عن كل ما نسبه إليه المبطلون وتخيله المتخيلون، وهو معنى قوله ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾. فهو يدعوهم إلى الله الذي قد عرفوا وجوده بفطرتهم وعرفوا أنه هو خالق الكون وخالقهم، لا يسميه إلا بما سمى به نفسه، ولا يصفه إلا بما وصف به نفسه، ويعرفهم بآثار قدرته ومواقع رحمته ومظاهر حكمته وآيات ربوبيته وألوهيته ووحدانيته في جلاله وسلطانه وينزهه عن المشابهة والمماثلة لشيء من مخلوقاته، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله.
وهذا التنزيه- وإن كان داخلاً في الدعوة إلى الله- فإنه خصص بالذكر لعظم شأنه، فإنه ما عرف الله من شبهه بخلقه أو نسب إليه ما لا يليق بجلاله أو أشرك به سواه. وإن ضلال أكثر الخلق جاءهم من هذه الناحية، فمن أعظم وجوه الدعوة وألزمها تنزيه الله- تعالى- عن الشبيه والشريك وكل ما لا يليق. والمسلمون المتبعون لنبيهم ﷺ في الدعوة إلى الله على بصيرة متبعون له في هذا التنزيه عقداً وقولاً وعملاً واعلاناً ودعوة.
مباحث لفظية:
(سبحان) منصوب بفعل محذوف تقديره، أسبح، أي أنزه. والجملة معطوفة على جملة أدعو، فهي من بيان القبيل.
البراءة من المشركين:
الأمة التي بعث منها النبي ﷺ وهي أول أمة دعاها إلى الله هي الأمة العربية، وهي أمة كانت مشركة تعرف أن الله خلقها ورزقها وتعبد مع ذلك أوثانها، تزعم أنها تقربها إلى الله وتتوسط لها لديه. فكان النبي ﷺ كما يدعو إلى الله وينزهه يعلن ببراءته من المشركين وأنه ليس منهم براءة من عقيدتهم وأقوال وأعمال شركهم، فهو مباين لهم في العقد والقول والعمل مباينة
стр. 177
الضد للضد. فكما باين التوحيد الشرك باين هو المشركين وذلك معنى قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وهذه البراءة والمباينة، وإن كانت مستفادة من أنه يدعو إلى الله وينزهه فإنها نص عليها بالتصريح لتأكيد أمر مباينة المشركين (والبعد عن الشرك بجميع وجوهه وصوره جلية وخفيه) في جميع مظاهر شركهم حتى في صورة القول كما شاء الله وشاء فلان. فلا يقال هكذا ويقال: ثم شاء فلان، كما جاء في حديث بيناه في جزء من الأجزاء الماضية، أو في صورة الفعل، كأن يسوق بقرة أو شاة مثلاً إلى ضريح من الأضرحة ليذبحها عنده فإنه ضلال كما قاله (الشيخ الدرديري في باب النذور). فضلاً عن عقائدهم كاعتقاد أن هنالك ديواناً من عباد الله يتصرف في ملك الله، وأن المذنب لا يدعو الله وإنما يسأل من يعتقد فيه الخير من الأموات، وذلك الميت يدعو له الله.- لتأكيد أمر المباينة للمشركين، في هذا كله نص عليها بالتصريح كما قلنا، وللبعد عن الشرك بجميع وجوهه وصوره جليه وخفيه.
والمباينة والتَّبري لازمة من كل كفر وضلال، وذلك مستفاد من الدعوة إلى الله وتنزيهه. وإنما خصص المشركين لما تقدم، ولأن الشرك هو شر الكفر وأقبحه. ولما كانت هذه المباينة والبراءة داخلة في الدعوة إلى الله وتنزيهه، فالمسلمون المتبعون لنبيهم ﷺ كما يدعون إلى الله على بصيرة وينزهونه، يباينون المشركين في عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم ويطرحون الشرك بجميع وجوهه ويعلنون براءتهم وانتفاعهم من المشركين. والحمد لله رب العالمين (١).
стр. 178
كَيْفَ تَكُونُ الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ وَالدِّفَاعُ عَنْهَا .
"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (١).
ــ
سبيل الرب ﷻ :
شرع الله لعباده بما أنزل من كتابه وما كان من بيان رسوله ما فيه استنارة عقولهم وزكاء نفوسهم واستقامة أعمالهم. وسمَّاه سبيلاً ليلتزموه في جميع مراحل سيرهم في هذه الحياة، ليفضي بهم إلى العناية المقصودة، وهي السعادة الأبدية في الحياة الأخرى. وأضافه إلى نفسه ليعلموا أنه هو وضعه، وأنه لا شيء يوصل إلى رضوانه سواه. وذكر من أسمائه الرب، ليعلموا أنَّ الرب- الذي خلقهم وطورهم ولطف بهم في جميع أطوار خلقهم ومراحل تكوينهم- هو الذي وضع لهم هذه السبيل، لطفاً منه بهم وإحساناً إليهم، لينهجوها في مراحل حياتهم. فكما كان رحيماً بهم في خلقه كان رحيماً بهم في شرعه. فيسيروا فيها عن رغبة ومحبة فيها، ومع شكر له وشوق إليه. وأمر نبيه ﵌ أن يدعو الناس أجمعين- وحذف معمول أدع لإفادة العموم - إلى هذه السبيل فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾.
стр. 179
إهتداء:
أمر الله نبيه ﷺ أن يدعو إلى سبيل ربه، وهو الأمي المعصوم، فما ترك شيئاً من سبيل ربه إلا دعا إليه، فعرفنا بهذا أن ما لم يدع إليه محمد ﷺ فليس من سبيل الرب ﷻ ، فاهتدينا بهذا- وأمثاله كثير- إلى الفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ودعاة الله ودعاة الشيطان. فمن دعا إلى ما دعا إليه النبي ﷺ فهو من دعاة الله، يدعو إلى الحق والهدى، ومن دعا إلى ما لم يدع إليه محمد ﵌ فهو من دعاة الشيطان يدعو إلى الباطل والضلال.
إقتداء:
فالمسلم المتبع للنبي ﷺ لا يألو جهداً في الدعوة إلى كل ما عرف من سبيل ربه. وبقيام كل واحد من المسلمين بهذه الدعوة بما استطاع تتضح السبيل للسالكين، ويعم العلم بها عند المسلمين، وتخلو سبل الباطل على دعاتها من الشياطين.
أركان الدعوة:
أركان الدعوة أربعة: الداعي، وهو النبي:﵌. والمدعو، وهم جميع الناس. والمدعو إليه، وهو سبيل الرب ﷻ . والدعوة إلى سبيله الموصل إليه دعوة إليه، فالمدعو إليه في الحقيقة هو الله تعالى، والبيان عن الدعوة. وتجيء الآيات القرآنية منها ما هو حديث وبيان عن الداعي، ومنها ما هو حديث وبيان عن المدعو إليه، ومنها حديث وبيان عن بيان الدعوة. وتتضمن كل آية جاءت في واحد الذكر أو الإشارة للثلاثة الأخرى، وهذه الآية الكريمة جاءت في بيان كيفية الدعوة، وبماذا تؤدي
стр. 180
وكيف يدافع عنها مع ذكر الدَّاعي والمدعو إليه. فقال تعالى:
﴿بِ الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
الحكمة:
الحكمة هي العلم الصحيح الثابت المثمر للعمل المتقن، المبني على ذلك العلم. فالعقائد الحقة والحقائق العلمية الراسخة في النفس رسوخاً تظهر آثاره على الأقوال والأعمال حكمة. والأعمال المستقيمة والكلمات الطيبة التي أثمرتها تلك العقائد: حكمة، والأخلاق الكريمة كالحلم والأناة وهي علم وعمل نفسي: حكمة. والبيان عن هذا كله بالكلام الواضح الجامع. حكمة، تسمية للدال باسم المدلول.
إستدلال واستنتاج:
في سورة الإسراء ثمان عشرة آية، جمعت أصول الهداية، من قوله تعالى:
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا " إلى: " وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.
وقد تكلمنا عليها في الجزء ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠، من المجلد السادس وقد جمعت تلك الآيات كل ما ذكرنا من العقائد الحقة والحقائق العلمية والأعمال المستقيمة والكلمات الطيبة والأخلاق الكريمة، وسمى الله ذلك كله حكمة فقال تعالى:
﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (١).
стр. 181
وقال النبي ﷺ : "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً" وذلك لأن من الشعر ما فيه بيان عن عقيدة حق أو خلق كريم أو عمل صالح أو علم وتجربة. كشعر أمية ابن أبي الصلت الذي قال فيه النبي ﷺ : كاد أن يسلم، وككلمة لبيد ﵁:
"أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ".
