الأيام وأصبحت المعاملات التجارية بين المسلمين واليهود في سوق الخضر وغيره كعادتها.
مررت نحو الثامنة ونصف أمام دار "المير" نازلا إلى باب الوادي، فالتقيت بسي سليم البوليس السري فسألني هل عندكم اجتماع هذه الصبيحة في الصنوبر فأجبته بالنفي وذكرت له أن الإجتماع الذي أردناه قد وقع أمس عشية بالجامع الكبير وأننا اخترنا بالأمس الجامع الكبير ليكون أعون لنا على ضبط الناس وقد حصل مقصودنا من تهدئة الناس باجتماع أمس فلماذا نعقد إجتماعا آخر؟ وكيف يكون في الصنوبر.
وصلت إلى إدارة الشهاب نحو الساعة التاسعة فجاء من أخبرني أن بعض الناس اجتمعوا في الصنوبر وقيل لي أن هؤلاء لما سمعوا بالاجتماع ولم يعلموا بوقوعه أمس ظنوا يقع اليوم وبعد نحو ربع ساعة جاء من أعلمني بأنهم افترقوا.
نحو الساعة العاشرة ذهبت إلى جمعية التربية والتعليم لألقي محاضرتي على أعضائها فما كدنا نشرع في المحاضرة حتى جاءنا من أخبرنا أن اليهود أطلقوا الرصاص في جهة رحبة الصوف وأن الفتنة قد وقعت وأخذنا إثر ذلك نسمع في طلق الرصاص المرات الكثيرة فمكثنا كلنا بالجمعية إلى الساعة الثانية عشرة، فسرحت التلامذة مثنى وثلاث وأمرتهم بأن لا يصعدوا إلى رحبة الصوف التي كنا نحسب إذ ذاك أن الفتنة قاصرة عليها. ونحو الساعة الواحدة بعد الزوال صعدت إلى دارنا بنهج القصبة محروسا بفرقة من الجند.
كيف ابتدأت الفتنة وكيف انتهت:
من الشائع المتواتر الذي عرفته حتى الجرائد الباريسية فنشرته جريدة "لاكسيون فرانسيس" أن الفتنة ابتدأت بسبب طلق أبناء
стр. 1437
الزاوي اليهود الرصاص ثم كان اهتياج الناس بقدر ما يتزايد إطلاق الرصاص من اليهود الحاملين السلاح.
حضر الدكتور جلول لرحبة الصوف والفتنة على أشدها فدخل المعمعة يهدىء الناس من ناحية ويضمد الجراح من ناحية أخرى وكانت حالة الناس- وهم يسمعون دوي الرصاص ويشاهدون الجرحى يتساقطون منهم- أعظم من أن تهدأ. ومع ذلك فقد استطاع الدكتور جلول أن يرد الناس عن الهجوم على الشارع حومة اليهود ولولاه لكان ذلك الجمع مصبحا اليهود في شارعهم شر صباح.
انتشر الخبر في البلد وماجت الأنهج بالناس وكثر ضرب اليهود بالرصاص من النوافذ فانكب الناس على دكاكين اليهود التي كانت مقفلة يوم الأحد يكسرون أبوابها ويمزقون ما فيها من قماش ويهشمون ما فيها من أثاث ويمزقون الأوراق المالية وأطلقوا النار في بعضها وقتلوا نيفا وعشرين نفسا وفرغوا من عملهم نحو الساعة الثانية.
استنتاج وتعليل:
فتح أسواق الخضر الإسلامية كعادتها، وتعاطى المسلمون البيع والشراء مع اليهود واليهوديات دليل قاطع على أن المسلمين كانوا قد اطمانوا وأمنوا وعلى أنهم ما كانوا عازمين على شيء من الشر لليهود.
ابتدأ أبناء الصائغي بضرب الرصاص، ورؤية الناس المسلمين السلاح بيد اليهود والرصاص يتهاطل من نوافذهم وهم لا سلاح لهم بعث فيهم الرعب والحنق فاندفعوا ذلك الإندفاع القوي السريع المحطم.
غريزة الدفاع عن النفس فطرية في الإنسان بل في جميع الحيوان فإذا أحس بالخطر فإنه يعمل أعمالا عن غير وعي لا يستطيع أن يعملها لولا ما أحس به من الخطر وما تحرك فيه من غزيرة الدفاع عن النفس
стр. 1438
فقد يجري الإنسان فاراً أمام حيوان يريد افتراسه بمقدار من السرعة لا يستطيعه أبدا في غير تلك الحال فالإنسان الأعزل الذي لا سلاح معه عندما يرى خصمه مسلحا ويشاهد الرصاص منطلقا من سلاحه يحس بخطر محقق داهم فتتحرك فيه غريزة الدفاع عن النفس فينبعث عن غير وعي فينقض على خصمه انقضاض المستميت فربما قضى عليه رغم سلاحه. هذا في الفرد من الناس أما في الجموع منهم فإن المسألة تكون أروع لأن الجماعة لا تعمل عن عاطفة فإذا خافت على أنفسها واندفعت بغريزة الدفاع عنها فإنها تأتي في تلك الحالة بما لا تتصوره العقول.
بهذا التقرير العلمي النفسي نعلل ما كان من الجماعة المسلمة العزلاء من السلاح أمام اليهود المسلحين في اندفاعها وما أتت به من أعمال مروعة.
ولعلمنا بهذه الحقيقة العلمية النفسية كنا حريصين أمام القائم مقام" البريفي" على نزع السلاح من اليهود، وقد أمرت السلطة أعوانها بنزع السلاح من المارة في الأزقة ولكن بعد فوات الوقت.
فالذين قاموا بتلك الأعمال من المسلمين لم يكونوا مندفعين إليها بحقد على اليهود ولا بعامل ديني ولا ببغض جنسي وإنما كانوا مندفعين بغريزة الدفاع عن النفس أمام الخطر المسلح.
نعم كان المسلمون يسمعون دائما سب دينهم ونبيهم من اليهود وخصوصا من النساء وكانوا يلقون منهم سوء معاملة خصوصا من النساء في سوق الخضر وكانوا يشعرون بتسلطهم في دوائر الحكومة وعلى رجال بارزين من الساسة الفرنسيين ويعلمون تغلبهم في الوظائف حتى على الفرنسيس أنفسهم وحسبك أن موزعي البريد ببلدة قسنطينة منهم ثلاثون ونيف ومن الفرنسيس خمسة ومن المسلمين واحد ولكن
стр. 1439
هذا كله ما كان ليبعثهم على ما انبعثوا إليه لو لم تتحرك فيهم غريزة الدفاع عن النفس أمام الخطر المسلح. بل كان ذلك كله مما أسكن في قلوبهم الخوف والاستسلام للواقع.
قتل من اليهود نيف وعشرون كان منهم خمس نسوة وستة من الصبيان وكان المعتدون لما يشتد الرمي بالرصاص من النوافذ ومن أيدي بعض النساء في بعض الجهات يصعدون للمنازل فيبطشون بمن فيها عن غير تمييز. وكان قتل النساء والصبيان دليلا على أن المعتدين لم يكن اندفاعهم عن عقيدة الإسلام الذي معلوم مشهور عند أهله أنه يحرم قتل النساء والصبيان حتى في الحرب المشروعة وعلى أن تلك الفظاعة هي من آثار الجهل، وتلك الحالة النفسية الخاصة الطارئة، لا من آثار الإسلام.
المصائب على الجانبين:
إذا كانت دكاكين اليهود قد أصيبت لما أصيبت، فإن دكاكين المسلمين التي في حومة اليهود قد أصيبت كذلك، وإذا كانت خسائرها قليلة فذلك لأنها قليلة ولأنها ضعيفة كأصحابها الضعفاء، بخلاف دكاكين اليهود فقد كانت خسائرها كثيرة لأنها هي كثيرة ولأنها قوية كأصحابهما الأقوياء.
وإذا كان القتلى من اليهود نيفا وعشرين ومن المسلمين اثنين فالفضل لمسدسات اليهود التي خانتهم عند الضرب فالمطر الوابل من الرصاص الذي نزل من مسدساتهم ما قصدوا به إلا القتل وإزهاق الأرواح بلا فرق بين من في الأنهج من رجال ونساء وشيوخ وصبيان وجنود، وقد جرحوا بالفعل نحو الأربع من الصبيان، وجرحوا جنديين أو ثلاثة فلو صحت من اليهود في الرمي زنودهم، كما صحت في القتل قصودهم، لكان القتلى من المسلمين- كبارا وصغارا- يعدون
стр. 1440
بالمئات وليس من قصد القتل وارتكب سببه ولم يتم له ما قصد لمانع، دون من قتل بالفعل في الجرم.
