← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

القسم العملي مقدار التلاوة: قد كان النبي- ﵌ لا يخلي ليله ولا نهاره من تلاوة القرآن وكان- كما قال القرطبي- يختمه في سبع. وهكذا قال لعبد الله بن عمر ﵁: "واقرأ في كل سبع ليال مرة " وقد كان قال له أولاً: "واقرأ القرآن في كل شهر" فلما قال إنه يطيق أكثر من ذلك نقله إلى العشرين وإلى الخمسة عشر وإلى العشر واتنهى به إلى السبع في قول الأكثر. وكان هذا فعل الأكثرين من السلف. وعند الترمذي وغيره من حديث ابن عمر ﵁ مرفوعاً: "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث" وهذا ترخيص فيما دون السبع وترغيب عما دون الثلاث. وقد فهم السلف من هذه الأحاديث بيان ما يكون وظيفته وحزباً يستمر عليه، فلذا لم يمتنعوا من ختم القرآن في أقل من ذلك في مرات في بعض الأحوال. وقد ثبت عن كثير منهم ختم القرآن في ركعة واحدة. ولا شك أن أحوال حملة القرآن تختلف في التفرغ للتلاوة والإشتغال بغيرها، وأحوال الشخص الواحد في نفسه تختلف كذلك، فيرتب حامل القرآن حزبه من الشهر إلى السابع على حسب حاله. فإذا لم يكن من حملة القرآن فلا يخلُ ليله ولا نهاره من تلاوة شيء مما معه حسب استطاعته، ولا يكن من الغافلين. ما يقصده من التلاوة: قراءة القرآن أفضل أعمال اللسان، وتدبر معانيه أفضل أعمال القلب. هذا من حديث أبي أمامة عند الترمذي الذي قدمناه في القسم الأول. فليقصد التالي التقرب إلى الله- تعالى- بهما.

стр. 142

والقرآن موعظة ترقق القلوب القاسية فليقصد تليين قلبه. والقرآن شفاء لأدواء النفوس في عقائدها وأخلاقها وأعمالها فليقصد الشفاء به من ذلك كله. والقرآن هدى ودلالة على كل ما يوصل إلى سعادة الدنيا والأخرى فليقصد الإهتداء بهدايته. والقرآن رحمة من الله للمؤمنين فليستنزل بتلاوته وتدبره الرحمة من الله- تعالى- بإفاضة علوم القرآن على قلبه وبتوفيقه إلى القيام بمقتضى هدايته. ولا يسلم تالي القرآن- لأنه غير معصوم- من ذنوب قد يصدأ لها قلبه، فليقصد بتلاوته جلاء قلبه والتوفيق للتوبة من ذنبه. وليجعل تلاوته لأجل تحصيل التوبة من أعظم وسائله إلى ربه. وقد مضى لك في الحديث القدسي في القسم الأول: "من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين". التحذير: زعم قوم: أن الصلاة على النبي- ﵌ خير لعامة الناس من تلاوة القرآن. قالوا: لأن الصلاة ثوابها محقق ولا يلحق فاعلها إثم، والقرآن إذا تلاه العاصي كانت تلاوته عليه إثماً لمخالفته لما يتلوه. واستدلوا على هذا بقول أنس ﵁ الذي تحسبه العامة حديثاً: "رُبَّ تَالٍ لِلْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ". فأدَّى هذا بمعتقديه إلى ترك قراءة القرآن أو التقليل منها. فليحذر من هذا الرأي ومما أدى إليه. للصلاة منزلتها وفضلها، وللقرآن منزلته وفضله، فليأت الذاكر من الصلاة ومن غيرها من أبواب الذكر بما لا يؤدي إلى ترك أو تقليل تلاوة القرآن الذي هو أفضل الأذكار.

стр. 143

وهذا الرأي المتقدم في تفضيل الصلاة على التلاوة مخالف تمام المخالفة لما نقلناه في "نتيجة الاستدلال" عن أئمة السلف والخلف من أن قراءة القرآن أفضل من جميع الأذكار، ولم يفرقوا في ذلك بين عامة وخاصة، ومخالف كذلك لمقاصد الشرع من تلاوة القرآن، وذلك من وجوه: الوجه الأول: إن المذنبين مرضى القلوب، فإن القلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. فكل معصية يأتي بها الجسد هي من فساد في القلب ومرض به، وإن الله- تعالى- قد جعل دواء أمراض القلب تلاوة القرآن فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (١)﴾، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ فمقصود الشرع من المذنبين أن يتلوه ويتدبره ويستشفوا به بألفاظه ومعانيه. وذلك الرأي يصرف المذنبين عن تلاوته. الوجه الثاني: إن القلوب تعتريها الغفلة والقسوة والشكوك والأوهام والجهالات. وقد تتراكم عليها هذه الأدران كما تتراكم الأوساخ على المرآة فتطمسها وتبطل منفعتها، وقد يصيبها القليل منها أو من بعضها، ولا تسلم القلوب على كل حال من إصابتها؛ فهي محتاجة دائماً وأبداً إلى صقل وتنظيف بتلاوة القرآن، وقد أرشد النبي- ﵌ إلى هذا- فيما رواه البيهقي في الشعب والقرطبي في التذكار- بقوله: "أن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد. قالوا:

стр. 144

يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن". فمقصود الشارع من المذنبين أن يتلوا القرآن لجلاء قلوبهم، وذلك الرأي يصرفهم عنه. الوجه الثالث: إن الوعيد والترهيب قد ثبتا في نسيان القرآن بعد تعلمه وذهابه من الصدور بعد حفظه فيها، فروى أبو داوود عن سعد: "ما من أمريء يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله أجذم". وروى الشيخان عن عبد الله: "إستذكروا القرآن فإنه أشد تقصياً من صدور الرجال من النعم". فمقصود الشرع دوام التلاوة لدوام الحفظ ودفع النسيان وذلك الرأي أدى إلى تقليلها أو تركها الموقع في النسيان. وإلى مخالفته مقصود الشرع بهذه الوجوه فإن له لوازم فاسدة. منها: أن صلاة النافلة مرغب فيها على العموم، وهي مشتملة على قراءة القرآن. فماذا يقول أصحاب هذا الرأي؟ فهل يرغِّبون المذنبين- أمثالنا- عن النافلة طرداً لأصلهم؟ أم ينهون عن قراءة القرآن في النافلة فيقولون ما لم يقله أحد؟ أم يقولون بالإقتصار على قراءة سورة فيتحكمون في الأحكام؟! ومنها: أنه قلَّ من يسلم من مخالفته للقرآن بعمله. فإذا ذهبنا مع ذلك الرأي حرم خلق كثير من تلاوة القرآن. وكفى بقول يؤدي إلى هذا كله راداً على نفسه. وأما قولهم: "إن تالي القرآن يأثم بقراءته مع مخالفته"، فهي دعوى لم يقيموا عليها من نص صحيح صريح من سنة أو كتاب، بل الدليل قائم على خلافها، فإن المذنب يكتب عليه ذنبه مرة واحدة ولا بكتب عليه مرة ثانية إذا ارتكب ذنباً آخر، وإنما يكتب عليه ذلك الذنب الآخر. فكيف إذا باشر عبادة التلاوة؟ والأصل القطعي - كتاباً وسنة- إن من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهو يبطل أن تجدِّد له سيئاته إذا جاء بحسنة تلاوة القرآن.

