمة معقولة ومدركة وليست معنوية.
وهي جولان اليد في بدن النائم بدون إحساس، فقد تلامس أمكنة من بدنه لم يتم تطهيرها بالماء، فتعلق بها النجاسة.
وقيل: أن هذا تعبد لا يعقل معناه.
واستدلوا على ذلك بأن الأحكام لا تبنى على الشك، وذلك أن اليقين في اليد أنها طاهرة، ونجاستها أثناء النوم مشكوك فيها، فلا يؤمر بغسلها لنجاستها، لأن اليقين لا يُزال بالشك، فيكون الأمر في ذلك تعبدياً. [فالشارع لا يأمر بالتطهر من تنجس مشكوك].
стр. 95
وقيل: - وهو اختيار ابن تيمية - أن ما ورد في هذا الحديث يشبه - ما تقدم - من تعليل الاستنثار بأن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان، فيمكن أن المراد بهذا الحديث ما خشي من عبث الشيطان بيد الإنسان وملامستها، مما قد يؤثر على الإنسان، وقد تكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار.
• ما حكم الماء إذا غمس يده في الإناء قبل غسلها؟
لا ينجس، وهو باق على طهوريته، وهذا قول جمهور العلماء.
لأن النبي ﷺ نهى عن غمس اليد، ولم يتعرض للماء.
وحكي عن الحسن البصري أنه ينجس إن قام من نوم الليل، وحكي أيضاً عن إسحاق بن راهوية ومحمد بن جرير الطبري.
قال النووي: وهو ضعيف جداً، فإن الأصل في اليد والماء الطهارة، فلا ينجس بالشك وقواعد الشريعة متظافرة على ذلك.
(والبداءةْ بمضمضةٍ ثم استنشاق).
أي: ومن سنن الوضوء البداءة بمضمضة واستنشاق - بعد غسل اليدين - قبل غسل الوجه.
عن حُمْرَان مَوْلَى عُثْمَانَ (أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) متفق عليه.
стр. 96
• المضمضة: قال ابن قدامة: وَالْمَضْمَضَةُ: إدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ.
• وَالِاسْتِنْشَاقُ: اجْتِذَابُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ.
• وَالِاسْتِنْثَارُ: إخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ أَنْفِه، وَلَكِنْ يُعَبَّرُ بِالِاسْتِنْثَارِ عَنْ الِاسْتِنْشَاقِ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ لَوَازِمِهِ.
وَلَا يَجِبُ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ الْفَمِ، وَلَا إيصَالَ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ بَاطِنِ الْأَنْفِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الصَّائِم. (المغني).
وقال ابن حجر: وأكمله أن يضع الماء في الفم، ثم يديره، ثم يمجه.
وقال النووي: أمَّا حَقِيقَة الْمَضْمَضَة؛ فَقَالَ أَصْحَابنَا: كَمَالهَا أَنْ يَجْعَل الْمَاء فِي فَمه ثُمَّ يُدِيرهُ فِيهِ ثُمَّ يَمُجّهُ، وَأَمَّا أَقَلّهَا فَأَنْ يَجْعَل الْمَاء فِي فِيهِ، وَلَا يُشْتَرَط إِدَارَته عَلَى الْمَشْهُور الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُور.
وقال ابن عثيمين: ويكفي في الواجب أن يديرَ الماء في فمه أدنى إدارة. (الشرح الممتع).
(والمبالغة فيهما لغير صائم).
أي: ومن سنن الوضوء المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير صائم.
قال النووي: المبالغة في المضمضة والاستنشاق سنة بلا خلاف.
لحديث لَقِيطِ بْن صَبْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَسْبِغْ اَلْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ اَلْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي اَلِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِماً) رواه أبو داود.
• معنى المبالغة في المضمضة: أن يصل الماء أقصى الحلق، والمبالغة في الاستنشاق: جذب الماء إلى أقصى الأنف.
• المبالغة فيهما للصائم مكروهة، وهذا قول جمهور العلماء.
стр. 97
(والتيامن)
أي: ومن سنن الوضوء التيامن، فيسن أن يبدأ بيده اليمنى قبل اليسرى ورجله اليمنى قبل اليسرى. (وهو خاص بالأعضاء الأربعة فقط وهما: اليدان والرِّجلان).