التي قال فيها ﷺ : ((أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ)). فالحكمة- التي أمر الله نبيه ﷺ أن يدعو الناس إلى سبيل ربه بها- هي البيان الجامع الواضح للعقائد بأدلتها، والحقائق ببراهينها، والأخلاق الكريمة بمحاسنها، ومقابح أضدادها، والأعمال الصالحة- من أعمال القلب واللسان والجوارح- بمنافعها ومضار خلافها. وهكذا كان بيانه لهذه الأشياء كلها بما صحَّ من أحاديثه وجوامع كلمه، وهكذا هو بيان القرآن لها كلها حيثما كانت من آياته، فآياته القرآن وأحاديثه ﷺ في بيان هذه الأشياء- البيان المذكور- هما الحكمة التي كان يدعو إلى سبيل ربه بها. وتلك الأشياء كلها أيضاً حكمة، وهي التي كان يعلمها كما في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
فصلى الله عليه وآله وسلم من داع إلى الحكمة بالحكمة ومعلم للحكمة بالحكمة.
إهتداء واقتداء:
هدتنا الآية الكريمة إلى أسلوب الدعوة، وهو الحكمة، وتجلت هذه الحكمة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. فعلينا أن نلتزمها جهدنا حيثما دعونا. ونقتدي بأساليب القرآن والسنة في دعوتنا فبها يحصل الفهم واليقين والفقه في الدين والرغبة في العمل
стр. 182
والدوام عليه. وها نحن قد بلغ الحال بنا إلى ما بلغ إليه من الجهل بحقائق الدين والجمود في فهمه والإعراض عن العمل به والفتور في العمل.
فحق على أهل الدعوة إلى الله- وخصوصاً المعلمين- أن يقاوموا ما بيَّنا من جهل وجمود وإعراض وفتور بالتزام البيان للحقائق العلمية بأدلتها والعقائد ببراهينها والأخلاق بمحاسنها والأعمال بمصالحها. وقد وجد الأخذ بهذه الأساليب القرآنية والحمد لله - وأخذ أثرها- بفضل الله- يظهر في الناس بقدر الأخذ بها، ويوشك أن تتجدد بذلك في المسلمين حياة إن شاء الله.
الموعظة الحسنة:
الوعظ والموعظة الكلام المليِّن للقلب، بما فيه من ترغيب وترهيب، فيحمل السامع إذا اتعظ وقبل الوعظ وأثر فيه على فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه. وقد يطلق على نفس الأمر والنهي.
الإستدلال:
ففي حديث العرباض الذي رواه الترمذي وغيره: وعظنا - رسول الله ﷺ موعظة وجلت- خافت- منها القلوب وذرفت- سالت- منها العيون. فقد خطب فيهم خطبة كان لها هذا الأثر في قلوبهم فهذه حقيقة الموعظة، وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ (١). أي يؤمرون به، وقال تعالى:
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ (٢).
стр. 183
أي ينهاكم. فهذا من إطلاق الوعظ على الأمر والنهي، لأن شأن الأمر والنهي أن يقترن بما يحمل على امتثاله من الترغيب والترهيب.
بماذا تكون الموعظة:
يكون الوعظ بذكر أيام الله في الأمم الخالية، وباليوم الآخر وما يتقدمه وما يكون فيه من مواقف الخلق وعواقبهم ومصيرهم إلى الجنة أو إلى النار، وما في الجنة من نعيم وما في النار من عذاب أليم، وبوعد الله ووعيده. وهذه أكثر ما يكون بها الوعظ ويكون بغيرها كتذكير الإنسان بأحوال نفسه ليعامل غيره بما يجب أن يعامل به وهو من أدق فنون الوعظ وأبلغها مثل قوله تعالى:- وقد نهى أن يقال لمن ألقى السلم لست مؤمناً-. ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (١). وقوله تعالى- وقد أمر بالعفو والصفح-: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
تفريق بالتمثيل:
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٣) هذه حكمة. ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٤)
стр. 184
هذه موعظة، ويقول تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١). هذه أيضاً موعظة. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ (٢) هذه حكمة. ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣). هذه موعظة. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (٤)، هذه حكمة. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (٥) هذه موعظة. وهكذا تمتزج الحسنة بالحكم البالغة في آيات القرآن الكريم فتتبعها في جميع سوره تجدها وتدبرها تقع منها على علوم جمة وأسرار غزيرة.
حسن الموعظة:
الموعظة التي تحصل المقصود منها من ترقيق للقلوب للحمل على الإمتثال لما فيه خير الدنيا والآخرة هي الموعظة الحسنة. وإنما يحصل المقصود منها إذا حسن لفظها بوضوح دلالته على معناها. وحسن معناها بعظيم وقعه في النفوس، فعذبت في الأسماع واستقرت في القلوب وبلغت مبلغها من دواخل النفس البشرية فأثارت الرغبة والرهبة
стр. 185
وبعثت الرجاء والخوف بلا تقنيط من رحمة الله ولا تأمين من مكره وانبعثت عن إيمان ويقين وتأدَّت بحماس وتأثر فتلقتها النفس من النفس وتلقنها القلب من القلب إلا نفساً أحاطت بها الظلمة وقلباً عم عليه الرَّان. عافى الله قلوب المؤمنين.
تطبيق واستدلال:
كل هذا تجده في مواعظ القرآن وفيما صحَّ من مواعظ النبي ﷺ . وكان- ﷺ كما جاء في الصحيح إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت عيناه وانتفخت أوداجه. كأنه منذر جيش يقول صبحكم - أغار عليكم في الصباح- مساكم- أغار عليكم في المساء- وكان يقصر خطبه في بلاغة وإيجاز.
إهتداء واقتداء:
هدتنا الآية الكريمة بمنطوقها ومفهومها إلى أن من الموعظة ما هو حسن وهو الذي تكون به الدعوة، ومنها ما هو ليس بحسن فيجتنب. وبينت مواعظ القرآن ومواعظ النبي ﷺ ذلك الحسن. فعلينا أن نلتزمه لأنه هو الذي تبلغ به الموعظة غايتها وتثمر بإذن الله ثمرتها، وعلينا أن نجتنب كل ما خالفه مما يعدم ثمرة الموعظة، كتعقيد ألفاظها، أو يقلبها إلى ضدِّ المقصود منها، كذكر الآثار الواهية التي فيها أعظم الجزاء على أقل الأعمال.
تحذير:
أكثر الخطباء في الجمعات اليوم في قطرنا يخطبون الناس بخطب معقدة مسجعة طويلة من مخلفات الماضي لا يُراعى فيها شيء من أحوال الحاضر وأمراض السامعين تلقي بترنم وتلحين أو غمغمة وتمطيط، ثم كثيراً ما تختم بالأحاديث المنكرات، أو الموضوعات.
стр. 186
هذه حالة بدعية في شعيرة من أعظم الشعائر الإسلامية سد بها أهلها باباً عظيماً من الخير فتحه الإسلام وعطلوا بها الوعظ والإرشاد، وهو ركن عظيم من أركان الإسلام. فحذار أيها المؤمن من أن تكون مثلهم إذا وقفت خطيباً في الناس، وحذار من أن تترك طريقة القرآن والمواعظ النبوية إلى ما أحدثه المحدثون. ورحم الله أبا الحسن - كرم الله وجهه- فقد قال: (الفقيه كل الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من مكره. ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه).
الجدال بالتي هي أحسن:
لا بد أن يجد داعية الحق معارضة من دُعاة الباطل وأن يلقى منهم مشاغبة بالشبه، واستطالة بالأذى والسفاهة. فيضطر إلى رد باطلهم وإبطال شغبهم ودحض شبههم، وهذا هو جدالهم ومدافعتهم الذي أمر به نبيه ﷺ (وجادلهم).
ولما كان أهل الباطل لا يجدون في تأييد باطلهم إلا الكلمات الباطلة يموهون بها، والكلمات البذيئة القبيحة يتخذون سلاحاً منها، ولا يسلكون في مجادَلتهم إلا الطرق الملتوية المتناقضة، فيتعسفون فيها ويهربون إليها- لما كان هذا شأنهم أمر الله نبيه ﷺ أن يجتنب كلماتهم الباطلة والقبيحة وطرائقهم المتناقضة والملتوية، وأن يلتزم في جدالهم كلمة الحق والكلمات الطيبة البريئة، وأن يسلك في مدافعتهم طريق الرفق والرجاحة والوقار. دون فحش ولا طيش ولا فظاظة، وهذه الطريقة في الجدال هي التي أحسن من غيرها في لفظها ومعناها ومظهرها وتأثيرها وإفضائها للمقصود من إفحام المبطل وجلبه ورد شره عن الناس واطلاعهم على نقصه وسوء قصده. وهذه هي الطريقة التي أمر الله نبيه ﷺ -
стр. 187
بالجدال بها في قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١).
