← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تقود المجتمع إلى الحضارة، وعمله التربوي يهدف إلى إعداد هؤلاء الرجال يقول: "فإننا نربي- والحمد لله- تلامذتنا على القرآن، ونوجِّه نفوسهم إلى القرآن من أول يوم وفي كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق أن يكوِّن القرآن منهم رجالاً كرجال سلفهم، وعلى هؤالاء الرجال القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها" (١). وغرض التربية الوطنية عنده، هو المحافظة على الشخصية الإسلامية العربية بكل مقوماتها بل إثراؤها وتجديدها، ولذا فإننا نجد في القانون الأساسي لجمعية التربية والتعليم الإسلامية التي أسسها سنة ١٣٤٩هـ ١٩٣٠م: إن غرضها من الوجهة التربوية هو تربية أبناء المسلمين وبناتهم تربية إسلامية بالمحافظة على دينهم، ولغتهم، وشخصيتهم، ومن الوجهة التعليمية تثقيف أفكارهم بالعلم، وتعليمهم الصنائع، ومن الوجهة المالية تعويد للأمة على التبرع المنظم، وتوسيع نطاق الجمعية بجعل قيمة الإشتراك فرنكين (٢) وهذا مستمد من الحياة الإجتماعية لأنه رأى أن الشخصية الإسلامية مهددة بخطر الذوبان والإنحلال، وبخطر الإنكار والجحود، وعندما اجتمع بجماعة الشباب المتعلمين تعليماً أوروبياً نصحهم بما يلي: "عليكم أن تلتفتوا إلى أمتكم فتنتشلوها ممَّا هي فيه، بما عندكم من علم، وبما اكتسبتم من خبرة، محافظين لها على مقوِّماتها سائرين بها في موكب المدنية " (٣). الوسائل- نقده للمناهج التربوية لعهده: تعرض لنقد طرق التدريس في جامع الزيتونة وبين أنها ليست وسيلة

стр. 107

تؤدي إلى تحقيق الغرض من التربية كما يتصوره، بل إنما تكوِّن ثقافة لفظية، يهتم أصحابها بالمناقشات اللفظية العقيمة طوال سني الدراسة، ويذكر أن الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلاً، وإنما يغرق في خصومات لفظية بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه في القواعد التي كان يظن الطالب أنه فرغ منها، ويتخرج الطالب دون أن يعرف من حقيقة التفسير شيئاً، وذلك بدعوى أنهم يطبقون القواعد على الآيات، كأنما التفسير يدرس من أجل تطبيق القواعد لا من أجل فهم الشرائع والأحكام. وهذا يعتبره ابن باديس هجراً للقرآن مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم يخدمون القرآن" (١). وهذا كما ترون أيها السادة: يتعارض مع الهدف التربوي الإصلاحي الذي هو إرجاع ضمير الإنسان المسلم إلى الحقيقة القرآنية، كأنه أنزل على قلبه، واتصاله به من جديد اتصالاً حياً دافعاً للعمل. ومن وجوه النقد التي يوجهها إلى طرق التدريس في المغرب الإسلامي الإقتصار على دراسة الفروع الفقهية دون الرجوع إلى الأصول، ودون الإعتماد على الإستدلال والتعليل والقياس، بل إنه يعتبر هذا بُعداً عن القرآن وهجراً آخر له يقول: "واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، وراء أسوار من الألفاط المختصرة، تفنى الأعمار قبل الوصول إليها" (٢) وهذا هو نفس النقد الذي وجهه ابن تومرت للفقهاء في عهد المرابطين، وأبو بكر ابن العربي، ومن قبلهما ابن عبد البر الذي نقد طرائق التعليم في الأندلس، والمغرب على هذا النحو نفسه، الذي سار

стр. 108

فيه ابن باديس، مما يجعلنا نعتقد أنه متأثر بهم، وخصوصاً أبا بكر بن العربي الذي اهتم به وبكتابه "العواصم من القواصم" الذي حققه وطبعه سنة ١٣٤٧هـ ١٩٢٨ وكذلك ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" والدليل على ذلك أنه استشهد بكلامهما في هذا المجال النقدي وذكر أن هذا الإعراض عن ربط الفروع بأصولها، ومعرفة مآخذها، هو داء قديم في هذا المغرب من أقصاه إلى أدناه بل كان داء عضالاً فيما هو أرقى من المغارب الثلاث وهو الأندلس (١). وذلك لأن ابن عبد البر (٤٩٣) يتعرض في كتابه المذكور للتعليم، ويذكر أن الغرض من المناظرات التي تقع بين جماعة السلف إنما هو فهم وجه الصواب والحقيقة، فيصار إليها، ومعرفة أصل القول وعليته فتقاس عليه نظائره وأمثلته، وعلى هذا الناس في كل بلد إلا عندنا وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب فإنهم لا يقيمون علة ولا يعرفون للقول وجهاً، وحسب أحدهم أن يقول: فيها رواية لفلان ورواية لفلان. ومن خالف الرواية التي لا يقف على معناها وأصلها وصحة وجهها، فكأنه خالف نص الكتاب وثابت السنة، وقد نصح الطالب بالرجوع إلى الأصول والعناية بها، والإعتماد على النظر والبحث والإجتهاد والإطلاع على مختلف المذاهب والآراء والإستعانة بها (٢). وأما أبو بكر بن العربي فقد وجه بدوره نقداً لاذعاً لحركة التعليم، ومناهج العلم، ورمى الأندلسيين بالتقليد، وبين الأسباب السياسية والإجتماعية التي جعلتهم ينحدرون إلى الفروع دون ربطها بأصولها، مما أدّى بهم إلى الجمود، والتقليد، وهذا ما جعل ابن باديس يقرر

стр. 109

أن اقتلاع هذه العادة عسير، وأن الرجوع إلى التفقه في الكتاب والسنة وربط الفروع بالمآخذ والأدلة أعسر (١). المنهج الذي يراه صالحاً: بعد أن استعرض ابن باديس بإيجاز تاريخ التربية الإسلامية، فضل الرجوع إلى الطريقة النبوية، وطريقة السلف من الصحابة والتابعين، ويرى أن مبنى التعلم، والتعليم في القرون الأولى على التفقه في القرآن والسنة، ويضرب لنا مثلاً بطريقة الإمام مالك الذي اعتمد في بيان الدين على الآيات القرآنية وما صح عنده من أقوال النبي وأفعاله، وما كان من عمل الصحابة، ولكي يتسق مع نظرته الواسعة، وأُفُقه البعيد، ضرب لنا مثلاً آخر بالإمام الشافعي، وطريقته في كتاب الأم (٢) ويعتقد أنه من المحال ضبط الفروع دون معرفة أصولها، والقوانين العامة التي تنضوي تحتها، وهكذا فإنه يتفق مع ابن عبد البر، وأبي بكر بن العربي، وابن تومرت، في المنهج التربوي الصحيح. وابن باديس من ناحية أخرى يبني منهجه على أساس علم النفس ومعلوم أن التربية تطبيق لنظريات علم النفس، كما أن الزراعة تطبيق لعلم النبات، ويبين لنا أن المعلم يحتاج إلى معرفة نفسية المتعلمين وفهمها والتنزل لهم، والأخذ بأفهامهم إلى الهدف الذي يرمي إليه، حسب درجاتهم واستعدادهم (٣) كما يحتاج إلى معرفة أساليب التفهيم، وإلى التوسع في العلوم التي تصدى لتعليمها، مع التمرين على التعليم بالفعل، ودراسة كتب فن التعليم (٤).

