← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[آثاَرُ ابْنُ بَادِيسَ]ـ المؤلف: عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي (المتوفى: ١٣٥٩هـ) المحقق: عمار طالبي الناشر: دار ومكتبة الشركة الجزائرية الطبعة: الأولى (عام ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ ميلادية) عدد الأجزاء: ٤ أجزاء [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الطبعة الأولى عام ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ ميلادية ــ يشتمل المجلد الأول من هذه الطبعة على مدخل للحياة العقلية والثقافية للمغرب الإسلامي، وعلى حياة ابن باديس وآثاره المتعلقة بالتفسير، وشرح الحديث، ويشتمل المجلد الثاني على المقالات الإجتماعية والتربوية والأخلاقية والدينية والسياسية التي دبجها يراع الشيخ الإمام الأستاذ عبد الحميد ابن باديس. وقد كلفت دار اليقظة العربية لجنة من كبار علماء دمشق للقيام بتصحيح آثار ابن باديس أثناء طبعها، وذلك حرصا منها على أن يصدر هذا الكتاب الذي له أهمية بالغة في النهضة الإسلامية العربية الحديثة في المغرب الإسلامي سليما من الأخطاء، خاليا من التحريف.

стр. 3

كتاب آثار ابن باديس المجلد الأول تفسير وشرح أحاديث اعداد وتصنيف الأستاذ عمّار طالبي بالإشتراك مع الناشر دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر لأصحابها مرازقة وبوداود وشركائهما الجزائر

стр. 4

طبع هذا الكتاب بموافقة واشراف الناشر دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر لأصحابها مرازقة وبوداود وشركائهما الجزائر ملتزم الطبع والتوزيع في الأقطار العربية والبلاد الأجنبية دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر

стр. 5

دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر كتاب آثار ابن باديس المجلد الأول تفسير وشرح أحاديث إعداد وتصنيف الأستاذ عمّار طالبي بالإشتراك مع دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر الطبعة الأولى ١٣٨٨ هجرية - ١٩٦٨ ميلادية

стр. 6

جميع حقوق الترجمة والطبع والنشر والاقتباس محفوظة للناشر دار ومكتبة الشركة الجزائرية للتأليف والترجمة والطباعة والتوزيع والنشر

стр. 7

ـ[صورة]ـ الْعَلاَّمَة ِالثَّائِر ِالإِمَام ِعَبْدُ الْحَمِيدَ بْنُ بَادِيسَ رَائِدُ النَّهْضَةِ الْحَدِيثَةِ بِالْمَغْرِبِ الْعَرَبِيِّ وَقَائِدُ الْحَرَكَةِ الإِصْلاَحِيَّةِ وَمُؤَسِّسُهَا بِالْجَزَائِرِ ــ

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة بقلم المفكر الجزائري مالك بن نبي ... مدير التعليم العالي بالجزائر ... ــ عرفت مؤلف هذا الكتاب إبان دراسته في جامعة القاهرة، وكنت أعتبره في جملة أصدقائي ومستمعي من بين طلاب البلدان الإسلامية المختلفة الذين يزورون الندوة التي تعقد في منزلي يوم الجمعة من كل أسبوع. فحين أقدم هنا لدراسة عن ابن باديس أشعر بلذة مزدوجة. فما كان أشد إغراء مثل هذا الموضوع في بلد ما يزال من شاهد حياة الشيخ وأثره كثيراً عددهم، ولكن ما أصعبه من موضوع إذ الحقيقة أنه لا يمكن أن يخلو حكم معاصر على أحداث عهده ورجاله، من نظرة ذاتية، إلا نادراً. وأنا نفسي أشعر بشيء من الحرج حين أقدِّم كتاباً يحوي - بالضرورة - أفكاراً وأحداثاً كنت نصيراً لها أو معارضاً. غير أن شخصية الشيخ تجمع في طيَّاتها جوانب بلغت من التنوع والغنى مبلغاً يجعل في قدرة الباحث - دوماً - أن يتطرق إلى دراستها من زاوية تحرر الفكر من الظروف العرضية النسبية.

стр. 9

لقد كان ابن باديس مناظراً مفحماً، ومربياً بناَّءً، ومؤمناً متحمساً، وصوفياً والهاً، ومجتهداً يرجع إلى أصول الإيمان المذهبية، ويفكر في التوفيق بين هذه الأصول توفيقاً عزب عن الأنظار، إبان العصور الأخيرة للتفكير الإسلامي. وهو كذلك وطني مؤمن تصدَّى عام ١٩٣٦ لزعيم سياسي نشر مقالاً عنوانه: "أنا فرنسا"، فردَّ عليه ردّاً حامياً قوياًّ. وعندما انفجرت حوادث قسنطينة الدامية في شهر آب من سنة ١٩٣٤ وحاولت الإدارة أن تعيد الهدوء والاستقرار كان نصيراً لها، ولكنه لم يقبل هجوماً على الإسلام قام به يهودي منتهكاً حرمة مسجد. والشعور الوطني المتدفق يغدو لديه فيضاً شعرياً عندما ينظم قصائده التي قُدِّر لها أن تعيد إلى الشعب الجزائري أبعاده الحقيقية في التاريخ الإسلامي، في فترة كان أطفال الجزائر يدرَّسون ويعلَّمون تاريخ "أجدادنا الغاليين". وفوق ذلك فقد كان ابن باديس مصلحاً اقترن اسمه وأثره بتاريخ هذا البلد في مرحلة سياسية كانت تعده "للثورة"، وفي هذه الكلمة من المعاني أكثر مما تعودنا أن نفهم. إنه المصلح الذي استعاد موهبة العالم المسلم كما كانت في عصر ابن تومرت بإفريقيا الشمالية. فقد كان المغرب يعيش على صورةٍ ما حياة فترة العصر الذي وضعت له حداًّ نهائيّاً دعوة مهدي الأطلس المغربي، وسيف عبد المؤمن. نحن نعلم أن عصر المرابطين شهد انزلاق الضمير الإسلامي نحو النزعة الفقهية. فجاء ابن تومرت ارتكاساً لروح الفقهاء الضيقة، ووضعت دعوته الضمير الإسلامي في شريعة القرآن وطريق السنة.

