هل آن أوان اليأس من فرنسا ؟
إن الذين كانوا معنا يوم قابلنا رئيس الوزارة م بلوم باسم المؤتمر في جوليت من السنة الماضية، يعلمون تصريحه بأننا لا نرجع بأيدينا فارغة وأنه سيشرع في الحين القريب في تحضير مطالبنا المستعجلة، ويعلمون قول م فيوليط وهو بجنبة: ستحضر قبل يوم الأحد، ورجال ذلك الوفد يعلمون أنهم رجعوا بأيديهم فارغة. ولم يصدق لا الرئيس ولا الوزير. وقراء (الشهاب) لا ينسون ما كتبه (الشهاب) عن هذا الاخلاف وعن الوفد في عدد رجب وأكتوبر من السنة الماضية، والذين حضروا المؤتمر الثاني هذه السنة يعلمون ما نبهتهم عليه من أن فرانسا لم تجب أي مطلب من مطالب المؤتمر، والناس كلهم اليوم يعلمون ما نشرته الصحافة الفرنسية- رسميا- عن لجنة الثمانية عشر شهراً التي يرأسها م قرنوت وم ستيق وأنها بعد الثمانية عشر شهراً توفد وفوداً تسأل أسئلة مدققة؟! .. فماذا فهم الناس من هذا كله؟
أما الذين ينطرون إلينا من الخارج نظر الحاكم على الأمم بما يبدو من أعمالها وسيرها فإنهم يقولون: إن فرنسا تعد وتخلف لأنها رأت مصلحتها في الاخلاف، ولا يرجى منها إقلاع عنه ما دامت تعتقد مصلحتها فيه. والجزائر تنخدع وتطمع، ويمكن أن يطول انخداعها ويستمر طمعها ويمكن أن ينجلي لها سراب الغرور فتقلع عن الانخداع وتقطع حبل الطمع وتتصل باليأس وما يثمره اليأس ويقتضيه.
وأما نحن- الجزائريين- فإننا نعلم من أنفسنا أننا أدركنا هذا الاخلاف العرقوبي وأدركنا مغزاه وأخذ اليأس بتلابيب كثير منا وهو
стр. 1192
يكاد يعم، ولا نتردد في أنه قد آن أوانه ودقت ساعته ...
ماذا تريد فرنسا من مماطلتنا!
لقد أعلن شاعرنا القومي جواب هذا السؤال في قصيدته التي نشرناها في الجزء الماضي حيث قال:
ولعل من نظم السيا ... سة أن نغش وأن نغر
ولعل منها أن يدس ... لنا ونجذب للحفر
ولعل منها أن يبسس ... لنا لنحلب كالبقر
ولعل منها أن نما ... طل كي يساورنا الفجر
كذب رأي السياسة وساء فألها، كلا والله لا تسلمنا المماطلة إلى الضجر الذي يقعدنا عن العمل، وإنما تدفعنا إلى اليأس الذي يدفعنا إلى المغامرة والتضحية.
أيها الشعب الجزائري! أيها الشعب المسلم! أيها الشعب العربي الأبي! حذار من الذين يمنونك ويخدعونك، حذار من الذين ينومونك ويخدرونك، حذار من الذين يأتونك بوحي من غير نفسك وضميرك، ومن غير تاريخك وقوميتك، ومن غير دينك وملتك وأبطال دينك وملتك.
استوح الإسلام ثم استوح تاريخك ثم استوح قلبك.
اعتمد على الله ثم على نفسك، وسلام الله عليك.
عبد الحميد بن باديس
стр. 1193
الوطن والوطنية
الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء.
ــ
بهاتين الجملتين منذ نيف وعشر سنين توجنا جريدة (المنتقد) الشهيدة، وجعلناهما شعارا لها تحمله فى رأس كل عدد منها. هذا أيام كانت كلمة الوطن والوطنية كلمة إجرامية لا يستطيع أحد أن ينطق بها، وقليل جدا من يشعر بمعناها. وإن كان ذلك المعنى دفينا في كوامن النفوس ككل غريزة من غرائزها، لا سيما في أمة تنسب إلى العروبة وتدين بالإسلام مثل الأمة الجزائرية ذات التاريخ المجيد. أما اليوم وقد صارت كلمة الوطن والوطنية سهلة على كل لسان وقد يقولها قوم ولا يفقهون معناها، وقد يقولها آخرون بألسنتهم ولا يستطيعون أن ينتسبوا لها في المكتوب من رسمياتهم، ويفزع منها نن يتخيلون فيها ما يعرفون في وطنياتهم، وينكرها آخرون زعما منهم أنها ضد إنسانيتهم وعمومياتهم- فكان حقا لقراء (الشهاب) علينا أن نقول لهم كلمة مختصرة نبين بها حقيقة هذه الكلمة وأقسامها وأقسام الناس إزاءها، ومن أي قسم نحن من تلك الأقسام.
من نواميس الخلقة حب الذات للمحافظة على البقاء وفي البقاء عمارة الكون، فكل ما تشعر النفس بالحاجة إليه في بقائها فهو حبيب إليها، فالإنسان من طفولته يحب بيته وأهل بيته لما يرى من حاجته إليهم واستمداد بقائه منهم وما البيت إلا الوطن الصغير. فإذا تقدم شيئا في سنه اتسع أفق حبه وأخذت تتسع بقدر ذلك دائرة وطنه، فإذا دخل ميدان الحياة وعرف الذين يماثلونه في ماضيه وحاضره وما ينظر إليه من مستقبله، ووجد فيهم صورته بلسانه ووجدانه وأخلاقه
стр. 1194
ونوازعه ومنازعه- شعر نحوهم من الحب بمثل ما كان يشعر به لأهل بيته في طفولته ولما فيه- كما تقدم- من غريزة حب الذات وطلب البقاء، وهؤلاء هم أهل وطنه الكبير، ومحبته لهم في العرف العام هي الوطنية.
فاذا غذي بالعلم الصحيح، شعر بالحب لكل من يجد فيهم صورته الإنسانية وكانت الأرض كلها وطنا له وهذا هو وطنه الأكبر. هذا ترتيب طبيعي لا طفرة فيه ولا معدل عنه، فلا يعرف ولا يحب الوطن الأكبر إلا من عرف واجب الوطن الكبير، ولا يعرف ولا يحب الوطن الكبير إلا من عرف وأحب الوطن الصغير. والناس إزاء هذه الحقيقة أربعة أقسام:
١ - قسم لا يعرفون إلا أوطانهم الصغيرة، وهؤلاء هم الأنانيون الذين يعيشون على أممهم كما تعيش الطفيليات على دم غيرها من الحيوان، وهم في الغالب لا يكون منهم خير حتى لأقاربهم وأهل بيتهم.
٢ - وقسم يعرفون وطنهم الكبير فيعملون في سبيله كل ما يرون فيه خيره ونفعه ولو بإدخال الضرر والشر على الأوطان الأخرى بل يعملون دائما على امتصاص دماء الأمم والتوسع في الملك لا تردهم إلا القوة. وهؤلاء شر وبلاء على غير أممهم بل وعلى أممهم فهم مصيبة البشربة جمعاء.
٣ - وقسم زعموا أنهم لا يعرفون إلا الوطن الأكبر وأنكروا وطنيات الأمم- كما أنكروا أديانها- وعدوها مفرقة بين البشر. وهؤلاء عاكسوا الطبيعة جملة وما عرفته البشرية منذ آلاف السنين ودلائل الفشل على تجربتهم حيث أجروا تجربتهم لا تكاد تخفى.
٤ - وقسم اعترف بهذه الوطنيات كلها ونزلها منازلها غير عادية ولا معدو عليها، ورتبها ترتيبها الطبيعي في تدرجها، كل واحدة منها مبنية على ما قبلها ودعامة لا بعدها. وآمن- هذا القسم- بأن
стр. 1195
الإنسان يجد صورته وخيره وسعادته في يته ووطنه الصغير وكذلك يجدها في أمته ووطنه الكبير ويجدها في الإنسانية كلها وطنه الأكبر. وهذا الرابع هو الوطنية الإسلامية العادلة. إذ هي التي تحافظ على الاسرة بجميع مكنوناتها وعلى الأمة بجميع مقوماتها وتحترم الإنسانية في جميع أجناسها وأديانها.
