← Джавами‘

Джавами‘ · id 9140

آثار ابن باديس

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (1 804 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

آثار ابن باديس قسم التاريخ

стр. 1402

تبليغ الرسالة تلخيص المحاضرة التي ألقاها صاحب هذه المجلة بنادي الترقي بالعاصمة في حفلة المولد الشريف ــ مقدمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. أيها السادة الحياة ماض ومستقبل وحال. وما أقل حظنا من الحياة لو حظنا منها هو الحال خاصة، ذلك الجزء اليسير من الزمن الذي ما يجيىء حتى يذهب، ولا يثبت حتى يزول، ولكن حظنا من الحياة عظيم بالماضي المديد، والمستقبل البعيد، بالماضي إذا كانت لنا ذكريات نشعر بها، وبالمستقبل إذا كانت لنا آمال نتوق إلى تحقيقها، وإنه- لتتسع حياة الشخص الماضية بقدر ما تمتد ذكرياته في سوالف الأزمان وتمتد آماله في غابرها، حتى يكون كأنه- وهو شخص واحد- قد عاش أعمار الأجيال والأمم من السابقين واللاحقين. فالذكريات والآمال- أيها السادة- هي مقياس الأعمار. ذكريات الشخص وآماله في حياته الخاصة لا تجعله يتجاوز نطاق ما قدر له أن يعيش من أمد محدود قصير جداً بالنسبة إلى عمر

стр. 1403

التاريخ الطويل. ولكن الذكريات والآمال الخارجة عن حياته الشخصية هي التي تجعله كأنه قد عاش الدهور الطوال. فنحن في حفلنا هذا بذكرى المولد النبوي الكريم التي هي الثانية بعد الأربعمائة والألف من ولادة محمد بن عبد الله- ﵌ نشعر بالحياة الإسلامية في هذه القرون كلها حتى كأننا عشناها فعلاً. ونريد أن نحلي شعورنا بهذه الذكرى بذكر ناحية من نواحي حياة هذا النبي الكريم- ﵌ ليبعث فينا العلم بتلك الناحية آمالاً عظيمة في المستقبل الإسلامي القريب والبعيد ويدفعنا إلى تحقيق تلك الآمال بما استطعنا، فنكون كأننا نعيش مع الأجيال الآتية من أبناء الإسلام. المقصد: الرسول- ﵌ جاء بالرسالة من الحق لهداية الخلق فكيف بلغ هاته الرسالة، هاته هي الناحية التي نريد الكلام عليها. فصل علمي: قد بلغ- ﵌ رسالة ربه بالقول والعمل إلى آخر رمق من حياته، وكان تبليغه كما أمره ربه على درجات حسب التدريج الذي هو من سنة الله في خلقه وفي شرعه. الدرجة الأولى الأمر بالتبليغ المطلق: بدأ رسول الله- ﵌ من الوحي بالرؤيا الصادقة التي هي تلقي الروح من عالم الملائكة عند تخليها بعض التخلي عن الجسد في حالة النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق

стр. 1404

الصبح، ثم جاءه الملك بالوحي، فكان أول ما أنزل من القرآن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. ولم يكن في هذا أمر بالتبليغ لغيره. فرجع إلى بيته فأعلم زوجته خديجة رضوان الله عليها فصدقته، وقوته بذكر صفاته العالية وأخلاقه الكريمة الطيبة التي لا يجازي الله صاحبها إلا بالكريم الطيب وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فقالت له: فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فكانت هي أول مصدق له. ثم فتر الوحي، ثم رأى الملك المرة الثانية ولم يكن قد اعتادت بشريته رؤية الملائكة، فرجع إلى أهله يقول لهم: دثروني دثروني! فدثروه أي غطوه بثياب فأنزل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. فكان هذا أول أمر بالتبليغ والإنذار فكان تبليغه لزوجته وهي مصدقة له وكان يبلغ الفرد والفردين وكان أبو بكر الصديق أول من آمن من الناس، وكان علي كرم الله وجهه في كفالته مستمسكا بأذياله ما عرف باتباعه فكان من أول من آمن به. الدرجة الثانية الأمر بتبليغ العشيرة: ثم أمر بإنذار قومه قريش بقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فخرج حتى صعد إلى الصفا ثم نادى يا صباحاه وكانت

стр. 1405

العرب إذا دعا الرجل بياصباحاه اجتمحت إليه عشيرته. فاجتمعت إليه عشيرته، فاجتمعت إليه قريش عن بكرة أبيها، فقال لهم: أرايتكم لو أخبرتهم أن خيلا تخرج من سفح الجبل وأن العدو مصبحكم أو ممسيكم، كنتم مصدقين؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ثم قال: يا آل كعب بن لؤي، يا آل مرة ابن لؤي، يا آل قصي، يا آل عبد شمس، يا آل عبد مناف، يا آل هشم، يا آل عبد الطلب، يا صفية أم الزبير- وهي عمته- يا فاطمة بنت محمد. أنقذوا أنفسهم من النار إني لا أملك لكم من الله شيئا. فكانت هذه دعوته العامة لقومه من قريش. الدرجة الثالثة الأمر بتبليغ العرب حوالي مكة: ثم كان أمره بأن ينذر العرب خارج مكة بمثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج إلى أن كانت بيعة العقبة وإيمان الأنصار. الدرجة الرابعة الأمر بالتبليغ العام لمن في عصره ولمن بعدهم: ثم أمر بالتبليغ العام بمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. فكاتب الملوك خارج جزيرة العرب كسرى وقيصر والقوقس وغيرهم. وقد بلغ من جاء بعده من الأمم بما ترك لهم من كتاب الله لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. أي لأنذركم بالقرآن وأنذر من بلغ القرآن فعم ذلك كله من بلغه.

стр. 1406

فصل عملي: كل من آمن بمحمد- ﵌ فهو مأمور بتبليغ رسالته على الخصوص والعموم، لمقتضى ما نطالب به من التأسي والاقتداء به ﵌ ولقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. فجعل من اتبعه داعيا معه إلى الله على بصيرة. ولقد عرف السلف هذا فكانوا دعاة إلى الله بأقوالهم وأعمالهم المطابقة لها، حتى انتشر الإسلام في أقل من ربع قرن في المعمور. أما نحن فقد قصرنا في هذا الواجب غاية التقصير، فتركنا تبليغ الدين إلى الأمم، حتى لنخشى أن يكون من أوزارنا بقاء الأمم الضالة على ضلالها لتقصيرنا في التبليغ إليها. وأكبر من هذا تقصيرنا في تبليغ الدين إلى أنفسنا بإهمالنا جانب التعليم الديني والوعظ والإرشاد. واليوم وقد عرفنا كيف بلغ النبي- ﵌ رسالة ربه، فلنعقد العزم على الاجتهاد في التبليغ، ولنبدأ بأهلينا ومن إلينا، ولنفكر ثم لنعمل في تبليغ الدين كما جاء به النبي- ﵌ إلى أمة الإجابة وأمة الدعوة. وليكن تفكيرنا في هذا واهتمامنا به ثمرة إحيائنا لهذه الذكرى الكريمة، وعلمنا بهذا النزر من حياة ذلك النبي الكريم، ولنا- بعد عون الله تعالى- من الإيمان والمحبة فيه ما يعيننا على ذلك ويقوي أملنا فيه ويبلغنا إليه. الخاتمة: أيها السادة قد عدنا من هذه الذكرى بمسألة تبليغ الرسالة، وعدنا بأمل تبليغ الهداية، وقد انبثق من هذه الذكرى في صدورنا نور،

стр. 1407

وجددت مننها في قلوبنا قوة. ولن تستطيع ظلمات، ظلم الحياة، وإن كثفت، أن تطفيء ذلك النور، ولن تستطيع نكبات الزمان وإن جلت أن تبطل تلك القوة. أبداننا للأيام فلا بد لها من تصرفاتها. أما قلوبنا فهي لنا، لنا مؤمنة مطمئنة بدين الله ومحبة محمد- ﵌. وأن قلوبا وضعنا فيها اسم الله واسم محمد لهي بمأمن من عمل الظالمين وكيد الخائنين. فجددوا نورها وقوتها بمثل هذه الذكرى، واعملوا لتحقيق ما تحييه فيكم الذكريات من أمل ورجاء، واقصروا أعمالكم وجملوها بالإحسان والتقوى. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١).