стр. 10

أما ابن باديس فقد جاء في فترة جددت فيها النزعة الصوفية (المرابطية أو الطرقية) دورة المرابطين. وهنا موضع الخطورة، ذلك أن الحلقة لم تستأنف بالفقه والرباط، بل بالتميمة والزاوية. ولم يستطع المصلح الجزائري أن يطمح إلى تأسيس إمبراطورية تحرر الضمير. لقد تغير الزمان: فالاستعمار والقابلية للاستعمار غيَّرا كل المعطيات في الجزائر كما فعلا ذلك في سائر العالم الإسلامي. كانت الظروف تقتضي الرجوع في الإصلاح إلى السلف أدراجاً: إذ لم يكن القيام بأي عملٍ في النظام السياسي أو الاجتماعي ممكناً قبل تحرير الضمائر. وكل مذهب الإصلاح الجزائري الذي تجده في ابن باديس كان لا بدَّ أن يصدر عن هذه الضرورة أو عن هذه المقتضيات الخاصة. والمبدأ الأساسي القائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الذي كان أول خطوة في الإصلاح؛ يمكن أن يعتبر- من زاوية مَّا - ترجمة لهذه الضرورة في صيغة مذهبية. ومن هنا نرى التقلبات التي كان يمكن أن يتعرض لها مبدأ كهذا المبدأ لدى وضعه موضع التطبيق، عندما يجد المرء نفسه - أو يظن - أنه مضطر إلى أن يتنازل للسياسة على حساب كمال المذهب ومتانته. ونقد الحركة الإصلاحية الجزائرية كله يمكن أن يوجه نحو هذه النقطة. ولنقل - كي نبقى ضمن موضوعنا -: إننا لم نعمد إلى الحكم على أثر ابن باديس بالمتانة العلمية التي تضع النتائج في أعقاب المقدمات، والمقدمات نفسها في مواجهة قوانين التاريخ، وعلم الاجتماع.

стр. 11

على أي حال فإن هذا الأثر نفسه غني في جميع جوانبه، غنى شخصية صاحبه، ويمكن أن يقف القارئ على هذا التنوع الغنيِّ. وهو يقرأ الدِّراسة التي يعرضها عمار الطالبي. ولقد يكفي في هذه المقدمة أن نركِّز اهتمامنا في جانب من أكثر الجوانب تمييزاً لفكر ابن باديس. أريد أن أتكلم عن الافتتاحية التي كانت ترد في مطلع كل عدد من مجلة "الشهاب" تحت عنوان "مجالس التذكير". كان الشيخ يكتب هذه الافتتاحية دائماً: وإنها لأثر العالم الداعية، المصلح الفذ. ولا يفوتني أن أذكر أنه عندما كان ابن باديس يتغيَّب عن قسنطينة لسبب ما، كانت المجلة تظهر بدون هذه الفاتحة التي تكوِّن حقا أمَّ كل عدد من أعدادها. ولقد دامت هذه الفاتحة من عدد كانون الثاني ١٩٢٩م إلى عدد أيلول من سنة ١٩٣٩م على أبواب الحرب العالمية الثانية. ولكي نستطيع الحكم على أهميته المذهبية والتعليمية يجب أن نحلل مجلساً من مجالسه. ويجب علينا ألا ننسى بأن الشيخ علاوة على دوره في توجيه الرأي الجزائري العام - كان كذلك المعلم الذي يدرِّس في معهد تكوَّن فيه كلُّ قادة تعليمنا الحر، وحتى شعراؤنا، مثل محمد العيد آل خليفة. بل إن الشيخ نفسه يقدم هذا التحليل في العناوين الفرعية التي كان ينفحها كل مجلس من مجالسه، فتحت العنوان يقدم الموضوعين الأساسيين: الآية - أو الآيات - والحديث موضوعي المجلس، تليهما بعد ذلك العناوين الفرعية الخاصة بكلا الموضوعين، وهكذا نجد

стр. 12

على سبيل المثال - في عدد حزيران ١٩٣٥م الآية: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). وهي موضوع التفسير، ويستخلص الشيخ من هذه الآية خمسة عشر عنواناً فرعيّاً كما يلي: ١ - أدب واقتداء. ٢ - بيانه لهم، حجته عليهم. ٣ - تمثيل. ٤ - أدب واقتداء. ٥ - نعمة الإظهار والبيان بالرسول والقرآن. ٦ - محمد ﷺ والقرآن نور وبيان. ٧ - استفادة. ٨ - اقتداء. ٩ - الهداية ونوعها. ١٠ - بماذا تكون الهداية. ١١ - لمن تكون الهداية. ١٢ - إلى ماذا تكون الهداية. ١٣ - الإخراج من حالة الحَيْرة إلى حالة الاطمئنان.

стр. 13

١٤ - الإسلام هو السبيل الجامع العام. ١٥ - الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله لازم دائم. وإذا طبقنا تحليلنا الخاص على هذا الموضوع رأينا أن الشيخ قد أمدَّنا من خلال تفسير هذه الآية، بصورة ما، بطيف ذاته: فالذي يتكلم إنما هو الذابُّ عن الدين، والناقد الاجتماعي، والعالم المحقق، والمصلح، والصوفي، كلٌّ بدوره. ولا يفوتني أن أذكر أن غنى هذه الذات ليس محصوراً كله في فعل واحد من أفعال هذا الفكر وهذه السيرة اللذين بعثا الحياة في فترةٍ ما من تاريخنا الوطني. وعلى القارئ ألا ينسى أن ابن باديس مثقف يعيش في مأساة مجتمع وحضارته على طريقته الخاصة. فعندما قام بطبع كتاب "العواصم من القواصم" لأبي بكر بن العربي (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ) على نفقته كانت هذه الطبعة - رغم ثغراتها (١) - تأكيداً لشخصية تعمل على الصعيد التاريخي لحضارة ما. الجزائر ١٦ ذو الحجة ١٣٨٥هـ - ٨/ ٤ /١٩٦٦م مالك بن نبي

