فالفضل في منازل الدنيا والآخرة إنما هو بما هو منك، من جسمك وأخلاقك وعلمك وعملك لا بما هو باين عنك ومباين لك من هذا الحطام.
حتى إذا حصلته من حله، وأنفقته في محله، كان لك الفضل العظيم بما كان لك فيه من أعمال.
стр. 1297
ذكرى المولد النبوي الشريف
على صاحبه وآله الصلاة والسلام
ــ
في هذا الشهر الكريم يهتز العالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها فرحا وسروراً وتتعدد احتفالاته وتتنوع ولائمه طربا وحبوراً. ذلك لإحياء ذكرى مولد النبي الأعظم والرسول الأكرم سيدنا ومولانا محمد عليه وآله الصلاة والسلام.
فالشهاب يقدم لهذا العالم العظيم ولقرائه الكرام تهنئة الأخ الصادق والخادم المخلص، سائلاً من الله تعالى أن يعيد عليهم أمثال هذه الذكرى الطيبة بالخيرات والبركات، وأن يفقِّههم فيما فيها من الآيات البينات والعبر والعظات، حتى تستنير عقولنا وتزكو نفوسنا وتستقيم أعمالنا كما امتلأت بمحبة نبينا- ﵌ قلوبنا (١).
стр. 1298
كتاب: "امرأتنا "
للشيخ الطاهر الحداد
ــ
كان صاحب هذا الكتاب حدثنا عنه أيام إقامتنا بتونس بالصيف الماضية ففهمنا من حديثه أنه يتكلم فيه عن النهوض بالمرأة نهوضا صحيحا وتعليمها تعليما مفيداً في حدود إسلامها التي هي بنظر كل عاقل منصف حدود الإنسانية الكاملة. وما توقعنا منه أنه يكون ممن يدعون إلى الذهاب بها في تيار المدنية الغربية إلى ما يخرجها عن حدود دينها ووظيفة أنوثتها. فإذا بنا لما أهدى إلينا كتابه وطالعناه وجدنا ما هو أدهى من ذلك وأمر، وجدناه يدعو إلى إبطال أحكام عديدة من أحكام القرآن الصريحة القطعية الإجماعية، وتعطيل آيات عديده من آياته بدعوى أنها غير لائقة بالنساء في هذا العصر. وهذا هو الجحود نفسه لبعض القرآن، وجحود بعضه كجحود كله في مفاوقة الإسلام.
أفيجهل هذا الأصل الشيخ الحداد أم رضي لنفسه بانطباقه عليه؟؟ نحن لا نخشى على المسلمين من دعوته شيئاً لأنه من المعلوم الضروري عندهم أن جحود شيء من القرآن كفر به، وإنما نخشى عليه هو أن يستمر على عقيدته فيكون من الهالكين.
وربما عدنا إلى الكتاب في فرصة أخرى (١).
стр. 1299
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
إلى السادة الأعضاء العاملين والأعضاء المؤيدين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ــ
أما بعد فبناء على انتهاء السنة الأولى للجمعية، وبناء على الفصل التاسع بالقسم الخامس من قافون الجمعية الأساسي الذي يقول: "ينعقد الاجتماع العام لسائر الأعضاء العاملين مرة في السنة وينعقد هذا الاجتماع بمدينة الجزائر باستدعاء من الرئيس" ويقول أيضا: "وبعد أن يتفاوض أعضاء الجمعية في أثناء الإجتماع العمومي العادي في برنامج الجمعية وتعرض عليهم أعمال الجمعية وما قررته في السنة السبقة- تنعقد جلسة ثانية يحضرها الأعضاء العاملون والأعضاء المؤيدون ويعلم هؤلاء الآخرون بحالة الجمعية الأدبية والمالية ثم يباشر الأعضاء العاملون فقط انتخاب الهيئة الإدارية ولجنة العمل الدائمة" بنإء على ما تقدم فإن رئيس الجمعية يدعو جميع الأعضاء العاملين والمؤيدين للحضور بمركز الجمعية الاجتماعي بنادي الترقي الكائن ببطحاء الحكومه عدد ٩ بمدينة الجزائر الساعة التاسعه من صبيحة يوم الإثنين السابع عشر من محرم عام ١٣٥١ - الموافق للثالث والعشرين من مايس سنة ١٩٣٢م.
إن الجمعية لتبدي شدة رغبتها لأعضائها العاملين والمؤيدين أن يلبوا دعوتها ويكونوا حاضرين في الوقت المذكور.
وإنها لترجو ممن يكون لهم عذر في التخلف أن يكتبوا باعتذارهم إلى رئيس لجنة العمل الدائمة السيد عمر إسماعيل بنادي الترقي حيث
стр. 1300
يكون عنده قبل تاريخ الاجتماع لتتلى الاعتذارات على المجتمعين.
وبحضور من حضر واعتذار من يعتذر تعرف الجمعية المعتنين بها والمخلصين لها وتظهر بمظهرها اللائق بها من الشعب الجزائري الكريم (١).
رئيس الجمعية: عبد الحميد بن باديس
الكاتب العام: الأمين العمودي
стр. 1301
على ذكرى المولد النبوي الشريف
التجدد في كل مولد
ــ
ما كانت هذه الدار الدنيا دار بقاء وإنما هي دار فناء. وما بقيت عناصرها المادية في الوجود إلا بما أجراه الله عليها من سنة التجديد في الخلق ليقوم الجديد مقام ما أتى عليه الفناء.
وهذا الإنسان المثال المصغر من العالم الأكبر قال فيه العلماء:
إنه في كل سبع سنوات تفنى جميع أجزائه المادية وتخلفها أجزاء أخرى. فلذاته على رأس السنوات السبع اللاحقة، غير ذاته على رأس السنوات السبع السابقة، وهكذا حتى يستكمل ما قدر له من البقاء في الدنيا.
وتاريخ البشرية من أقدم عصورها يدل على أنها لم تفارقها هذه السنة: سنة التجديد إثر الفناء.
وقد كان الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، هم أساس كل تجديد في تاريخ البشرية كلٌّ في الأمة التي أرسل إليها.
حتى إذا كان الفساد العام في شؤون الدنيا بطواغيت الملك، وفي شؤون الدين بطواغيت الكهنوتية، وفنيت معالم الحضارة بمثل الحروب الرومانية الفارسية واندثرت حقائق الدين وشوهت بالمجادلات المذهبية، والرسوم والأوضاع البدعية- حتى إذا كان هذا الفساد والفناء العامان أرسل الله تعالى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رحمة للعالمين بالتجديد العام. فيوم ولادته- ﵌ هو يوم ولد في العالم ولادة جديدة.
стр. 1302
فلنجعل يوم ولادته من كل عام يوما نعزم فيه على تجديدنا تجديداً روحياً وعقلياً وأخلاقياً وعملياً وتاريخياً تجديداً إسلامياً محمدياً في جميع ذلك. لنولد في عامنا الجديد ولادة جديدة وهكذا نجدد ونتجدد في كل ذكرى مولد.