стр. 1408

محمد ﵌ - رجل القومية العربية ــ لا يستطيع أن ينفع الناس من أهمل أمر نفسه. فعناية المرء بنفسه- عقلا وروحاً وبدناً- لازمة له ليكون ذا أثر نافع في الناس على منازلهم منه في القرب والبعد، ومثل هذا كل شعب من شعوب البشر لا يستطيع أن ينفع البشرية ما دام مهملا مشتتا لا يهديه علم، ولا يمتنه خلق، ولا يجمعه شعور بنفسه ولا بمقوماته ولا بروابطه. وإنما ينفع المجتمع الإنساني ويؤثر في سيره من كان من الشعوب قد شعر بنفسه فنظر إلى ماضيه وحاله ومستقبله، فأخذ الأصول الثابتة من الماضي. وأصلح من شأنه في الحال، ومد يده لبناء المستقبل يتنأول من زمنه وأمم عصره ما يصلح لبنائه معرضا عما لا حاجة له به أو ما لا يناسب شكل بنائه الذي وضعه على مقتضى ذوقه ومصلحته. فمحمد- ﵌ وهو رسول الإنسانية، كانت أول عنايته موجهة إلى قومه وكانت دعوته على ترتيب حكيم بديع لا يمكن أن يتم إصلاح إنسانيا أو شعبيا إلا بمراعاته. فكان "أول دعوته- ﵌ لعشيرته لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فلما نزلت صعد الصفا ثم نادى «يا صباحاه» - وكان دعوة الجاهلية إذا دعاها الرجل اجتمعت إليه عشيرته- فاجتمعت إليه قريش عن بكرة أبيها، فعمَّ وخصَّ فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أكنتم مصدقي. قالوا ما جربنا

стр. 1409

عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. يا بني كعب ابن لؤي يا بني مرة بن لؤي يا آل عبد شمس يا آل عبد مناف يا آل هشام يا آل عبد المطلب ياصفية يا فاطمة، سلوني من مالي ما شئتم، وأعلموا أن أوليائي يوم القيامة المتقون، فإن تكونوا يوم القيامة مع قرابتكم فذلك. وإياي، لا يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على أعناقكم فأصد بوجهي عنكم فتقولون يا محمد فأقول هكذا - وصرف وجهه إلى الشق الآخر- غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا .. ثم وجه دعوته إلى بقية العرب لقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهم عامة العرب فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج وما يتصل بها من أسواقهم ثم عمم دعوته لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فكاتب ملوك الأمم وقد عمت دعوته العرب وتهيأ أمرهم لعموم دخولهم في الإسلام وكان ذلك أيام هدنته مع قريش قبيل فتح مكة. ثم تجد أكثر السور المكية قد وجه فيها الخطاب إلى قريش وإلى العرب وعولجت فيه مفاسدهم الاجتماعية وضلالاتهم الشركية وما كان منهم من تحريف وتبديل لملة إبراهيم فكان أول الإصلاح متوجها إليهم ومعنيا بهم حتى ينتشلوا من وهدة جهلهم وضلالهم وسوء حالهم وتستنير عقولم وتتطهر نفوسهم وتستقيم أعمالهم فيصلحوا لتبليغ دين الله وهدى رسوله- ﵌ للأمم بالقول والعمل. ثم لأجل أن يشعروا بأن القرآن هو كتاب هداية لهم كلهم وأن الرسول لهم كلهم، أنزل القرآن على سبعة أحرف، فعم جميع لهجاتهم، وكان النبي- ﵌ يخاطبهم بتلك اللهجات وينطق بالكلمات منها ليس من لهجة قريش. وكان في هذا ما أشعرهم بوحدتهم بالتفافهم حول مركز واحد ينتهون كلهم إليه ويشتركون فيه. وقد نبه على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ

стр. 1410

وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ فأخبره أن القرآن شرف له ولقومه- نزل بلغتهم ونهض بهم من كبوتهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور وهيأهم لهداية الأمم وإنقاذها من الهلاك وقيادتها لعزها وسعادتها- وأنهم يسئلون عن هذه النعمة. يقول هذا ليعملوا بالقرآن ويعلموا أن شرفه إنما هو للعالمين. على أن العرب رشحوا لهداية الأمم، وإن الأمم التي تدين بالإسلام وتقبل هدايته ستتكلم بلسان الإسلام وهو لسان العرب فينمو عدد الأمة العربية بنمو عدد من يتكلمون لغتها، ويهتدون مثلها بهدي الإسلام. علم هذا فبيَّن أن من تكلم بلسان العرب فهو عربي وإن لم يتحدر من سلالة العرب، فكان هذا من عنايته بهم لتكثير عددهم لينهضوا بما رشحوا له. بين هذا في حديث رواه ابن عساكر في تاريخ بغداد بسنده عن مالك الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل "يعني النبي ﷺ " فما بال هذا "يعني الفارسي والرومي والحبشي ما يدعوهم إلى نصره وهم ليسوا عربا مثل قومه" فقام إليه معاذ بن جبل- ﵁ فأخذ بتلبيسه "ما على نحره من الثياب" ثم أتى النبي- ﵌ فأخبره بمقالته فقال النبي- ﵌ مغضبا يجر ردائه "لما أعجله من الغضب" حتى أتى المسجد ثم نادى: الصلاة جامعة، ليجتمع الناس"، وقال- ﵌: «أيها الناس، الرب واحد والأب واحد، وأن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنما هي اللسان فمن تكلم بالعربية فهو عربي» فقام معاذ فقال: فما تأمرني بهذا المنافق يا رسول الله؟ قال: «دعه إلى النار» فكان قيس ممن ارتد في الردة فقتل.

стр. 1411

تكاد لا تخلص أمة من الأمم لعرق واحد وتكاد لا تكون أمة من الأمم لا تتكلم بلسان واحد فليس الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوطها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد: ولو وضعت أخوين شقيقين يتكلم كل واحد منهما بلسان وشاهدت ما بينهما من اختلاف نظر وتباين قصد وتباعد تفكير، ثم وضعت شامياً وجزائرياً- مثلا- ينطقان باللسان العربي ورأيت ما بينهما من اتحاد وتقارب في ذلك كله، لو فعلت هذا لأدركت بالمشاهدة الفرق العظيم بين الدم واللغة في توحيد الأمم. فانظر بعد هذا إلى ما قرره هذا النبي الكريم، رسول الإنسانية ورجل القومية العربية، في الحديث المتقدم فقضى بكلمته تلك على العصبية العنصرية الضيقة المفرقة، فنبه على تساوي البشر في أنهم كلهم مخلوقون لله فربهم واحد وأنهم كلهم كل من عنصر واحد فأبوهم آدم واحد، وذكر بأخوة دين الإسلام دين الأخوة البشرية والتسامح الإنساني، ثم قرر قاعدة عظمى من قواعد العمران والاجتماع في تكوين الأمم. ووضع للأمة العربية قانونا دينيا اجتماعيا طبيعيا لتتسع دائرتها لجميع الأمم التي رشحت لدعوتها إلى الإسلام بلغة الإسلام. وقد كان ذلك من أعظم ما سهل نشر الهداية الإسلامية وتقارب عناصر البشرية وامتزاجها بعضها ببعض حتى كان ثمرة اتحادها وتعاونها ذلك التمدن الإسلامي العربي الذي أنار العالم شرقا وغربا، وكان السبب في نهضة الغرب والأساس لمدنية اليوم. وبذلك أيضا كانت الأمة العربية اليوم تجاوز السبعين مليونا عدا لا تخلو منهم قارة من قارات المعمور. كوَّن رسول الإنسانية ورجل القومية العريبة أمته هذا التكوين المحكم العظيم ووجهها لتقوم للإسلام والبشرية بذلك العمل الجليل. فلم يكونها لتستولي على الأمم، ولكن لتنقذهم من سلطة المتسولين

стр. 1412

باسم الملك أو باسم الدين. ولم يكونها لتستخدم الأمم في مصالحها، ولكن لتخدم الأمم في مصالحهم. ولم يكونها لتدوس كرامة الأمم وشرفها ولكن لتنهض بهم من دركات الجهل والذل والفساد، إلى درجات العز والصلاح والكرامة. وبالجملة: لم يكونهم لأنفسهم بل كونهم للبشرية جمعاء. فبحق قال فيهم الفيلسوف العظيم غوستاف لوبون: لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب، نعم لأنهم فتحوا فتح هداية لا فتح استعمار، وجاءوا دعاة سعادة لا طغاة استعباد. هذا هو رسول الإنسانية ورجل القومية العربية الذي كان له الفضل- باذن الله- عليهما ويشهد المنصفون من غير العرب وغير المسلمين له بهذا الفضل ويتغنى العرب غير المسلمين بذكره. وكم دبجت أقلام الكتاب والشعراء من إخواننا نصارى العرب بالشرق من حلل البيان في الثناء عليه والإشادة بفضله. هذا هو رسول الإنسانية ورجل الأمة العربية الذي نهتدي بهديه، ونخدم القومية العربية خدمته، ونوجهها توجيهه، ونحيا لها ونموت عليها، وإن جهل الجاهلون ... وخدع المخدوعون ... واضطرب المضطربون ... وإلى أعتابه الكريمة نتقدم بهذه الكلمة في مولده الشريف، الذي هو عيد الإسلام والعروبة والإنسانية كلها. عاد الله فيه باللطف والرحمة على الجميع (١).