أما عدد الجرحى فقد تساوى أو تقارب من المسلمين ومنهم فكان من الجانبين نيفا وعشرين وكان كثير من جرحى المسلمين بسلاح الجند مما يدل على أن الجنود وإن لم يطلقوا الرصاص لعدم الإذن لهم بذلك فقد دفعوا الناس بالسلاح الأبيض.
ليلة الإثنين ويومها:
أعلنت حالة الحصار ومنع المرور بالأنهج إلا بورقة المرور.
وفي مساء الإثنين رغبت مني دار "البريفي" بواسطة إنسان له مقام عندي، أن أذهب إلى عين البيضاء لتهدئة الناس. ولما كان هذا من أعمال الخير التي وقفت لها نفسي، أجبت الطلب وصحبني السيد عمر بن الموفق ليباشر هو الناحية الإدارية ورجالها وأباشر أنا ناحية الأمة. ولما وصلنا إلى عين البيضاء في منتصف الليل بقيت السيارة ونزل السيد عمر إلى دار "المير" وبعد نحو ساعة رجع إلي يقول أن بعض النواب يرون أنهم قد قاموا بتهدئة الناس وأن دخول غيرهم ربما يشعر بتقصيرهم هم في واجبهم، فقفلنا راجعين.
وقد علمنا بعد ذلك من حوادث عين البيضاء أن شرطيا يهوديا أطلق الرصاص على ولد صغير مسلم أرسله أبوه لشراء الغاز وهذا الولد جيء به إلى مستشفى قسنطينة وتوفي به. وأن النائب العمالي س. بوماليي قدم استعفاءه للبريفي احتجاجا على تكليف غيره بتهدئة الناس.
في ليلة الإثنين جدد اليهود اعتداءهم على بيوت الله:
يقع مسجد سيدي الكتاني في رحبة سوق المصر في وسط حومة
стр. 1441
اليهود ففي ليلة الإثنين هاجمه اليهود فكسروا أربعة أو خمسة من نوافذه وهشموا التخاريب التي على أحد أبوابه وقد حققت ذلك إدارة الأمن وأثبتت فيه تقريرا رسميا.
استنتاجات وملاحظات:
أجبنا رغبة الحكومة لما دعتنا إلى فعل الخير ومددنا يدنا للتعاون معها على ذلك فهل علمت من ذلك أننا دعاة خير وسعاة إحسان، وهل هي بعد ذلك تستطيع أن تخلي بيننا وبين ما نقوم به مما هو أصل كل خير إلا وهو نشر العلم والدين؟.
أما النواب الذين زعموا ذلك الزعم فأحسب أن الأنانية حالت بينهم وبين فهم معنى التعاون وإلا فإن القائم بواجبه مهما كان مقدار قيامه فإنه لا يألف من إعانته فيه محبة في تحقيق ذلك الواجب على أكمل وجوهه لكن هذا إذا كان قيامه بالواجب لأجل الواجب نفسه، لا لشائبة من حظه وغرضه.
وأما النائب الذي قدم استعفاءه وتحمس فإننا كنا نود أن لو كان عنده هذا الحماس وهذه الغيرة والحمية في مواطن أخرى كان فيها حضرته باردا ومبردا، ولا حاجة لنا إلى تعريفه بهذه المواطن فالناس كلهم على علم بها وعلى ذكر منها. ونحن وإن كنا نرى حماسته هذه في غير محلها فإنا نتفاءل لحضرته بها خيرا ونرجو أن تدوم له في مواقفه القادمة في حياته العامة إن قدر له العود إليها.
قتل اليهودي الشرطي ولداً صغيرا رميا بالرصاص!! وهل نحتاج بعد هذا إلى دليل على روح العداء والتحدي؟ ومن الثابت أيضا أن بعض الشرطة اليهود بقسنطينة أطلقوا الرصاص وأن شرطيا اسمه علوش سكر قال سأضرب وأفعل فعزل من الشرطة المثبوت ذلك عليه. فأذكر هنا ما تقدم عن ليلة السبت بقسنطينة وكيف وقف الشرطيان المسلمان
стр. 1442
أمام دار اليهودي الياهو أصل الشر والبلاء يحرسانها وقس بين الروح والروح والتربية والتربية.
صبيحة الثلاثاء:
استدعى الوالي العام وفداً من المسلمين وألقى عليهم خطاباً دلَّ على وقوفه موقف الحاكم العادل الذي يريد أن يعرف الحقيقة لذاتها. وأذن للجماعة بالكلام فقدموا الدكتور جلول فألقى خطاباً جامعاً صوَّر فيه الواقعة تصويراً فوتوغرافياً نظن أنه أبلغ وأصدق ما سمعه الوالي العام عن صورة الحالة. سأل الوالي الدكتور عن سبب اجتماع الناس في الصنوبر صبيحة الأحد فأجابه الدكتور بأن الذين اجتمعوا بالصنوبر هم الذين سمعوا مساء السبت بالإجتماع على الساعة السابعة فحسبوها صباحا وأوقعهم في هذا الغلط ضيق ما بين وقت الإعلام بالإجتماع الذي وقع بالجامع الكبير ووقوعه. ثم قدموا الأستاذ مختار ابن الحاج سعيد المحامي فألقى خطابا بليغاً دافع فيه عن الحقيقة بصدق وإنصاف، ثم تكلم النائب المالي السيد محمد المصطفى ابن باديس وقال أنه موافق على كل ما قاله الدكتور جلول والأستاذ مختار. ثم أعاد الوالي الحديث وسأل الوفد هل يستطيعون أن يعدوه بكف المسلمين فأجابه السيد ابن باديس أن المسلمين منكفون بالفعل وأننا نعد بكفهم، وأننا نستطيع ذلك بشرط أن ينكف اليهود الذين قد تكرر منهم الاعتداء فأجاب الوالي العام بأنه يعتمد عليهم وأنه سيكلم اليهود مثل ما كلمهم.
وفاء الوفد بوعده:
خرج ذلك الوفد الإسلامي الحافل المتركب من النواب والأعيان وبعض أهل العلم فارتأوا أن يبادروا بوفاء وعدهم للوالي العام بأن يتجولوا في الأنهج الإسلامية ويعرفوا الناس بمقابلتهم للوالي العام وما طلب منهم وما التزموا به عن إخوانهم المسلمين واتفقوا على أن أقوم
стр. 1443
خطيباً في كل نهج من الأنهج الكبرى الإسلامية لأخطب في الناس بذلك فوقفنا بضعة عشر موقفاً ألقيت فيها بضع عشرة خطبة أخاطب فيها الناس باسم الوفد وأدعوهم إلى الهدوء والسكينة وأذكرهم بآداب الإسلام وأعرفهم بما كان من طلب الوالي العام وما كان من إلتزام نوابهم، وكان الله- وله الحمد- يفتح في كل موقف بفن من فنون التذكير، وكان إخواني المسلمون- جعلني الله فداءهم- يلتفون بنا في كل موقف ويبدون من الاستماع للوعظ والانقياد للخير ما عرفني بما تنطوي عليه تلك الصدور المحمدية الطيبة من الروح الإسلامية الشريفة، والآداب الدينية العالية الكامنة فيهم، التي لا يحتاج في إظهارها إلا لكلمة صادقة عن نية خالصة. وكان كل موقف يختم بإعطاء كلمتهم بأن لا يكون منهم سوء وبالدعاء للجميع.
عملت تلك الخطب- بإذن الله- عملها في قلوب كانت متفرقه فاتحدت وأرواح كانت متناكرة فتعارفت وما انتهينا إلى آخر مواقفنا - وكان أمام مكتب وعيادة الدكتور ابن جلول- حتى تصافح هو والسيد محمد المصطفى بن باديس وصعد النواب كلهم إلى مكتب الدكتور، فأعدتهم إلى النهج ليحضروا آخر موقف وليسمعوا آخر خطاب، ولم أكتف بوقوفهم بنوافذ المكتب المطلة على النهج فلما نزلوا خطبت في الجمع خطابا يشتمل على أصل ما ألقيت الخطب لأجله وعلى ما ناسب ذلك الموقف الذي تجلت فيه روح الإخاء والصفاء، وكان ذلك الموقف لمواقفنا- والفضل لله- خير ختام.