علينا أن نتفقد عقائدنا وأخلاقنا وأعمالنا ونعزم فيما اندثر منها على التجديد ولنعين بعضها ولنجعله على الخصوص محل العناية الكبرى بالتجديد منا حتى نحاسب أنفسنا عليه في الذكرى الآتية.
أما كاتب هذه السطور فقد عزم على تجديد ما فني من قلوب المسلمين من عقيدة: "إنهم بالإسلام هم أفضل الأمم" ليدعوهم بذلك إلى التمسك بأخلاق الإسلام وآداب الإسلام وعدل الإسلام وإحسان الإسلام. إذ في ذلك سعادتهم وسعادة البشرية كلها ممهم وافه المستعان (١) ..
стр. 1303
عيد الحرية
حق كل انسان في الحرية كحقه في الحياة، ومقدار ما عنده من حياة هو مقدار ما عنده من حرية، المتعدي عليه في شيء من حريته المتعدي عليه في شيء من حياته، وكما جعل الله للحياة أسبابها وآفاتها جعل للحرية أسبابها وآفاتها، ومن سنة الله الماضية أنه لا ينعم بواحدة منهما إلا من تمسك بما لها بن أسباب وتجنب وقاوم ما لها من آفات. وما أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وما أنزل عليهم الكتب وما شرع لهم الشرع إلا ليعرف بني آدم كيف يحيون أحرارا وكيف يأخذون بأسباب الحياة والحرية وكيف يعالجون آفاتها وكيف ينظمون تلك الحياة وتلك الحرية حتى لا يعدو بعضهم على بعض وحتى يستثمروا تلك الحياة وتلك الحرية إلى أقصى حدود الاستثمار النافع المحمود المفضي بهم إلى سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. فرسل الله وكتب الله وشرائع الله كلها ضد لمن يقف في طريق بني آدم دون هذه الغاية العظيمة بالتعدي على شيء من حياتهم أو شيء من حريتهم ولقد كانت هذه الشريعة المحمدية، بما سنت من أصول وما وضعت من نظم وما فرضت من أحكام- أعظم الشرائع وأكمل الشرائع في المحافظة على حياة الناس وحريتهم، وما كان انتشارهم ذلك الانتشار العظيم في الزمان القليل على يد رجالها الأولين- إلا لما شاهدت فيها الأمم من تعظيم للحياة والحرية ومحافظة عليهما وتسوية بين الناس فيهما مما لم تعرفه تلك الأمم من قبل لا من ملوكها ولا من أحبارها ورهبانها. والحياة والحرية محبوبان للناس بالطبع ومرغوبان لهم بالفطرة فأسرعوا لتلبية الدعوة بالدخول في الإسلام أو الإستظلال
стр. 1304
بظله. فما أحق أبناء هذا الدين، ووراث رجاله الأكرمين، أن يكونوا أعرف الناس بقدر هذه الحياة وهذه الحرية، وأكثر الناس احتراما لهما وأشدهم رعاية لحقوقهما وواجباتهما لا لأنفسهم فقط بل للبشربة جمعاء ...
الحياة حياتان حياة الروح وحياة البدن والحرية كذلك. وحياة الروح وحريتها هما أصل حياة البدن وحريته، وشرائع الإسلام كل منتظمة لذلك كله. ومما شرعه الله لتحصيل حرية الروح صوم هذا الشهر المبارك شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. يترك فيه المؤمن طعامه وشرابه وشهوات بدنه ويقبل على التهليل والتحميد والتسبيح فيحرر روحه من سلطة الشهوة وسلطان المادة ويسمو بنا إلى عالم علوي ملكي من الطهر والكمال، ثم إقبل على تلاوة القرآن- بتدبر- فينير قلبه وروحه ويحرر عقله من ربقة الجهل وقيود الأوهام والخرافات، فما يأتي عليه الشهر إلا وقد ذاق طعم الحرية الروحية العقلية وخرج بحيوية قوية وحرية نيرة. فحق عليه أن يحمد الله على نعمته ويظهر آثار تلك النعمة عليه ويفرح بفضل الله ورحمته. وذلك كله باحتفاله بهذا العيد الفطر بما يقوم به في يومه من صلاة وصدقة وصلة رحم وتسامح وتزاور وما يتجمل به من الزينة الحلال وما يأتيه من أسباب السرور واللهو البرىء ومظاهر البهجة بالحرية والحياة.
فهذا العيد- إخواني المسلمين- عيد حريتنا: حرية أرواحنا وعقولنا، وإذا حررنا أرواحنا وعقولنا فقد حررنا كل شيء. فالحمد لله على هذه النعمة ولنحافظ عليها ولنعمل على تكميلها والازدياد منها ذاكرين قول الله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
نسأل الله لإخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في هذا
ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان
هذه هي الكلمة التي ختمنا بها الخطاب الذي ألقيناه أثر ما خطب الشيخ يحيى حمودي باللغة القبائلية ليلة مأدبة النادي لجمعية العلماء فاهتز لها الحفل ودوَّت القاعة بالهتاف والتصفيق، وددت لو ذكرت الخطاب فنشرته كله، ولكنني سأكتفي بالكلمة التالية فقد تكون أوفى منه في المعنى وأجمل في التنسيق.
إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصراً مسلما جزائرياً، أمه الجزائر وأبوه الإسلام. وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم.
فأي قوة بعد هذا يقول عاقل تستطيع أن تفرقهم؟ لولا الظنون الكواذب والأماني الخوادع يا عجبا! لم يفترقوا وهم الأقوياء، فكيف يفترقون وغيرهم القوي كلا والله، بل لا تزيد كل محاولة للتفريق بينهم إلا شدة في اتحادهم وقوة لرابطتهم (ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم) والإسلام له حارس، والله عليه وكيل. نعم إننا نتحد لننفع أنفسنا، وننفع إذا استطعنا غيرنا، ومعاذ الله والإسلام أن نتحد على أحد، أو نتفق على باطل، أو نتعاون على إثم أو عدوان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ
стр. 1307
بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
عبد الحميد بن باديس الصنهاجي
стр. 1308
نصيحة وإرشاد
من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى وفد الله من إخواننا
المسلمين الجزائريين ومن بلغه كلامنا من إخواننا المسلمين.
ــ
قد جرت عادة الناس من قديم عند قدومهم من الحج أن يمكثوا في بيوتهم أياماً ثلاثة أو سبعة يقتبلون الزائرين والمهنئين وينفقون في ذلك ما قد يبلغ شطر ما أنفقوا في الحج أو يقاربه أو يجاوزه بحسب حالهم وعدد معارفهم، ويحسبون أنهم بذلك يعظمون الحج والحجاج ويتقربون إلى الله بذلك التعظيم.
وفي هذا مفسدتان عظيمتان، أحداهما: بالقعود عن مساجد الجماعات وذلك من شأن المنافقين الذين همَّ النبي- ﵌ أن يحرق عليهم بيوتهم، وقبيح- والله- بمن جاء من بيت الله وحرم الله أن يتخلف عن بيوت الله ويكون في حال أهل هذا الوعيد. الثانية بارتكاب الإسراف والتبذير في غير طاعة، مما يعقب اللوم والحسرة، وبغض الله الذي لا يحب المسرفين.