أ- لحديث عائشة قالت: (كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) متفق عليه
ب - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم) رواه أبو داود.
ج- ولحديث عثمان في صفة الوضوء ( … ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا … ) متفق عليه.
قال النووي: أجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة، من خالفها فإنه فاته الفضل وتم وضوءه.
وقال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه في استحباب البداءة باليمين وأجمعوا على أنه لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه.
• قال الشيخ ابن عثيمين: أما الوجه فالنصوص تدل على أنه لا تيامن فيه … والأذنان يمسحان مرة واحدة، لأنهما عضوان من عضو واحد.
стр. 98
(وتخليل اللحية الكثيفة).
أي: ومن سنن الوضوء تخليل اللحية الكثيفة.
اللحية إن كانت خفيفة: فإنه يجب غسلها وما تحتها من البشرة.
لأنها في حكم الظاهر فيدخل في قوله تعالى (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) والوجه ما تحصل به المواجهة، وما تحت اللحية إذا كان بادياً تحصل به المواجهة، فيدخل في حكم الوجه.
قال الشيخ ابن عثيمين: اللحية لخفيفة هي التي لا تستر البشرة، وهذه يجب غسلها وما تحتها؛ لأن ما تحتها لما كان بادياً كان داخلاً في الوجه الذي تكون به المواجهة.
وإن كانت كثيفة: فإنه يستحب تخليلها.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
أ-لحديث عُثْمَانَ ﵁ (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي اَلْوُضُوءِ) أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِي.
والحديث وإن كان ضعيفاً، فقد قواه بعض العلماء لشواهده.
ب- ومما يرجح الاستحباب ورود ذلك عن ابن عمر، فعن نافع عن ابن عمر (أنه كان يخلل لحيته).
ج- ومن أدلة الجمهور على أن تخليل اللحية الكثيفة غير واجب، وأن باطن اللحية الكثيفة لا يجب غسله: ما رواه البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الْأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ … ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ.
стр. 99
ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ كان كث اللحية، فغرفة واحدة لا تكفي لغسل الوجه، وغسل ما تحت اللحية، فعلم من ذلك أنه ﷺ اكتفى بغسل ظاهرها فقط.
قال ابن قدامة: وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ، وَلَا يَجِبُ التَّخْلِيلُ؛ وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي تَرْكِ التَّخْلِيلِ ابْنُ عُمَرَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْقَاسِمِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغَسْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّخْلِيلَ.
وَأَكْثَرُ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَحْكِهِ.
وَلَوْ وَاجِبًا لَمَا أَخَلَّ بِهِ فِي وُضُوءٍ، وَلَوْ فَعَلَهُ فِي كُلِّ وُضُوءٍ لَنَقَلَهُ كُلُّ مَنْ حَكَى وُضُوءَهُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ، وَتَرْكُهُ لِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ كَثِيفَ اللِّحْيَةِ فَلَا يَبْلُغُ الْمَاءُ مَا تَحْتَ شَعْرِهَا بِدُونِ التَّخْلِيلِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَفِعْلُهُ لِلتَّخْلِيلِ فِي بَعْضِ أَحْيَانِهِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (المغني).
وقال النووي ﵀: اللحية الكثيفة يجب غسل ظاهرها بلا خلاف، ولا يجب غسل باطنها ولا البشرة تحته، هذا هو المذهب الصحيح المشهور، الذي نص عليه الشافعي ﵀، وقطع به جمهور الأصحاب، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وجماهير
العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم، وحكى الرافعي قولاً ووجهاً أنه يجب غسل البشرة وهو مذهب المزني وأبي ثور. (المجموع).
стр. 100
• اختلف العلماء في ضابط اللحية الكثيفة واللحية الخفيفة:
فقيل: المرجع في ذلك العرف، فما عده الناس كثيفاً فهو كثيف، وما عدوه خفيفاً فهو خفيف.
وقيل: ما وصل الماء إلى تحته بمشقة فهو كثيف، وما كان وصول الماء إلى تحته بغير مشقة فهو خفيف.
وقيل: ما ستر البشرة عن الناظر فهو كثيف، وما لا فهو خفيف، وهذا أحسنها. [النووي].
• كيفية تخليل اللحية:
قال الشيخ ابن عثيمين: والتخليل له صفتان:
الأولى: أن يأخذ كفاً من ماء ويجعله تحتها، ويعركها حتى تتخلل به.