يوم السبت ١١ أوت:
صبيحة السبت قابل وفد المسلمين عامل العمالة ودار الحديث في الحوادث التي وقعت ورأينا من عاملنا الجديد رجلا يحمل روحاً فرنسية لطيفة ويتحلى بآداب الموظف العالي. أبدى تأسفه أن وجد قسنطينة
стр. 1444
أول قدومه في هذه الفاجعة وأظهر رغبة في رجوع الأمور إلى مجاريها.: بعدما تكلم الدكتور جلول والطبيب زرقين وغيرهما تكلم النائب المالي ابن باديس فذكر للسيد العامل أن الأمن من ناحية المسلمين قد استتب وأن جماعة المسلمين قد استطاعوا بما قاموا به أن يهدئوا إخوانهم على كثرة عدد المسلمين وانتشارهم، وأن جماعة اليهود من ناحيتهم لم يقوموا بشيء مما قام به جماعة المسلمين على قلة عدد اليهود وسهولة إبلاغ الصوت إليهم ولذا فإن المسلمين لم يتجدد منهم شيء من يوم الحادثة وأما اليهود فقد تجدد منهم الإعتداء مراراً وذكر له الولد بياع الجرائد الذي جرحوه برحبة الصوف وولداً آخر صب عليه المادة الملتهبة الفيتريول والرجل الذي أطلقوا عليه الرصاص بنهج فرانس كل هذا ما بين يوم الأربعاء والسبت فوعد العامل بأمرهم بالكف والتأكيد عليهم به.
تنظير بين المسلمين واليهود:
نريد أن نعرض الطبقات من المسلمين واليهود لنعرف موقفهم من هذه الفتنة اعتماداً على المعلومات المتقدمة.
النواب:
وقف الدكتور جلول النائب العمالي ليلة السبت برحبة الصوف وقفة المهدىء للجمع المسكن للثائرة ومعه السيد محمد أمزيان النائب البلدي يمينه على ذلك ويبذل جهده مثله.
وحضر النائب العمالي اليهودي لولوش فبدلا من أن يهديء قومه ويأتي باليهودي المعتدي ويدخله حبس الكوميسارية وكان في استطاعته ذلك ولو فعله لأطفأ تأثر المسلمين في الحين، لأنهم ما كانوا يريدون إلا عقاب ذلك المعتدي على دينهم ونبيهم وجماعتهم ومسجدهم، بدلا من أن يفعل هذا كان تارة يستبعد وقوع ما وقع من الإعتداء وتارة
стр. 1445
يستبكر على المسلمين تأثرهم من ذلك الإعتداء إن وقع. ولم يظهر منه أدنى شيء في التهدئة والتسكين.
كان الدكتور جلول صبيحة الأحد ينتقل من مكان إلى مكان مهدئاً للناس مداوياً للجرحى معرضاً نفسه للخطر، وممن شهد له بمواقفه في ذلك اليوم التقرير الرسمي للجندرمة. أما النائب العمالي لولوش فقد اختار السلامة التي ذاق حلاوتها أيام أبقته الأعذار بقسنطينة عن ميادين الحرب الكبرى.
أبدى النواب المسلمون في كل ما كتبوا ونشروا وتكلموا أمام الحكام غاية التعقل والرصانة والحكمة، وأعلنوا ثقتهم بالحكومة وبالعدالة وكرروا دعوتهم إلى تناسي الماضي والعمل لخير المستقبل وجددوا تأسفهم بعبارات دالة على كمال في الإنسانية وسمو في الدين.
أما النائب لولوش وغيره فقد كانت تقاريرهم وخطبهم ومنشوراتهم - وخصوصاً رابور لولوش- تهجمات حتى على الحكومة وتقولات بالباطل والكذب (١) على النواب المسلمين مما ينم عن أمراض قلبية - والعياذ بالله- ويدل على قلة أدب وإفلاس سياسة.
طاف النواب الأنهج الإسلامية وخطبوا في الناس بلسان من قدموا لذلك ووفوا بوعدههم للوالي العام. ولم يفعل شيئاً (٢) من ذلك النواب اليهود.
مفتي المسلمين وحبر اليهود:
جاء المفتي ليلة السبت وبذل جهده. أما حبر اليهود فلم يأت لا هو ولا واحد من طرفه.
стр. 1446
الشرطة:
قام الشرطة المسلمون بواجبهم ولم تغلب عواطفم على أمانتهم حتى تقدم منهم من حرس باب المعتدي الأثيم الياهو خليفي. أما الشرطة اليهود فقد كان منهم من أطلق النار ومنهم من قتل وهو شرطي عين البيضاء.
الأمة:
وفى المسلمون بوعدهم لجماعتهم فلم يكن منهم أي اعتداء، أما اليهود فما زال الاعتداء يتكرر منهم على من ينفردون به وحده كما فعلوا ببعلي سليمان بن لخضر. ومن أقرب ذلك رمى صبيانهم نوافذ من جامع سيدي الكتاني فكسروها. نقول هذا ونحن على ثقة من تعقل إخواننا المسلمين وعدم التفاتهم إلى هذه الأفعال الطائشة التي تتولى أمرها العدالة وأنهم يبلغون كل ما يلحقهم إلى العدالة لتقوم بواجبها نحو المعتدين كما طلبنا منهم في خطبنا ووعدوا به وهم الموفون بما وعدوا.
القتلى:
دفن اليهود قتلاهم في مشهد حافل، أما قتلانا- وهم الرجل الذي قتل يوم الأحد والصبي الذي قتله الشرطي بعين البيضاء والذي مات من جراحه بعد ذلك- فإنهم دفنوا دون أن يشيعهم أحد، ودون أن تقال عليهم كلمة ودون أن تراق عليهم دمعة.
علمنا أنهم يدفنون هكذا وسكتنا- لا لهون المصاب علينا ولا لقلة ألمنا وحزننا- ولكن موافقة للإدارة على تجنب كل ما قد يثير العواطف ويكون مخيف العاقبة، وعلمت الأمة بهذا ورضيت به انقياداً لرجالها لما لها بهم من الثقة وإظهاراً لما عندها من الرغبة في الهدوء والسكينة والتغلب على العاطفة أمام ما فيه مصلحة عامة.
стр. 1447
الخاتمة:
كتبنا هذا التقرير عن الحالة كما شاهدنا فيما شاهدنا، وكما تحققنا فيما بلغنا من الثقات عندنا، وإننا بعد ذلك نأسف ونألم على ما يصيب الإنسان من أخيه الإنسان وعلى أن تجري هذه الحوادث بين عنصرين ساميين إبراهيميين عاشا قروناً في وطن واحد دون أن يشهدا مثلها ونسأل الله تعالى أن يبطل كيد الظالمين، ويرد شر المعتدين عن الخلق أجمعين، وأن يرحم المستضعفين وينصر المظلومين من جميع العالمين.
وصدق الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 1448
آثار ابن باديس
قسم العرب في القرآن
стр. 1449
العرب في القرآن
الخطاب الذي ارتجله الأستاذ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في اجتماعها العام بنادي الترقي لهذه السنة. وموضوعه (العرب في القرآن) وقد حافظنا على معانيه وعلى الكثير من ألفاظه، وهيهات هيهات لما نود من نقله للقراء بألفاظه وجمله. فإنه خطاب عظيم في موضوع خطير لا يضطلع به غير أستاذ في علمه بفنون القرآن وغوصه على مغازيه البعيدة ونفاذه في معانيه العالية.
وعلى كل فإننا نرجو أننا قدمنا الموضوع للقراء كامل المعاني وحسبنا هذا (١).