стр. 145

وأما قول أنس ﵁: "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه" فليس معناه أن القرآن يلعنه لأجل تلاوته، وكيف وتلاوته عبادة؟ وإنما معناه أنه ربما تكون له مخالفة لبعض أوامر القرآن أو نواهيه من كذب أو ظلم مثلاً فيكون داخلاً في عموم لعنه للظالمين والكاذبين، فخرج هذا الكلام مخرج التقبيح لمخالفته القرآن مع تلاوته بعثاً للتالي على سرعة الاتعاظ بآيات القرآن وتعجيل المتاب، لا مخرخ الأمر بترك التلاوة والإنصراف عنها. هذا هو الذي يتعين حمل كلام هذا الصحابي الجليل عليه بحكم الأدلة المتقدمة. وثبت في الصحيح قوله- ﵌: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه". وهذا في المتعبد بالصيام الذي يوقع الزور والعمل به في وقت صيامه، فيكون متلبساً بالعبادة والمخالفة في وقت واحد. ومع هذا فقد قال الشراح في معنى الحديث- والعبارة للقسطلاني-: "وليس المراد الأمر بترك صيامه إذا لم يترك الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور"، فهو كقوله ﷺ : ((من باع الخمر فليشقص الخنازير)، أي يذبحها، ولم يأمره بشقصها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر. وكذلك حذَّر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم له أجر صيامه. فمن باب أحرى وأولى أن لا يكون قول أنس ﵁ محمولاً على طلب ترك التلاوة من المذنب لأنه غير مباشر لذنبه في حال تلاوته، وإنما المقصود تحذيره من الإستمرار على المخالفة وترغيبه في المبادرة بالتوبة ليكمل له أجر تلاوته بكمال حالته. هذا حظ العلم في الإستدلال على حاجة المذنبين إلى تلاوة القرآن العظيم، وأما حظ التجربة، فوالله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت- وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب- أعظم إِلَانَةً للقلب،

стр. 146

واستدراراً للدمع، وإحضاراً للخشية، وأبعث على التوبة من تلاوة القرآن وسماع القرآن. نعود إلى تتميم الكلام على التحذير: ليحذر القاريء من السرعة في التلاوة التي تؤدي إلى تخليط كلماته وتذهب بحلاوته وتمنع من بقاء أثره في النفس. وليحذر من ذهاب قلبه مسترسلاً مع خواطره، منصرفاً عن تدبره والتذكر به. وإذا عرضت له الخواطر فليصرفها ليدفعها وليحمل فكره على تدبر آيات الكتاب ولا ينقطع عن التلاوة، وإذا كانت الخواطر لا تفارقه، فإن تصميمه على دفعها مع تكاثرها من جهاده لنفسه الذي يثاب عليه وينتهي به في الأخير إلى الإنتصار عليها. وليحذر من الإستمرار على ما عنده من مخالفة لأوامر ونواهي الكتاب، ومن عدم الخوف والوجل عند المرور بآيات الوعيد والتقريع على ذلك الذنب، إذا لم يوفق للتوبة في بعضها فليستحضر الخشية والخشوع عند الآيات المتعلقة بذلك الذنب، وليكررها وليتفهمها وليقف عندها وقفة العاجز الذليل الفقير المتضرع لربه، المتعرض لرحمته، بتلاوة كلامه، فإن هذا من أعظم الوسائل لتيسير التوبة. فرتل القرآن، وتدبر معانيه، والتزم حدوده، واضرع إلى الله - تعالى- أن يرزقك التوبة فيما عندك له من مخالفة، تكن من الفائزين بإذن رب العالمين (١).

стр. 147

خُطْبَةٌ فِي افْتِتَاحِ دُرُوسِ التَّفْسِيرِ الْعَامِ بِالْجَامِعِ الْأَخْضَرِ ــ الحمد لله الذي شرفنا بخطابه، وألهمنا حفظ كتابه، وجعلنا من أمة سيد أحبابه. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي اختاره الله - تعالى- من صميم العنصر العربي ولبابه، وحلاَّه بأسمى معارف النوع البشري وأكمل آدابه، وأرسله رحمة للعالمين ليكشف عن الدين ما كشف من حجابه، ويهدي من سبقت له العناية الربانية إلى أعتابه، فأدَّى الرسالة وبلغ الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى رجع الحق إلى نصابه. وعلى الغرِّ الميامين من آله، والشم الغطاريف من أصحابه، وعلى التابعين لهم بإحسان على مر الزمان وتوالي أحقابه. أما بعد، فإن القرآن كلام الجبار، وسيد الأذكار، فيه من العلم ما يفتح البصائر، ومن الأدب ما ينوِّر السرائر، ومن العبر ما يبهر الألباب، ومن الحكم ما يفتح للعلم والعمل كل باب، هو القول الفصل، والحكم العدل، فمن استهدى بغيره ضل، ومن سلك غير نهجه زل، ومن اتبعه كان على الصراط المستقيم. فالحمد لله الذي يسَّر لنا العودة إلى تفسيره، والكرع من عذب نميره. وطوبى وبشري- إن شاء الله تعالى- لحاضري دروسه، بالنفع العميم، والأجر العظيم، والنعيم المقيم. والله نسأل أن يرزقنا الإخلاص في القصد، والصحة في الفهم، والبيان في القول، والتوفيق في العمل، والتيسير للختم، إنه المولى

стр. 148

الكريم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين (١). ... - صورة - المقصورة الواقعة داخل الجامع الأخضر التي كان يجلس فيها الشيخ عبد الحميد بن باديس قبل ابتداء الدرس، والجامع الأخضر أسسه حسين باي للصلاة والتعليم سنة ١١٥٦هـ ...

стр. 149

- صورة - منبر الجامع الأخضر ــ

стр. 150

- صورة - سدة الجامع الأخضر التي كان يعلم فيها يعض المواد التي تمنع فرنسة تدريسها كالتاريخ والجغرافية ... صورة عامة للحرم في مسجد سيدي الأخضر (الجامع الأخضر) الذي يعتبر أهم مركز ثقافي وأهم مؤسسة تربوية علمية من المؤسسات التي علم فيها الشيخ عبد الحميد بن باديس ﵀ ــ

стр. 151

-صورة- الجامع الأخضر ومأذنته ــ

стр. 152

إِفْتِتَاحُ الدُّرُوسِ الْعِلْمِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِالْجَامِعِ الْأَخْضَرِ وَمَسْجِدِ سَيِّدِي قَمُّوشْ خُطْبَةُ الإِفْتِتَاحِ ألقاها عبد الحميد بن باديس بعد صلاة العشاء بالجامع الأخضر مفتتحاً بها درس تفسير القرآن العظيم الذي افتتح به التدريس كما هي العادة في كل سنة. ــ الحمد لله حمداً كبيراً كثيراً، ومجده أكبر، ورفده أكثر. والشكر لله شكراً جزيلاً وفيراً، ونعمته أجزل ورحمته أوفر. أحمده، قذف بالحق على الباطل فدمغه فأزهقه. وأشكره، نصر حزب الحق وبحلية آلائه طوقه. وخذل حزب الباطل وبغمة كيده أشرقه. فله الحمد، وله الشكر بدءاً وعوداً رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، توحيداً خالصاً له في ألوهيته وربوبيته. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله تصديقاً صادقاً له في نبوَّته ورسالته، شهادة تتنكَّب بها عن سبل الغالين والمقصرين.