فهي تخاطب البشرية كلها في جميع أجناسها بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. وتخاطبها في جميع أديانها بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. وتخاطب جميع الأمم والأوطان بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. وبقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. وهذه هي وطنيتنا معشر المسلمين الجزائريين الأفارقة ووطنية كل مسلم صادق في إسلامه ووطنيته. وقد أعلناها يوم قلنا على رأس جريدة (المنتقد): (الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء) وسرنا على مقتضاها إلى اليوم في كل ما قلنا وكتبنا وسنبقى عليها- ككل مسلم جزائري- حتى نلقى الله إن شاء الله.
أشعب الجزائر روحي الفدا ... لما فيك من عزة عربية
بنيت على الدين أركانها ... فكانت سلاما على البشرية (١)
عبد الحميد بن باديس
стр. 1196
في الشمال الإفريقي:
اليأس بعد الرجاء
ــ
أحدث المنشور الأول الذي أذاعه صاحب هذه المجلة الأثر الكبير الفعال في النفوس، ذلك لأنه صادف هوى في قلوب الأمة وعبَّر عن إحساسها وشعورها، وترجم عن عاطفتها التي طلقت الأمل في عدالة فرنسا السريعة، وركنت إلى جانب اليأس من ذلك.
ولقد لبت اللجنة التنفيذية للمؤتمر ذلك النداء، وقررت عقد اجتماعا يوم ٢٩ أوت ١٩٣٧م للنظر في الحالة الجديدة التي هي وليدة جمود حكومة باريس عن مباشرة إصلاح أو قبول أي مطلب ووليدة العبث الجديد الذي رفعنا عقيرتنا بالاحتجاج العنيف عنه، ألا وهو تشكيل لجنة "فرنوت" وجعل القضية الجزائرية وأبحاث لجنة "لافروزيلبار" من جملة أعمالها، وتحديد مدة أشغالها بعام ونصف عام ثم اشتداد وطأة الحيف والجور على أهل القطر الجزائري، واشتداد الأزمة بصفة خانقه.
ولقد كان صاحب هذه المجلة- ولا يزال- يرى أنه لا يحق للأمة أن تستمر على السياسة القديمة سياسة المطالبة والانتظار، إذ قد ظهرت النوايا جلية واضحة، وتحقق الناس أجمعون أن وعود هذه الحكومة كوعود الحكومة السالفة، إنما هي من فصيلة الوعود التي أمطرت القطر الجزائري منذ أيام الإمبراطورية إلى الآن: وعود هي السراب بعينه.
ومن أجل ذلك، ورغبة في تنوير الأذهان وتوجيه آراء اللجنة التنفيذية نحو السياسة الوحيدة التي نرى أنها ربما أحدثت الأثر
стр. 1197
المطلوب بعد حين- حرر صاحب هذه المجلة ونشر فوق أغلب أعمدة الصحف الجزائرية والتونسية هذا النداء (١)!
نداء إلى الأمة الجزائرية ونوابها
أيتها الأمة الكريمة. أيها النواب الكرام!
اليوم وقد آيسنا من غيرنا يجب أن نثق بأنفسنا.
اليوم وقد تجوهلت قيمتنا يجب أن نعرف نحن قيمتنا.
اليوم وقد خرست الأفواه عن إجابة مطالبنا يجب أن نقول نحن كلمتنا.
اليوم وقد اتحد ماضي الاستعمار وحاضره علينا، يجب أن تتحد صفوفنا.
أيتها الأمة الكريمة، أيها النواب الكرام!
بمحضر الوفد كله في وزارة الحربية من السنة الماضية- قال لنا دالاديه وزير الحربية، رئيس الحزب الجمهوري الراديكالي والراديكالي سوسياليست: أقول لكل بكل صراحة "إني أعارض كل المعارضة في إعطائكم النيابة البرلمانية ما دمتم على حالتكم الشخصية الإسلامية". من ذلك الحين تحققت أن هذه النيابة البرلمانية ميئوس منها، وقد أشرت إلى هذا فيما كتبته عن الوفد بعد رجوعنا في مجلة "الشهاب" وها هي الأيام جاءت محققة ذلك اليأس. وها هي الجزائر اليوم تنشد بلسان حالها قول الشاعر العربي:
стр. 1198
أَزْمَعْتُ يَأْسًا مُبِينًا مِنْ نَوَالِكُمُ ... وَلَنْ تَرَى طَارِدًا لِلْحُرِّ كَالْيَأْسِ
أيتها الأمة الكريمة، أيها النواب الكرام!
حرام على عزتنا القومية وشرفنا الإسلامي أن نبقى نترامى على أبواب برلمان أمة ترى أو ترى أكثريتها ذلك كثيراً عليها ...! ويسمعنا كثير منها في شخصيتنا الإسلامية ما يمس كرامتنا ويجرح أعز شيء لدينا. لندع الأمة الفرنسية ترى رأيها في برلمانها ولنتمسك- عن إيمان وأمل- بشخصيتنا ولنطلب بالمساواة التامة في جميع الحقوق في وطننا وأولها المساواة في المجالس النيابية.
أيتها الأمة الكريمة، أيها النواب الكرام!
قرروا يوم ٢٩ أوت وبعد قرار المؤتمر وجمعيات النواب عدم التعاون في النيابة بجميع أنواعها. قرروا أن لا تعودوا بدون مساواة إليها. قرروا أنه يجب أن يكون كل مسلم جزائري بلغ سن الانتخاب منتخبا وأن يكون عدد نواب المسلمين الجزائريين في كل مجلس مثل عدد الفرنسيين. كونوا جبهة متحدة لا تكون المفاهمة إلا معها على هذا الأصل.
أيتها الأمة الكريمة، أيها النواب الكرام!
تناسوا الحزازات، امحقوا الشخصيات، برهنوا للعالم أنكم أمة تستحق الحياة، برهنوا لفرنسا أنكم كما وقفتم معها في الحرب صفا واحدا تدافعون عنها تقفون في السلم صفا واحدا تدافعون الأنانيين منها الذين هم مثل أعدائها.
هذا وأنا كمسلم جزائري قد أديت الواجب الثاني من واجباتي في
стр. 1199
الوقت الحاضر والله المستعان على القيام ببقيتها وعليكم السلام ورحمة الله من أخيكم (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 1200
صدى منشورنا على الأمة والنواب
في صحف الاستعمار
ــ
دُعي إلى تسليم النواب ووقع ذلك بالفعل في كثير منهم في عمالة قسنطينة، ولم تهتز لذلك صحف الاستعمار ودوائره. فلما نشر صاحب هذه المجلة منشوره على الأمة ونوابها في الدعوة إلى التسليم والاتحاد والوقوف الوقف الهائل المشرف، قامت القيامة في الدوائر، وظهر ذلك في جريدة "لابريس" التي تصدر بالعاصمة، وجريدة "الريبوبليكان" التي تصدر بقسنطينة.
ولما كانت الثانية أصرح بالعداء من الأولى خصصناها بالكتاب التالي:
قسنطينة في ٨ رجب ١٣٥٦ه - ١٤ سبتمبر ١٩٣٧م.
جناب السيد محرر جريدة (الريبوبلكان) المحترم.
قرأت في عدد ٢ سبتمبر الجاري من جريدتكم منشوري على الأمة ونوابها، فشكرت لكم نقله في جريدتكم ليطلع عليه قسم كبير من الرأي العام الفرنسي خصوصا القسم الذي تمثله جريدتكم.
ولم يسؤني ما علقتم به عليه من عبارات الحقد والتحريش، لأن ذلك دليل حصول ما قصدته من تأثير الحق والصدق ممن لم يتعودوا سماعه من المسلمين الجزائريين أمثالكم.
ولا ألومكم على ذلك ما دمتم ترونه إخلاصا لأمتكم ووطنكم كما كنت أنا مخلصا في منشوري لأمتي ووطني.
стр. 1201
وإنما أريد أن أحقق لكم أن تحريشكم لا يخيف صغارا من تلامذتنا، فمن باب أحرى وأولى أن لا يكون له أدنى تأثير على كبارنا في السير على خطتنا إلى غايتنا.
ومما يؤسف له من أمثالكم أنكم لا تدركون تطورات الأمم وتقلبات الأيام، وتفكرون فينا- في القرن العشرين- بأفكار القرون الوسطى.