إهتداء واقتداء:
هدتنا الآية الكريمة إلى الطريقة المحمودة المشروعة في الجدال، وفي آيات القرآن بيان لهذه الطريقة البيان التام، فإنه كما لم يترك القرآن عقيدة من عقائد الإسلام إلا بينها وأوضح دليلها ولا أصلاً من أصول أحكامه أو أصول آدابه إلا بينه واحتج له، وذكر حكمته وثمرته، كذلك لم يترك شبهة من شبه الباطل إلاَّ ردها بالطريقة الحسنة التي أمر بها. وجاءت السنة النبوية الكريمة والسيرة المحمدية الشريفة مطبقة لذلك ومنفذة له. فالكتاب والسنة فيهما البيان الكافي الشافي للجدال بالتي هي أحسن، كما فيهما البيان الشافي الكافي للحكمة والموعظة الحسنة.
فعلينا أن نطلب هذا كله من الكتاب والسنة، ونجهد في تتبعه وأخذه واستنباطه منهما، وندأب على العمل بما نجد. والتحلي به والإلتزام له، من هذه الأصول الثلاثة في الدعوة والدفاع عنها.
أحكام وتنزيل:
أمر الله بالدعوة وبالجدال على الوجه المذكور، فكلاهما واجب على المسلمين أن يقوموا به، فكما يجب لسبيل الرب ﷻ أن تعرف بالبيان بالحكمة، وأن تحب بالترغيب بالموعظة الحسنة، كذلك يجب أن يدافع من يصدُّون عنها بالتي هي أحسن. إذ لا قيام لشيء من الحق إلا بهذه الثلاث. غير أنَّ الدَّعوة بوجهيهما والجدال ليستا في منزلة واحدة في القصد والدوام. فإن المقصود بالذات هو
стр. 188
الدعوة وأما الجدال فإنه غير مقصود بالذات وإنما يجب عند وجود المعارض بالشبهة والصادِّ بالباطل عن سبيل الله. فالدعوة بوجهيهما أصل قائم دائم، والجدال يكون عند وجود ما يقتضيه. ولهذا كانت الدعوة بوجهيهما محمودة على كل حال، وكان الجدال مذموماً في بعض الأحوال، وذلك فيما إذا استعمل عند عدم الحاجة إليه، فيكون حينئذ شاغلاً عن الدعوة ومؤدياً- في الأكثر- إلى الفساد والفتنة. فإذا كان جدالاً لمجرد الغلبة والظهور فهو شر كله وأشد شراً منه إذا كان لمدافعة الحق بالباطل، وفي هذه الأقسام الممنوعة جاء مثل قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ (*) ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾. وقوله (١) ﷺ : (ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل). ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٢)
تحذير:
المدافعة والمغالبة من فطرة الإنسان ولهذا كان الإنسان أكثر شيء جدلاً غير أن التربية الدينية هي التي تضبط خلقه وتقوم فطرته فتجعل جداله بالحق عن الحق. فلنحذر من أن يطغى علينا خلق المدافعة والمغالبة فنذهب في الجدل شر مذاهبه وتصير الخصومة لنا خلقاً، ومن صارت الخصومة له خلقاً أصبح يندفع معها في كل شيء ولأدنى شيء، يبالي بحق ولا باطل. وإنما يريد الغلب بأي وجه كان، وهذا هو الذي قال فيه النبي ﷺ : (٣)
стр. 189
إن أبغض الرجال إلى الله الألد (الشديد الخصومة) الخصوم (الكثير الخصومات). ومن ضبط نفسه وراقب ربه لا يجادل إذا جادل إلا عن الحق وبالتي هي أحسن.
(علينا الدعوة والجدال وإلى الله الهدي والضلال، والمجازاة على الأعمال).
الدعوة بوجهيها يجب أن تكون عامة والجدال على وجهه عام مثلها ثم يكون حظ كل أحد من الهدى والضلال على حسب استعداده وقابليته وما سبق عليه أمر ربه وتكون مجازاته على ذلك للخالق الذي هو العالم بمن خرج عن طريقه وأعرض عن هداه وبالذين قبلوا هداه فاهتدوا وساروا في سبيله. والعدل الحقيقي التام في الجزاء إنما يكون ممن يعلم السر والعلن وليس ذلك إلا لله فلا يكون الجزاء على الهدى والضلال من سواه. ولهذا ختمت هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١).
ثمرته:
ثمرة العلم بهذا أن الداعي يدعو ولا ينقطع عن الدعوة، ولو لم يتبعه أحد، لأنه يعلم أن أمر الهدى والضلال إلى الله، وإنما عليه البلاغ. وأنه يصبر على ما يلقى من إعراض وعناد وكيد وأذى دون أن يجازي بالمثل أو يفتر في دعوة من آذاه، لعلمه بأن الذي يجازي إنما هو الله. جعلنا الله والمسلمين من الدعاة إلى سبيله، كما أمر الصابرين المحتسبين أمام من آمن وشكر، ومن جحد وكفر، غير منتظرين إلا جزاءه ولا متَّكِلِين إلا عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل (٢).
стр. 190
آيَةُ اللَّيْلِ وَآيَةُ النَّهَارِ .
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (١).
ــ
لله تعالى في سور القرآن، وعالم الأكوان، آيات بينات دالة على وجوده، وقدرته، وإرادته، وعلمه، وحكمته، ونعم سابغات موجبة لحمده، وشكره، وعبادته.
ولما ذكر تعالى آيته، ونعمته، بالقرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، ذكر آيته ونعمته بالليل والنهار المتعاقبين على هذا الكون الأعظم، فقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا﴾ الآية.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: خلقناهما ووضعناهما آيتين. وجعل الشيء هو وضعه على حالة أو كيفية خاصة، فهما حادثان مسيران بتدبير وتقدير. و ﴿اللَّيْلَ﴾: هو الوقت المظلم الذي يغشى جانباً من الكرة الأرضية عندما تكون الشمس منيرة لجانبها المقابل.
و ﴿النَّهَارَ﴾: هو الوقت الذي يتجلى على جانب الكرة المقابل للشمس فتضيئه بنورها ولا يزالان هكذا متعاقبين على جوانب هذه الكرة وأمكنتها، يكور الليل على النهار بأن يحل محله في جزء من
стр. 191
الكرة- وجزء الكرة مكور- فيكون النهار الحال مكوراً بحكم تكوُّر المحل. وكذلك النهار يكور عليه فيحل محله من الكرة فيكون أيضاً مكوراً بحكم تكوُّر المحل. وإنما جعلنا تكوير أحدهما على الآخر بحلوله في محله لأنه لا يمكن تكويره عليه بحلوله عليه في نفسه لأنهما ضدان لا يجتمعان، وليس جسمين يحل أحدهما على الآخر. والآية: هي العلامة الدَّالة، وكان الليل والنهار ﴿آيَتَيْنِ﴾: بتعاقبهما مقدرين بأوقات متفاوتة بالزيادة والنقص في الطول والقصر على نظام محكم وترتيب بديع، بحسب الفصول الشتوية والصيفية، وبحسب الأمكنة ومناطق الأرض، المناطق الإستوائية والقطبية الشمالية والجنوبية وما بينهما. حتى يكونا في القطبين ليلة ويوماً في السنة، ليلة فيها ستة أشهر هي شتاء القطبين، ويوم فيه ستة أشهر هو صيفهم، فهذا الترتيب والتقدير والتسيير دليل قاطع على وجود خالق حكيم قدير، لطيف خبير.
الليل في نفسه آية، وفيه آيات، وأظهر آياته هو القمر فيقال في القمر ﴿آيَةَ اللَّيْلِ﴾ والنهار في نفسه آية، وفيه آيات، وأظهر آياته هو الشمس، فيقال في الشمس ﴿آيَةَ النَّهَارِ﴾.
وبعد ما ذكر تعالى الليل والنهار آيتين في أنفسهما ذكر أظهر آيات كل واحد منهما وأضافهما إليه. فقال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ ... الخ﴾ وليس محو القمر وإبصار الشمس متأخراً عن الليل والنهار، وكيف؟ وما كان الليل والنهار إلاَّ باعتبار إضاءة الشمس لجانب وعدم إضاءتها لمقابله، فليست الفاء في ﴿فَمَحَوْنَا﴾ للترتيب في الوجود، وإنما هي للترتيب في الذكر وللترتيب في التعقل. فإن القمر والشمس بعض من آيات الليل والنهار، والجزء متأخر في التعقل عن الكل.