стр. 110

شارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة، وبعث باقتراح إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح التي شكلها الباي لسنة ١٩٣١م ويتضمن هذا الإقتراح خلاصة آرائه في التربية والتعليم. فقسم إتجاه التعليم إلى قسمين: قسم المشاركة ومدته ٨ سنوات وقسم التخصص ويشمل: فرغ القضاء والفتوى، وفرع الخطابة والوعظ والإرشاد، وفرع تخريج الأساتذة ومدته سنتان. ويبين في هذا الإقتراح منهاج التعليم وطريقة تدريسه كما يلي: ١ - اللغة والنحو والصرف والبيان ويشترط في تدريسها تطبيق قواعدها على الكلام الفصيح، لتحصيل الملكة ويعتبر دراستها بلا تطبيق كما هو المعتاد في ذلك العهد تضييعاً للوقت، وتعطيلاً، وقلة تحصيل. ٢ - تاريخ الأدب العربي والإنشاء. ٣ - حسن الأداء في القراءة والإلقاء. ٤ - العقائد وينبغي أن تؤخذ هي وأدلتها من آيات القرآن وهو يعارض الذهاب مع أدلة المتكلمين، ومصطلحاتهم الجافة، ويعتبر ذلك من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. وقد طبق هذا بالفعل في تدريسه، وفي كتابه "العقائد الإسلامية" الذي نشره الأستاذ الفاضل محمد الصالح رمضان (١). ٥ - الفقه بحيث تقرر فيه المسائل مع أصولها دون التعرض لتشعباتها. ٦ - أصول الفقه تؤخذ كمسائل مجردة، ثم تطبق على المشكلات الفقهية لتحصل للطلاب ملكة الإستدلال والنظر. ٧ - التفسير ويكون حسب رأيه بسرد الجلالين على المتعلم، مع

стр. 111

بيان الأستاذ ما يحتاج للبيان، بحيث يطلع الطالب على التفسير بفهم المفردات، والمعاني الأصلية بطريق إجمالي، وكان محمد عبده يقريء الجلالين على هذه الطريقة. ٨ - الحديث وطريقة تدريسه هي نفس طريقة تدريس التفسير ويبدو هنا أن ابن باديس متأثر بطريقة محمد عبده الذي كان يستعرض النص ثم يحلِّله بخلاف جمال الدين الأفغاني فإنه يتحدث في الموضوع ثم يستعرض النص في النهاية لتلاوته كتلخيص مفهوم لذلك الموضوع ويؤيد هذا تلميذه الشيخ الجيلاني محمد، الذي يرى أن أسلوبه في التفسير والحديث بأسلوب الأستاذ الإمام أشبه وإليه أقرب، وأبرز مميزاتهما فيه التطبيق والتحقيق وسوق العبر وصوغ العظات (١) كما أن ابن باديس يستعمل طريقة الحوار والإستفهام (٢). ٩ - التربية الأخلاقية ويعتمد فيها على آيات وأحاديث السلف الصالح وهذا يتفق مع ما ورد في برنامج وزارة التربية الوطنية الجزائرية الحالي (٣) في هذه المادة ولا شك في وجود تأثيره فيه. ١٠ - التاريخ الإسلامي ويؤكد عليه لأن معرفة التاريخ عنده ضرورية للنهضة. ١١ - الجغرافية. ١٢ - مبادىء الطبيعة. ١٣ - الفلك. ١٤ - الهندسة.

стр. 112

وهنا يلاحظ ملاحظة طريفة وهي أنه إذا لم يكن في الشيوخ المُعَمَّمِين من يقوم ببعض هذه العلوم فلنأت بإخواننا المُطَرْبِشِين من تونس أو من مصر. وأما منهاج قسم التخصص في القضاء والفتوى فإنه يحتوي على التوسع في فقه المذهب ثم الفقه العام، ودراسة آيات وأحاديث الأحكام، وعلم التوثيق، والتوسع في علم الحساب وعلم الفرائض، والإطلاع على مدارك المذاهب، حتى يكون الطلبة فقهاء إسلاميين ينظرون- على حدِّ تعبيره- إلى الدنيا من مرآة الإسلام الواسعة، لا من عين المذاهب الضيقة، وهذه هي نفس النزعة التي يذهب إليها ابن عبد البر وأبو بكر بن العربي. ومن الكتب التي أوصى بتدريسها على الخصوص كتاب بداية المجتهد لابن رشد. ومنهج التخصص في الخطابة والوعظ يحتوي على دراسة آيات المواعظ والآداب وأحاديثها، والتوسع في السيرة النبوية وتاريخ نشر الدعوة الإسلامية مع التمرين على إلقاء الخطب الإرتجالية. وأخيراً فإن منهج التخصص في فن التعليم يشتمل على التوسع في العلوم التي سيعلمها المترشحون ويتخصصون فيها، وعلى الدراسة لكتب التربية وفن التعليم، والتمرين على التعليم بالقيام به فعلاً (١) ولتحسين مناهج التعليم وتقويمها وتوحيدها دعا إلى عقد مؤتمر المعلمين الأحرار في سبتمبر سنة ١٣٥٦هـ ١٩٣٧م ومن المشكلات التي عرضت في جدول الأعمال مسألة تعليم البنت المسلمة ووسائل تحقيقه، كما عقد مؤتمر آخر سنة ١٣٥٤ - ١٩٣٥ كلف فيه بعض أعضاء الجمعية بكتابة تقارير عن مشكلات التعليم في مختلف أنحاء الجزائر، وعرضت هذه التقارير وسجلت في "سجل مؤتمر العلماء المسلمين الجزائريين"، وألقى هو نفسه تقريراً في التعليم المسجدي دعا فيه إلى تأسيس كلية إسلامية.

стр. 113

المؤسسات التربوية: علم الأستاذ الإمام في المسجد الكبير وفي سيدي قموش وسيدي عبد المؤمن وسيدي بو معزة ومدرسة جمعية التربية والتعليم والجامع الأخضر وسيدي فتح الله وهذه المؤسسات كلها ما زالت إلى اليوم. كان التعليم في مساجد قسنطينة لا يشمل إلا الكبار، وأما الصغار فإنهم يتعلمون القرآن فقط في الكتاتيب على طريقة المغاربة التي يذكرها ابن خلدون في مقدمته، وأول عمل تربوي تعليمي سجله ابن باديس في قسنطينة كان في سنة ١٣٣٢هـ فكان يعلم صغار الكتاتيب القرآنية بعد خروجهم منها صباحاً وعشية ثم بعد بضع سنوات أسس مع جماعة من الفضلاء المتصلين به، مكتباً للتعليم الإبتدائي وذلك في مسجد سيدي بو معزة ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست سنة ١٩١٧م وفي سنة ١٣٤٩هـ ١٩٣٠م تطور مكتب الجماعة إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية، حيث حرر ابن باديس القانون الأساسي وقدمه باسم الجمعية إلى الحكومة فصادقت عليه دون أن ترى نتائجه بتاريخ رمضان ١٣٤٩هـ مارس ١٩٣١م واعترفت بالجمعية في الجريدة الرسمية وتكونت هذه الجمعية من عشرة أعضاء برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس وجاء في القانون: إن مقصود الجمعية نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف الدينية، والعربية، والصنائع اليدوية، بين أبناء وبنات المسلمين، وبينت المادة الثالثة الوسائل: ١ - تأسيس مكتب للتعليم. ٢ - ملجأ للأيتام. ٣ - نادٍ للمحاضرات. ٤ - معمل للصنائع. ٥ - إرسال التلامذة على نفقتها إلى الكليات، والمعامل الكبرى. ومكتب الجمعية كان موجوداً في بناية الجمعية الخيرية الإسلامية والجدير