ــ
-١ -
حق على كل من يدين بالإسلام ويهتدي بهدي القرآن أن يعتني بتاريخ العرب ومدنيتهم وما كان من دولهم وخصائصهم قبل الإسلام ذلك لارتباط تاريخهم بتاريخ الإسلام ولعناية القرآن بهم ولاختيار الله لهم لتبليغ دين الإسلام وما فيه من آداب وحكم وفضائل إلى أمم الأرض فأما أنهم قد ارتبط تاريخهم بالإسلام فلأن العرب هُيِّئوا تاريخيا لأجل أن ينهضوا بأعباء هذه الرسالة الإسلامية العالمية، ولأن الله الحكم العدل الذي يضع الأشياء في مواضعها بحكمة ويأمرنا أن ننزل الناس منازلهم في شريعته، ما كان ليجعل هذه الرسالة العظيمة لغير أمة عظيمة، إذ لا ينهض بالجليل من الأعمال إلا الجليل من الأمم والرِّجال. ولا يقوم بالعظائم إلا العظام من الناس.
стр. 1450
وأما عناية القرآن بالعرب فلأجل تربيتهم لأنهم هم الذين هُيِّئوا لتبليغ الرسالة فيجب أن يأخذوا حظهم كاملا من التربية قبل الناس كلهم, ولهذا نجد كثيرا من الآيات القرآنية في مراميها البعيدة إصلاحا لحال العرب وتطهيرا لمجتمعهم وإثارة لمعاني العزة والشرف في نفوسهم, ومن هذا الباب الآيات التي يذكر بها العرب أن هذا القرآن أنزل بلسانهم مثل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ والذين يعقلون القرآن قبل الناس كلهم هم العرب. ومن أول القصد إلى العرب والعناية بلسانهم وتنبيههم إلى أن القرآن أنزل بلسانهم دون جميع الألسنة، جلبا لهم حتى يعلموا أنه أنزل لهم وفيهم قبل الناس كلهم.
إنّ العرب قوم يعتزون بقوميتهم وهم ذوو عزة وإباء خصوصاً في الجاهلية فكان من حكمة القرآن أن يجلب نافرهم ويقرب بعيدهم بأن هذا القرآن أنزل بلسانهم.
ومن هذا الباب توسعة الله في قراءة القرآن على سبعة أحرف وهي اللهجات التي تجتمع على صميم العربية وتختلف في غير ذلك. وسع عليهم في ذلك لتشعر كل قبيلة أن هذا القرآن قرآنها, لأن اللسان الذي أنزل به لسانها. وهذا هو ما يقصده القرآن, ومن هذا الباب أيضاً إشعارهم بأن صاحب الرسالة منهم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.
فمن الطبيعة العربية الخالصة أنها لا تخضع للأجنبي في شيء لا في لغتها ولا في شيء من مقوماتها, ولذلك ترى القرآن يذكرها بالشرف ويحدثها كثيرا عن أمة اليهود التي لا يناديها إلا بيا بني إسرائيل تذكيراً لها بجدها الذي هو مناط فخرها كل ذلك لأنها أمة تحيا بالشرف والسمو والعلو - ويذكرها بالذكر - وهو في لسانها الشهرة الطائرة
стр. 1451
والثناء المستفيض يقول تعالى لنبيه وهو يعني القرآن: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. والأنبياء لم يبعثوا إلا في مناسب الشرف ومنابع القوة ومنابت العزة ليبنى المجد الطريف من الدين على المجد التليد من أحساب الأمة وأنسابها وشرفها وعزتها. وما كان لها من مناقب تلتئم مع أصول الدين. فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ يعني أنه شرف لكم وقومه هم العرب لا محالة.
ويقول بعد ذلك: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ ليُشعرهم أن عليهم من الواجبات في مقابلة هذا الشرف الذي أعطوه ما ليس على غيرهم ولا شك أن ثمن المجد غال.
وهذا الشرط الذي ذكره الله وذكر به العرب هو شرط واجب الاعتبار والتنفيذ.
لأن الأمة التي لا تؤدي ثمن المجد لا تحافظ عليه. ثم هي أمة لا يعتمد عليها في النهوض بنفسها ولا بغيرها. وإنما ذكرهم الله بذلك لينهضوا بالأمم على ذلك الأساس وهو إحياء الشرف الإنساني في نفوسها وليعاملوها على ذلك الأساس بالعدل والرحمة والتكريم وما ذكر القرآن العرب بتكريم بني آدم وخلقهم في أحسن تقويم إلا ليعاملوهم على هذه القاعدة التي وضعها الخالق, وإن أعداء البشرية اليوم وقبل اليوم يعمدون إلى قتل الشرف من النفوس ليستذلوا من هذا النوع ما أعز الله ويهينوا منه ما كرم الله.
والخلاصة أن عناية القرآن بإحياء الشرف في نفوس العرب ضرورية لإعدادهم لما هيئوا له من سياسة البشر. وبهذا نستعين على فهم السر والحكمة في اختيار الله للعرب للنهوض بهذه الرسالة الإسلامية العالمية واصطفائه إياهم لإنقاذ العالم مما كان فيه من شر وباطل.
стр. 1452
وهذا السر هو أنهم ما كانوا عليه من شرف النفس وعزتها والاعتداد بها هو الذي هيأهم لذلك ولو كانوا أذلاء لما تهيأوا لذلك العمل العظيم.
وانظروا واعتبروا ذلك بحال أمة هي أقرب أمة إلى العرب وهي أمة إسرائيل فإنها لم تكن مهيأة لإنقاذ غيرها. وإنما هيئت لإنقاذ نفسها فقط لأن مقوماتها النفسية لم تصل بها إلى تلك الدرجة العليا: ولذلك عانى موسى معها ما عانى مما قصه القرآن علينا لنعتبر به في الحكم على الأمم.
ولا حاجة إلى التطويل في الحديث عن بني إسرائيل فإن القرآن قد فصل لنا شؤونهم تفصيلا وإنما أنبهكم على هذا الفارق الجوهري بين الأمتين.
وقد تقولون إن بني إسرائيل اختارهم الله وفضلهم على العالمين, والجواب الذي يشهد له الواقع أنه اختارهم لينقذوا أنفسهم من استعباد فرعون وليكونوا مظهرا للنبوة والدين في أول أطوارهما وأضيق أدوارهما وهذا هو الواقع فإن الأمة العربية استطاعت أن تنهض بالعالم كله وأن تظهر دين الله على الدين كله, وأما بنو إسرائيل فإنهم ما استطاعوا أن ينهضوا حتى بأنفسهم وإنما نهض بهم موسى نهضة قائمة على الخوارق وما نهضوا بأنفسهم إلا بعد موسى بزمن مع اتصال حبل النبوة فيهم ومغاداة الوحي الإلهي ومراوحته لهم.
فالأمتان العربية والإسرائيلية متمايزتان بحديث القرآن عنهما وإذا تلمسنا الحكمة المقصودة من اختيار الله لبني إسرائيل مع أنهم غير مستعدين للقيام بنهضة عالمية عامة وجدنا تلك الحكمة في القرآن مجلوة في أبلغ بيان, في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ
стр. 1453
فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
فالسر المتجلي من هذه الآية هو أن الله أراد بما صنع لبني إسرائيل وبما قال لهم أن يعلم هذا العالم الإنساني من سنن الله في كونه ما لم يكن يعلم وهو إخراج الضد من الضد وإخراج الحي من الميت وإنقاذ الأمة الضعيفة التي لا تملك شيئاً من وسائل القوة الروحية ولا من وسائل القوة المادية، من العباد الأقوياء المتألهين فهو مثل عملي ضربه الله لخلاص أضعف الضعفاء من مخالب أقوى الأقوياء وجعل المستضعفين أئمة وارثين، وسادة غالبين، والتمكين لهم في الأرض، وإراءة الأقوياء المستعلين في الأرض عاقبة باطلهم لكيلا ييأس المستضعفون في الأرض من روح الله وقد قال موسى لبني إسرائيل تمكيناً لهذا المعنى في نفوسهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
وإلى هذا المثل العملي تشير الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
وأمّا العرب فإنهم اختيروا لوظيفة عالمية عامة لما فيهم شرف متأصل واستعداد كامل وصفات مهيأة ولهذا كان منبع الرسالة بمكة وشأنها عند العرب هو شأنها، فهم مجمعون على تخليصها ولأنها في وسط الجزيرة وصميمها، ووسط الجزيرة بعيد كل البعد عن المؤثرات الخارجية في الطباع والألسنة تلك المؤثرات التي يجلبها الاحتكاك بالأجانب والاختلاط بهم. وكل أطراف الجزيرة لم تخل من لوثة في الطباع وعجمة في الألسنة، جاءت من الاختلاط بالأجنبي، ولا أضر على
стр. 1454
مقومات الأمم من العروق الدساسة. فاليمن دخلتها الدخائل الأجنبية من الحبشة والفرس على طباع أهلها وألسنتهم, والشام ومشارفه كانت مشرفة على الاستعجام والعراق والجزيرة لم يسلما من التأثر بالطباع الفارسية. فكانت هذه الأطراف تنطوي على عروبة مزعزعة المقومات، ولم يحافظ على الطبع العربي الصميم إلا صميم الجزيرة ومنه مكة التي ظهر فيها الإسلام وهذا الوسط وإن كان عريقا في الصفات التي تسمى العصر لأجلها جاهليا, ولكنه كان بعيدا عن الذل الذي يقتل العزة والشرف من النفوس والجاهل يمكن أن تعلمه والجافي يمكن أن تهذبه. ولكن الذليل الذي نشأ على الذل يعسر أو يتعذر أن تغرس في نفسه الذليلة المهينة عزة وإباء وشهامة تلحقه بالرجال.