الثانية: أن يأخذ كفاً من ماء، ويخللها بأصابعه كالمشط. [الشرح الممتع].
وقد وردت أحاديث في كيفية تخليل اللحية لكن لا يصح منها شيء:
منها: حديث أنس (أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل بها لحيته). رواه أبو داود
ومنها: حديث ابن عمر (كان رسول الله ﷺ إذا توضأ عرك بعض العراك، ثم شبك بأصابعه من تحتها) رواه الدارقطني.
• اختلف العلماء في حكم غسل المسترسل من اللحية على قولين:
القول الأول: أنه واجب.
واختار هذا الشيخ ابن عثيمين. لأن ما استرسل من اللحية تحصل به المواجهة.
القول الثاني: لا يجب.
أ-قالوا: لأن الله أمر بغسل الوجه، فمحل الفرض الوجه وما في حدوده.
ب-ولأن النبي ﷺ أخذ كفاً من ماء وغسل وجهه، وهذا القدر لا يكفي لغسل ما استرسل من اللحية.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 101
(والأصابع).
أي: ومن سنن الوضوء تخليل أصابع اليدين والرجلين.
قال ابن قدامة: تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ مَسْنُونٌ، وَهُوَ فِي الرِّجْلَيْنِ آكَدُ.
قال الشيخ ابن عثيمين: وهو في الرِّجلين آكد لوجهين:
الأول: أنَّ أصابعهما متلاصقة.
والثَّاني: أنهما تباشران الأذى فكانتا آكد من اليدين.
لحديث لَقِيط بْن صَبْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (أَسْبِغْ اَلْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ اَلْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي اَلِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) رواه أبوداود.
• ذهب بعض العلماء إلى أن تخليل الأصابع واجب.
واختاره الصنعاني والشوكاني.
لقوله ﷺ (وخلل بين الأصابع) وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وذهب جمهور العلماء: إلى أنه مستحب إذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع.
أ- لقوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم)، قالوا: فأمر الله بالغَسل وهو يصدق على مجرد وصول الماء إلى البشرة بدون تخليل، والتخليل أمر زائد، فهو داخل في الكمال.
ب- ولأن جميع الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا التخليل، فالجمع بين حديث لقيط وهذه الأحاديث هو حمله على الاستحباب.
وهذا هو الراجح.
• المراد بالأصابع أصابع اليدين والرجلين.
فقد جاء في حديث ابن عباس. أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك) رواه الترمذي.
стр. 102
وقد ورد في تفسير التخليل في حديث المستورد بن شداد. قال (رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره) رواه أبو داود والترمذي.
o والظاهر أن المراد خنصر اليد اليسرى، لأن التخليل تطهير وإزالة قذر، فيشرع باليسرى.
o وخص الخنصر لأنه أقدر على إيصال الماء.
وأما أصابع اليدين: فالأكمل في تخليلها أن يضع بطن الكف اليمنى على اليسرى، ويدخل الأصابع بعضها في بعض.
(وأخْذ ماء جديد للأذنين).
أي: ومن سنن الوضوء أخذ ماء جديد للأذنين، فيسن إذا مسح رأسه أن يأخذ ماء جديداً لأذنيه.
أ-لحديث عبد الله بن زيد - عند البيهقي - (أَنَّهُ رَأَى اَلنَّبِيَّ ﷺ يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ اَلْمَاءِ اَلَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِهِ).
ب-ولما رواه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر (أنه كان يأخذ الماء بإصبعيه لأذنيه) وصححه البيهقي.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يشرع، وإنما يمسحان بالبلل المتبقي بعد مسح رأسه.
وهذا مذهب أبي حنيفة، ونسب إلى جمهور العلماء واختاره ابن المنذر، وابن تيمية، والشيخ ابن باز.
أ- أنه لم يثبت أنه ﷺ أخذ ماء جديداً لأذنيه.
ب- والذين نقلوا صفة وضوء النبي ﷺ كلهم لم يذكروا أن النبي ﷺ أخذ لأذنيه ماء جديداً.
стр. 103
قال ابن القيم: ولم يثبت أنه ﷺ أخذ لهما ماء جديداً، وإنما صح ذلك عن ابن عمر.
