← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

داخليتها فكيف يعتمد عليها في خارجيتها؟ فالوحدة السياسية بين هذه الأمم أمر غير ممكن ولا معقول ولا مقبول. واذا نظرنا إلى الأمة العربية على ضوء هذه الحقيقة فإنا نجد منها شعوبا مستقلة استقلالا حقيقيا فهذه تمكن بينها الوحدة السياسية وتجب. وقد وقعت في هذه الأيام- والحمد لله- فعلا بين المملكة السعودية والعراق واليمن ومن المنتظر انضمام مصر والشام إليهم يوم يتم استقلالهما. ثم نجد شعوبا أخرى وهي شعوب الشمال الإفريقي المصابة بالاستعمار فهذه لا وحدة سياسية بينها ولا بين غيرها ولا يتصور أن تكون. ومن الخير لها أن تعمل كل واحدة منها في دائرة وضعيتها الخاصة على ما يناسبها من الخطط السياسية التي تستطيع تنفيذها بالطرق المعقولة الوصلة، مع الشعور التام بالوحدة القومية والأدبية العامة والمحافظة عليها والمجاهرة بها، ونحن نعلم أن الواقع اليوم في شمالنا الإفريقي العربي هو هذا بعينه، فنقول- بكل صدق وصراحة- أن كل شعب من شعوب هذا الشمال مستقل تمام الاستقلال بخططه في سياسته، لا نعرف هيئة منهم تتصل بهيئة مع عمل الجميع على تغذية الشعور بالوحدة القومية والأدبية العامة. والأمير شكيب الذي تعده الدول المستعمرة ألد أعدائها وتنسب إليه- ظلما وزورا- كل حركة تقع في الأمم المصابة باستعمارها، يصرح في خطابه بعدم الوحدة السياسية بين شعوب العرب المغلوبة على أمرها وشعوبهم المستقلة، لأنه- وهو أكبر مدافع عن العرب والإسلام في الغرب والمشرق- رجل عملي ليس بخيالي، وسياسي مجرب خبير يعرف ما يقول ويفرق بين العمل المثمر والقول الفارغ الذي يثير الضجيج لينسب صاحبه إلى الغيرة والحماس، وإن كان يثير الغبار ويكدر الجو في نواح أخرى. هذا رأينا في الوحدة

стр. 1227

السياسية بين شعوب العرب. ونحن نعتقد أنه هو رأي جميع إخواننا العاملين في هذا الشمال (١). عبد الحميد بن باريس

стр. 1228

أصول الولاية في الإسلام من خطبة الصديق رضي الله تعالى عنه ــ لما بويع لأبي بكر الصديق- ﵁ بالخلافة رقي المنبر فخطب في الناس خطبة اشتملت على أصول الولاية العامة في الإسلام مما لم تحققه بعض الأمم إلا من عهد قريب على اضطراب منها فيه. وهذا نص الخطبة: "أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم". الأصل الأول: لا حق لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتولية الأمة فالأمة هي صاحبة الحق والسلطة في الولاية والعزل فلا يتولى أحد أمرها إلا برضاها فلا يورث شيء من الولايات ولا يستحق الاعتبار الشخصي. وهذا الأصل مأخوذ من قوله: "وليت عليكم" أي قد ولاني غيري وهو أنتم. الأصل الثاني: الذي يتولى أمرا من أمور الأمة هو أكفؤها فيه لا خيرها في

стр. 1229

سلوكه. فإذا كان شخصان اشتركا في الخيرية والكفاءة وكان أحدهما أرجح في الخيرية والآخر أرجح في الكفاءة لذلك الأمر قدم الأرجح في الكفاءة على الأرجح في الخيرية ولا شك أن الكفاءة تختلف باختلاف الأمور والمواطن فقد يكون الشخص أكفأ في أمر وفي موطن لاتصافه بما يناسب ذلك الأمر ويفيد في ذلك الموطن وإن لم يكن كذلك في غيره فيستحق التقديم فيه دون سواه. وعلى هذا الأصل ولي النبي ﵌ عمرو بن العاص غزاة ذات السلاسل وأمدَّه بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح فكانوا تحت ولايته وكلهم خير منه. وعليه عقد لواء أسامة بن زيد على جيش فيه أبو باكر وعمر. وهذا الأصل مأخوذ من قوله: "ولست بخيركم". الأصل الثالث: لا يكون أحد بمجرد ولايته أمرا من أمور الأمة خيرا من الأمة، وإنما تنال الخيرية بالسلوك والأعمال، فأبو بكر إذا كان خيرهم فليس ذلك لمجرد ولايته عليهم بل ذلك لأعماله ومواقفه، وهذا الأصل مأخوذ أيضا من قوله: "ولست بخيركم"، حيث نفى الخبر عند ثبوت الولاية. الأصل الرابع: حق الأمة في مراقبة أولي الأمر لأنها مصدر سلطتهم وصاحبة النظر في ولايتهم وعزلهم. الأصل الخامس: حق الوالي على الأمة فيما تبذله له من عون إذا رأت استقامته فيجب عليها أن تتضامن معه وتؤيده إذ هي شريكة معه في المسؤولية. وهذا - كالذي قبله- مأخوذ من قوله: "إذا رأيتموني على حق فأعينوني".

стр. 1230

الأصل السادس: حق الوالي على الأمة في نصحه وإرشاده ودلالته على الحق إذا ضل عنه، وتقويمه على الطريق إذا زاغ في سلوكه. وهذا مأخوذ من قوله: "وإذا رأيتموني على باطل فسددوني". الأصل السابع: حق الأمة في مناقشة أولي الأمر ومحاسبتهم على أعمالهم وحملهم على ما تراه هي لا ما يرونه هم، فالكلمة الأخيرة لها لا لهم وهذا كله من مقتضى تسديدهم وتقويمهم عندما تقتنع بأنهم على باطل ولم يستطيعوا أن يقنعوها أنهم على حق. وهذا مأخوذ- أيضا- من قوله: "وإن رأيتموني على باطل فسددوني". الأصل الثامن: على من تولى أمرا من أمور الأمة أن يبين لها الخطة التي يسير عليها ليكونوا على بصيرة ويكون سائرا في تلك الخطة عن رضى الأمة. إذ ليس له أن يسير بهم على ما يرضيه وإنما عليه أن يسير بهم فيما يرضيهم وهذا مأخوذ من قوله: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم" فخطته هي طاعة الله وقد عرفوا ما هو طاعة الله في الإسلام. الأصل التاسع: لا تحكم الأمة إلا بالقانون الذي رضيته لنفسها وعرفت فيه فائدتها وما الولاة إلا منفذون لإرادتها فهي تطيع القانون لأنه قانونها لا لأن سلطة أخرى لفرد أو لجماعة فرضته عليها كائنا من كان ذلك الفرد وكائنة من كانت تلك الجماعة فتشعر بأنها حرة في تصرفاتها وإنها تسير نفسها بنفسها وإنها ليست ملكا لغيرها من الناس لا الأفراد ولا الجماعة ولا الأمم. ويشعر هذا الشعور كل فرد من أفرادها إذ هذه الحرية