هذا توجيه موجز مقرب لاختيار الله تعالى العرب للنهوض بالرسالة العامة.
وشيء آخر يرتبط بهذا وهو أن الله كما اختار العرب للنهوض بالعالم كذلك اختار لسانهم ليكون لسان هذه الرسالة وترجمان هذه النهضة، ولا عجب في هذا فاللسان الذي اتسع للوحي الإلهي لا يضيق أبدا بهذه النهضة العالمية مهما اتسعت آفاقها وزخرت علومها وهذا جانب لا أتحدث عنه فقد كفانا مؤنته أخونا الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي في محاضرته التي سمعتموها بالأمس (١).
стр. 1455
العرب في القرآن
-٢ -
أيّها الإخوان:
جعلنا عنوان الخطاب ((العرب في القرآن)) وقلنا في أول كلمة منه أن العناية بالعرب حق على كل مسلم لارتباط تاريخهم بتاريخ الإسلام. فما هو حظ العرب من القرآن من الناحية التاريخية بعد أن سمعتم هذه التوجيهات العامة.
والعرب مظلومون في التاريخ فإن الناس يعتقدون ويعرفون أن العرب كانوا همجا لا يصلحون لدنيا ولا دين حتى جاء الإسلام فاهتدوا به فأخرجهم من الظلمات إلى النور.
هكذا يتخيل الناس العرب بهذه الصورة المشوَّهة، ويزيد هذا التخيل رسوخاً ما هو مستفيض في آيات القرآن من تقبيح ما كان عليه العرب ليحذرنا من جاهلية أخرى بعد جاهليتهم.
والحقيقة التي يجب أن أذيعها في هذا الموقف هي أنَّ القرآن وحده هو الذي أنصف العرب. والناس بعد نزول القرآن قصَّروا في نظرتهم التاريخية إلى العرب فنشأ ذلك التّخيل الجائر عن القصد. والتاريخ يجب أن لا ينظر من جهة واحدة بل ينظر من جهات متعددة وفي العرب نواح تجتبى ونواح تجتنب, وجهات تذم وتقبح وجهات يثنى عليها وتمدح. وهذه هي طريقة القرآن بعينها. فهو يعيب من العرب رذائلهم النفسية كالوثنية ونقائصهم الفعلية كالقسوة والقتل.
стр. 1456
وينوه بصفاتهم الإنسانية التي شادوا بها مدنياتهم السالفة واستحقوا بها النهوض بمدنية المدنيات.
ولنذكر عاداً فهي أمة عربية ذات تاريخ قديم ومدنية باذخة ذكرها القرآن فذكرها بالقوة والصولة وعزة الجانب ونعى عليها الصفات الذميمة التي تنشأ عن القوة قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾.
فالنظرة التاريخية المجردة في هذه الآية وفيما ورد في موضوعها ترينا أن عاداً بلغت من القوة والعظمة مبلغاً لم تبلغه أمة من أمم الأرض في زمنها حتى أن الله جل شأنه لم يتحد قولهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ إلا بقوته الإلهية التي يذعن إليها كل مخلوق، ولو كانت في أمم الأرض إذ ذاك أمة أقوى منهم لكان الأبلغ أن يتحداهم بها. وإن أمة تقول هذه الكلمة بحالها أو مقالها لهي أمة معتدة بقوتها وعظمتها.
ومن هذه الآية وحدها نستفيد أن عاداً كانت أشد الأمم قوة وأنها ما بلغت هذه الدرجة من القوة إلا بمؤهلات جنسية طبيعية للملك وتعمير الأرض وأن تلك المؤهلات فيها وفي غيرها من شعوب العرب هي التي أعدتهم للنهوض بالرسالة الإلهية.
وإن القرآن لا ينكر عليهم هذه المؤهلات وإنما ينكر عليهم لوازمها ولا ينكر عليهم القوة والعظمة وإنما ينكر عليهم أن يجعلوها ذرائع للباطل والبغي ومحادة الله بدليل قوله لهذه الأمة: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ فهو يضمن لهم أنهم إن آمنوا وعملوا الصالحات يزيد قوتهم تمكيناً وبقاء, ومحال أن ينكر القرآن على
стр. 1457
الناس القوة وهو الداعي إليها والمنفر من الضعف وإنما شرع القرآن بجنب الدعوة إلى القوة أن تكون للحق وللخير وللرحمة والعدل.
وكذلك قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١) فإن هذه الآية - زيادة عن إفادتها لمعنى ما قدمناه - تكشف لنا نواح (٢) من تاريخ هذه الأمة العربية ومبلغ مدنيتها وتعميرها فهي تدل على أنهم كانوا بصراء بعلم تخطيط المدن والأبنية وهو علم لا يستحكم إلا باستخدام الحضارة في الأمة ومأخذ هذا من قوله: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾.
والآية في قوله آية هي بناء شامخ يدل على قوتهم أو هي آية هادية للسائرين وهي على كل حال بناء عظيم يدل على عظمتهم وقوتهم وما زالت عظمة البناء تدل على عظمة الباني.
ولم ينكر عليهم نبيهم نفس البناء الذي هو مظهر القوة. وإنما أنكر عليهم الغاية المقصودة لهم من ذلك البناء الشامخ فمحَطُّ الإنكار قوله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾، ولا شك أن كل بناء شامخ لا يكون لغاية شريفة محمودة فهو عبث ولهو وباطل.
والمصانع، يقول المفسرون أنها مجاري المياه أو هي القصور, وعلى القولين فهي دليل على معرفتهم بفن التعمير علماً وعملاً وبلوغهم فيه مبلغاً عظيماً فهي من شواهدنا على ما سقنا الحديث إليه.
ولكن ليت شعري ما الذي صرف المفسرين اللفظيين عن معنى المصنع اللفظي الاشتقاقي والذي أفهمه ولا أعدل عنه هو أن المصانع
стр. 1458
جمع مصنع من الصنع كالمعامل من العمل وأنها مصانع حقيقية للأدوات التي تستلزمها الحضارة ويقتضيها العمران. وهل كثير على أمة توصف بما وصفت فيه في الآية، أن تكون لها مصانع بمعناها العرفي عندنا؟ بلى وإن المصانع لأوَّل لازم من لوازم العمران وأول نتيجة من نتائجه.
ولا أغرب من تفسير هؤلاء المفسرين للمصانع إلا تفسير بعضهم للسائحين والسائحات بالصائمين والصائمات والحق أن السائحين هم الرحالون والرواد للاطلاع والاكتشاف والاعتبار والقرآن الذي يحث على السير في الأرض والنظر في آثار الأمم الخالية حقيق بأن يحشر السائحين في زمرة العابدين والحامدين والراكعين والساجدين فربما كانت فائدة السياحة أتم وأعم من فائدة بعض الركوع والسجود.
ولا يقولن قائل إذا كانت المصانع ما فهمتم فلماذا يقبحها لهم وينكرها عليهم فإنه لم ينكرها عليهم لذاتها وإنما أنكر عليهم غاياتها وثمراتها فإن المصانع التي تشيد على القسوة والقسوة لا تحمد في مبدأ ولا غاية. وأي عاقل يرتاب في أن المصانع اليوم هي أدوات عذاب لا رحمة ووسائل تدمير لا تعمير فهل يحمدها على عمومها وإن دلائل حضارة ومدنية كانت.