ونحن ننصح لإخواننا المسلمين أن يقلعوا عن هذه العادة الذميمة والبدعة الضالة التي يزداد قبحها ويعظم إثمها بصدورها من وفد الله وضيوفه الذين رجعوا- إن شاء الله تعالى- برحمته ومغفرته وإكرامه.
ونرشدهم إلى ما يحصل لهم ولأحيائهم بركة الاجتماع في غير رياء ولا إثم ولا تبذير. ذلك بأن يصبح الحاج في مسجد قريته أو حومته من بلدته يؤدي تحية المسجد أو يؤدي فريضته ويتلقى أحبابه فيه، وقد كان النبي- ﵌ إذا قدم من سفر ابتدأ
стр. 1309
بالمسجد، وما أسست المساجد إلا لذكر الله وجمع المسلمين على صلواتهم ودروسهم ومصالحهم.
ففي هذا- إن شاء الله تعالى- الأجر الكثير، والنفع الغزير في الدنيا والدين.
...
قد تواترت الأخبار المشرقية بما يقاسيه سكان المدينة المنورة من جهد ومشقة واحتياج. فنحن ندعو إخواننا وفد الله إلى اغتنام هذه الفرصة العظيمة والمبرة الكريمة بالإحسان إلى سكان طيبة الطيبة وجيران سيد المرسلين- صلى الله وسلم عليه وعليهم وآله كل أجمعين- وعمار حرمه الأمين ومسجده الكريم، وغذا وفقوا- وهم موفقون إن شاء الله- إلى استبدال هذا الإنفاق المشكور المبرور بذلك التبذير المذموم الموزور، استجمعوا الخير من طرفيه، وحصلوا الأجر بسببيه، فعل ما أمروا به وترك ما نهوا عنه ورضي الله عنهم- إن شاء الله- ورضوا عنه.
...
هذه نصيحتنا إليكم- إخواننا- جعلها الله سبب الأجر والمثوبة لكم ولنا. وإن الجمعية عازمة- بإذن الله- في الأعوام القابلة على إيفاد عضو من رجالها يذكر الحجاج ويفقههم ويكون مرجعا لهم في أمر دينهم وأعمالهم.
والله نسأل التوفيق إلى الخير والعون عليه والإخلاص فيه لوجهه آمين والحمد لله رب العالمين.
عن الجمعية الرئيس: عبد الحميد بن باديس
стр. 1310
التسامح الإسلامي:
نظر المسلمين إلى غير المسلمين
ونظر غيرهم إليهم
ــ
يقرر الإسلام بطلان سائر الملل وأن لا دين عند الله إلا الإسلام. ويعرض ذلك في بيان من الاحتجاج والاستدلال على ما انبنى عليه الإسلام من الحق وما جاء به للبشرية من الخير، وعلى ما انبنت عليه الملل الأخرى من الباطل أو ما أدخل عليها منه وما أصيبت به كتبها من الضياع والتحريف حتى يكون المسلم على بينة ويقين فيما أخذ من حق وما رد من باطل، وحتى يمتليء قلبه بمحبة الإسلام والاطمئنان إليه، وبالكره لغيره والنفرة منه، فهو يكره أن يعود إلى الكفر بعد الإسلام كما يكره أن يقذف في النار.
ومن شأن البشر أنهم إذا كرهوا الشيء كرهوا أهله والمنتمين إليه، ودفعهم ذلك الكره إلى مدِّ يد العدوان إلى ذلك الشيء المكروه وأهله، فأوقعوا به وبهم أنواع الأذى والظلم، وإذا لم يستطيعوا مد أيديهم لذلك بقيت صدورهم تتأجج بنيران الحقد والبغضاء وصارت أفواههم فوهات لتلك البراكين تقذف بالحمم والنيران، بالشتيمة والاستنقاص، وما يؤرج تلك الضغائن والأحقاد.
هذا هو حال البشر إذا تركوا سجيتهم الحيوانية دون أن يبصَّروا بسنن الله في الخلق وحكمته في أخلاقهم وحكمه العادل بما لكل منهم من الحق في الحياة على ما اختار لنفسه من دين.
وهكذا مضت الأحقاب على البشرية ورؤساء كل ملة يذكون تلك السجية الحيوانية في الإنسان ويوقعون بين أفراده وأممه بسبب ذلك
стр. 1311
الحقد الديني والتعصب على المخالف أنواعا من الشرور والبلايا والفتن تشيب من هولها الولدان حتى جاء الإسلام ينشر راية التسامح العام ويقلع جذور الحقد الديني من قلوب متبعيه ويكفهم عن التعصب على المخالف لهم في الدين.
قرر الإسلام محبة الإسلام في قلوب المسلمين وكره ما سواه ولكنه بيَّن لهم أنه كره يحملهم على مجانبة عقائد غير الإسلام وأعماله التي أبطلها الإسلام دون أن يحملوا حقدا على مخالفيهم أو يمسوهم بأذى من سب أو تحقير لهم أو لمعتقداتهم، أو يكرهوهم على شيء من الدين.
لأجل أن يقتلع الإسلام جذور الحقد الديني والتعصب على المخالف من قلوب اتباعه ويزرع فيها التسامح- عرفهم أن اختلاف الأمم وتباينهم في نحلهم هو بمشيئة الله وما كانت مشيئته إلا حكمة وصوابا فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وعرفهم بوجه الحكمة في هذا الاختلاف وهي أن تباين أعمالهم بتباين مشاربهم ومداركهم مما هو ضروري لنمو العمران وتقدم الانسان وظهور حقائق الأفراد والأمم بالابتلاء والاختبار فيما أوتيت من عقول وإرادات وقوى وأعمال. فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ثم أقر المخالفين على ما ينتحلون ويعتبرونه دينا وسماه دينا وحكم بأن يترك لهم فقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ وأقر معابدهم وذكرها بما يقتضي وجوب احترامها بما يذكر فيها من اسم الله وقرنها بالمساجد تأكيداً لذلك الاحترام فقال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ
стр. 1312
بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ وأقر كتبهم لهم وسماهم أهل الكتاب وأقر ما يعملونه من دينهم وسماه عملا فقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ وأقر أحكامهم فيما بينهم ومنع من التعرض لهم إلا إذا جاءوا بطوعهم واختيارهم متحاكمين إلى الإسلام فقال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
فأنت ترى كيف أبقى لهم الإسلام كل كيانهم الديني وجميع مقوماته وأحاط دينهم بسياج من الاحترام بعد ما عرَّف المسلمين أن ما هم عليه من تلك الأديان هو من مقتضى مشيئة الله وحكمته وفي صالح البشرية والعمران وأن الجزاء على ذلك إنما هو لله وحده يوم يرجع إليه العباد فقال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم أمر بعد ذلك كله بالعفو والصفح عنهم مع العلم بحقيقة قصدهم فقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ببيان هذه الحقائق من سنن الله وحكمته، وتقرير هذه الأحكام من شريعته، ربَّى الإسلام المسلمين على التسامح وكوَّن نظرهم لغيرهم من أهل الملل فهم لا يرون في اختلاف تلك الملل إلا شيئاً قد قضاه الله واقتضته حكمته لعمارة هذه الدار وتلك الدار وظهور آثار عدله وفضله وإحسانه ورحمته، فسلمت قلوبهم من الحقد الديني الممقوت والتعصب
стр. 1313
المذموم وجرت معاملتهم لهم في أيام قوة المسلمين وأيام ضعفهم على سنن التسامح والاحترام، اللهم إلا وقائع نادرة جدا كانت أيام ضعف المسلمين وطغيان غيرهم عليهم فانتقموا انتقام المظلوم المهان لا انتقام الحقود المتعصب. ولا يسعني من هذه المقالة أن أعدد أيادي المسلمين على غيرهم من أهل الملل فقد ملأ ذلك سجلات التاريخ مما كتبه غير المسلمين فضلا عما كتبه المسلمون.