стр. 1231

والسيادة حق طبيعي وشرعي لها ولكل فرد من أفرادها. وهذا الأصل مأخوذ من قوله: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم". فهم لا يطيعونه هو لذاته وإنما يطيعون الله باتباع الشرع الذي وضعه لهم ورضوا به لأنفسهم وإنما هو مكلف منهم بتنفيذه عليه وعليهم فلهذا إذا عصى وخالف لم تبق له طاعة عليهم. الأصل العاشر: الناس كلهم أمام القانون سواء لا فرق بين قويهم وضعيفهم فبطبق على القوي دون رهبة لقوته، وعلى الضعيف دون رقة لضعفه. الأصل الحادي عشر: صون الحقوق حقوق الأفراد وحقوق الجماعات فلا يضيع حق ضعيف لضعفه ولا يذهب قوي بحق أحد لقوته عليه. الأصل الثاني عشر: حفظ التوازن بين طبقات الأمة عند صون الحقوق. فيؤخذ الحق من القوي دون أن يقسى عليه لقوته فيتعدى عليه حتى يضعف وينكسر. ويعطي الضعيف حقه دون أن يدلل لضعفه فيطغى عليه وينقلب معتديا على غيره. وهذا الأصل واللذان قبله مأخوذة من قوله: "ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه". الأصل الثالث عشر: شعور الراعي والرعية بالمسؤولية المشتركة بينهما في صلاح المجتمع، وشعورهما- دائما- بالتقصير في القيام بها ليستمرا على العمل بجد واجتهاد، فيتوجهان بطلب المغفرة من الله الرقيب عليهما وهذا مأخوذ من قوله: "أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم".

стр. 1232

هذا ما قاله ونفذه أول خليفة في الإسلام منذ أربعة عشر قرنا، فأين منه الأمم المتمدنة اليوم؟ فهل كان أبو بكر ينطق بهذا من تفكيره الخاص وفيض نفسه الشخصي؟ كلا! بل كان يستمد ذلك من الإسلام ويخاطب المسلمين يوم ذاك بما علموه وما لا يخضعون إلا له ولا ينقادون إلا به. وهل كانت هذه الأصول معروفة عند الأمم فضلا عن العمل بها؟ كلا! بل كانت الأمم غارقة في ظلمات من الجهل والانحطاط ترسف في قيود الذل والاستعباد تحت نير الملك ونير الكهنوت فما كانت هذه الأصول - والله إذن- من وضع البشر وإنما كانت من أمر الله الحكيم الخبير. نسأله- ﷻ أن يتداركنا ويتدارك البشرية كلها بالتوفيق للرجوع إلى هذه الأصول التي لا نجاة من تعاسة العالم اليوم إلا بها (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1233

توضيح إننا نفرق جيدا بين الروح الإنسانية والروح الاستعمارية في كل أمة فنحن بقدر ما نكره هذه ونقاومها، نوالي تلك ونؤيدها. لأنَّا نتيقن كل اليقين أن كل بلاء العالم هو من هذه، وكل خير يرجى للبشرية إنما يكون يوم تسود تلك. فلتسقط الروح الاستعمارية ولتندحر. ولترتفع الروح الانسانية ولتنتشر (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1234

الجزائر المسلمة تبرهن في أحرج مواقفها على تماسكها بشخصيتها: بإسلامها وعربيتها ــ كبر على الرجعيين وأشباه الرجعيين بفرنسا أن يعطوا الحقوق الانتخابية البرلمانية لعدد لا يتجاوز خمسة وعشرين ألفا من الأمة الجزائرية، ما داموا محافظين على شخصيتهم وقوميتهم، كما يقتضيه "بروجي فيوليت"، ورأوا أنهم لا يمكن أن ينعموا على الأمة الجزائرية بذه النعمة! إلا إذا رضيت بمحو شخصيتها والانسلاخ عن دينها. ثم منهم من صدر في رأيه هذا عن كيد للأمة الجزائرية لصدها عن نيل الحق الطفيف لأنه يعلم أنها لا تتنازل عن شخصيتها فيجد المبرر لحرمانها، وهذا هو الأكثر. ومنهم من صدر عن حسن قصد مغترا بكلمات طائشة من أفراد قالوها عن غضب أو قلة تبصر فحسب أن الأمة الجزائرية تخضع للأمر الواقع إذا ألزمت بمحو شخصيتها والانسلاخ عن دينها فأراد أن يحسن إليها ويرغم عتاة الاستعمار خصومها. فأصبحت الجزائر من هذين القسمين بين حرمانها من كل حق لها، وسلبها من أعز عزيز عليها، موقف- والله- من أحرج مواقفها. لقد كانت عبار "بروجي فيوليط" قبل "المؤتمر الإسلامي الجزائري" غير صريحة في المحافظة على الشخصية الإسلامية وكان قسم عظيم من الأمة ذاهبا مع تياره رغم ذلك الإبهام فلما انعقد المؤتمر في ١٧ جوان ١٩٣٦، كان عمل العلماء فيه المحافظة على تلك الشخصية

стр. 1235

حتى أعلن المؤتمر بالإجماع لزوم المحافظة عليها فلما عرض م فيوليت بروجيه على وزارة الجبهة الشعبية الأولى التي كان وزيرا فيها، حور بروجيه- نزولا- عند كلمة الأمة فصرح فيه بلزوم المحافظة على الشخصية الإسلامية. فلما قامت سوق الكلام على هذا "البروجي" في هذه المدة الأخيرة صرح بعض النواب الفرنسيبن من الجزائر أن المحافظة على الشخصية الإسلامية إنما هي وضع العلماء وتطرفت صحيفة استعمارية كبيرة فجعلته من تعصب ابن باديس. لكنه ما كادت الأمة تسمع بالمساومة على شخصيتها حتى قامت من جميع نواحي الوطن بالاعتراض والاستنكار. فنشر العلماء بيانا وتحذيرا للأمة والحكومة في جريدة "البصائر" وأوفدت جمعية النواب لعمالة قسنطينة وفدا وجمعية النواب لعمالة الجزائر وفدا، وجمعية النواب لعمالة وهران وفدا، والنواب الماليون والعماليون غير الداخلين في الجمعيات وفدا. وذهبت تلك الوفود كلها إلى باريس، ومعها وفد من رجال الواجهة الشعبية للمطالبة ببروجي فيوليت مع المحافظة التامة على الشخصية الإسلامية ولو أدى ذلك إلى الحرمان من كل حق. فكانت هذه كلمة الأمة الحازمة الحاسمة، وكانت هي الدليل القاطع على أن العلماء في كل ما يقومون به من خدمة الإسلام والعربية لبقاء الذاتية الإسلامية والشخصية القومية هم باسم الأمة يعملون وبلسانها ينطقون وأن كل من خذلهم في خدمتهم فقد خذل الأمة وكل من أيدهم في خدمتهم فقد أيد الأمة. فنحن نهيب بفرنسا التي لا نرى من مصلحة الجزائر في الوقت الحاضر قطعا أن تتراخى علاقاتها بها أن تحترم الأمة الجزائرية في إسلامها وعربيتها وتنيلها حقوقها. ونلفت نظر كل نائب إلى ما عليه من