стр. 1413

بين الماضي والحاضر شكوى الجزائر وبلواها منذ ستة وأربعين سنة ــ عثرنا في أوراق عمنا السيد حميدة بن باديس الذي كان نائبا عماليا عن قسنطينة في عهد من حياته، على تقرير عن الحالة بالجزائر في ذلك العهد، حرره هو بلعربية وأمضاه معه زملاؤه بالمجلس العمالي السادة: محمد الطاهر بن الحاج علي معيزة، عمار بن احمد، وذو إمضاء لم أفكه. وترجه م. ميرسي تحت رقم ٢٤٥ ر ١٦ وقدمه لأحد رجال السينا الذي قدم للبحث عن الحالة. ونظرة فيه تدلنا على المظالم الثقيلة التي اثقلت كاهل الأمة من قديم، وعلى اجتهاد رجال من نوابها في ذلك العهد في إظهار حقيقة حالها للحكومة الفرنسية العليا دون مبالاة ولا محاباة، وعلى أن الحالة كانت معلومة عند الحكومة الفرنسية تمام العلم دون حاجة إلى تتابع الوافدين على الجزائر للبحث والتنقيب. وقد رأينا- بمناسبة ما تقوم به لجنة البحث البرلمانية اليوم في الوطن- أن ننشره على القراء كوثيقة تاريخية يعتبرون بها ويقارنون بين الماضي والحاضر. • • • لقد جاءت من فرنسا جماعات وأفراد من وزراء ونواب وكبار موظفين مرات عديدة من ذلك العهد البعيد إلى اليوم. تعاقبوا كلهم على البحث عن الجزائر وحالة المسلمين ولكن بدون جدوى ولا تخفيف للبلوى ولا أدل على ذلك من الحالة التعيسة التي بلغنا إليها اليوم،

стр. 1414

من جهل وفقر وسقم وقهر وظلم وإذلال. لا جرم أن حصل للجزائر- بعد هذا كله- يأس وقنوط من بحث كل باحث ووعد كل واعد، بل ومن الحكومة الفرنسية نفسها. وما رجع للنفوس شيء من الأمل ضئيل إلا يوم جاءت هذه الحكومة الشعبية وأعلنا نحن ثقتنا بها للناس من أول يوم سعينا في تأسيس المؤتمر الإسلامي الجزائري وذلك لما نعرفه في أحزابها من احترام ما، للأمم المرتبطة بفرنسا، واتساع حرية في الفكر والإنسانية، ولما رأينا من أخذها في التفكير في شأننا والحديث عنا. وبتلك الثقة وبذلك الأمل تلقت الأمة الجزائرية لجنة البحث البرلمانية التي تجول اليوم في أنحاء الوطن. وهي- والحق يقال- لجنة ممتازة عن كل لجنة كما امتازت الحكومة الشعبية عن كل حكومة. فقد تقصت في البحث واتصلت بجميع الناس وتباعدت عن المظاهر الإدارية وقابلتها الأمة بكل ما يعينها على مهمتها فأطلعتها على جميع نواحي بؤسها وشقائها. مرتجية فيها أن تطلع فرنسا: شعبها ونوابها وحكومتها على ذلك كله حاثة للجميع على المبادرة بالعلاج الحاسم لتلك الأدواء كلها من جميع النواحي كلها، مبينة للجميع أن كل محأولة للتسكين بغير الدواء الحقيقي لا تزيد الأدواء إلا استفحالا، ولا الحالة إلا ارتباكا واضطرابا إلى عواقب سيئة لا يعلمها إلا الله. • • • وهذا نص المقال الذي ذكرناه: الحمد لله لما بلغنا اشتغال الدولة الفرنسية بتأسيس أمور المسلمين سكان بر الجزائر وإصلاح حالهم وجلب المنفعة لهم ودفع المضار عنهم وتحقق عندنا ذلك بقدوم المعظم السيد فرانك شفو أحد الأعضاء بالسينا لبلدنا

стр. 1415

ودعائه إيانا للحضور لديه بواسطة السيد البريفي وحضرنا نحن وجماعة بيرو الكونساي جنرال وسمعنا ما وقع من الكلام من أولئك السادات وعرفنا من لسان السيد السنتو المذكور المسائل التي نحن مسؤولون عنها ومحتاجون للجواب عليها وطلبنا منه أن يأذن لنا بالجواب عنها بالكتابة وأباح لنا ذلك على سبيل الإطلاق بحيث يمكننا أن نتكلم فيها أو في غيرها من الحقوق وكنا نحن وكلاء على عامة المسلمين سكان عمالة قسنطينة، وكان الواجب بطريق الشرع والسياسة على الوكيل أن يقوم بحق موكله بالجد وغاية الجهد ولا يبالي بقول قائل ولا بلوم لائم، فشرعنا حينئذ في التأمل والتدبر فيما يجب في الجواب عن كل مسألة بكلام مختصر مفيد. ولا شك أن عقول أرباب الدولة الراسخة تفهم شرحه وإيضاحه فنسأل الله- تعالى- الإعانة والإلهام للصواب ونقول المسألة الأولى حال المسلمين مع الكولون الفرانسويين فالجواب عنها أن المسلمين سكان إقليم الجزائر مثلهم كمثل الأغنام التي رعاتها عاجزون عن القيام بها على الوجه الأكمل وسبب ذلك أن الحكام الآن مربوطة أيديهم على صرف الأموال في المصالح العمومية ولا يقدرون أن يحدثوا شيئا إلا بمساعدة وموافقة من أعضاء الديوان العام في العمالة المعبر عنه بالكونساي جنرال وأنه لا يكون فيهم إلا الخمس أو السدس من المسلمين وأن الكثير من الأعضاء الفرنسويين لا يكترثون بعامة المسلمين ولا يبالون بمنافعهم ويعز عليهم صرف المال في مصالح المسلمين الخاصة بهم فلا يكون حينئذ للمسلمين ناصر ولا معين لأن كلمة إخوتهم المسلمين في الكونساي جنرال كل شيء ومع هذا فإن الكونساي جنرال يطلب المرة بعد الأخرى إبعاد المسلمين عنهم وإخراجهم من بينهم. نعم قد يكون بعض الأعضاء الفرانسويين راغبا في مصالح المسلمين ولكن لا يجد سبيلا لذلك لقلتهم بالنسبة لغيرهم وربما لا تسعهم مخالفة إخوانهم، ومثلهم الحاكم فإنه مربوط اليد على التوصل إلى جانب

стр. 1416

المنفعة للمسلمين والأصل في ذلك كله أن الكثير من الكولون سكان إقليم الجزائر ضد المسلمين ولا يحبون لهم إلا الضعف والتلاشي والهلاك ووكلاؤهم في الديوان العمومي يسيرون على حسب غرضهم وقصدهم. وأما الحكام مع كونهم مربوطة أيديهم كما ذكرنا فإذا ظهرت منهم الحمية على المسلمين (١) توجه لهم الكولون بالإذاية والذم في الجرنالات وغيرها فمنهم من يصبر لذلك ومنهم من يتقلق ويكره وظيفته، ويرغب في الرجوع لفرنسا وها نحن نبين سبب حقد بعض الكولون أو الكثير منهم على المسلمين وذلك السبب أمر باطني يعتقدونه في عقولهم ويظنون أن المسلمين منتصبون دائما لإيقاع الإذاية لهم والأضرار بهم في أموالهم أو ذواتهم ويزعمون أن دين الإسلام هو الذي يحرضهم على ذلك وخصوصا القرآن وقد رأينا في بعض الجرنالات كلاما منسوبا لبعض السادات في السينا يوافق ما يعتقده الكولون في جانب المسلمين من أن القرآن يحرضهم على الجد في إذاية الفرنسويين وذلك غلط صراح. أما أولا فإن الركن الأعظم في الدين الإسلامي الصلاة خمس مرات بين اليوم والليلة وهي لا تقام إلا بقراءة القرآن، وإلا تكون باطلة فهذا هو السبب الذي أوجب على المسلمين قراء القرآن وتعليم أولادهم له في الكاتب ليحصلوا بذلك معرفة القلم العربي ومعرفة اللسان العربي الخالص الذي تكتب به الكتب ويتوصلون إلى حفظ القرآان وقراءته في الصلوات. وثانيا فإن دين الإسلام يوجب على المسلمين الوفاء بالعهود وعدم الغدر والمكر وعدم الفساد في الأرض، ولولا خوف الإطالة لجلبنا النصوص الدالة على صدق قولنا من الكتاب والسنة. ومن جملة ما يقوي الحقد في قلوب الكولون أنه مهما تقع من مسلم جناية إلا ويسبون بها جميع جنس المسلمين ويعيرونهم بذلك