إن الزمان- يا زميلي- يسير ولا يقف، وسنن الكون نافذة لا تتخلف والويل لمن قصد أو تعامى.
تقبلوا- سيدي- احترام زميلكم صاحب مجلة الشهاب.
عبد الحميد بن باديس
стр. 1202
إجرام الاستعمار
سجن واضطهاد
ــ
نريد هنا قبل كل شيء أن نسجل ثقتنا في نزاهة وحرية القضاء الفرنسي فما زالت حياة القضاة غير متأثرة بالمؤثرات الخارجية، وغير خادمة لركاب السياسة والأحزاب.
فإن كنا هنا نحتج بأقصى ما لدينا من قوة وشدة على المسلك الأهوج الذي تسلكه الإدارة مع رجال حزب الشعب الجزائري، وإلقائها القبض على زعيم الحزب السيد مصالي الحاج محمد، وعمدته السيد الشاعر الكبير مفدي زكرياء، وأعوانهما في العمل السادة بوغرافة والاحول الحسين ومسطول، وهم إنما يعملون أعمالهم جهارا وفي وضح النهار، فما ذلك انتقادا منا لسلوك العدالة التي ستقول كلمتها الفاصلة في الموضوع قريبا، إنما هو انتقاد مرير لسلوك السياسة التي أوجبت هذه الأعمال القاسية الشديدة، مندفعة وراء أغراض حزبية، إنما هي دور من أدوار النزاع والنضال بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار. ولا ندري ما المبرر لسجن مصالي ورجال حزبه بدعوى إعادة تشكيل هيأة منحلة إذا كانت الإدارة لم تسجن الكولونيل لاروك وقد أعاد تشكيل صلبان النار في هيئة "الحزب الاجتماعي"، والحزب الاجتماعي أكثر شبهاً بهيئة صلبان النار من حزب الشعب الجزائري بهيئة "نجم شمال أفريقيا".
إن دلنا هذا العمل على شيء فهو إنما يدلنا على أن الحكومة عازمة على سياسة الشدة والإرهاق، واليوم دور مصالي، وغدا دور آخرين.
стр. 1203
لكنها سياسة- والله- لن تنجح ولن تثمر، فإذا لم تعمد الحكومة لسلوك سياسة امتلاك القلوب، بإجابة الرغائب وقبول الطالب، والمفاهمة مع رجال الأحزاب ومديري حركات الشعب بالتي هي أحسن، فإنها لن تسلك إلا السياسة التي تزيد الخرق اتساعا، فيصحب على أي راقع رتقه.
стр. 1204
الاستعمار يحاول قطع الصلة بين الإخوان
لما مات الإمام المصلح، العلامة الحافظ، الوزير الكبير، مولانا أبو شعيب الدكالي فخر الأفارقة والمغرب الأقصى- كان من أقل حقوقه علينا أن قامت جماعة من إخواننا المغاربة بإقامة حفلة تأبين في أربعين وفاته، ودعت صاحب هذه المجلة لحضور هذه الحفلة باسم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فلبى الدعوة ووجه للحكومة طلب رخصة السفر فسكت عنه مدة مع قرب أجل الحفلة، فجدد الطلب ثانية فجاءه الجواب بالمنع البات لأن حكومة المغرب لا تأذن في دخوله للمملكة المغربية.
إزاء هذا ما وسعنا إلا التخلف والاعتذار لإخواننا المغاربة، ثم الاحتجاج على هذه الحكومات الاستعمارية التي تحاول بمثل هذا العمل أن تقطع الصلة بين الذين ساقتهم الأقدار إلى يدها وهي- في الحقيقة- ما تزيده بهذا إلا ارتباطا وشدة.
ليت شعري ماذا تخشى الحكومات الاستعمارية من أمثالنا؟ أتخشى أن نقول؟ إن أعمالها الشاهدة المتكررة أغنت- والله- عن كل قول: حتى لم تدع لقائل ما يقول.
стр. 1205
كلمات صريحة:
الشمال الإفريقي
كيف يجب أن يعالج
ــ
يقلق بال السياسة الفرنسية اهتزاز الشمال الأفريقي واضطرابه وتذمره واحتجاجه، ويقلق بال السياسة ذلك من القطر الجزائري على الخصوص.
لقد أدى هذا القلق السياسي إلى التفكير الجدي في هذا الشمال وفي الجزائر "الفرنسية"، كما يقولون! وانتهى هذا التفكير إلى آراء في الداء- حسب تسميتهم- وآراء في العلاج وأخطأت كلها في معرفة الداء على وضوحه وفي معرفة العلاج على قربه.
فأما الداء- كما يسمون- فقال قوم: هو اليد الأجنبية، وقال آخرون: هو الشيوعية الأفرنسية، وقال غيرهم: هو الاتحاد الإسلامي والوحدة العربية. وماذا نقول نحن في هذه الآراء؟
نقول بكل صدق وصراحة تعرفهما الدوائر الحكومية منا- أولا: إن اليد الأجنبية التي يعنون هي يد موسوليني وهيتلر، بعد ما كانوا يعنون بها قبل التحالف الفرنسي الروسي يد موسكو. وأنا على يقين تام من أن الأوطان الافريقية الثلاث التي تهم فرانسا لم تتصل يوما بيد أجنبية لا من موسكو ولا من روما ولا من برلين. وأعرف عن نفسي وعن رجال هذا الشمال الافريقي إخواني، إننا نأبى أن نكون آلة في يد أي كان من الأمم التي تكيد لفرنسا اباء وترفعا يمليهما علينا عزة الإسلام وشمم العروبة.
стр. 1206
وثانيا- أن الشيوعية الفرنسية، وإن فسحت لها الواجهة الشعبية المجال، فإنها لم تستطع ولن تستطيع أن تتمكن من أوساط شعبنا أو تحوز أكثر مما حازته من النزر اليسير جدا من أطرافه، ما دام الشعب يعتقد أن مبادئها الأساسية لا يتفق كثيرا منها مع الإسلام. هذا رغم ما يبديه رجالها مما يستحقون عليه الشكر من العطف على ضعفنا ومقاومة الظالمين لنا، لكن الشكر والاعتراف بالجميل شيء والتأثر بالمبادئ والانقياد للحزب شيء آخر.
وثالثا- أن الاتحاد الإسلامي والوحدة العربية بالمعنى الروحي والمعنى الأدبي والمعنى الأخوي هما موجودان، تزول الجبال ولا يزولان، بل هما في ازدياد دائم بقدر ما يشاهد الناس من عمل في الغرب ضد العروبة والإسلام. وأما بالمعنى السياسي والمعنى العملي فلا وجود إلى اليوم لهما.
وأما العلاج فقد كادت كلمة القوم تتفق على أنه الضغط والإرهاق واستعمال القوة والشدة ..
وماذا نقول نحن في هذا العلاج؟
نقول- بالصدق والصراحة اللذين تعرفهما منا الدوائر الحكومية- أنه علاج قد يسكن الشعب شيئاً ما، حيناً ما، ولكنه يزرع في القلوب بغضا وحقداً ويملأ الصدور ثورة وحماسا، وما مآل ذلك- بطبيعة الامتلاء وطول الزمان- إلاَّ الانفجار، ولا يدري إلا الله على من تكون عواقب ذلك الانفجار.
هذا ما يفكره الساسة في الداء والعلاج وقد زيفناه.
أما نحن- ونحن أعرف بأنفسنا- فإننا نتيقن أن هذه الأمم الإسلامية العربية استيقظت من سباتها وهبت للنهوض من كبوتها،
стр. 1207
وشعرت لكرامتها، وأخذت تذكر ماضيها أيام حريتها واستقلالها، وهو غير بعيد في الماضي عنها، فانبعثت تعمل لفك قيودها ونيل حريتها وتبوء منزلتها اللائقة بها كسائر الأمم التي ليست هي- في قوميتها وتاريخها- دونها. غير أنها تريد أن تكون مع فرانسا وتكون فرانسا معها كأستاذ نصوح وتلميذ بار يتبادلان الصداقة والاحترام ويتعاونان في الرخاء والشدة.
هذا- لعمر الله- هو حقيقة نفسية هذه الشعوب، وهذا هو سبب ثورتها على الظلم وإبايتها من استمرار الحال على ما كان.