стр. 14

مدخل إلى الحياة العقلية والنهضة الحديثة بالجزائر -١ - بوادر النهضة لا يمكن أن تدرك أبعاد النهضة الحديثة في الجزائر قبل معرفة الأصول النفسية والإجتماعية للنهضة الحديثة في المغرب الإسلامي بعامة، وفي المغرب الأوسط "الجزائر" بخاصة. لقد كانت أبرز الحركات الإصلاحية والثورية، وأكثرها حيوية وأعمقها جذوراً، وأشدها اتصالاً بالفكر الإسلامي، وبمباديء الإسلام والسلفية. تتسم الحياة الفكرية في المغرب الإسلامي بالتأثر بالأفكار التي تظهر في المشرق الإسلامي عبر التاريخ وهذا دليل على الوحدة الفكرية، والثقافية، واللغوية التي تأصلت جذورها وبقيت حيةً مدى الدهر، بالرغم من عوادي الزمن، وفجائع التاريخ، ومحاولات الفصل، والمحو، وافتعال الفروق. وما زال الفكر الإسلامي في الجزائر يتطلب الدراسة والتنقيب، ولا شك في أن البحث عنه يكشف عن كنوز يمكن الافتخار بها. وتعتبر محاولة الأمير عبد القادر (١) الفكرية من أهم المحاولات

стр. 15

الجزائرية الحديثة في ميدان النهضة، وهذا ما حمل جرجي زيدان على أن يجعله في كتابه "بناة النهضة العربية" من القادة والساسة، بل كان أول شخصية تحدث عنها في كتابه هذا (١). والواقع أن الأمير عبد القادر أول من أثار الضمير الشعبي الجزائري، وبذر بذوراً بقيت تنمو في القلوب، وتمتد جذورها في الأرض الطيبة التي يجدر بالعالم الإسلامي أن يفخر بها، ويسميها بحق "أرض الشهداء" وبجانب ما للأمير من ثورة سياسية فإنه أضاف إليها ثورة فكرية، تتمثل في تلك الأبحاث الدينية والتاريخية والفلسفية والكلامية (٢) والصوفية (٣) التي قام بها، وحاول أن يفسر قول الإمام الغزالي (٥٠٥هـ - ١١١١م) (ليس في الامكان أبدع مما كان) يقول: "إن الآثار الكونية دلت على المعاني الإلهية، والحقائق الربانية، والمعاني الإلهية دلت على وجود ذات الإله المعبود، فما في العالم حقيقة كونية كلية أو جزئية تقابلها هي مستندها وعمدتها، والحقيقة الكونية هي معينها ومظهرها، فالنسخة الكونية مقابلة للنسخة الإلهية، ولا يلزم من تقابل النسختين واستناد إحداهما إلى الأخرى المساواة في الحقيقة والنسبة، ومن علم هذا علم صحة قول حجة الإسلام الغزالي ﵁" (٤).

стр. 16

وبعد إخفاق الأمير في معاركه ضد المستعمرين وخروجه من الوطن عاد الفكر الجزائري إلى جموده، وتحجر، وتحنطت الأخلاقية الإسلامية، والجهاد، في صورة زوايا وطرق، وأصنام. ورغم بعد الأمير عن الوطن فإنه كان يقوم بنشاط في سبيل الإصلاح والنهضة بدليل انتسابه إلى الجمعية السرية السياسية التي أسسها جمال الدين الأفغاني (١٢٥٤ - ١٣١٤هـ / ١٨٣٩ - ١٨٩٧م) والتي تسمى بالعروة الوثقى (١) وهو نفس اسم الجريدة المعبرة عن آرائها. يقول رشيد رضا: (وقد كان من أعضائها الأمير عبد القادر الجزائري ومن اختار من انجاله ورجاله) (٢). كما أنه انضم إلى الجمعية الماسونية في الاسكندرية سنة ١٨٦٤م (٣)، وكان جمال الدين الأفغاني نفسه عضواً فيها ثم انسحب منها. ودعا الأمير إلى رفض التقليد واستعمال النظر فقال: (والمتبوعون من الناس على قسمين: قسم عالم مسعد لنفسه، ومسعد لغيره، وهو الذي عرف الحق بالدليل لا بالتقليد، ودعا الناس إلى معرفة الحق بالدليل لا بأن يقلدوه، وقسم مهلك لنفسه ومهلك لغيره، وهو الذي قلد آباءه وأجداده فيما يعتقدون ويستحسنون وترك النظر بعقله، ودعا الناس لتقليده، والأعمى لا يصلح أن يقود العميان، وإذا كان تقليد الرجال مذموماً غير مرضي في الاعتقادات، فتقليد الكتب أولى وأحرى بالذم وإن بهيمة تقاد أفضل من مقلد ينقاد، وأن أقوال العلماء والمتدينين متضادة متخالفة في الأكثر، واختيار

стр. 17

واحد منها واتباعه بلا دليل باطل، لأنه ترجيح بلا مرجح فيكون معارضاً بمثله) (١). لقد سيطرت الطرق الصوفية على الفكر الإسلامي، والمجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، سيطرة مذهلة، فبلغ عدد الزوايا في الجزائر ٣٤٩ زاوية وعدد المريدين أو الإخوان ٢٩٥٠٠٠ مريد. والفقهاء الذين عرفوا بمعارضتهم الصوفية أصبحوا بدورهم "طرقيين" فساد الظلام، وخيم الجمود، وكثرت البدع، واستسلم الناس للقدر، وأصبحوا إذا سئل أحدهم عن حاله أجاب: " نَأْكُلْ الْقُوتْ وَنَسْتَنَّى فِي الْمُوتْ " (٢) وهذه الظاهرة الإجتماعية أدت إلى تعطيل الفكر وشلِّ جميع الطاقات الإجتماعية الأخرى. رد الفعل: أَدَّى انتشار البدع والاعتقاد بالخرافات، وطغيان الطرقية إلى ارتكاس- رد فعل- من طرف جماعة من الفقهاء المسلمين، والعلماء السنيين السلفيين الذين آلمتهم الحال الراهنة، وأقلق ضميرهم سوء الحياة الإجتماعية، وكثرة الضلال، والانحراف إلى الجاهلية، وهؤلاء كانوا هم الرواد الأوائل لحركة الإصلاح الديني والأخلاقي، والإجتماعي في أرض الشهداء. وهذا الداعي- كما ترى- نبع من صميم المجتمع الجزائري عاملاً مناقضاً للحياة العقلية والإجتماعية المجمدة، وهناك دواعٍ سواه وعوامل أخرى اندفعت من خارج المجتمع وهي النهضة في المشرق وعودة الاتصال الفكري والثقافي بينه وبين الغرب عن طريق الصحافة والكتب والمجلات