وقد اتفق الكاتبون على الآية ممن رأينا على أن المراد من لفظ
стр. 192
الآية في الموضعين واحد، فإما أن يراد بها نفس الليل والنهار، والإضافة في ﴿آيَةَ اللَّيْلِ﴾ و ﴿آيَةَ النَّهَارِ﴾ للتبيين كإضافة العدد للمعدود. أو يراد بها الشمس والقمر فيكون ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ على تقدير مضاف في الأول مقدراً هكذا: وجعلنا الليل والنهار، أو في الأخير مقدراً هكذا: وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين، وأما على تقديرنا المتقدم فإن لفظ ﴿آيَتَيْنِ﴾ صادق على الليل والنهار، ولفظ ﴿آيَةَ اللَّيْلِ﴾ و ﴿آيَةَ النَّهَارِ﴾ صادق على الشمس والقمر، وعليه يكون تقدير الآية هكذا: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا قمر الليل وجعلنا شمس النهار مبصرة، وهو تقدير صحيح لا معارض له من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، وسالم من دعوى تقدير محذوف، ومفيد لكثرة المعنى بأربع آيات: بالليل وقمره والنهار وشمسه، فالتقرير به أولى ولذلك فسرنا الآية عليه.
﴿فَمَحَوْنَا﴾ المحو هو الإزالة: إزالة الكتابة من اللوح، وإزالة الآثار من الديار، فمحو ﴿آيَةَ اللَّيْلِ﴾ إزالة الضوء منها. وهذا يقتضي أنه كيان فيها ضوء ثم أزيل. فتفيد الآية أن القمر كان مضيئاً ثم أزيل ضوؤه فصار مظلماً، وقد تقرر في علم الهيئة أن القمر جرم مظلم يأتيه نوره من الشمس. واتفق علماء الفلك في العصر الحديث بعد الإكتشافات والبحوث العلمية أن جرم القمر- كالأرض- كان منذ أحقاب طويلة وملايين السنين شديد الحمو والحراره ثم برد.
فكانت إضاءته في أزمان حموه وزالت لما برد.
لنقف خاشعين متذكرين أمام معجزة القرآن العلمية. ذلك الكتاب الذي جعله الله حجة لنبيه ﵌ وبرهاناً لدينه على البشر مهما ترقوا في العلم وتقدموا في العرفان.
فإن ظلام جرم القمر لم يكن معروفاً أيام نزول الآية عند الأمم إلا أفراداً قليلين من علماء الفلك. وأن حمو جرمه أولاً وزواله
стр. 193
بالبرود ثانياً ما عرف إلا في هذا العهد الأخير. والذي تلا هذه الآية وأعلن هذه الحقائق العلمية منذ نحو أربعة عشر قرناً- نبي أمي من أمة أمية كانت في ذلك العهد أبعد الأمم عن العلم. فلم يكن ليعلم هذا ويقوله إلا بوحي من الله الذي خلق الخلائق وعلم حقائقها ...
كَفَاكَ بِالْعِلْمِ فِي الأُمِّيِّ مُعْجِزَةً ... فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالتَّأْدِيبِ فِي الْيُتُمِ
﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾.
فقد وضعت كذلك من أول خلقها ﴿مُبْصِرَةً﴾ يبصر بها، والإسناد مجازي، كما تقول: لسان متكلم، أي متكلم به، فيسند الشيء إلى ما يكون به من آلة وسبب. والمبصرون حقيقة هم ذوو الأبصار. ولكنهم لا ينتفعون بأبصارهم إلاَّ في ضوئها ولا ينتفعون بها في الظلام. وإذا كان الضوء يكون من النار فأين ضوء النار من ضوء الشمس في القوة والدوام والعموم.
وكما أفادت الآية زوال نور القمر بعد أن كان بمقتضى لفظة ﴿فَمَحَوْنَا﴾ ومدلولها لغة- فإنها تشير إلى أن نوره مكتسب وتوميء إلى أنه من الشمس، وذلك أنَّنا نرى فيه نوراً مع علمنا أن نوره قد أزيل، فنعلم قطعاً أن ذلك النور ليس منه. وإذا كان مذكوراً مع الشمس المبصرة في الإستدلال والإمتنان، ومعاقباً مصاحباً لها في الظهور فنوره جاءه منها وهي التي أبصرته.
وقدم الليل وآيته على النهار وآيته في ترتيب النظم، لأنه ظلام، والظلام عدم الضوء، والعدم مقدم على الوجود في هذه المخلوقات.
﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾.
стр. 194
ذكر تعالى الليل والنهار وآيتيهما استدلالاً على الخلق ليعرفوه، وذكر ما فيها من النعمة عليهم ليشكروه ويعبدوه. فكانت فائدة خلقها على هذا الوجه واجعة للعباد، ليبتغوا ويطلبوا فضلاً من ربهم بالسعي لتحصيل المعاش وأسباب الحياة ووجوه المنافع. وليضبطوا أوقاتهم بعلم عدد السنين الشمسية والقمرية وما اشتملت عليه السنون من الشهور والأيام والساعات. وليعلموا جنس الحساب الذي منه حساب الشمس وتنقلها في منازلها، وحساب القمر وتنقله في بروجه، وحساب أبعادهما وسعتهما ومسير نورهما، ثم حساب ما يرتبط بهما من أجرام سابحة في الفضاء.
والإبتغاء: هو طلب الشيء بسعي إليه ومحبة فيه. ويسمي - تعالى- طلب أسباب الحياة إبتغاء تنبيهاً على هذا السعي وهذه المحبة، فهما الشرطان اللازمان للفوز بالمطلوب. كما يسمي- تعالى- المطلوب بالإبتغاء فضلاً من الرب، وفضله من رحمته، ورحمته واسعة لا تضبطها حدود ولا تحصرها الأعداد- تنبيهاً على سعة هذا الفضل ليذهب الخلق في جميع نواحيه ويأخذوا بجميع أسبابه مما أذن لهم فيه، وليكونوا - إذا ضاق بهم مذهب- آخذين بمذهب آخر من مالك هذا الفضل الرباني الواسع غير المحصور، وتنبيهاً أيضاً على قوة الرجاء في الحصول، وتنبيهاً أيضاً على قوة الرجاء في الحصول على البغية، لأن طلبهم طلب لفضل رب كريم. ويقول تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ والرب المالك المدبر لمملوكه بالحكمة فيعطيه في كل حال من أحواله ما يليق به ليكون الخلق بعد قيامهم بالعمل راضين بما ييسره الله من أسباب وما يقسمه لهم من رزق ثقة بعدله وحكمته، فلا يبغي أحدٌ على أحد بتعدٍّ أو حسد. فهذه الكلمات القليلة الكثيرة وهي: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
جمعت جميع أصول السعادة في هذه الحياة: بالعمل مع الجدِّ
стр. 195
فيه والمحبة له والرجاء في ثمرته، الذي به قوام العمران. وبالرضا والتسليم للمَوْلى، الذي به طمأنينة القلب وراحة الضمير، وبالكف للقلب واليد عن الناس، الذي به الأمن والسلام.
ويذكر تعالى علم عدد السنين المتضمن لعدد الشهور والأيام والساعات تنبيهاً لخلقه على ضبط الأعمال بالأوقات. فإنَّ نظام الأعمال واطرادها وخفتها والنشاط فيها وقرب انتاجها إنَّما هو بهذا الضبط لها على دقائق الزمان، كما ذكر-تعالى- جنس الحساب تنبيها على لزومه لهذا الضبط ولجميع شؤون الحياة من علم وعمل. فكل العلوم الموصلة إلى هذا العد وهذا الحساب هي وسائل لها حكم مقصدها في الفضل والنفع والترغيب.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾.
فكل ما يحتاج إليه العباد لتحصيل السعادتين من عقائد الحق، وأخلاق الصدق، وأحكام العدل ووجوه الإحسان، كل هذا فُصِّل في القرآن تفصيلاً. كل فصل على غاية البيان والإحكام. وهذا دعاء وترغيب للخلق أن يطلبوا ذلك كله من القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم في العلم والعمل، ويأخذوا منه ويهتدوا به. فهو الغاية التي ما وراءها غاية في الهدى والبيان (١).
..
стр. 196
إِرَادَةُ الدُّنْيَا وَإِرَادَةُ الْآخِرَةِ
"مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ... " (١)
ــ
كل الناس في هذه الحياة حارث وهمام: عامل ومريد، فسفيه ورشيد، وشقي وسعيد.