стр. 1236

واجب في حماية الإسلام والعربية اللذين هما أعز كل عزيز على الأمة التي هو نائب عنها. وكفى بكلمتها الاجتماعية التي قالتها في مؤتمرها وفي هذا الموقف الحرج من مواقفها- دليلا على منزلتهما عندها (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1237

الخلافة أم جماعة المسلمين إن الخلافة هي المنصب الإسلامي الأعلى الذي يقوم على تنفيذ الشرع الإسلامي وحياطته بواسطة الشورى من أهل الحل والعقد من ذوي العلم والخبرة والنظر، وبالقوة من الجنود والقواد وسائر وسائل الدفاع. ولقد أمكن أن يتولى هذا المنصب شخص واحد صدر الاسلام وزمنا بعده- على فرقة واضطراب- ثم قضت الضرورة بتعدده في الشرق والغرب، ثم انسلخ عن معناه الأصلي وبقي رمزا ظاهريا تقديسيا ليس من أوضاع الإسلام في شيء. فيوم ألغى الأتراك الخلافة- ولسنا نبرر كل أعمالهم- لم يلغوا الخلافة الإسلامية بمعناها الإسلامي وإنما ألغوا نظاما حكوميا خاصا بهم وأزالوا رمزا خياليا فتن به المسلمون لغير جدوى. وحاربتهم من أجله الدول الغربية المتعصبة والمتخوفة من شبح الإسلام. علمت الدول الغربية المستعمرة فتنة المسلمين باسم "خليفة" فأرادت أن تستغل ذلك مرات عديدة أصيبت فيها كلها بالفشل. ليس عجيبا من تلك الدول أن تحاول ما حاولت وغاياتها معروفة ومقاصدها بينة. وإنما العجب أن يندفع في تيارها المسلمون وعلى رأسهم أمراء وعلماء منهم، ومن هذا الاندفاع ما يتحدث به في مصر فتردد صداه الصحف في الشرق والغرب وتهتم له صحافة الانكليز على الخصوص يتحدثون في مصر وفي الأزهر عن الخلافة كأنهم لا يرون المعاقل الانكليزية الضاربة في ديارهم ولا يشاهدون دور الخمور والفجور المعترف بها في قانونهم.

стр. 1238

كفى غرورا وانخداعا إن الأمم الإسلامية اليوم- حتى المستعبدة منها- أصبحت لا تخدعها هذه التهاويل ولو جاءتها من تحت الجبب وا لعمائم. للمسلمين- مثلما لغيرهم من الأمم- ناحيتان: ناحية سياسية دولية وناحية أدبية اجتماعية. فأما الناحية السياسية الدولية فهذه من شأن أممهم المستقلة ولا حديث لنا عليها اليوم. وأما الناحية الأدبية الاجتماعية فهي التي يجب أن تهتم بها كل الأمم الإسلامية المستقلة وغيرها لأنها ناصية تتعلق بالمسلم من جهة عقيدته وأخلاقه وسلوكه في الحياة في أي بقعة من الأرض كان، ومع أي أمة عاش وتحت أي سلطة وجد، وليست هذه الناحية الإنسانية المحضة دون الناحية الأولى في مظهر الإسلام ولا دونها في الحاجة إلى الحفظ والنظام لأجل خير المسلمين على الخصوص وخير البشرية العام .. إن الأمم الكاثوليكية- مثلا- على اختلاف أوضاعها السياسية وتباين مشاربها وأنظارها فيها، ترجع في ناحيتها الأدبية الدينية إلى مركز أعلى هو بابا روما المقدس الشخص والقول في نظر جميعهم. نعم ليس لنا- والحمد لله- في الإسلام بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم شخص مقدس الذات والقول تدَّعى له العصمة، ويعتبر قوله تنزيلا من حكيم حميد، ولكن لنا جماعة المسلمين وهم أهل العلم والخبرة الذين ينظرون في مصالح المسلمين من الناحية الدينية والأدبية ويصدرون عن تشاور ما فيه خير وصلاح. فعلى الأمم الإسلاميه جمعاء أن تسعى لتكون هذه الجماعة من أنفسها بعيدة كل البعد عن السياسة وتدخل الحكومات لا الحكومات الإسلامية ولا غيرها. لقد كنت كاتبت صاحب الفضيلة شيخ الأزهر الشريف بهذا المعنى ولكنني لم أتلق منه جوابا وعرفت السبب يوم بلغنا أن إخواننا الأزهريين

стр. 1239

هتفوا- يوما- بالخلافة لملك مصر فاروق الأول. وسيرى صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر، أن خيال الخلافة لن يتحقق، وأن المسلمين سينتهون يوما ما- إن شاء الله- إلى هذا الرأي (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1240

فلسطين الشهيدة رحاب القدس الشريف مثل رحاب مكة والمدينة، وقد قال الله في المسجد الأقصى في سورة الإسراء: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ليعرفنا بفضل تلك الرحاب. فكل ما هو واقع بها كأنه واقع برحاب المسجد الحرام ومسجد طيبة. حمى الإسلام تلك الرحاب من أيامه الأولى، وحمى جميع مقدسات جميع الملل وكف عادية بعضهم عن بعض وعاش اليهود تلك القرون الطويلة ينعمون برخاء العيش وحرية المعتقد واحترام المعاهد. تزاوج الاستعمار الانكليزي الغاشم بالصهيونية الشرهة فأنتجا لقسم كبير من اليهود الطمع الأعمى الذي أنساهم كل ذلك الجميل وقذف بهم على فلسطين الآمنة والرحاب المقدسة فأحالوها جحيما لا يطاق وجرحوا قلب الإسلام والعرب جرحا لا يندمل. نقول، لقسم كبير من اليهود، لأن هنالك من اليهود عددا كثيرا يستنكر هذا المأتى الجنوني الظلوم، ويعترف بجميل الإسلام والسعادة التي نعم بها اليهود ويهود القدس في ظله الوارف الأمين. فقد قدم رئيس الطائفة السامرية إلى حاكم نابلس عريضة احتج فيها باسم الطائفة على الاعتداءات الاثيمة التي وقعت على العرب في القدس وحيفا ويافا هذانصها: "نحن أفراد الطائفة السامرية رجالا ونساء نستنكر بشدة أعمال الاعتداءات الفظيعة التي يقوم بها أشخاص من اليهود ضد قوم أبرياء في حيفا ويافا والقدس، ونطلب بشدة الحيلولة دون تكرار هذه