ومن محامد المصانع أن تشاد لنفع البشر ولرحمتهم ومن لوازم ذلك أن تراعى فيها حقوق العامل على أساس أنه إنسان لا آلة.
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ لا بد لكل أمة تسود وتقوى من بطش ولكن البطش فيه ما هو حق بأن يكون انتصافا وقصاصا وإقامة لقسطاس العدل بين الناس وفيه ما هو بطش الجبارين والجبار هو الذي يجبرك على أن تعمل بإرادته لا بإرادتك فبطشه إنما يكون انتقاما لكبريائه وجبروته وإرضاء لظلمه وعتوه وتنفيذا لإرادته الجائرة التي لا تبنى على شورى وإنما تبنى على التشهي وهوى النفس
стр. 1459
لذلك لم ينقم منهم البطش لأنه بطش وإنما نقم منهم بطش الجبابرة الذي كله ظلم.
وفي القرآن ما هو كالتتمة لبحثنا عن حضارة العرب وكالعلاقة لحضارة عاد بعينها وهي حكاية عاد إرم ذات العماد.
فهذا الوصف البليغ الذي نقرؤه في سورة الفجر صريح بألفاظه ومعانيه في أنه وصف لحضارة عمرانية لا نظير لها, فالعماد لا تكون إلا في القصور والأبنية الباذخة والمدن المخططة على نظام محكم, وقد قال تعالى وهو العالم بكل شيء أنه: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ ومدينة هذا وصفها لا تشيدها إلا أُمة لا نظير لها في القوة وآثار الحضارة يتبع بعضها في الضخامة والعظم والوصف القرآني لها وإن سيق للاتعاظ بعاقبتهم يدل الباحث التاريخي على أنهم بلغوا في الحضارة غاية لا وراءها, وهم أمة عربية. فهذه المدينة شيدت في جزيرة العرب لا محالة. وأن الأقرب في التذكير بهم والاتعاظ بمصيرهم أن تكون الرؤية في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ علمية لأن التذكير عام لمن تتيسر له رؤية العين ولمن لم تتيسر له, ولو ائتمرت الأمم الإسلامية بأوامر القرآن لنشأ فيها رواد يرودون الجزيرة ويجوبون مجاهلها ولو فعلوا لأمكن أن يعثروا على آثار هذه المدينة أرض عاد وهي معروفة ويجمعوا بين الرؤية البصرية والرؤية العلمية وبين العلم والاتعاظ وإننا لا نعبأ في مقام البحث العلمي بما حف هذه الحكاية من أساطير. ولا بما وقع فيه شيخ المؤرخين ابن خلدون حينما تعرض لنقض تلك الأساطير (١).
стр. 1460
العرب في القرآن
من الخطاب الذي ألقاه رئيس جمعية العلماء
في اجتماعها العام الماضي
ــ
-٣ -
وأمة أخرى من الأمم العربية وهي ثمود، وهي أمة عربية نلعنها بلعن القرآن لها ولكننا نذكرها بما ذكرها به القرآن من قوة وتعمير وحضارة, فصالح رسول هذه الأمة يقول في دعوتها إلى الله وتعريفها بنعمه: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. فأمة أية أمة لا تعمر الأرض إلا إذا ملكت وسائل التعمير وهي كثيرة ومجموعها هو ما نسميه الحضارة أو المدنية.
وقد كشفت لنا عن هذا الإستعمار الثمودي عدة آيات بليغة الوصف، ولكن أبلغها وصفا وأدقها تصويرا قوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.
أما المغزى الذي سيقت هذه الآية لأجله فهو النفي عليهم. كيف يستعينون بنعم الله التي يسرها لهم على الكفر به، وإنذارهم أن الكفر بها وبمؤتيها سيكون سببا في زوالها وفي ضمن هذا عرفنا حالتهم التي كانوا عليها في تعمير الأرض. وهي حالة أمة بلغت النهاية في الحضارة المادية وفنونها من زرع الأرض وتلوينها بأصناف الشجر منظمة وتقسيم المياه على تلك الغروس إلى ما يستلزمها كل ذلك من علم
стр. 1461
بحال الأرض وطبائعها وأحوال الأشجار المغترسة وطبائعها وأحوال الفصول الزمنية وأحوال الجو وأحوال التلقيح والآبار والجني وعلم بأصناف التمتع من مناظر ومجالس ومقامات ومآكل. ثم القيام على حفظ ذلك العمران من إفساد الأيدي السارقة وكل هذا مما يستلزمه وصف القرآن لحالهم لأجل تذكيرهم والتذكير بهم, وقد ذكرهم القرآن في مواضع بإتقانهم لنحت الحجر, والشجر والحجر آيتا الحضارة المبصرتان, ومن يعرف الحضارة الرومانية بهذا الوطن يعرف أنها ما قامت إلا على نحت الحجر وغرس الشجر.
وإن نحت الحجر ليستدعي حاسة فنية ويستدعي مع ذلك قوة بدنية وقد نعتهم القرآن في نحتهم للحجر بحالة ملابسة فوصفهم مرة بأنهم آمنون ومرة بأنهم فرهون، والفاره هو الذي يعمل بنشاط وخفة ولا يأتيه ذلك إلا من خبرته بما يعمل وعلمه بدقائقه واعتياده له. ومعنى هذا أن أصول هذه الصناعة التي اشتهر بها المصريون القدماء والرومان قد رسخت فيهم ولكن التاريخ المنقول ظلم العرب وبخسهم حقهم كما قلت لكم في طالعة هذا الخطاب.
هاتان أمتان من الأمم العربية أثبت القرآن حالهما فكان لنا مصدرا تاريخيا معصوما في إثبات حضارة الشعوب العربية التي بزت فيها الأمم.
ولننتقل الآن إلى ناحية أخرى من نواحي الجزيرة العربية وهي اليمن التي عرفها اليونان وغيرهم وعرفوا المدنيات التي قامت فسموها بالعربية السعيدة وإننا إذا انتقلنا إلى هذه الناحية من الجزيرة نجد العز القدموس والمجد الباذخ والماضي الزاهر لهذه الأمة التي نفتخر بالانتساب إليها ونباهي الأمم بمدنياتها بالحق والبرهان. وإننا في حديثنا عن اليمن لا نخرج عن شواهد القرآن.
стр. 1462
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾.
ليس المقام مقام تبسط في وجوه البلاغة المعجزة التي تنطوي عليها هذه الآيات فقد استوعبت تاريخ أمة في سطور. وصورت لنا أطواراً اجتماعية كاملة في جمل قليلة أبدع تصوير ووصفت لنا بعض خصائص الحضارة والبداوة في جمل جامعة لا أظن غير اللسان العربي يتسع لحملها كقوله: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ وكقوله: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾. وكقوله: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾، حتى إذا وصل القارئ إلى مصير هذه الأمة التي سمع ما هاله من وصفها واجهه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾، وأدركه الغرق في لجج البلاغة الزاخرة.
اللهم إن السلامة في الساحل وإننا لا نعدو موضوعنا تصور حضارة العرب مما يحكيه القرآن عنها في معرض بيان مصائرها حين كفرت بأنعم الله وبرسله.
الآيات صريحة في أن مدنية سبأ كانت مدنية زاهرة مستكملة
стр. 1463
الأدوات ومن قرأ القرآن بعقله فهم ما نفهم من آياته وعلم كما نعلم أن مدن سبأ كانت عامرة بالبساتين عن يمين وشمال. ويمين من؟ وشمال من؟ إنه ولا شك يمين السائر في تلك المدن أو الأراضي وشماله ومعنى هذا أن طرق السير كانت منظمة تبعا لتنظيم الغروس عن يمينها وشمالها والاكتشافات الأثرية اليوم التي كان لليمن حظ ضئيل منها وإن كان على غير يد أهلها - تشهد بأن أمم الحضارات اليمنية كانوا من أسبق الأمم إلى بناء السدود المنيعة لحصر المياه والانتفاع بها في تعمير الأرض, وإقامة السدود لا تتم بالفكر البدوي .. والعمل اليدوي, بل تتوقف على علوم فكرية منها الهندسة والهندسة تتوقف ثمراتها على علوم كثيرة وعلوم العمران كعروق البدن يمد بعضها بعضاً فهي مترابطة متماسكة متلاحمة - فما يكون السبإيون بلغوا في الهندسة مبلغاً أقاموا به سد مأرب حتى يبلغوا في غيره من علوم العمران ذلك المبلغ.