منهم من يريد بأعماله هذه الدار العاجلة والحياة الدنيا عليها قصر همه، وعلى حظوظها عقد ضميره، جعلها وجهة قصده، ونصبها غاية سعيه، لا يرجو وراءها ثواباً، ولا يخاف عقاباً، فهو مقبل عليها بقلبه وقالبه، معرض عن غيرها بكليته فلا يجيب داعي الله بترغيب ولا ترهيب، ولا يتقيد في سلوكه بشرائع العدل والإحسان.
فمن كان هذه إرادته، وهذا عمله، عجل الله له في الدنيا ما مضى في مشيئته تعالى أن يعجله له، إن كان ممن أراد التعجيل لهم، بحكم إبدال الجار والمجرور في قوله ﴿مَنْ نُرِيدُ﴾ من الجار والمجرور في قوله ﴿عَجَّلْنَا لَهُ﴾ فالتعجيل منه تعالى لمن يريد، لا لكل مريد، والشيء المعجل- في قدره وجنسه ومدته- على ما يشاء الرب المعطي لا على ما يشاء العبد المريد. فكم من مريدي الدنيا من يقصد الشيء فلا ينال إلاَّ بعضه، فيضيع عليه شطر عمله، فلا في هذه
стр. 197
الدار ولا في تلك الدار، وكم منهم من سعى واجتهد وانتهى بالخيبة والحرمان، فعاد- بعد النصب- ولا ثمرة حصلها عاجلاً، ولا ثواباً ادَّخره آجلاً، وذلك هو الخسران المبين.
ثم إذا قدم على الله في الآخرة جعل له وحضر له جهنم دار العذاب، واضطره إلى دُخولها فيصلاها مذموماً: مذكوراً بقبح فعله وسوء صنيعه في قلة شكره لربه، وعدم استعماله لما كان أنعم عليه به في طاعته، وعدم نظره لعاقبة أمره. مدحوراً: مبعداً في أقصى النار مطروداً من الرحمة. حرم نفسه من استثمار رحمة الله في الدنيا بالشكر عليها، فكان عدلاً أن يحرم منها في الآخرة.
ونظير هذه الآية آية " الشورى ": ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (١).
عمل للدنيا فنال نصيبه منها، ولم يعمل للآخرة فلم يكن له نصيب فيها. والتقييد بمن في قوله تعالى ﴿مِنْهَا﴾ على أن ما يناله- سواءً كان كل ما أراد أو بعضه- ما هو إلا بعض من الدنيا، وإذا كانت الدنيا كلها شيئًا زهيداً بقلتها وفنائها ونغصها بالنسبة لأقل شيء من نعيم الآخرة- فما بالك بما هو بعض منها. فلقد خاب وخسر من استبدل بنعيم الآخرة هذا القليل الخسيس المنغص الزهيد.
ونظيرها أيضاً آية " هود ": ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا
стр. 198
النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
وتوفيتهم أعمالهم إنالتهم ثمراتها مكملة في الدنيا، وهم فيها لا يبخسون: لا ينقصون من جزائهم عليها بتحصيل المسببات التي توسلوا إليها بأسبابها. ثم في الآخرة تحبط تلك الأعمال فلا يكون عليها من جزاء ولا لها من ثمرة، لأنها كانت أعمالاً باطلة لا ثبات لها، عمل للدنيا دار الزوال فزالت بزوالها، وبقي على عمالها إثم عدم شكرهم لربهم فيه فدخلوا به النار. وتلك عاقبة الظالمين.
غير أن هاتين الآيتين مطلقتان في الشيء المعطى والشخص المعطى له، وآية "الإسراء" مقيدة بمشيئة الله تعالى وإرادته فيهما. والمطلق محمول على المقيد في البيان والأحكام.
وقد أفادت هذه الآيات كلها أن الأسباب الكونية التي وضعها الله تعالى في هذه الحياة وسائل لمسبباتها- موصلة- بإذن الله تعالى- من تمسك بها إلى ما جعلت وسيلة إليه. بمقتضى أمر الله وتقديره، وسننه في نظام هذه الحياة والكون. ولو كان ذلك المتمسك بها لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا يصدق المرسلين. ومن مقتضى هذا أن من أهمل تلك الأسباب الكونية التقديرية الإلهية ولم يأخذ بها لم ينل مسبباتها ولو كان من المؤمنين، وهذا معلوم ومشاهد من تاريخ البشر في ماضيهم وحاضرهم. نعم لا يضيع على المؤمن أجر إيمانه، ولكن جزاءه عليه في غير هاته الدار، كما أن الآخر لم يضع عليه أخذه بالأسباب، فنال جزاءه في دار الأسباب وليس له في الآخرة إلاَّ النار.
ف العباد- إذاً- على أربعة أقسام:
стр. 199
١ - مؤمن آخذ بالأسباب الدنيوية، فهذا سعيد في الدنيا والآخرة.
٢ - ودهريٌّ تارك لها، فهذا شقى فيهما.
٣ - ومؤمن تارك للأسباب، فهذا شقى فى الدنيا وينجو- بعد المؤاخذة على الترك- في الآخرة.
٤ - ودهريٌّ آخذ بالأسباب الدنيوية، هذا سعيد فى الدنيا ويكون في الآخرة من الهالكين.
فلا يفتنن المسلمون بعد علم هذا ما يرونه من حالهم وحال من لا يدين دينهم. فإنه لم يكن تأخرهم لإيمانهم، بل بترك الأخذ بالأسباب الذي هو من ضعف إيمانهم. ولم يتقدم غيرهم بعدم إيمانهم بل بأخذهم بأسباب التقدم في الحياة. وقد علموا أنهم مضت عليهم أحقاب وهم من أهل القسم الأول بإيمانهم وأعمالهم. وما صاروا من أهل القسم الثالث إلا لما ضعف إيمانهم وساءت أعمالهم وكثر إهمالهم .. فلا لوم إذاً- إلا عليهم في كل ما يصيبهم، وربك يقضي بالحق وهو الفتاح العليم.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (١).
وهذا قسم آخر من الخلق، قصد بعمله الآخرة وإياها طلب، وثوابها انتظر، يرجو أن يزحزح فيها عن النار ويفوز بالجنة ويحل عليه الرضوان. ف هذا كان سعيه مشكوراً بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يقصد بعمله ثواب الآخرة قصداً مخلصاً. كما يفيده فعل الإرادة في ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ ولام الأجل في ﴿وَسَعَى لَهَا﴾.
стр. 200
الشرط الثاني: أن يعمل لها المعروف في الشرع اللائق بها الذي لا عمل يفضي إلى نيل ثوابها سواه، وهو طاعة الله تعالى وتقواه بامتثال أوامره ونواهيه والوقوف عند حدوده.
الشرط الثالث: أن يكون مؤمناً موقناً بثواب الله تعالى وعظيم جزائه. فإذا توفرت هذه الشروط الثلاثة لهم ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ متقبلاً مثاباً عليه بحسن الثناء وجميل الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة
﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
وإذا اختل واحد منها فليس العمل بمتقبل ولا بمثاب عليه بضرورة انعدام المشروط بانعدام شرطه.
و في هذه الشروط مباحث:
المبحث الأول:
إن قصد الثواب والجزاء على العمل لا ينافي الإخلاص فيه لله. لأنَّ الإخلاص هو أن تجعل عبادتك لله وحده، ورجاؤك الثواب وطمعك فيه، وحذرك العقاب وخوفك منه. هما مقامان عظيمان لك في جملة عبادتك. يجب عليك أن تكون فيهما أيضاً مخلصاً. لا ترجو إلا ثوابه، ولا تخاف إلا عقابه، وإذا أخلصت في رجائك وخوفك هانت عليك نفسك فقمت في طاعته مجاهداً لا يردك معارض ولا تأخذك في الله لومة لائم، وصغرت في نظرك العوالم كلها فنطقت بقولك ﴿الله أكبر﴾ نطق عالم واجد مشاهد. والمقصود أن رجاء الثواب، وخوف العقاب، روحهما الإخلاص، فكيف ينافيانه؟ فالعامل الراجي للثواب الخائف من العقاب، المخلص في الجميع آب
стр. 201
بأربع عبادات: عمله، ورجائه، وخوفه، وإخلاصه وهو روح الجميع.
وقد جاء في القرآن ثناء شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل عليه وعليهم الصلاة والسلام هكذا:
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١). وذكر تعالى دعاء عباد الرحمن الصالحين هكذا: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ (٢).
وفي دعاء القنوت: «نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخَافُ عَذَابَكَ الجِدَّ».
إلى غير هذا من أدلة كثيرة تؤيد ما ذكرنا ..