стр. 1241

الحوادث المروعة ونصرح بأننا- على أقليتنا- نعيش منذ ألوف السنين مع مواطنينا العرب في سلام، ولم يحدث أن اعتدى منهم أحد علينا أو حاول اضطهادنا". هذه هي الحالة العامة التي كانت عليها فلسطين ألوف السنين حتى جاء الزوجان المشئومان الصهيونية والاستعمارية فكان البلاء على فلسطين كلها عربها ويهودها. فليست الخصومة بين كل عرب فلسطين ويهودها، ولا بين كل مسلم ويهودي على وجه الأرض، بل الخصومة بين الصهيونية والاستعمار الانكليزي من جهة والإسلام والعرب من جهة، والضحية فلسطين والشهداء حماة القدس الشريف. والميدان رحاب المسجد الأقصى، وكل مسلم مسؤول أعظم المسؤولية عند الله تعالى على كل ما يجري هنالك، من أرواح تزهق وصغار تيتم ونساء ترمل وأموال تهلك وديار تخرب وحرمات تنتهك، كما لو كان ذلك كله واقعاً بمكة أو بالمدينة، إن لم يعمل لرفع ذلك الظلم الفظيع بما استطاع. يريد الاستعمار الانكليزي الغاشم أن يستعمل الصهيونية الشرهة لقسم الجسم العربي وحطِّ قدس الإسلام فيملأ فلسطين بالصهيونيين المنبوذين من أمم العالم. ولأجل هذه الغاية الظالمة تجند جنود الانكليز وتجمع أموال الصهيون وتسفك الدماء البريئة وتلطخ بها الرحاب المقدسة. يجري كل هذا وترتفع له أصوات العالم الإسلامي والعالم العربي بالاحتجاج والاستنكار ويخاطب ملوك العرب والإسلام حكومة الانكليز فلا تزيد آذانها إلا صمما ولا قلبها إلا تحجرا. نقول العالم الإسلامي والعالم العربي، لأننا لم نر ولم- نسمع من غيرهما احتجاجا جديا واستنكارا صارخا حتى الذين يقيمون الدنيا

стр. 1242

ويقعدونها بصراخهم ويبذلون ما يبذلون من مساعداتهم في أوطان أخرى لم نرهم إزاء فلسطين الشهيدة إلا سكوتا أو شبه سكوت- وشتان ما بين من يريد المقاومة ومن يريد رفع الملام. نحن- المسلمين- أعداء الظلم بطبيعتنا الإسلامية ونرحم المظلوم ولو كان هو ظالما لنا. منذ أيام كنت في حانوت تاجر مسلم- وقد قرأ علي أخبارا عن اضطهادات ألمانية جديدة على اليهود فلما فرغ من القراءة قال لي: "هذا يا شيخ حرام عندنا في الإسلام احنا نخليو الناس كلهم يعيشوا بأموالهم" فقلت له: نعم، وأخذت أبين له كيف عاش اليهود في ظل الإسلام. هذا عامي من أوساط الناس متمسك بدينه ومتألم من حالة القدس الشريف ويعرف أن بلاءها من مهاجرة يهود ألمانيا وغيرهم ومع ذلك يستنكر ما يلحقهم من الظلم. وها هم اليهود اليوم قد شردتهم ألمانيا ومن قوانينها الجديدة عليهم بيع أملاكهم ببرلين بالمزاد العام ومنعهم في المستقبل من الامتلاك، ومنعهم من صناعة الطب بتاتاً، والحكومة اليونانية منعتهم من دخول أرضها ولو على سبيل السياحة، وإيطاليا أخذت في اضطهادهم بأساليب علمية دقيقة وسياسة قاتلة، وفرانسا أيضا قد هبت عليها هبات من هذه السموم ستصيب اليهود أو قد أصابهم شيء من لفحها. هذا حالهم بين الأمم المسيحية وقد عادوا - أو كادوا- كما كانوا في القرون الوسطى لا يطمئنون على أزواجهم وأموالهم وثقافتهم إلا في بلاد الإسلام، وها هم مع ذلك يستمرون على ظلم الإسلام في قدس الإسلام ولا ناهي لهم ولا ناصح ممن يسمعون لنهيه ونصحه. وما يدريهم أن هذا البلاء الذي ابتدئ بصبه عليم هو جزاء ظلمهم لفلسطين ظلم الفعل وظلم الرضا وظلم السكوت عن الاستنكار. وأان الله لينتقم من الظالم بالظالم، ثم ينتقم من الجميع. إن الدفاع عن القدس من واجب كل مسلم. وقد هب رجلات الإسلام في الشرق للقيام بهذا الواجب. فهنالك من ناحية الحكومات

стр. 1243

ما يقوم به وزير مصر ووزير العراق باسم ملوك العرب في لندن، وهنالك اللجنة البرلمانية المصرية للدفاع عن فلسطين تضم فريقا كبيرا من حضرات الشيوخ والنواب المصريين وقد اعتزموا على عقد مؤتمر برلاني عام للبحث في قضية فلسطين على أن يشترك في المؤتمر أيضا زعماء العرب والمسلمين في الأقطار العربية والإسلامية التي لا توجد فيها برلمانات وصح عزم اللجنة على أن يعقد المؤتمر في مدينة القاهرة إن شاء الله يوم الجمعة الموافق لـ ١٢ شعبان ١٣٥٧هـ و ١٧ أكتوبر سنة ١٩٣٨م. سيكون هذا المؤتمر الأول من نوعه في الشرق العربي وستعرف به الصهيونية والاستعمار البربطاني أنها أمام العالم الإسلامي والعربي لا أمام فلسطين وحدها فعلى المسلمين كلهم أن يؤيدوا هذا المؤتمز برفع أصواتهم إليه، وعلى اليهود الذين ينكرون ظلم الصهيونية وشرها أن يغتنموا هذه الفرصة الفريدة لإعلان استنكارهم. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1244

حول مساجين العلماء هل في سجن "الكدية" ما يذكرنا بـ (الباستيل)؟ ... ــ الباستيل وما أدراك ما الباستيل! وما أحوج الشعوب المستضعفة أن تعرف تاريخ الباستيل ونهاية الباستيل! هو حصن منيع اتخذه ملوك فرنسا المستبدون سجنا يلقون فيه الأحرار المفكرين، فيقضون أيام في ظلمات اقبائه حتى يأتي عليهم الموت، يلقونهم في غيابات هذا السجن الرهيب دون محاكمة ولا جرم معلوم. وفي ١٤ جوليت سنة ١٧٨٩ هاجم الشعب الفرنسي الثائر هذا الحصن وضربه بالمدافع واستولى عليه ومثل بحراسه شر تمثيل وأطلق سراح من فيه. كان سقوط هذا السجن رمزا لسلطة الشعب وفوز الأحرار، كما كان قيامه رمزا لاستبداد الملوك وخنق الحرية. لذلك اتخذ يوم سقوطه عيدا للحرية تجدد فرنسا ذكراه في كل عام. وكانت ذكراه في هذه السنة لمرور السنة ١٥٠ بالغة أقصى الفخامة والأبهة، اشترك فيها المستعبِدون، والمستعبَدون ... ما هي ميزة هذا السجن بين السجون؟ ميزته إلقاء الأحرار فيه دون محاكمة ولا جرم معلوم. وهذه الميزة لم يبق لها- فيما نعرف- من نظير في البلدان التي تملك أمر نفسها وتسيطر الشعوب فيها على حكومتها.

