← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

معتمدا عليها إلى اليوم، وكان الاحتفال في القاعة الكبرى التي لا يحتفل فيها إلا بأكابر العلماء الذين خدموا الإنسانية خدمة جليلة. ومعنى هذا الاعتراف لعلماء العرب بخدمة العلم والإنسانية في ظل الإسلام منذ قرن. فالإسلام الذي جاء به صاحب هذه الذكرى هو أبو المدنية أمس واليوم- وأعني بمدنية اليوم المدنية من جهة العلم والعمران، لا من جهة الأخلاق والاجتماع فهنالك ما يتبرأ منه الإسلام. لا عجب بعد هذا البيان أن نقول أن الإنسانية تشاركنا بالاحتفال في هذا المقام. ما الداعي إلى إحياء هذه الذكرى؟ المحبة في صاحبها. إن الشيء يحب لحسنه أو لإحسانه وصاحب هذه الذكرى قد جمع - على أكمل وجه- بينهما فله من الحسن ما كان به أكمل الناس حتى اضطلع بالقيام بأعباء ما جاء به ويعرف ذلك الكمال من درس أي خلق من أخلاقه وأي يوم من أيامه. وله من الإحسان ما أنقذ به البشرية وكان رحمة خاصة وعامة، وعم الإنسانية جمعاء على ما قدمنا في البيان. فمن الحق والواجب أن يكون هذا النبي الكريم أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا ومن الناس أجمعين ولو لم يقل لنا في حديثه الشريف «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» وكم فينا من يحبه هذه المحبة ولم يسمع بهذا الحديث؟ فهذه المحبة تدعونا إلى تجديد ذكرى مولده في كل عام. ما الغاية من تجديد هذه الذكرى؟

стр. 1332

إستثمار هذه المحبة. إن محبتنا فيه تجعلنا نحب كل خلق من أخلاقه وكل عمل من أعماله. ففي ذكريات مولده نذكر من أخلاقه ومن أعماله ما يزيدنا فيه محبة ويحملنا على الاقتداء به فنستثمر تلك المحبة بالهداية في أنفسنا، ونشرها في غيرنا، تلك الهداية التي لا يسعد العالم سعادة حقة إلا إذا تمسك بها. ماذا نريد أن نذكر في مجلسنا هذا منها؟ عندما أصل إلى هذا المقام وأقف أمام أخلاقه وأعماله- عليه وعلى آله الصلاة والسلام- أجدني أمام ما يتقاصر عنه علمي ويتضاءل أمامه شخصي وأنشد ما قاله شاعرنا العربي: هو البحر من أي الجهات أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله ومن أين لعاجز مثلي أن يفي خلقا من أخلاقه أو عملا من أعماله حقه من البيان؟ لكنني سأقول على كل حال حسب جهدي، وأقتصر على ذكر خلقين من أخلاقه أراهما ركنين أساسيين في حياته وفي شريعته وهما: الرحمة ......... والقوة إذا أراد الله تعالى شيئاً هيأ أسبابه. فمع علمنا بأن ما كان له ﵌ من الرحمة والقوة هو من العطاء الرباني والفيض الإلهي الذي تقصر عنه وسائل العباد، فإننا لا نمتنع من ذكر ما هيأ الله له من أسباب مناسبة لهذين الخلقين. فمن العبادة الفكرية النظر في صنع الحكيم العليم في ربط الأمور بعضها ببعض واقترانها في الوجود والتقدير. فلنبحث في هذين الخلقين وما هُيِّء لهما من حال مناسب، وما نشأ عنهما من أخلاق فاضلة وما كان لهما

стр. 1333

من ثمار محمودة، ومظاهر في حياته وشريعته جليلة جلية، لنزداد بصيرة في العلم، وهداية في الاقتداء فنقول (١): بقية الخطاب الذي ألقاه صاحب المجلة في النادي -٢ - مبدأ رحمته: كان- ﵌ يتيما في صغره مات أبوه وهو حمل وماتت أمه وهو ابن بضع سنوات فأورثه ذلك اليتم رقة في قلبه. وما كانت كفالة جده ولا عمه، ولا حضانة نسائهم بمغنية عن عطف الأم وحنانها، ولا جابرة صدع القلب من فقدها، وهذه الرقة هي فيه أساس الرحمة. مبدأ قوته: وكان- ﵌ ابن بيت عظيم، يشهد مجالس جده عبد المطلب شيبة الحمد وأعمامه من حوله، ويرى هيبتهم ومكانتهم في قومهم فأورثه ذلك عظمة وعزة نفس: عزة أنفة وإباءة، وعظمة وشرف وكرم وترفع عن الدنايا. ولا ينكر تأثير اسم العائلة وتاريخها ومشاهدة حال أفرادها في أبنائها. وأنا أعرف شخصاً ما قرأ العلم ولا اجتهد فيه- في أول أمره- إلا لعلمه بأن أجداده كانوا علماء. وهذه العظمة هي أساس القوة. مظاهر رحمته: كانت رحمته بالمرسل إليهم: فأدمي ساقه، وشج وجهه، وكسرت

стр. 1334

رباعيته- وهو يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وقال تعالى في رحمته بمن أرسل إليهم: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ "قاتل" نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وكان كما قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ورحمته للعالم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. مظاهر قوته: كانت قوته لتحمُّل أعباء الرسالة وتبليغها للخلق، قوة أدبية وقوة حربية. فمن الأولى ثباته في مواقف التبليغ، كقوله لعمه أبي طالب - وقد فهم منه أنه ضعف عن نصره وأنه مسلِّمُه-: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». ومن الثانية ثباته في ميادين القتال ومواقف البأس كما ولى عنه الناس يوم حنين- وهو يقول راكباً على البغلة التي لا يركبها إلا من لا يفر-: «أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ» معلناً مكانه مظهراً نفسه أمام الأعداء الآتين من كل صوب. آثار القوة والرحمة في أخلاقه: كان- ﵌ صادقاً أميناً عادلاً، معروفاً بهذه الصفات بين قومه قبل نبوته. الأمانة: هي حفظ الشخص ما استودع، وأول ذلك حفظه نفسه فيثق به الناس في حفظ ما يستودعونه. وقد كانت قريش- وهي كافرة به- تودع عنده أموالها. ولما خرج مهاجراً ومعه الصديق رضي الله تعالى عنه خلف ابن عمه حيدرة علي بن أبي طالب كرم اللهُ وجهه لينام على فراشه معرضا نفسه لسيوف

стр. 1335

قريش المتآمرين على قتل النبي- ﵌ في تلك الليلة، وليرد أمانات الناس إليهم ويلحقه بأهله. الصدق: هو قول الحق في جميع المواطن. وقد شهد له أبو سفيان- وهو إذ ذاك أكبر عدو له- في مجلس قيصر بالصدق: سأله قيصر هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. قال قيصر: قد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. العدل: وهو الإنصاف في الحكم. وقد رضيت به قريش حكماً بين كبرائها لما تنازعوا في رفع الحجر الأسود إلى محله أيام جددوا بناء الكعبة، ذلك لما عرفوا من عدله. والرحمة والقوة أساسان لهاته الأخلاق. فمن الرحمة بالنفس وبصاحب الشيء، ومن القوة على النفس وعلى النزعات والعواطف تكون الأمانة، ومن الرحمة بالمظلوم والقوة على الظالم يكون الحكم العادل، فإن القاسي العديم الرحمة لا يبالي بالمظلوم وأن الضعيف تكسره رهبة الظالم عن الصدع بالحكم ويقصر عن تنفيذه. وضعيف القلب تؤثر عليه المؤثرات حتى مرققات العواطف، ولهذا قال جمهور أئمة الإسلام: أن المرأة لا تصلح للحكم لرقة عواطفها وضعف قلبها، فقد تخدعها الدموع الكواذب، وقد تميل بها عاطفة الحب والقرابة. والصدق- وهو من مقتضيات الأمانة لأنه حفط اللسان- لا يقوم به إلا رحيم بالسامعين يشفق عليهم لا يخدعهم قوي شجاع لا يبالي في قول الحق بهم. إهتمامه بالخلق: كان هذا العظيم النفس الرقيق القلب، الرجل القوي الرحيم، يرى