المبحث الثاني:
أفاد هذا الشرط أن من لم يرد الآخرة لم يكن سعيه مشكوراً، وفي هذا تفصيل، لأن العامل إما يكون في عبادته لم يرد بها الآخرة أصلاً، بل أراد بها شيئاً دنيوياً من محمدة الخلق أو استفادة شيء أو تحصيل منفعة العمل. أو أراد الآخرة وشيئاً مما ذكر شركة متساوية أو متفاوتة. وإما أنْ يكون في عمل عادة لم يرد بها الآخرة أصلاً بل أراد الغرض الدنيوي، أو أرادهما معاً، والدنيوي وسيلة للأخرى فهنالك- إذاً- أقسام:
القسم الأول:
العامل في أمر تعبدي كالصلاة والصدقة والحج والعلم، فهذا إذا لم يرد الآخرة أصلاً فهو موزور غير مشكور. وفيه جاء حديث
стр. 202
أبي هريرة في الصحيح قال: "سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إِنَّ أولَ النَّاسِ يُقْضَى يومَ القيامةِ عليه: رجلٌ استُشْهِدَ، فأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفهُ نِعَمَهُ، فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشْهِدتُ، فقال: كذبتَ، ولكنكَ قاتلتَ لأن يقالَ: جَرِيءٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فَسُحِبَ على وَجْهِهِ، حتى أُلقيَ في النَّارِ. ورجلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وقرأَ القرآن، فَأُتيَ به، فعرَّفهُ نِعَمَهُ فَعرفَهَا، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تَعلَّمْتُ العِلْمَ وعلَّمْتُهُ، وقرأْتُ فيكَ القرآنَ، قال: كذبتَ، ولكنكَ تعلَّمْتَ العلم ليقال: عالمٌ، وقرأتَ القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ به، فَسُحِبَ على وجهه، حتى أُلقيَ في النَّارِ، ورجلٌ وسَّعَ اللهُ عليه، وأَعطَاهُ من أَصنافِ المال كُلِّهِ، فأُتيَ بِهِ فعرَّفهَ نِعَمه، فعرفها، قال: فما عَمِلْت فيها؟ قال: ما تَركتُ من سبيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنفَق فيها إِلا أَنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنكَ فعلت ليُقَال: هو جَوادٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهه ثم أُلقيَ في النَّارِ" وهذا الذي كان من هؤلاء هو الرياء، وهو أن يفعل العبادة ليقال إنه مطيع. ومهما دخل الرياء في عبادة إلا أحبطها، ولو كان قليلاً، لحديث أبي هريرة في الصحيح قال رسول الله ﷺ : قال الله ﵎: ((أنا أغنى الشركاء عن شرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) وإشراك غيره معه صادق بالقليل والكثير فلا فرق بينهما في الإحباط. والعامل المرائي موزور غير مشكور.
القسم الثاني:
العامل في العبادة الذي قصد بها ثواب الآخرة وشيئاً آخر من أعراض الدنيا "كالرجل يبتغي الجهاد وهو يريد من عرض الدنيا" وقد سئل النبي ﷺ عن هذا فقال: لا أجر له. رواه أبو داوود وابن حبان. وعلى وزانه نقول: من قصد الهجرة والتزوج بامرأة معاً، أو قصد الوضوء والتبرد، أو قصد الصوم والحمية- وإن صحت عبادته. لأن الصحة تتوقف على نية القصد،
стр. 203
والثواب يستوقف على نية الإخلاص- لا أجر له. هذا إذا سوى ما بينهما في القصد كما هو ظاهر لفظ الحديث. وأما إذا كان الغالب هو قصد العبادة فالظاهر أنَّه له من الأجر بقدر ما غلب من قصده.
القسم الثالث:
العامل في العبادة الذي يكون قصده إلى ثواب الآخرة، وما عداه من منافع تلك العبادة ملحوظ له على سبيل التبع لها، من حيث أنه مصلحة شرعية معتبرة في التشريع. والأحكام الشرعية المعللة بفوائدها في الآيات والأحاديث لا تحصى كثرة ومنها في الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (١).
ومن منافع الحج الحركة الإقتصادية لخير تلك البقاع ومصلحة أهلها وغزارة عمرانها، ولذا قال تعالى:
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢) والفضل هو الإتجار في مواسم الحج. فكل منفعة تجلبها عبادة أو مضرة تدفعها فملاحظتها عند قصد العبادة لا تنافي الإخلاص ولا تنقص من أجر العامل، وهي مثل الثواب المرتب على العمل. هي في الدنيا وهو في الآخرة وكلاهما من رحمة الله التي نرجوها بأعمالنا، ويشملها لفظ دعاء القنوت: «نرجو رحمتك» إذ هو ﵎ رحمان الدنيا والآخرة ورحيمها.
القسم الرابع:
العامل لعمل عادي دنيوي من أكل وشرب ونوم وجماع ونحوها، فهذا إذا قصد بعملها النفع الدنيوي، ولا قصد له في الثواب، فهو غير مأجور ولا مأزور. وهذه هي حالة أهل الغفلة والجهل.
стр. 204
القسم الخامس:
عامل الأعمال العادية الذي يتناولها بنية كونها مباحاً تناولها شرعاً بها التوسل إلى ما يتوقف عليها من أعمال واجبة ومندوبة، وإلى الإنكفاف بها عن المحرمات والمكروهات. كمباضعة زوجته للقيام بواجب حقها، وكف نفسه وكفها، وكالنوم ليقوى على العبادة، والرياضة ليصح للطاعة، فهذا مثاب وسعيه مشكور. وله ما نوى. وبهذه السبيل يستطيع العبد الموفق أن تكون حركته وسكناته كلها لله، وفي طاعته، دائم الذكر له يعبده كأنه يراه. لأن من كان يعبد كأنه يرى مولاه، لا يمكن أن يغفل عنه قلبه ويشتغل بسواه، حتى إذا اشتغل بشيء كان بإذنه ورضاه، فلم يخرج في أي عن حضرة قدس الله. ومن أدلة هذا قوله- ﵌ في حديث أبي ذر ﵁ عند مسلم: ((وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)).
المبحث الثالث:
من الناس من يخترع أعمالاً من عند نفسه ويتقرب بها إلى الله، مثل ما اخترع المشركون عبادة الأوثان بدعائها، والذبح عليها والخضوع لديها، وانتظار قضاء الحوائج منها، وهم يعلمون أنها مخلوقة لله مملوكة له، وإنما يعبدونها- كما قالوا- لتقربهم إلى الله زلفى. وكما اخترع طوائف من الهنود أنواع التعذيب بقتل أنفسهم وإحراقها طاعة- زعموا- وتقرباً، وكما اخترع طوائف من المسلمين الرقص والزمر والطواف حول القبور والنذر لها والذبح عندها ونداء أصحابها وتقبيل أحجارها ونصب التوابيت عليها وحرق البخور عندها وصب العطور عليها. فكل هذه الإختراعات فاسدة في نفسها لأنها ليست من سعي الآخرة الذي كان يسعاه محمد - صلى الله
стр. 205
عليه وآله وسلم - وأصحابه من بعده، فساعيها موزور غير مشكور.
المبحث الرابع:
شكر الرب لعبده هو جزاء شكر عبده له، وإنما يكون العبد شاكراً لربه إذا كان عاملاً بطاعته مؤمنا به. فإذا انعدم الإيمان لم يتصور شكران، وهذا مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وأفادت الجملة الإسمية ثبوت الإيمان ورسوخه حال العمل، وعلى قدر ثبوت الإيمان ورسوخه يكون الثبات والدوام على الأعمال. فالمؤمن بالله يعمل موقناً برضاه، موقناً بلقائه وعظيم جزائه، فهو يعمل ولا يفشل. وسواء عليه أَوَصَلَ إلى الغاية التي يسعى إليها أم لم يصل إليها حال بينه وبينها موانع الدنيا أو مانع الموت كانت مما تجنى ثماره في جيله أو لا تجنى ثماره إلا بعد أجيال. فأفادت الجملة المذكورة شرط القبول للعمل، وسر الدوام عليه والمضي بغبطة وسرور فيه.
إمكان العمل بالآية لجميع المسلمين:
خاتمة:
إن المسلمين كلهم- والحمد لله أهل إيمان فليستشعروه عند جميع الأعمال ولا يخلون من عمل لمعاشهم أو لمعادهم، فليقصدوا بذلك كله وجه الله وامتثال أمره وحسن جزائه. وليقتصروا في عبادتهم على ما ثبت عن رسول الله- ﵌ ليكونوا على يقين من موافقة رضى الله وسلوك طريق النجاة. فإذا فعلوا هذا وصمدوا إليه وجاهدوا أنفسهم في حملها عليه كانوا شاكرين مشكورين على تفاوتهم في منازل العاملين عند رب العالمين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (١).