стр. 114

بالملاحظة أن القانون ينص على أن البنين يدفع القادرون منهم واجب التعليم، وأما البنات فيتعلمن كلهن مجاناً، وهذا لا يحتاج إلى تعليق. وقد شرع ابن باديس من ناحية أخرى في إلقاء دروس على الكبار أول الأمر في الجامع الكبير، حيث كان يدرس فيه الشفاء للقاضي عياض ولكن ما لبث أن منعه مفتي قسنطينة المولود بن الوهوب. وكوَّن جماعة من الشبان تابعة للجمعية واهتم بتهذيبهم، وتربيتهم، فجعل لهم درساً يوم الأحد من كل أسبوع يعلم جماعة منهم على الساعة ١٠ صباحاً والأخرى على الساعة ٨ مساء حسبب أوقات فراغهم وذلك في أفريل سنة ١٩٣٣م. هناك من المربين من يذهب إلى أن المجتمعات تحس بالمسؤولية عن ترببة الأطفال فقط ولا تحس بهذه المسؤولية عن تربية جميع البالغين مهما بلغت سنهم ويعتبر أنه ليست سن ١٦ - ١٨ خير فترات العمر للتعلم كما نظن وإنما هي أنسب سن لتعلم أوليات القراءة والكتابة، والحساب، واللغات، ولكن إدراك مغزى التاريخ، والفلسفة، والدين، والأدب، وعلم النفس، محدود جداً في هذه السن المبكرة بل إن سن العشرين التي نعلم فيها هذه المواد في الكليات الجامعية ليست السن المثالية، ولكي يدرك المرء المشكلات المعقدة في هذه الميادين إدراكاً حقيقياً ينبغي أن يتوفر لديه قدر من الخبرة في الحياة أكبر مما يتوفر له وهو في سن التعليم الجامعي، وقد تكون سن الأربعين أو الثلاثين لكثير من الناس أنسب الأسنان لإدراك هذه المواد، وفهمها لا مجرد حفظها، وقد أخذت بعض الدول بهذا المبدأ فضاعفت فرص الدراسة للكبار ونوَّعتها (١). ولذلك كان ابن باديس يعمل في واجهتين واجهة للكبار وواجهة للصغار وكان مصيباً في ذلك إصابة بالغة.

стр. 115

ومن أهم المؤسسات التربوية الجامع الأخضر الذي أسسه حسين باي للصلاة والتعليم كما هو مكتوب عليه (١) وقد تم بناؤه سنة ١١٥٦هـ: لجنة الطلبة: كون ابن باديس لجنة للطلبة من أعضاء جمعية التربية والتعليم الإسلامية يبلغ أعضاوها ١٨ عضواً مهمتها العناية بالطلبة ومراقبة سيرهم، كما تتولى الإشراف على الصندوق المالي المخصص لإعانة الطلبة، ودعا المسلمين الجزائريين إلى تأسيس أمثال هذه الجيمعية، أو تأسيس فروع لها في جميع أنحاء القطر، ويعلل ذلك بأنه لا بقاء لهم إلا بالإسلام ولا بقاء للإسلام إلا بالتربية والتعليم (٢) وكان من عادة الأستاذ أن يصدر في كل سنة تقريباً بياناً يبين فيه المواد والكتب التي تدرس، أصدر بيانا بتاريخ ٢ رجب ١٣٥٢هـ ٢١ اكتوبر ١٩٣٢م بين فيه المنهاج الذي يشتمل عليه التفسير والتجويد والحديث والفقه والعقائد الدينية والأخلاق والآداب الإسلامية واللغة العربية بفنونها: نحو وصرف وبيان وأدب، والفنون العقلية من منطق وحساب وغيرهما وورد في البيان أن الطلبة المحتاجين تعطى لهم إعانة من الخبز ويسكنون في بعض المساجد. وفي سنة ١٣٥٥هـ - ١٩٣٦م صدر بيان آخر يبين تطور التعليم

стр. 116

بالجامع الأخضر فبالنسبة لعدد الطلبة الذي كان في سنة ١٩٣٣م ١٠٠ طالب وفي سنة ١٩٣٥م ٢٠٠ طالب أصبح في سنة ١٩٣٦م ٣٠٠ طالب بالإضافة إلى الذين سافروا إلى جامع الزيتونة لإتمام دراستهم ويبلغ عددهم نحو ٣٠٠ أيضاً، كما تطور المنهاج فأصبح يشمل بالإضافة إلى ما سبق ذكره، على الفرائض والجغرافيا والتاريخ والأصول والمواعظ وبين لنا فيه الكتب التي تدرس وهي: الموطأ، وأقرب المسالك، والرسالة، وابن عاشر، والمفتاح، والزنديوي، والتنقيح، والسلم، والمكودي، والقطر، والآجرومية، والزنجاني، واللامية، والسعد، والجوهر المكنون، ومن ديوان الحماسة، ومن ديوان المتنبي، والأمالي، ومن مقدمة ابن خلدون. والشيء المهم في هذا الطور هو دراسة مقدمة ابن خلدون، والواقع أن هذه الكتب مقسمة على طبقات الطلبة ودرجاتهم الثقافية التي نص على أن عددها أربع طبقات كما تعرض للقائمين بالتعليم وهم الشيخ ابن باديس والشيخ عبد المجيد حيرش، والشيخ حمزة بوكوشة المتخرجان من جامع الزيتونة وبعض العرفاء وكبار تلامذة الشيخ ابن باديس أمثال الشيخ عمر دردور والشيخ بلقاسم الزغداني. تنظيم الطلبة: إن الطلبة الذين يدرسون بقسنطينة يمثلون جميع أنحاء الجزائر وفي سنة ١٣٥٣ - ١٩٣٤ جاء بعض الطلبة من العمالة الوهرانية فكمل بهم تمثيل الجزائر كلها ويعتبر ابن باديس هؤلاء الطلبة نواة للغاية الكبرى التي يسعى إليها وهي إنشاء جامعة إسلامية أو كلية للعلوم الإسلامية. قسم ابن باديس الطلبة إلى جماعات وجعل على كل جماعة عريفاً منهم يضبط أمورهم ويراقب سيرتهم، وتوجد لدينا قائمة لهؤلاء العرفاء،

стр. 117

موزعين حسب المناطق الجزائرية المختلفة، والعريف معروف في تاريخ التربية الإسلامية وهو الطالب البارز في العلم، قال الإمام سحنون: "أحب للمعلم أن يجعل لهم عريفاً منهم" (١). واهتم ابن باديس من جهة أخرى بصحة الطلاب فجعل لهم جماعة من الأطباء يزورونهم للمعالجة تبرعاً منهم، وهم: ابن الموفق، وزرقين، وابن جلول، وأما ما يتعلق بالتغذية فإن الطلبة المحتاجين يتناولون الأكل عند بعض المحسنين، والمتبرعين من العائلات، وأصحاب المطاعم، والجدير بالذكر أن طباخاً وهو ابن جلول محمود كان يتبرع بتغذية خمسين تلميذاً في مطبخه وكان بعض الخبازين يتبرعون بالخبز وأهل بسكرة يرسلون بأكياس من التمر. رأي ابن باديس في تعليم المرأة: إن ابن باديس على بصيرة بما للمرأة من وظيفة إجتماعية تربوية عظيمة، ولذلك فإنه أوجب تعليمها وإنقاذها مما هي فيه من الجهالة العمياء، ونصح بتكوينها تكويناً يقوم على أساس العفة وحسن تدبير المنزل، والنفقة والشفقة على الأولاد، وحسن تربيتهم، كما أنه حمل مسؤولية جهل المرأة الجزائرية أولياءها، والعلماء الذين يجب عليهم أن يعلموا الأمة رجالها ونساءها، وقرر أنهم آثمون إثماً كبيراً إذ فرطوا في هذا الواجب. واستدل على وجوب تعليم المرأة بالعمومات القرآنية الكثيرة الشاملة للرجال والنساء، وبأحديث شريفة، ومذهبه أن الخطاب بصيغة التذكير شامل للنساء إلا بمخصص من إجماع أو نص أو ضرورة طبيعية، لأن النساء شقائق الرجال، ولا خلاف بين اللغويين والأصوليين في أنه إذا ما اجتمع النساء والرجال، كان الخطاب أو الخبر بصيغة التذكير على طريقة التغليب، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ

стр. 118

بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (١) وبالحديث الذي رواه أبو داود عن الشفاء بنت عبد الله قالت. ((دَخَلَ عَلَيَّ النبي ﵌ وأنا عند حفصة فقال لي: ألا تعلمين هذه رُقْيَة النَملة كما علمتها الكتابة" (٣). كما استدل بدليل تاريخي، وهو ما استفاض في تاريخ الأمة الإسلامية من وجود العالمات الكاتبات الكثيرات (٣). مواقفه إزاء مقاومة الإستعمار للتعليم: إنه لا يكفي الوقت لاستعراض تاريخ دفاع ابن باديس عن الحركة التعليمية وجهاده التربوي الذي وقف حياته كلها عليه، لقد تعرَّض لاضطهاد الإستعمار ومطاردته وعراقيله، ولكنه ثبت ثبات الرجال أصحاب المبادىء لما يتسم به من التفاؤل واليقين بأن العاقبة له، وللأمة الجزائرية معتقداً أن كل محاولة لحمل الجزائريين على ترك لغتهم أو دينهم أو تاريخهم أو شيء من مقوماتهم محاولة فاشلة. وحين أراد الإستعمار منعه من التعليم كتب مقالا تحت عنوان: "بعد عشرين سنة في التعليم نسأل هل عندنا رخصة" (٤). وحين صدر قانون ٨ مارس ١٩٣٨م بمنع التعليم كتب مقالاً آخر تحت عنوان: "يالله للإسلام والعربية في الجزائر كل من يعلم بلا رخصة يغرم ثم يغرم ثم يسجن" وأعلن فيه عزمه على المقاومة بكل قوة قائلاً: "وإننا نعلن لخصوم الإسلام والعربية عقدنا على المقاومة المشروعة عزمنا وسنمضي بحول الله في تعليم ديننا

стр. 119

ولغتنا رغم كل ما يصيبنا ولن يصدنا عن ذلك شيء فنكون قد شاركنا في قتلهما بأيدينا وأننا على يقين من أن العاقبة- وإن طال البلاء- لنا وأن النصر سيكون حليفنا (١). وكتب في مناسبة أخرى: "أما الذين يحاربون العربية فهم يفرقون ويشوشون فسيندمون، وتنشر العربية بقوة الحق والفطرة وهم كارهون". ولا نريد أن نستمر في الإطالة عليكم فإن مواقفه في الدفاع عن تعليم الدين والعربية ضد الإستعمار تتطلب وحدها محاضرة كاملة. أيها السادة: إن الشيخ ابن باديس أمة وحده إستطاع بمفرده أولاً وبمساعدة إخوانه من العلماء ثانياً أن يقوم بتربية جيل وتكوين أمة، وتبصيرها بشخصيتها ومقوماتها، وهو الذي استطاع أن يضع أصول نهضتنا الفكرية والإجتماعية والأخلاقية والسياسية، وأن الثورة الجزائرية العظيمة في جوانبها النفسية وقوتها المعنوية التي تتمثل في كلمة "الجهاد" ترتد إلى عمله التربوي الخاص والعام، تربية الجيل في المدارس وتربية الأمة في المساجد وبرحلاته في مختلف أنحاء القطر. وإحياؤنا لذكراه إنما هو اعتراف بالجميل، وتخليد لعمله العظيم، وروحه القوية التي تمثل رمزاً من رموز حياتنا العقلية والأخلاقية، وعنصراً من عناصر وجودنا الذاتي، لأن ابن باديس قام بعملية التربية والوعي، تلك العملية التي تعتبر أعمق نشاط يؤديه الكائن البشري على الإطلاق، لأنه به يصنع المادة البشرية الصالحة، ويصوغ الذات الإجتماعية النافعة، ويبني الشخصية المتكاملة الشاعرة بوجودها وذاتيتها وحريتها. إننا نحيِّي بإقامة ذكراه جرأته، وشجاعبه، وثباته، وتضحيته، وزهده في متاع الدنيا، في سبيل المبدأ، ونطبق ذلك العهد الذي أخذه

стр. 120

على نفسه بقوله: "إني أعاهدكم على أني أقضي بياضي على العربية والإسلام، كما قضيت سوادي عليهما وإنها لواجبات، وإني سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن، ولغة الإسلام والقرآن، هذا عهدي لكم" (١) كما نبرهن بهذا أننا سنواصل رسالته ونحقق دعوته التي دعا إليها تلامذته ودعانا جميعاً معهم: "أطلب منكم شيئاً واحداً وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن، ولغة الإسلام والقرآن " (٢). رحمك الله يا ابن باديس في الخالدين والسلام عمار الطالبي

стр. 121

آثار ابن باديس قسم التفسير

стр. 122

التَّذْكِيرُ حقيقته، حاجة الخلق إليه، القائمون به، تذكير النبي ﷺ ، ما كان يذكر به، من كان يذكر، مشروعية التذكير في الإسلام. ــ حقيقة التذكير: ١ - أن تقول لغيرك قولاً يذكر به ما كان جاهلاً أو عنه ناسياً أو غافلاً، وقد يقوم الفعل والسمت والهدى مقام القول فيسمى تذكيراً مجازاً وتوسعاً، ويجمع الثلاثة قولك: عباد الله الصالحون يذكِّرون الخلق بالخالق بأقوالهم وأعمالهم وسمتهم. ٢ - وحاجة العباد إلى هذا التذكير أعظم ما يحتاجون إليه وأشرفه وألزمه، فإن سعادتهم الحقيقية في هذه الحياة بإنارة عقولهم، وزكاة نفوسهم واستقامة سلوكهم، وفي الحياة الأخرى بنعيم الجنان وحلول الرضوان، إنما هي بإيمانهم بربِّهم وشكرهم له. وأن دلائل وجوده ووحدانيته وقيومته وآثار فضله وإحسانه ورحمته ماثلة في الكون بادية للعيان، داعية إلى الشكر هادية إلى الإيمان، لكن العقول كثيراً ما تكون مغلولة بقيود أهوائها، محجوبة بحجب غفلتها، فتعمى عن تلك الدلائل والآثار، فتكفر كفر جحود وعناد، أو كفر عصيان وطغيان. ويكون تورطها في كبائر الذنوب وصغائرها على مقدار تلك الحجب وتلك القيود. وليس لغير من عصم الله انفكاك أو خروج منها، كلها. فهم إذن بأشد الحاجة إلى تذكيرهم بتلك الدلائل وتلك الآثار ليحصلوا أسباب سعادتهم بالإيمان والشكر.

стр. 123

٣ - قد علم الله حاجة عباده إلى التذكير، فاصطفى منهم رجالاً أنعم عليهم بكمال الفكرة ووقاية العصمة، وأرسلهم لتذكير العباد ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١)﴾، ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢)﴾. فالأنبياء والمرسلون- عليهم الصلاة والسلام- هم أولو هذا المقام الجليل، مقام التذكير. ثم من بعدهم ورثتهم من العلماء العاملين. ٤ - قد كان النبي- ﵌ على سنَّة إخوانه من الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام- في القيام بتذكير العباد متمثلاً أمر ربه- تعالى- له بقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (٣)﴾. إذ السيطرة لا تكون على القلوب والإيمان- وهو من أعمال القلب- لا يكون بالإكراه وإنما يكون بذكر الحجج والأدلة، وكذلك كانت سنة المرسلين في الدعوة إلى الله كما قصَّها علينا القرآن الكريم في كثير من السور والآيات. كان- ﵌ يذكرهم بقوله وعمله وهديه وسمته، وكان ذلك كله منه على وفق هداية القرآن وحكمه، وقد قالت عائشة الصديقة- رضوان الله عليها- لما سئلت عن خلقه- والخلق

стр. 124

هو الملكة النفسية التي تصدر عنها الأعمال- قالت: كان خلقه القرآن، فكان تذكيره كله بآيات القرآن: يتلوها ويبينها بالبيان القولي والبيان العملي متمثلاً في ذلك كله أمر ربِّه تعالى بقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (١)﴾، فالقرآن وبيانه القولي والعلمي من سنة النبي- ﵌ بهما يكون تذكير العباد ودعوتهم لله رب العالمين، ومن حاد في التذكير عنها ضل وأضل وكان ما يضر أكثر مما ينفع إن كان هنالك من نفع. ٥ - كان- ﵌ لا يفتأ مذكراً المؤمنين والكافرين، والله يهدي من يشاء ويوفق من يريد. وقد أمر بالتذكير مطلقاً في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢)﴾. وكانت سيرته العملية في التذكير هي العمل بهذا الإطلاق، فما كان يخص قوماً دون قوم في الدعوة والتذكير، فكانت هاته السنة العملية دليلاً على أن ما جاء على صورة التقييد في بعض الآيات ليس المراد منه التقييد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٣)﴾. فالشرط الصوري هو للإستبعاد، أي إستبعاد نفع الذكرى فيهم. ولا يزال من أساليب العربية في لسان التخاطب الدارج بيننا قول الناس لبعضهم بعضاً: "كلمه في كذا إذا نفع فيه الكلام" إستبعاد لنفعه فيه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ

стр. 125

وَعِيدِ (١)﴾. فليس ذكر المفعول للتقييد وإنما هو للتنبيه على أنه هو الذي ينتفع بالتذكير نظير قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. ٦ - ولحاجة العباد للتذكير ومنزلته من الدين شرعه الله للمسلمين شرعاً موقتاً في خطب الجمع والأعياد، وشرعاً مرسلاً موكولاً للمذكرين على ما يرونه من نشاط الناس وحاجتهم، كما كان يتخول النبي- ﵌ الناس بالموعظة وطلبه طلباً عاماً من جميع المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٢)﴾، في صفة المؤمنين العاملين. وسيكون هذا الباب من المجلة (٣) مجالاً لفنون من التذكير جعلنا الله والمؤمنين من أهل الذكرى ونفعنا بها دنيا وأخرى (٤).