стр. 18

والحج الذي تقع فيه مؤتمرات واجتماعات للنظر في أزمة المسلمين (١)، وعن طريق الطلبة الذين يسافرون إلى القرويين والزيتونة ومصر للدراسة ومن أهم العوامل التي أدت إلى وجود حركة أدبية وعلمية إنشاء السيد قدور بن مراد التركي الرودوسي المكتبة الثعالبية سنة ١٣١٤هـ - ١٨٩٦م ثم مطبعته التي طبعت كثيراً من الكتب التاريخية والدينية (٢). من العلماء الذين حاربوا البدع، وحاولوا تحريك المجتمع، وبذروا الحركة الإصلاحية: الشيخ صالح بن مهنا (٣) فإن مناجاته للضمير كادت توقظ أهل قسنطينة كلها حوالي سنة ١٨٩٨م فعملت الحكومة الفرنسية على إبعاده، وصادرت مكتبته التي لا تقدر بثمن (٤) وله مؤلفات كثيرة. والأستاذ الشيخ عبد القادر المجاوي (٥) الذي ألف كثيراً من

стр. 19

صورة الشيخ عبد القادر المجاوي هي التي يشير إليها السهم. ــ الكتب المدرسية والتربوية مما يدل على أنه ذو اهتمام بالغ بالتربية وعلى أن الإصلاح في نظره إنما يتم عن طريقها. ألف: "إرشاد المتعلمين" (١) و "المرصاد في مسائل الاقتصاد" (٢) وشرح منظومة في إنكار الفساد الاجتماعي (٣) وقدم لشرحه بمقدمة ذات أهمية في بيان ضرر البدع، وضرورة النهضة العلمية وقرر أن السبب الرئيسي في النهضة إنما هو العلم وتشتمل المقدمة على مبحث في الحكمة والعلم،

стр. 20

ومبحث في التربية يقول فيه "وما كثر الفساد في أمة إلا بعدم تربية الأولاد فإننا نرى الأولاد مهملين يتعلمون الفساد ... وإننا نرى الأمم الحية إنما حصل لها الرقي بتربية أولادهم وتعليمهم العلوم النافعة، والمعرفة المفيدة، فيجب التبصر لمثل هذا، وفي الغالب أن إهمال الأولاد من الأمهات الجاهلات أو المتعلمات تعلماً ناقصاً" (١) وتحدث الشيخ عن تعليم المرأة وضرورته (٢) لأنه أساس التربية، ووضع أصلاً في هذا الشأن يعتبر من الأصول العلمية في مناهج التربية والتعليم وهو مبدأ دراسة الأخلاق وعلم النفس: (لا بد من دراسة علم الأخلاق وعلم النفس) (٣) وتعرض لنقد طرق التعليم في ذلك العهد فقال: (التعليم القديم غير نافع في زماننا لنقصانه إذ تعليم القرآن وحده على الكيفية المألوفة عندنا بهذه الأقطار لا يفيد المتعلم ولا أباه، فلا بد من معرفة العلوم النافعة في الدين والدنيا، أما إذا اقتصرنا على أحد العلمين ضاع ما يفتقر لذلك العلم المجهول، ولكن أهل زماننا تركوا العلمين معاً ولا حول ولا قوة إلا بالله نعم إنه يوجد بعض العلماء ولكن صاروا لقلتهم كالعدم) (٤). ولنترك للقارىء أن يستنتج الحياة الثقافية في ذلك العهد من هذا النص. ولم يغفل المصلح عن جانب مهم من الحياة الإجتماعية وهو خطبة الجمعة فدعا لإصلاحها (٥) وأشار إلى الحضارة الإسلامية وتاريخها واستشهد بأقوال الأجانب (٦) مما يدل على اطلاعه على دراساتهم.

стр. 21

ومن أهم رسائله رسالة في علم الكلام (القواعد الكلامية) (١) فيها مقدمة وعشرة فصول وخاتمة جعلها على حد قوله: نموذجاً كفيلاً (باستفادة القارىء السبيل الذي تتلقى به أصول الدين على الوجه الملائم لروح الوقت، والمساعد لملكات تلامذة هذا الزمن) (٢) وهو يرجو بعمله هذا أن ينخرط في "صف السلف" وهذا يبين لنا نزعته السلفية الصافية، وإدراكه روح عصره، ومحاولته تغيير مناهج التأليف تبعاً لمقتضيات نفسية الطلاب من جهة، ولمقتضيات التطور من جهة أخرى، ومن أهم آرائه في نشأة علم الكلام أنه علم قرآني، لأن القرآن ذكر العقائد الأساسية مع أدلتها كالأدلة على وجود الصانع، من خلق السموات والأرض والنفوس وغيرها كما أشار القرآن إلى مذاهب المبطلين، والطبائعيين وإلى الأجوبة عن شبه المبطلين وأول من ألف فيه الإمام مالك ثم توسع فيه أبو الحسن الأشعري، وأبو منصور الماتريدي (٣) ويرى أن العقل والدين متفقان (٤) وفي كلامه عن تاريخ علم الكلام (٥) ما يشير إلى أنه تأثر بابن خلدون في مقدمته وتعرض لنظرية المعرفة (٦) ويرى بطلان القول بالحلول والاتحاد (٧) اللذين يقول بهما بعض المتصوفين ومما يبين أن له اطلاعاً على كتب الفلاسفة والمتصوفة أنه يستشهد بأقوالهم، استشهد بقول الفارابي في "فصوص

стр. 22

الحكم": "الذات الأحدية لا سبيل إلى إدراكها" (١) كما أنه استشهد بابن تيمية (٣) وهذا له أهمية من حيث النزعة السلفية التي يمثلها محمد بن عبد الوهاب النجدي أول الثائرين المصلحين في العصر الحديث كما يذكر محيي الدين بن العربي (٣) ويسميه إمام الصوفية. وقد بين لنا آراء الفلاسفة المختلفة في نظرية المعرفة (٤) وتحدث عن مناهج المتكلمين والفلاسفة (٥) وعن الحرية أو خلق الأفعال (٦) وعن الكسب (٧) وما إلى ذلك من المشكلات الميتافيزيقية والكلامية. وإلى جانب أفكاره النظرية قام عملياً بتطبيق ما يراه من مناهج الإصلاح وطرق التربية فابتدأ التدريس بقسنطينة منذ أن حَلَّ بها سنة ١٢٨٦هـ (١٨٦٩م) (٨) مدرساً حراً ثم عين مدرساً بجامع سيدي الكتاني بقسنطينة سنة ١٢٩٠هـ (١٨٧٣م) (٩) وبعد ذلك تولى التدريس بالمدرسة الكتانية سنة ١٢٩٥هـ (١٨٧٧م) ثم نقلته الحكومة