وما من علاج بعد هذا- والله- إلا تبديل السياسة العتيقة الرثة البالية بسياسة جديدة تعترف لهذه الشعوب بكيانها القومي، وتفسح أمامها مجال العمل للتقدم والرقي، وتنيلها أعظم قسط من التحرير، وتشعرها بأنها تساندها لتبلغ رشدها، فتكون بدورها يوم رشدها التام عضدا- وأي عضد- لها.
فهل يستطيع الساسة هذا العلاج!
نحن الجزائر:
فإذا أرادت فرنسا أن تحافظ عليها فلتحافظ على قلوبنا:
يكتنف الجزائر اليوم- وأختيها كذلك- خطران عظيمان: موسوليني من شرقها وفرانكو من غربها .. يحيط بها هذان الخطران وتضطرب أمواج البحر الأبيض المتوسط بغواصاتهما، وتدوي جوانب أجوائه بأزيز طياراتهما، وتحتل قواتهما مراكز الحياة من أحشائه، حتى أصبح الذي يريد أن يمتطي متنه في باخرة، أو يتبطن جوه في طيارة، يشعر بالخوف من مبارحته ساحل الجزائر إلى حلوله بساحل مرسيليا.
стр. 1208
وقد صرح نواب فرانسوي الجزائر الراديكاليين في المؤتمر الراديكالي المنعقد أخيرا بأنهم ما قطعوا البحر الأبيض المتوسط لحضور المؤتمر إلا تحت رحمة الغواصات والطيارات وأنهم وجلون هلعون من مستقبل اتصال شمال إفريقيا بفرنسا وخائفون أشد الخوف من انفصاله عنها.
وقد ابتدأ هذا الانفصال بانقطاع البريد الجوي بينهما.
هذا كله بعد ما أنفقت فرانسا وانكلترا- سيدة البحار! - على حماية طرق المواصلات، وجمعتا مجلسا حربياً لذلك، وإشرتا تلك الحماية بالفعل، وخابتا فيها خيبة ظاهرة لا تخفى على أحد. فقد غرقت بعد تلك الحماية بواخر وانتقلت قرصنة المدنية الأوروبية من البحر إلى الجو وجمعت على البشرية البلاء من السماء والأرض: وكان في القرصنة الجوية الجديدة الجواب الخشن والتحذير الحازم من جبروت الفاشيزم إلى الدولتين الديموقراطيتين المتعاونتين.
حقيقة أن هذا شيء اضطربت له فرائص فرانسا على اختلاف أحزابها وحسبت له ألف حساب. خصوصا وكل أحد يعلم أن الحرب آتية من دون ريب وأن ميدانها هو البحر الأبيض المتوسط وأن أول ما يعمله أعداء فرانسا هو فصل الشمال الافريقي عنها.
والذين يعرفون مقدار ما انتفعت به فرانسا من الشمال الافريقي في الحرب الماضية، يعلمون ما يلحقها من أضرار بانفصاله عنها في الحرب الآتية.
كيف تقاوم فرنسا محاولة العدو للفصل؟ وكيف تستطيع المحافظة على الجزائر- وعلى الشمال الافريقي- إذا تم ذلك الفصل!
أما فرانسويو الاستعمار بالجزائر والذين يستخدمون فرانسا لتفوقهم ودوام عتوهم وتسلطهم، ولا تهمهم فرنسا بقدر ما تهمهم مصالحهم،
стр. 1209
فهؤلاء قد شغلهم التفكير في وسائل الضغط والشدة ضد الجزائريين - وإخوانهم- عن كل تفكير آخر رغم مشاهدتهم لهذا الخطر واضطرابهم له.
وأما الرجال المسؤولون فلا شك أنهم مهتمون الاهتمام كله بمقاومة ذلك الفصل وبالمحافظة على الجزائر- وأختيها- إذا وقع. غير أننا- والعجب ملء أنفسنا- لا نسمع في الخارج إلا ما يوافق- في الأكثر- نظرية أولئك الرجعيين الاستعماريين الذين أعمتهم مصالحهم الخاصة عن كل شيء حتى كأن السياسة الفرنسية كلها انصبغت بصبغتهم وأصبحت تحت تأثيرهم!
فهم يذكرون لزوم المحافظة على الجزائر ووسائل المحافظة على الجزائر، ولا يذكرون- أبدا- المحافظة على الجزائر ووسائل المحافظة على الجزائريين بل لا يفتؤون يذكرون الشدة على الجزائريين ووسائل الشدة على الجزائريين.
أين أنتم أيها السادة؟
نحن الجزائر، وما الجزائر إلا الجزائريون، فإذا كنتم تريدون المحافظة على الجزائر فحافظوا على قلوبنا.
تالله إذا ضيعتم قلوبنا فقد ضيعتم الجزائر ولا محالة، ولا ينفعكم في ذلك اليوم العصيب شيء مما تقدرون اليوم.
ما يزال في الوقت متسع لتدارك الحال وجبر القلوب والعمل لمصلحة فرانسا العليا إن كنتم حقيقة لها تعملون (١).
стр. 1210
كلمة مرة
لأنها صريح الحق ولباب الواقع
ــ
إن تربيتنا العلمية الدراسية المبنية على بيان الحقيقة واجلائها على ما هي عليه صيرتنا لا نستطيع شيئا من المواربة والتلبيس.
نعرف كثيرا من أبنائنا الذين تعلموا في غير أحضاننا ينكرون- وربما عن غير سوء قصد- تاريخنا ومقوماتنا ويودون لو خلعنا ذلك كله واندمجنا في غيرنا. وكنا نرد عليهم بالقول في كل مناسبة تبدو منهم فيه مثل هذة البوادر السامة الخاطئة. ووقع مرة أن كتب بعضهم- وهو ممن له قيمة معتبرة عندنا- ما هو صريح أو كالصريح في ذلك الضلال المهلك، فرأينا من الواجب علينا أن نرد عليه بكلمة صريحة نعرب بها في يقيننا عن الحقيقة التي يعتقدها الشعب الجزائري- إلا الشاذ- في صميم نفسه فقلنا في كلمتنا تلك: الأمة الجزائرية أمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا. ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية واللغوية ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها بما فيها من حسن وقبيح، شأن كل أمم الدنيا.
ثم اإن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرانسا، ولا يمكن أن تكون فرانسا، ولا تستطيع أن تصير فرانسا ولو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرانسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها وفي دينها، لا تريد أن تندمج. ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة والذي يشرف على إدارته العليا السيد الوالي العام المعين من قبل الدولة الفرنسوية".
стр. 1211
فجلينا بكلمتنا هذه الحقيقة مكشوفة في وضح النهار، وقطعنا الطريق على كل متقول بالباطل وأرحنا كل باحث ومتردد من بحثه وتردده.
وإلى ذلك فإننا لم نكن خياليين ننكر الواقع ونكابر في المحسوس فقد ختمنا كلمتنا بإشراف الوالي العام وتعيينه من الدولة الفرنسوية.
حقا لقد أثرت كلمتنا الصريحة أثرها وبلغت حيث أردنا أن تبلغ، فمن يوم قلناها إلى اليوم ما زال يتردد صداها في الصحافة الفرنسبة وفي المجالس وفي المؤتمرات، ومن أظهر مظاهر ذلك قيام م. فرسينانق بها في مجلس الشيوخ في السنة الماضية، وإعادتها في المؤتمر الراديكالي المنعقد أخيرا. كل ذلك يحاولون به الاحتجاج بها- وهم يعلمون أنها عبرت حقاً عن حقيقة الأمة الجزائرية وعقليتها- على منع الأمة الجزائرية من نيل حقوقها.
لقد أخطأتم خطأً بعيداً أيها السادة!
إن الأمة الجزائرية تطالب فرنسا بحقوقها لما دفعته من ثمن من دم أبنائها ولمواقفها الصادقة مع فرانسا في أيام شدتها ولما هي قائمة به لفرانسا من كل ما حمل عليها. وهذا حق لا يستطيع أن ينكره أحد يحترم نفسه ويقدر عواقب التاريخ قدرها.