стр. 126

الذِّكْرُ تمهيد ، القسم العلمي: حقيقته، محله، إطلقاته، أقسامه، القلبي: بالتفكير، بالإعتقاد، بالإستحضار، اللساني: بالثناء والدعاء، بالإرشاد والتعليم. ذكر الجوارح بالعمل، بالإنكفاف. القسم العملي: السيرة النبوية في الذكر، كيفية السلوك عليها. التحذير. ــ تمهيد: ١ - الذكر أصل من أصول الدين العظيمة أو هو الدين كله، ولذا امتلأ القرآن العظيم بالآيات المشتملة عليه. فالمسلم إذاً شديد الحاجة إلى معرفته وفقهه، وطريقة العمل به، وقد تعرضنا لبيان ذلك فيما سيأتي، وجعلنا الكلام في قسمين. وختمناه بالتحذير مما خرج عن سواء القصد بغلوٍّ أو تقصير ليكون الواقف عليه على بصيرة مما يأتي منه أو يدع. القسم العلمي: ٢ - الذكر حضور الشيء في القلب الحضور الثاني بعد زواله منه المسبوق بحضور متقدم. هذه حقيقته. وقد يطلق على الحضور الأول توسعاً. وزواله بعد حضور هو النسيان. فهما ضدان. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ (١)﴾.

стр. 127

وفي مثل: ذَكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وَكُنْتُ نَاسِيَا (١). ٣ - فالمعنى الأصلي للذكر محلُّه القلب، إذ القلب محل ضده النسيان، والضدان إنما يتضادان في محل واحد، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا (٢)﴾ أي جعلنا قلبه غافلاً عن ذكرنا. فالغفلة في القلب والذكر في القلب. وأخوات الذكر- كالذكرى، والتذكير والذُكر، بضم الذال،- كلها من أعمال القلب، وهو مثلها. وأما الصمت الذي هو من شأن اللسان فليس ضداً له كما قد قيل، وإنما هو ضد في كلام العرب لأعمال لسانية كالنطق في قولهم في المال (ناطق وصامت) وما في الحديث: "فليقل خيراً أو ليصمت". ٤ - ثم يطلق الذكر إطلاقاً شائعاً على ما يجري على اللسان مما يخبر به عما في القلب ويعبر عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾. وسمى الله- تعالى- القرآن ذكراً كما في قوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ (٤)﴾ لأن آياته متلوَّة بالألسنة ومعانيه حاضرة في القلوب. ومثله في هذه التسمية كلمات التسبيح والحمد والتهليل والتكبير من جميع الأذكار. ويقال في كل عمل من أعمال الطاعة ذكر، لأنها كلها مرتبطة

стр. 128

بذكر القلب ومن ثمراته. وسمى الله- تعالى- نبيّه ﷺ ذكراً في قوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَسُولًا (١)﴾ لأنه مخبر عن ربه ومبلغ للذكر، أو لأنه هو- ﵌ يذكر في الصلاة عليه والحديث، وفي سيره وشمائله بالألسنة والقلوب. وعبر عن إرساله بالإنزال لأن رسالته وحي من العلي الأعلى، وأعظم رحمة نزلت من السماء. وسمي الله الآيات الكونية المشاهدة ذكراً في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (٢)﴾ لأنها تحدث الذكر في القلب كما تحدثه آياته المتلوة التي تسمى أيضاً ذكراً. فالمعنى أنه كما لم يكن لهم ذكر في قلوبهم من الآيات المتلوة، لأنهم كانوا لا يستطيعون سمعاً، كذلك لم يكن لهم من الآيات المرئية لأن أعينهم في غطاء. أقسام الذكر: ٥ - قد كثر ورود لفظ الذكر في آيات القرآن وأحاديث السنة، وهو منقسم إلى ثلاثة أقسام، مراده من تلك النصوص: ذكر القلب فكراً واعتقاداً واستحضاراً، وذكر اللسان قولاً، وذكر الجوارح عملاً. وسنتكلم عليها واحداً واحداً. ذكر القلب وهو على ثلاثة ضروب: الأول: التفكر في عظمة الله وجلاله، وجبروته وملكوته، وآياته في أرضه وسمواته وجميع مخلوقاته، والتفكر- أيضاً- في أنواع آلائه وعظيم إنعامه على خلقه عامة وعلى الإنسان خاصة بما سخَّر

стр. 129

له منها وما يسَّر له من أسباب الإنتفاع بها، بما يوجب الإيمان بوحدانيته في ربوبيته، فلا خالق ولا مدبِّر ولا مصرِّف ولا آمر ولا حاكم ولا منعم على الحقيقة سواه، وبوحدانيته في ألوهيته فلا يستحق العبادة سواه. وهذا الضرب هو أعظم الأذكار وأجلها وأفضلها، وبه يتوصل إليها ويستحق الثواب عليها، إذ هو أساسها الذي تبنى عليه. فالأعمال مبنية على العقائد، والعقائد لا تثبت إلا بهذا التفكر، وبه تنجلي في العقول، وترسخ في النفوس، وتحصل للناظر طمأنينة اليقين. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (١)﴾ وهذا هو الذكر الذي يحصل به الإطمئنان. وهو المراد في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (٢)﴾. قال جماعة من السلف: ذكر الله في الصلاة أكبر من الصلاة، وهو المراد أيضاً في حديث أبي الدرداء موقوفاً في الموطأ ومرفوعاً في غيره: " ألا أخبركم بخير أعمالكم وأرفعها في درجاتكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إعطاء الذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم. قالوا: بلى. قال: "ذكر الله" وفي الحديث معاذ كذلك: "ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله" وهذا كله لأنه هو أساس جميع الأعمال كما قدمنا، فإذا حصل ودام وجهه حصلت كلها ودامت على وجوهها. الثاني: العقد الجازم بعقائد الإسلام في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله، عقداً عن فهم صحيح وإدراك راسخ تتحلَّى به النفس بمقتضيات تلك العقائد وتتذوق حلاوتها وتتكون

стр. 130

لها منها إرادة قوية في الفعل والترك تملك بها زمامها، تلك الإرادة التي لا تكون إلا عن عقيدة راسخة في النفس ويقين مطمئن به القلب. ولذا كان هذا الضرب من ذكر القلب متفرعاً عن الضرب الأول ومبنياً عليه. الثالث: استحضار عظمة الرب وإنعامه وما يستحقه من القيام بحقه عند كل فعل وترك فيفعله بإذنه لوجهه ويترك بإذنه لوجهه. ولا يدوم هذا الإستحضار إلا إذا رسخت العقيدة التي هي من مقتضى الضرب الثاني، ودامت الفكرة التي هي من مقتضى الضرب الأول، فهو متفرع عنهما ومتوقف عليهما. وهذا الضرب هو أساس التقوى وهو المراد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١)﴾. فإن الذكر المناسب لمواطن الحرب هو استحضار عظيم حق الله على العبد في القيام بذلك الفرض، واستحضار وعده ووعيده، مما يقوي القلب ويكسب الجرأة والثبات وانتظار النصر- دون كثرة الذكر اللساني- فقد جاء عن النبي ﷺ : طلب الصمت عند جلبة العدوِّ وصخبه. وهو المراد أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١)﴾. فإن الإبتغاء من فضل الله هنا هو التصرف بوجوه التجارة والكسب وليس ذلك مما يناسبه ذكر اللسان كثيراً، فإن ذكر اللسان يطلب فيه التدبر، وأن ذلك غير متيسر للمشتغل بالبيع والشراء،