стр. 23

الفرنسية إلى عاصمة الجزائر في سنة ١٨٩٨م فدرس في المدرسة الثعالبية (١) التي تم بناؤها سنة ١٩٠٣ وابتدأت فيها الدراسة سنة ١٩٠٥ وقد أعجب الناس بطريقته في التدريس وأشربوا حبه لصدق لهجته، وصفاء سريرته، ولوقع تعاليمه في القلوب التي يخاطبها ويربيها واستطاع بذلك أن ينفذ إلى أرواح الطلبة وأن يؤثر فيهم. توفي بمدينة قسنطينة (٢) في شهر ذي القعدة سنة ١٣٣٢هـ (١٩١٣م) ولقد ترك الشيخ عبد القادر المجاوي من يواصل الرسالة الإصلاحية من بعده ممن أخذ عنه وتتلمذ عليه أمثال الشيخ حمدان لونيسي نزيل المدينة المنورة ودفينها وهو أستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس المصلح الكبير، والشيخ أحمد لحبيباتي، والشيخ المولود بن الموهوب مفتي قسنطينة المالكي. ومن غريب المصادفات أنه في السنة نفسها التي توفي فيها عبد القادر المجاوي ابتدأ عبد الحميد بن باديس حركته التعليمية بمدينة قسنطينة، فاتصلت حلقات الإصلاح متطورةً إلى مرحلة القوة والنضج. كان عبد القادر المجاوي مصلحاً تقليدياً سلفياً، لم يأت بجديد سوى مقاومة البدع، وإشعار المجتمع بساعة الخطر، وقد لاقى في

стр. 24

سبيل ذلك إهانات من بعض الناس كما لقي مقاومات وصعاباًمن السلطة الاستعمارية التي طفقت تنقله من مكان إلى آخر، حتى قيل أنه مات مسموما (١). وإلى القارىء الكريم صورة من خطه يرد فيها على من أهانه وهو في غاية الغيظ والألم (٢). ويكفي أنه بث روح الإصلاح، وبذر بذرة النقد الاجتماعي. ومما اشتهر به: الدقة العلمية في الإسناد، والشغف بالعربية وبأصولها، وقوانينها النحوية، يدل هذا على ما قاله فيه الأستاذ المجاهد سليمان الباروني باشا (١٣٥٩هـ - ١٩٤٠م) حين التقيا في قسنطينة: سيبويه العصر من هذبه ... أدب العلم فأروى من وَرَدْ ذاك عبد القادر الطود الذي ... لا يقول القول إلا بسند (٣) وتدلنا الوثيقة التي عثرنا عليها أنه كان يبغض إليهود، ويقاوم العنصر الصهيوني وقد شعر بخطره على المسلمين. ومن الدوافع التي أدت إلى الإصلاح كذلك وساعدت عليه- إلى جانب المجلات والجرائد والكتب التي كانت تصل إلى الجزائر- زيارة الأستاذ محمد عبده (١٩٠٥) إلى تونس والجزائر سنة ١٣٢١هـ (١٩٠٣) في الصيف وقد مهد لتأثير هذه الزيارة، مجلة المنار، ومن

стр. 25

قبلها العروة الوثقى، فكان الطلبة والشيوخ يطالعون هذه الصحف ويتداولونها. ففي الجنوب الجزائري عرف الشيخ إبراهيم مكي بقيمة كتب ابن تيمية، وكانت أعداد العروة الوثقى تصل الشيخ علي بن ... صورة من خط الشيخ عبد القادر المجاوي ...

стр. 26

ناجي الزاهري، والسيد علي بن العابد السنوسي الزاهري يتداولها الطلبة- في عهد صدورها بباريس من منطقة بسكرة على الزاب الغربي (طولقة) إلى الزاب الشرقي (الخنقة واليانة). والشيخ المولود الزريبي (١). العالم الأزهري كان من رواد الإصلاح في منطقة أوراس وقد التجأ إلى حيلة طريفة، حين دوَّن آراءه الإصلاحية في شرحه على عقائد "المرشد المعين" المشهور عند العامة والخاصة ولما له من تأثير ودراسة الناس له لتتسرب أفكاره إليهم عن طريقه وكان له زميل أزهري جزائري هو الشيخ عسول العبيدي يعارضه في فكرته الإصلاحية مما أدى إلى وقوع مناظرات بينهما أمام الشيخ علي بن فاجي وجماعة من طلبة "اليانة" وكان موضوعها "محدثات الأمور في الدين" ولما جاء الشيخ الطيب العقبي إلى الجزائر وقعت بينه وبين المولود الزريبي خصومات وشرح وجهة نظره في الجريدة التي كان يحررها "جريدة الصديق" بينما لم يجد العقبي مجالاً ينازل فيه خصمه (٢). إن زيارة الأستاذ الإمام محمد عبده أكدت الاتصال الفكري السابق لها وزادته رسوخاً وسيأتي الكلام عليها بالتفصيل.

стр. 27

ولا يمكن بهذا الصدد ان ننسى الحركة الصوفية الإصلاحية الثورية وهي حركة محمد بن علي السنوسي (١٨٤٣) التي اعتقد صاحبها أن الدعوة الأخلاقية والتجديد الروحي هما الأساس للتحرر من السلطة الأجنبية (١) فلقد تركت أثراً بعيد المدى في المغرب الإسلامي، وهي حركة متصلة بالثورة الوهابية (٣) وبتعاليمها رغم أن مؤسسها صوفي، ولكنه ليس كالصوفية الآخرين الذين وجدوا في عصره. ومن الشيوخ الذين كوَّنوا هذه المدرسة الرائدة في الإصلاح الأستاذ عبد الحليم بن سماية (٣) حفظ القرآن ومختلف المتون معتمداً على نفسه وبمساعدة والده وتتلمذ على شيوخ كبار أمثال الشيخ بن عيسى الجزائري، والمكي بن عزوز وأبي القاسم الحفناوي والسعيد بن زكري، وعلم في المدرسة الكائنة بشارع السفراء، بباب الوادي في سنة ١٨٩٦م مع الشيخ عبد القادر المجاوي وهي مدرسة خاصة بتعليم اللغة العربية (٤). كما أنه علَّم جيلاً من الطلاب في المدرسة الثعالبية حفظوا العربية