فأما أن تبذل الأمة الجزائرية في نيل تلك الحقوق شيئا من كيانها فهذا ما لا يخطر ببالها ولا يستطيع أحد ممن يتولى شيئا من أمورها من أبنائها أن يعرضه عليها ولو حاول أحد ذلك لنبذته نبذ النواة والحذاء المرقع كما نبذت من نبذت.
ونحن بهذا نتحدى كل من يكون على خلاف رأينا.
فهل من أحد يستطيع أن يكذبنا؟
стр. 1212
نحن والواجهة الشعبية
أدركنا من يوم تأسست الواجهة الشعبية الفرنسية أن روح السياسة الفرنسية نحو الشعوب المتصلة بفرنسا لا بد أن تتبدل- إلى العدل والتسامح- شيئا ما. وعلمنا أن المبادئ التي أنبنت عليها تلك الواجهة أكثر إنسانية، فكنا أول من أعلن ثقته بها ولزوم انتظار شيء منها. وقلنا يوم ذلك: أن فرنسا- بإجماع العالم- في وضعية جديدة فلننظر إليها نظرة جديدة. وشاهدنا بالفعل طغاة الاستعمار عندنا بالجزائر يناوئون تلك الواجهة ويناصبونها العداء، فازددنا يقينا بما اعتقدنا. ولا يشك من له أدنى مسحة من عقل أن أولئك الطغاة ما أبغضوها ذلك البغض ولا عادوها ذلك العداء إلا لما اعتقدوه فيها من شيء من تخفيف وطأة الظلم والإرهاق عن المستضعفين، وشيء من كف يد العتاة الظالين. ونحن نعترف أن الواجهة الشعبية سارت شطرا من ماضي أيامها بالروح التي تأسست عليها وتنفس الخناق عن المستضعفين شيئا ما وانتعشت الآمال في المستقبل بعض الانتعاش.
ولكن ما لبث الطغيان الاستعماري والجبروت الآلي الاستغلالي أن أخذ يتقلب، وأخذت حكومة الواجهة تبعا لذلك تتقلب، حتى انتهت إلى ما انتهت إليه الحكومات قبلها. وحوادث اليوم بالمغرب والجزائر أكبر شاهد.
وقد اعترف رجال هذه الواجهة في صحفهم بحقيقة الانقلاب في حكومتهم والغلب الواقعة عليهم. ففي عدد أخير من جريد "البوبيلير" لسان الحزب الاشتراكي الافرنسي مقال عن المغرب بقلم مادلين بار قال فيه:
"إنه يمكننا الإفصاح بكلمات وجيزة، ذلك أن كامل الساسة الفرنسوية قد توجهت لحد الآن للاهتمام بحالة المعمرين، وصرفت
стр. 1213
أموالاً باهظة بصورة تنم عن تكوين جنة- وهذا هو النعت المناسب للمقام- لفائدة ثلاثة آلاف من الرجال. أي المعمرين خاصة لا يحسنون من الفلاحة إلا وسيلة واحدة وهي الاستثمار، ولا غاية لهم إلا تربية الثروة. هذا ما كان، وأما ما يجب القيام به فهو المبادرة بصدق إلى توجيه السياسة الفرنسية نحو سواد الأهالي".
نحن نعرف المبادئ قبل كل شيء، ورأينا في مبادئ الواجهة الشعبية هو رأينا، ولكن رجال تلك المبادئ الحقيقيين- رغم ما كان عندهم في أيامهم الأولى من قوة- كانوا ضعفاء، كانوا صغارا في السياسة أو - على الأقل- كانوا جدداً في كراسي الحكومة.
فهاهم اليوم، الحكومة حكومتهم، ولكن روحها غير روح مبادئهم، إسمها لهم ومسماها في يد غيرهم ولم يبق لهم إلا النصح والقول تقدمه - باحتراس كبير- صحفهم أو بعض صحفهم!
فإزاء هذا رأينا أن الواجب علينا أن نعلن لشعبنا أن "لا نعتمد إلا على أنفسنا وتتكل على الله".
ثم نحن من بعد ذلك سنحتفط للمحسن بإحسانه، وللمسيء بإساءته.
"و" الخير أبقي وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 1214
على هامش (السانطونير) (١)
منشور المقاطعة
نداء إلى سكان قسنطينة المسليمن
ــ
إخواني القسنطينيين!
في مثل هذه الأيام منذ قرن مات أجدادكم المجاهدون المدافعون والفرنسيون المهاجمون في ميدان البطولة والشرف، وطويت صفحة من التاريخ على شهادته بالشجاعة والتضحية للغالب والمغلوب.
ومضت مائة سنة كانت كافية لنسيان تلك المأساة، وضمد تلك الجروح وتقريب السكان المتجاورين بعضهم من بعض.
لكن قوما من الأنانيين الذين يأبون إلا أن يكونوا سادة متفوقين، وإلا أن يشعروا المسلمين بسلطة الغالبين على المغلوبين، هؤلاء القوم- وليسوا كل الفرنسيين- أرادوا في هذه الأيام أن يقيموا احتفالات عسكرية بدخلة قسنطينة، تثير العواطف، وتمس كرامة الأحياء منا والأموات وتنافي مبادئ الأخوة والرحمة التي ندعو إليها.
يحتفلون احتفالاتهم ومطالب الشعب الجزائري بعرقلتهم معطلة، وحقوقه بسعيهم مهملة وسوط القوانين الاستثنائية نازل بيدهم على ظهره في كل يوم.
لهذا فقد اجتمعت ١٤ جمعية إسلامية من جمعيات قسنطينة يوم
стр. 1215
السبت ١٨ سبتامبر الماضي في نادي الاتحاد وكانت كلها مستنكرة لهذه الاحتفالات عازمة على مقاطعتها فقررت- بالإجماع- ما يلي:
نحن- الممثلين لجمعياتنا- نرى احتراما لأنفسنا واحتراما لأجدادنا واحتراما للإنسانية:
أولاً- أن لا نشارك في هذه الاحتفالات ولا نحضرها.
ثانيا- أن نكون في هدوء تام عام.
إخواني القسنطينيين!
قد فعل المؤتمر الإسلامي الجزائري واجبه فاحتج على هذه الاحتفالات في اجتماعه العام الأخير وقدم مكتبه ذلك الاحتجاج إلى الوالي العام وقدمه مكتب لجنة القسنطينية إلى مير قسنطينة، وفعلت الجمعيات الإسلامية القسنطينية واجبها بما قررته في قرارها المتقدم. وأخوكم هذا- كقسنطيني- فعل واجبه بنشر هذا المنشور عليكم، فما بقي إلا أن تقوموا أنتم بواجبكم.
فقاطعوا هذه الاحتفالات ولا تشاركوا فيها.
كونوا في هدوء وسلام.
والسلام عليكم من أخيكم
عبد الحميد بن باديس
стр. 1216
مسألة عظيمة
بين رجلين عظيمين
ــ
أما المسألة العظيمة العظيمة فهي الوحدة السياسية للأمة العربية من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلنطيقي.
وأما العظيمان فهما الأمير شكيب أرسلان وسعادة سليمان باشا الباروني.
ولا تحسبن الكلام دار بينهما في بيان حقيقتها وإمكان تحقيقها وأسباب تحقيقها مما يحتاج رجال النهضة الحربية إلى دراسته والعلم به ليكونوا في سيرهم على بصيرة فلا يتقهقروا ولا يتهوروا. بل كان خطاب من شكيب في شأنها فكان رد من الباروني عليه بإعلان البراءة منه، جزاء إعلانه البراءة من مسلمي المستعمرات، ثم دعا أهل العلم إلى إبداء رأيهم فقال: "ولعل علماء الإسلام الغيورين على دينهم يبدون رأيهم فيمن يعلن البراءة من مسلمي المستعمرات المعذبين لإرضاء أعدائهم ومعذبيهم من المستعمرين لينسد هذا الباب فلا يدخل منه غيره بعد اليوم". الرابطة العربية عدد ٧٧.
لم ينقل الباشا نص كلام الأمير، ونصه كا نقلته "الجزيرة" الدمشقية في عددها الصادر في ٢٤ رجب الماضي: "أما طرابلس الغرب وتونس والجزائر ومراكش فهذه بلاد عربية وإن كان فيها بربر أكثر من العرب، فإن ثقافة هؤلاء البربر عربية وهم على كل الأحوال مسلمون، فهذه الأمة هي منا ومعنا كما أن قلوبنا متحدة بيننا وبينهم، ولكن هناك أسباب حغرافية تمنع اتحادنا معهم اتحاداً فعلياً، وهم ليسوا من برنامجنا
стр. 1217
ولا نتكلم على الوحدة معهم لأننا نجعل لنا أعداء أقوياء ونحن في غنى عن ذلك الآن.