стр. 153

ونكون بها على ملَّة إبراهيم- ﵇: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ونرجو بها من فضل ربنا أن نكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. والصلاة والسلام على الشاهد المبشر النذير، الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب العربي القرشي الهاشمي إمام الأنبياء وخاتم المرسلين. ورضي الله عن آله الطيبين الطاهرين، وعن أصحابه الهادين المهتدين ... -صورة- مسجد سيدي قموش، أسس سنة ١٣٤٣هـ - ١٩٢٤م كما هو مكتوب عليه كان يدرِّس فيه الشيخ عبد الحميد (صورة خارجية) ...

стр. 154

وعن أئمة الهدى من صالح سلف المؤمنين، وعن التابعين لهم بإحسان من جميع المسلمين. أما بعد، فقد عدنا- بفضل الله- إلى رياض القرآن المونقة، وأنهاره العذبة المتدفقة، وأنواره الواضحة المشرقة، نتعظ بمواعظه الملينة للصخور، ونتعالج بدوائه الشافي لما في الصدور، ونستهدي بهداه الموضح للصراط المستقيم، ونستنزل رحمته العامة للمؤمنين. ... -صورة- غرفة الشيخ عبد الحميد في مسبجد سيدي قموش ...

стр. 155

-صورة- محراب مسجد سيدي قموش ــ

стр. 156

-صورة- السبورة التي كان يعلم بها الشيخ عبد الحميد بن باديس في مسجد سيدي قموش ــ

стр. 157

وعدنا- والحمد لله- إلى مدارسة القرآن العظيم الذي (١) أنزله الله آمراً وزاجراً، وسنة خالية، ومثلاً مضروباً فيه نبأنا، وخبر مَن كان قبلنا وحكم ما بيننا لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، لا يشبع منه العلماء، ولا تزيغ له الأهواء، هو الحق ليس بالهزل. من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن قسم به قسط، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم. من طلب الهدى في غيره أضله الله، ومن حكم بغيره قصمه الله. هو الذكر الحكيم، وهو النور المبين، هو الصراط المستقيم، وهو حبل الله المتين، فمن تمسك به نجا، ومن تركه كان من الهالكين - عياذا بالله السميع العليم. فالله نسأله- كما وفقنا لقراءته ومدارسته- أن يوفقنا لفقهه ومتابعته، وأن يجعله- في الدارين- حجة لنا لا علينا، وأن يكون نوراً لنا في الدنيا والآخرة، وفي عرصات القيامة، وعلى متن الصراط حتى ندخل معه الجنة دار السلام بسلام آمنين، آمين يارب العالمين (٢). ..

стр. 158

خُطْبَةُ اِفْتِتَاحِ لِدُرُوسِ التَّفْسِيرِ هَاتِهِ السَّنَةِ جرت عادتنا أن نفتتح دروس التفسير من كل سنة بخطبة، تارة نخرج منها إلى نفس التفسير وتارة نطرق بعدها موضوعاً مناسباً للمقام. ولم نكن فيما مضى نعود إلى كتابتها وفي هذه السنة رأينا أن نحلي بها صدر الشهاب تعميماً للفائدة. ــ الحمد لله الذي جمل الإنسان بالبيان، وجمل البيان بالقرآن، فالإنسان دون بيان حيوانٌ أبكم، والبيان دون قرآن كلام أجذم، وذو البيان والقرآن هو الأكمل الأعظم، قدراً وتقديراً، والأحسن الأقوم، عملاً وتفكيراً، والأسعد الأكرم، حالاً ومصيراً. أحمده، أرسل محمداً- ﵌ بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأنزل عليه القرآن تبصرة وذكرى، ومعجزة كبرى، حجة وتذكيراً، وشرع لنا من دينه الحنيف، مناهل العز والسعادة، ومهد لنا من شرعه الشريف سبل الحسنى والزيادة، رحمة منه- تعالى- وفضلاً كبيراً. وأشكره، هدانا واجتبانا، فرضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، وحبب إلينا ديننا، فوالله لو بذلت لنا الدنيا بحذافيرها في تركه ما ساوت عندنا حبة رغاماً، توفيقاً منه تعالى ويقيناً صادقاً منَّا وبصراً بصيراً.

стр. 159

واستغفره لما كان منا من نقص وتقصير في الوفاء بعهده الحق وشكر فضله الكبير، إنه كان عفواً غفاراً شكوراً. وأصلي وأسلم على سيدنا محمد أشرف خلقه وأكرم رسله، فرق بالقرآن بين الحق والباطل، وهدى به الضالَّ وعلَّم به الجاهل، وجاهد به- في الله- جهاداً كبيراً. وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، اقتفوا طريقته، وأحيوا سنته، فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم ولقَّاهم نضرةً وسروراً. وجزاهم بما صبروا جنةً وحريراً. وعلى بقية أمته، وأهل ملته، لبوا دعوته وأموا غايته ناشطاً وحسيراً. صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم نلقى محمداً- ﵌ ونسعد بلقائه ونحشر بين الأمم تحت لوائه، ونجزى بمحبته- إن شاء الله تعالى- جزاءاً موفوراً. أما بعد؛ فقد عدنا- والحمد لله تعالى- إلى مجالس التذكير، من دروس التفسير، نقتطف أزهارها، ونجتني ثمارها، بيسر من الله - تعالى- وتيسير. على عادتنا من تفسير الألفاط بأرجح معانيها اللغوية، وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانية، وربط الآيات، بوجوه المناسبات، معتمدين في ذلك على صحيح المنقول وسديد المعقول، مما جلاه أئمة السلف المتقدمون أو غاص عليه علماء الخلف المتأخرون- رحمة الله عليهم أجمعين-. وعمدتنا فيما نرجع إليه من كتب الأئمة تفسير ابن جرير الطبري، الذي يمتاز بالتفاسير النقلية السلفية، وبأسلوبه الترسلي البليغ في بيان معنى الآيات القرآنية، وبترجيحاته لأولى الأقوال عنده بالصواب. وتفسير الكشاف الذي يمتاز بذوقه في الأسلوب القرآني وتطبيقه

стр. 160

فنون البلاغة على آيات الكتاب والتنظير لها بكلام العرب واستعمالها في أفانين الكلام. وتفسير أبي حيان الأندلسي الذي يمتاز بتحقيقاته النحوية واللغوية وتوجيهه للقراءات. وتفسير الرازى الذي يمتاز ببحوثه في العلوم الكونية، مما يتعلق بالجماد والنبات والحيوان والإنسان، وفي العلوم الكلامية ومقالات الفرق والمناظرة في ذلك والحجاج. إلى غير هذا مما لا بد لنا من مراجعته من كتب التفسير والحديث والأحكام، وغيرها مما يقتضيه المقام. نقول هذا ليعرف الطلبة مصادر درسنا، ومآخذ ما يسمعونه منا. ونحن نعلم أننا- والله- كما قال أخو العرب: لَعَمْرُ أَبِيكَ مَا نُسِبَ الْمُعَلَّى ... إِلَى كَرَمٍ وَفِي الدُّنْيَا كَرِيمُ وَلَكِنَّ الْبِلَادَ إِذَا اقْشَعَرَّتْ ... وَصَوَّحَ نَبْتُهَا رُعِيَ الْهَشِيمُ وكما نقول في مثل: "إِنَّمَا نُكَحِّلُ فِي مَوْضِعَ الْعَيْنَيْنِ" وإذا نظرنا إلى قصورنا وخطورة مقام الكلام على كلام الله- تعالى- أحجمنا. وإذا رأينا إلى فضل الله وثقتنا به وحسن قصدنا- إن شاء الله تعالى- في خدمة كتابه أقدمنا. وهذا الجانب الكريم أرجح عندنا، فنحن نقدم معتمدين على الله تعالى، سائلين منه تعالى لنا ولكم أن يوفقنا إلى حسن القصد، وصحة الفهم، وصواب القول، وسداد العمل.