стр. 28

- صورة - الشيخ عبد الحليم بن سماية المتوفى سنة ١٣٥١هـ ــ في العاصمة الجزائرية فترة من الزمن وتمسكوا بعقائد الإسلام، وكان متصلاً بالحركة السلفية الإصلاحية في العالم الإسلامي، مراقباً الأحداث في الصحف العربية والفرنسية، كان يعتمد الكتب الأصيلة في الدين والعربية في تدريسه، يقريء رسالة التوحيد لمحمد عبده، وهو أول من درس كتابي أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز (١) لعبد القاهر الجرجاني،

стр. 29

وهذان الكتابان اهتم بهما محمد عبده، لأنهما يمثلان الدراسات الأدبية النقدية التي من شأنها تربية الملكات، وتكوين الأذواق لطلاب الفصحى، في الأزهر وغيره. ولا شك أن الشيخ عبد الحليم الذي درس الموسيقى، وتعلم الضرب على العود، ووعت ذاكرته حظاً وافراً من التوشيحات الجزائرية، لا يفوته أن يختار لطلابه كتب الأدب الرفيع، وأصول النقد العربي وأن يبعد عنهم البلاغة المنطقية الباردة، التي يمثلها السكاكي ..... - صورة - يرى الشيخ عبد الحليم بن سماية مع الشيخ محمد عبده حين زيارته للجزائر وما ذكره أحمد أمين في كتابه "زعماء الإصلاح" من أن هذه الصورة مأخوذة من تونس غير صحيح .....

стр. 30

وأضرابه، ممن أفسدوا البلاغة العربية والأساليب الأدبية فذهب ماؤها، وفقدت جمالها وروعتها. كان يدرِّس في القسم الرابع من المدرسة الثعالبية ألفية ابن مالك بشرح ابن عقيل أو شرح الأشموني، والعقد الفريد أو نهج البلاغة وديوان الحماسة، وفي القسم الخامس المفصل للزمخشري، وشيئاً من السلّم في المنطق، وأحيانا يدرس التلخيص وقد يستعيض عنه بدلائل الإعجاز أو أسرار البلاغة، كما يستعيض عن "السلّم" بكتاب التهذيب أو البصائر النصيرية، وهما كتابان درَّسهما محمد عبده في الأزهر وعلّق على الثاني منهما ولما أسند إليه تدريس التفسير والتوحيد، كان يدرس كتاب "الإقتصاد في الاعتقاد" للإمام الغزالي و "رسالة التوحيد" لمحمد عبده وكان طلاب الفلسفة أو طلاب المدرسة الثعالبية الذين يحضرون دروسا في الفلسفة بكلية الآداب في جامعة الجزائر، يعرضون عليه بعض الشُبَه بوحي من بعض مدرِّسي الفلسفة، فكان يرد عليها ويدحضها، وهذا ما أدى به إلى تأليف رسالة مهمة في التوحيد والردّ على شبه المبطلين والملحدين (١) - وتوفي الشيخ عبد الحليم في ٧ رمضان (١٣٥١هـ ٤ جانفي ١٩٣٣م) (٢) وكان قد مرض مرضاً عقلياً لشدة

стр. 31

ويلات الاستعمار واضطهاده إياه، كما كانت له نوادر يتناقلها الناس إلى اليوم. والواقع أنه ألف بعض الكتب منها كتاب "فلسفة الإسلام" وقد قرأ الفصل الأول منه في مؤتمر المستشرقين الدولي الرابع عشر الذي انعقد في الجزائر ١٩٠٥ وحضره عبد العزيز جاويش ومحمد بن أبي شنب والمستشرق الألماني كارل فولرس (١) وله عدة مقالات كتبها في الصحافة العربية الجزائرية خصوصاً جريدة كوكب إفريقيا للشيخ محمود كحول (١٩٣٦). ولما زار ملك المغرب عبد العزيز الجزائر سنة ١٣١٩هـ استدعى الشيخ عبد الحليم بن سماية للغذاء مع الوفد وهو حين ذلك مدرس بالجامع الجديد، وأستاذ بالمدرسة الثعالبية فاعتذر وكتب أبياتاً من الشعر بعث بها للسلطان منها: أمولاي شمس الفضل والعلم والنهى ... واجدر من يجري اللبيب ثناءه سلام عليكم عاطر متضرع ... كمسك ذكا بل لايكون بواءه وأفضل تكريم وأزكى تحية ... يقيمان للقدر العظيم وفاءه ويرأب كل منهما نأي عبدكم ... بغيبته عما إليه دعاءه علمت بأن المشي عن جفني واجب ... إليكم ولكن لي اعتذار وراءه (٢) وأغلب الظن أنه لم يرد أن ينضم للسلطة الفرنسية التي كانت تمثل الجزائر وأن يحضر معهم في موقف رسمي.

стр. 32

كما نظَّم قصيدة بمناسبة زيارة محمد عبده للجزائر (١٣٢١هـ) ١٩٠٣م منها: وتلوي إلى تلك المجالس (١) فكرتي ... فتترك قلبي بالخيال ممتعا محافل كان العلم فيها مجالسي ... أسامر بدراً بالجلال تقنعا فأسمع فصلا من حكيم وحكمة ... إذا ما بدت خرت ذرى الزور ركَّعا ... لسان متى يوماً تألق برقه ... يسبِّح رعد السامعين لما دعا ... أتى بكتاب في الكلام (٢) بيانه ... يغادر من صم الجنادل خشَّعا براهينه في النفس والكون والحجى ... وليست لرسطاليس أو من تصنَّعا يقودك للبرهان غير مقيد ... يريك حدود العقل مهما تطلعا (٣) ومجلة المنار (٤) تعتبر عند ابن سماية ومحمد بن مصطفى بن الخوجة