стр. 1245

أما في الأمم المملوكة أو الشعوب التي لا سلطان لها على حكوماتها فما تزال ميزة الباستيل باقية فيها إلى اليوم. وها نحن في الجزائر نرى ذلك ونتجرع آلامه. ففي سجن "الكدية" بقسنطينة قد ألقي أربعة من أعضاء جمعية العلماء المسلين الجزائريين دون جرم معلوم ودون أن يقدموا للمحاكمة، أربعة من العلماء: الشيخ عبد العزيز بن الهاشمي والشيخ عبد القادر الباجوري والشيخ علي بن سعد والسيد محمد الكامل، مضت عليهم في السجن سنة وأربعة أشهر مع المجرمين! ومن عجب المقارنات أن يحتفل بمرور ١٥٠ سنة على سقوط الباستيل وهم ينيؤون تحت ما من مثله أسقط الباستيل. لم يثر هؤلاء العلماء ضد السلطة ولا تداخلوا في أوضاعها الإدارية ولا أسسوا لتقويمها منظمات سياسية. وإنما قاموا بواجبهم الديني في بلادهم سوف (١) وقراها، ينشرون الإسلام ولغة الإسلام وينهضون بإخوانهم في دائرة دينهم وكان أهل تلك البلاد أرق أفئدة وأصفى عقولا وأمتن دينا وأسرع إجابة للحق والخير فانثالوا عليهم يجيبون داعي الله ويقبلون على تعلم الدين ولغة الدين. هذا ما كان والله. لكن الذين لا يرضيهم مثل هذا- وهم أصناف- بيتوا أمرهم وتعاقدوا على قتل هذه الزيادة الدينية العلمية من تلك الديار فصوروها صورتها وأوقعوا بتلك البلاد الآمنة ما أوقعوا مما سبله عليهم التاريخ. وكتب على صفحات القلوب بأقلام الضلوع وحبر الدموع، وسيق الناس إلى السجون والأعمال الشاقة وسيق هؤلاء الشيوخ على الخصوص بتهمة التآمر على أمن الدولة أو الثورة على النظام أو الاتصال

стр. 1246

بالأعداء أو ما شئت من مثل هذه التهم التي يتسع لها الخيال، ولم يثبت شيء منها- ولن يثبت- إلى الآن وبعد الآن. إننا لا نطلب العفو والإفراج عنهم، وإنما نطلب تقديمهم للمحاكمة ونشر قضيتهم أمام العدالة والرأي العام. إننا على ثقة من براء أصحابنا، وعلى ثقة من فضيحة هذه المعاملات الاستثنائية التي لا يرتضيها الحق، ولا تقتضيها- خصوصا في هذه الأوقات- مصلحة. وإذا كان من تقديم إخواننا للمحاكمة رفع مَّا للظلم عنا، فإن فيه محوا مَّا لكلفة شوهت وجه عيد الحرية. فإلى المحاكمة إن كنتم تريدون شر العدل وجمال الحرية (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1247

أولو الأمر هذه كلمة قرآنية، فمن هم المرادون بها؟ فقد أوجب الله طاعتهم على المؤمنين فمن اللازم شرعا أن يعرفوا ليمتثل أمر الله تعالى فيهم، فمن هم؟ قد اختلف فيهم فقيل هم- العلماء، وقيل هم الأمراء من المسلمين، والصحيح أنهم العلماء والأمراء معا وإليك البيان: لله الخلق والأمر، والأمر أمران: الأمر التكويني، والأمر التشريعي والثاني هو المراد هنا، وما أمر بطاعة أولي الأمر إلا لأنهم يأمرون بأمر الله، فكانت طاعتهم طاعة الله. وأمر الله نحتاج إلى تعيينه وإلى تنفيذه، فبالعلم يعين، وبالسلطان ينفذ، فالعلماء يصدق عليهم أولو الأمر لأنهم الذين يعينون أمر الله بطرائق العلم المقررة، والأمراء يصدق عليهم أولو الأمر لأنهم ينفذونه بحمل الناس عليه بما جعل الله لهم من سلطان. فإذا وجد العلماء دون الأمراء تعطلت الشريعة، وإذا وجد الأمراء دون العلماء ضلوا وأضلوا عن السبيل، ولا يستقيم الحال إلا بوجود الطائفتين وتعاونهما بطريق الشورى التي هي أساس الأمر في الإسلام. وقد بين لنا السلف الصالح ﵃ هذا بطريقة عملية فكان عمر ﵁ وقد جمع بين العلم والسلطان يجمع الصحابة في النوازل الهامة ويستشيرهم ويجعلهم في الشورى على طبقاتهم كما فعل عند ما خرج إلى الشام وسمع بالطاعون والقصة ثابتة في الموطأ وغيره. دعاني إلى كتابة هذا مقال جليل نفيس نشرته مجلة الهداية الإسلامية بقلم أستاذنا العلامة الجليل الشيخ الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري التونسي ثم المصري تحت عنوان (العلماء وأولو الأمر) فأحببت أن أنقله إلى قراء (الشهاب) وخشيت أن يفهم من عطف أولي الأمر على

стр. 1248

العلماء في العنوان المذكور، إن العلماء لا يصدق عليهم اللفظ القرآني فأحببت أن أبين القول الحق في صدقه على الطائفتين وأحببت أيضا أن تكون مقدمتي هذه الصغيرة أمام ذلك المقال الكبير تذكرة لجلوسي لتلقي تهذيب المنطق بين يدي الأستاذ بجامع الزيتونة- عمره الله- ولسماع دروس من صدر تفسير البيضاوي بدار الأستاذ بشارع باب منارة من تونس الخضراء العزيزة حرسها الله. ولا يخفى أن الأستاذ أبقاه الله ابن أخت العلامة الجليل الشيخ المكي ابن عزوز ﵀، وكلاهما من أبناء الطرقية، ولكن العلم سما بهما إلى بقاع التفكير والهداية والإصلاح ولكليهما- أحسن الله جزاءهما- كتابات في التحذير مما عليه الطرقية اليوم تارة بالتصريح وتارة بالتلميح. وإلى القراء الكرام نص مقال الأستاذ أبقاه الله وهو من ذلك الطراز (١)

стр. 1249

آثار ابن باديس قسم البرقيات والاحتجاجات

стр. 1250

شكر عام للإحساس العام تهاطلت على الإدارة البرقيات والكتب من جميع جهات القطر ومن تونس الشقيقة بالتهنئة بسلامة الأستاذ، والاستياء من توحش الجاني العليوي، مثلما تواردت وفود القسنطينبيبن من جميع طبقاتهم على داره، فجاءنا من جنابه ما يلي: إنني أشكر الشكر الجم الأمة الجزائرية جمعاء على ما ظهرته (١) من العطف والشعور نحو شخصي الضعيف، بما رأيت من القسنطينيين كلهم، وما تلقيته من الكتب والبرقيات من جميع الجهات. وأشكر كذلك الأمة التونسية العزيزة التي لا يفصلنا عنها غير الاعتبارات السياسية من فاصل في الوجود. إنني- وأيم الله- لأرى نفسي أحقر وأقل من هذا الاعتناء، ولكنني أسر وأبتهج عندما أعلم أن هذا الشعور العام دليل على (٢) في قلوب المسلمين من المكانة العظيمة لكلمة الحق وكلمة الدين اللذين ما أوذيت إلا في سبيلهما من طائفة تدعي الخصوصية في الإسلام وتبعث أتباعها يسطون على الأبرياء بالظلم والعدوان. فهذا العاجز يكرر شكره بلسان الحق والدين لأهل هذا الشعور الطاهر الشريف، سائلا من الله تعالى أن يزيده رسوخا في قلوبهم على مدى الأيام (٣). عبد الحميد بن باديس