стр. 161

دَعْوَةُ أَهْلُ الْكِتَابِ . ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١)﴾. ــ أرسل الله محمداً ﷺ لجميع الأمم فكانت رسالته عامة وكانت دعوته عامة مثلها. وجاءت آيات القرآن بالدعوة العامة في مقامات، وبالدعوة الخاصة لبعض من شملتهم الدعوة العامة في مقامات أخرى. ولما أرسل الله محمدا ﷺ كان الخلق قسمين: أهل كتاب - وهم اليهود والنصارى- وغيرهم. وكان أشرف القسمين أهل الكتاب بما عندهم من النصيب من الكتاب الذي أوتوه على نسيانهم لحظ منه وتحريفهم لما حرفوا وكانوا أولى القسمين باتباع محمد ﷺ بما عرفوا قبله من الكتب والأنبياء، فلهذا وذاك كانت توجه إليهم الدعوة الخاصة بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ إلى آخر الآيتين. وفي ندآئهم بيا أهل الكتاب تشريف وتعظيم لهم بإضافتهم للكتب، وبعث لهم على قبول ما جاء به محمد - صلى الله

стр. 162

عليه وسلم - لأنه جاء بكتاب، وهم أهل الكتاب، واحتجاج عليهم بأن الإيمان بالكتاب الذي عندهم يقتضي الإيمان بالكتاب الذي جاء به لأنه من جنسه. أدب واقتداء: هذا هو أدب الإسلام في دعوة غير أهله ليعلمنا كيف ينبغي أن نختار عند الدعوة لأحدٍ أحسن ما يدعى به وكيف ننتقي ما يناسب ما نريد دعوته إليه، فدعاء الشخص بما يحب مما يلفته إليك ويفتح لك سمعه وقلبه، ودعاؤه بما يكره يكون حائل يبعد بينك وبينه. وإذا كان هذا الأدب عاماً في كل تداع وتخاطب فأحق الناس بمراعاته هم الدُّعاة إلى الله والمبينون لدينه، سواء دعوا المسلمين أو غير المسلمين. بيانه لهم، حجته عليهم: كانت كتبهم مقصورة على أحبارهم ورهبانهم مخفية عندهم لا تصل إليها أيدي عامتهم، فكانوا لا يظهرون منها إلا ما يشاؤون، ولا تعرف عامتهم منها إلا ما أظهروا، فجاءهم رسول الله ﷺ وهو أمي من أمة أميَّة، يبين لهم بما أنزله الله عليه وأوحى إليه من آيات الله وحججه وأحكامه وكلمات رسله فيما عندهم مما هو حجة عليهم مقداراً كثيراً، ويتجاوز عن كثير مما عندهم من ذكر قبائح أسلافهم وذمهم، وما لقي رسل الله- عليهم الصلاة والسلام- من عنتهم وشرهم وأذاهم. فكان هذا البيان العليم وهذا الخلق الكريم من هذا النبي الأمي كافياً أن يعرفهم بنبوته وصدق دعوته ونهوض حجته، ولهذا ذكر الله هذا البيان وهذا التجاوز في أول صفاته لما أخبرهم بمجيئه إليهم بقوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.

стр. 163

تمثيل: في أول الإصحاح العشرين من سفر اللاويين التصريح برجم الزناة فأبطل أحبارهم هذا الحكم وعوضوه بغيره من التخفيف وكتموا النص فبينه لهم النبي ﷺ والقصة مشهورة في كتب السنن. جاءت صفات النبي ﷺ التي لا تنطبق على غيره فكتموها مثل قول عيسى ﵇. وفي الفقرة الثانية عشرة وما بعدها في الإصحاح السادس عشر من إنجيل يوحنا: (إن لي أموراً كثيرةً أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم). صرح عيسى- ﵇ بأن الله هو الإله وحده، وأن عيسى رسوله، فكتموها وقالوا فيه ما قالوا. جاء في الفقرة الثانية من الإصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا قول عيسى- ﵇: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته). وأمثال هذا فيما عندهم كثير. أدب واقتداء: على الداعي إلى الله والمناظر في العلم أن يقصد إحقاق الحق وإبطال الباطل وإقناع الخصم بالحق وجلبه إليه، فيقتصر من كل حديثه على ما يحصل له ذلك، ويتجنب ذكر العيوب والمثالب- ولو كانت هنالك عيوب ومثالب- إقتداء بهذا الأدب القرآني النبوي في التجاوز مما في القوم عن كثير. وفي ذكر العيوب والمثالب خروج عن القصد وبعد عن الأدب وتعد على الخصم وإبعاد له وتنفير عن الإستمتاع والقبول وهما المقصود من الدعوة والمناظرة.

стр. 164

نعمة الإظهار والبيان بالرسول والقرآن: لقد كان الناس أهل الكتاب وغيرهم قبل بعثه النبي ﷺ في ظلام من الجهل بالله وبأنبيائه وبشرعه. ومن الجهل بآيات الله في أنفسهم وفي الكون. ومن الجهل بنعم الله عليه في أنفسهم بالعقل والفكر والإستعداد للخير والكمال، وفي العالم المسخر لهم بما أودع فيه من مرافق العيش والعمران والحياة، ومن الجهل بقيمة أنفسهم الإنسانية وكرامتها وحريتها. فلما بعث الله محمداً ﷺ كان بقوله وبفعله وبسيرته معرفاً للخلق لما كانوا يجهلون. فكان نوراً ساطعاً في ذلك الظلام الحالك فبدده عن البصائر. وكما أن النور الكوني يجلو الموجودات الكونية للأبصار فكذلك كان محمد ﷺ ذلك النور الروحي الرباني يجلو تلك الحقائق للبصائر، وكما أن النور الكوني يظهر الموجودات الكونية فلا يحرم منها إلا معدوم البصر فكذلك كان محمد ﷺ ذلك النور الرباني مجلياً للحقائق البشرية كلها ولا يحرم من إدراكها إلا مطموسو البصائر الذين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. وكما كان محمد ﷺ نوراً تنبعث من أقواله وأفعاله وسيرته الأشعة الكاشفة للحقائق، كذلك كان الكتاب الكريم الذي أنزله الله عليه يبين بسوره وآياته وكلماته تلك الحقائق أجلى بيان. فبمحمد ﷺ وكتابه تمت نعمة الله- تعالى- على البشرية كلها بإظهار وبيان كل ما تحتاج إلى اظهاره وبيانه. ولما دعا الله إلى تصديق رسوله بالحجة العلمية الخلقية من بيانه وتجاوزه ذكر بهذه النعمة العظمى في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. محمد ﷺ والقرآن نور وبيان: في هذه الآية وصف محمد ﷺ بأنه نور