стр. 1336

انحطاط قومه في المعتقد والأخلاق والمجتمع فتسمو به نفسه العظيمة عن البقاء في تلك البيئة المنحطة والوسط المريض، وتأبى عليه رحمته أن يتركهم فيما هم عليه فكان دائم الاهتمام بهم، دائم التفكير في الطريق الذي يسلكه لإنقاذهم. إنقباضه عنهم: كان ينعزل عنهم ويذهب إلى غار حراء الليالي العديدة حاملاً عبء همه غارقاً في تفكيره. ولم يكن اختلاؤه في غار حراء مثل اختلاء متصوفة الهند الذين ينعزل أحدهم عن الناس ويذهب في أودية الخيال لتحصيل حالة نفسية خاصة به يعدها نعيماً روحياً. بل كان اختلاؤه وانعزاله للتفكير في طريق خلاص العالم من الضلال والقيام بخدمة عظيمة عامة البشر، وشتان ما بين الحالتين. نبوءته: جاءه جبريل بالوحي وهداه الله بالنبوة إلى طريق الخلاص، وشرح صدره لما جاءه من الحق، ووضع عنه عبء ذلك الهم الثقيل وبعثه للعالمين بشيراً ونذيراً. الرحمة والقوة في شريعته: ولو تتبعت أصول شريعته وفروعها وآدابها لوجدتها كلها مبنية على أساسي الرحمة والقوة. فليس من الإسلام ذلك التماوت وذلك التمسكن الذي يتظاهر به بعض الناس. وقد قال عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- وقد رأى قوما من هذا الصنف: "لا تميتوا علينا ديننا، أماتكم الله"، وقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- وقد رأت قوما يتماوتون في مشيتهم، من هؤلاء؟ فقيل لها قوم من القراء، فقالت: "لقد كان عمر سيد القراء وكان إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع".

стр. 1337

ولو بحثت عن أسباب انتشار المملكة الإسلامية المبنية على الشريعة المحمدية لوجدت أصل تلك الأسباب هذين الأساسين: الرحمة والقوة. فإن الضعيف مغلوب، وإن القاسي مبغوض. ولا يسود ويحب- كما كان للإسلام- إلا القوي الرحيم. رزقنا الله القوة في قلوبنا وعقولنا وأرواحنا وأبداننا، وأشعرنا الرحمة بأنفسنا وببعضنا وبغيرنا، إنه القوي المتين، الرحمن الرحيم (١).

стр. 1338

خطبتان لصاحب المجلة في اجتماع جمعية العلماء المسلمين بالعاصمة ــ في الجزء الماضي نشرنا، كما نشرت الزميلات الأخرى، المحضر الرسمي لجلسات الجمعية وقد لخص فيه أخي الأستاذ البشير الإبراهيمي الخطاب الرئيسي الذي ارتجلته أحسن تلخيص ثم رغب مني جماعة أن أنشر لهم نفس الخطاب فاعتذرت بأنني لم أكتبه قبل إلقائه فاكتفوا بنشر ما بقي بذهني منه، فأنا أنشر بغاية التحرير ما كنت ألقيته. وهذا نص الخطبة التي ألقيتها في الاجتماع الأخير الذي كان حفلة شاي دعي إليها الأعيان والنواب وعدة من طبقات الناس: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. باسم جمعية العلماء المسلمين أفتنح هذا الاجتماع وأقدم الشكر إلى أهل العاصمة أجمعين الذين أحسنوا وفادة الجمعية وأكرموا ضيافتها فبرهنوا على أنهم أهل لأن تكون العاصمة بهم رأس القطر وقلبه. وأنهم باعتنائهم بالعلم وإكرامهم للعلماء أحيوا لنا ذكرى عواصمنا العلمية الزاهرة في التاريخ مثل تلمسان وبجاية وتيهرت وقلعة بني حماد. ثم أقدم الشكر لرجال نادي الترقي الذين فتحوا أبواب ناديهم للجمعية وفسحوا لها مكانا رحبا فيه وجعلوه لها موئلا. فلله هذا النادي الذي هو في العاصمة كالعاصمة في القطر. ثم أقدم الشكر للسادة الشيوخ الذين لبوا دعوة اللجنة المؤسسة وأقبلوا من جميع جهات القطر.

стр. 1339

ثم أشكر السيد عمر إسماعيل الساعي في تأسيس الجمعية والعامل على تكوينها وأن شكري له شكر لجميع الذين أيدوه وآزروه من أعضاء اللجنة التأسيسية وغيرهم من رجال العاصمة. ويجب أن أذكر بالشكر جميع الذين فكروا في هذه الجمعية ودعوا إليها. ولقد كان لجريدة الشهاب في سنتها الثانية والثالثة دعوة إلى مثل هذه الجمعية وكان كتاب الشهاب إذ ذاك قد كتبوا في هذا الموضوع وكانت تلك أفكاراً وأقوالاً تمهيداً للعمل حتى جاء السيد عمر إسماعيل بالأمر قولا وعملا، وقد سرنا أن يتم هذا في العاصمة وعلى يد رجالها. ثم أقدم الشكر للسيد ميرانت لحسن قبوله لرئيس اللجنة المؤسسة السيد عمر اسماعيل يوم زاره ودعاه لحضور حفلتنا هذه ورياستها فاعتذر بغيابه وتلطف جنابه فطلب من السيد عمر اسماعيل أن ينوب عن جنابه في إبلاغ اعتذاره إلى الجمعية الموقرة. ولا عجب في هذه الأخلاق العالية والآداب اللطيفة من ذلك الرجل الإداري العظيم الذي يعرف أن المسلمين الذين برهنوا على حسن سلوكهم دائما في جميع المواطن يجب أن يعاملوا اليوم بغير ما كانوا يعاملون به أمس- وذلك المستشرق العالم بالعربية أنه لا شك أن ذلك يجعل له عطفا خاصا على أبنائها. ثم أقدم الشكر لكم أيها السادة الذين لبيتهم الدعوة وشرفتهم الجمع. ثم أعرفكم بما تم من أعمال الجمعية في جلساتها هذه الثلاثة الأيام فقد عرضت القانون الأساسي على الأعضاء الحاضرين كلهم فأقروه وعينت مجلس الإدارة على الصورة الآتية:

стр. 1340

الأستاذ عبد الحميد بن باديس .......... رئيس الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي ........ نائبه الأستاذ محمد أمين العمودي ........... كاتب الأستاذ الطيب العقبي .................. معاونه الأستاذ مبارك الميلي ................... أمين المال الأستاذ إبراهيم بيوض .................. معاونه الأستاذ المولود الحافظي ............... مستشار الأستاذ مولاي ابن الشريف ............. مستشار الأستاذ الطيب المهاجي ................ مستشار الأستاذ السعيد اليجري ................ مستشار الأستاذ حسني الطرابلسي .............. مستشار الأستاذ عبد القادر القاسمي ............ مستشار الأستاذ محمد الفضيل اليراتني .......... مستشار كل أعضاء الجمعية في العضوية وفي حق الإشراف والمناقشة سواء وإنما عين هؤلاء الشيوخ ليتحملوا مسؤولية الإدارة. ولما كان أعضاء مجلس الإدارة من جهات متفرقة والعمل بالمركز بالعاصمة لا بد أن يكون له من يباشره باستمرار لزم تعيين لجنة للعمل دائمة تكون من سكان العاصمة أو ضاحيتها فعينت على هذه الصورة: السيد عمر إسماعيل ................ رئيس " محمد المهدي ................... كاتب " ايت سي أحمد عبد العزبز ......... امين مال " محمد الزمرلي .................... عضو " الحاج عمر العنق ................. عضو أما غاية الجمعية فهي إصلاح الفاسد وتقويم المعوج وإرشاد الضال