ومن مظاهر التسامح الإسلامي عند المسلمين وخلو قلوبهم من الحقد الديني الذي طهرها منه الإسلام بما حكم وبما علَّم، إنك لا تجد في صحافتهم ومجلاتهم الفصول العريضة والمقالات الطويلة في البحث في النصرانية ومقدار انتشارها وأسباب انتشارها ومقاومة انتشارها وما تكون به تلك المقاومة مثل ما تجد ذلك على أتمه وأبلغه، وتارات على أفظعه، في صحف الغرب ومجلاته. وفي العالم الإسلامي كثير من المجلات التي يصدرها رجال من أهل العلم الديني وفي مقدمتها "مجلة الأزهر" لا تجدها تعرض للبحث في النصرانية إلا إذا اضطرت للدفاع عن المطاعن التي يوجهها من حين إلى آخر أعداء الإسلام. أما الهيئات الدينية النصرانية فإن لكل هيئة منها مجلتها ويكاد لا يخلو عدد منها من الكلام على الإسلام، وتصويره بالصورة المنفرة البغيضة المثيرة للأحقاد والحاملة على التعصب حتى أنهم قد يجعلون لأتباعم دعوات تكرر في أوقات مخصوصة ضد الإسلام والمسلمين. ولأجل التحقق مما نقول ننشر فيما يلي نص صلاة من الصلوات اليومية.
عن الصدى الكنسي لقسنطينة وبونة
الأحد ٩ فبراير ١٩٣٦م
الصلاة اليومية:
يا قلب يسوع الإلهي أتقدم إليك بقلب مريم الدامي، بصلواتي
стр. 1314
وأعمالي وآلامي في هذا النهار، وأقدم إليك صلواتي من أجل الغاية التي أنت ساع في سبيلها كل يوم على المذبح، وأقدم إليك صلواتي بصفة أخص، من أجل اتخاذ كل الكاثوليك ومن أجل محاربة الإسلام.
غاية التبشير: النضال ضد الإسلام.
L'ECHO DU DIOCESE DE CONSTANTINE ET D'HIPONE ٦° Année No ٣ - Dimanche ٩ Février ١٩٣٦
OFFRANDE QUOTIDIENNE:
Divin cœur de Jésus, je vous offre, par le cœur immaculé de Marie, les prières, les œuvres et les souffrance de cette journée, en réparation de nos offences et à toutes les intensions (١) pour lesquelles vous vous immolez continuellement sur l'autel, Je vous les offre, en particulier, pour l'union entre les catholiques et pour la lutte contre l'Islam.
Résolution apostolique ; Prier avec le Christ pour que nous soyons vraiement un.
Adhère à tout mouvement de prière et d'action qui tend à l'union. Intension (١) missionaire. (LA LUTTE CONTRE L'ISLAM).
N. B: (١) conforme à l'original
فكيف تكون نظرات من يغذون هذه التغذية السامة، نحو الإسلام؟ وتد نعود إلى هذا الموضوح في الجزء الآتي إن شاء الله (١).
стр. 1315
التسامح الإسلامي- ٢
صلاة وصلاة
ــ
إن الإسلام الذي قرر التسامح مع أهل الملل أصلا من أصوله يجد فيما يتلوه المسلمون من آياته ودعواته وأذكاره ما يقوي تمسكهم بذلك الأصل ويرسخه فيهم. ونحن نذكر هنا على سبيل المثال دعاء القنوت الذي يدعو به قسم عظيم من المسلمين في صلاة الصبح وهو: ((اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونخنع لك ونخلع، ونترك من يكفرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق)) ويزيد قسم عظيم منهم قوله: ((اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما أعطيت، نستغفرك ونتوب إليك)).
أرأيت هذا التوحيد لله والإخبات والتعظيم له والاعتزاز والاعتماد عليه؟ فلما تعرض الدعاء للكافرين لم يزد على تركهم في قوله: ((ونترك من يكفرك)) فالمسلم يتمسك بدينه ويترك غير أهل دينه ودينهم وهذا من باب قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ولما ذكر عذابهم في قوله: ((إن عذابك بالكافرين ملحق)).
جعله الله فهو الذي يعذب من كفر به من عباده فلم يرج رحمته ولم يخف عذابه. وهذا من باب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. فالمسلم بهذه التغذية الشريفة الطيبة لا يكون إلا نقي القلب من
стр. 1316
الحقد الديني واسع الصدر عظيم التسامح. وإذا رأيت ما يدعو به المسلم ربه في صلاته وعلمت ما يتركه ذلك الدعاء في نفس المسلم وما يربيه عليه فانظر إلى ما ينشره رجال الكنيسة بين أتباعهم من الصلوات اليومية وما تشتمل عليه من آثارة للحقد الديني وتقوية له ودعوة صريحة إليه، ففي الصلاة اليومية التي نقلناها في العدد الماضي عن (الصدى الكنسي لقسنطينة وبونة) يقول: "وأقدم إليك صلواتي بصفة أخص، من أجل اتحاد كل الكاثوليك ومن أجل محاربة الإسلام".
بهذا تغذي الكنيسة مؤمنيها وهم في وسط إسلامي لا تمكن سعادته وهناؤه إلا بتعاون سكانه فيه بروح التسامح والتواد، وتملأ صدورهم بهذا التعصب الممقوت ضد قوم مسالمين ومستضعفين. فلا يدري إلا الله كم أثمرت هذه التغذية الخبيثة من علقم كان وزر من جرعه ومن تجرعه على من بثوه في النفوس ومكنوه من القلوب.
حاشا الأصول الأولى لتلك الملة أن تأمر بهذا فقد عرفوا ما جاء في "متى" (٥: ٤٤) "وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم، باركوا لأعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" ولكن الرؤساء الذين يريدون المحافظة على مصالحهم ويرون أن محبة أتباعهم لهم تكون بقدر بغضهم للإسلام، هم الذين يتحملون مسؤولية هذا ويبوءون بإثمه.
نكتب هذا ليطلع قراؤنا على حقائق واقعية تتصل بالحياة الاجتماعية بينهم وبين من يساكنونهم في وطنهم. وليعلم إخواننا المسلمون عظيم نعمة الله عليهم بما شرعه لهم من أصل التسامح العظيم فيزدادوا به تمسكا فيعيشوا سالمي الصدور من داء الحقد الديني والتعصب الممقوت وليعرف الذين يبثون تلك السموم أن أعمالهم لا تخفى على غيرهم فعسى أن يقلعوا عنها ويرجعوا للعمل معنا على بث التسامح بين عباد الله.
والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.
стр. 1317
سيرة الإصلاح الإسلامي:
بعد مصر والعراق
علم قراؤنا مما كنا نشرناه في جزء سابق ما كان من النهضة الإسلامية في مصر بصفة رسمية من حكومة مصر ومن جماعة كبار العلماء بالأزهر، وقد تلت العراق مصر في هذه النهضة.
كان القائم بالإصلاح الإسلامي في بلاد الرافدين هو الجمعيات الإسلامية، مثل جمعيات الشبان المسلمين وجمعية الهداية الإسلامية. وقد جاهدت هذه الجمعيات- وما زالت- في سبيل الإصلاح جهادا كبيرا.
أما اليوم فإن الحكومة العراقية نفسها أخذت تعمل لذلك فقد أوفدت الأستاذ بهجت الأثري إلى مصر ليطلع على نظمها في الأوقاف الإسلامية وفي التعليم الديني وقبيل سفره قابله الأستاذ يونس بحري "السائح العراقي الذي كان زار الجزائر وتشرفنا بمعرفته" وسأله باسم جريدة "البلاغ" أسئلة فأجابه عنها. وقد نشرناها ملخصة فيما يلي:
- ما هي المهمة التي ستسافرون من أجلها إلى مصر فأجابه:
- إني مسافر إلى مصر درة الإسلام، في مهمة رسمية أرجو أن أوفق فيها هي الإطلاع على شؤون الأاوقاف العامة هناك ودرس نظم التعليم في المعاهد الدينية على اختلاف درجاتها ومناهجها والنظر في كيفية تطبيقها تطبيقا عمليا في العراق، وكل ذلك تمهيدا لما تعتزمه الحكومة العراقية من إصلاح أوقافها ومدارسها الدينية، وإجاد طبقة مستنيرة من العلماء تتولى إرشاد المسلمين وتهذيبهم من طريق العلم الصحيح.
- ما هي الغاية التي تقصدها حكومة العراق من وراءه هذا الإصلاح؟
стр. 1318
- نحن نرمي إلى توحيد الثقافة الدينية العامة بين الأقطار العربية خاصة والإسلامية عامة، والعمل على تغيير عقلية بعض المسلمين الذين صورت الأغراض لهم الإسلام الحنيف تصويرا عكسيا مخالفا لحقيقته فابتعدوا عنه وأصبحوا عالة عليه. فلا بد من مواصلتنا السعي لرفع مستوى هؤلاء المسلمين العقلي والروحي، على النمط الذي يرضيه روح الإسلام، وبهذا يخلق الله الأمة خلقا جديدا يمكنها من استعادة مجدها بين الأمم (١).
стр. 1319
جواب عن كتاب
إلى الأخ الشيخ الطاهر الحركاتي رئيس شعبة باتنة- وعليكم السلام ورحمة الله.
وبعد فكلنا نعلم أن أهل باتنة كانوا وما زالوا من أنصار الجمعية والمؤيدين لها في خطتها الدينية العلمية، وأن ما بينهم اليوم من خلاف إنما نشأ من أيام الانتخابات البلدية ثم استمر إلى أيام المؤتمر وفي أثناء هذا ما رأيت من الشعبة ورئيسها وأهل باتنة وفي جانب الجمعية إلا خيراً ولم يكن مني في جانب الجمعية إلا الدعوة إلى الصلح أو المهادنة على الأقل كان هذا مني مع كل من اجتمعت به من تلك الناصية فلما أيست من أمر الصلح لازمت الحياد وكاتبتكم بكتاب آخر أمركم فيه بالحياد التام وهو الكتاب الوحيد الذي كاتبت به باتنة من هذه المدة كلها- وها هو نص الكتاب الذي أنشره ليطلع عليه الجميع وليعلم منه موقف الجمعية في مثل ما بينته من خلاف.
نص الكتاب بعد الافتتاح:
"وبعد فلما كانت الجمعية واقفة في الخلاف الواقع بين أهل باتنة موقف الحياد، لا تؤيد أحدا ولا تعارض أحدا حتى ينجلي الموقف على خير إن شاء الله- فيلزم إذا وقفتم في موقف عام أو خاص في شأن من شؤون باتنة الخلافية أن تعلنوا للناس أنكم لا تتكلمون باسم الجمعية مثل ما نفعل نحن في المواقف الخارجة عن نطاق الجمعية.
إنني أؤكد عليكم بهذا وأرجو أن يبلغني صداه.
عبد الحميد بن باديس
стр. 1320
إحياء ليلة المعراج النبوي الشريف
ليلة الثلاثاء ٢٧ رجب الجاري
ــ
المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله وأسرى بمحمد- ﵌ إليه، وكان معراج محمد- ﵌ إلى الملكوت الأعلى منه، وهو اليوم بين مسايل الدماء [ ... ] (١) الاألاء، وانقاض النسف والتخريب بالنار والحديد. وان سكان أرضه من جميع الملل والأجناس الذين عاشوا قرونا آمنين أصبحوا اليوم بسبب الاستعمار الانكليزي الغاشم والمذهب الصهيوني الطامع في عذاب أليم. وإن إخوانكم الذين يحفظون ذلك الحرم المقدس، ويعمرون أرضه ويردون عنه العدوان، قد رملت الآلاف من نسائهم، ويتم مثلها من أبنائهم، وضاع عجزتهم ومرضاهم، فأكلتهم الفاقة، وأنهكتهم الأوصاب، وأحاط بهم البلاء من كل جانب.
وإننا نرى غيرنا يبذل الجهد في إغاثة المنكوبين من إخواننا بتلك الأرض المقدسة، بل نرى أحزابا وجمعيات تجتهد في إغاثة المنكوبين في جهات أخرى، فلنبادر للقيام بالواجب علينا نحو إخواننا في كل مناسبة تعرض لنا، وأن من أعظم تلك المناسبات وأفضلها ليلة المعراج النبوي الكريم واليوم الذي يليها، فلنذكر فيهما أولئك المنكوبين نذكرهم بالدعاء لرفع البلاء والعطاء لتحصيل القوت والدواء.
وقد دعت جمعية العلماء في السنة الماضية المسلمين إلى هذا الإحسان الإسلامي الإنساني فلبَّى المسلمون دعوتها وهي اليوم تجدد
стр. 1321
لهم الدعوة بنصر ما دعتهم به في السنة الماضية راجية منهم الإجابة وسائلة لهم التوفيق. وهذا نص دعوتها الماضية:
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تقوم بواجبها الديني وشعورها الإنساني:
١ - تدعو المسلمين عموما وأئمة المساجد خصوصا إلى إحياء ليلة المعراج بالتضرع والتوجه إلى الله تعالى بالدعاء ليرفع البلاء عن ذلك الحرم المقدس وساكني رحابه، وأن يرفع عدوان الظالمين عن المظلومين، وأن يرجع لتلك البلاد عهدها السابق الذي تمتع فيه جميع السكان بالأمن والسلام.