стр. 131

وإنما يناسبه استحضار عظمة الرب وإنعامه ولازم حقه ليمتثل أمره ونهيه في وجوه الأخذ والعطاء والقضاء والإقتضاء. ذكر اللسان وهو ضربان: الأول: ذكر الله- تعالى- بالثناء عليه والاعتراف بنعمه وإظهار الفقر إليه بأنواع الأذكار والدعوات ... وهذا الذكر شرط الإعتداد به حضور القلب عنده. ومن أظهر الآيات الواردة فيه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (٢)﴾ فإن النبي ﷺ لما بلغ في حجته المشعر إتسقبل القبلة ودعا وكبَّر وهلَّل ووحَّد. فإن النبي ﷺ لما بلغ في حجته المشعر استقبل القبلة ودعا وكبَّر وهلَّل ووحَّد. الثاني: ذكره تعالى يدعوة الخلق إليه، وإرشادهم إلى صراطه المستقيم الموصل إليه بتعليم دينه والتنبيه على آياته وإنعاماته وتبيين محاسن شرعه وتفهيم أحكامه وشرح حكمته في خلقه وأمره والترغيب والترهيب بوعده ووعيده، وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين في التبليغ عن ربِّ العالمين واتِّباعهم للمؤمنين، إلى يوم الدين، ولذا قال عطاء: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج ... وأشباه هذا. وما سمَّاه قليل من كثير قصد به تقريب التبيين بالتمثيل. ذكر الجوارح وهو ضرب واحد: فذكرها إستعمالها في الطاعات، وكل عمل لها أو انكفاف على مقتضى الشرع، فهو طاعة، وكل طاعة لله فهي ذكر، فكل عامل لله

стр. 132

بطاعته فهو ذاكر لله- تعالى-. كما حكاه النووي عن سعيد بن جبير وغيره من العلماء، مستدلاً به على أن فضيلة الذكر ليست منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها. وبهذا يمكن للعبد الموفق أن يكون ذاكراً لربِّه في يقظته ونومه وصحته ومرضه وعلى جميع أحيانه. القسم العملي: أمر الله عباده بذكره في غير ما آية من كتابه وغير ما حديث من كلام نبيِّه، ووعد عليه بجزيل الثواب. ومن الآيات العامة في هذا الأمر قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (١)﴾ وهو أمر بالذكر بوجوهه الثلاث فحق علينا أن نذكره بها. وكما تلقينا هذا الأمر وهذا الوعد عن رسول الله ﵌ كذلك علينا أن نتلقى عنه كيف كان يعمل به، فهو المبلغ عن الله- تعالى- بقوله وفعله والمبين كذلك بهما. ولا شك أنه ﵌ كان دائم ذكر القلب بالفكر والعقد والإستحضار، دائم ذكر الجوارح في أنواع الطاعات. وقد جاء في شمائله الشريفة أنه كان ﵌: "دائم الفكرة لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت" وأنه "كان سكوته على أربعٍ: على الحِلم والحذر والتقدير والتفكير". وأما الذكر اللساني فقد كان ﵌ كما جاء في شمائله أيضاً-: "لا يجلس ولا يقوم إلاَّ على ذكر". فلا يخلو مجلسه من ذكر الله. كما كان يسكت ويطيل السكوت كما تقدم، وقد روى عنه الأئمة من أذكار اليوم والليلة وسائر الأذكار ما فيه الكفاية والشفاء.

стр. 133

فالمؤمن الذي يحافظ على قلبه ويعتني به حتى يكون صحيح العقد دائم الفكر والإستحضار، ويأتي مع ذلك من الأذكار المأثورة المطلقة بما تيسر منها، وبالمرتبة في الأحوال والأوقات التي رتبت عليها، ولا يخلي مقامه ومقعده من شيء من ذكر الله وإن قل- يكون متبعاً للنبي- ﵌ في سنته في الذكر، ويكون بهذا - في بيته وفي سوقه وفي مصنعه وفي مسجده- معدوداً من الذاكرين المكثرين، بالقلب واللسان والجوارح. التحذير: ربما شغل اللسان بالتعلم والعلم عن الأذكار المأثورة حتى يتركها الطالب جملة ويكون عنها من الغافلين، فيحرم من خير كثير وعلم غزير، وقد كان- ﵌ معلم الخلق، وما كان يغفل عن تلك الأذكار. وربما بالغ قوم في بعض هذه الأذكار فأتوا منه بالآلاف، وأهملوا جانب التفكير الذي هو أعظم أذكار القلب، والذكر اللساني أحد وسائله، فتشغلهم الوسيلة عن المقصود. وليس ذلك من هدى من كان- كما تقدم- دائم التفكير. وقد يؤديهم الذكر اللساني بالألوف إلى الإنقطاع عن مجالس العلم والزهد في التعلم فيفوتهم ما قد يكون تعلمه عليهم من فروض الأعيان. وليس من سداد الرأي وفقه الدين إهمال المفروض إشتغالاً بغير المفروض. ويقابل هذا الغلو في ذكر اللسان ما رآه آخرون من الإقبال على التفكير الأيام والليالي، مع ترك اللسان. وهذا زيغ عن طريق النبي ﵌ في المحافظة على الأذكار اللسانية التي امتلأت كتب الحديث بالترغيب فيها والحثِّ عليها. فليحذر المؤمن من هذا كله ومن مثله وليتمسك بما كان عليه النبي ﷺ من الإتيان بضروب الذكر الثلاثة كلها منزلاً

стр. 134

لها في منازلها متعبداً الله- تعالى- بجميعها، والله الموفق وبه المستعان (١).

стр. 135

مَا هُوَ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ تمهيد: حالتا العبد، الفتوى النبوية فيهما، القسم العملي. أفضل الأذكار، آيات في الباب، أحاديث فيه، القرآن يحصل فضل الحالتين، القرآن والذكر القلبي، القرآن والذكر اللساني، القرآن والذكر العملي، بعض علوم القرآن. نتيجة الاستدلال. القسم العملي، مقدار التلاوة، ما يقصد من التلاوة، التحذير. ــ تمهيد: للعبد حالتان؛ حالة يعالج فيها شؤون الحياة من أمر نفسه وأهله وما إلى رعايته من مصالحه أو مصالح غيره، فيمارِس فيها الأسباب ويباشر فيها ما تقتضيه بشريته، وهو في هذه الحالة متعبد مأجور ما جرى فيها على حدود الله وقصد بها امتثال شرعه. وحالة ينفرد فيها لربه ويخلص من هم ذلك كله قلبه، ويتوجه بكليته إلى خالقه، بالفكر والإعتبار ودوام المراقبة والإقبال. وهذه الحالة الثانية هي أشرف وأفضل حالتيه، وهي أساس الإستقامة في الحالة الأولى وأصل الكمال في غيرها. كانت هاتان الحالتان للنبي ﷺ كما كانتا لغيره، وقوله- ﵌: "أنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة"- إشارة إلى الحالة الأولى التي يكون فيها قائماً بمصالح الأمة وناهضاً بأعباء الرسالة ومباشرة

стр. 136

الشؤون العامة والخاصة وراءها دون الحالة الثانية التي يكون فيها متفرغ القلب للربِّ. وما كان ذلك الغين إلا الإشتغال بأمور الخلق في الحالة الأولى، الذي يحجب عن كمال مشاهدة الحق، التي في الحالة الثانية، فاستغفر الله- تعالى- منه، وما كان استغفاره- ﵊ إلا لاشتغاله بكامل عن أكمل، وتوجهه للقيام بأمر عظيم عن مقام أعظم. وقد تفطن الصحابة- رضوان الله عليهم- لهاتين الحالتين وسألوا النبي- ﵌ عنهما وأفتاهم فيهما فجاء في الصحيح أن حنظلة الأسيدي- وكان من كتَّاب النبي- ﵌ قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة، قال: قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله- ﵌ يذكرنا بالنار والجنة، كأنها رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله- ﵌ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقي مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله- ﵌ وقلت، نافق حنظلة يا رسول الله!! فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالجنة والنار كأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات؛ فنسينا كثيراً. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي في الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. ولكن يا حنظلة ساعة وساعة. ثلاث مرات. فقوله- ﵌: "ساعة وساعة " بيان للحالتين وتقرير لهما. وقوله: والذي نفسي بيده إلى آخره ... بيان لفضلاهما.