стр. 1341

بالهداية والحكمة في دائرة المحبة والوئام وإصلاح شؤون أهل العلم ولم شعثهم وتنظيم هدايتهم، فهي تسعى في إزالة كل شر يحرمه الشرع والقانون مما هو منتشر فينا ويضيق المقام عن تعداده ونشر كل قمع وخير. هنا قد انتهيت من بيان ما يجب أن يعرف عن الجمعية، ثم أوجه الآن خطابي لإخواني من طلبة العلم: أيها السادة: قد أنجزتم أمراً عظيما وأسستم مستقبلاً عظيما ولقد جئتم من أنحاء القطر ملبين داعي الاجتماع، ناسين كل أسباب الافتراق فبرهنتم على أن علماء الجزائر متصفون بما يجب أن يتصف به العالم الحقيقي الذي صار العلم له صفة روحية وحياة قلبية من سعة الصدو والتسامح ونسيان الفكر الخاص أمام الصالح العام، أن ما أسسناه لا يكفي فيه اجتماعنا هذا فعلينا أن نوالي الاجتماع مهما دعينا إليه وعلى كل واحد منا أن يكون داعية للجمعية بقوله وعمله وأن يكون ممثلاً لفكرتها في الاتفاق والتآخي ونشر الخير وأن يطرح كل واحد منا فكره الخاص عندما تجيء مصلحة الجمعية. حسبنا ما مضى، كفى ما تقاتلنا على الكلمات فكلمة "فرق" قد ماتت من بيننا، وما بقي إلا العمل على الوفاق والوئام لنبلغ غاية المرام. إخواني إنني قد تخلفت عن جمعكم العظيم اليوم الأول والثاني فحرمت خيراً كثيراً وتحملت إثما كبيراً، ولعلكم تعذروني لما لحقت في اليوم الثالث. وأذكر لحضراتكم ما تحلمونه من قصة أبي خيثمة الأنصاري لما تخلف عن النبي- ﵌ في غزوة تبوك ثم لحقه فقال الناس هذا راكب يرفعه الآل ويضعه فقال رسول الله ﵌ كن أبا خيثمة فقالوا هو أبو خيثمة فاعتذر إلى النبي- صلى الله عليه واله وسلم- فقبل عذره ودعا له

стр. 1342

بخير. ومثلكم من كان له في رسول الله- ﵌ القدوة الحسنة ثم أعتذر لكم عن زميلي وصديقي الشيخ عبد الحفيظ ابن الهاشمي مدير النجاح فإنه ما تخلف إلا لعذر علمت أنه لا فسحة فيه. والآن أيها الأساتذة نحمد الله الذي يسر لنا هذا الجمع المبارك ونسأله تعالى كما أذاقنا حلاوة هذا النعيم أن يديمه لنا ويتم لنا به والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم عقدنا اجتماعا بعد تمام الاحتفال من خصوص أعضاء مجلس الإدارة ولجنة العمل الدائمة فألقيت عليهم هذا الخطاب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. إخواني إنني ما كنت أعد نفسي أهلاً للرئاسة لو كنت حاضراً يوم الاجتماع الأول فكيف تخطر لي بالبال وأنا غائب. لكنكم بتواضعكم وسلامة صدوركم وسمو أنظاركم جئتم بخلاف اعتقادي في الأمرين فانتخبتموني للرئاسة وأنا غائب. إخواني إنني كنت أعد نفسي ملكاً للجزائر، أما اليوم فقد زدتم في عنقي ملكية أخرى فالله أسأل أن يقدرني على القيام بالحق الواجب، إخواني إنني أراكم في علمكم واستقامة تفكيركم، لم تنتخبوني لشخصي وإنما أردتم أن تشيروا بانتخابي إلى وصفين عرف بهما أخوكم الضعيف هذا: الأول: إنني قصرت وقتي على التعليم فلا شغل لي سواه فأردتم أن ترمزوا بانتخابي إلى تكريم التعليم إظهارا لقصد من أعظم مقاصد الجمعية وحثاً لجميع الأعضاء على العناية به كل بجهده. الثاني: أن هذا العبد له فكرة معروفة وهو لن يحيد عنها ولكنه يبلغها بالتي هي أحسن فمن قبلها فهو أخ في الله ومن ردها فهو أخ في الله فالأخوة في الله فوق ما يقبل وما يرد فأردتم أن ترمزوا بانتخابي

стр. 1343

إلى هذا الأصل: وهو أن الاختلاف في الشيء الخاص لا يمس روح الأخوة في الأمر العام، فماذا تقولون أيها الإخوان؟ فأجابوا كلهم بالوفاق والاستحسان، وقال أخي الأستاذ العقبي: أما الوصف الأول فإني أسلمه للأخ الرئيس وأما الوصف الثاني فهو لنا كلنا، فكلنا نقول أفكارنا مع المحافظة على الأخوة والوداد. فقلت: بكلمة الأستاذ العقبي كان الختم الرسمي على هذا الكلام، ثم رفعت الأكف للدعاء والابتهال للكبير المتعال. حقق الله الآمال وسدد الأقوال والأعمال آمين. هذا ما بقي بذهني مما قلته وقد ندت جمل عن الذاكرة لطول العهد (١).

стр. 1344

خطاب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الأستاذ عبد الحميد بن باديس الذي ألقاه في الاجتماع العام ــ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فمرحباً بأبناء الجزائر وأفلاذ كبدها. مرحبا بورثة مجدها التالد وحماة مجدها الآتي الذي تتخبط به أحشاء الأيام. مرحبا بكم أيها الإخوان الوافدون من أنحاء الوطن على جزائر مزغنا وآثار بلكين وعاصمتها الجمهورية العظيمة- مرحبا بالوفود جاءت تخدم العلم وتؤيد العلماء وتمثل الروح العلمية السماوية في الأمة الباعثة لها على اكتساب المعارف الإنسانية من جميع نواحيها والحاثة لها على تلبية دعوة العلم والانضواء تحت لوائه. مرحبا بوفود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من أعضائها العاملين والمؤيدين. فبلسان الأمة الجزائرية الممثلة فيكم وبلسمان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الممثلة في مجلسها الإداري وبلسان مجلس الإدارة الذي أنطق باسمه أقدم لكم الشكر الوافر على إجابتكم دعوة الجمعية وحضوركم هذا الاجتماع الذي ملأ العيون والقلوب وأقام البرهان القاطع والدليل المشاهد على أن الجمعية جمعية الأمة وأنها تمثلها أصدق تمثيل. وأقدم مثل ذلك الشكر للإخو أن الكثيرين الذين تخلفوا واعتذروا بالبرقيات والكتب وهم الذين سمعتم أسماءهم من الأخ الكاتب العام آنفاً.

стр. 1345

أيها الإخوان: سأعرض عليكم في هذا الخطاب حالة الجمعية في السنة الماضية وأعمالها والحالة الحاضرة وموقفها فيها وما تنويه من الأعمال في المستقبل بإعانة الله. فأما السنة الماضية فلقد كانت منشطرة إلى شطرين فأما شطرها الأول فقد أوفدت الجمعية من رجالها للوعظ والإرشاد وفوداً لبلدان القطر في العمالات الثلاث وقامت تلك الوفود بمهمتها خير قيام وكانت تتلقي من رجال الحكومة كما تتلقي من الأمة بكل إكرام. وأما الشطر الثاني منها وهو الذي يبتدىء بصدور قرار منع العلماء من الوعظ والإرشاد بالمساجد، فقد كان شطر بلاء وعناء على الجمعية ورجال مجلس إدارتها، فمن تنمر وجوهٍ إلى إلصاق تُهمٍ، إلى خلق عراقيل إلى استثمار ذمم، ومن وعد وترغيب إلى وعيد وترهيب كل هذا والجمعية ورجال مجلس إدارتها ثابتون ثبوت الجبال ثقة من أنفسهم بأنهم دعاة حق وقصاد خير وعمال صالح هذا الوطن بأمته وحكومته وجميع ساكنيه، فانسلخت هذه السنة وأعمال الجمعية هي هذه، ما قام به وفودها من وعظ وإرشاد، وما قام به رجالها من تعليم في عدة بلدان، وما نشره كتابها في جريدة الجمعية جريدة السنة النبوية المحمدية التي لقيت- بحمد الله- من المسلمين غاية الإقبال: هذا كله قام به رجال الجمعية، ولا غرابة أن يقوموا به فهم من أهل العلم وما أهل إلا الذين ينشرون العلم بدروسهم ومحاضراتهم وخطبهم ومنشوراتهم. ولكن الذي قام به رجال الجمعية وضربوا به المثل الرفيع للناس هو تضامنهم في الشدة كتضامنهم في الرخاء وثباتهم على يقينهم رغم كل زعزعة وإعصار وتضحيتهم بالمصلحة الخاصة في سبيل الصالح العام