ج- قول الرسول ﷺ (الأذنان من الرأس) رواه أبو داود، وهذا الحديث لا يصح مرفوعاً لكنه ثابت عن ابن عمر موقوفاً.
د- حديث عبد الله بن عمرو الذي أخرجه أبو داود (أن النبي ﷺ مسح برأسه وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه) ولم يذكر أنه أخذ ماءً جديداً لأذنيه.
وهذا القول هو الصحيح، وأما الرد على أصحاب القول الأول:
• أما رواية البيهقي فالجواب عنها من وجهين:
أولاً: أنها شاذة، وأن المحفوظ رواية مسلم (وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرَ فَضْلِ يَدَيْهِ) يعني بعد ما غسل يده اليمنى ثم اليسرى أخذ ماءً جديداً لرأسه وليس للأذنين.
ثانياً: وعلى فرض صحته فهو محمول على أنه لم يبق في يديه بلل من رأسه.
قال ابن المنذر: وغير موجود في الأخبار الثابتة التي فيها صفة وضوء النبي ﷺ أخذه لأذنيه ماء جديداً.
(والغسلة الثانية والثالثة).
أي: ومن سنن الوضوء الغسلة الثانية والثالثة، والأولى واجبة.
قال النووي: قد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وعلى أن الثلاث سنة.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم - لا اختلاف بينهم - على أن من توضأ مرة مرة، فأسبغ الوضوء أن ذلك يجزئه.
وقال ابن قدامة: والوضوء مرة مرة يجزئ والثلاث أفضل، هذا قول أكثر أهل العلم.
أ-عن ابن عباس (أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة) رواه البخاري.
ب- وعنه (أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين) رواه البخاري.
стр. 104
فالسنة في عدد غسل أعضاء الوضوء ثلاث مرات ما عدا الرأس، فيستحب التثليث في غسل الوجه واليدين والرجلين.
لحديث عثمان - في صفة الوضوء - (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ … ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اَلْيُمْنَى إِلَى اَلْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
• ويجوز أن يغسل بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثاً.
ففي حديث عبد الله بن زيد - في صفة الوضوء - ( … ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى
المرفقين … ) رواه البخاري.
قال النووي: فيه دلالة على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثاً وبعضها مرتين وبعضها مرة.
قال الشيخ ابن عثيمين: وقد كرِه بعض العلماء أن يخالف بين الأعضاء في العدد، فإذا غسلت الوجه مرة، فلا تغسل اليدين مرتين وهكذا، والصواب أنه لا يكره، فإنه ثبت أن الرسول ﷺ خالف فغسل الوجه ثلاثاً، واليدين مرتين، والأفضل أن يأتي بهذا مرة، وبهذا مرة.
стр. 105
• تكره الزيادة على الثلاث كراهة شديدة.
أ-لأن فعل النبي ﷺ كله لم يزد على ثلاث.
ب-عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الطُّهُورُ فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ، وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ - أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ). … [الحديث إسناده حسن لكن لفظ (أو نقص) شاذة لا تصح].
قال أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى.
وقال ابن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم.
قال النووي: أجمع الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، وَالْمُرَادُ بِالثَّلَاثِ الْمُسْتَوْعِبَةِ لِلْعُضْوِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَسْتَوْعِبِ الْعُضْوَ إِلَّا بِغَرْفَتَيْنِ، فَهِيَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ. (شرح مسلم).
وقال الشوكاني: لا خلاف فِي كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا آمَنُ إذَا زَادَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى الثَّلَاثِ أَنْ يَأْثَمَ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ إلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى. (نيل الأوطار).
• هذه الزيادة وإن كانت ممنوعة بالاتفاق؛ إلا أنها لا تَبْطُل بها الطهارة، لأن الوضوء وقع صحيحاً تاماً بالثلاث، والزيادة وقعت مردودة، لا تبطله.
قال النووي: إذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَدْ ارْتَكَبَ الْمَكْرُوهَ وَلَا يَبْطُلُ وُضُوءُهُ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً، وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ يَبْطُلُ كَمَا لَوْ زَادَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِر. (المجموع).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀" الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيه.
وَحَكَى الدَّارِمِيُّ مِنْهُمْ عَنْ قَوْمٍ: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ تُبْطِلُ الْوُضُوءَ، كَالزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِد. (الفتح).