стр. 1417

في الجرنالات وغيرهم ولم يتأملوا في أن ما يفعله أصحاب الجنايات المعروفين بالجرأة هو من طبعهم من زمن ولاية الإسلام ومع ذلك فإن كثير ما يصدر منهم يقع على إخوانهم المسلمين. وأيضا فإن الجنايات لا يخلو وقوعها في كل بلد وفي كل أمة والحاصل أن الذي يعتقده المسلمون وخصوصا ذوو الخبرة بأحوال الدول أن الدولة الفرنسوية أشد رفقا وحنانة على رعيتها وأنها تراعي جنس الخليقة الآدمية من غير نظر للمخالفة في الدين أو في الطبيعة وأنها ترغب دائما في تبديل طبيعة أهل الغلاظة وجلبهم إلى التمدن وإتقان الخدمة وحسن العيش والامتزاج والمؤاخاة ولكن لم يتم ذلك المراد لبعضهم عن المسلمين وعدم اطلاعهم على أحوالهم فلو كان الفرنسويون المقيمون بإقليم الجزائر مجتهدين فيما هو غرض للدولة ومساعدون للحكام على صرف الأموال في الأمور التي تصلح حال المسلمين وتخرجهم من الظلمة إلى الضوء وتسدد أحوالهم ولا يبخلون بصرف الأموال في الأسباب التي ينتج منها ما ذكر كاستعمال المدارس ونحو ذلك فلا شك أن قصد الدولة يتم والمرض الذي في المسلمين يزول ويعم الخير والنجاح جميع الناس في أمد قليل فيتخلص مما ذكرنا أن المسلمين إن نالوا خيرا بسبب اجتهاد الحكام وتعبهم في ذلك كما وقع ذلك مرات من بريفي عمالة قسنطينة وخصوصا وقت المسغبة ونزول الجراد فيهم فرحوا واستبشروا وإذا نزل بهم أمر مضر صبروا على مصيبتهم التي تؤديهم إلى الفقر والخصاصة وسوء الحال ولم يجدوا ناصرا (١) كضيق الأرض عليهم وانتزاعها من بعضهم وثقل المغرم عليهم وإجراء الأحكام على من تراخى في دفع المغرم أو عجز بالخطية والحبس على حسب ما يقتضيه قانون لانديجينا وغير ذلك مما يطول شرحه وخصوصا واقعة السكيسطر على التهمة بإيقاد النار من غير حجة قاطعة فينبغي للدولة أن تتنبه لهذه الآمور

стр. 1418

وتتخذ طريقا يتوصل بها المسلمون إلى حقوقهم ويستعملون لهم نوابا في المجالس الكبرى على المنوال الذي يتأتى ويمكن على طريق السداد. ونرغب من السيد السينتور أن يتأمل في البرشور الذي كنا استعملناه في شرح (١) حال العرب في تاريخ الرابع والعشرين من أفريل عام ١٨٨٢ المسألة الثانية إدخال المسلمين جملة في "الناطور اليزاسيون" وإعطاؤهم الحرية الكاملة في اختيار أعضاء النواب عنهم في ديوان العمالة أعني "الكونساي جنرال". الجواب عن هاته المسألة لا يخفى على أحد أن المسلمين وخصوصا سكان البوادي قليلا ما يكون منهم من يدرك المقصود من كل حاجة وما ينتج منها وكثير هم في غاية الجهل والغلاظة حتى أنه إذا أظهر لهم بعض الأفراد بحسب عقله الفاسد أن القصد من هذه الحوادث الإضرار بهم وإفساد دينهم أو غير ذلك رسخت تلك المقالة في أذهانهم وجزموا بها وحصل لهم غاية الخلق بخلاف الناس العقلاء العارفين للأمور فإنهم يعلمون ويتحققون أن قصد الدولة من إدخالهم في "الناطور اليزي" توقيرهم واحترامهم وتسهيل الطريق للتوصل إلى حقوقهم. لكنهم (٢) لا يرغبون في ذلك مراعاة لما يقع من الحلل في مسائل دينية كالميراث والنكاح والطلاق وغير ذلك، فبهذا السبب لا تجد إلا أفرادا قليلة يرغبون في "الناطور اليزي" وأما انتخابهم للنواب عنهم فلا يليق بهم لجهلهم للأمور وكونهم (٣) مربوطين دائما لكبرائهم من حكام أو غيرهم فينتج حينئذ أن اختيار

стр. 1419

النواب يكون على حسب غرض بعض الأفراد لا على حسب غرض العامة وربما يتولد بينهم الهرج (١). والمناقشة فبهذا السبب ينبغي أن يكون أمرهم في ذلك مفوضا لحكام الدولة لأنهم بحسب الجهل الموجود في كثيرهم والاعتماد في أمورهم على رأي غيرهم صاروا كالمحاجير نعم إنما يليق بهم بعد زمان وذلك حين تنتقل طبيعتهم من الغلاظة إلى التمدن لكن ينبغي للدولة أن تزيد في عدد نواب المسلمين في "الكونساي جنرال" وأن تجعل لبعض أولئك النواب مدخلا في مجمع "الكونساي سبريور". وإذا أرادت الدولة الجد في نفع المسلمين فينبغي أن تجعل لهم نوابا (٢) بالقامرة من أبناء جنسهم، إن أمكن أو من الفرنسويين ويكون اختيار النواب الفرنسويين بنظر نواب العامة من المسلمين في الكونساي جنرال مع شخص أو شخصين من أعضاء "الكونساي منسبال" المسلمين يعينهم "الكونساي منسبال" من كل "كمون" وينبغي للدولة إدخال أعضاء "الكونساي منسبال" من المسلمين في اختيار "المير" كما كان الأمر في السابق (٣) لأن "المير" وخصوصا في الفلاجات هو الحاكم في كل شيء وكثير من سكان الكمون هناك مسلمون بأضعاف فكيف يمنعون من اختيار من يليق بهم ويعرف أحوالهم؟ المسألة الثالثة: إلزام المسلمين بالدخول في خدمة العسكر بالجبر على حسب الترتيب الجاري في فرنسا، الجواب عن هاته المسألة أنها ثقيلة على كافة المسلمين لا يرضون بها ويتألمون منها غاية بحسب ما يراعيه ويخممه كل طائفة منهم وخصوصا الجبر والإلزام وحيث يكون الأمر كذلك

стр. 1420

فالأولى والأليق فتح الباب للناس في الدخول في عسكر الطريور فإنه يوجد العدد الكثير ويحصل المقصود بالغرض وطيب النفس. نعم قد جرت العادة أنه إذا احتاج جانب المخزن للإستعداد للحرب في نازلة يطلب من سكان الأعراش الإعانة في ذلك ويعين على كل فريق عددا معلوما فينقادون لذلك بلا كلفة فغالب الظن إذا طلب جانب المخزن من كل عرش عدداً معلوما يحملون السلاح ويتعلمون الحرب والسفر أمدا معلوما فإنهم لا يبخلون بذلك وأيضا فينبغي التأمل في أنه إذا صار أهل البادية كلهم حاملين السلاح ربما تقع منهم بعض الفتن، ولو مع بعضهم بعضاً، ألا ترى أن من جملة عوائدهم الفاسدة إذا تشاجر أحد من عرش مع واحد من عرش آخر قامت الفتنة بين الفريقين وتضاربوا بما يجدونه بأيديهم وربما تقع بينهم الموت فانظر إذا صارت أيديهم عامرة بالسلاح مع هاته الطبيعة. المسألة (١) الرابعة: في ذكر ما نزل بالعرب من الفقر وسوء الحال بسبب انتزاع الأرض منهم وعدم قدرتهم على مفارقتها، والرضى بالبقاء فيها بالكراء الغالي الذي يوقعهم في ضعف الحال وذهاب المال وذلك أن كثير الكونون لا يأخذون الأرض ولا يقدرون على خدمتها والقيام بها وتحصيل الفائدة منها يؤول أمرهم إلى إكرائها إلى العرب بالسعر الذي لا يقدر المكتري على تحصيله وتحصيل معاشه والمغرم اللازم له فيتلاشون ويعجزون عن الحرث ولا يجد رب الأرض لمن يكريها فيبيعها إن أمكنه أو يتركها وينتقل وبهذا السبب لم تتم عمارة "الفلاجات" كما ينبغي، ويوجد كثير أراضيها خاليا والعذر محقق للكولون في العجز عن تعمير الأرض لأن أرضنا وإن كان ترابها جيدا فإنها معدومة الماء إلا في مواضع قليلة وإن الحمى لا تفارق النواحي الكثيرة منها وتضر الذوات التي نبتت الأرض الجيدة الصحيحة

стр. 1421

كأرض فرنسا وبالجملة فكثير أرضنا بالنسبة لقلة الماء كذات بلا روح. المسألة الخامسة في كيفية تمليك أراضي العرش لأربابها وتمكينهم بالعقود الذين يتوصلون بها إلى البيع والرهن وغير ذلك. الجواب عنها أن ذلك الترتيب وإن كان فيه عدل وإنصاف ووفاء بالحقوق لكنه لا يناسب حال الأعراش وما جرت عليه عادتهم من الداخل في بعضهم بعضا والانتفاع بالمرعى مع بعضهم. ولما وقع ما ذكر، أولا: تمزقت أراضيهم ودخلها الأجانب وحصل لهم ضيق في انتفاعهم بأراضيهم ضد ما كانوا عليه سابقا ولا شك أن الأليق بهم لو أبقتهم الدولة على حالهم السابق من الانتفاع بالأرض فقط كالحبس، وليس لهم البيع ويدفعون الحكر الذي هو منزل كالرنط على الكونسيسيون فبذلك يستقيم حالهم ويكونون في غاية الهنا في عيشهم ولا يقدر واحد أن يضر بأخيه، وأما إذا صار هذا يبيع قطعة من ناحية وهذا يبيع قطعة من أخرى انحلت عليهم أبواب الهرج والاختلاط مع من لا يناسب قصده طبيعتهم. وأيضا ففي بقائهم على حالهم منفعة لجانب البايلك من حيث أنهم يدفعون الحكر. المسألة السادسة: قضية الشريعة، الجواب عنها أن الدولة الفرانسوية كانت احترمت شريعة الإسلام وأمرت بإجرائها على أصلها ونصبت القضاة في كل ناحية وضبطت أمورهم بقوانين مؤسسة على أحسن ما يكون وأباحت لمن شاء من المسلمين إعادة النظر في خصومته لدى مجا لس "الطريبو نال" و"الاكور" واستمر الحال على منوال حسن إلى أن برز القانون المؤرخ بسبطامبر سنة ١٨٨٦ فردت خصومات المسلمين إلى "الجوج" على أن يحكم بينهم بمقتضى شريعتهم. ولم يكن ذلك، وصارت الأحكام تقع بين المسلمين على خلاف شريعتهم ولأجل ذلك يقع كثيرا تكسير أحكام الجوج في مجالس "الطريبو نال" إذ تعاد. ومع هذا فلما كانت أشغال الجوج كثيرة ولا ينتصب لحوائج المسلمين إلا مرة في الجمعة ويحتاج في فهمه للقضية بواسطة الترجمان إلى زمان طويل