стр. 1346

وثقتهم التامة بالله ثم بأنفسهم ثم بالمبادئ الجمهورية الفرنسوية التي كتبت بدماء أبناء فرنسا الأحرار. فهذا الدرس العملي مرجو من فضل الله أن يكون أثره في الأمة وكل من يتقدم لقيادتها في ناحية من نواحي الحياة أبلغ الأثر وأقواه وأبقاه. أيها الإخوان: إن جمعيتكم جامعة للناس فيما تفرقوا فيه من دين الله وهادية لهم فيما ضلوا من سبيله وقد عرف الناس حقيقتها ولكن نجا أقوام وهلك آخرون. وإذا كان في استطاعة الجمعية أن تعظ وترشد فليس في استطاعتها أن تخلق التوفيق في نفوس كتب لها الضلال وما التوفيق إلا من الله. وإن جمعيتكم هذه من الأمة وإلى الأمة وكل ما لها أو عليها فهو للأمة وعليها، وإنما قام بحمل أمانتها إخوانكم أعضاء مجلس الإدارة فقاموا بواجب أشهد بثقله وأشهد بأنهم قاموا به خير قيام وأنهم لا يرجون من الأمة إلا أن تعرف ما يدعون إليه عن بصيرة فتتبعه عن بصيرة إنما يدعونها إلى واضح لا إلى مشتبه، وإلى حق لا إلى باطل وإلى هدى لا إلى ضلال وإنما يدعونها إلى الأعلام الهادية من كتاب الله وسنة رسوله- ﵌ وهدي السلف الصالح من أمته- رضي الله تعالى عنهم- يدعونها إلى هذا من أمور دينها ويدعونها إلى مجاراة السابقين في الحياة وأخذ حظها موفوراً من أسباب الحياة لتكون حية بدينها وحية في دنياها ولتكون سعيدة فيهما. إن جمعيتكم تفخر بأنَّها قامت بإحياء فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقت قل القائمون فيه بهاتين الفريضتين، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما مرجع الفضائل الإسلامية ومنبعها، وقامت بإحياء هدي سلفنا الصالح في وقت طمت فيه البدع، والأهواء على ذلك الهدي حتى خيف عليه الإندثار، وأن أول من رفع صوته بكلمة الحق في هذا الوطن وبلزوم الرجوع من بنيات الطريق إلى نهج

стр. 1347

الاسلام الواضح، وبوجوب التماس الهداية من كتاب الله وما صح من سنة رسوله- ﵌ وما أثر عن سلف هذه الأمة ﵃ هم رجال هذه الجمعية قبل أن تكون الجمعية جمعية، فلهم الفضل يوم كانوا فرادى مستضعفين، ولهم الفضل يوم مدُّوا أيديهم إلى بعضهم فأصبحوا أقوياء متعاونين وللأمة الفضل يوم سمعت نداء الحق فاستجابت ولها الفضل حين تشابهت السبل فما شكَّت وما استرابت ولها البشر من الله حين غاب المخلَّفون عن مشهد الحق فما غابت. إن جمعيتكم جمعية علمية دينية تدعو إلى العلم النافع وتنشره وتعين عليه وتدعو إلى الدين الخالص وتبينه وتعمل لتثبيته، وتقوية وازعه في نفوس هذه الأمة، فوظيفتها هي وظيفة المعلم المرشد الناصح في تعليمه وإرشاده، الذي لا يبتغي من وراء عمله أجراً ولا محمدة. وقد أراد إخوانكم رجال مجلس إدارة الجمعية- وهم حاملو فكرة الإصلاح الديني والعاملون لها والمنفقون لأوقاتهم في سبيلها- أرادوا أن يكونوا أمثلة للأجيال في التضحية في الثبات على الحق في الجهر به، وكما كانوا أمثلة فقد ضربوا الأمثال بأعمالهم، وها هي دروسهم في جهات القطر ينبع منها التفسير الصحيح لكتاب الله والتأويل الحقيقي لكلام نبيه والشرح الكاشف لهدي السلف الصالح من أمته، وهذه محاضراتهم في جهات القطر تتدفق منها البلاغة العربية وتتجلى فيها أسرار الله في خلقه وتنكشف فيها حقائق هذا الكون، ويعرض فيها داء هذه الأمة ودواؤها، وها هم أولاء يحملون الأمانة الإسلامية فيحسنون حملها ويؤدونها فيحسنون تأديتها ويحملون الأمانة العلمية فكل شيء عندهم بدليله، وكل شيء يطلب من سبيله. وهذه منشورات في الصحف وعليها مسحة من نفوسهم: تبيين محكم، ورد مفحم، وحجاج مقنع.

стр. 1348

هذه وسائلهم الثلاث التي سلكوها وسمحت بها الظروف إلى ساعتكم هذه والتي نرجو لها بفضل الله وبهمتكم- أيها الإخوان- أن تزداد كل يوم رقياً وتقدماً. أيها الإخوان- إننا نعمل في النهار الضاحي والليل المقمر لمبدأ لا يقل عنهما وضوحا واستنارة بوسائل لا تقل وضوحا واستنارة. كذلك فلا نعجب لمن يعارض ويكائد ويماري ولكننا نعجب لأنفسنا ولكم إذا أقمنا لتلك (١) المعارضات والمكائد وزناً أو شغلنا بها حيزاً من نفوسنا أو أضعنا فيها حصة من أوقاتنا وأن أدنى ما يغنمه المبطل أن يضيع الوقت على الحق. وإنني أوصيكم ونفسي في هذا المقام بأن يكون في حقكم شاغل لكم عن باطل المبطلين فإذا قام حقكم واستوى قضيتم على المبطلين وباطلهم وإننا نشهد الله والمنصفين من الأمة على أننا ماضون في بيان الحق وأن مبدأنا الإصلاحي التهذيبي قد ملك علينا حواسنا وأوقاتنا. فإذا بدر منا في بعض الأوقات كلام على باطل المبطلين فليس ذلك عن قصد له وحفل به، ولكن لأنه صادمنا وتوقف إثبات (٢) حقنا على نفيه. وما حيلة من يسلك سبيلاً فتعترضه الصخور حتى لا يجد عنها محيداً- أن الضرورة تقضي عليه أن يجهد في نزعها وإماطتها ثم لا يكون جهده في ذلك إلا كتماديه في السير. أيها الإخوان: إن جمعيتكم تغتبط كل الاغتباط بهذه النتائج التي حصلت عليها في خلال سنتين من عمرها مع ما تخللها من العراقيل والمثبطات وهي تحمد الله على ما وفق إليه وأعان عليه وتشكر الأمة الجزائرية المسلمة على ما بذلت من تنشيط ومساعدة وتعد أكبر مساعدة قدمتها الأمة للجمعية هي عرفانها للحق الذي تدعو إليه- ونسأل الله