وقال الشيخ ابن قاسم ﵀: وقال غير واحد، إذا زاد على الثلاث فقد ارتكب المكروه، ولا يبطل وضوؤه إجماعاً.
стр. 106
(وإطالة الغرة والتحجيل).
أي: ومن سنن الوضوء إطالة الغرة والتحجيل.
وهذا مذهب الشافعي والحنفية والرواية المشهورة عن أحمد.
قال النووي: أمَّا تَطْوِيل الْغُرَّة فَقَالَ أَصْحَابنَا: هُوَ غَسْلُ شَيْء مِنْ مُقَدَّم الرَّأْس وَمَا يُجَاوِز الْوَجْه زَائِد عَلَى الْجُزْء الَّذِي غَسَلَهُ لِاسْتِيقَانِ كَمَالِ الْوَجْه، وَأَمَّا تَطْوِيل التَّحْجِيل فَهُوَ غَسْلُ مَا فَوْق الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْن.
أ- لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ اَلْوُضُوءِ، فَمَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
(غُرًّا) جمع أغر، أي ذو غرة، وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد هنا: النور الكائن في وجوه أمة محمد ﷺ ، أي أنهم إذا دعوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة.
(مُحَجَّلِينَ) من التحجيل، وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس، والمراد هنا: النور.
(مِنْ أَثَرِ اَلْوُضُوءِ) (من) للتعليل، وأثر الشيء: ما يعقبه ناشئاً عنه.
ب- ولفعل أبي هريرة كما ثبت عنه ذلك.
ج - ولفعل ابن عمر فقد كان يغسل العضدين والساقين. رواه أبو عبيد بإسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر.
وذهب بعض العلماء: إلى أن ذلك لا يشرع.
وهذا مذهب مالك وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والسعدي. واستدلوا:
أ-أن مجاوزة محل الفرض بدعوى أنها عبادة دعوى تحتاج إلى دليل، وحديث الباب لا يدل عليها، وإنما يدل على نور أعضاء الوضوء يوم القيامة.
ب-أن كل الواصفين لوضوء النبي ﷺ لم يذكروا إلا أنه يغسل الوجه واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين، وما كان ليترك الفاضل في كل مرّة من وضوئه.
стр. 107
قال الشيخ السعدي ﵀: الصحيح أنه لا يستحب مجاوزة محل الفرض في طهارة الماء، لأن الله تعالى ذكر حدّ الوضوء إلى المرفقين والكعبين، وكل الواصفين لوضوء النبي ﷺ لم يذكر أحد منهم أنه فعل ذلك ولا رغب فيه.
ج-أن الزيادة تؤدي إلى كون غير المأمور به مأموراً به، كالعضد فإنه ليس من أعضاء الوضوء.
د- أن الغرة لا يمكن إطالتها، فإنها مختصة بالوجه، فإذا دخلت في الرأس لا تسمى غرة.
وهذا القول هو الراجح.
أما الجواب عن أدلة من قال بمشروعية ذلك؟
أما قوله (فمن استطاع … ) فهي مدرجة من كلام أبي هريرة لا من كلام النبي ﷺ كما رجح ذلك ابن حجر وابن القيم.
وأما فعل أبي هريرة، فقد قال ابن القيم: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه تجاوز المرفقين والكعبين، ولكن أبا هريرة كان يفعل ذلك ويتأول حديث إطالة الغرة.
وأما حديث أبي هريرة في صفة وضوء النبي ﷺ أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين، ورجليه حتى أشرع في الساقين، فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة.
(وقول الدعاء الوارد بعد الوضوء).
أي: ومن سنن الوضوء قول الدعاء الوارد بعده.
عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ اَلْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلْجَنَّةِ") أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وجاء في دعاء آخر، عن أبي سعيد مرفوعاً: (من توضأ ففرغ من وضوئه، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، طبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش، فلم تكسر إلى يوم القيامة) رواه الحاكم.
واختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير وقفه؛ فهذا مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع.
• جاء عند الترمذي: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) لكنها لا تثبت.
وجاء عند أبي داود: ( … فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء) لكنها ضعيفة.
стр. 108
• جميع الأدعية أثناء الوضوء لا يصح منها شيء.
قال النووي: وأما الدعاء على أعضاء الوضوء فلم يجيء منه شيء عن النبي ﷺ .