стр. 165

ووصف القرآن بأنه مبين. وفي آيات أخرى وصف القرآن بأنه نور بقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا (١)﴾ ووصف الرسول بأنه مبين كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢)﴾. وهذا ليبين لنا الله- تعالى- أن إظهار النبي ﷺ وبيانه وإظهار القرآن وبيانه واحد، ولقد صدقت عائشة ﵂ لما سئلت عن خلق النبي ﷺ فقالت: (كان خلقه القرآن) (٣). إستفادة: نستفيد من هذا: أولاً- أن السنة النبوية والقرآن لا يتعارضان ولهذا يرد خبر الواحد إذا خالف القطعي من القرآن. وثانياً- أن فقه القرآن يتوقف على فقه حياة النبي ﷺ وسنته وفقه حياته ﷺ يتوقف على فقه القرآن، وفقه الإسلام يتوقف على فقههما. إقتداء: هذا نبينا ﷺ نور وبيان، وهذا كتابنا نور وبيان، فالمسلم المؤمن بهما المتبع لهما له حظه من هذا النور وهذا البيان، فهو على ما يسر له من العلم- ولو ضئيلاً- يبينه وينشره، يعرف به الجاهل ويرشد به الضال وهو بذلك وبعمله الصالح كالنور يشع على من حوله وتتسع دائرة إشعاعه وتضيق بحسب ما عنده من

стр. 166

علم وعمل. فعلى المسلم أن يعلم هذا من نفسه ويعمل عليه ليضرع إلى الله دائماً في دعواته أن يمده بنوره وليدع بدعاء النبي ﷺ الذي كان يدعو به في ذلك وهو: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً وتحتي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وأجعل لي نوراً) (١). الهداية ونوعها: قد دل الله الخلق برسوله وبكتابه على ما فيه كمالهم وسعادتهم ومرضاة خالقهم، وهذه هي هداية الدلالة وهي من فضل الله العام للناس أجمعين وبها وبما يجده كل عاقل في نفسه من التمكن والاختيار - قامت حجة الله على العباد. ثم يسر من شاء- وهو الحكيم العدل- إلى العمل بما دل عليه من أسباب السعادة والكمال. وهذه هي دلالة التوفيق وهي من فضل الله الخاص بمن قبلوا دلالته وأقبلوا على ما أتاهم من عنده فآمنوا برسوله والنور الذي أنزل معه كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (٢)﴾ وأما الذين أعرضوا عن ذكره وزاغوا عما دلهم عليه فأولئك يخذلهم ويحرمهم من ذلك التيسير كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١)﴾. فالمقبلون على الله القابلون لما أتاهم من عنده هُدوا دلالة وتوفيقاً والذين أعرضوا قامت عليهم الحجة بالدلالة وحرموا من التوفيق في جزاء إعراضهم.

стр. 167

بماذا تكون الهداية: كما أنعم الله على عباده بالهداية إلى ما فيه كمالهم وسعادتهم كذلك أنعم عليهم فبين لهم ما تكون به الهداية حتى يكونوا على بينة فيما به يهتدون، إذ من طلب الهدى في غير ما جعله الله سبب الهدى كان على ضلال مبين. فلذا بيَّن تعالى أن هدايته لخلقه إنما تكون برسوله وكتابه فيتمسك بها من يريد الهدى وليحكم على من لم يهتد بها بالزيغ والضلال. ولما كانا في حكم شيء واحد في الهداية يصدق كل واحد منهما الآخر- جاء بالضمير مفرداً في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾. لمن تكون الهداية: أما هداية الدلالة والإرشاد وحدها فهي كما تقدم عامة، وأما هداية الدلالة والإرشاد مع التوفيق والتسديد فهي للذين اتبعوا ما جاءهم من عند الله من رسوله وكتابه، وكانوا باتباعهم لهما متبعين لرضوانه المقتضي لقبوله ومثوبته وكرامته لهم، ولم يتبعوا أهواءهم ومألوفاتهم وما ألفوا عليه آباءهم ولا أهواء الناس ورضاهم. فكان اتباعهم لرضوان الله سبباً في دوام إرشادهم وتوفيقهم وبقدر ما يكون ازدياد اتباعهم يكون ازدياد توفيقهم، إذ قوة السبب تقتضي قوة المسبب، والخير يهدي إلى الخير والهدى يزداد بالإهتداء. وهذا الربط الشرعي بين التوفيق والإتباع يقتضي الربط ما بين ضديهما: الإعراض والخذلان وأنه بقدر ما يكون الإعراض عن الهدى يكون الخذلان والحرمان والشر يدعو بعضه إلى بعض والسيئة تجر إلى السيئة. وقد أفاد تخصيص التوفيق بأهل الإتباع وجعل التوفيق مسبباً عنه- بما في صلة الموصول من التعليل- قوله تعالى: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾. إلى ماذا تكون الهداية: فشؤون الشخص في نفسه وشؤونه فيما بينه وبين أهله وفيما بينه

стр. 168

وبين بنيه وفيما بينه وبين أقاربه وفيما بينه وبين جيرانه وفيما بينه وبين من تربطه به علاقة من علاقات الحياة ومصالحها، وشؤون الجماعات وشؤون الأمم فيما بينها، كل هذه الشؤون سبل وطرق في الحياة تسلك ويسار عليها للبلوغ إلى الغايات المقصودة منها مما به صلاح الفرد والمجموع. وكلها إن سلكت بعلم وحكمة وعدل وإحسان كانت سبل سلامة ونجاة وإلا كانت سبل هلاك، فيحتاج العبد فيها إلى إرشاد وتوفيق من الله- تعالى-. وقد منَّ الله بفضله على العباد بهذا النبي الكريم والكتاب العظيم فمن آمن بهما واتبعهما ففيهما ما يهديه إلى كل ما يحتاج إليه في كل سبيل من تلك السبل في الحياة وباتباعها. واتباعهما اتباع لرضوان الله، يوفقه الله ويسدده في سلوك تلك السبل- الفردية والجماعية والأممية- إلى ما يفضي به إلى السلامة والنجاة. وتكون تلك السبل كلها له سبل سلام أي سلامة ونجاة لأنها أفضت به بإرشاد الله وتوفيقه جزاء لاتباعه وتصديقه إليها كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ (١)﴾. الإخراج من حالات الحيرة إلى حالة الاطمئنان: تمر على العبد أحوال يكون فيها متحيراً مرتبكاً كمن يكون في ظلام، منها حالة الكفر والإنكار، وليس لمنكر الحق المتمسك بالهوى والمقلد للآباء من دليل يطمئن به ولا يقين بالمصير الذي ينتهي إليه. ومنها حالة الشكِّ ومنها حالة اعتراض الشبهات ومنها حالة ثوران الشهوات، وكما أن الله يرشد ويوفق من اتبعوا رضوانه طرق السلامة والنجاة بالرسول ﷺ والقرآن، كذلك يخرجهم بهما باتباعهما والإهتداء بهما من ظلمات الكفر والشك والشبهات والشهوات وما فيها من حيرة وعماية إلى الحالة التي تطمئن فيها القلوب كما تطمئن