٢ - كما تدعو كل مسلم أن يذكر في تلك الليلة أولئك الأيتام والأرامل والمنكوبين فيخصص لإعانتهم ما استطاع من المال. (وأمين مال لجنة إغاثة منكوبي القدس الشريف المؤسسة بقسنطينة في عيد الأضحى السابق السيد كرماني الحاج حموش) مستعد لقبول ما يرد عليه ليرسله إلى لجنة الإغاثة بمصر وينشره بالصحف.
٣ - كما تدعو المسلمين أن يكونوا ليلتهم في هدوء وخشوع مناسبين للدعاء والابتهال، لا يرى ولا يسمع منهم جيرانهم من اليهود والنصارى إلا ما أمر به الإسلام من العدل والإحسان والله المستعان.
بيان ما أرسل للمنكوبين:
فرنكات ............
٢٤٢٠٠ .......... اجتمعت من دعوة الجمعية ليلة المعراج من السنة الماضية وأرسلت بواسطة أمين لجنة الجزائر العاصمة في ديصامبر ١٩٣٨ وتحت يده وثيقتها.
٢١١٥٥ ......... من جلود الضحايا وأرسلت بواسطته في أفريل ١٩٣٩ وتحت يده وثيقتها.
٢٤٥٠٠ .......... اجتمعت من جلود الضحايا وأرسلت بواسطة أمين لجنة قسنطينة في ١٩ ماي ١٩٣٩ وتحت يده وثيقتها.
стр. 1322
تنبيه
لما اعتذر أمين لجنة الجزائر عن الاستمرار على القيام بالعمل فقد قبل أمين مال لجنة قسنطينة بالقيام به شكر الله الجميع.
فالمرغوب الإرسال إليه على هذا العنوان:
C/c ٢٦٤ - ٨٥ ALGER
KERMANI HADJ HAMOUCHE ٣٧ RUE C Ah ٣٣ oreau
والله يتولى الجميع بالعون والتوفيق.
عبد الحميد بن باديس
стр. 1323
غرداية
"وادي ميزاب"
ــ
هذا العاجز- كما يعلم الناس كلهم- كان ولا زال من دعاة التوحيد والاتحاد. وكنت ولا زلت أقول في مجالسي ودروسي أن المذاهب الفقهية غير الأربعة المشهورة هي كالأربعة تتفق وتختلف عن نظر واجتهاد. وكان لكلامي هذا- بحمد الله- أثره الطيب المقصود. فلما قرأ الناس في الصحف الدورية خبر منع إخواننا الإباضية إخوانهم المالكية بغرداية من شعيرة الأذان كثر منهم من سألني: ماذا تقول؟ وأين ما كنت تقول؟ كأن من يدعو إلى الاتحاد مسؤول عما يأتيه من يدعو ويفعل ما يدعو إلى التفريق!
لا، أنا لست مسؤولاً عن هذا- وإن كنت أعظمَ متألمٍ منه- بل المسؤول عنه هم أولئك الإخوان المتنوِّرون الذين أعرفهم هنا وهنالك من أهل وادي ميزاب.
فإليهم يتوجه الرجاء في حسم هاته المسألة بالحق والنصفة بين أولئك الإخوان المتنازعين- ذاكرين قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١).
стр. 1324
بين المسلمين في غرداية
جاء كتاب من جماعة من المالكية بغرداية يقولون فيه ما ملخصه:
إن لنا مسجدين بداخل بلدة غرداية تقام فيهما الصلوات الخمس وتصلى فيهما الجمعة أحدهما بحارة عرش المذابيح وثانيهما بحارة بني مرزوق وكلاهما أسس لمالكية وادي ميزاب من منذ برهة زمانية. وقد كان إخواننا الإباضية منعونا من الأذان بهما فوق سطحيهما فسلمنا الأمر بسبب ضعفنا، وصارت عادتنا في يوم الجمعة نؤذن بداخل المساجد وقت جلوس الإمام على المنبر. والآن قام بعض طلبتهم وأهل المخزن منهم واستنصروا بحاكم الإدارة علينا في إبطال الأذان حتى بداخل المساجد. وفعلا استدعانا بالحضور وأمرنا في الحال بإبطال الأذان من مساجدنا وتعويضه بكلمة الصلاة لا غير وبشرط أن لا يبعد المنادي بهاته الكلمة من المحراب أكثر من ميترة واحدة وعندنا نسخة من رسالة الحاكم الموجهة إلى قائد غرداية في هذا الشأن.
(ش) قد تقدمت كلمتنا على هذا الخبر في باب المجتمع الجزائري صفحة ٣١٦ من هذا الجزء (١).
стр. 1325
للحق والنصفة
حول منع الإباضية إخوانهم المالكية من الأذان بغرداية
ــ
كنا من أول من كتب في هذه المسألة بأسف وحسرة، وأحلنا بإصلاح ذات البين فيها على الأدباء والفضلاء من إخواننا الإباضيين الذين نعرفهم بقسنطينة وبالعاصمة وبميزاب، ثم رأينا الأمر لا يزداد إلا تفاقما والفتنة لا تزداد إلا اتقادا رغم سعي بعض الفضلاء بالعاصمة في إصلاح ذات البين ورغم كتابة كاتب الشرق والإسلام التي تؤثر في الصم الصلاب. فلما رأينا ذلك لزمنا السكوت لعلمنا أن الكلام بعدئذ لا يرتق الفتق بل يزيده وسعا. فسكتنا منتظرين لطف الله في إلهام الفئتين رشدهما وتنزيل أسباب الرحمة والأخوة بينهما، غير أن هذا السكوت لم يرض واحدة من الفئتين.
فأما إخواننا الإباضية فإننا التقينا بالشيخ إبراهيم أطفيش بقالمة فوجدناه يحمل حنقا شديدا على"الشهاب" وصاحبه لأنه علم أن المالكية جعلوا "مؤتمرات في الأغواط" وأن صاحب، الشهاب، حضرها ولأن الشهاب لم ينشر ما يبين به الحق في المسألة، فأقنعناه أن مسألة المؤتمرات وحضورنا لها اختلاق محض كان على حضرته أن يتثبت في نقله قبل أن يسيء مقابلتنا به وأن "الشهاب" لا يتوخى فيما ينشر إلا إصلاح ذات البين ووعدناه بأن نقول كلمة خير للجميع إذا وجدنا لها مناسبة.
وأما إخواننا المالكية فقد جاءنا كتاب منهم من العاصمة من جماعة كثيرة يعتبون ويلومون على " الشهاب" في سكوته، وبلغ بهم الحمق
стр. 1326
"وشيء آخر" أن عرضوا بأن "الشهاب" يراعي الإباضيين لأجل اشتراكاتهم فأجبتهم بأننا دعاة إصلاح واتحاد بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم وإننا ندين- قولا وعملا واعتقادا- بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ حسب جهدنا وطاقتنا، ونستغفر الله تعالى مما يكون منا في ذلك من تقصير. وأما اشتراكات الإباضيين التي عرضوا بها فإنها لا تتجاوز الثلاثين، وأن "الشهاب" لو كان يراعي الخواطر في سبيل المال لكان له وفر ولكنه- علم الله والناس- أنه ليس كذلك وإننا لو كنا نريد المال لكان لنا- بحمد الله- فيما قسمه الله لنا من فضله لأسرتنا فوق الكفاية أو لكان لنا في أبواب التجارة والفلاحة المعرضة لنا- بإذن الله- أسباب إليه متينة ونعوذ بالله من تعريض سيِّء يؤدينا إلى مثل هذا الكلام.