стр. 1422

ويحتاج أيضا طالب الخصومة إلى المصروف الذي يبلغ في كثير من الأوقات إلى أزيد من الحق الذي يطلبه ويتعطل طالب الخصومة على أشغاله بسبب تردده إلى محل الحكم، وتأجيل خصومته إلى جمعة بعد جمعة، فضاعت الحقوق وصار الناس يأكلون حقوق بعضهم ويقع بينهم بسبب ذلك الحقد والإذاية لبعضهم بعضا. والحاصل أن القانون المذكور أضر بالمسلمين غاية الضرر وخصوصا من جانب إبطال الأسيسورات وعدم تسمية من مات أو عزل وحط درجة من لا زال موجودا من المشاركة في النظر إلى المشورة فقط مع أن "الأجواج" الفرنسويين محتاجون للإستعانة بهم فإذا أمكن الدولة أن تبطل العمل به وتأمر بالعمل بالقانون البارز عام ١٨٦٦ ففي ذلك خير للمسلمين وإن لم يمكن ذلك بدلته ولم تبقه على حاله. ولو تتبعنا شرح المسائل التي أضرت بالمسلمين بسبب القانون المذكور في شريعتهم وقعنا في الإطناب في الكتابة. المسألة السابعة: قضية المغرم على المسلمين، الجواب عنها: لا يخفى على أحد أن المسلمين يدفعون الغرم على طريقين واحدة على حسب عادة الإسلام في الزمان السابق وواحدة على حسب السيرة الجارية بفرنسا ولا شك أن في ذلك ثقل (١) لأن الرجل صار حاملا لحملين وقد حصل للناس ضرر وخصوصا من جانب ما جرى به العمل من أن الرجل ينسب له ما لا يملكه من الحيوان وغيره ويلزم بأداء المغرم عنه وإن عجز أو تراخى عن الدفع يقع عليه الحكم بالخطية والحبس. وآخر ما نختم به كلامنا أن تأسيس إقليم الجزائر مثل بناء قصر عظيم والبناء يحتاج إلى أساس والأساس يحتاج إلى صانع عارف بالبناء ويحتاج إلى الآلات كالجير والحجر والرمل وغيرها. أما الآلات (٢) تيسر العيش للناس ونشر

стр. 1423

العلم والصناعات بينهم ليتحولوا إلى التمدن والرفق بهم والتسوية بين الفريقين فإذا تمت هذه الأمور كمل بناء الأساس ووجب شكر الصانع الذي خدمه وهم الحكام ويكون بعد ذلك تمام القصر وزينته حصول المؤاخاة بين الناس، وصفو الباطن وتمام العافية والرفاهية في العيش. ونرغب من وقف على غلط في شيء مما قلناه فيصفح كما هو شأن الكرام والسلام (١). حرر في العاشر من أفريل عام ١٨٩١م محمد الطاهر بن الحاج علي معيزة حميدة بن باديس عمار بن أحمد

стр. 1424

ثمار العقول والمطابع: محمد عثمان باشا داي الجزائر سنة (١٧٦٦ - ١٧٩١) ــ هذا اسم السفر الجليل الذي ألفه- أخيرا- الأخ الأستاذ أحمد توفيق المدني، لخص فيه تاريخ الجزائر في العصر التركي، وبيَّن حالتها الاجتماعية والأدبية والسياسية بأسلوب بديع جمع الفصاحة والتناسق، وعرض للتاريخ بين دلائل العلم ومناهج الفن، وبروح إسلامية لا تعرف إلا الصدق عربية لا تفارقها العزة والشهامة، وإذا (١) كان "الوطن هو تاريخ الوطن" كما يقول الأستاذ عبد الرحمن صدقي، و"لا حياة لأمة إلا بإحياء ماضيها" كما يقول الدكتور هيكل، فالأخ الأستاذ المدني بكتابه هذا لم يكن كاتبا بليغا ومؤلفا مبدعا ومؤرخاً حكيماً فحسب، بل كان فوق ذلك من خير من بعثوا أوطانا وأحيوا أمماً. إن من جنايات الإستعمار الأوربي على البشرية أنه قلب حقائق التاريخ على الناس فقد صور الأمم التي ابتليت به وأصيبت بشره بصور من الهمجية والوحشية والتأخر والانحطاط لا أبشع منها ذلك ليبرز استيلاءه عليها، ومنَّ عليها بما زرعه فيها من عمران، وإن كان هو المستغل لذلك العمران والمستبد به. فأميركا- مثلا- يصورها الاستعمار ويصور سكانها الأصليين بأقبح الصور حتى هب من أبنائها الأصليين ومن العلماء المنصفين من رد ذلك التصوير وزيفه. وهاك بعضا مما يبين

стр. 1425

لك هذا ذكره الأستاذ محمد كرد علي في آخر كتابه "الإسلام والحضارة العربية" قال الأستاذ: "ذكر أحد الباحثين في جريدة الكوتيدين Le Quotidien الباريسية تحت عنوان (تاريخ الأمم المغلوبة على أمرها لم يكتب) إن المجلس الأعلى لبقايا هنود أمريكا في الولايات المتحدة أرسل إلى شيخ مدينة شيكاغو احتجاجا جاء فيه (إن الكتب الدرسية المستعملة الآن في الولايات المتحدة صورت قبائل الهنود في صورة مخالفة للحقيقة التاريخية) قال الكاتب وليتنا نفكر قليلا فيما كانت عليه أمريكا قبل أن يفتحها كلومبس، ونقرأ ما قصه الفاتحون الأولون وأرباب الرحلات الأقدمون من الأقاصيص الغربية، ونلقي رائد الظرف على المدن القديمة في العالم الجديد وما بلغته عن الإزدهار وما غصت به من المعابد العظيمة التي تضاهي بعظمتها معابد مصر، وتماثيلها العظيمة المحلاة بالذهب، وما كان هناك من متاحف وخزائن كتب ومراصد فلكية. وإذا كتب لنا أن نتوغل في المكسيك ومدينة الماياس في يوكتان ولانكاس في الانو- إذا رأيت كل هذا استنتجت- والدهشة آخذة منك- أن فتح أميركا كان من أعظم جنايات أوروبا" ا. ه. هذا هو نفس ما وقع بالجزائر من تشويه تاريخها وتصويرها في جميع عصورها خصوصا في العصر العثماني- بأقبح الصور في الكتب التي تدرس في المكاتب الفرنسية وتدرس- يا للبلية يا للحسرة لأبنائها! - غير أن الجزائر ليس فيها جمعية تحتج على هذا التشويه الباطل القبيح، بلى: من أبنائها- المثقفين بالإفرنسي طبعا- من ينكر تاريخها جملة ويزعم أن لا شخصية لها. لكن لا يمكن للحقيقة أن تبقى مستورة بالأباطيل فهي كالشمس لا بد أن تظهر ولو توالت أيام الدِّجن والغيوم. فقد جاء الأخ أحمد توفيق المدني بكتابه هذا يبين ما كانت عليه الجزائر من القوة والعمران قبل الاحتلال الفرنسي

стр. 1426

وما أصابها من التخريب والتقتيل أيام الاحتلال وبعيد الاحتلال ناقلا له من كتب ووثائق أفرنسية لا غبار عليها. هذا إلى بيان ما كانت تتمتع به من حرية في دينها وقضائها ولغتها وتعليمها وبيان غير ذلك من أحوالها. لا تتسع هذه الصفحات لعرض كل ما في الكتاب ولكني أقول بكلمة واحدة: (إنه يتحتم على كل مسلم جزائري أن يقرأ هذا الكتاب). وإنك إذا ختمته- أيها المسلم الجزائري- لا بد أن تخرج منه تحب من يجب أن تحب ... وتبغض من يجب أن تبغض ... والحب والبغض سلاحان لازمان في الحياة ولا بقاء لأمة بدونهما إذا استعملتهما في محلهما. وحقيق عليَّ أن أذكر بالإعجاب والسرور المطبعة العربية للأخ الشيخ أبي اليقظان التي أخرجت الكتاب في حلة فنية جذابة تدل على تقدم الجزائر في الفن المطبعي وأن أذكر بالثاء المكتبة المصرية لحضرة محمود نسيم أفندي التي تولت نشره. جازى الله العاملين على نشر العلم وإحياء الأمم بكل إحسان وجميل (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1427