وقال ابن القيم: وأحاديث الذكر على أعضاء الوضوء كلها باطلة، ليس منها شيء يصح.
وقال في زاد المعاد: كل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق، لم يقل رسول الله ﷺ شيئاً منه ولا علمه لأمته.
فروض الوضوء وصفته
الفرض لغة: معناه القطع والحز.
واصطلاحاً: هو بمعنى الواجب عند الأكثر، وهو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً.
والمراد بفروض الوضوء أركانه التي لا يتم إلا بها.
(فروضه ستة).
عرفت بالتتبع والاستقراء.
(غسلُ الوجهِ والفَمُ والأَنْفُ منه).
هذا هو الفرض الأول.
لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ).
• وقوله (والفم والأنف منه) أي: من الوجه، لوجودهما فيه، فيدخلان في حَدِّه، وعلى هذا فالمضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء.
стр. 109
وهذا مذهب الحنابلة.
قال النووي: وهو مذهب ابن أبي ليلى وحماد وإسحاق.
أ- لحديث لقيط بن صبرة. قال: قال ﷺ (أَسْبِغْ اَلْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ اَلْأَصَابِعِ … وإِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ) رواه أبو داود.
فقوله (وإذا توضأت فمضمض) هذا أمر بالمضمضة فدل على وجوبها.
ب-ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ … ) متفق عليه.
فقوله (فليجعل … ) هذا أمر، والأمر للوجوب.
ج- مداومة النبي ﷺ عليهما، فكل من وصف وضوء النبي ﷺ ذكر أنه فعلهما ولم يتركهما.
قال ابن القيم: ولم يتوضأ إلا تمضمض واستنشق، ولم يحفظ عنه أنه أخل به مرة واحدة.
د- أن الفم والأنف من الوجه، بدليل دخولهما في حده.
وذهب بعض العلماء: إلى أن المضمضة والاستنشاق سنتان من سنن الوضوء.
وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، واختار هذا القول ابن المنذر.
أ- لقوله تعالى (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ).
وجه الدلالة: أن الله عدّ فروض الوضوء التي يجب فعلها، ولم يذكر منها المضمضة ولا الاستنشاق، فدل على عدم فرضيتهما، وإنما على سنيتهما لمواظبة النبي ﷺ عليهما في وضوئه.
ب-أن الله أمر بغسل الوجه في الوضوء، وهو ما تحصل به المواجهة دون باطن الفم والأنف، فلا تحصل بهما المواجهة، وهذا يدل على أن المضمضة والاستنشاق غير واجبين، إذ أنهما غير داخلين في مسمى الوجه.
ب- ولحديث عائشة قالت. قال رسول الله ﷺ (عشر من الفطرة: … وذكر منها المضمضة والاستنشاق) رواه مسلم.
стр. 110
قالوا: والفطرة هي السنة، ويؤيد ذلك أنه جاء في رواية (عشر من السنة).
ج- ما ورد عن ابن عباس. قال: قال ﷺ (المضمضة والاستنشاق سنة) رواه الدارقطني وهو ضعيف.
وذهب بعضهم: إلى أنه يجب الاستنشاق وحده في الوضوء دون المضمضة.
وهذا قول جماعة من أهل الظاهر، منهم ابن حزم، وهو قول أبي ثور.
قال ابن المنذر: وبه أقول.
واستدلوا: أن الاستنشاق نُقِل من قوله ﷺ وفعله.
كما قال ﷺ (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر) وهذا أمر، والأمر للوجوب.
ومن فعله كما في الأحاديث الكثيرة التي نقلت صفة وضوء النبي ﷺ .
وأما المضمضة فقد نقلتْ من فعله فقط، ولم تنقل من أمره [لعلهم يضعفون رواية: وإذا توضأت فمضمض].
ورجح هذا ابن حزم وقال: وهو الحق، لأنه لم يصح عن النبي ﷺ في المضمضة أمر، وإنما هي فعل فعله، وأفعاله ليست فرضاً.
والراجح هو القول الأول وهو وجوب المضمضة والاستنشاق.
(وغَسْلُ اليَدَيْن إلى المرفقين).
هذا الفرض الثاني، للآية السابقة (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ).
قال النووي: فغسل اليدين فرض بالكتاب والسنة والإجماع.
следующие страницы →