نحن نريد تحقيق وحدتنا الحربية في آسيا، ولكن وجود وحدة سياسية من إخواننا مسلمي شمالي افريقية (يعني: تكون منهم فيما بينهم) لا يمنع أن يكون بيننا وبينهم وحدة لغوية ثقافية دينية اجتماعية وأن تكون قلوبنا مرتبطة بقلوبهم في السراء والضراء".
فأين هي براءة الأمير من مسلمي المستعمرات التي زعمها الباشا.
أم كيف يكون متبرئا من يقول "فهذه الأمم هي منا ولنا ومعنا كما أن قلوبنا متحدة بيننا وبينهم" ويقول، بيننا وبينهم وحدة لغوية ثقافية دينية اجتماعية و ... قلوبنا مرتبطة بقلوبهم في السراء والضراء".
فما بقي إلا أنه لا يرى إدخالهم في برنامج الوحدة السياسية العربية بين الشعوب العربية غير المستعمرة حتى لا يثير ثائرة الأعداء الأقوياء الذين لا حاجة بإثارة عداواتهم الآن ويرى إلى هذا وجود وحدة سياسية من مسلمي شمالي افريقيا.
وهذه نظرية سياسية محضة قابلة للأخذ والرد وكل وجوه المناقشة غير أنها لا تعد عند أحد براءة من مسلمي المستعمرات كما زعم الباشا.
وقد زار الأستاذ محمد تيسير ظبيان الكيلاني صاحب "الجزيرة" الأمير وأخذ منه تصريحا برأيه في الوحدة العربية نشره في العدد الصادر في ١ شعبان من "الجزيرة" وهو كلام- كما قال الأستاذ- واضح صريح لا يحتاج إلى تفسير أو توضيح. وهذا نصه:
"فيما يتعلق بالأمصار الواقعة في شمالي إفريقيا يرى أن يكتفي في الوقت الحاضر بإيجاد صلات معنوية وروابط روحية بينها وبين هذه الأقطار (يعني: غير المستعمرة) التي خطت خطوات موفقة في سبيل
стр. 1218
الوحدة العربية حتى أصبحت فكرة اتحادها وتضامنها ليست من الأمور الصعبة والمسائل الخيالية كما كان يتوهم الكثيرون.
ولكن عطوفته يرى أن إثارة الوحدة السياسية بين هذه المجموعة الآسيوية والمجموعة الإفريقية في هذه الظروف العصييبة، مما يثير علينا مشاكل جمة ومتاعب عديدة لا قبل لنا باحتمالها ودرئها ونحن ما زلنا على عتبة الاستقلال والسلطان القومي".
وهذا التصريح جلي في أن الأمير لا يعارض إلا في إثارة الوحدة السياسية في هذه الظروف لما يخشى من مشاكل ومتاعب فأين هذه البراءة التي زعمها الباشا وهول بها؟
نرى واجبا علينا بعد ما نقلنا كلام الأمير واطلع عليه القراء، أن ننقل من مقال الباشا المنشور بعدد "الرابطة العربية" المتقدم ما فيه رمي الأمير بالبراءة من مسلمي المستعمرات ليرى القراء بأنفسهم مقدار مطابقته للواقع ومسافة ما بينه وبين الحقيقة.
قال سعادة الباشا:
١ - "وأما شكيب فيعلن (بدون داع وبدون أن يسأله أحد عن رأيه في الاتفاق مع المسلمين المصابين بالاستعمار) براءته من المسلمين كافة من المغرب الأقصى إلى نهاية الهند ومن التركستان إلى البلقان إلا عرب الجزيرة ومصر (الغنية بذهبها الوهاج) ".
٢ - "إذ دفع فيها (الخطبة) شكيب بإحدى يديه طرابلس برقة معلنا البراءة منها طلبا لرضاء إيطاليا ودوام ابتسامة موسوليني الذي يتفانى في حبه (وهو لاه عنه) لأدنى مناسبة".
٣ - "ويدفع شكيب باليد الأخرى تونس والجزائر ومراكش والسودان تودداً لفرنسا المسيطرة على بلاده معلناً بذلك براءته من الجميع".
стр. 1219
٤ - "فما معنى براءة شكيب اليوم من مسلمي طرابلس برقة وافريقيا كلها (إلا مصر الغنية بالذهب) وما هي النعمة التي ستزول عنهم والنقمة التي ستحل بهم وتجعلهم يحزنون من إعلان هذه البراءة الجوفاء من طرف شكيب أرسلان. وعلى هذا القياس القول في رجال المغرب والمشرق كله الذي أعلن شكيب براءته منهم إرضاء للمستعمرين".
٥ - "وأما افريقيا ففقيرة لا تستحق بعد أن نضب ضرعها الذي كان يدر على كثيرين من دعاة الإسلام لبنا خالصا إلا أن يقال لها اليوم بعداً وسحقا لك فإن رضاء المستعمرين أنفع لنا من رضائك".
٦ - "وأن يعاتبوه (المسوريون) على تعليله براءته من مسلمي المستعمرات بأنه لا يتحمل عداوة المستعمرين في سبيل أولئك المسلمين ناسياً أو متناسيا ما كان يتظاهر به من الإنتصار للإسلام ومعتنقيه في كتاباته وخطبه القديمة أيام كان المسلمون أعزة وكرماء".
٧ - "واضطر فيه (وقت كهذا) إلى إعلان البراءة من صديق قديم".
٨ - "أما وقد تظاهر اليوم بإعلان براءته من المسلمين المستعمرة بلادهم فلم يكن بد من الكلام، إذ قد علل ذلك بأنه لا يتحمل عداوة دول الاستعمار لأجل صداقة مسلمي مستعمراتها ونسي الأخوة الإسلامية التي لا يغفل عن ذكرها".
٩ - "ومما يؤسف له أن يعلن شكيب أرسلان براءته على رؤوس الأشهاد في سوريا من المغرب كله تزلفاً لفرنسا".
١٠ - " ... الإهانة التي صوبها إلى إخوانهم رجال شمال إفريقيا الأخ الارسلاني طلباً لرضا إيطاليا وفرانسا".
ماذا يقول القراء بعد وقوفهم على الكلامين؟ أما نحن فقد قضينا
стр. 1220
- والله- عجبا من هذا البهت والتحامل اللذين لا مبرر لهما ولقد وقفنا قبل أن نكتب لفظتي البهت والتحامل وحاولنا أن نجد غيرهما يقوم مقامهما فلم نجد إلا إذا خالفنا الحقيقة وسمينا الأشياء بغير أسمائها. ولكننا- مع هذا- نلتمس لسعادة الباشا العذر من مرضه الذي هو في حالة نقه منه والحمد لله.
بقي في كلمات سعادته ملاحظات ينبغي التعليق بها وها هي مرتبة على حسب الأرقام.
١) نظن ان الذي دعا الأمير إلى ما قاله عن الوحدة السياسية أنه كان بصدد تقرير الوحدة العربية فأراد أن يبين ما يريد من التفريق بين الوحدة السياسية وغيرها حسب نظريته، وأما مصر فإنما أدخلها في الوحدة السياسية وهي إفريقية لأنها مستقلة إلى حد بعيد. وأما ذهبها الوهاج فنظن أنه لا يقدم ولا يؤخر لو لم يكن ذلك القدر العظيم من الاستقلال.
٢) نظن أن الأمير لو كان ممن تستبيه الابتسامات لاستبته ابتسامات انكلترا التي لا نشك أنها ابتسمت له كما ابتسمت لغيره ممن يعيشون في مناطق نفوذها ... فأعرض عنها فحرَّمت عليه حتى النزول في مصر رغم دستورها واستقلالها.