стр. 169

في النور عندما يسطع فيبدد سدول الظلام. فباتباعهما فقط تطمئن القلوب بالإيمان واليقين، فتضمحل أمامها الشبهات وتكسر سلطان الشهوات. فتلك الأحوال العديدة الظلمانية التي يكون فيها من أعراض عنهما أو خالفهما يخرج منها إلى الحالة النورانية الوحيدة وهي حالة من آمن بهما واتبعهما كما قال تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. على العبد أن يقبل ما فيه كماله وسعادته ومرضاة خالقه مما هداه الله إليه برسوله وكتابه وجعل قبوله له سبباً في توفيقه وإخراجه من الظلمات إلى النور، وعليه أن يعتقد أنه لا ينال شيئاً من التوفيق وحظاً من النور إلا بإذن الله، أي إرادته وتيسيره، فلا يعتمد على نفسه ولا على أعماله، وإنما يكون اعتماده على الله، فيحمله ذلك على الإجتهاد في العمل وعدم العجب به ودوام التوجه إلى الله وصدق الرجاء فيه والخوف من عقابه ودوام المراقبة له. ولأجل لزوم هذا الإعتماد على الله الميسر للأسباب الذي لا يكون في ملكه إلا ما أراد- قارن قوله ﴿يَهْدِي﴾ و ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ بقوله ﴿بِإِذْنِهِ﴾. الإسلام، هو السبيل الجامع العام: ما جاء به النبي ﵌ والقرآن العظيم هو دين الله الإسلام، فكل ما دل الله عليه الخلق بهما وما وفق إليه من العلم والعمل باتباعهما فهو من الإسلام، ولهذا لما ذكر تعالى إرشاده وتوفيقه للذين اتبعوا رضوانه وإخراجهم من الظلمات إلى النور ذكر إرشاده وتوفيقه لهم إلى الطريق المستوي الموصل إلى الكمال والسعادة ومرضاة الله الجامع لذلك كله بقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

стр. 170

الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله لازم دائم: إن الحاجة إلى إرشاد الله وتوفيقه دائمة متجددة، فكل عمل من أعمال الإنسان، وكل حال من أحواله هو محتاج فيه إلى هداية الله ودلالته ليعرف ما يرضاه الله منه مما لا يرضاه، وهو محتاج فيه إلى توفيق الله وتيسيره ليقوم بما يرضاه منه وشرعه له ودله عليه، ولن يزال العبد- غير المعصومين ﷺ تغشاه ظلمات الشبهات والشهوات فيحتاج إلى دلالة الله وتوفيقه ليخرج منها إلى نور الإيمان والإستقامة. فالعبد المحتاج دئماً إلى الرجوع إلى كتاب الله وما ثبت من سنة نبيه ﷺ ليهتدي إلى ما يرضي الله مما شرعه له من أحواله وأفعاله، وإلى ما يدفع عنه شبهاته وينقذه من شهواته ومحتاج إلى التوسل بذلك الرجوع إليهما وذلك الإتباع لهما إلى الله- تعالى- ليفتح له أبواب المعرفة ويمد له أسباب التوفيق. وهذا هو القصد من صيغة المضارع المفيدة للتجدد في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي﴾ و ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ و ﴿يَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. جعلنا الله من المتبعين لرضوانه، الرجاعين لكتابه وسنة رسوله ﷺ الفائزين منهما بالهداية، لخير غاية، بإذنه وفضله، بيده الخير وهو على كل شيء قدير (١).

стр. 171

سَبِيِلُ السَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ . ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾. ــ خلق الله محمداً ﵌ أكمل الناس وجعله قدوتهم وفرض عليهم اتباعه والائتساء به. فلا نجاة لهم من المهالك والمعاطب ولا وصول لهم إلى السعادة في دنياهم وأخراهم ومغفرة خالقهم ورضوانه، إلا باقتفاء آثاره والسير في سبيله. فلهذا أمر الله نبيه ﷺ أن يبين سبيله بياناً عاماً للناس تتضح المحجة للمهتدين وتقوم الحجة على الهالكين. أمره أن يبينها البيان الذي يصيرها مشاهدة بالعيان ويشير إليها كما يشار إلى سائر المشاهدات فقال له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾. ثم بين سبيله بثلاثة أشياء: الدعوة إلى الله على بصيرة، وتنزيه الله- تعالى- والبراءة من المشركين. فقال: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الدعوة إلى الله: فالنبي ﷺ من يوم بعثه الله إلى آخر لحظة من حياته كان يدعو الناس كلهم إلى الله بأقواله وأفعاله وتقريراته وجميع مواقفه في سائر مشاهده، وكانت دعوته هذه بوجوهها كلها واضحة

стр. 172

جلية لا خفاء بها، كما قال ﷺ : "وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء " (١) فكانت مشاهدة معينة كما أشير إليها في الآية إشارة المعاين المشاهد. كان يدعو إلى دين الله ويبين هو ذلك الدين وبمثله يدعو إلى عبادة الله وتوحيده وطاعته، ويشاهد الناس تلك العبادة والتوحيد والطاعة فكان ﷺ كله دعوة إلى الله. فما دعا إلى نفسه، فقد مات ودرعه مرهونة في دَيْن، وما دعا إلى قومه، فقد كان يقول: "لا فضل لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بتقوى الله". كان يدعو الناس كلهم، إذ هو رسول الله إلى الناس كلهم فكتب الكتب وأرسل الرسل فبلغت دعوته إلى الأمم وملوك الأمم. كان يدعو الكافرين كما يدعو المؤمنين، يدعو أولئك إلى الدخول في دين الله، ويدعو هؤلاء إلى القيام بدين الله، فلم ينقطع عن الإنذار والتبشير، والوعظ والتذكير. كان يدعو إلى الله على بينة وحجة يحصل بها الإدراك التام للعقل حتى يصير الأمر المدرك واضحاً لديه كوضوح الأمر المشاهد بالصبر فهو على بينة ويقين من كل ما يقول ويفعل، وفي كل ما يدعو من وجوه الدعوة إلى الله في حياته كلها وفي جميع أحواله. وكانت دعوته المبنية على الحجة والبرهان مشتملة على الحجة والبرهان، فكان يستشهد بالعقل ويعتقد بالعلم ويستنصر بالوجدان ويحتج بأيام الله في الأمم الخالية وما استفاض من أخبارها وبقي من آثارها من أنباء الأولين وما يمر الناس عليه مصبحين وبالليل. على كل مسلم أن يكون داعياً إلى الله: لقد كان في بيان أن الدعوة إلى الله هي سبيل محمد - صلى الله