كلمة عن الجامع الأخضر عمره الله ــ الجامع الأخضر أحد الجوامع الثلاثة الجمعية الباقية بعد الاحتلال الفرنسي بقسنطينة. أما مؤسسه فهو حسين بك بن حسين ١١٤٩ - ١١٦٧ه ١٧٣٦ - ١٧٥٤م فحكم البلاد ١٧ عاما مقتفيا أثر سلفه في سياسة التعمير والإنشاء فنظم المدينة وخطط شوارعها وأنشأ منازل رفيعة وبناءات ضخمة لكامل أعيان البلد، وحافظ على توطيد الأمن طيلة مدة حكمه. وكما كان له ولع بالعمارة كانت له عناية فائقة بالعلم (١) فقد وجد في المحفوظات الكتابية إذن صدر منه لعائلة ابن وادفل في تأسيس مدرسة عليا للحقوق بالمسجد الذي أمرهم بتأسيسه في عين فوا. وبني الجامع الأخضر للتعليم كما هو منقوش فوق مدخل بيت الصلاة وهذا نصه: "أمر بتأسيس هذا المسجد العظيم، وتشيبد بنائه للصلاة والتسبيح والتعليم ذو القدر العلي والتدبير الكامل وحسن الرأي، أميرنا وسيدنا حسين باي أدام الله أيامه. وكان تمام بنائه أواخر شهر شعبان سنة ست وخمسين ومائة وألف" ودفن مؤسسه- ﵀ في التربة المجاورة للجامع مع عائلته وبعض العلماء ﵏ أجمعين". والجامع لهذا العهد ليس له مدرس رسمي أما في المهد الماضي

стр. 1428

فلا شئه أنه كان به من يدرس العلم إذ لا شك أن مؤسسه- وقد كان مشهورا بنشر العلم وبنى مسجده للتعلم- لا بد أن يكون أوقف أوقافا للتعليم فيه فاستولت عليها السلطة كما استولت على سائر الأوقاف. أما بداية تعليمي فيه فقد كانت أوائل جمادي الأولى عام ١٢٣٢ه وكان ذلك بسعي من سيدي أبي لدى الحكومة فأذنت لي بالتعليم فيه بعد ما كانت منعتني من التعليم بالجامع الكبير بسعي المفتي في ذلك العهد الشيخ المولود بن الموهوب. وقد يسر الله لنا بفضله القيام بالتعليم فيه إلى اليوم والله نسأل أن يجازي كل من أعاننا فيما قمنا به كل خير وأن ييسر لنا القيام بخدمة العلم فيما بقي من العمر، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين آمين. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين (١). عبد الحميد بن باديس

стр. 1429

فاجعة قسنطينة كتبنا في الجزء الماضي كلمة مختصرة جامعة في هذه الفاجعة وأردنا الاكتفاء بها، لكن كثيرا من قراء الشهاب بقسنطينة وغيرها طلبوا منا أن نكتب الحقائق التي نعلمها بالصدق والصراحة التي تعودوها من مجلتهم فرأينا الصواب فيما طلبوا فعدنا للكتابة في هذا الجزء معتمدين في تصوير الواقع على ما شاهدناه بأنفسنا وما شهده من يكون محل ثقة عندنا. إبتداء الاعتداء: ليلة السبت بينما كان الناس في ميضأة الجامع الأخضر أثر صلاة العشاء ليلة السبت وعددهم نحو الإثني عشر، إذا باليهودي الياهو خليفي يفاجئهم مطلا عليهم من نافذة الميضأة مدعيا عليها كشف العورة عند الوضوء ومبادرا لهم بقوله "نعل دينكم وصلاتكم وجامعكم والكبرا انتاعكم" فأجابه بعض الحاضرين: "نحن لا نكشف عورتنا عند الوضوء وديننا نهانا عن كشف العورة دائما ولا نلوموك (١) لأنك سكران" فاجاب: "لا راني بعقلي وراني عسكري نعـ .... النبي نتاعكم". خرج الناس في غاية الاستياء فأشار عليهم قيم المسجد- لأجل تهدئتهم- بتقديم شكاية للكوميسارية وهي برحبة الصوف أمامهم، فامتثلوا وذهب شرطيان، الزواوي وابن عريوة، ودعا عليه الباب بأنهما من أعوان الشرطة وأن عليه أن يجيب الكوميسارية وأنه لا خوف

стр. 1430

عليه من شيء، فأبى أن يجيبهم (١) بكلمة، ومرت فرقة الجند المتجولة فأعلمها الشرطيان بالواقعة وطلبا منها إخراج الجاني، فأبى من الامتثال لها، كما أبى من الامتثال للشرطة، ففرق الشرطيان الناس وقالا لهم هذا شغلنا فتفرقوا ولم يبق إلا القدر المعتاد في رحبة الصوف وذهبا. بعد ذهابهما وقف اليهودي وزوجته في نافذة محلهما وأخذا في السب مثل السب الأول فأرسل الناس القيم إلى المفتي ليقوم بكف عادية هذا المعتدي بواسطة الحكومة وانتظر الناس المفتي على أحر من الجمر وهم يسمعون في السب من المعتدي. رجع الشرطيان فوجدا الناس متجمهرين، فلما سألاهم لماذا رجعتم قالوا لهما: إنه عاد إلى السب كما تسمعان، وكان هو وزوجته إذ ذاك ما زالا في النافذة على حالهما وكان غيرهما قد شاركهما في السب، وسمع الشرطيان بعض الناس يقول نهجم على داره فذهبا ووقفا عند بابها يحرسانها. في هذه الساعة ابتدأ اليهود المجاورون برمي الكوانين والبيادين فأجابهم المسلمون برمي الحجارة فشرع اليهود في الرمي بالرصاص. أثناء هذا جاء المفتي بعد ما أرسل الناس إليه مرة ثانية من أتوا به أو وجدوه آتيا فوقف يهدي الناس باذلا غاية جهده في ذلك فلم ينفع شيئا وقال له بعض الناس من برودتكم لحقنا هذه الإهانات كلها حتى وصلنا لهذه الحالة. إثر هذا جاء الدكتور جلول وقد كان خارج البلد في معالجة بعض مرضاه فوقف يهدئ الناس، والرصاص مازال ينصب من نوافذ اليهود، واستطاع بعد الجهد الجهيد أن يسكن الناس ويفرقهم وانتهت المصيبة نحو الساعة الثالثة.

стр. 1431

استنتاجات من حوادث هذه الليلة: رغم ما سمعه المسلمون من سب الياهو الأول لدينهم وصلاتهم وجامعهم وكبرائهم لم يهتاجوا وأجابوه بكل تعقل وعذروه بأنه سكران وهذا دليل قطعي على تسامحهم وعدم حملهم لحقد ديني على اليهودي وعدم استعدادهم لفرصة الانتقام. أما هو فإنه نفى عن نفسه السكر واعتز بانه عسكري وأعاد السب بأقبح من الأول. وهذا دليل على أنه كان شاعرا بما يقول ويفعل، وعلى اغتراره بالحرمة العسكرية وعلى قصده إلى المبالغة في الإذاية، والاغترار بالحرمة والقصد إلى المبالغة في الإذاية هما الأمران الشاهدان مات عامة اليهود دائما في معاملتهم للمسلمين. امتثل الناس لقيم المسجد وقدموا شكايتهم للكوميسارية وهذا دليل على أنهم لم يكونوا يريدون أن ينتقموا لأنفسهم وإنما يريدون أن يتوصلوا لحقهم على يد العدالة. إقتناع الياهو المعتدي من إجابة الشرطة ومن إجابة فرقة الجند المتجولة دليل على تمرده حتى على رجال الحكومة المدنية والعسكرية وما تجرأ على هذا إلا لعلمه بأن نازلته مع المسلمين وقد تعود هو وأمثاله أن نوازل تعديهم على المسلمين في الغالب- تكلاصا: تطرح وتهمل. لما فرق الشرطيان الناس تفرقوا وهذا دليل آخر على انقياد الناس لأوامر دائرة حفط الأمن واعتمادهم عليها ودليل آخر على أنهم لم يكونوا يفكرون أن يجعلوا ما وقع من المعتدي سببا للانتقام. بعد عودة اليهودي للسب هو وزوجته من نافذة دارهما لم يفعل المسلمون شيئا غير ارسالهم للمفتي وهذا دليل آخر على ضبطهم