٣) وأما فرنسا فلو كان الأمير يتودد إليها لتودد إليها أيام كانت بلاده تحت نير انتدابها التام وهو مقضي عليه بالإبعاد منها. وكيف يمكن أن يتودد إليها وهو يعلم أن جرائدها إلى يوم الناس هذا تصفه بالعدو وتنسب إليه- زوراً- كثيراً مما هو واقع في مستعمراتها ومن خطاب م سارو أمام لجنة الجزائر والمستعمرات: (شكيب أرسلان ذلك العدو القديم لفرنسا والذي لا تزول عداوته) وكيف يتودد أدنى العقلاء إلى من يصارحه بالعداوة وينسب إليه المناوءة التامة، فكيف بمثل الأمير؟
стр. 1221
٤) قضى الأمير شكيب أيام غربته في سويسرا محاربا للاستعمار كله في خطبه وكتبه ومقالاته الكثيرة جدا في صحف الشرق والغرب بالعربية والفرنسية وفي مجلته "لا ناسيون آراب" المشهورة في أنحاء المعمور وهو في ذلك كله يغضب المستعمرين ويكربهم ويحز في حلاقمهم هذا وهو طريدهم وبلده في استعبادهم فكيف صار اليوم وقد شاب فوداه وتحررت- إلى حد- بلاده ورجع كما رجع سائر المبعدين إليها يطلب رضا المستعمرين؟ هذا نظن أنه غير معقول.
٥) من هم هؤلاء الكثيرون من دعاة الإسلام الذين كانت إفريقيا تدر عليهم لبنا خالصاً؟ أجمال الدين؟ أم محمد عبده؟ أم رشيد رضا؟ أم شكيب أرسلان؟ فإن كان هو شكيب كما قد يزعم الباشا فهو واحد فأين الكثير. إن مثل هذه الكلمة الغالية المتجاوزة تدلنا على أن سعادة الباشا لم يكن يضبط ما يقول.
٦) لقد كان شكيب منقطعًا لنصرة المسلمين المستعبدين أينما كانوا كما تشهد بذلك آثاره التي ذكرنا والمسلمون المسعبدون أذلة لمستعبديهم فقيرهم قعد به العجز وغنيهم غل يديه البخل وهم- إلا قليلا- قد فرطوا في واجبهم نحو مشارعهم التي بين أيديهم وأمام أعينهم فضلا عما هو بعيد عنهم كمجلة شكيب الوحيدة في بابها! فمتى كان المسلمون الذين دافع عنهم شكيب طول أيام غربته أعزة كرماء؟ حتى يزعم الباشا أن شكيبا دافع عنهم أيام عزهم وكرمهم يعني وتبرأ منهم اليوم يوم ذلهم وفقرهم. كلا الأمرين بالعكس يا صاحب السعادة فإن المسلمين كانوا أذلة واليوم تنسموا شيئا من العز وكانوا أشحة واليوم نشطت فيهم روح البذل. فما خدمهم شكيب- إذا أنصفنا- إلا أيام ذلهم وشحهم.
٧) من المعلوم أن من الواجب في المذهب الإباضي البراءة من المخالفين كما قال صاحب (النيل) في باب فرز دين الله "ويصل لفرزه
стр. 1222
باسمه وصفته ومن ينسب إليه من أئمته وولايتهم وبراءة من خالفهم وتخطئته" فلا عجب أن يتبرأ سعادة الباشا من الأمير كسائر المخالفين وإنما نظن أن سعادته يقصد البراءة الخاصة التي توجب الهجران والمقاطعة لارتكاب جريرة. ولكنها براءة في غير محلها لأنه قد تبين أن الأمير لم يقل شيئا مما رماه به الباشا.
٨) لم يقل شكيب أنه لا يتحمل عداوة دول الاستعمار لأجل صداقة مسلمي مستعمراتها ولا ينسى الأخوة الإسلامية بل قد صرح بالصلات المعنوية والروابط الروحية واتحاد القلوب وارتباطها في السراء والضراء والوحدة اللغوية والثقافية والدينية والاجتماعية وأننا منهم ولهم ومعهم أفبعد هذا كله يقال عنه- زوراً- إنه: لا يتحمل عداوة دول الاستعمار لأجل صداقة مسلمي مستعمراتها؟ هذا- والله- عظيم.
٩) يصمم الباشا على أن الأمير يتزلف لفرنسا بهذه البراءة المزعومة، ولماذا يتزلف لها ولا سلطان لها عليه ولاطمع له في سلطانها، ولمَ يتزلف لها وهي تذيقه علقم البعد عن الأهل والوطن. كيف يتزلف لها اليوم وهو في أهله ووطنه بفضل أمته وحكومتها لا بفضل فرنسا عليه.
١٠) ليس فيما نقلناه من كلام الأمير شيء تشم منه رائحة الإهانة وكيف يكون من يصرح بتلك الروابط ويشير بالوحدة السياسية لعرب شمالي إفريقيا مهيناً لإخوانه. كلا، وإنما هو خبير مجرب وسياسي محنك يفرق بين ما يمكن وما لا يمكن إلا بعد زمان.
ها نحن لبينا دعوة الباشا فأبدينا رأينا في كلام الأمير وكلام سعادته بعد نقلهما بنصهما ولو وجدنا- علم الله- شيئا مما زعمه الباشا في كلام الأمير لوقفنا معه الموقف الذي يوجبه الحق والشرف وأخوة الإسلام دون أدنى هوادة أو لين.
وقد اقتصرنا من كلام سعادة الباشا على ما يتعلق بالبراءة المزعومة
стр. 1223
دون بقية المقال وإن كنا منكرين لكثير مما فيه، لاأننا لم نقف موقف المدافع عن الأمير إذ له من قلمه ما يغنيه عن دفاع مثلنا.
غير أن هناك ملاحظة لا بد من إبدائها وهي أن روح المقال- في نظرنا- روح هدم لماضي شكيب أرسلان برمته وتصويره بصورة الرجل المادي الذي ما كان يحركه إلا حب المال. وعزيز علينا- والله- مثل هذا النكران من رجل عظيم لرجل عظيم، ومحزن لنا- والله- ومفتت لأكبادنا أن نسرع هذه السرعة في هدم عظمائنا سواء أكان الهادم الباروني لأخيه شكيب أو العكس أو غيرهما. وإننا لنعرف هذه الروح الهدامة فينا معشر الشرقيين ولكننا ما كنا نظنها تبلغ المستوى الذي رقيه الباروني ومثله.
فياليتها قومنا يذكرون- دائما- قول أبي الحسن ابن الرومي:
لا تضع من عظيم قدري وإن كنـ ... ـت مشارا إليه بالتعطيم
فالشريف العظيم ينقص قدراً ... بالتعدي على الشريف العظيم
ولع الخمر بالعقول رمي الخمـ ... ـر بتنجيسها وبالتحريم
بل ليتهم يتأدبون بأدب الله في قوله ﷻ ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ فلا ينكرون الإحسان الكثير لأجل السوء القليل، إن كان هذا السوء القليل.
هذا رأينا فيما بين الأمير والباشا أما رأينا في الوحدة السياسية وفي عروبة شمال إفريقيا فسنبديه في العدد الآتي إن شاء الله.
هذا وكأنني بـ: م. سارو وغيره يضمون كتابتي هذه إلى حججهم على ما يرمون به الأمير وما يرموننا به. ونحن ما أنكرنا يوما بيننا وبين عظماء أمتنا الإسلامية والعربية من روابط متينة وعلائق قوية وإن لم تكن بيننا معرفة شخصية ولا كتابية.
стр. 1224
ونحن نكلف بالعظمة وندافع بالحق، ولو لم تكن منا، فكيف بها إذا كانت منا- وقديما قال شاعرنا أبو عبادة البحتري:
وأراني من بعد اكلف بالا شـ ... ـراف طرا من كل سنخ وجنس
عبد الحميد بن باديس
стр. 1225
الوحدة العربية
هل بين العرب وحدة سياسية
ــ
إذا قلنا العرب فإننا نعني هذه الأمة الممتدة من المحيط الهندي شرقا إلى المحيط الأطلانطيقي غربا، والتي فاقت سبعين مليونا عدّا تنطق بالعربية وتفكر بها وتتغذى من تاريخها وتحمل مقدارا عظيما من دمها وقد صهرتها القرون في بوتقة التاريخ حتى أصبحت أمة واحدة.