ولكن لما كفروا بأنعم الله واستعملوها في ما يسخطه سلط الله عليهم من الأسباب ما خرب عمرانهم وأباد حضارتهم وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ... ﴾ الخ.
ويقول في وصف عمرانهم: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾، يعني أن عمرانهم لم يكن محدودا، وإنما كان متصلاً بعضه ببعضه. فالقرى والمدن يظهر بعضها من بعضها لقربها وتلاحمها فلا يكاد المسافر يبرح مدينة حتى تبدو له أعلام الأخرى, ولا يكون هذا إلا إذا كان العمران متصلاً. وهذا هو معنى الظهور في الآية فهو ظهور خاص. وتقدير السير هو أن يكون منظماً ومن لوازمه أن تكون الأوقات مضبوطة بالساعات والطرق محدودة بالعلامات التي
стр. 1464
تضبط المسافة, وقوله تعالى: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ يرشدنا إلى امتداد العمران مسافة الليالي والأيام وأن الأمن كان ما دار رواقه على هذا العمران. ولا يتم العمران إلا بالأمن ولكن فات القوم أن يحصنوا هذه المدينة الزاخرة بسياج الإيمان والشكر والفضيلة والعدل وكل مدينة لم تحصن بهؤلاء فمصيرها إلى الخراب, والناس من قديم مفتونون بعظمة المظاهر يحسبون أنها خالدة بعظمتها باقية بذاتها, فالقرآن يذكر لنا كثيراً من مصائر الأمم حتى لا نغتر بمظاهرها وحتى نعلم أن سنة الله لا تتخلف في الآخرين كما لم تتخلف في الأولين.
وأما قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ فإن المفسرين السطحيين يحملونه على ظاهره وأي عاقل يطلب بعد الأسفار؟
والحقيقة أنهم لم يقولوا هذا إلا بألسنتهم وإنما هو نتيجة أعمالهم, ومن عمل عملاً يفضي إلى نتيجة لازمة فإن العربية تعبر عن تلك النتيجة بأنها قوله وهذا نحو من أنحاء العربية الطريفة.
ولا زال الناس - على عاميتهم - يقولون فيمن عمل عملاً يستحق عليه الضرب أو القتل: أنه يقول اقتلني أو اضربني, وهو لم يقل ذلك وإنما أعماله هي التي تدعوا إلى ذلك، فالمعنى أن أعمالهم هي التي طلبت جزاءها اللازم لها المرتبط بها ارتباط اللازم بالملزوم والدال بالمدلول فكأن ألسنتهم قالت ذلك ويؤيد هذا في القرآن كثير ومنه قوله تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ لأن الجزاء أثر للفعل فهو مرتبط به ولا يقولن قائل: القول يقع مدلوله في القلب حالاً ولا كذلك العمل فقد يتأخر جزاؤه طويلا ً- لأن الجزاء إذا كان محقق الوقوع يصير كأنه حاصل بالفعل وكل عاقل يقطع بأنه إذا وقع الظلم من الظالم فقد استحق عليه الجزاء ولا يلاحظ مسافة ما بين الظلم وجزائه.
стр. 1465
وأما المباعدة بين أسفارهم التي اقتضاها كفرهم بأنعم الله, فهي كناية عن محو العمران وخراب القرى التي كانت ظاهرة متقاربة حتى لا يبقى منها إلا القليل فيتباعد ذلك القليل بالطبع بخراب الكثير.
وأين العمران المتلاحم الذي يرتاح فيه المسافر لضبط المسافة وتعدد المشاهد من الخراب الذي يوحش فيزيد المسافة بعداً على بعد.
وملكة سبأ وعرشها العظيم وملكها وما قصه القرآن من نبئها أعظم وأروع فمخبر سليمان ﵇ يقول عنها: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ وما وصف عرش ملكة سبأ بالعظيم عند سليمان نبي الله الذي سخر له الجن والريح - إلا وهو في نفسه عظيم.
أيها الإخوان:
إن في قصة ملكة سبأ في القرآن لدرساً تتفجر منه ينابيع العظة والعبرة وإرشاداً إلى ما تقوم به الأمم ولولا أن هذا الخطاب قد طال لآثرنا منها العبر وأثرنا بها العبر. ولكن لا يفوتنا أن نلخص منها إشارات وما عليكم بعد ذلك إلا أن تتدبروا الآية ففيها نظام الشورى صريحاً لا مواربة فيه وفيها أن بناء الأمم إنما يعتمد على القوة وقد تكون مؤنثة فلا بد أن يسندها بأس شديد. وفيها أن الملأ هم الأشراف وأهل الرأي وهم أعضاء المجالس الشورية ولعلهم كانوا بالانتخاب العرفي وهو نظام مدني ولعلهم كانوا بالانتخاب الطبيعي أو الوراثي وهو لا يكون إلا في الأمم التي شبت عن طوق البداوة.
ولعل كاتباً من كتابنا يتناول هذا البحث بحث الانتخاب في الإسلام ولئن استرشد القرآن في هذا الباب ليرشدنه.
стр. 1466
هذه مدنيات ضخمة غيرت في هذه الأمة التي أهلها الله لحمل الرسالة الإلهية إلى العالم وهذه بعض خصائص هذه الأمة التي هيأها الله للنهوض بالعالم وإنقاذه من شرور الوثنية وبنياتها ومن ضلال العبودية بجميع أصنافها. وإن القومية العربية موضوع مترامي الأطراف. وليس من الممكن الإحاطة به في مثل هذا الخطاب. وحسبي أن أكون قد خدمتها من هذه الناحية التي هي خدمة للإسلام والقرآن وعليكم السلام. (١).
стр. 1467
آثار ابن باديس
قسم التراجم
стр. 1468
رجال الإسلام ونساؤه
ش. " هذا باب جديد فتحناه في (الشهاب) أردنا منه أن يطلع القراء على تراجم بعض رجالنا ونسائنا من سلفنا الصالح وما لهم من صفات أكسبهموها الإسلام وما كان منهم من أعمال في سبيله، ففي ذلك ما يثبت القلوب ويعين على التهديب، ويبعث على القدوة، وينفخ روح الحياة وما حيي خلف إلاَّ بحياة سلف، وما حياة السلف إلا بحياة تاريخهم ودوام ذكرهم، ولسنا هنا لتتبع الأخبار واستيعاب الحوادث وإنما نقتصر على ما يحصل أصل القصد، ويفي لأكثر القراء بالغرض، ويبعث همم الطلاب إلى التوسل في هذا العلم، ويبعث رغباتهم إلى الازدياد منه، وليس هذا الباب مقصوراً على قلم تحرير المجلة فلكل كاتب أن يعرض فيه ما عنده من حديث عن رجل أو امرأة من أبناء أو بنات الإسلام. واليوم لما جاء ذكر عبارة بن الصامت وزوجه أم حرام في صدر هذا الجزء فإنا رأينا لهذه المناسبة أفتتاح هذا الباب بذكرهما ﵄".
ــ
стр. 1469
عبادة بن الصامت
﵁
ــ
أنصاري خزرجى من السابقين الأولين. بايع ليلة العقبة وعينه النبي ﵌ بها نقيباً، شهد بدراً وجميع المشاهد بعدها.
ممن جمع القرآن في عهد النبي ﵌ وروى عنه ﵌ كثيراً، فكان بما حفظ من كتاب الله وروى من حديث رسول الله ﵌ فقيهاً في دين الله - ولا والله ما فقه الإسلام ممن لم يفقه الكتاب والسنة، وما كان فقه الصحابة والتابعين وأئمة الدين إلا بالفقه فيهما- ولفقهه بعثه عمر ﵁ ومعاذ وأبا الدرداء إلى أهل الشام يعلمونهم القرآن ويفقهونهم، وهكذا كانو يبعثون الفقهاء لتعليم الناس أمر دينهم وتفقيههم فيه، وهو ما أخدت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على نفسها القيام به، وهو ما قامت النواحي التي تستغل جهل المسلمين تقاومها من أجله- فأقام عبادة بحمص ثم بفلسطين، وبها مات سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنين وسبعين سنة.