стр. 1349

الهداية لكل من ضل عن الحق، وأن جمعيتكم سائرة في عملها وهي تستقبل سنتها الثالثة بما ختمت به ما قبلها من دعوة إلى العلم الصحيح والدين الخالص راجية أن يكون يومها خيراً من أسمها وغدها خيراً من يومها. أيها الإخوان: كثر حديث الناس عن جمعيتكم المباركة وكثر خوض الخائضين فيها مدحا وقدحا، وأن كثرة التحدث عن الشيء لعنوان صادق على الاهتمام به وأن الاهتمام به لآية على إكباره وإعظامه أو- في الأقل- على كبره في نفسه وعظمه في الواقع. ... كثر الحديث عن هذه الجمعية واختلفت منازع المتكلمين فيها وأن جمعية كهذه الجمعية في أمة كهذه الأمة في وطن كالوطن الجزائري لحقيقة بالتنازع فيها واختلاف المنازع في شأنها، وقد اختلفت فيها الأنظار يوم تأسيسها فهي في نظر البعض شيء غريب، وفي نظر البعض شيء مريب، وفي نظر البعض شيء حسن ولكن أوانه غير قريب. فأما الذين استغربوها فهم طائفة من السذج يقيسون الحقيقة الإنسانية بوجودهم ويقيسون التاريخ الإنساني بأعمارهم ويقيسون أسرار الاجتماع الإنساني ببيت تجمع زوجاً وزوجة وأولاداً يفرقهم الصباح للكد على القوت ويجمعهم المساء للنوم تحت السقف. فأي نقطة في الحياة عند هؤلاء تحتاج إلى مظاهر الحشد والاجتماع وضم رأى لرأي، وبهذا القياس يقيسون الدِّين فهو عندهم إسم متعارف بين المسلمين وصلاة مفروضة تؤدى أو لا تؤدى وانتساب إلى الإسلام يجري مجرى القانونيات في زمننا هذا والاعتقاد بجنة ونار من وسائلهما الأمل ولو بلا عمل فأية نقطة في الدين تحتاج إلى شيء اسمه جمعية العلماء المسلمين.

стр. 1350

ومن عجائب صنع الله لهذه الجمعية أن كل واحد من هذه الطائفة الساذجة قدر له أن يحضر درسا أو يسمع محاضرة يصبح بفضل الله مسلما اجتماعيا يعرف حقيقة الإسلام ويدرك المنزلة التي أرادها له الإسلام. وأما المرتابون فهم طوائف شتى تجمعهم صفة واحدة وهي اعتقاد أن هذه الجمعية تعارض مصالحهم أو فيها ما يعارض مصالحهم وقد كشفت الخطوة الأولى لهذه الجمعية عن مقاصدهم وكشفت لهم عما كانوا يرتابون فيه وأخرجتهم من الارتياب إلى التحقيق فكان منهم ما رأيتموه من السخط عليها والكيد لها ولو أنصفوا لجمع الحق بيننا ولكن الإنصاف قليل. وإذا كان في أنصار هذه الجمعية من يضيق ذرعه بهؤلاء الكائدين الساخطين، ويرى أن ظهورهم بما ظهروا به يعرقل سير الجمعية ويبطىء بها عن الوصول إلى الكمال، فإننا نرى عكس هذا الرأي نرى أن وجود هؤلاء الساخطين الكائدين هو جزء متمم للجمعية، وأن سخط الساخط عليها كرضى الراضي، كلاهما تثبيت للجمعية، وأن ذلك كله تدافع يظهر الله به الحق ويثبت قلوب أنصاره. وأما الطائفة الثالثة فهي طائفة قويٌّ اشفاقها على هذه الأمة ورحمتها بها ورأت أن عوامل الانحطاط فيها قوية، وقد أراها الله من هذه الجمعية كيف يسرع لطف الله إلى قلوب الخائفين وكيف تقرب رحمته من المحسنين فقوي رجاؤها وثبت يقينها ودخلت في العمل الصالح عن إيمان وبصيرة. وهذه الطائفة هي أكثرية الأمة وهي التي تمثلونها أنتم أكثر الله عددكم وثبتكم على الحق وأحيانا وإياكم عليه حتى نلقاه غير مبدلين ولا مغيرين آمنين يا رب العالمين (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1351

خطبة منبرية سر الضحية ــ الحمد لله الواحد الأحد في ربوبيته وألوهيته، مبتديء الخلق برحمته الداعي إليه بنعمته وحجته، شرع الشرائع بالحكمة والعدل لسعادة الإنسان، وأودعها أسراراً وفوائد يعظم منها النفع ويزداد بها الإيمان. وأرسل إلينا محمداً- ﵌ شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأنزل عليه القرآن آية بينة، وحجته (١) باقية، وهداية شاملة، وعلمه ما لم يعلم وكان فضله عليه عظيماً. وأيده بروح منه حتى أدَّى الرسالة، وبلغ الأمانة، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، وأبقى لنا من بعده كتاب الله وسنته هداية للمهتدين وتذكرة للذاكرين وتبصرة للناظرين. ووفقنا إلى تلبية دعوته، واتباع شريعته، والتزام سنته. لا غلو الغالين- إن شاء الله- ولا تقصير المقصرين. فالحمد لله على جميع نعمه وعلى هذه النعمة، والصلاة والسلام على جميع رسله، وعلى إمامهم وخاتمهم محمد رسول الرحمة، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا يوم الحج الأكبر، والموسم الأشهر، جعله الله عيداً للمسلمين وشرع فيه ما شرع من شعائر الدين، تزكية للنفوس وتبصرة

стр. 1352

للعقول، وتحسيناً للأعمال، وتذكيراً بعهد إمام الموحدين وشيخ الأنبياء والمرسلين، إبراهيم الخليل عليه وعليهم الصلاة والسلام أجمعين. فقد كسر الأصنام وحارب الوثنية وحاجَّ قومه وما كانوا يدعون من دون الله، وقام يدعو ربه وحده طارحا ما سواه، وحاج الملك الجبار حتى بهت الذي كفر، وقذفوا به في النار، فما بالى بهم ولا بها وثبت وصبر، حتى نجاه الله وجعل الذين أرادوا به كيداً هم الأخسرين. وأوحى الله إليه بذبح ابنه فامتثل، واستشار ابنه إسماعيل فأجاب وقبل، فطرحه للذبح وأسلما لله في القصد والعمل، ففداه الله بذبح عظيم، وترك عليه في الآخرين سلام على إبراهيم، وأبقى سنة الضحية في الملة الإبراهيمية، والشريعة المحمدية، تذكاراً بهذا العمل العظيم، والإسلام الصادق لرب العالين، ليتعلم المسلمون التضحية لله بالنفس والنفيس، وليعلموا أن المسلم من صدق قوله فعله، ومن إذا جاء أمر الله كان لله كله. فتدبروا أيها المسلمون في هذا السر العظيم ومرنوا أنفسكم على التضحية في كل وقت في سبيل الخير العام بما تستطيعون ولا تقطعوا عن التضحية ولو ببذل القليل، حتى تصير التضحية خلقا فيكم في كل حين واجعلوا قصة هذا النبي الجليل نصب أعينكم، وتدبروا دائما ما قصه الله منها في القرآن العظيم عليكم، وأحيوا هذه السنة ما استطعتم، وأسلموا لله رب العالمين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ

стр. 1353

فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. طلب منا كثير من إخواننا خطبة لعيد الأضحى ليخطبوا بها فلعل هذه الخطبة تقبل لديهم فيخطبون بها على الناس. (ابن باديس)

стр. 1354

ذكرى الشاعرين: شوقي وحافظ ــ في شوال من السنة الماضية شاركت الأمة الجزائرية الأمم العربيهّ في الاحتفال بذكرى شاعري العربية العظيمين وتألفت لذلك لجنة من الأدباء بالعاصمة وأقامت حفلة حافلة بنادي الترقي ألقيت فيها الخطب وأنشدت القصائد وتواردت فيها برقيات المشاركة من جميع نواحي القطر، وقد نشرت الصحافة خبر هذه الحفلة في وقتها واليوم رأينا أن ننشر في "الشهاب" ما اتصلنا به مما قيل في تلك الليلة، فيكون كإحياء الذكرى مرة أخرى. ((خطبة صاحب هذه المجلة)) (١) الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى أيها الإاخوان: إذا كانت الأمم اللاتينية- على ما بينها من تزاحم وتخاصم وتقاتل وتناحر- ترتبط برابطة اللاتينية وتتفاخر بثقافتها، وتعقد المجتمعات العظيمة لتقوية روحها وتمتين حبل التمسك بها، فنحن- أبناء العربية- وليس بيننا شيء من تلك المفرقات بل ما بيننا إلا ما يقرب بعضنا من بعض من المؤلفات والمحزنات، أحق بأن نفعل مثلهم وأكثر منهم في لغتنا العربية. وفوق هذا فإن اللغة اللاتينية ليست لغة العلم والأدب المشتركة