стр. 173

عليه وسلم - ما يفيد أن على اتباعه- وهو قدوتهم ولهم فيه الأسوة الحسنة- أن تكون الدعوة إلى الله سبيلهم- ولكن لتأكيد هذا عليهم وبيان أنه من مقتضى كونهم أتباعه وأن اتباعهم له لا يتم إلا به- جاء التصريح بذلك هكذا: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. فالمسلمون أفراداً وجماعات عليهم أن يقوموا بالدعوة إلى الله وأن تكون دعوتهم على بينة وحجة وإيمان ويقين. وأن تكون دعوتهم وفقاً لدعوته وتبعاً لها. فمن الدعوة إلى الله دروس العلوم كلها مما يفقه في دين الله ويعرف بعظمة الله وآثار قدرته ويدل على رحمة الله وأنواع نعمته، فالفقيه الذي يبين حكم الله وحكمته داع إلى الله، والطبيب المشرح الذي يبين دقائق العضو ومنفعته داع إلى الله، ومثلهما كل مبين في كل علم وعمل. ومن الدعوة إلى الله بيان حجج الإسلام ودفع الشبه عنه ونشر محاسنه بين الأجانب عنه ليدخلوا فيه وبين مزعزعي العقيدة من أبنائه ليثبتوا عليه. ومن الدعوة إلى الله مجالس الوعظ والتذكير لتعريف المسلمين بدينهم وتربيتهم في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم على ما جاء به، وتحبيبهم فيه ببيان ما فيه من خير وسعادة لهم، وتحذيرهم مما أدخل من محدثات عليه هي سبب كل شقاوة وشر لحقهم، وبيان أنه ما من سبب مما تسعد به البشرية، أفرادها وأممها، إلا بينه لهم ودعاهم إليه. وما من سبب مما تشقا به البشرية أفرادها وأممها إلا بينه لهم ونهاهم عنه. وبيان أنه لولا عقيدته المتأصلة فيهم وبقاياه الباقية لديهم ومظاهره القائمة بهم لما بقيت لهم- وهم المجردون من كل قوة- بقية، ولتلاشت أشلاؤهم- وهم الأموات- في الأمم الحية. ومن الدعوة إلى الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة بدون استثناء، وإنما يتنوع الواحب بحسب

стр. 174

رتبة الاستطاعة. فيجب باليد فإن لم يستطيع فباللسان فإن لم يسطع فبالقلب وهو أضعف الإيمان وأقل الأعمال في هذا المقام. ومن الدعوة إلى الله ظهور المسلمين- أفراداً وجماعات- بما في دينهم من عفة وفضيلة، وإحسان ورحمة وعلم وعمل، وصدق وأمانة، فذلك أعظم مرغب للأجانب في الإسلام، كما كان ضده أعظم منفر لهم منه. وما انتشر الإسلام أول أمره بين الأمم إلا لأن الداعين إليه كانوا يدعون بالأعمال كما يدعون بالقول، وما زالت الأعمال عياراً على الأقوال. ومن الدعوة إلى الله بعث البعثات إلى الأمم المسلمة ونشر الكتب بألسنتها وبعث المرشدين إلى عوام الأمم المسلمة لهدايتهم وتفقيههم. كل هذا من الدعوة إلى الله ثابتة أصوله في سنة النبي ﵌ وسنة السلف الصالح من بعده. فعلى كل مسلم أن يقوم بما استطاع منه في كل وجه من وجوهه، وليعلم أن الدعوة إلى الله على بصيرة هي سبيل نبيه ﷺ وسبيل إخوانه الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - من قبله، فلم يكن المسلم ليدع من هذا المقام ثابتاً لكل مسلم ومسلمة، وحقا القيام به - بقدر الاستطاعة- على كل مسلم ومسلمة- فأهل العلم به أولى وهو عليهم أحق. وهم المسؤولون عنه قبل جميع الناس، وما أصاب المسلمين ما أصابهم إلا يوم قعد أهل العلم عن هذا الواجب. وإذا عادوا إلى القيام به- وقد عادوا والحمد لله- أوشك- إن شاء الله- أن ينجلي عن المسلمين مصابهم. تفرقة: ليس كل من زعم أنه يدعو إلى الله صادقاً في دعواه، فلا بد من التفرقة يين الصادقين والكاذبين والفرق بينهما- مستفاداً من الآية- بوجهين: الأول أن الصادق لا يتحدث عن نفسه ولا يجلب لها جاهاً ولا مالاً ولا يبغي لها من الناس مدحاً ولا رفعة. أما الكاذب فإنه

стр. 175

بخلافه فلا يستطيع أن ينسى نفسه في أقواله وأعماله. وهذا الفرق من قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾. الثاني: أن الصادق يعتمد على الحجة والبرهان فلا تجد في كلامه كذباً ولا تلبيساً ولا ادعاءً مجرداً، ولا تقع من سلوكه في دعوته على الْتِوَاء ولا تناقض ولا اضطراب. وأما الكاذب فإنه بخلافه، فإنه يلقي دعاويه مجردة ويحاول تدعيمها، بكل ما تصل إليه يده ولا يزال لذلك في حنايا وتعاريج لا تزيده إلا بعداً عن الصراط المستقيم. وهذا الفرق من قوله تعالى: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾. مباحث لفظية: (على بصيرة): يتعلق بأدعو واختيرت (على) لتدل على تمام التمكن. (أنا): تأكيد للضمير المستتر في أدعو. ونكتته الإعلان بنفسه في مقام الدعوة وشأن الداعي على بصيرة أن يجهر بدعوته ولا يستتر بها، واتصال اللفظ الدال عليه باللفظ الدال على أتباعه كما تتصل دعوتهم بدعوته. وشأن الصورة اللفظية مطابقة الصورة الخارجية، والكلام تصوير للواقع. (من): تفيد للعموم لكل تابع، وأكملهم في الإتباع أكملهم في الدعوة، لأن الموصول يفيد التعليل بصلته، فهم يدعون لأنهم متبعون. تنزيه الله تعالى: الإعتراف بوجود خالق للكون يكاد يكون غريزة مركوزة في الفطرة ويكاد لا تكون لمنكريه- عناداً- نسبة عددية بين البشر. ولكن أكثر المعترفين بوجوده قد نسبوا إليه ما لا يجوز عليه ولا يليق بجلاله من الصاحبة والولد والمادة والصورة والحلول والشريك في التصرف في الكون والشريك في التوجه والضراعة إليه والسؤال منه والإتكال عليه. فأرسل الله الرسل ليبيِّنوا للخلق تنزهه عن ذلك كله. وكان من سبيل محمد ﵌ أنه يدعو الخلق إلى الله وينزهه

стр. 176

عن كل ما نسبه إليه المبطلون وتخيله المتخيلون، وهو معنى قوله ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾. فهو يدعوهم إلى الله الذي قد عرفوا وجوده بفطرتهم وعرفوا أنه هو خالق الكون وخالقهم، لا يسميه إلا بما سمى به نفسه، ولا يصفه إلا بما وصف به نفسه، ويعرفهم بآثار قدرته ومواقع رحمته ومظاهر حكمته وآيات ربوبيته وألوهيته ووحدانيته في جلاله وسلطانه وينزهه عن المشابهة والمماثلة لشيء من مخلوقاته، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله. وهذا التنزيه- وإن كان داخلاً في الدعوة إلى الله- فإنه خصص بالذكر لعظم شأنه، فإنه ما عرف الله من شبهه بخلقه أو نسب إليه ما لا يليق بجلاله أو أشرك به سواه. وإن ضلال أكثر الخلق جاءهم من هذه الناحية، فمن أعظم وجوه الدعوة وألزمها تنزيه الله- تعالى- عن الشبيه والشريك وكل ما لا يليق. والمسلمون المتبعون لنبيهم ﷺ في الدعوة إلى الله على بصيرة متبعون له في هذا التنزيه عقداً وقولاً وعملاً واعلاناً ودعوة. مباحث لفظية: (سبحان) منصوب بفعل محذوف تقديره، أسبح، أي أنزه. والجملة معطوفة على جملة أدعو، فهي من بيان القبيل. البراءة من المشركين: الأمة التي بعث منها النبي ﷺ وهي أول أمة دعاها إلى الله هي الأمة العربية، وهي أمة كانت مشركة تعرف أن الله خلقها ورزقها وتعبد مع ذلك أوثانها، تزعم أنها تقربها إلى الله وتتوسط لها لديه. فكان النبي ﷺ كما يدعو إلى الله وينزهه يعلن ببراءته من المشركين وأنه ليس منهم براءة من عقيدتهم وأقوال وأعمال شركهم، فهو مباين لهم في العقد والقول والعمل مباينة