стр. 1251

احتجاج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ضد اعتداء النائب المالي غراب وافترائه ــ كثر على هذا الرجل مع جهله باللغتين أن يتعرض لجمعية علمية كبرى فيتقول عليها بجمل لا يفهم معناها ومفردات ما جرت على لسانه من قبل- مثلما في خطابه ضد الجمعية الذي نشرناه بالعدد السابق- لولا أنه اعتاد أن يوحى إليه بالأمر فيجريه على لسانه، ويكتب له الكتاب فينسبه إلى نفسه. ولكنه ليس بكثير عليه ولا غريب عنه ولا بعيد عنه أن ينطوي قلبه على البغض والكيد للعلم والعلماء، فيغتنم فرصة اجتماع المستدعين لملاقاة الوالي العام في إدارة الأمور الأهلية فيلقي ما لقي إليه ويتحمل مسؤوليته بعد نشره، لأنه على مقتضى هواه من بغض العلم وأهله والسعي في إلحاق الشر والأذى بهم. ولولا اسم النيابة الذي يحمله- والله يعلم كيف كان حمله- والمجمع الحافل الذي نفث سمومه فيه، والإدارة الرسمية التي كان يلقي خطابه فيها لما بالت به الجمعية ولا أعارت كلامه أدنى التفات، ولكن مراعاة لهذه الوجوه فالجمعية ترفع احتجاجاتها لدى الأمة ولدى ممثل الحكومة الذي ألْقِيَ هذا الخطاب في حضرته. إحتجاجنا لدى الأمة: أيتها الأمة الجزائرية المسلمة! قد دعاك العلماء إلى العلم واحترام العلم واتباع العلم لما دعاك أضدادهم إلى الجهل وما يجر إليه الجهل، قد دعاك العلماء إلى التفكير في الدنيا والآخرة لما دعاك أضدادهم إلى الجمود والخمول في الدنيا والدين،

стр. 1252

قد دعاك العلماء إلى العمل والكد والتعاون لما دعاك أضدادهم إلى الكسل والبطالة والتواكل، قد دعاك العلماء إلى الله وعبادته وحده لما دعاك أضدادهم إلى أنفسهم وتقديسهم، قد دعاك العلماء إلى كتاب الله لما دعاك أضدادهم إلى خرافاتهم، قد دعاك العلماء إلى اتباع رسول الله- ﵌ والسلف الصالح- ﵃ لما دعاك أضدادهم إلى اتباع أسلافهم وبدعهم وقبيح عاداتهم، قد دعاك العلماء إلى البذل في سبيل الخير العام فالمغرم القانوني لما دعاك أضداده إلى البذل لهم وملء خزائنهم. هؤلاء العلماء - أيتها الأمة الكريمة- الذين دعوك دعوة الحق لا يريدون منك جزاء ولا شكورا، وهم يتحملون في سبيلك ما تعلمين وما لا تعلمين. قد قام هذا النائب الجاهل الذي تشرف بالنيابة عنك وتحملت مسؤولية ما يأتيه باسمك، يوجه مطاعنه الكاذبة ومفترياته السامة إلى جميع العلماء المسلمين الجزائريين يحاول نسفها من أصلها، ويطلب من الحكومة بإلحاح أن تعاملها المعاملة "الشديدة القاسية"، حتى كأنَّ المسكين تخيل نفسه نائب الحق العام أمام قفص الاتهام. فإليك أيتها الأمة التي ما رأت منها الجمعية إلا الإكرام بإكرامها لوفودها، وما رأت منها إلا الإقبال بإقبالها على جريدتها، التي ما راجت جريدة في القطر مثل رواجها، وما رأت منك إلا التأييد بما جاءها من وفودك للاجتماع العام الماضي من أجتماعاتها، فإليك - أيتها الأمة الكريمة- ترفع الجمعية احتجاجها على هذا النائب الجاهل المعتدي المفتري، وأنت تعرفين بعد أين تضعينه ... إحتججنا لدى الحكومة: أيتها الحكومة الفرنسوية، حكومة الجمهورية، المشيدة على العلم، والأمة التي قدس بمعلمة الأمة، ما أسسنا جمعيتنا إلاَّ على مقتضى قوانينك العادلة، وما أردنا إلا مساعدتك على تعليم وتهذيب وترقية

стр. 1253

هذه الأمة الجزائرية المرتبطة بك في السراء والضراء مدة قرن، وهي ما زالت تعرف بين الأمم بأنها أمة منحطة جاهلة، وقد خطبنا في الجموع الحاشدة وكتبنا في الصحف المنشرة، وما كانت دعوتنا في كل ما خطبنا وكتبنا إلا إلى العلم والتهذيب وتثقيف العقول وإتقان العمل كل والتعاون مع جميع السكان واحترام القوانين، ثم لم تكمل على تأسيس جمعيتنا سنتان حتى أصبحنا نلقى من الانتفاعيين الذين لا يعيشون إلا على الجهل ما نلقى من وشايات كاذبة تولد تقريرات باطلة، وتجرئ مثل هذا النائب على أن يقول ما قال. فإليك أيتها الحكومة العظيمة، نرفع احتجاجنا على هذا النائب المعتدي على كرامة العلتم، وهي كرامة الانسانية والعالم. إحتجاجنا إلى ممثل الحكومة في ذلك المجلس: أيها الممثل المحترم، قد كان جديراً بمجلسكم الموقر أن ينزه عن توجيه المطاعن الكاذبة لجمعية علمية محترمة في غيبتها. فإذا كان هذا النائب المتقول قد اعتدى على جمعيتنا فقد اعتدى على مجلسكم العظيم، وإذا كنا نحتج عليه لديكم لاعتدائه علينا فإنا نحتج عليكم لديكم لعدم اسكاته ولسكوتكم عليه. فعسى أن لا يجد مثله في المستقبل فرصة أمام أمثالكم للطعن والافتراء. وحسب الحكام العادلين وحسبنا منهم إثبات الحجة وتطبيق القانون، وذلك ما نرجو ونتحقق أنه من ممثلي فرنسا العظام سيكون، ولا نزال نسعى في خطتنا المستقيمة إلى غايتنا الشريفة واثقين مطمئنين وحسبنا الله ونعم الوكييل (١). عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. الرئيس: عبد الحميد بن باديس

стр. 1254

تلغراف الاحتجاج وقع حجز جريدة (السنة) بالعاصمة و المجلس الإداري للجمعية منعقد بها فاتفق المجلس على رفع احتجاج على تعطيله و كلف الرئيس برفعه بعد اتصاله بقرار التعطيل رسميا و لمّا اتصل به رفع الاحتجاج ببرقية هذا نصها: وزير الداخلية: باريس إنّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعرب لكم عن استيائها البالغ منتهاه وعن حزنها العميق الذي سببه تعطيل جريدة (٢) (السنة) العربية وتحتج بكل ما لها من قوة على قراركم الؤرخ بـ: ٢٢ جوان القاضي بهذا التعطيل الذي ينشأ عنه للجمعية ضرر مادي وأدبي جسيم. وإن عجب الجمعية عظيم جدا ومما يزيد في عظمه أنها تجهل أسباب التعطيل لعدم ذكرها في قراركم وأنها تعلن وتصرح أن الجريدة المعطلة لم تنشر إلا ما كتب في مواضيع دينية بحتة وفي مسائل لا تخرج عن دائرة العقائد والعبادات وتغتنم هذه الفرصة لإلفات نظركم إلى الدسائس التي يدسها لها بعض خصومها الذين لا غاية لهم سوى إنشاء شتى العراقيل في سبيل مشروعها التهذيبي الأخلاقي وتشويه سمعة أعضائها الذي (٣) يشهد الواقع بنزاهتهم التامة وبراءتهم من كل تهمة. رئيس الجمعية: عبد الحميد بن باديس

стр. 1255

رفع قضية ضد التعطيل وقد كلفنا محامي الجمعية برفع قضية لدى مجلس الدولة الأعلى ضد قرار التعطيل (١).