كان عبادة قويا في دين الله لا تأخذه في الحق لومة لائم، فكان له مع معاوية - وهو أمير على الشام - مواقف في الإنكار عليه، وكان معاوية يعترف له بالتقدم عليه بالفقه، ثم تبرم منه فشكاه إلى عمر ﵁ وارتحل إلى المدينة فرده عمر إلى الشام وقال له: قبح الله أرضاً لست فيها وأمثالك. وكتب إلى معاوية أن لا إمرة لك على عبادة. كان صلبا في دينه يوالي في الله ويعادي فيه: كان يهود
стр. 1470
بني قنقاع حلفاءه فلما رأى عدواتهم للإسلام وتربصهم بأهله جاء إلى النبي ﵌ فقال له: أن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم، وأتولى الله ورسوله. وكان لعبد الله بن أبيِّ رأس المنافقين من الولاية فيهم مثل ما لعبادة، فبقي على ولايتهم واعتذر من بقائهم على ولائهم بأنه يخاف الدوائر. وفيها نزل قول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ - إقرأ مع هذه الآية قول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فكان عبادة بن صامت أول من سن سنة رفض ولاية موالية لما رأى منهم الشر وتولى الله ورسوله، ومن سن سنة حسنة في الإسلام كان له أجْرُها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، فرحمه الله الهادين المهتدين
стр. 1471
أم حرام بنت ملحان
﵂
ــ
النجارية الأنصارية خالة أنس بن مالك، وأخت أم سليم وزوجة عبادة بن الصامت.
كان النبيُّ ﵌ يكرمها ويزورها في بيتها، وما كان ذلك إلاَّ لكمالٍ في دينها وصلاحها، وقد ظهر أثر هذا الدين والصلاح في مبادرتها لطلب الدعاء من النبي ﵌ أن تكون من الغزاة في البحر لما ذكر لها ما عرض عليه في نومه من أناس من أمته، كالملوك على الأسرة، غزاة في البحر، وعودها إلى الطلب لما ذكر لها مثلهم في المرة الثانية حتى قال لها: أنت من الأولين.
امرأة تسمع بالغزو وفي البحر ولا يهولها الغزو وما فيه من مشقة وما وراءه من القتل، ولا البحر وأهواله وهي امرأة لم تعتد ركوبه ولا تعرف عنه إلاَّ أنه خلق عظيم ذو هول كبير وخطر شديد قريب، لا يقف أمامها لا هذا ولا ذاك، وإنما يقف أمامها ويستولي على نفسها ويحيط برغبتها منزلة الشهادة وما فيها من الأجر والمثوبة، وما وراءها من الخير والكرامة، فتحرص ذلك وتؤكد الطلب، وتعود إليه مرة بعد أخرى، هذا - والله- الإيمان حقاً، والرغبة في العمل الصالح صدقاً وبذل أعز ما عند الإنسان لخالقه في طلب مرضاته.
صدقت أم حرام قولها بفعلها، فلما خرج زوجها مع معاوية لغزو جزيرة قبرص خرجت معه وماتت في تلك الغزاة لما خرجت من البحر ونزلت أرض الجزيرة ودفنت بها. وذكر هشام بن عمار الخطيب المقرئي الثقة أنه رأى قبرها بقبرص ووقف عليه، فرحمة الله عليها من امرأة صالحة ومؤمنة صادقة في نساء المسلمين (١).
стр. 1472
سعد بن الربيع
﵁
ــ
أنصاري خزرجى، شهد بيعة العقبة الأولى والثانية، أحد النقباء الإثني عشر. شهد بدرا واستشهد يوم أحد، كرم اخوته ومراعاته لحقوقها لما قدم النبي ﵌ المدينة آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار لتقوية الرابطة العامة بالرابطة الخاصة فآخى بين سعد بن الربيعة وعبد الرحمن بن عوف. وكان سعد أكثر من الأنصار مالا وكان متزوجاً امرأتين فرأى من حق هذه الأخوة بينه وبين أخيه المهاجري أن يشاطره ما عنده فقال لعبد الرحمن:"إني أكثر الأنصار مالاً فأقسم لك نصف مالي وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها فإذا حلت تزوجتها" فقال له عبد الرحمن: "بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق" (١) فلم يكتف سعد بالنزول لأخيه عن شطر ماله حتى أراد النزول له عن إحدى زوجتيه لأنه يعلم أن الأخوة ليست وصفاً يكفي أن يثبت بالألسنة بل هي رابطة وعقيدة لا تحققها إلا الأفعال وهذه حقيقة الأخوة خاصة كانت أو عامة فالمسلم الذي يشعر بأخوة الإسلام شعوراً صحيحاً ويعتقدها اعتقاداً صادقاً هو الذي يشاطر المسلمين في سرائهم وضرائهم ويشركهم معه فيما عنده من خير بقدر ما استطاع فأما من لم يهتم بأمورهم وقبض يده عن مواساتهم وشح بالفرض والمستحب من الصدقة عليهم فهو كاذب في أخوته جاهل بحقيقة الأخوة وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ
стр. 1473
فِي الدِّينِ﴾. وقال ﵌: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها».
صدق ما عاهد الله عليه:
كان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص وكان هذا الصحابي من أبطال ذلك اليوم وممن أبلوا فيه البلاء الحسن وجاهد حتى سقط مطعوناً باثنتي عشرة طعنة وتفقده رسول الله ﵌ ولم يره في الناس، فقال من يأتني بخبر سعد بن الربيع فقال رجل - هو أبي ابن كعب - أنا، فجعل يطوف بين القتلى فقال له سعد بن الربيع ما شأنك، فقال الرجل: بعثني رسول الله ﵌ لآتيه بخبرك، قال: "إذهب إليه فأقرأه مني السلام وأخبره بأنني طعنت اثنتي عشرة طعنة وإني أنقذت مقاتلي، وأخبر قومك أنهم لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله ﵌ وواحد (١) منهم حي".
فالنبي ﵌ لم ينسه ما هو فيه من مصاب عظيم في ذلك اليوم من تفقد أصحابه وهذا السيد الجليل لم ينسه ما فيه من ألم الجراح وحالة الاحتضار من إبلاغ سلامه للنبي ﵌ ومن النصح لقومه بما عليهم من حفظ رسول الله ﵌ إلى آخر واحد منهم وفاء بما عاهدوه عليه ليلة العقبة.
فالمسلم لا ينسيه ألم يصيبه في سبيل الله ما بقي عليه من الواجبات لدينه ولا يترك النصح حتى في أشد الأحوال ويبذل في سبيل الوفاء على ما عاهد الله عليه نفسه راضياً مغتبطاً.
هكذا كان الصحابة يبذلون في حفظ النبي ﵌ أرواحهم والتابعون لهم من المسلمين هم الذين يبذلون في
стр. 1474
حفظ دينه من بعده كل عزيز فحياته ﵌ في أمته ببقاء دينه فيهم قائماً. والحمد لله أنه لا تزال طائفة قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون (١).
стр. 1475
الحجاج بن عِلاَط
- رضي الله تعالى عنه -
ــ
نسبه: الحاج بن عِلاطَ (ككتاب) السلمي.
إسلامه ووفاته: أسلم عام خيبر وتوفي في أول خلافة عمر ﵁.
مسكنه وإقامته: أقام بالمدينة ثم نزل الشام فسكن حمص.
حاله في الجاهلية: كان تاجراً كثير المال وكان يستخرج الذهب من معادن بني سليم.
حاله في الإسلام: هو أول من بعث إلى الرسول ﵌ بصدقة من معدن بني سليم فما ذخل الإسلام قبله حتى خرج منه ذلك الشح الذي يلازم في الغالب أرباب الأموال فبادر بإرسال صدقة معدنه طائعاً طيبة بها نفسه وهكذا يفعل الإيمان عندما تخالط بشاشته القلوب.
كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أمراء الآفاق أن يبعثوا إليه من كل عمل رجلا من صالحيها فبعثوا أربعة من البصرة والكوفة والشام ومصر، فاتفق أن الأربعة من بني سليم وهم الحجاج بن عِلاَط، وزيد بن الأخنس، مجاشع بن مسعود وأبو الأعور.
فكان الحجاج أحد هؤلاء الأربعة المشهود لهم من عموم أهل أقطارهم بالصلاح خدعه لقريش حتى نجا بماله: لما فتحت خيبر وكان هو قد أسلم خشي (١) أن تسمع قريش بإسلامه فتستولي على