стр. 1432

لعواطفهم وعدم قصدهم للانتقام وتصميمهم على انتظار الإنصاف من طرف الحكومة ودائرة الأمن العام. شارك المعتدي غيره من يهود الحومة في السب بدل أن يكفوه عنه وهذا دليل على الروح المتفشية في عوام طائفته من الاستهانة بالمسلمين والتمالؤ على إذايتهم وعدم احترام الحكومة في ناحيتهم. وقف الشرطيان المسلمان عند باب اليهودي يحرسان داره، وهذا دليل على ما يتحلى به المسلم من احترام واجبه وقيامه به وعلى شدة محافظة أعوان الشرطة المسلمين على الأمن والنظام. رغم ما رأى المسلمون وما سمعوا فقد استمروا ماسكين لأيديهم حتى ابتدأهم اليهود برمي البيادن والكوانين وهذا دليل واضح على تحمل اليهود لمسؤولية الشر بالقول والفعل. استطاع الدكتور جلول بعد ما بذل جهد الأبطال أن يسكن ثائرة الناس وهذا أول مواقفه العظيمة في إطفاء هذه الفتنة وهو دليل على مكانته عند الأمة وعلى حسن استعماله لهذه المكانة في الخير. صبيحة السبت٤ أوت: جئت إلى إدارة الشهاب الساعة الثامنة فعلمت بالواقعة وأعلمت باستدعائي من طرف مدير الشرطة م. فيزرو مثلما استدعي غيري. اجتمعنا عنده فكان مما قال لنا أنني دعوتكم لتعينوني على تنزيل العافية فابتدأته أنا فقلت له: "وترجم عني السيد يحيى أحمد" أن فطرتنا الإسلامية وعقائدنا الدينية واحترامنا لرجال الحكومة كل هذه تحملنا على معاونتكم فيما ذكرتم ولكن بمزيد الأسف أن الدين الذي نهذب به الناس ونربيهم وننزل في قلوبهم الرحمة قد وصلت الإهانة والتعدي إليه ومع ذلك فإننا سنبذل غاية المجهود. ورأى الجماعة أن

стр. 1433

يقابلوا القائم مقام البريفي فطلب لهم الكوميسار مقابلته وذهبنا كلنا إلى دار العمالة. خرج علينا م. لنديل القائم مقام "البريفي" فألقى خطابا طويلا ترجمه السيد عمر بن الموفق، كله تأسف على ما وقع وتوصية بلزوم العافية وتهوين لما كان من اليهودي السكران ووعد بأن العدالة ستقتص منه وبعد ما فرغ من خطابه سأل هل من يريد الكلام فابتدأته أنا فكان مما قلت: أن هذا الاعتداء ليس هو الإعتداء الأول وإننا معشر المسلمين نحب السلم بطبعنا وقد بات مفتينا ونائبنا يهدئان الناس وأن المسلمين لا يستطيعون الصبر دائما على التعدي على أمر دينهم وإننا نستطيع أن نمسك بغضب المسلمين إلا إذا أهينوا في دينهم فإن الأمر حينئذ يصعب علينا وأن اليهودي المعتدي على الجامع إذا كان هو سكران فإن زوجته وجيرانه الذين شاركوه في السب وابتدأوا بالضرب ليسو بسكارى وبينت له أن الشيء الذي جرأ اليهود على هذه التعديات المتكررة هو ما يحملون من السلاح، مع علمهم بأن المسلمين لا سلاح لهم وأنهم ما داموا يحملون السلاح ويطلقون الرصاص لأدنى شيء فإن الشر لا ينتهي وطلبت منه لذلك نزع السلاح منهم فاعتذر بأن هذا لا يمكنه معهم لأنهم "سيطويان" وطلبت منه أن يقوم بتوصيتهم والتأكيد عليهم في كف عامتهم عن الشر فأجاب بأنه يفعل ذلك أو قد فعله. ثم استدعى جماعتهم فيهم أعيانهم ونوابهم وحبرهم وخطب على الجميع بلزوم التسامح والنسيان لما مضى فابتدأته أنا بالكلام فمما قلت له: أن المسامحة الحقيقية لا تكون إلا بعد العتاب الودي المبني على الحقائق الواقعة وتوجهت لمخاطبة الجماعة الإسرائيليين فذكرتهم باعتداءاتهم المتكرر التي من أقربها اعتداء أولادهم على ولد ابن البجاوي من تلامذة "الليسي" حتى كسروا ساقه، وقبيلها اعتداؤهم عليَّ

стр. 1434

وعلى مدير مجلة الشهاب السيد أحمد بوشمال وذكرتهم بمسامحتنا وسترنا للواقعة حتى لا يقع بسببها شر. كل ذلك لما نحن مصممون عليه من منع كل فتنة بين السكان وذكرت لهم أنهم غير ما مرة اجتمعوا مع جماعة المسلمين أمام رجال دار "البريفي" وفي كل مرة تعدون بكف سفهائكم ولكن الاعتمداء يتجدد، فهذا إما لأن عامتكم لا تحترمكم ولا تنقاد إليكم وإما لأنكم أنتم لم تصدقوا في تهدئتهم وكفهم عن الشر وإذا كانت عامتكم لا تنقاد إليكم والحكومة لا تنزع منها السلاح فمن الذي يكفها ويرد عنا شرها؟ انتهى المجلس باعتذارهم عما وقع ووعدهم- كالعادة- بكف سفهائهم، وتصافح الجميع وتصافت الخواطر وخرج المجتمعون كلهم متواعدين على العمل على تنزيل العافية وتوطيد الأمن. مساء السبت: اجتمعت بالدكتور جلول فاتفقنا على أن نخطب في الناس لتهدئتهم، ورأينا وجوب المبادرة بذلك قبل دخول الليل وكان هذا في آخر النهار نحو الخامسة ونصف فأمرنا من نادى في الناس بالاجتماع في الجامع الكبير على الساعة السابعة فما جاءت الساعة السابعة حتى امتلأ الجامع الكبير بالناس من جميع طبقاتهم رغم ضيق ما بين وقت المناداة ووقت الاجتماع وكان الناس في تهيج شديد وتأثر بالغ فقد ضرب اليهود بعض أفراد في ذلك المساء وقبل أن أصعد على كرسي الخطابة نادى جماعة بأن اليهود ما زالوا يحملون السلاح لقتلنا وقد ضربوا وجرحوا في هذا المساء منا فبادرت بالصعود على الكرسي وافتتحت الخطاب واستطعت- بإذن الله- التغلب على تلك العواطف الثائرة، وأظهروا الطاعة والقبول فنزلت عن الكرسي وصعد الدكتور جلول فألقي خطابا مؤثرا فازداد الناس قبولا وخرج ذلك الجمع الذي يقدر بالآلاف هادئا

стр. 1435

مهدئا بعد ما كان متأثرأ هائجا ووقفنا في الطريق العام نفرق الجموع ونطلب منهم أن يذهب كل واحد إلى محله وأن يعلم غيره بما دعوناهم إليه من لزوم الهدوء، وما تفرق الناس حتى أقسمت لهم أنني لا أذهب حتى يذهبوا. وكنا عند الخروج من الجامع قد جاءنا خبر صحيح بجرح ولث صغير مكفول لاحد الناس فاستطعنا- باذن أدثه- ان نقف الخبر عن الانتشار وأن نهدىء من بلغه الخبر وكافل ذلك الصغير. تفرق الناس وخلت منهم الطرقات ونزل الهدوء التام وباتت البلدة في أمن وأمان وسهرت أنا والدكتور جلول وبعض النواب إلى منتصف الليل نتجول في بعض الشوارع فشاهدنا بأنفسنا هدوءاً شاملا للبلدة كلها. استنتاجات من حوادث يوم السبت وليلة الأحد: في قول من قال قبل الشروع في الخطبة "أن اليهود مازالوا يحملون السلاح لقتلنا، وقد ضربوا وجرحوا في هذا المساء منا"، دليل على ما كان لبقاء السلاح عند اليهود من الأثر السيء في إدخال الروع في القلوب مما يقوي في النفس غريزة الدفاع عن الحياة، وعلى ما كان من عود اليهود إلى الضرب الذي فرغ ما عند المسلمين من الصبر عليه. وفي هدوء المسلمين بعد ما سمعوا مني ومن الدكتور جلول دليل على انقيادهم لمن يكون محل ثقتهم وتمسكهم بأسباب العافية حتى في أحرج الأوقات. وكانت ليلة الأحد بتمامها أصدق دليل وأقواه على ذلك. يوم الأحد ٥ أوت: أصبح الناس يوم الأحد على أحسن حال لا فرق بينه وبين سائر

стр. 1436

الأيام وأصبحت المعاملات التجارية بين المسلمين واليهود في سوق الخضر وغيره كعادتها. مررت نحو الثامنة ونصف أمام دار "المير" نازلا إلى باب الوادي، فالتقيت بسي سليم البوليس السري فسألني هل عندكم اجتماع هذه الصبيحة في الصنوبر فأجبته بالنفي وذكرت له أن الإجتماع الذي أردناه قد وقع أمس عشية بالجامع الكبير وأننا اخترنا بالأمس الجامع الكبير ليكون أعون لنا على ضبط الناس وقد حصل مقصودنا من تهدئة الناس باجتماع أمس فلماذا نعقد إجتماعا آخر؟ وكيف يكون في الصنوبر. وصلت إلى إدارة الشهاب نحو الساعة التاسعة فجاء من أخبرني أن بعض الناس اجتمعوا في الصنوبر وقيل لي أن هؤلاء لما سمعوا بالاجتماع ولم يعلموا بوقوعه أمس ظنوا يقع اليوم وبعد نحو ربع ساعة جاء من أعلمني بأنهم افترقوا. نحو الساعة العاشرة ذهبت إلى جمعية التربية والتعليم لألقي محاضرتي على أعضائها فما كدنا نشرع في المحاضرة حتى جاءنا من أخبرنا أن اليهود أطلقوا الرصاص في جهة رحبة الصوف وأن الفتنة قد وقعت وأخذنا إثر ذلك نسمع في طلق الرصاص المرات الكثيرة فمكثنا كلنا بالجمعية إلى الساعة الثانية عشرة، فسرحت التلامذة مثنى وثلاث وأمرتهم بأن لا يصعدوا إلى رحبة الصوف التي كنا نحسب إذ ذاك أن الفتنة قاصرة عليها. ونحو الساعة الواحدة بعد الزوال صعدت إلى دارنا بنهج القصبة محروسا بفرقة من الجند. كيف ابتدأت الفتنة وكيف انتهت: من الشائع المتواتر الذي عرفته حتى الجرائد الباريسية فنشرته جريدة "لاكسيون فرانسيس" أن الفتنة ابتدأت بسبب طلق أبناء