стр. 206
عُمُومُ النَّوَالِ مِنَ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ
﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ... ﴾ (١).
ــ
إن هذه الموجودات كلها، علويها وسفليها، مشمولة برحمة الله، مغمورة بنعمته. وأول تلك النعم هو وجودها، وذلك الوجود من مقتضى الرحمة. ثم تتنوع تلك النعم الرحمانية بتنوع أجناس الموجودات وأنواعها وأصنافها وأفرادها، وتتفاوت أيضاً حسب ذلك. وينال كلٌ حظه منها بتقدير الحكيم العليم. ومن مظاهر هذه الرحمة العامة أن كلَّ موجود قد أعطي من التكوين ما يناسب وجوده وما يتوقف عليه بقاؤه أو ارتقاؤه، سواء أكان من عالم الجماد أو عالم النبات أو عالم الحيوان.
وقد مضى قبل هذه الآية ذكر مريدي العاجلة الذين لا يعملون إلاَّ لها، وما أعد لهم من عذاب النار. وذكر مريدي الآخرة بأعمالهم في الدنيا وما أُعِدَّ لهم من حسن الجزاء. فحالتهم في الآخرة متباينة: هؤلاء في النعيم المقيم، وأولئك في العذاب الأليم، هذا في الآخرة، وأما في الدنيا فإنهم قد أُعْطُوا من نعم الحياة ومكنوا من أسبابها فقد تساووا في الخلقة البشرية، وفي العقل المميز المفكر، وفي الإرادة الحرة. وقد أظلتهم السماء، وأصابتم نعمة الشمس والقمر والكواكب وما ينزل من السماء، وقد أقلتهم الأرض، وشملتهم
стр. 207
نعمة الهواء والماء والغذاء والدواء من النبات والحيوان والجماد وكل ما يخرج من الأرض. وشاهدوا كلهم آيات الله الكونية الدالة عليه، وجاءتهم كلهم رسل الله بآياته السمعية داعية إليه. فاختار كل بعقله - وهو حر في إرادته حرية لا يمكن لأحد أن يكابر فيها- ما اختار لنفسه. وحجة الله بما تقدم قائمة عليه. وبقوا بعد ذلك الإختيار الذي اختلفت به منازلهم عند الله فيما أعد لهم يوم لقائه- سواء، في تلك النعم الدنيوية والتمكن من أسباب بقائها والتقدم فيها. لا فرق في ذلك بين بر وفاجر، ومؤمن وكافر، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ وليس الله تعالى مانعا ًكافراً لكفره أو عاصياً لعصيانه من هذه الحياة وأسبابها، وليس أحد على منع ما لم يمنعه الله بقادر. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ والحظر المنع والمحظور الممنوع، وتركيب الآية يفيد أن عطاء الربِّ لا يمنع ولا يجوز أن يمنع، لأن من مقتضى ربوبيته دوام عطائه ومدده لعموم خلقه بعلمه وحكمته.
وقدم المفعول وهو ﴿كُلًّا﴾ رداً على من يعتقد أن الله تعالى يمد بعضاً دون بعض. وفيه إيجاز بالحذف، والأصل كلا الفريقين، يعني فريق مريدي العاجلة ومريدي الآخرة، و ﴿نُمِدُّ﴾ من الإمداد وهو المواصلة بالشيء، وذلك الشيء يسمى مدداً. وأصل المد البسط للشيء، فيستطيل ويتسع، ومنه مد يده ومدَّ شبكته، ومنه مد الله لك أسباب السعادة، أي بسطها ووسعها، والإمداد بالشيء والمواصلة به يكون به دوام فائدته وامتداد النفع به. والخلق كلهم في حاجة دائمة وفاقة مستمرة إلى مدد الله وعطائه وأنواع بره وإحسانه. وهو ﵎ لا يزال يواصلهم في كل لحظة من وجودهم بما يحتاجون إليه من فيض عطائه. وأضاف العطاء للرب
стр. 208
لأنه من مقتضى ربوبيته بتكوينه للخلق وتطويرهم وإعطائهم ما يحفظهم في تلك الأطوار، وأضاف الرب إلى ضمير المخاطب، وهو النبي ﵌ لتشريفه بهذه الإضافة. ولما تشرف بهذه الإضافة الربانية. والرب ﷻ قد مضى من وصفه في الآية أنه عام الرحمة والنعمة والنوال- فمن شكر نعمة هذا الشرف أن يتخلق العبد وهو محمد ﵌ بما هو من مقتضى وصف ربه. هذا من فوائد هذه الإضافة في هذا المقام. وقد كان- ﵌ رحمة للعالمين، شديد الشفقة على الخلق أجمعين، حريصاً على هدايتهم إلى الصراط المستقيم. حتى خاطبه ربه بقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (١) أي قاتل نفسك غماً لعدم إيمانهم. وكان أساس شرعه على العدل، والإحسان العدل مع كل واحد، والإحسان إلى كل شيء فقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم على عدم العدل فيهم وقال- ﵌: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) ولما كان هو ﵊ قدوتنا فنحن مخاطبون بأن نكون مثله في عموم رحمته وشفقته وعدله وبره وإحسانه. نفعل الخير عاماًّ، كما تعم خيرات الله تعالى العباد، نفعله لأنه خيرٌ نستطعم لذته، غير منتظرين جزاء، إلا من الله. لأن من انتظر الجزاء من الناس وفي هذه الحياة لا بد أن يميل بخيره عن جهة إلى جهة، وربما يكون في ميله قد أخطأ وجه الصواب، ولا بد أيضاً أن ييأس فيفتر في العمل أو ينقطع عنه عندما يرى عدم المكافاة
стр. 209
من الناس وعدم ظهور أثر خيره في الحياة وأبناء الحياة.
وقد أفادت الآية- حسبما تقدم- أن أسباب الحياة والعمران والتقدم فيهما مبذولة للخلق على السواء، وأن من تمسك بسبب بلغ- بإذن الله- إلى مسببه، سواء أكان براً أو فاجراً مؤمناً أو كافراً. وهذا الذي أفادته الآية الكريمة مشاهد في تاريخ المسلمين قديماً وحديثاً، فقد تقدموا حتى سادوا العالم ورفعوا علم المدنية الحقة بالعلوم والصنائع، لما أخذوا بأسبابها كما يأمرهم دينهم. وقد تأخروا حتى كادوا يكونون دون الأمم كلها بإهمال تلك الأسباب فخسروا دنياهم وخالفوا مرضاة ربهم وعوقبوا بما هم عليه اليوم من الذل والإنحطاط، ولن يعود إليهم ما كان لهم إلا إذا عادوا إلى امتثال أمر ربهم في الأخذ بتلك الأسباب.
فهذه الآية من أنجع الدواء لفتنة المسلم المتأخر بغيره، المتقدم لما فيها من بيان أن ذلك المسلم ما تأخر بسبب إسلامه، وأن غيره ما تقدم بعدم إسلامه. وأن السببب في التقدم والتأخر هو التمسك والترك للأسباب. ولو أن المسلم تمسك بها كما يأمره الإسلام، لكان- مثل سالف أيامه- سيد الأنام.
النظر في تفاضل البشر:
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ (١).
إن من أعظم العبر ما نشاهده في أحوال الخلق أمماً وجماعات وأفراداً من الإختلاف الشديد. فقد اختلفت بواطنهم النفسية، كما اختلفت ظواهرهم الجسدية، وإنك كما تجد أبناء الأمة الواحدة
стр. 210
يتشابهون في تركيب أجسامهم، ثم لا بد من فروق تتمايز بها شخصياتهم، ويتبع هذا الإختلاف إختلافهم في إدراكهم وتمييزهم وأخلاقهم وعاداتهم في ظلالهم وهداهم، وفي درجات الهدى ودركات الضلال. كل هذا دال على بديع صنع الخالق القدير، وعجيب وضع العليم الحكيم. فمكنهم تعالى كلهم من الأسباب وإدراك العقل وحرية الإرادة، ثم فضل بينهم هذا التفضيل. فكان منهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والشقي والسعيد، إلى تقسيم كثير. وفقه أسباب هذا التفضيل هو فقه الحياة والعمران والإجتماع، فلذا أمر تعالى بالنظر في أحوال هذا التفضيل بقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وكيف سؤال عن الأحوال، والنظر المأمور به هو نظر القلب بالفكرة والإعتبار، والجملة في محل نصب على العامل عن لفظهما بكلمة الإستفهام.