واليوم- وقد اتفق الجانبان على إنكار سكوتنا وحمل الحنق علينا وسوء الظن فينا- فإننا نقول كلمتنا للحق والنصفة غير منحازين بها إلى إحدى الفئتين بالغة ما بلغت في إرضاء من رضي وإسخاط من سخط حيث كنا نعتقد أننا أرضينا بها- الحق والوجدان فنقول:
قد ثبت عندنا أن بعض الإباضية بغرداية منذ زمان بعيد بنى مسجدا وجعل له مأذنة واحدث فيه أذانا ثانيا فاتفقت كلمة جماعة الإباضيين على منعه وهدم مأذنته. فعلمنا بهذا أن الإباضية لم يمنعوا مالكية غرداية من الأذان تعصبا عليهم لأنهم مالكية- كيف وقد منعوا قبل ذلك الإباضية مثلهم وهدموا الصومعة- وإنما منعوهم لأنهم يرون الاكتفاء في البلد بأذان واحد.
فنحن بهذا قد برأنا الإباضية من تعصبهم على المالكية لأنهم مالكية. ولكننا من ناحية أخرى نرى أنه حق عليهم أن يرجعوا في
стр. 1327
هذه المسألة عن رأيهم ويسمحوا لإخوانهم المالكية بالأذان.
أولا- إصلاحا لذات البين بين المسلمين، وهي من الإسلام من أول ما تجب وتتأكد المحافظة عليه والقيام به.
ثانيا- حفظا للوحدة الإسلامية بحفظ القلوب غير متصدعة بداء الفرقة القَتَّال المعدود في الإسلام من أكبر المحرمات المهلكات.
ثالثا- مجاملة لبقية إخهوانهم المالكية بالقطر الذين تربطهم بهم رابطة الدين والوطن والمصلحة.
هذه كلمتنا نقولها بعهد الله لا نقصد بها إلا القيام بواحب الصدع بالحق والدعوة إليه والإصلاح بين المسلمين فإن كانت صوابا فمن الله الكريم الرحيم وإن كانت خطأً فمنا وإلينا وليست بالأولى من خطئنا (١).
стр. 1328
آثار ابن باديس
قسم الخطب
стр. 1329
ذكرى المولد النبوي الكريم
في (نادي الترقي) بالعاصمة
ــ
ألقى صاحب المجلة في هذه الذكرى خطابا إرتجله ارتجالا في ذلك المقام وقد نشرناه فيما يلي حسبما بقي في الذهن فكان طبق أصله إلا في القليل.
-١ -
بسم الله الرحمن الرحيم، وعلى اسم الجزائر الراسخة في إسلامها، المتمسكة بأمجاد قوميتها وتاريخها- افتتح الذكرى (١) الأولى بعد الأربعمائة والألف من ذكريات مولد نبي الإنسانية ورسول الرحمة سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله- عليه وعلى آله الصلاة والسلام- في هذا النادي العظيم الذي هو وديعة الأمة الجزائرية عند فضلاء هذه العاصمة ووجهائها.
لسنا وحدنا في هذا الموقف الشريف لإحياء هذه الذكرى العظيمة، بل يشاركنا فيها نحو خمسمائة مليون من البشر في أقطار المعمور كلهم تخفق أفئدتهم فرحا وسرورا وتخضع أرواحهم إجلالا وتعظيما لمولد سيد العالين.
قلوب خمسمائة مليون! هذه قوة كبيرة في هذا العالم مرتبطة
стр. 1330
بالحب متدرعة بالإيمان فلو شعرت حقيقة الشعور ببعضها لأثمرت للإنسانية فوائد كبرى وعملتلها أعمالا عظيمة.
بل تشاركنا في موقفنا هذا الإنسانية كلها وإذا لم يكن بلسان مقالها فبلسان حالها. فمن الإسلام الذي جاء به صاحب هذه الذكرى عرفت الإنسانية وذاقت حرية العقول والرقاب، ومنه عرفت وذاقت العدل على أتم معناه، ومنه عرفت وذاقت المساواة بين العباد فيما هم متساوون فيه، وبهذه الأصول العظيمة أمكن اشتراك أمم كثيرة تحت راية الإسلام في خدمة العلم والمدنية حتى أزهرت رياضهما وسمت صروحهما في الشرق والغرب واغترفت من معينهما أبناء الإنسانية جمعاء.
نقلت المدنية الإسلامية أصول المدنيات السابقة نقل الأمين، ونخلتها نخل الناقد البصير، وزادت عليها من نتائج أفكارها وثمار أعمالها ما كان الأساس المتين لمدنية اليوم.
هذا الذي نقوله يعترف به العلماء المنصفون من الغربيين أنفسهم ويشهد به مثل قانون ابن سينا الذي لا زال يدرس إلى القرن الثامن عشر في جامعاتهم ومثل مقدمة ابن خلدون التونسي تلميذ مواطنينا شيوخ تلمسان، واضع علم الاجتماع المترجمة إلى جميع لغاتهم.
كنا نسمع هذا الاعتراف من الأفراد ولكننا اليوم صرنا نسمعه من الأمم ففي العام الماضي كان احتفال إسبانيا أمتها وحكومتها بانقضاء ألف سنة على تأسيس الخلافة الإسلامية في قرطبة، ومعنى ذلك الاعتراف لهذه الخلافة الإسلامية العربية بفضلها على مدنية اليوم، ورفعها منار العلم والعمران أيام كانت أمم الغرب في همجية عمياء، وفي هذه السنة كان الاحتفال في جامعة ألمانيا ببرلين بذكرى أبي القاسم الزهراوي الأندلسي الطبيب الجراح الذي لا تزال نظرياته واستنباطاته
стр. 1331
معتمدا عليها إلى اليوم، وكان الاحتفال في القاعة الكبرى التي لا يحتفل فيها إلا بأكابر العلماء الذين خدموا الإنسانية خدمة جليلة. ومعنى هذا الاعتراف لعلماء العرب بخدمة العلم والإنسانية في ظل الإسلام منذ قرن.
فالإسلام الذي جاء به صاحب هذه الذكرى هو أبو المدنية أمس واليوم- وأعني بمدنية اليوم المدنية من جهة العلم والعمران، لا من جهة الأخلاق والاجتماع فهنالك ما يتبرأ منه الإسلام.
لا عجب بعد هذا البيان أن نقول أن الإنسانية تشاركنا بالاحتفال في هذا المقام.
ما الداعي إلى إحياء هذه الذكرى؟
المحبة في صاحبها.
إن الشيء يحب لحسنه أو لإحسانه وصاحب هذه الذكرى قد جمع - على أكمل وجه- بينهما فله من الحسن ما كان به أكمل الناس حتى اضطلع بالقيام بأعباء ما جاء به ويعرف ذلك الكمال من درس أي خلق من أخلاقه وأي يوم من أيامه. وله من الإحسان ما أنقذ به البشرية وكان رحمة خاصة وعامة، وعم الإنسانية جمعاء على ما قدمنا في البيان.