стр. 1355

ما بينهم مثل العربية التي هي (١) العلم والأدب ما بين سبعين مليونا من أبناء الضاد. وليست اللاتينية قريبة من عامياتهم مثل قرب العربية الفصحى من عاميتنا. حتى أنه لو قام خطيب يخطب باللاتينية لما وجد من يفهمه إلا قليلا من أهل القلم منهم، ونحن نلقي دروسنا ومحاضراتنا وأكثر خطبنا بالعربية الفصحى فلا يبقى على بعض السامعين إلا قليل من القول. فإذا كانت العناية باللاتينية من واجب خاصتهم، فإن العناية بالعربية من واجبنا عامة وخاصة إذ هي لغتنا أجمعين وإذا كان تمسكهم برابطتهم اللاتينية لم يخرج أي واحد منهم عن وضعيته الاجتماعية الخاصة، فإن تمسكنا بهذه الرابطة العربية لا يخرجنا عن وضعيتنا الخاصة وما لنا من ارتباطات أخرى يرتبط بها المجتمع الجزائري! أيها السادة: إن من حقنا ومن الواجب علينا- نحن معاشر المسلمين الجزائريين- الذين تشربت عروقنا هذه اللغة الكريمة من معين قوميتنا الشريفة وتغذت أرواحنا من بيانها العذب بالشربي (٣) المصفى، من ديننا العظيم، واستنارت عقولنا من شمسها المضيئة بالأنوار الساطعة من تاريخنا الجليل، من حقنا الواجب علينا أن نكرم العربية. ومن يكرم العربية وخصوصا من خدم العربية بعقله وروحه وحياته مثل شاعرينا الكريمين؟ ومن حقنا- أيضا- أن نرتبط بأبناء العربية ارتباط القلب واللسان، ارتباط العقل والتفكير، ارتباط الشعور والتقدير خصوصا عندما يتحرر الشعور العام لأمر هام وتتوجه القلوبه العربية لتكريم عظيم، أو إحياء ذكرى عزيز مثل احتفالنا هذا مع العالم العربي لتكريم الشاعرين العظيمين وإحياء ذكراهما العزيزة الخالدة.

стр. 1356

أيها السادة: إننا باحتمالنا هذا بذكرى شاعرَي العربية العظيمين شوقي وحافظ، نكرم سبعين مليوناً من أبناء العربية الذين يعدون العربية لغتهم القومية. ونكرم خمسمائة مليون من أبناء الإسلام الذين يعدونها لغتهم الدينية ونكرم الأمم المتمدنة جمعاء التي يعترف أكابر علمائها المنصفين بمزية اللغة العربية التاريخية على العلم والمدنية. أيها الإخوان: ليس الشاعران الخالدان بالمحتاجين للتعريف بهما. ولست بالباحث الأديب الذي يستطيع أن يعرض عليكم في بلاغة وإيجاز صوراً (١) فتانة من أدبهما. غير أنني ربما أستطيع أن أقول شيئا من وجوه العبرة والقدوة في حياتهما، ووجوه من النعمة العظيمة من الله تعالى على العربية بهما: قد اتحد الشاعران في الموطن وتقاربا في المولد والوفاة ولكنهما تباينا في البيئة والنشأة والمعيشة، فنشأ شوقي في بيت الأمارة، وفي بيئنه الخاصة، وعاش عيشة الترف والنعمة، ونشأ حافط في بيت أبيه، وفي بيئة عامة، وعاش عيشة البؤس والشدة. فكان من نعمة الله أن قسمت الحياة بينهما هذا التقسيم ليؤدي كل منهما للعربية رسالته من ناحيته ومؤثراتها الخاصة به. فلقد أخرجت بيت الأمارة المرتبطة بالخلافة من شوقي، شاعر الإسلام والعرب والأحداث الإسلامية الكبرى والتاريخ الإسلامي العام وتاريخ العرب. وأخرجت البيئة العامة الرازحة تحت نير الظلم والمتجرعة لألوان الشقاء، والمتقلبة في دركات الانحطاط من حافظ

стр. 1357

شاعر الأخلاق والاجتماع والوطنية ولا غناء لواحد من العرب عما جاء به كل واحد من الشاعرين في ناحيته. ولو لم يخلق الله إلا أحدهما لما تمت النعمة من الناحيتين. كانت العربية القرآنية قد تنوسيت أساليبها وانقطع سند الأمة العربية عنها فجدد الشاعران من شبابها، وأعادا من بيانها، ما حسب الناس أنه مات مع الأيام الزاهرة للعرب بالمشرق والمغرب. حسب قوم أن العربية لا تتسع لما جدَّ من المعاني إلا إذا خلعت عنها ثوب القرآن، ولبست- مثلهم- منسوجات "لانكشير" وأخوات "لانكشير"، فجاء الشاعران- خصوصا شوقي في العقد الأخير من عمره، من قصائدهما العصرية المعاني القرآنية اللغة والأسلوب والتراكيب- بأوضح الرد وأبلغ التكذيب. عاش الشاعران كل على ما قسم له من الحياة حتى جاءت العرب العالمية الكبرى ووضعت أوزارها فإذا بشوقي يخرج إلى العالم من قفص دار الامارة، وإذا بحافط يدخله بؤسه إلى قفص الوظيف في دار الكتب المصرية. فماذا كان من الشاعرين العظيمين بعد؟ كان منهما ما يجب أن تكون فيه أبلغ العبرة، فإن شوقي اتسعت شاعريته العالمية، وقويت نزعته الوطنية، وأما حافط فقد سكت، سكت إلا عن قليل كان أكثره رثاء! ولعمر الحق ما اسكته إلا الوظيف الذي ينسى به الشرقي- حتى مثل حافظ ويا للأسف- نفسه، وأمته، وملته، إلا ما شاء الله. أيها الإخوان: إن مما نفع شوقي اطلاعه على آداب أمم أخرى في لغة أوروبية

стр. 1358

هي الفرنسية وأن مما نفع حافظا ما مسه من الألم مع قومه. وقد كان يطالع "الاغاني" و"العقد الفريد" ويعيد مطالعتهما المرة بعد المرة، فعلى أدباء الجزائر وشعرائها أن يدرسوا آدابهم العربية، وأن يطالعوا الآداب الغربية في اللغة الفرنسية وأن يمازجوا قومهم ليألموا وينعموا - إن كان نعيم- معهم، لتكون لهم منزلة أدبية عالمية، وآثار بارزة في الحياة الجزائرية. أيها الإخوان: إن حياة الشاعرين العظيمين قد اخمدت نوابغ وأماتت قرائح وإن موتهما بما نشاهد من تكريم العالم العربي لهما ستحيي ملكات، وتبعث همما، فكونوا- وأنتم أنتم- في أول الرعيل. أيها الإخوان: ليس للجزائر من حافظ إلا ما للأوطان العربية الأخرى من شعره وأدبه وفنون قوله، أما شوقي فقد قدر له أن يزور هذه الجزائر في شبابه وينزل بعاصمتها أربعين يوما للاستشفاء، ويقول عنها، "ولا عيب فيها سوى أنها قد مسخت مسخا، فقد عهدت مساح الأحذية فيها يستنكف النطق بالعربية، وإذا خاطبته بها لا يجيبك إلا بالفرنسوية". فاعجبوا للاستدلال على حالة أمة بمساح الأحذية منها! ولا يجمل بي أن أزيد في موقفي هنا على هذا، إلا أن فقيدنا العزيز لو رأى من عالم الغيب حفلنا هذا لكان له في الجزائر رأي آخر، ولعلم أن الأمة التي صبغها الإسلام، وهو صبغة الله، وأنجبتها العرب، وهي أمة التاريخ، وأنبتتها (١) الجزائر، وهي العاتية على الرومان والفاندال، لا تستطيع ولن تستطيع أن تمسخها الأيام، ونوائب الأيام.