стр. 177

الضد للضد. فكما باين التوحيد الشرك باين هو المشركين وذلك معنى قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وهذه البراءة والمباينة، وإن كانت مستفادة من أنه يدعو إلى الله وينزهه فإنها نص عليها بالتصريح لتأكيد أمر مباينة المشركين (والبعد عن الشرك بجميع وجوهه وصوره جلية وخفيه) في جميع مظاهر شركهم حتى في صورة القول كما شاء الله وشاء فلان. فلا يقال هكذا ويقال: ثم شاء فلان، كما جاء في حديث بيناه في جزء من الأجزاء الماضية، أو في صورة الفعل، كأن يسوق بقرة أو شاة مثلاً إلى ضريح من الأضرحة ليذبحها عنده فإنه ضلال كما قاله (الشيخ الدرديري في باب النذور). فضلاً عن عقائدهم كاعتقاد أن هنالك ديواناً من عباد الله يتصرف في ملك الله، وأن المذنب لا يدعو الله وإنما يسأل من يعتقد فيه الخير من الأموات، وذلك الميت يدعو له الله.- لتأكيد أمر المباينة للمشركين، في هذا كله نص عليها بالتصريح كما قلنا، وللبعد عن الشرك بجميع وجوهه وصوره جليه وخفيه. والمباينة والتَّبري لازمة من كل كفر وضلال، وذلك مستفاد من الدعوة إلى الله وتنزيهه. وإنما خصص المشركين لما تقدم، ولأن الشرك هو شر الكفر وأقبحه. ولما كانت هذه المباينة والبراءة داخلة في الدعوة إلى الله وتنزيهه، فالمسلمون المتبعون لنبيهم ﷺ كما يدعون إلى الله على بصيرة وينزهونه، يباينون المشركين في عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم ويطرحون الشرك بجميع وجوهه ويعلنون براءتهم وانتفاعهم من المشركين. والحمد لله رب العالمين (١).

стр. 178

كَيْفَ تَكُونُ الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ وَالدِّفَاعُ عَنْهَا . "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (١). ــ سبيل الرب ﷻ : شرع الله لعباده بما أنزل من كتابه وما كان من بيان رسوله ما فيه استنارة عقولهم وزكاء نفوسهم واستقامة أعمالهم. وسمَّاه سبيلاً ليلتزموه في جميع مراحل سيرهم في هذه الحياة، ليفضي بهم إلى العناية المقصودة، وهي السعادة الأبدية في الحياة الأخرى. وأضافه إلى نفسه ليعلموا أنه هو وضعه، وأنه لا شيء يوصل إلى رضوانه سواه. وذكر من أسمائه الرب، ليعلموا أنَّ الرب- الذي خلقهم وطورهم ولطف بهم في جميع أطوار خلقهم ومراحل تكوينهم- هو الذي وضع لهم هذه السبيل، لطفاً منه بهم وإحساناً إليهم، لينهجوها في مراحل حياتهم. فكما كان رحيماً بهم في خلقه كان رحيماً بهم في شرعه. فيسيروا فيها عن رغبة ومحبة فيها، ومع شكر له وشوق إليه. وأمر نبيه ﵌ أن يدعو الناس أجمعين- وحذف معمول أدع لإفادة العموم - إلى هذه السبيل فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾.

стр. 179

إهتداء: أمر الله نبيه ﷺ أن يدعو إلى سبيل ربه، وهو الأمي المعصوم، فما ترك شيئاً من سبيل ربه إلا دعا إليه، فعرفنا بهذا أن ما لم يدع إليه محمد ﷺ فليس من سبيل الرب ﷻ ، فاهتدينا بهذا- وأمثاله كثير- إلى الفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ودعاة الله ودعاة الشيطان. فمن دعا إلى ما دعا إليه النبي ﷺ فهو من دعاة الله، يدعو إلى الحق والهدى، ومن دعا إلى ما لم يدع إليه محمد ﵌ فهو من دعاة الشيطان يدعو إلى الباطل والضلال. إقتداء: فالمسلم المتبع للنبي ﷺ لا يألو جهداً في الدعوة إلى كل ما عرف من سبيل ربه. وبقيام كل واحد من المسلمين بهذه الدعوة بما استطاع تتضح السبيل للسالكين، ويعم العلم بها عند المسلمين، وتخلو سبل الباطل على دعاتها من الشياطين. أركان الدعوة: أركان الدعوة أربعة: الداعي، وهو النبي:﵌. والمدعو، وهم جميع الناس. والمدعو إليه، وهو سبيل الرب ﷻ . والدعوة إلى سبيله الموصل إليه دعوة إليه، فالمدعو إليه في الحقيقة هو الله تعالى، والبيان عن الدعوة. وتجيء الآيات القرآنية منها ما هو حديث وبيان عن الداعي، ومنها ما هو حديث وبيان عن المدعو إليه، ومنها حديث وبيان عن بيان الدعوة. وتتضمن كل آية جاءت في واحد الذكر أو الإشارة للثلاثة الأخرى، وهذه الآية الكريمة جاءت في بيان كيفية الدعوة، وبماذا تؤدي

стр. 180

وكيف يدافع عنها مع ذكر الدَّاعي والمدعو إليه. فقال تعالى: ﴿بِ الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. الحكمة: الحكمة هي العلم الصحيح الثابت المثمر للعمل المتقن، المبني على ذلك العلم. فالعقائد الحقة والحقائق العلمية الراسخة في النفس رسوخاً تظهر آثاره على الأقوال والأعمال حكمة. والأعمال المستقيمة والكلمات الطيبة التي أثمرتها تلك العقائد: حكمة، والأخلاق الكريمة كالحلم والأناة وهي علم وعمل نفسي: حكمة. والبيان عن هذا كله بالكلام الواضح الجامع. حكمة، تسمية للدال باسم المدلول. إستدلال واستنتاج: في سورة الإسراء ثمان عشرة آية، جمعت أصول الهداية، من قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا " إلى: " وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾. وقد تكلمنا عليها في الجزء ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠، من المجلد السادس وقد جمعت تلك الآيات كل ما ذكرنا من العقائد الحقة والحقائق العلمية والأعمال المستقيمة والكلمات الطيبة والأخلاق الكريمة، وسمى الله ذلك كله حكمة فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (١).
следующие страницы →