هذه الأمة العربية تربط بينها- زيادة على رابطة اللغة- رابطة الجنس، ورابطة التاريخ، ورابطة الألم، ورابطة الأمل، فالوحدة القومية والأدبية متحققة بينها ولا محالة. ولكن هل بينها وحدة سياسية؟ هذا هو الموضوع الذي طرقه الأمير شكيب أرسلان وقال فيه كلمة السياسي العملي والخبير المحنك فتعرض له سليمان باشا الباروني بمقال نقضناه عليه في الجزء الماضي وفضحنا ما فيه من خطاأ وتحامل.
الوحدة السياسية لا تكون إلا بين شعوب تسوس نفسها فتضع خطة واحدة تسير عليها في علاقاتها مع غيرها من الأمم، وتتعاقد على تنفيذها، وتكون كلها في تنفيذها والدفاع عنها يدا واحدة، فهي مقتدرة على الدفاع عنها كما كانت حرة في وضعها، وأما الأمم المغلوبة على أمرها فهذه لا تستطيع أن تضع أمرا لنفسها فكيف تستطيع أن تضعه لغيرها، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها فكيف تستطيع ان تدافع عما تقرره مع غيرها. وهي لم تستطع أن تعتمد على نفسها في
стр. 1226
داخليتها فكيف يعتمد عليها في خارجيتها؟ فالوحدة السياسية بين هذه الأمم أمر غير ممكن ولا معقول ولا مقبول.
واذا نظرنا إلى الأمة العربية على ضوء هذه الحقيقة فإنا نجد منها شعوبا مستقلة استقلالا حقيقيا فهذه تمكن بينها الوحدة السياسية وتجب. وقد وقعت في هذه الأيام- والحمد لله- فعلا بين المملكة السعودية والعراق واليمن ومن المنتظر انضمام مصر والشام إليهم يوم يتم استقلالهما. ثم نجد شعوبا أخرى وهي شعوب الشمال الإفريقي المصابة بالاستعمار فهذه لا وحدة سياسية بينها ولا بين غيرها ولا يتصور أن تكون. ومن الخير لها أن تعمل كل واحدة منها في دائرة وضعيتها الخاصة على ما يناسبها من الخطط السياسية التي تستطيع تنفيذها بالطرق المعقولة الوصلة، مع الشعور التام بالوحدة القومية والأدبية العامة والمحافظة عليها والمجاهرة بها، ونحن نعلم أن الواقع اليوم في شمالنا الإفريقي العربي هو هذا بعينه، فنقول- بكل صدق وصراحة- أن كل شعب من شعوب هذا الشمال مستقل تمام الاستقلال بخططه في سياسته، لا نعرف هيئة منهم تتصل بهيئة مع عمل الجميع على تغذية الشعور بالوحدة القومية والأدبية العامة.
والأمير شكيب الذي تعده الدول المستعمرة ألد أعدائها وتنسب إليه- ظلما وزورا- كل حركة تقع في الأمم المصابة باستعمارها، يصرح في خطابه بعدم الوحدة السياسية بين شعوب العرب المغلوبة على أمرها وشعوبهم المستقلة، لأنه- وهو أكبر مدافع عن العرب والإسلام في الغرب والمشرق- رجل عملي ليس بخيالي، وسياسي مجرب خبير يعرف ما يقول ويفرق بين العمل المثمر والقول الفارغ الذي يثير الضجيج لينسب صاحبه إلى الغيرة والحماس، وإن كان يثير الغبار ويكدر الجو في نواح أخرى. هذا رأينا في الوحدة
стр. 1227
السياسية بين شعوب العرب. ونحن نعتقد أنه هو رأي جميع إخواننا العاملين في هذا الشمال (١).
عبد الحميد بن باريس
стр. 1228
أصول الولاية في الإسلام
من خطبة الصديق رضي الله تعالى عنه
ــ
لما بويع لأبي بكر الصديق- ﵁ بالخلافة رقي المنبر فخطب في الناس خطبة اشتملت على أصول الولاية العامة في الإسلام مما لم تحققه بعض الأمم إلا من عهد قريب على اضطراب منها فيه.
وهذا نص الخطبة:
"أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني.
أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم.
ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم".
الأصل الأول:
لا حق لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتولية الأمة فالأمة هي صاحبة الحق والسلطة في الولاية والعزل فلا يتولى أحد أمرها إلا برضاها فلا يورث شيء من الولايات ولا يستحق الاعتبار الشخصي. وهذا الأصل مأخوذ من قوله: "وليت عليكم" أي قد ولاني غيري وهو أنتم.
الأصل الثاني:
الذي يتولى أمرا من أمور الأمة هو أكفؤها فيه لا خيرها في
стр. 1229
سلوكه. فإذا كان شخصان اشتركا في الخيرية والكفاءة وكان أحدهما أرجح في الخيرية والآخر أرجح في الكفاءة لذلك الأمر قدم الأرجح في الكفاءة على الأرجح في الخيرية ولا شك أن الكفاءة تختلف باختلاف الأمور والمواطن فقد يكون الشخص أكفأ في أمر وفي موطن لاتصافه بما يناسب ذلك الأمر ويفيد في ذلك الموطن وإن لم يكن كذلك في غيره فيستحق التقديم فيه دون سواه. وعلى هذا الأصل ولي النبي ﵌ عمرو بن العاص غزاة ذات السلاسل وأمدَّه بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح فكانوا تحت ولايته وكلهم خير منه. وعليه عقد لواء أسامة بن زيد على جيش فيه أبو باكر وعمر. وهذا الأصل مأخوذ من قوله: "ولست بخيركم".
الأصل الثالث:
لا يكون أحد بمجرد ولايته أمرا من أمور الأمة خيرا من الأمة، وإنما تنال الخيرية بالسلوك والأعمال، فأبو بكر إذا كان خيرهم فليس ذلك لمجرد ولايته عليهم بل ذلك لأعماله ومواقفه، وهذا الأصل مأخوذ أيضا من قوله: "ولست بخيركم"، حيث نفى الخبر عند ثبوت الولاية.
الأصل الرابع:
حق الأمة في مراقبة أولي الأمر لأنها مصدر سلطتهم وصاحبة النظر في ولايتهم وعزلهم.
الأصل الخامس:
حق الوالي على الأمة فيما تبذله له من عون إذا رأت استقامته فيجب عليها أن تتضامن معه وتؤيده إذ هي شريكة معه في المسؤولية. وهذا - كالذي قبله- مأخوذ من قوله: "إذا رأيتموني على حق فأعينوني".
стр. 1230
الأصل السادس:
حق الوالي على الأمة في نصحه وإرشاده ودلالته على الحق إذا ضل عنه، وتقويمه على الطريق إذا زاغ في سلوكه. وهذا مأخوذ من قوله: "وإذا رأيتموني على باطل فسددوني".
الأصل السابع:
حق الأمة في مناقشة أولي الأمر ومحاسبتهم على أعمالهم وحملهم على ما تراه هي لا ما يرونه هم، فالكلمة الأخيرة لها لا لهم وهذا كله من مقتضى تسديدهم وتقويمهم عندما تقتنع بأنهم على باطل ولم يستطيعوا أن يقنعوها أنهم على حق. وهذا مأخوذ- أيضا- من قوله: "وإن رأيتموني على باطل فسددوني".
الأصل الثامن:
على من تولى أمرا من أمور الأمة أن يبين لها الخطة التي يسير عليها ليكونوا على بصيرة ويكون سائرا في تلك الخطة عن رضى الأمة. إذ ليس له أن يسير بهم على ما يرضيه وإنما عليه أن يسير بهم فيما يرضيهم وهذا مأخوذ من قوله: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم" فخطته هي طاعة الله وقد عرفوا ما هو طاعة الله في الإسلام.
الأصل التاسع:
لا تحكم الأمة إلا بالقانون الذي رضيته لنفسها وعرفت فيه فائدتها وما الولاة إلا منفذون لإرادتها فهي تطيع القانون لأنه قانونها لا لأن سلطة أخرى لفرد أو لجماعة فرضته عليها كائنا من كان ذلك الفرد وكائنة من كانت تلك الجماعة فتشعر بأنها حرة في تصرفاتها وإنها تسير نفسها بنفسها وإنها ليست ملكا لغيرها من الناس لا الأفراد ولا الجماعة ولا الأمم. ويشعر هذا الشعور كل فرد من أفرادها إذ هذه الحرية