وكما فضل بعض خلقه على بعض في دار الإبتلاء، كذلك فضل بعضهم على بعض في دار الجزاء، لكن التفضيل هنالك أكبر، والتفاوت بين العباد أظهر. في مواقف القيامة، وفي داري الإقامة، ويا بعد ما بين من في الجنة ومن في النار. وأهل النار متفاوتون في دركاتها، وأهل الجنة متفاوتون في درجاتها.
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله
﵌ قال: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض)).
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله- ﵌ قال: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك
стр. 211
منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (١) وهذا التفضيل الأخروي هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ وفي هذا ترغيب للخلق في تحصيل الفضل في درجات الآخرة. فإنهم إنما يتهالكون في الدنيا على أن يفضل بعضهم بعضاً في شيء منها، وهي الدار الفانية، فلِمَ لا يتسابقون فيما ينالون به الفضل في الدار الباقية مع أن من عمل لنيل الفضل في الآخرة- وما عملها إلا الخير والمعروف- حاز الفضل والسعادة فيهما على أفضل وجه وأكمل حال. فللآخرة ونيل درجاتها فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (٢).
стр. 212
أُصُولُ الْهِدَايَةِ فِي ثَمَانِ عَشْرَةَ آيَةٍ
" لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا- إلى- وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا " (١).
ــ
تمهيد:
قد أوتي رسول الله- ﵌ جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، فالآية من كتاب الله والأثر من حديث رسول الله تجد فيه من أصول الهداية ودقيق العلم ولطيف الإشارة في لفظ قليل وكلام بيِّن- ما فيه الكفاية وفوق الكفاية لمن أوتي العلم ومنح التوفيق.
فهذه ثمان عشرة آية من سورة الإسراء قد أتت في إيجاز ووضوح على أصول الهداية الإسلامية كلها. وأحاطت بأسباب السعادة في الدارين من جميع وجوهها. وهي- فوق بلاغتها التي عرف العرب أعجازها بسليقتم وأدركه علماء البيان بعلمهم ومرانهم- قد جاءت معجزة للخلق من أي جنس كانوا وبأي لغة نطقوا بما جمعت من أصول الهداية التي تدركها الفطر وتسلمها العقول. وإنك لست واجداً مثلها في مقدارها وأضعاف مقدارها من كلام الخلق بجمع ما جمعت من هدًى وبيان وهذا أحد وجوه إعجاز القرآن العامة التي تقوم بها حجته على الناس أجمعين.
стр. 213
إرتباط الآيات بما قبلها:
موقع هذه الآيات موقع البيان والتفصيل للسعي المشكور في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (١). ووقوعها بلصق قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ (٢) إشارة إلى أن التفاضل في تلك الدرجات مرتبط بالتفاضل في السلوك والسعي المشكور المستفاد من هذه الآيات.
التوحيد:
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾
هذا هو أساس الدين كله، وهو الأصل الذي لا تكون النجاة ولا تتقبل الأعمال إلا به. وما أرسل الله رسولاً إلا داعياً إليه ومذكراً بحججه، وقد كانت أفضل كلمة قالها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي كلمة: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وهي كلمته الصريحة فيه. ولا تكادُ سورة من سور القرآن تخلو من ذكره والأمر به والنهي عن ضده. وأنت ترى أن هذه الآيات الجامعة قد جعلت بين آيتين صريحتين فيه.
﴿لَا تَجْعَلْ﴾ الجعل يكون عملياً، كجعلت الماء مع اللبن في إناء واحد، ويكون إعتقادياً، كجعلت مع صديقي صديقاً آخر. والجعل في الآية من هذا الثاني. ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ المعية هنا أيضاً هي معية إعتقادية. ﴿إِلَهًا آخَرَ﴾ الأله هو المعبود والعبادة نهاية الذل والخضوع مع الشعور بالضعف والإفتقار وإظهار الإنقياد والإمتثال ودوام التضرع والسؤال. ﴿فَتَقْعُدَ﴾ القعود ضد القيام والعرب تكنى بالقيام عن الجد في الأمر
стр. 214
والعمل فيه سواء أكان العامل قائماً أو جالساً، فتقول: قام بحاجتي، إذا جد وعمل فيها، ولو كان لم يمش فيها خطوة، وإنما قضاها بكلمة قالها أو خطاب أرسله. وتكني كذلك بالقعود عن الترك للعمل وانحلال العزيمة وبطلان الهمة سواء كان الشخص واقفاً أو جالساً، فتقول: قعد زيد عن نصرة قومه، إذا لم يعمل في ذلك عملاً، ولم تكن له فيه همة ولا عزيمة، ولو كان قائماً يمشي على رجليه، فالقعود في الآية بمعنى المكث كناية عن بطلان العمل وخيبة السعي وخور القلب وفراغ اليد من كل خير. ﴿مَذْمُومًا﴾ مذكوراً بالقبيح موصوفاً به. ﴿مَخْذُولًا﴾ متروكاً بلا نصير مع حاجتك إليه.
فنهى الله الخلق كلهم عن أن يعتقدوا معه شريكاً في ألوهيته فيعبدوه معه، ليعتقدوا أنه الإله وحده فيعبدوه وحده. وبين لهم أنهم إن اعتقدوا معه شريكاً وعبدوه معه فإن عبادتهم تكون باطلة وعملهم يكون مردوداً عليهم وأنهم يكونون مذمومين من خالقهم ومن كل ذي عقل سليم من الخلق، ويكونون مخذولين لا ناصر لهم. فأما الله فإنه يتركهم وما عبدوا معه، وأما معبوداتهم فإنها لا تنفعهم لأنها عاجزة مملوكة مثلهم، فما لهم- قطعاً من نصير.
والخطاب وإن كان موجهاً للنبي ﵌ فإنه عام للمكلفين، وسر مثل هذا الخطاب تنبيه الخلق إلى أن شرائع الله وتكاليفه عامة للرسول والمرسل إليهم، وإن كان هو قد عصم من المخالفة فلا يبقى بعد ذلك وجه لدعوى مدع خروج فرد من أفراد الأمة المكلفين عن دائرة التكليف.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) القضاء يكون بمعنى الإرادة، وهذا هو القضاء الكوني التقديري
стр. 215
الذي لا يتخلف متعلقه، فما قضاه الله لا بد من كونه. ويكون القضاء بمعنى الأمر والحكم، وهذا هو القضاء الشرعي الذي يمتثله الموفقون ويخالفه المخذولون، والذي في الآية من هذا الثاني. ﴿رَبُّكَ﴾ الرب هو الخالق المدبر المنعم المتفضل. ((أن)) مصدرية والتقدير بألا تعبدوا إلاَّ إياه، أي بعدم عبادتكم سواه بأن تكون عبادتكم مقصورة عليه. فالعبادة بجميع أنواعها لا تكون إلاَّ له. فذل القلب وخضوعه والشعور بالضعف والإفتقار والطاعة والإنقياد والتضرع والسؤال هذه كلها لا تكون إلا لله. فمن خضع قلبه لمخلوق على أنه يملك ضره أو نفعه فقد عبده. ومن شعر بضعفه وافتقاره أمام مخلوق على أنه يملك إعطاءه أو منعه فقد عبده، ومن ألقى قياده بيد مخلوق يتبعه فيما يأمره وينهاه غير ملتفت إلى أنه من عنده أو من عند الله فقد عبده. ومن توجه لمخلوق فدعاه ليكشف عنه السوء أو يدفع عنه الضر فقد عبده. فالله تعالى يعلم الخلق كلهم في هذه الآية بأنه أمر أمراً عاماً وحكم حكماً جازماً بأن العبادة لا تكون إلا له.
وجيء باسم الرب في مقام الأمر بقصر العبادة عليه تنبيهاً على أن الذي يستحق العبادة هو من له الربوبية بالخلق والتدبير والملك والإنعام، وليس ذلك إلاَّ له، فلا يستحق العبادة بأنواعها سواه. فهو تنبيه بوحدانية الربوبية التي من مقتضاها إنفراده بالخلق، والأمر الكوني والشرعي على وحدانية الألوهية التي من مقتضاها استحقاقه وحده عبادة جميع مخلوقاته. وكما انتظمت هذه الجملة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهببة كذلك انتظمت مع الآية السابقة التوحيد العلمي والتوحيد العملي. فالأولى نهي عن أن تعتقد الألوهية لسواه وهو يتضمن النهي عن اعتقاد ربوبية سواه، وهذا من باب العلم. والثانية: أمر بأن تكون عبادتك مقصورة عليه، لأنه هو ربك وحده وهذا من باب العمل. فمن وحَّد الله ﷻ في ربوبيته وألوهيته