стр. 33

" مَدَد الحياة " وكان بينه وبين الشيخ محمد عبده مراسلات يقول رشيد رضا (١): (ومن خيار العلماء الشيخ محمد بن الخوجة صاحب المصنفات والشيخ عبد الحليم بن سماية وقد عهد هؤلاء الفضلاء إلى الشيخ محمد عبده أن يوصي صاحب المنار بأن لا يذكر في مجلته دولة فرنسا بما يسوؤها لئلا تمنع المنار من الجزائر وقالوا له: ((إننا نعده مَدَد الحياة لنا فإذا انقطع انقطعت الحياة عنا)) (٢). وأما محمد بن مصطفى بن الخوجة (٣) فهو أكثر الأساتذة حرصاً على مطالعة كل ما يرد من المشرق من الكتب والجرائد والمجلات (٤) وخاصة كتب محمد عبده ورسائله أخذ عليه محمد عبده لبَّه واستولى مذهبه في الإصلاح على نفسه، يطالع العروة الوثقى والمنار وغيرهما، كما يقرأ للشيخ رشيد رضا مقالاته في المجالس ويشرحها. ولما وصله تفسير سورة (والعصر) درسه عشر مرات وشرحه لمن يتتبعون حركات الإصلاح في الجزائر من العلماء والطلبة والأعيان فاستحسنها هؤلاء وأثنوا عليها وكتب بهذا إلى الشيخ محمد عبده يخبره به (٥)، ولما عزل

стр. 34

من عمله لصلته بمحمد عبده وبمحمد فريد أخذ يلقي الدروس في جامع حي بلكور، قال المرحوم عمر راسم: "الشيخ محمد بن مصطفى شاعر الجزائر في وقته وأفصح علمائها وأعلمهم بتراجم علماء الجزائر كثير الاطلاع وَلُوعٌ بالكتب العصرية شَغُوفٌ بمحبة الشيخ عبده وهو الذي أدخل مذهبه إلى الجزائر وعرف الناس به وبجمال الدين الأفغاني وأصحابهما يعرف الشرق كأنه عاشره مائة سنة، حُلْوُ الكلام، كان إذا خطب يستدل بالآيات والأحاديث كأن القرآن وكتب الآثار مرآة أمام عينيه" (١) إنه شاعر وكاتب وصاحب تجديد ولقد خسر الأدب الجزائري أثراً فنياً رائعاً من آثاره، وهو ديوانه الذي فقد مع مقدمة له، كما أن له رسالة في تراجم علماء جزائريين (٢). اهتم بالحياة الإجتماعية والأخلاقية وبوضع المرأة المسلمة الجزائرية فكتب كتاب "الإكتراث في حقوق الإناث" (٣) وكتاب "اللباب في أحكام الزينة واللباس والاحتجاب" (٤) وكتاب "إقامة البراهين العظام على نفي التعصب الديني في الإسلام" (٥)، كما حقق ونشر تفسير عبد الرحمن الثعالبي من أهل القرن التاسع المسمى بالجواهر الحسان مقابلاً له على سبع نسخ (٦) وله رسائل أخرى مفيدة في مختلف الموضوعات الإجتماعية والصحية. وأهم ما يسترعي الإنتباه أنه عمل على نشر

стр. 35

مخطوط نادر يدعو فيه صاحبه إلى الاجتهاد وهو كتاب: "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" للشيخ السيوطي. وهذا ينم عن نزعته الاجتهادية ومعارضته التقليد الأعمى. ومما يؤكد هذا الاتجاه لديه أنه كتب لكتاب "مجموع مشتمل على قوانين مفيدة وتنظيمات سديدة " (١) مقدمة في الشريعة وملاءمتها لكل زمان ومكان ومن جملة الآراء التي يؤيدها ما أورده من قوله: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأيام" (٢) ويدعو في هذه المقدمة المهمة إلى الاستفادة من تجارب الآخرين ولو لم يكونوا مسلمين (٣). ويضرب لذلك أمثلة تاريخية مستمدة من تفاعل الحضارات فذكر الغزالي الذي أخذ المنطق اليوناني وأدخله في تيار الفكر الإسلامي (٤) ونصح في هذه المقدمة بالرجوع إلى كتاب "أقوم المسالك" لخير الدين التونسي المتوفى في سنة ١٣٠٧هـ وكتاب "السياسة الشرعية" لجمال الدين قاضي مصر، وكتاب "نهاية الايجاز" للشيخ رفاعة، وكتاب "علم الدين" للشيخ علي باشا مبارك. ولما اطلع ملك المغرب عبد العزيز حين جاء على رأس الوفد المرافق له- في زيارةٍ للجزائر (٥) - على كتب محمد بن مصطفى بن الخوجة

стр. 36

أهدى إليه ساعة ذهبية فكتب رسالة: "عقود الجواهر في حلول الوفد المغربي بالجزائر" (١). وحين قضى الإمام محمد عبده رثاه ابن الخوجة بقصيدة رائعة تعتبر نموذجاً جيداً لشعره جاء فيها: مصاب جسيم عمَّ كلَّ العشائر ... وأسلمنا قهراً لحكم المقادر رمينا بخطب لا يقاس بغيره ... فجئنا برزء ما له من مناظر وأكبادنا ذابت أسى وكآبة ... وأعيننا مثل العيون الهوامر على موت مفتي المسلمين وفخرهم ... ومن كان للإسلام نور البصائر بكت مصر والدنيا جميعاً لفقده ... وأبناؤها من كل بادٍ وحاضر وأبدى جميع الناس حزناً وحسرة ... وأجروا دموعاً كالغيوث المواطر ... مميزات تآليفه: تآليفه تنسيك ما حيك قبلها ... وتغنيك عن جلِّ الطروس الكبائر أفادت من التحقيق كل يتيمة ... تقاصر عنها كابر إثر كابر وحلت بتدقيق عويصاً ومشكلاً ... بحيث غدا كالبدر يبدو لناظر عليك بها إن رمت تجني هدايةً ... وتصبح أستاذ العلوم الغزائر

стр. 37

كتابته: وانشاؤه قد زاد حسنا وبهجة ... على الدر بل زهر الدراري السوافر إذا خط أعيا الكاتبين وكم أتى ... بسحر بيان في معان زواهر "فعروته الوثقى" تريك بلاغة ... يدين لها قس وعبد لقاهر آهاته عليه: فواها على شمس المعارف والتقى ... وواها على التذكير فوق المنابر وواها على التدريس في كل مذهب ... وواها على الأقلام بعد المحابر وواها على التوحيد والفقه واللغى ... وواها على التفسير أصل العناصر وواها وواها ألف ألفٍ ولن أفي ... ولو أنني نمَّقت كل الدفاتر وأنى لنا الصبر الجميل وقد هوى ... منار الهدى واندك طود المفاخر ورضى الأماني والمكارم قد زوى ... وقد كان للعافين إحدى الذخائر وغيض عباب العلم والجود في الثرى ... كذا فليكن غيض البحور الزواخر أعماله: فمن لكتاب الله يكشف سره ... ويشرحه وفق الفنون الحواضر فقدنا إماماً كان حجة عصره ... وقدوة أرباب النهى والمظاهر حكيما سما فوق السماك بهمة ... هماماً جليل القدر حر الضمائر فيأمر بالمشروع في كل محفل ... وينهى عن المحظور طبق الأوامر ويصدع بالقول الصحيحِ نصيحة ... ولا يرهبنَّ في الحق أقسى الجبابر وكم ذب عن دين النبي محمد، ... ودافع عنه بالردود البواتر فضائله سارت إلى كل وجهة ... وأخلاقه مثل الرياض النواظر وما دأبه إلا اتخاذ صنيعة ... وكسب معال وابتناء مآثر وانفاق مال في سبيل مبرة ... واسداء معروف لبرِّ وفاجر وإرشاد ضلِّيل وإصلاح فاسد ... وابداء مستورٍ وإحياء داثر وتقويم منآد وتوضيح منهجٍ ... موارده مأمونة كالمصادر