стр. 137

هذه الحالة الفضلى الذكرى التي يحصلها للعبد على أكمل وجه هو أفضل الأذكار، وستعرف مما سيأتي بعد أنه هو القرآن. وقد قسمنا ماسنقوله إلى قسمين: علمي وعملي، وختمناه بفصل في التحذير. القسم العلمي القرآن أفضل الأذكار- من طريق الأثر: قال ﵎: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ (١)﴾. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ (٢)﴾. ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ (٣)﴾. فهذه البركة، وهذا التيسير، وهذا الأمر بالتلاوة المقرون بالأمر بتوحيد العبادة وبالإسلام على طريق الحصر لم ترد إلا في القرآن. وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله- ﵌: من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول "ألم" حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف. قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وهذه مثوبة لم ترد لغير القرآن من جميع الأذكار.

стр. 138

وروى الترمذي عن أبي أمامة مرفوعاً. (ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه). ومن معناه ما ذكره القرطبي عن فروة بن نوفل عن خباب بن الأرت قال: إن استطعت أن تقرب إلى الله- فإنك لا تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. ومثل هذا لا يقال بالرأي، فهو في حكم المرفوع. وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: يقول الرب ﵎: مَن شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه. وهذا الحديث والذي قبله نصَّان صريحان في المقصود. وروى البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة ﵂، مرفوعاً: قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة. وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من التسبيح والتكبير. وروى أبو نعيم عن ابن عمر ﵁: سئل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل عند الله؟ قال: قراءة القرآن في الصلاة، ثم قراءة القرآن في غير الصلاة، فإن الصلاة أفضل الأعمال عند الله وأحبها إليه، ثم الدعاء والإستغفار، فإن الدعاء هو العبادة، وإن الله- تعالى- يحب الملح في الدعاء، ثم الصدقة فإنها تطفء غضب الرَّب ... ثم الصيام. فإن الله- تعالى- يقول: الصوم لي وأنا أجزي به. والصيام جنَّة للعبد من للنار. قال القرطبي- بعد ما خرَّج هذا الحديث بسنده- قال علماؤنا: هذا حديث عظيم في الدين يبين فيه أن أعظم العبادات قراءة القرآن في الصلاة. القرآن أفضل الأذكار- من طريق النظر: إن أشرف حالتي الإنسان- وهي حالة انفراده بربه، وتوجهه

стр. 139

بكليته إليه، وخلوص قلبه له وتعلقه به- إنما تحصل على أكملها لتالي القرآن العظيم. فإن أفضل ما فيه- وهو قلبه- يكون قائماً بأفضل أعماله، وهو التفكر والتدبر في أفضل المعاني، وهي معاني القرآن. وأن ترجمان ذلك القلب- وهو لسانه- يكون قائماً بأفضل أعماله، وهي البيان بأفضل كلام وهو القرآن. وجوارحه- إذا لم يكن في صلاة- كانت محبوسة على قيام القلب واللسان بأفضل الأعمال. وإذا كان في صلاة كانت قائمة بأفضل عبادة، وهي الصلاة في أشرف موقف، وهو مناجاة الرحمن بآيات القرآن. فهذا الذكر الحكيم تنزيل الرحمن الرحيم، الذي يحصل هذه الحال التي هي أشرف الأحوال، وهي معراج الأرواح لمنازل الكمال - هو أفضل الأذكار. وأيضاً- فإن الذكر قلبي ولساني وعملي، والقرآن محصل لذلك كله على أكمله كما سنبينه. القرآن والذكر القلبي: فالتالي للقرآن المتدبر لآياته يكون متفكراً في مخلوقات الله وما فيها من حكم ومن نعم، وفي معاني أسمائه وصفاته، وفي مظاهر رحمته وإحسانه وبطشه وانتقامه، وفي أسباب ثوابه وعقابه، وفي مواقع رضاه وسخطه. كما يكون التالي أيضاً متبصراً في عقائده خيراً بأدلتها ورد الشبه عنها، كما يكون أيضاً مستحضراً لربه في قلبه باستحضار حقوقه ونعمه وآلائه، إذ هذا كله مما تضمنته آي القرآن، على أكمل بيان، وأوضح برهان. القرآن والذكر اللساني: وكذلك قد اشتمل القرآن على أفضل الأذكار اللسانية، من تهليل وتكبير وتحميد وتسبيح وتمجيد واستغفار ودعاء ... ، وعلى الأسماء

стр. 140

الحسنى والصفات العلى للرب ﵎. فتاليه يكون ذاكراً بهذه الأذكار كلها. القرآن والذكر العملي: إن تلاوة القرآن بالتَّدبر تثمر للتالي التوبة والإنابة، والرجاء والخوف، وذلك كله مما يكون له خير داع إلى الإستقامة- ولو بعض الشيء،- في سلوكه العملي. هذا شيء قليل مما للقرآن في الذكر بأنواعه الثلاثة، إلى ما فيه من علم مصالح العباد في المعاش والمعاد، وبسط أسباب الخير والشر والسعادة والشقاوة في الدنيا والأخرى وعلم النفوس وأحوالها، وأصول الأخلاق والأحكام وكليات السياسة والتشريع وحقائق الحياة في العمران والإجتماع، ونظم الكون المبنية على الرحمة والقوة والعدل والإحسان. إلى ما تقصر عن عدِّ الألسنة وتعجز عن الإحاطة به الأفهام، وإنما ينال كل تال منها على قدر ما عنده من سلامة قصد وصحة علم بتقدير وتيسير من الحكيم العليم. نتيجة الاستدلال: لهذه الأدلة الأثرية والنظرية المذكورة وغيرها ذهب الأئمة من السلف والخلف إلى أن قراءة القرآن أفضل من الذكر. قال سفيان الثوري: "سمعنا أن قراءة القرآن أفضل من الذكر". نقله القرطبي في الباب السابع من كتاب التذكار. وقال النووي: "واعلم أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه من يعتمد من العلماء أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرهما من الأذكار، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك" قاله في الباب الثاني من كتاب التبيان. (١).

стр. 141

القسم العملي مقدار التلاوة: قد كان النبي- ﵌ لا يخلي ليله ولا نهاره من تلاوة القرآن وكان- كما قال القرطبي- يختمه في سبع. وهكذا قال لعبد الله بن عمر ﵁: "واقرأ في كل سبع ليال مرة " وقد كان قال له أولاً: "واقرأ القرآن في كل شهر" فلما قال إنه يطيق أكثر من ذلك نقله إلى العشرين وإلى الخمسة عشر وإلى العشر واتنهى به إلى السبع في قول الأكثر. وكان هذا فعل الأكثرين من السلف. وعند الترمذي وغيره من حديث ابن عمر ﵁ مرفوعاً: "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث" وهذا ترخيص فيما دون السبع وترغيب عما دون الثلاث. وقد فهم السلف من هذه الأحاديث بيان ما يكون وظيفته وحزباً يستمر عليه، فلذا لم يمتنعوا من ختم القرآن في أقل من ذلك في مرات في بعض الأحوال. وقد ثبت عن كثير منهم ختم القرآن في ركعة واحدة. ولا شك أن أحوال حملة القرآن تختلف في التفرغ للتلاوة والإشتغال بغيرها، وأحوال الشخص الواحد في نفسه تختلف كذلك، فيرتب حامل القرآن حزبه من الشهر إلى السابع على حسب حاله. فإذا لم يكن من حملة القرآن فلا يخلُ ليله ولا نهاره من تلاوة شيء مما معه حسب استطاعته، ولا يكن من الغافلين. ما يقصده من التلاوة: قراءة القرآن أفضل أعمال اللسان، وتدبر معانيه أفضل أعمال القلب. هذا من حديث أبي أمامة عند الترمذي الذي قدمناه في القسم الأول. فليقصد التالي التقرب إلى الله- تعالى- بهما.