فمن الحق والواجب أن يكون هذا النبي الكريم أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا ومن الناس أجمعين ولو لم يقل لنا في حديثه الشريف «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» وكم فينا من يحبه هذه المحبة ولم يسمع بهذا الحديث؟
فهذه المحبة تدعونا إلى تجديد ذكرى مولده في كل عام.
ما الغاية من تجديد هذه الذكرى؟
стр. 1332
إستثمار هذه المحبة.
إن محبتنا فيه تجعلنا نحب كل خلق من أخلاقه وكل عمل من أعماله. ففي ذكريات مولده نذكر من أخلاقه ومن أعماله ما يزيدنا فيه محبة ويحملنا على الاقتداء به فنستثمر تلك المحبة بالهداية في أنفسنا، ونشرها في غيرنا، تلك الهداية التي لا يسعد العالم سعادة حقة إلا إذا تمسك بها.
ماذا نريد أن نذكر في مجلسنا هذا منها؟
عندما أصل إلى هذا المقام وأقف أمام أخلاقه وأعماله- عليه وعلى آله الصلاة والسلام- أجدني أمام ما يتقاصر عنه علمي ويتضاءل أمامه شخصي وأنشد ما قاله شاعرنا العربي:
هو البحر من أي الجهات أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
ومن أين لعاجز مثلي أن يفي خلقا من أخلاقه أو عملا من أعماله حقه من البيان؟
لكنني سأقول على كل حال حسب جهدي، وأقتصر على ذكر خلقين من أخلاقه أراهما ركنين أساسيين في حياته وفي شريعته وهما:
الرحمة ......... والقوة
إذا أراد الله تعالى شيئاً هيأ أسبابه. فمع علمنا بأن ما كان له ﵌ من الرحمة والقوة هو من العطاء الرباني والفيض الإلهي الذي تقصر عنه وسائل العباد، فإننا لا نمتنع من ذكر ما هيأ الله له من أسباب مناسبة لهذين الخلقين. فمن العبادة الفكرية النظر في صنع الحكيم العليم في ربط الأمور بعضها ببعض واقترانها في الوجود والتقدير. فلنبحث في هذين الخلقين وما هُيِّء لهما من حال مناسب، وما نشأ عنهما من أخلاق فاضلة وما كان لهما
стр. 1333
من ثمار محمودة، ومظاهر في حياته وشريعته جليلة جلية، لنزداد بصيرة في العلم، وهداية في الاقتداء فنقول (١):
بقية الخطاب الذي ألقاه صاحب المجلة في النادي
-٢ -
مبدأ رحمته:
كان- ﵌ يتيما في صغره مات أبوه وهو حمل وماتت أمه وهو ابن بضع سنوات فأورثه ذلك اليتم رقة في قلبه. وما كانت كفالة جده ولا عمه، ولا حضانة نسائهم بمغنية عن عطف الأم وحنانها، ولا جابرة صدع القلب من فقدها، وهذه الرقة هي فيه أساس الرحمة.
مبدأ قوته:
وكان- ﵌ ابن بيت عظيم، يشهد مجالس جده عبد المطلب شيبة الحمد وأعمامه من حوله، ويرى هيبتهم ومكانتهم في قومهم فأورثه ذلك عظمة وعزة نفس: عزة أنفة وإباءة، وعظمة وشرف وكرم وترفع عن الدنايا. ولا ينكر تأثير اسم العائلة وتاريخها ومشاهدة حال أفرادها في أبنائها. وأنا أعرف شخصاً ما قرأ العلم ولا اجتهد فيه- في أول أمره- إلا لعلمه بأن أجداده كانوا علماء. وهذه العظمة هي أساس القوة.
مظاهر رحمته:
كانت رحمته بالمرسل إليهم: فأدمي ساقه، وشج وجهه، وكسرت
стр. 1334
رباعيته- وهو يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وقال تعالى في رحمته بمن أرسل إليهم: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ "قاتل" نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وكان كما قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ورحمته للعالم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
مظاهر قوته:
كانت قوته لتحمُّل أعباء الرسالة وتبليغها للخلق، قوة أدبية وقوة حربية. فمن الأولى ثباته في مواقف التبليغ، كقوله لعمه أبي طالب - وقد فهم منه أنه ضعف عن نصره وأنه مسلِّمُه-: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». ومن الثانية ثباته في ميادين القتال ومواقف البأس كما ولى عنه الناس يوم حنين- وهو يقول راكباً على البغلة التي لا يركبها إلا من لا يفر-:
«أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ»
معلناً مكانه مظهراً نفسه أمام الأعداء الآتين من كل صوب.
آثار القوة والرحمة في أخلاقه:
كان- ﵌ صادقاً أميناً عادلاً، معروفاً بهذه الصفات بين قومه قبل نبوته.
الأمانة:
هي حفظ الشخص ما استودع، وأول ذلك حفظه نفسه فيثق به الناس في حفظ ما يستودعونه.
وقد كانت قريش- وهي كافرة به- تودع عنده أموالها. ولما خرج مهاجراً ومعه الصديق رضي الله تعالى عنه خلف ابن عمه حيدرة علي بن أبي طالب كرم اللهُ وجهه لينام على فراشه معرضا نفسه لسيوف
стр. 1335
قريش المتآمرين على قتل النبي- ﵌ في تلك الليلة، وليرد أمانات الناس إليهم ويلحقه بأهله.
الصدق:
هو قول الحق في جميع المواطن. وقد شهد له أبو سفيان- وهو إذ ذاك أكبر عدو له- في مجلس قيصر بالصدق: سأله قيصر هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. قال قيصر: قد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
العدل:
وهو الإنصاف في الحكم. وقد رضيت به قريش حكماً بين كبرائها لما تنازعوا في رفع الحجر الأسود إلى محله أيام جددوا بناء الكعبة، ذلك لما عرفوا من عدله.
والرحمة والقوة أساسان لهاته الأخلاق. فمن الرحمة بالنفس وبصاحب الشيء، ومن القوة على النفس وعلى النزعات والعواطف تكون الأمانة، ومن الرحمة بالمظلوم والقوة على الظالم يكون الحكم العادل، فإن القاسي العديم الرحمة لا يبالي بالمظلوم وأن الضعيف تكسره رهبة الظالم عن الصدع بالحكم ويقصر عن تنفيذه. وضعيف القلب تؤثر عليه المؤثرات حتى مرققات العواطف، ولهذا قال جمهور أئمة الإسلام: أن المرأة لا تصلح للحكم لرقة عواطفها وضعف قلبها، فقد تخدعها الدموع الكواذب، وقد تميل بها عاطفة الحب والقرابة. والصدق- وهو من مقتضيات الأمانة لأنه حفط اللسان- لا يقوم به إلا رحيم بالسامعين يشفق عليهم لا يخدعهم قوي شجاع لا يبالي في قول الحق بهم.
إهتمامه بالخلق:
كان هذا العظيم النفس الرقيق القلب، الرجل القوي الرحيم، يرى