стр. 1256

جمعية العلماء المسلمين الجزائربين وصولاتها الجدد تنبيه إلى رؤساء الشعب ــ قرر مجلس إدارة الجمعية الجديد في اجتماعه الأول رفض العمل بباقي وصولات الجمعية المطبوعة أولا، وقرر وضع مثال جديد يطبع عليه وصولات جدد. وقد طبعت الوصولات الجدد وسلمت لأمين المال ليمضيها وسنوجه من مجلداتها إلى رؤساء شعب الجمعية راجين منهم النشاط في العمل للنهوض بالجمعية ماديا وأدبيا (١). من رئيس الجمعية: عبد الحميد بن باديس وداع وشكر: وقرر إرسال برقية وداع وشكر لعامل عمالة قسنطينة (م. كارل) وهي هذه: إن المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين المجتمع اليوم بنادي الترقي بلغه بمزيد الأسف نبأ مبارحتكم لهذا الوطن بعد أن عمرتم فيه بشرف ولياقة تامين الوظيف السامي الذي كان قلدتكم إياه

стр. 1257

الحكومة الجمهورية وقمتم به أحسن قيام مدة سنين عديدة. وأن الجمعية تقدر إحسانكم للأمة الإسلامية الجزائرية وتشكر لكم مواقفكم الشريفة في شتى الظروف والحوادث التي حركت ما كان ساكنا بهذا القطر كما تشكر لكم شكراً خالصا ما أظهرتم لها من العناية وستحفظ لكم بسبب ذلك ذكراً جميلا لا ينسيه تعاقب الأيام. رئيس الجمعية عبد الحميد بن باديس براءة: وقرر إرسال كتاب لجناب الوالي العام وهو هذا: إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد صرحت في ظروف وفرص مختلفة ولا زالت تصرح وتؤكد بأنها بريئة من كل صبغة سياسية وأن خطتها وغاياتها وأغراضها التي لم تحد ولن تحيد عنها قط هي دينية علمية تهذيبية لا غير. كما تصرح وتؤكد لكم من جديد بأنها مستقلة عن كل الطوائف، وكل الأحزاب السياسية وغيرها سواء في ذلك الداخلية منها والخارجية، وهي جمعية جزائرية إسلامية تعمل للأمة الجزائرية الإسلامية في دائرة الديانة الإسلامية والقوانين الفرنسوية خلافا لما قرأناه وفهمناه من التصريحات المنسوبة إليكم في جريدة (البتي باريزيان) في عددها الصادر يوم أول نفامبر سنة ١٩٣٣م. رئيس الجمعية عبد الحميد بن باديس

стр. 1258

إحتجاج ديني إنساني: وقرر إرسال برقية احتجاج لوزارة الخارجية وهي هذه: إن الحوادث الدامية التي وقعت أخيراً بفلسطين قد آلمتنا ومست شعورنا الديني وأن تلك البقاع المقدسة عند جميع الأمم والتي هي القبلة الأولى للإسلام مما يجب أن تستنكر الإنسانية وكل روح دينية كل ما يكون فيها من ترتيب يؤدي إلى إثارة الفتنة وسفك الدماء بها فنحن باسم الدين والإنسانية نقدم لوزارة الخارجية الفرنسوية التي هي الممثلة لرعاياها المسلمين في مثل هذه المواقف احتجاجنا ضد ذلك. برقية تألم: وقرر إرسال برقية إلى فضيلة مفتي القدس وهي هذه: آلمتنا كما آلمت كل مسلم الحوادث الدامية الواقعة بفلسطين وإننا رفعنا احتجاجنا ضد ذلك بواسطة وزارة الخارجية الفرنسوية. رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبد الحميد بن باديس

стр. 1259

تلغراف مرسل إلى السيد الوالى العام إن أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين البالغ عددهم ألفين، المجتمعين بعاصمة الجزائر من اجتماعهم العمومي السنوي يعربون عن إخلاصم لفرنسا وارتباطهم بها ويلفتون نظركم بكل احترام نحو الحالة السيئة الناشئة عن منع الوعاظ والمرشدين الأحرار من المساجد وتضييق حرية التعليم العربي وتعطيل الجرائد التي تصدرها الجمعية باللغة العربية ويطلبون منكم مراعاة للصالح العام وتهدئة للأفكار أن ترفعوا كل تحجير وكل منع من النوع المشار إليه وأن تصدروا الأوامر التي تكفل حرية الديانة، وحرية التعليم العربي وحرية الصحافة العربية. رئيس الجمعية عبد الحميد بن باديس

стр. 1260

حول مقال نشرته جريدة الطان بعنوان: "قبل اجتماع اللجنة العليا للبحر المتوسط" وأذاعته عنها جرائد الشمال الإفريقي اليومية الفرنسية ــ جريدة الطان الباريسية الكبرى تعمل على إثارة الشعب الجزائري وتهييج الرأي العام بما نشرته من تهم باطلة وأكاذيب ملفقة كنا نحسب أنها ذهبت بذهاب مروجيها وإبعادهم عن إدارة حكومة الجزائر واطلاع الحكومة العليا بباريس على الحقيقة. ترجمة ما يتعلق بالجزائر من مقال الطان: المنشور في عددها الصادر بتاريخ ٢١ فيفري ١٩٣٦م إلى العربية. ١ - تأثيره في الرأي العام الجزائري. ٢ - إحتجاج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بواسطة سمو الوالي العام. ٣ - رسالة الاحتجاج التي أرسلتها الجمعية إلى (الطان) وطلبت منها نشرها إحقاقاً للحق ورداً للفرية المفتراة. (ترجمة ما يتعلق بالجزائر من مقال لطان) (١) (عدد ٢١ فيفري ١٩٢٦م) عندما ألقى مسيو لوبر الوالي العام تقريره على مسامع مسيو سارو