стр. 1359

أيها الإخوان: باسمي الضئيل، وباسم الجزائر الكبير، وباسم جمعكم الكريم، أرفع التحيات الزكية للفقيدين الخالدين في مرقدههما ولجميع العاملين لإحياء العربية وأدبها من بعدهما. فليعش العرب، ولتعش العربية، وليعش المحبون لهما من الناس أجمعين (١) و (٢). عبد الحميد بن باديس

стр. 1360

خطاب رئيس الجمعية الذي ألقي في صباح اليوم الأول من أيام اجتماعها العام ــ الحمد لله العليم الحكيم، رب البرية، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي جاء بالتعلم والتعليم، لتكميل البشرية، وعلى آله وصحبه ذوي العقل الصحيح والخلق الكريم، والنفوس الأبية، وعلى التابعين لهم في هديهم الصالح وطريقهم المستقيم وسيرتهم الرضية. أما بعد، فباسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تمثل الجزائر المسلمة العالمة والمتعلمة، أرحب بكم أيها الأخوان وأحيي وفودكم الكريمة، وأشكر لكم ما تحملتم من تعب وانفقتم من مال حتى حضرتم هذا الاجتماع الذي ملأ العيون مهابة وجلالا، والقلوب محبة وسرورا، وأعطى من الجزائر صورة صادقة في جمعكم الحافل الكريم. وأشكر معكم في ذلك الترحيب وذلك الشكر وتلك التحية الإخوان الكثيرين الذين تخلفوا واعتذروا بالبرقيات والكتب التي تلاها عليكم الأخ الكاتب العام آنفا. ولا أفي بالشكر والتحية تلك النفوس الطاهرة، التي تحب الجمعية وتتعلق بالجمعية من العامة الأمية الكثيرة، التي شاهدت وشاهد غيري من رجال الجمعية جموعها الحاشدة في جميع القرى والمداشر عندما نرد عليها أو نقف فيها للوعظ والإرشاد. ولولا الفقر والأمية قعدا بها لكانت حضرت أو كاتبت واعتذرت. أيها الأخوان، ها هي السنة الثالثة للجمعية قد مضت فماذا عملت

стр. 1361

[صورة: أخذت أثناء خطبة الرئيس فى المأدبة التي أقامتها جماعة نادي الترقى لأعضاء جمعيه العلماء المسلمين الجزائريين] ... الجمعية فيها وأين بلغ أثرها، وماذا لقيت فيها الجمعية من الله تعالى ومن الناس. نشرت الجمعية صحيفة السنة، فصحيفة الشريعة فصحيفة الصراط فلقيت كلها من الأمة من الإقبال والرواج ما لم تلقه صحيفة قبلها، وما أحبها المؤمنون حتى أحبها الله، ولا يوضع الحب في الأرض حتى يوضع في السماء، ولكنها لقيت من ناحية إدارية خاصة البغض والتنكر والاضطهاد فسقطت الصحيفة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة، وقرن تعطيل الثالثة بمنع الجمعية من إصدار أي صحيفة منعا سيبقى لطخة سوداء في جبين حرية القول والتفكير في تاريخ الصحافة في القرن

стр. 1362

العشرين الذي يسمونه عصر الحرية والنور. عزمت الجمعية على إرسال الوفود إلى الجهات من أول السنة ولكنها رأت لما أرادت أن تباشر ذلك ما كانت عليه الأمة من استياء واضطراب بما أصابها من ناحية المطالبة بحقوقها وإخفاق مساعيها فرأت الجمعية أن تتريث وأن تنتظر رجوع السكون والحالة الاعتيادية تباعدا عن كل ما ليس من خطتها وتفاديا من أن ترمى- وهي التي طالما رميت بالباطل- بما يخالف أعمالها ومقاصدها. واكتفت بما كان يقوم به كل ذي علم من رجالها من نشر الهداية في ناحيته وفي آخر السنة تنقل رئيس الجمعية في بلدان من عمالة قسنطينة ونائب الرئيس في بلدان ... [صورة: أخرى لمأدبة العشاء التي أقامتها جماعة نادي الترقي لأعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وقد أخذت الصورة من الناحية المقابلة]

стр. 1363

[صورة: الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي عقد بنادي الترقى سنة ١٣٥٣ه - ١٩٣٤م. وقد أخذت بعد انتخاب مجلس الإدارة] ... من عمالة وهران فكان إقبال الناس بقدر ما كانوا فيه من تعطش للعلم وشوق لأهه. أما الاعتناء بالتعليم فهذا هو الذي انقطعت إليه الجمعية وقامت به قيامها ففي قسنطينة وفي ميلة وفي الميلية وفي جيجل وفي بجاية وفي بسكرة وفي تبسة وفي بلدة الجزائر وفي بني ورتلاب وبني يعلى وفي تلمسان وفي غيرها في كثير من البلدان تجد رجال مجلس إدارة الجمعية وغيرهم من ذوي العالمية يقضون ليلهم ونهارهم في الدروس العلمية الفقهية والدروس العلمية الإرشادية وتلقين مبادئ الدين واللغة لمن استطاعوا

стр. 1364

إليه سبيلا من النشء الصغير ولو أن التعليم كان حرا ولو أن الرخص كانت تعطى لمن يطلبها لكان التعليم اليوم قد عم القطر كله. فأثر الجمعية العلمي والإرشادي قد بلغ من الأمة هذه السنة بحمد الله- رغم العراقيل- فوق ما كانت الجمعية تظن وتتوقع فكان إقبال الطلبة على مناهل العلم كثيرا وكان اهتداء الأمة عظيما. نعم لقد لقيت الجمعية في سبيل ذلك ما لقيت فقد تضافرت قوى على مقاومتها، وصنعت بأيد خفية أشباح- كأشباح "القنيول" ولكنها من العجين- لمعاكستها وأنفقت أموالا لصدها والصرف عنها ولكن ما أتى العام ولا أكثر العام- أيها الإخوان- حتى انتكثت تلك القوى وانتفض غزلها، وزالت تلك الأشباح فلا هي ولا خيالها ولا ... [صورة: أخذت هذه الصورة في الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي عقد بنادي الترقي. سنة ١٣٥٣ه - ١٩٣٤م]

стр. 1365

[صورة: أخذت هذه الصورة في الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الذي عقد بنادي الترقي سنة ١٣٥٣ه - ١٩٣٤م. الجالسون من اليمين الشيوخ: عبد القادر بن زيان، العربى التبسي، الأمين العمودي، عبد الحميد بن باديس، البشير الإبراهيمي، مبارك الميلي، الطيب العقبي الواقفون من اليمين الشيوخ السعيد الزاهري، محمد خير الدين، يحيى حمودي، أبو اليقظة. ... من كان يحركها وضاعت تلك الأموال وكانت حسرة وغلبا على أصحابها. ووالله إنني لأعتقد أن هذا ليس من صنعنا، ولا مما كنا نبلغ إليه لكل ما نبذل من جهدنا، ولكنه من صنع الله ومن غلب الله، ليزداد الذين آمنوا إيمانا وليعلم الناس أن الله ناصر من ينصره وأن حزبه

стр. 1366

هم الغالبون وليعلم كل ذي موسى ان موسى الله أحد، وكل ذي ساعد أن ساعد الله أشد وكل متريب ومتكبر أن لا إله إلا الله والله أكبر. أيها الأخوان: هذه حالة الجمعية في سنتها الثالثة عرضتها باختصار عليكم. وهي في يومها الحاضر كما كانت في ماضيها وكما تكون إن شاء الله في مستقبلها سائرة في خطتها الإصلاحية الدينية العلمية المحضة تنشر العلم والفضيلة وتحارب الجهل والرذيلة عن نور القرآن العظيم والسنة النبوية، وهدي السلف الصالح من الأمة، تخدم بذلك الإسلام والمسلمين وجميع المساكين بالجزائر، وتؤدي بذلك واجبها نحو الإنسانية جمعاء. والله نسأل دوام التوفيق في القصد والعمل والوصول إلى الخير العميم، على الصِّراط المستقيم. عبد الجميد بن باديس