стр. 38

مناقب لم يبلغ مداهن ناثر ... فصيح ولم يستوفها نظم شاعر عليه سلام الله ما عبرة همت، ... وما فاه بالتأبين عبد جزائري (١) ..... الخ. إن هذه المرثية تعبر عن معرفة صاحبها بمحمد عبده وخبرته به خبرة مَن لازَمه، ودرس آثاره وكتبه، وتتبع نشاطه، تتبع المعجب بمن أعجب في خصائص فن الكتابة، ومعالجة القضايا العقلية والشرعية وحل المشكلات وطريقة التدريس والتفسيير وفقاً للحياة العلمية والثقافية المعاصرة: فمن لكتاب الله يكشف سره ... ويشرحه وفق الفنون الحواضر كما أن هذه القصيدة تدل على أن الشاعر درس العروة الوثقى: فعروته الوثقى تريك بلاغة ... يدين لها قس وعبد لقاهر وعلى أنه اطلع على رسالة التوحيد وعلى ما كتبه محمد عبده في اللغة والفقه والتفسير: وواهاً على التوحيد والفقه واللغى ... وواهاً على التفسير أصل العناصر وقرأ أيضاً رده على هانوتو وزير الخارجية الفرنسية الذي طعن في الإسلام: وكم ذب عن دين النبي محمد ... ودافع عنه بالردود البواتر. والحقيقة أن هذه القصيدة أكبر برهان على أن محمد عبده له مدرسة في الجزائر وعلى رأسها محمد بن مصطفى بن الخوجة وهذا عنصر من أهم العناصر في النهضة الإسلامية الحديثة في الجزائر.

стр. 39

ومن أعضاء هذه المدرسة الشيخ محمد بن القائد علي الذي كان إماماً بالجامع الجديد وقصيدته التي بكى بها محمد عبده تشير إلى أنه اطلع على تفسيره وعلى كتابه في التوحيد وعبر فيها أيضاً عن تأثير زيارة الشيخ محمد عبده للجزائر في نفسه وإخوانه الذين كانوا معه. يقول: غاض بحر العلوم أين العزاء ... وعيون الأنام سحب دماء فبكى المسلمون حزناً عليه ... وبكى الدين والتقى والحياء ... عبده الفيلسوف أحيا قلوباً ... ميتات أماتها العلماء حجة الله والرسول بعصر ... جاء يهدي أقوامه فأساؤوا فسَّر الذكر الحكيم بفهم ... عجزت عن أدائه البلغاء وكتاب التوحيد فهو لدينا ... مغنطيس القلوب بل كهرباء ... ومنها: عبده كنت بالجميل تربي ... صبية العلم والعلوم غذاء عبده كانت المحافل تزهو ... والنوادي وأنت فيها سماء عبده أين من يروم صلاحاً ... لأناس غووا وعزَّ الدواء قال مشيراً إلى زيارة محمد عبده للجزائر: قد سعدنا بزورة منه جاءت ... بسعود يفر منها الشقاء كم سهرنا ومنه نلنا علوماً ... ما سمعنا بها ولا الآباء (١) فمحمد عبده عنده فيلسوف، محي القلوب الميتة، وحجة العصر،

стр. 40

ومفسر القرآن بما يعجز عنه البلغاء، ومربي الشبان، وزينة المحافل، وسماء النوادي، وكتابه التوحيد مغنطيس القلوب وكهرباؤها وأنه سهر معه الليالي ونال منه علوماً ما كان يسمع بها وهذا أكبر برهان على مدى تأثير محمد عبده في الحياة العلمية والعقلية بالجزائر والغريب أن إمام مسجد يعبر عن محمد عبده بأنه فيلسوف كما وصفه محمد بن مصطفى ابن الخوجة بالحكيم. وهذا الوصف كان يعتبر- عند الفقهاء مرادفاً للالحاد والكفر. والظاهرة التي تلفت النظر أن الشاعر الجزائري ينسب موت القلوب للعلماء باعتبارهم مسؤولين عن خمودها وموتها وبذلك أشار إلى محور مذهب محمد عبده في الإصلاح وهو "النفس". ورثاه أحد الجزائريين نثراً ولكنه لم يصرح باسمه وإنما رمز له بـ (ع. ز) وصفه بأنه فيلسوف الإسلام ومما جاء فيها: "وها نحن حامدون الله حمداً لا غاية لحدِّه، ولا حصر لعدِّه على أن منَّ الله علينا برؤية حضرته الغراء وطلعته الزهراء في السنة الماضية في أيام الراحة في فصل الصيف ومكث عندنا عشرة أيام وحاضرناه وشافهناه وظللنا معه في تلك الأيام كل يوم، وسامرناه ومسارح الأشباح نابغة بالفرح والسرور، ومخاوف القلوب يانعة بالابتهاج والحبور، ونلنا منه في تلك الأيام القلائل ما شاء الله أن ننال، وخاطبنا بخطاب أشهى من طعم الضَرَب بأفصح كلام العرب، ترى الدر يقطر من عذوبة لسانه فيبريء الإنسان من أحزانه، وكشف لنا عن دقائق المسائل والناس من حوله بين مصغ وسائل" (١) وتعرض لأثر موت محمد عبده في الجزائر فوصفه قائلاً: "حتى كاد يقع لبعض الجزائريين ما وقع لسيدنا عمر بن الخطاب في موت خير الأنام حيث قال للناس: " مَن قال منكم مات محمد أضرب عنقه" (٢).
следующие страницы →