стр. 1261

أثناء الأسبوع السالف، عزم رئيس الحكومة فجأة على استدعاء اللجنة العليا للبحر المتوسط، ذلك أنه في أيام قليلة، تغير الطقس السياسي في الكثير من الجهات الجزائرية، كأنما ذلك الأمر وقع بناء على أمر ورد من الخارج. فالمهيجون الذين نعرفهم من زمن بعيد، والذين كنا نعتقد أنهم أخلدوا لجانب الهدوء أثر الإنذارات التي تلقوها من مسيو ريني أثناء سياحته بقطر الجزائر سنة ١٩٣٥م قد عاد إليهم الإقدام، ولعلهم يهيئون الجماعات الأهلية للقيام بنفرة رهيبة كالتي لا تزال آثارها عالقة بأذهان سكان قسنطينة. فالدكتور ابن جلول مؤسس ورئيس جمعية النواب المسلمين والنائب في المجلس المالي والعمالي ونائب شيخ مدينة قسنطينة، يتهم الإدارة علنا في جريدته (الانطانط) بأنها تريد أن تلقي بالجزائر في ميدان النيران والدماء. ويتبعه في هذا الطريق السيدان ابن باديس والطيب العقبي، وهما على رأس العلماء، قد جمعا في نادي الترقي كل الذين يعملون على تحطيم النفوذ الفرنسمي، باستعمال الوسائل المختلفة وبمثابرة ودقة عنصرية. وفي كل جهة نجد دعاة ناشطين للمذهب الوهابي الجديد، وهم أعوان الجامعة العربية الذين يدينون بفكرة شكيب أرسلان، يرسلها إليهم من لوزان على طريق القاهرة، وطريقة عملهم غير متوحدة كما أن مطالبهم مختلفة: حرية الوعظ في المساجد والتعليم الحر بدون مراقبة. فهنا يقع حث الفلاحين على عدم دفع الضرائب وهم يقبلون، وهنالك تجمع الإعانات لشراء الديار التي ستكون تحت ستار المعاهد الدينية، مراكز لتعليم وتثقيف الناشئة الإصلاحية المتعصبة، وفي جهة أخرى يقع استثمار موت الأمير خالد حفيد عبد القادر، وقد توفي أخيرا بدمشق، ويقومون بدعوة لإقامة الصلوات العامة عليه.

стр. 1262

أما دعاية الأممية الثالثة (الشيوعية) فهي ليست بدعاية مبدئية، فدعاتها لا يبشرون بالشيوعية إنما يختارون أشياء يمكنهم بواسطتها الدعوة إلى حزب الثورة بين عملة السكة الحديد والمراسي وبقية الشغالين، فيدعونهم إلى مقاومة الفاشيستية وإلى تحبيذ سياسة الأعمال الزجرية النهائية (التي قررتها جمعية الأمم ضد إيطاليا) وبلا ريب أن العدالة قد استعملت حقها في زجر الزعماء الذين تقدموا بصفة فاضحة كالمنادي وبارتيل، إنما في غيبة هذين الزعيمين تقوم بالدعوة جمعية "الإعانة الأممية الحمراء" و"أحباب اورس س" الذين بواسطة جمعية "نجم شمال أفريقيا" يبثون في الأوساط الإسلامية أفلاما سنمائية تمجد أعمال الشيوعية، فناحيتا قسنطينة وتبسة القريبتان لتونس والتي يمكن الجولان بسهولة للدعاة بين تونس والجزائر بواسطتها، وتلمسان وهي مركز التعصب الديني القوي، هي النواحي التي تحوم حولها الشكوك بكثرة، والتي تسهر الولاية العامة على مراقبتها، حسبما سيبسطه مسيو لوبو أمام أعضاء اللجنة العليا للبحر المتوسط، انتهى. ... هذا هو المقال الذي نشرته الطان فأقام الجزائر وأقعدها، وصير الأمة الجزائرية ترجع في اتهامها وإساءة الظن بها إلى ما كانت عليه قبل عامين بعد أن هدأت الأفكار وركدت ريح المشاغبات وذهب الله بمن كانوا سببها وسبب كل ما حل ونزل بهذه الأمة الوديعة من جهد وبلاء، أما الاحتجاجات التي أثارها مفعول هذا المقال الذي كان وقعه جد شديد على الأمة كلها فهو كما يلي: إحتجاج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أبرق رئيس جمعية العلماء إلى سمو الوالي العام على القطر الجزائري "بباريس" إحتجاجا على ما نشرته جريدة (الطان) بالبرقية الآتية:

стр. 1263

سيدي الوالي العام: إن ما رمت به صحيفة (الطان) الأمة الجزائرية جمعاء قد أستاءت له جميع طبقاتها، وهي تعلن لسموكم براءتها من تلك التهم واستياءها من كل ما يورث حكومتها سوء الظن بها، وترجو من سموكم أن تبرئوا ساحتها من تلك التهم الباطلة. عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبد الحميد بن باديس رسلة جمعية العلماء إلى الطان رئيس تحرير صحيفة الطان المحترم: إن ما نشر بصحيفتكم في شأن الأمة الجزائرية وتصوير علمائها ونوابها وعامتها في صورة العداء لحكومتها الفرنسية ورميها بتهم هي منها بريئة، قد استاء له الفكر العام الجزائري، واعتبر تلك التهم الجارحة استخفافا منكم بكرامتها ونكرانا لمواقفها العديدة الناطقة بإخلاصها لحكومتها الفرنسية. إن نشريات كتلك تعد عند العقلاء تفتينا بين الأمة الهادئة، والحكومة العليا العادلة، وسعيا في إثارة الظنون السيئة وإيغار الصدور الصافية. إن الأمه الجزائرية قد بلغت حالتها ماديا وأدبيا إلى أسوأ ما يتصور. وأنها مع ذلك كله ملازمة لجانب الهدوء التام ومعتصمة بحبل الرجاء والانتظار، وأنها ما تزال مع ذلك تلاقي معاملات قاسية. رئيس التحرير المحترم! إن الإنسانية تقضي بالرأفة والرقة لحالة الأمة الجزائرية وأن النصح

стр. 1264

يقضي بمطالبة الحكومة بالإسراع إلى معالجة حالتها الحاضرة بما يرضي الأمة والإنسانية وتحسين سمعة حكومتنا الفرنسية في الداخل والخارخ (١). عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبد الحميد بن باديس

стр. 1265

عريضة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى جناب مدير الشؤون الأهلية العام (ميو) ــ مما تقرر في الجلسة الأخيرة لهيئة إدارة الجمعية رفع هذه العريضة إلى مدير الشؤون الأهلية العام بعد ترجمتها إلى اللغة الافرنسية، وقد أرسل إلينا رئيس الجمعية بنصها العربي موقعا عليه بإمضائه لتنشر في "البصائر" حسبما تقرر أيضاً، فبادرنا بنشرها حرفيا. (قلم التحرير) جناب السيد المدير العام للشؤون الأهلية والتراب الجنوبي بالولاية الجزائرية العامة! يا جناب المدير! كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين- لأول ما استلمتم مقالييد الإدارة الأهلية وتوسمت في شخصكم مخايل الحق والإنصاف- فاوضتكم بواسطة وفدها في حقوقها التي كانت مهضومة، وشرحت لكم النقط التي يشهد الحق أنها كانت وما زالت فيها مظلومة، وتقدمت إليكم بمطالب هي أصول لفروع وكليات لجزئيات. وقد سمع الوفد من جنابكم تصريحا بحقية مطالبها، ووعدا بإنصافها ورفع الظلم عنها. فعدت الجمعية ذلك التصريح منكم تسجيلا لحقوقها، وعدت ذلك الوعد منكم عهداً محقق الوفاء، وعقداً محقق التنفيذ، وأعلنت للأمة المغبونة في حقها، المحرومة من مساجدها، المرهقة في تعلمها وتعليمها، أن تلك القرارات الفردية الجائرة ستلغى، وأن ما مضى من
следующие страницы →