стр. 1367

خطاب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي ألقاه في الاجتماع العام بمركز الجمعية بنادي الترقي بالعاصمة يوم الأحد ١١ رجب ١٣٥٥ه و٢٧ سبتامبر ١٩٣٦م. ــ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فيا أيها الوفود الكرام قدمتم خير مقدم. جمعتكم عقيدة الحق والخير، وقادتكم فكرة الواجب وساقكم شوق النفوس الزكية إلى مشاهد الفضل، ومواقف المجد، ومطارح العمل الصالح الذي يرضي وينفع المخلوق فجئتم من أطراف القطر معتزين بالإسلام ممثلين للجزائر مكرمين للعلم، كل ذلك بحضوركم اجتماع جمعيتكم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. فحياكم الإسلام الذي حفظتموه فحفظكم، وحيتكم الجزائر التي تأبون إلا أن تكونوا أبناءها وتأبى إلا أن تكون - بحق- أمًّا لكم، وحياكم العلم الذي هو أساس سعادتكم بإسلامكم وجزائريتكم، وحياكم الله، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية من عند الله مباركة طيبة والله أكبر .. أيها الإخوة: خمس سنوات قطعناها معلنين بدعوة الجمعية سائرين إلى غايتها فما جمجمنا يوما بتلك الدعوة، ولا حدنا مرة عن ذلك القصد، فأغنى الناس بيان دعوتهم وإيضاح وجهتهم هم رجال هذه الجمعية لكن الشمس في رابعة النهار قد يخفى في بعض الجهات جرمها ويجهل- إلا

стр. 1368

عند القليل- مكانها إذا تراكمت السحب، وهزم الرعد وكاد البرق يخطف الأبصار فلا عجب أن تخفى حقيقة هذه الجمعية في بعض الأحيان على بعض الناس عندما أظلم الجو بسحب الباطل والتجأت طوائف من الناس إلى تبادل رعود الوعيد وبروق الوعود. وإذ كنا في فترة من الزمن هي على هذه الحال فأرى من الواجب أن أحدثكم عن غاية الجمعية ودعوتها وإن كنتم بها جد عالمين ليعلمها من كان بها جاهلا ويقمع من كان عليها من الكاذبين. غاية الجمعية: أرأيتم- أيها الأخوان- الزرع كيف ينبت ويخضر ويورق ويسنبل فيؤتي أكله، وقد تصيبه آفة وهو حب في الأرض فلا ينبت، وقد تصيبه وقد نبت فلا يورق ولا يسنبل وقد تصيبه وقد سنبل فلا تجنى منه حبة! والناس كالنبت معرضون في حياتهم إلى عدة آفات، يكادون لا يسلمون منها، فمنها ما يصيب العقول، ومنها ما يصيب الأبدان، ومنها ما يصيب الأموال، ومنها ما يعم ذلك كله، ولا يسلم المجتمع البشري إلا بمحاربة هذه الآفات كلها- وذلك نص الفصل الرابع من قانونها الأساسي الذي يقول: "القصد من هذه الجمعية هو محاربة الآفات الاجتماعية كالخمر والميسر والبطالة والفجور، فكل ما يفسد على الناس عقولهم أو يضيع عليهم أموالهم فهو من الآفات. ولهذا حاربت الجهل والجمود والدجل والخرافة وكل أنواع الأباطيل، وحاربت كل واقف في طريق التعلم والتعليم أي نوع من أنواع التعلم والتعليم، وحاربت "الزردات والوعدات والفدوات" وبدعة المآتم ومنكرات الولائم وكل وجوه السرف وأكل أموال الناس بالباطل، وحاربت أثرة ذوي المال بما جعلهم الله مستخلفين فيه، وقعودهم عن تأسيس المشاريع الاقتصادية وقبض أيديهم عن المشاريع العلمية والخيرية لأن ذلك من أسباب البطالة والفجور.

стр. 1369

ثمرة هذه الغاية: هي سلامة المسلمين من تلك الآفات وأمثالها حتى يمكنهم أن يترقوا في جميع نواحي الحياة إلى أقصى ما تترقى إليه الأمم، فيكونوا محترمين من أنفسهم ومن غيرهم يفيدون ويستفيدون ويعرفون كيف يسوسون وكيف يساسون فتربح بهم الإنسانية عضوا من خير من عرفت من أعضائها. دعوة الجمعية: أيها الإخوة هذا العالم عالم الكون والفساد فكل كائن فيه هو معرض للخروج عن حالته الأصلية واختلال أصل نظامه، وتلك هي حالة الفساد، وإرجاعه إلى حالته الأصلية هو الإصلاح فالمسلمون اليوم بما دانوا به من عقائد الإسلام وفضائله وأعماله ونظمه على خير لكنهم خرجوا عن أكثر ما دانوا به فكانوا بذلك الخروج في حالة فساد فلا بد من إصلاحهم بإرجاعهم إلى ما خرجوا عنه، والجمعية تدعو إلى هذا الإصلاح فدعوتها إصلاحية محضة، وقد صرح بهذه الدعوة الفصل الثامن من قانونها. ثمرة هذه الدعوة: هي رجوع المسلمين إلى عقائد الإسلام المبنية على العلم، وفضائله المبنية على القوة والرحمة، وأحكامه المبنية على العدل والإحسان، ونظمه المبنية على التعاون بين الأفراد والجماعات والتآلف والتعامل والتعاون، وأن لا فضل لأحد على أحد إلا بتقوى الله، ومن اتقى الله فهو أنفع الخلق لعباد الله. ما حصلنا من الثمرتين: أيها الإخوة ما بين تلك الآفات وأنصارها وبين خصوم هذه

стр. 1370

الدعوة وعوارضها، ثبتت الجمعية ثبوت الجبال، وتتسع دائرتها في كل يوم، ويكيد أعداؤها لها ليصرفوا عنها، فيزداد التمسك بها ويكثر الالتفاف حولها، إن هذا أيها الأخوة لدليل عملي على نجاح دعوتها الصادقة ودنوها من غايتها الشريفة الواضحة ومتى كانت جمعية تلقى ما لقيته هذه الجمعية وتبقى بقاء هذه الجمعية لولا عقائد صحت، وأخلاق متنت وأفكار استنارت فأثمرت كلها العمل الصالح والصبر والثبات وكان اجتماعكم هذا في ختام هذه السنة وعلى أثر مرير حوادثها وشنيع كوارثها عنوان ذلك كله في الأمة ومبين مقدار ما جنت الجمعية من ثمار غايتها ودعوتها وأنه- والحمد لله- لكثير في هذا الزمن الصعب القصير فلنسر ولنرج من الله المزيد. الجمعية وأنواع من يتصل بها: تتصل الجمعية بنواح عدة مما يقضي به عملها ويستدعيه مركزها وتقتضيه سنن الاجتماع، فتسير مع كل ناحية بما تقتضيه خطة الجمعية وما يناسب غايتها ودعوتها، وسنذكر مواقف الجمعية مع كل ناحية منها ليكون كل أحدعلى علم بها. الجمعية والأمة: إذا كانت الجمعية بلغت- بتوفيق الله- إلى شيء من غايتها فذلك لأنها أتت هداية الأمة من بابها فخاطبتها بلسانها وقادتها بدينها الذي هو زمام روحها والجزء الأعظم الذي تتكون منه، وتحيا به شخصيتها، فعالجتها بالكتاب والسنة، وهدى صالح سلف الأمة حيث يتوجه كل مسلم منشرح الصدر مطمئن النفس، وحيث تنضوي كل المذاهب والفرق فيقل الخلاف أو يخف أو ينعدم، فلو كان في الجزائر جميع مذاهب الإسلام لوسعتهم هذه الجمعية بعلاجها الناجع النافع- بإذن الله- للجميع.
следующие страницы →