стр. 1437

الزاوي اليهود الرصاص ثم كان اهتياج الناس بقدر ما يتزايد إطلاق الرصاص من اليهود الحاملين السلاح. حضر الدكتور جلول لرحبة الصوف والفتنة على أشدها فدخل المعمعة يهدىء الناس من ناحية ويضمد الجراح من ناحية أخرى وكانت حالة الناس- وهم يسمعون دوي الرصاص ويشاهدون الجرحى يتساقطون منهم- أعظم من أن تهدأ. ومع ذلك فقد استطاع الدكتور جلول أن يرد الناس عن الهجوم على الشارع حومة اليهود ولولاه لكان ذلك الجمع مصبحا اليهود في شارعهم شر صباح. انتشر الخبر في البلد وماجت الأنهج بالناس وكثر ضرب اليهود بالرصاص من النوافذ فانكب الناس على دكاكين اليهود التي كانت مقفلة يوم الأحد يكسرون أبوابها ويمزقون ما فيها من قماش ويهشمون ما فيها من أثاث ويمزقون الأوراق المالية وأطلقوا النار في بعضها وقتلوا نيفا وعشرين نفسا وفرغوا من عملهم نحو الساعة الثانية. استنتاج وتعليل: فتح أسواق الخضر الإسلامية كعادتها، وتعاطى المسلمون البيع والشراء مع اليهود واليهوديات دليل قاطع على أن المسلمين كانوا قد اطمانوا وأمنوا وعلى أنهم ما كانوا عازمين على شيء من الشر لليهود. ابتدأ أبناء الصائغي بضرب الرصاص، ورؤية الناس المسلمين السلاح بيد اليهود والرصاص يتهاطل من نوافذهم وهم لا سلاح لهم بعث فيهم الرعب والحنق فاندفعوا ذلك الإندفاع القوي السريع المحطم. غريزة الدفاع عن النفس فطرية في الإنسان بل في جميع الحيوان فإذا أحس بالخطر فإنه يعمل أعمالا عن غير وعي لا يستطيع أن يعملها لولا ما أحس به من الخطر وما تحرك فيه من غزيرة الدفاع عن النفس

стр. 1438

فقد يجري الإنسان فاراً أمام حيوان يريد افتراسه بمقدار من السرعة لا يستطيعه أبدا في غير تلك الحال فالإنسان الأعزل الذي لا سلاح معه عندما يرى خصمه مسلحا ويشاهد الرصاص منطلقا من سلاحه يحس بخطر محقق داهم فتتحرك فيه غريزة الدفاع عن النفس فينبعث عن غير وعي فينقض على خصمه انقضاض المستميت فربما قضى عليه رغم سلاحه. هذا في الفرد من الناس أما في الجموع منهم فإن المسألة تكون أروع لأن الجماعة لا تعمل عن عاطفة فإذا خافت على أنفسها واندفعت بغريزة الدفاع عنها فإنها تأتي في تلك الحالة بما لا تتصوره العقول. بهذا التقرير العلمي النفسي نعلل ما كان من الجماعة المسلمة العزلاء من السلاح أمام اليهود المسلحين في اندفاعها وما أتت به من أعمال مروعة. ولعلمنا بهذه الحقيقة العلمية النفسية كنا حريصين أمام القائم مقام" البريفي" على نزع السلاح من اليهود، وقد أمرت السلطة أعوانها بنزع السلاح من المارة في الأزقة ولكن بعد فوات الوقت. فالذين قاموا بتلك الأعمال من المسلمين لم يكونوا مندفعين إليها بحقد على اليهود ولا بعامل ديني ولا ببغض جنسي وإنما كانوا مندفعين بغريزة الدفاع عن النفس أمام الخطر المسلح. نعم كان المسلمون يسمعون دائما سب دينهم ونبيهم من اليهود وخصوصا من النساء وكانوا يلقون منهم سوء معاملة خصوصا من النساء في سوق الخضر وكانوا يشعرون بتسلطهم في دوائر الحكومة وعلى رجال بارزين من الساسة الفرنسيين ويعلمون تغلبهم في الوظائف حتى على الفرنسيس أنفسهم وحسبك أن موزعي البريد ببلدة قسنطينة منهم ثلاثون ونيف ومن الفرنسيس خمسة ومن المسلمين واحد ولكن

стр. 1439

هذا كله ما كان ليبعثهم على ما انبعثوا إليه لو لم تتحرك فيهم غريزة الدفاع عن النفس أمام الخطر المسلح. بل كان ذلك كله مما أسكن في قلوبهم الخوف والاستسلام للواقع. قتل من اليهود نيف وعشرون كان منهم خمس نسوة وستة من الصبيان وكان المعتدون لما يشتد الرمي بالرصاص من النوافذ ومن أيدي بعض النساء في بعض الجهات يصعدون للمنازل فيبطشون بمن فيها عن غير تمييز. وكان قتل النساء والصبيان دليلا على أن المعتدين لم يكن اندفاعهم عن عقيدة الإسلام الذي معلوم مشهور عند أهله أنه يحرم قتل النساء والصبيان حتى في الحرب المشروعة وعلى أن تلك الفظاعة هي من آثار الجهل، وتلك الحالة النفسية الخاصة الطارئة، لا من آثار الإسلام. المصائب على الجانبين: إذا كانت دكاكين اليهود قد أصيبت لما أصيبت، فإن دكاكين المسلمين التي في حومة اليهود قد أصيبت كذلك، وإذا كانت خسائرها قليلة فذلك لأنها قليلة ولأنها ضعيفة كأصحابها الضعفاء، بخلاف دكاكين اليهود فقد كانت خسائرها كثيرة لأنها هي كثيرة ولأنها قوية كأصحابهما الأقوياء. وإذا كان القتلى من اليهود نيفا وعشرين ومن المسلمين اثنين فالفضل لمسدسات اليهود التي خانتهم عند الضرب فالمطر الوابل من الرصاص الذي نزل من مسدساتهم ما قصدوا به إلا القتل وإزهاق الأرواح بلا فرق بين من في الأنهج من رجال ونساء وشيوخ وصبيان وجنود، وقد جرحوا بالفعل نحو الأربع من الصبيان، وجرحوا جنديين أو ثلاثة فلو صحت من اليهود في الرمي زنودهم، كما صحت في القتل قصودهم، لكان القتلى من المسلمين- كبارا وصغارا- يعدون

стр. 1440

بالمئات وليس من قصد القتل وارتكب سببه ولم يتم له ما قصد لمانع، دون من قتل بالفعل في الجرم. أما عدد الجرحى فقد تساوى أو تقارب من المسلمين ومنهم فكان من الجانبين نيفا وعشرين وكان كثير من جرحى المسلمين بسلاح الجند مما يدل على أن الجنود وإن لم يطلقوا الرصاص لعدم الإذن لهم بذلك فقد دفعوا الناس بالسلاح الأبيض. ليلة الإثنين ويومها: أعلنت حالة الحصار ومنع المرور بالأنهج إلا بورقة المرور. وفي مساء الإثنين رغبت مني دار "البريفي" بواسطة إنسان له مقام عندي، أن أذهب إلى عين البيضاء لتهدئة الناس. ولما كان هذا من أعمال الخير التي وقفت لها نفسي، أجبت الطلب وصحبني السيد عمر بن الموفق ليباشر هو الناحية الإدارية ورجالها وأباشر أنا ناحية الأمة. ولما وصلنا إلى عين البيضاء في منتصف الليل بقيت السيارة ونزل السيد عمر إلى دار "المير" وبعد نحو ساعة رجع إلي يقول أن بعض النواب يرون أنهم قد قاموا بتهدئة الناس وأن دخول غيرهم ربما يشعر بتقصيرهم هم في واجبهم، فقفلنا راجعين. وقد علمنا بعد ذلك من حوادث عين البيضاء أن شرطيا يهوديا أطلق الرصاص على ولد صغير مسلم أرسله أبوه لشراء الغاز وهذا الولد جيء به إلى مستشفى قسنطينة وتوفي به. وأن النائب العمالي س. بوماليي قدم استعفاءه للبريفي احتجاجا على تكليف غيره بتهدئة الناس. في ليلة الإثنين جدد اليهود اعتداءهم على بيوت الله: يقع مسجد سيدي الكتاني في رحبة سوق المصر في وسط حومة
следующие страницы →