стр. 142

والقرآن موعظة ترقق القلوب القاسية فليقصد تليين قلبه. والقرآن شفاء لأدواء النفوس في عقائدها وأخلاقها وأعمالها فليقصد الشفاء به من ذلك كله. والقرآن هدى ودلالة على كل ما يوصل إلى سعادة الدنيا والأخرى فليقصد الإهتداء بهدايته. والقرآن رحمة من الله للمؤمنين فليستنزل بتلاوته وتدبره الرحمة من الله- تعالى- بإفاضة علوم القرآن على قلبه وبتوفيقه إلى القيام بمقتضى هدايته. ولا يسلم تالي القرآن- لأنه غير معصوم- من ذنوب قد يصدأ لها قلبه، فليقصد بتلاوته جلاء قلبه والتوفيق للتوبة من ذنبه. وليجعل تلاوته لأجل تحصيل التوبة من أعظم وسائله إلى ربه. وقد مضى لك في الحديث القدسي في القسم الأول: "من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين". التحذير: زعم قوم: أن الصلاة على النبي- ﵌ خير لعامة الناس من تلاوة القرآن. قالوا: لأن الصلاة ثوابها محقق ولا يلحق فاعلها إثم، والقرآن إذا تلاه العاصي كانت تلاوته عليه إثماً لمخالفته لما يتلوه. واستدلوا على هذا بقول أنس ﵁ الذي تحسبه العامة حديثاً: "رُبَّ تَالٍ لِلْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ". فأدَّى هذا بمعتقديه إلى ترك قراءة القرآن أو التقليل منها. فليحذر من هذا الرأي ومما أدى إليه. للصلاة منزلتها وفضلها، وللقرآن منزلته وفضله، فليأت الذاكر من الصلاة ومن غيرها من أبواب الذكر بما لا يؤدي إلى ترك أو تقليل تلاوة القرآن الذي هو أفضل الأذكار.

стр. 143

وهذا الرأي المتقدم في تفضيل الصلاة على التلاوة مخالف تمام المخالفة لما نقلناه في "نتيجة الاستدلال" عن أئمة السلف والخلف من أن قراءة القرآن أفضل من جميع الأذكار، ولم يفرقوا في ذلك بين عامة وخاصة، ومخالف كذلك لمقاصد الشرع من تلاوة القرآن، وذلك من وجوه: الوجه الأول: إن المذنبين مرضى القلوب، فإن القلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. فكل معصية يأتي بها الجسد هي من فساد في القلب ومرض به، وإن الله- تعالى- قد جعل دواء أمراض القلب تلاوة القرآن فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (١)﴾، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ فمقصود الشرع من المذنبين أن يتلوه ويتدبره ويستشفوا به بألفاظه ومعانيه. وذلك الرأي يصرف المذنبين عن تلاوته. الوجه الثاني: إن القلوب تعتريها الغفلة والقسوة والشكوك والأوهام والجهالات. وقد تتراكم عليها هذه الأدران كما تتراكم الأوساخ على المرآة فتطمسها وتبطل منفعتها، وقد يصيبها القليل منها أو من بعضها، ولا تسلم القلوب على كل حال من إصابتها؛ فهي محتاجة دائماً وأبداً إلى صقل وتنظيف بتلاوة القرآن، وقد أرشد النبي- ﵌ إلى هذا- فيما رواه البيهقي في الشعب والقرطبي في التذكار- بقوله: "أن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد. قالوا:

стр. 144

يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن". فمقصود الشارع من المذنبين أن يتلوا القرآن لجلاء قلوبهم، وذلك الرأي يصرفهم عنه. الوجه الثالث: إن الوعيد والترهيب قد ثبتا في نسيان القرآن بعد تعلمه وذهابه من الصدور بعد حفظه فيها، فروى أبو داوود عن سعد: "ما من أمريء يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله أجذم". وروى الشيخان عن عبد الله: "إستذكروا القرآن فإنه أشد تقصياً من صدور الرجال من النعم". فمقصود الشرع دوام التلاوة لدوام الحفظ ودفع النسيان وذلك الرأي أدى إلى تقليلها أو تركها الموقع في النسيان. وإلى مخالفته مقصود الشرع بهذه الوجوه فإن له لوازم فاسدة. منها: أن صلاة النافلة مرغب فيها على العموم، وهي مشتملة على قراءة القرآن. فماذا يقول أصحاب هذا الرأي؟ فهل يرغِّبون المذنبين- أمثالنا- عن النافلة طرداً لأصلهم؟ أم ينهون عن قراءة القرآن في النافلة فيقولون ما لم يقله أحد؟ أم يقولون بالإقتصار على قراءة سورة فيتحكمون في الأحكام؟! ومنها: أنه قلَّ من يسلم من مخالفته للقرآن بعمله. فإذا ذهبنا مع ذلك الرأي حرم خلق كثير من تلاوة القرآن. وكفى بقول يؤدي إلى هذا كله راداً على نفسه. وأما قولهم: "إن تالي القرآن يأثم بقراءته مع مخالفته"، فهي دعوى لم يقيموا عليها من نص صحيح صريح من سنة أو كتاب، بل الدليل قائم على خلافها، فإن المذنب يكتب عليه ذنبه مرة واحدة ولا بكتب عليه مرة ثانية إذا ارتكب ذنباً آخر، وإنما يكتب عليه ذلك الذنب الآخر. فكيف إذا باشر عبادة التلاوة؟ والأصل القطعي - كتاباً وسنة- إن من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهو يبطل أن تجدِّد له سيئاته إذا جاء بحسنة تلاوة القرآن.

стр. 145

وأما قول أنس ﵁: "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه" فليس معناه أن القرآن يلعنه لأجل تلاوته، وكيف وتلاوته عبادة؟ وإنما معناه أنه ربما تكون له مخالفة لبعض أوامر القرآن أو نواهيه من كذب أو ظلم مثلاً فيكون داخلاً في عموم لعنه للظالمين والكاذبين، فخرج هذا الكلام مخرج التقبيح لمخالفته القرآن مع تلاوته بعثاً للتالي على سرعة الاتعاظ بآيات القرآن وتعجيل المتاب، لا مخرخ الأمر بترك التلاوة والإنصراف عنها. هذا هو الذي يتعين حمل كلام هذا الصحابي الجليل عليه بحكم الأدلة المتقدمة. وثبت في الصحيح قوله- ﵌: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه". وهذا في المتعبد بالصيام الذي يوقع الزور والعمل به في وقت صيامه، فيكون متلبساً بالعبادة والمخالفة في وقت واحد. ومع هذا فقد قال الشراح في معنى الحديث- والعبارة للقسطلاني-: "وليس المراد الأمر بترك صيامه إذا لم يترك الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور"، فهو كقوله ﷺ : ((من باع الخمر فليشقص الخنازير)، أي يذبحها، ولم يأمره بشقصها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر. وكذلك حذَّر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم له أجر صيامه. فمن باب أحرى وأولى أن لا يكون قول أنس ﵁ محمولاً على طلب ترك التلاوة من المذنب لأنه غير مباشر لذنبه في حال تلاوته، وإنما المقصود تحذيره من الإستمرار على المخالفة وترغيبه في المبادرة بالتوبة ليكمل له أجر تلاوته بكمال حالته. هذا حظ العلم في الإستدلال على حاجة المذنبين إلى تلاوة القرآن العظيم، وأما حظ التجربة، فوالله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت- وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب- أعظم إِلَانَةً للقلب،
следующие страницы →